- 1-

3 0 00

- 1-

صخرة سوداء ناعمة

"لا تتوقف عن الابتسام حتى وإن كنت حزيناً، فربما فُتن أحد بابتسامتك"

جارسيا ماركيز

الثاني عشر من آب / أغسطس:

(صباح أول):

استيقظنا مبكراً كعادتنا. كان قرص الشمس الأحمر الكبير يصعد تدريجياً من خلف حافة الهضبة التي تسوَّر الواحة، يرمي حوائط البيوت بسهام أشعته الحمراء. ظلال النخيل والأشجار تمتد كأشباح عملاقة على البساط الرملي الأصفر الذي يكسو شوارع الواحة الصغيرة وأزقتها الضيقة الملتوية. ترتفع الشمس قليلاً، مُتَسَللة أشعتها من نوافذ الحجرات التي عششت فيها الظلمة طوال الليل. يستيقظ الجميع، وتعزف الحيوانات والطيور لحنها اليومي الذي لا تمل ترداده كل صباح طلباً للطعام.

حين أحسَّت الأغنام بوقع الأقدام أمام الحظيرة، تعالت صيحاتها مستغيثة من حبس ليل طويل. وما أن فَتحْتُ لها الباب حتى انطلقت في الزقاق تتقافز هنا وهناك محتفلة بيوم جديد. لا أدري ما الذي يعجب الأغنام في تلك الأيام المتشابهة؟ كل يوم مرعى وحقل، وثرثرة في الظلّ وقت القيلولة. لقد وضعنا الله هنا، وسط الصحراء الواسعة، تحيط بنا الكثبان الرملية، والكُتَل الصخريــــة المبعثرة مثل بقع سوداء لا نهائية، تعصف بنا الريح، ويستأثر بنا البرد في الشتاء ولهيب القيظ في الصيف. تستقبلنا الأرض بشقوقها الواسعة التي لا تكف عن طلب الماء.

خرجَت الأغنام في جلبة، محدثة غباراً كثيفاً وأنا وراءها، قادس(*) الخوص الذي يحتوي على طعامي معلق بكتفي اليمنى. في انحناءة الزقاق، ظهرت أغنام "حَمّودَة" التي عرفتُها من خروفه الأسود الضخم "أبي القرون"، كما أطلقنا عليه. له قرنان طويلان يلتفان حول أذنيه. بعدها ظهر حمودة في جلبابه الواسع الذي لا يتلاءم مع نحافة جسده، حاملاً "قادس" الطعام على كتفه اليمنى، وعصاً طويلة تشبهه تماماً، في يده الأخرى:

قال حمودة (رافعاً عصاه لأعلى): كيف الحال يا حسين؟

قلتُ (باسطاً كفي على صدري) : الحمد لله.

في آخر زقاق "الطاحونة"، من جهة المقابر، ظهرت أغنام الولد " زَوَّام"، تنكُش تراب الأرض بأظلافها بينما يسوقها أمامه متكاسلاً ، يقتلع قدميه اقتلاعا، كأنه يسير على بساط من صَمْغ.

قال حمودة ( كأنه رأى عدواً): يا فَتَّاح، يا عليم.

تابَعْتُ يدَه التي ظلت لفترة تشير بالعصا نحو "زوام" المتجه نحونا بأغنامه. كانت آثار النوم عالقة بعينيه.

قال زوام: صباح الخير يا جماعة.

سأل حمودة ( مُستنكراً): ماذا؟ ألم تسمع عن تحية الإسلام؟ قُل السلام عليكم يا أخي. وأردف موجها كلامه إلى زوام: هيا قُل ورائي: السلام عليكم، السلام عليكم، السلام عليكم".

(عقد حمودة يديه على صدره ووقف في وضعية الصلاة وهو يكررها هازَّاً رأسه في حركات متتابعة وناظراً إلى زوام).

مشي "زوام" بجانبي حتى يبتعد عن حمودة الذي يسير من الناحية الأخرى ثم تابع حديثه متوجهاً إلى حمودة:

"لقد مررتَ من أمام دارنا ليلة أمس، أتذكر؟ كنتُ جالساً مع أبي أفتِلُ معه حبل الليف، وأنت مررتَ كالأبكم؛ لم تقل حتى مساء الخير، بل رفعت يدك مشيراً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) سلة ذات غطاء، تصنع من سعف النخيل الجاف، ولها حبل من الليف تعلّق منه، تخصص لوضع الطعام.

