- 2 -
فاكهة
" لم يكن خطأها أنها لا تنتمي إلى هذا المكان"
جراهام جرين
(مساء أول):
عندما وطأت قدماي تراب الواحة، لأول مرة، كنت راقصة. قدمتُ مع أهلي الذين لا يعرفون مهنة سوى العزف والغناء، والرقص في الأفراح. كانت أمي – قبل أن يقعدها المرض- راقصة لا تُبارى، وكان الرجال يغذّون السير لساعات طويلة، في ليالي شديدة الحلكة كي يمتعوا أنظارهم برؤيتها ترقص. هي الآن مقعدة. ركبتاها ترتعشان على الدوام ولا تستطيع المشي إلا بمساعدة أحدهم. رأيت بعض الرجال يحتضنوها خلسة، وبعضهم كان يحتضنها على مرأى ومسمع من أبي الذي كان يطأطئ رأسه مبتسماً، وممتناً للمال الذي يلقونه تحت قدميها... ثم تحت قدميَّ، فيما بعد.
في تلك الليلة التي تعرفتُ فيها على "تعلب" رقصتُ كما لم أرقص من قبل، انتزعتُ آهات الرجال وأنفاسهم الحرَّى، وأُصبتُ بغيرة النساء وحقدهن. كان "تعلب"، حينئذ، قادماً لتوه من عاصمة البلاد، ملابسه نظيفة، وشعره مرجلٌ تفوح منه رائحة المدن الكبيرة التي تعلم فيها عبارات الغزل، تلك التي كان يلقيها في أذنيَّ، كلما اقتربتُ منه، فتشتعل حواسي كلها وتتفتح ورود جسدي... غادرتُ الواحة مع أهلي بعد انتهاء ليالي العُرس، وتبعني تعلب. اقتفى أثري ولحق بي في أماكن عدة. تزوجني بعد أن هربتُ معه، ليتني ما فعلت...
ذات مساء مضى، جاء "صُبحي" مُتسللاً، طرق بابي ودخل دون أن ينتظر رداً، ذلك لأن الباب كان موارباً.. لم أدرِ لم فعل ذلك ليلتئذ، وكيف فكر في ردة فعلي تجاه ما كان يقصده!!
كنتُ أشعرُ بأن الليل كله استحال إلى عين كبيرة تتلصص علي. تحسستُ خطاي في الظلمة الكثيفة التي تقبض على الواحة بكاملها، بينما يدي تتلمس الحوائط بين لحظة وأخرى، والهواء في أعالي النخيل يصدر وشيشاً يطن في أذنييَّ ممتزجاً بنباح الكلاب الذي يأتي من بعيد... كلما رأيتها أشعر كأن رأسي ارتطمت