بالتحية، نسيت ذلك بالطبع، هاه؟".

قلت : لقد تأخرنا. لابد أن "سُلَيمَان" سبقنا إلى المرعى.

قال حمودة: سليمان لا يفعل ذلك أبداً. إنه الآن رجل كامل، ربما سيتزوج قبلنا.

قال زوام ( يشير بيده كأنه يحيطنا بحبل): ما الداعي إلى فتح سيرة الزواج الآن؟ هو بالكاد بلغ الخامسة عشرة.( يلعب بلسانه في الخواء الذي خلفه ضرسه المفقود).

قلتُ ( موضحاً): إن أباه الشيخ "منطوق" يريد أن يزوجه ليتحمل عنه عبء الأرض، ويكفي الشيخ انه يحل مشاكل الخلق ويحمل هَمّ الجميع.

سأل حمودة: زوام. ما أخبار الطعام؟ إياك أن يكون خبزاً وبصلاً مثل كل مرة".

نظر إليه زوام ولم يعقب.

في الحقيقة، نحن لا نعرف ماذا تضع أمهاتنا من طعام. غالباً ما يكون رغيفاً من الخبز وبيضاً، طماطم وبصلاً أو جبناً، أيْ أيّ طعام موجود في البيت... والسلام.

أمام بيت الشيخ "منطوق"، الذي يقع على أطراف الواحة من الناحية الشمالية، كان "سليمان" بأغنامه الوفيرة منتظراً.. تقف أخته "مليحة" في مواجهة الأغنام من الناحية الأخرى تهش عليها بعصا صغيرة حتى لا تنفلت نحو المرعى في الطريق الذي اعتادته. وحين ظهرت أغنامنا نظرت إلينا مليّا. بادرتُها بنظرة ينوء من حملها الشوق فابتسمت ابتسامة مضيئة، ثم دخلت البيت مسرعة، بينما اندمجت الأغنام في الفضاء الواسع أمام بيت الشيخ مكونة قطيعاً هائلا.

( ما بالك تمُرين بحلاوة وعناد. تنسابين رقراقة كنبع تارة، وتارة تقفزين كطفلة لم تداهمها الأنوثة بعدُ، لكنك تكابرين. رأسك المطرزة بالفراشات والحقول والدُمى المصنوعة من القش والخرق البالية، تعتمل فيها الآن أشياء وخيالات لا تقدرين على الإفصاح عنها. إن مشاعري تصلك بالتأكيد.. أنا أحبك. أريد أن أصرخ بها. لا أعرف كيف أمررها إليك وجميع تلك الحوائط بيننا... ما العمل يا بنت الشيخ ؟؟).

بيت الشيخ في طرف الواحة من الناحية الشمالية، ينفتح بعدها الأفق على فضاء واسع تحتله الكثبان الرملية وأشجار الأثل والسنط والسدر المتناثرة حتى حافة الهضبة التي تظهر للرائي مثل جبل شامخ.

بيوت الواحة في كتلة واحدة دائرية الشكل، تقع فوق ربوة، تفصل بينها أزقة ضيقة مسقوفة في بعض أجزائها، وتنمو في أفنيتها أشجار النخيل، وتبسُق فى المساحات الواسعة – وهي قليلة – أشجار كافور تسمو إلى السحاب، ذات جذوع ضخمة وأغصان متفرعة في جميع الاتجاهات. البيوت متلاحمة كأنها تحتمي ببعضها البعض من حر الشمس في الصيف، ولا تسمح لبرودة الجو بأن تنفذ من خلالها في الشتاء الذي يأتي قارسا لا يحتمل. أما الأفنية فواسعة، لها باب خلفي خاص بالحيوانات، وبوابات البيوت كبيرة ومزدانة في أغلبها بأطر معدنية تعلوها قطع من خشب أشجار الدوم، محفور عليها آيات قرآنية. تشعرك بالحميمية والألفة، تلك البيوت الطينية المعتمة قليلاً في النهار بسبب تداخل حجراتها وكثرة دهاليزها الطويلة، ثم يصعد بك السلم إلى الطابق الثاني الذي يسلمك إلى الفضاء. وهذا الطابق لا يشغله إلا "رواق" للنوم في الصيف، وحجرة "المجلس" التي تستقبل هواء الصيف من نوافذها الواسعة المشرعة على الدوام.

تزايد، في الأيام الفائتة، قلق الشيخ وهو يرى الكثبان الرملية الضخمة تزحف نحو بيوت الواحة وحقولها الواقعة في الناحية الغربية.

الحق أنه لا يمل من التفكير في هذا الأمر... لطالما اجتمع الرجال عنده، وتباحثوا أمر الرمال الزاحفة نحو بساتين النخل وحقول الأرز، لكن أحداً لا يصدق أن تلك الرمال يمكن أن تطمر البيوت أو الحقول في يوم من الأيام، متعللين بأن الله قادر أن يوقف زحفها البطيء هذا، في أية لحظة. يقولون إن الرمال طمرت البيوت القديمة، لكثرة ذنوب الناس.

وصلنا إلى الساحة الرملية التي يتوسطها المسجد. انفصل القطيع منشقاً إلى معسكرين عندما اخترقه "عبدون" بحماره الهزيل رافعاً يده الخشنة بالتحية وقد تدلت ساقاه حتى كادتا تلامسان الأرض. سأله حمودة: إلى أين يا بطل؟.

عبدون (يخلل أصابعه الضخمة بين شعر رأسه الأشعث المتشابك مثل غابة من الشوك): سوف أعلّق الثور في الساقية لأروي أرض المعلم رزق.

حمودة ( ساخراً): ما رأيك، لو علَّقت زوام في الساقية بدلا من الثور؟

عبدون ( يقهقه): يكفي زوام أنه قادر على أن يجرّ جسده.

وتناهى إلى أسماعنا صوت نباح كلاب يأتي من بعيد. قبل أن يفتح زوام فمه كي يضع حداً لهذا الهزل، كان عبدون قد لكز حماره فانطلق، وتجاوزنا بمسافة قصيرة.

يغلق عبدون عينيه الضيقتين حين يضحك، فيرتخي حاجباه الكثيفان، حتى تشعر أنه بلا عينين. هو حقاً فتى طيب، برغم سمرة بشرته الواضحة، إلا أن قلبه أبيض من الدقيق. لا أكاد أذكر أنه تشاجر مع أحد أبداً.

عبدون ابن عم "عبد الفضيل"، لا يخرج معنا إلى المرعى، لا لشيء إلا لكونه لا يمتلك أغناما. والده، الذي لا يمتلك أرضا، يعمل عند الناس. يدير الساقية ويطحن الغلال، فيعطونه كل ما يحتاجه من غلال وفواكه وخضروات، حتى أنه يستكثر ما يُعطى له. صديقنا عبدون يؤثر الوحدة، يعشق حياته برتابتها المعتادة ويكره تلك الأحداث المفاجئة التي قد تهزه من الداخل، ذلك لأن حوادث مفاجئة سابقة قد اخترقت مسار حياته وأحدثت فيه أثراً. هو لا يصاحبنا إلا في الليل، أما في النهار فهو يعمل؛ يساعد والده في ري أراضي الخلق وطحن حبوبهم.

اقترب منا سليمان بعد أن اندمج القطيع:

أنا ( مبتسماً): كيف حالك يا شيخ؟

سليمان ( معترضاً في لطف): يا حسين، ألا يكفيك أن تقول لأبي "يا شيخ"؟

حمودة ( يرسم دائرة واسعة في الهواء تشمل الواحة كلها): إن أباك يحكم هذا المكان، ويحل مشاكله"، قال ثم أردف: تعرف يا سليمان، أنا لو كنت مكانه.

زوام ( يبتسم ابتسامة واسعة بلهاء، فيظهر خواء ضرسه الذي نخره السوس): ماذا كنت ستفعل يا فالح؟

حمودة: كنت أشعلتُ فيك النيران يا زوام حتى تتفحّم ويُشعل بك أبي نارجيلته التي لا يكف عن تدخينها ليل نهار.

ضحكنا جميعاً. رفع زوام عصاه هاشاً بها على حمودة، فانطلق يجري بعيداً.

زوام ( متودداً إلى حمودة): حقاً يا حمودة. ألم تجرب أن تدخن ذلك الشيء؟ ألم تذُق طعم الدخان؟ إن أبي يدخن أيضاً، وأنا منذ صغري أعجب من الدخان الكثيف الذي يُخرجه من أنفه وفمه. يَخرج الدخان صاعداً في فضاء الحجرة حتى يتسلل من الكوَّة الصغيرة في السقف متحداً مع شعاع الشمس الداخل. رائحته طيبة ذلك الدخان، أليس كذلك؟

حمودة: نعم، جربته مرة واحدة. كان أبي قد غادر المنزل تاركاً نارجيلته مشتعلة. تلفّتُّ حولي، كان المكان آمنا. حاولتُ أن أفعل مثله. سحبتُ نَفَسَاً عميقاً، دخل الدخان رئتيَّ حتى كدتُ أختنق. لم أعد إلى مثلها ثانية، لكني الآن، أفكر جديا أن أدخن. ولم لا، فكل الرجال يدخنون. ألسنا رجالا الآن؟

أنا (محاولا تغيير مجرى الحديث، ومشيراً إلى الحُفَر الصغيرة التي أحدثتها آثار قوائم الأغنام أمامنا): انظروا. يبدو أن أحداً سبقنا إلى المرعى.

خلّفنا بيوت الواحة وحظائرها وراء ظهورنا ونحن نحث السير خلف القطيع الذي اتخذ طريقه المعتاد نحو الجنوب الغربي متخطيا أرض المقابر. ما إن تجاوزنا شجرة السنط الكبيرة التي تحرس المنطقة حتى رفعنا أصابعنا السبابة مشيرين إلى المقابر القليلة المتناثرة ونحن نتمتم بسورة الفاتحة. تقدمنا في هدوء، لا ننبس ببنت شفة، ولم يكن سوى ثغاء متقطع واهن يصدر عن القطيع الذي ربما تضامن مع صمتنا أو أخذه جلال الموقف أيضا. تقول أمي بأن الطيور والحيوانات لا تُخطيء رائحة الموت، تشعر باقترابه فتعلو أصواتها مجلجلة في فضاء الواحة، خاصة قبل موت الرجال. " ولم الرجال تحديدا يا أمي؟"، سألتُها مستغربا فأجابت:" إن موت الرجل يعني خراب البيت"، قالت ذلك ثم استطردت:" البوم والكلاب أكثر المخلوقات قدرة على التنبؤ بالموت". قلت مُحتجاً: " الله وحده يعرف متى يموت الناس". أومأت برأسها موافقة على كلامي ثم قالت: لكن الطيور والحيوانات تعرف.

تأملتُ القبورَ التي أحاطتها الرمال، محاولاً أن أتخيل كيف صار حال من فيها. كسر حمودة رهبة ذلك الجو الذي سيطر علينا، عندما التفت إليَّ صائحا وهو يشير إلى زوام:

حمودة ( متوجهاً بحديثه إليّ، ومشيراً بعصاه إلى زوام): انظر يا حسين، ذلك الغبي يُحَرِّك شفتيه مُتصنعا أنه يقرأ الفاتحة.

أنا: ولماذا يتصنع ذلك يا حمودة؟

حمودة: ( يضرب كفَّاً بكف، متحسراً): لأنه لا يحفظ الفاتحة أصلاً، لقد ذهب تَعَب العم "شعيب" معه، في الكُتَّاب، أدراج الرياح.

زوام ( في ثقة): مَن يراهنني على أنني أكثركم حِفظا للقرآن؟

سليمان: دعكَ من ذلك المُدَّعي الذي لا يفقه شيئا يا زوام، أنت أكبر من أن ترد عليه.

(تهلل وجه زوام وهز رأسه اختيالاً).

ظهر الأفق أمام أعيننا واسعاً. أشجار السنط والدوم متناثرة يميناً ويساراً، تحيط بجذوعها القوية أقواسا صغيرة من الرمال، والأغنامُ تعرف الطريق ونحن وراءها في درب صحراوي مطروق. في البعيد، تظهر تلال رملية ممتدة وربوات عالية. انحدرت الأغنام نحو بقعة واسعة من الأرض تنمو فيها الحشائش وأشواك العاقول والحلفاء التي تتخللها بعض أشجار السنط. شرق المرعى منطقة مرتفعة قليلاً يغطيها الحصى الأبيض والصخور الجرانيتية السوداء التي تأخذ أشكالاً لطيور وحيوانات في أوضاع مختلفة. انحدرت الأغنام نحو المنطقة الخضراء التي تتكاثف فيها الحشائش، لكن قطيعاً آخر كان في انتظارنا.

ابتسم لها وابتسمَتْ. ترتدي جلباباً، أرضيته خضراء، نُقشَت عليه دوائر حمراء وبنفسجية وسوداء.. عيناه تشعان بنور عجيب، وعيناها تستقبلان نظراته بارتياح. كانت "سبيل" جالسة مع "عفاف"، ابنة "على المجَبّراتي"(*)، على صخرة سوداء، ضخمة وناعمة أسفل إحدى شجيرات السنط المتناثرة في المرعى. أغنامهما القليلة التحمت الآن مع قطيعنا وتماهت معه، حتى كادت تذوب فيه. المرعى يمتد باخضراره الفقير على مساحة واسعة، تحيط به سهول رملية صفراء وربوات متوسطة الارتفاع تتناثر بينها صخور سوداء ناعمة. من الناحية الجنوبية للمرعى، ثلة كثيفة من أشجار الأثل والدوم ونباتات الرطريط والحلفاء. تلك الصخرة السوداء الضخمة كانت وحدها في هذا المكان، ترقد في ظل الشجرة كأنها جاءت هنا باختيارها. اقتربنا وتبادلنا التحية.

لقد تقابلنا هنا من قبلُ مرات قليلة بمحض الصدفة، فأغنامهما لا ترعى، لأن عم "على

المجبراتي"، وعم صبحي يجلبان لها الأعلاف في الحظائر. خاصة في الصيف. سبيل ابنة صبحي تجلس ساكنة، وإلى جوارها ابنة المجبراتي بجلبابها المتسخ ونحافتها البائنة. صدرها الناهد على خلاف تام مع جسدها الجاف، وعجيزتها المكورة المنكمشة لا تتوافق مع عودها الطويل، فقط كانت عيناها الواسعتان تملكان نظرات قاتلة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) كنية الرجل الذي يمتلك خبرة في تجبير الكسور وإعطاء وصفات لعلاج بعض الأمراض.

حين اقتربنا، حاول حمودة أن يلتقط خيطاً للكلام، فهو يميل إلى عفاف. يشاكسها وهي

تسقيه المرار. تستخدم معه أسلوب الإقدام والإحجام، فتشعل ناره.

حمودة ( مُركزاً نظراته على عفاف): كيف حالكما، متى وصلتما هنا؟

سبيل: جئنا منذ فترة وجيزة، ( عفاف صامتة).

سليمان: والدتك تصنع لي "شَمسِيَّة" منذ أيام. هل انتهت منها؟

سبيل ( تبتسم في عذوبة): إنها تزينها الآن. سترسلها إليك حال الانتهاء منها.

أم سبيل بارعة في صناعة قبعات من خوص النخيل. تمنحها كهدايا لمن يحتاجها ولا تأخذ أجراً مقابل ذلك. أنتَ إذا أردتَ واحدة فما عليك إلاّ أن تأخذ منجلكَ وتخرج حيث أشجار النخل المتناثرة على أطراف الواحة- فهي لا تُثمر ولا تخص أحداً. تمُد يدك بحرص خلال الجريد المتأهبة أشواكه للانقضاض، وتقطع، في حذر، الجريد الأبيض، المضمومة سعفاته، من قلب النخلة، ثم تعود بها إلى العمة "زهرة". ستقابلك مُتهللة الوجه فهي امرأة خدوم، لا ترد أحداً كاسف البال.

حمودة( يسأل سبيل بمكر): بعد أن تنتهي والدتك من تزيينها، مع من سترسلها؟

صمتت سبيل لكن ابتسامتها الجميلة قالت كل شيء. هي فتاة مبتسمة على الدوام، قال سليمان إن ابتسامتها لا تشبه ابتسامة أحد. لا أدري لماذا يغفل أن لوالدتها الابتسامة العذبة ذاتها. أما حمودة فهو يعرف أن العم صبحي ليس لديه سوى ابنة واحدة، ولا مناص من أن سبيل سوف تذهب بشمسيَّة الخوص إلى بيت الشيخ، بنفسها.

إن سليمان، في الحقيقة، لا يلتقي بها إلى لماماً، وحين يجتمعان يدور بينهما حوار مقتضب، لكنهما حين ينفردان في فناء البيت الخلفي يكون لهما شأن آخر. والده يريدها زوجة له، وسليمان لا يستريح في الحديث إلا معي؛ فحمودة لا يؤتمن على سر(اختبرناه أكثر من مرة، وائتمناه على بعض الأسرار، لكنه لا يستطيع قفل فمه) وزوام لا يتحمَّل الكلام في مثل تلك الأمور؛ يحمرّ وجهه خجلاً ويرتبك. سبيل فتاة جميلة.. مربوعة وغضة. شعرها ناعم فاحم السواد، تظهر مقدمته اللامعة من "الإيشارب" الذي تتعمد إزاحته قليلاً إلى الخلف، وتترك خصلة صغيرة من شعرها تنسدل على جبينها الوضاء

* * *

انطلقت عفاف وراء غنيماتها التي شردت متجهة ناحية أشجار الأثل في طرف المرعى، وأنا لكزت حمودة بعصاي، ثم أفهمته أن يتبعني لنراقب الأغنام من الناحية الأخرى. وهكذا، أخلينا الطريق أمام سليمان وسبيل. وقفت أنا في ناحية، وزوام فى ناحية. أما حمودة فقد تعلل بأن عفاف تأخرت وربما لن تستطيع أن تعود بالأغنام الشاردة التي لم تتعود الخروج من الحظيرة إلا نادراً ... وانطلق يناديها.

عفاف ابنة الطبيعة. تحيا بفطرتها. ستظل كما هي، مثل شجرة برية تمتص غذاءها من خصب الطبيعة.. لا تهتم كثيرا بنظافة ملابسها، تقفز حافية بين الأشواك والحشائش مثل غزالة برية. تداهم الرمال الساخنة باطن قدميها ولا تهتم !!

تأخرت عفاف بالفعل، وحمودة الذي انطلق وراءها تأخر هو أيضاً، وسليمان واقف أمام سبيل الجالسة على صخرة سوداء ناعمة أسفل شجرة السنط ، بينما أنا تعللتُ بتأخر حمودة وانطلقتُ أفتش عن الجميع.

حاول حمودة (بعد أن فاض به الكيل) أن يطرح عفاف على الرمال الخشنة بين أشجار الأثل لكنها دفعته في صدره- حين حاول أن يقبلها عنوة- وصفعته صفعة خفيفة على وجهه وكأنها تحذره. وقف متخشبا كتمثال فرعوني لا يدري ماذا يفعل.. استدار ببطء موليها ظهره.. هي أيضا ظلت متسمرة مكانها، تنظر إلى قفاه الذي لفحته الشمس، وما أن خطا خطوتين حتى سمعها تستدعيه، يدها ممدودة نحوه، مد يده وصافحها.. نظر في عينيها طويلا دون أن ينبس ببنت شفة:

عفاف: ( تضغطُ بأصابعها الطويلة على يده): أنا أختك يا حمودة. أليس كذلك؟

حمودة: ......

عفاف ( متوسلة ): ألن ترد علىّ؟

لكنه لم يحر جواباً وزاد نشيجه، فانصرفتُ أنا بخفة، ولم أعلم بما دار بينهما إلا فيما بعد.

(بنت الجنية تلك، ألن تترك الولد وشأنه!! ألا يكفيها والده الذي يمازح كل فتاة تقابله في وضح النهار؟! أنا رأيته يوما أمام بيته وقد استوقف عفاف. امتدح جمالها ونعومة صوتها ورهافة مشيتها وهي تنظر في خجل باتجاه قدميها الحافيتين، وعندما شعر بارتباكها بادرها قائلا: ها قد أصبحت عروسا، سأزوجك بحمّودة. هرولت عفاف من أمامه وقد احمرّت خجلا . لقد أخبرته بذلك فلم يبال بما فعل أبوه قائلا: أبي لا يأخذ الأمور على محمل الجد!).

أخبرني حمودة أنه تلصص ذات يوم عليها وهي تقضي حاجتها خلف شجيرات الأثل – قال أنه لم يكن يقصد التلصص ولكنه كان هناك للسبب ذاته – أحست بوجوده في الجوار فانتفضت مذعورة ويديها ترفع سروالها، رفعته في غمضة عين. كان يقف مذهولاً، وهي مرت بالقرب منه كأنها لم تره!!

لم ترفع عفاف، في ذلك اليوم، عينيها في عينيه. وكلما حاول أن يحدثها تجتنبه. وفى اليوم التالي سألته عفاف: ماذا رأيت ؟"، لكنه لم يجبها.

سألتُه بدوري: وماذا رأيت؟

حمودة (مبتسماً): رأيت وردة متفتحة.

كان يحدثني بينما كانت عيناه تنظران إلى البعيد.

قال كأنما استفاق لتوه من النوم: مرت يومئذ بجواري، ولم تنظر إلىّ. وقفتُ ساهماً ثم استدرت. أنظر ملياً إلى الثقوب التي أحدثَتَها في الرمال. وقتها، داهمني شعور غامض ورغبة شديدة في أن أقدم على الأمر نفسه، وفي المكان نفسه.

أنا: لمَ فعلتَ ذلك؟

حمودة (يهزّ كتفيه): لا أدري!

* * *

جلسنا في الضحى، لتناول الطعام، في هذا الخلاء الواسع الذي لا يدري فيه بنا أحد. السماء ترتدي ثوباً صافياً أزرق، تماماً مثل ثوب الشيخ منطوق الذي يرتديه في أغلب الأحيان، والشمس ابتدأت مشوارها اليومي في الصعود إلى كبد السماء مُرسلة أشعتها الحارقة على كل الموجودات. الأغنام آثرت الظل، فانقسمت إلى مجموعات مسترخية تحت أشجار السنط المبعثرة هنا وهناك. كانت حافة الهضبة- التي ندعوها الجبل- تقف من الناحية الشرقية مثل حائط مهيب، والكثبان الرملية الصفراء على امتداد السهل الصحراوي أسفلها، تزحف ببطء نحو منطقة المراعي، مثل حيوانات ضخمة من عصور بائدة.

حاولت سبيل أن تجعل جلستها إلى جانب سليمان وأفلحت بينما جلست عفاف إلى جوارها، لم ترفع عينيها عن الأيادي التي تعبث بمحتويات أواني الطعام. تختلس نظرة قصيرة بين الحين والآخر إلى حمودة الذي يلاحظها بصمت لم يتعود عليه. أما زوام فقد جلس هادئاً كعادته لا يكاد يبدي حراكاً.

أنا (محاولاً كسر الصمت الذي أبداه الجميع): ما بك يا حمودة؟

حمودة: لا شيء. ( يصمتُ قليلاً) أريد أن أترك هذه الواحة وأسافر إلى مصر، حيث الوجوه النظيفة والفتيات الرائعات.

نظرت سبيل إليه باستغراب، وعفاف لم ترفع عينيها عن الطعام.

حمودة ( إمعاناً في غيظ عفاف): أتمنى أن أعمل في أي شيء آخر، بخلاف رعي الأغنام والذهاب إلى الحقل. أريد أن أرى شيئاً آخر غير النخل والرمال والصخور، أرى وجوهاً غير تلك الوجوه التي أحرقتها الشمس، أشرب من ماء النيل لا من عين المياه الحامضة التي زهدتُها.. أتمنى ألاّ أرى الشمس أبداً.

زوام ( متواطئاً مع حمودة): آه لو أتذوق طعم "الكُمثرى" التي سمعتُ عن طيب مذاقها ممن سافروا إلى هناك!!

ثم قضم قطعة من الخبز وابتدأ يلوكها بصوت مسموع.

حمودة ( مصفقاً بشدة): رائع يا زوام. إذن نسافر معاً، نعمل في جَمْع القمامةِ، حتى لو اشتغلنا ماسحي أحذية، المهم أن نسافر ونرى الدنيا. لم لا نسافر مثلما سافر "عوض"، تُرى كيف أصبحت أحواله هناك؟

سليمان ( غاضباً): لماذا تريدان السفر؟ ألم تسمعا عن الشقاء والتعب اللذين يجنيهما الرجال هناك لقاء قروش قليلة. يجوعون وتنسحق كرامتهم من أجل أن يدّخروا القليل لعيالهم.

حمودة (واضعاً يده اليمنى على رقبته ): لا بأس. أريد أن أجرب؛ إن الرمال التي تحيط بنا هنا تخنقني.

كانت نظرات الفتاتين تنتقلان بيننا بدون تعليق.

أنا: تُرى، ما الذي وصلنا إليه هنا؟ وما الذي يمكن أن نصل إليه فيما بعد؟

نظر الجميع إلىّ بدون تعقيب، كانت نظراتهم تستجدي كلمات أخرى.

أنا ( موضحاً): أقصد من منا أعطى لنفسه مساحة من التفكير ليرى ما الذي حققه، وما الذي يستطيع أن يحققه في أيامه القادمة؟

حمودة: يبدو أن أوراق الشيخ التي تحاول استيعابها أثّرت في عقلك.

ثم التفت إلى سليمان (متأسفاً): عذراً يا سليمان.

سليمان: ولمَ تعتذر؟ لقد تلقيت قدراً من التعليم – شأننا جميعاً – على يد العم شعيب في كُتَّاب المسجد.

حمودة: أنا لا أحب العم شعيب الذي كان يضربني بسبب وبدون سبب، وأكره الأوراق. أفهموني يا ناس. أنا أريد أن أستيقظ من النوم فأجد الواحة وقد مُسِحَت من الوجود بما عليها ومن فيها.

أنا: العم شعيب علمنا كيف نقرأ ونكتب، برغم فظاظة أسلوبه وتجهمه.

هزت عفاف رأسها موافقة، وبادرتني بنظرة ثابتة من عينيها الواسعتين.. لأول مرة ألاحظ دقة أنفها وأتابع بحرص صدرها الذي يهتز لأدنى حركة تبدر منها، ثم سألتني:

قل لنا إذن، ما الذي يدور في رأسك؟

قال لي الشيخ ذات يوم، إن في داخل كل إنسان منا إرادة تستطيع أن تفتت الصخر. لكن المشكلة تكمن في كيفية اكتشافها وتطويعها لتحقيق أهدافنا. وعندما سألته كيف أعثر عليها أجاب: فتش داخلك يا بني.

زوام: وماذا وجدت؟

أنا: إنني أحاول، وهذا يكفيني الآن.

سليمان: حقاً، إننا لا نفكر. نعمل ونأكل فقط.

حمودة( رافعاً رأسه إلى السماء في تضرع): يكفيكم هذا. لا جدوى من الكلام. امسحها من الوجود، يا رب.

سليمان: ستفهم ذات يوم يا حمودة.

قام سليمان وهو ينفض مؤخرته من الرمال التي علقت بملابسه، وخطا خطوات قليلة. وقف تحت سياط لهيب الشمس ووضع حجراً صغيراً عند نهاية ظله على الأرض، ثم بدأ القياس: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعــة...

قال: أربعة أقدام للظل.

كان ذلك إيذاناً بحلول وقت العودة إلى الواحة. لا يمتلك أي منا ساعة لمعرفة الوقت، لكننا نعرف ذلك بسهولة عن طريق قياس الظل. قمنا نهش الأغنام التي عرفت ما نريد فتجمعت في قطيع واحد واتخذت طريق العودة إلى الحظائر.

تفرَّق الصَّحْب بعد أن قطعوا الساحة الرملية الواسعة التي تفصل الواحة عن الدرب المؤدي إلى المرعى. حمودة يكرز أغنامه أمامي، ساهما على غير عادته. يلتصق بالحائط اتقاءً لحرارة الشمس. الحوائط التي ارتمى ظلها تحت قدميه، تصنع خطا ضيقاً، تماماً مثل صدره الذي انحشر اليوم خزياً. كان يدهس كل ما يقابله من "بعر" الحمير المتيبس، أو يركله بقدمه فيتناثر أمامه في قطع صغيرة. ويبدو أنه ارتاح إلى هذا الفعل.

هذا الشارع الذي يعج بالصمت والحرارة هو اختصارٌ للحياة، هكذا. خط رفيع من الظلال التي تجود بها الحوائط، يوازيه تماماً خط رفيع أيضاً من روث البهائم. خطوط متوازية لا تلتقي أبداً، ولكنها تنتهي جميعاً عند نقطة واحدة.

أتساءلُ أحياناً ما الهدف الحقيقي من هذه الحياة، إن كانت أحلامنا لا تتحقق كما نريد، إن كنا نعيش كما يريد آباؤنا، لا كما نرغب نحن. إننا دائما تحت سطوة الكبار الذين يتعللون بأنهم أكثر عقلا وخبرة. فليذهب عقلهم المتحجر هذا إلى الجحيم: لماذا لا نستطيع أن نعبر عن مشاعرنا بطريقة أفضل من هذه ؟؟ لماذا يقيدوننا هكذا ؟؟ إن أسبابهم وحججهم واهية، لأنهم لم يعطونا الفرصة أبدا للتعبير عن أنفسنا كما ينبغي.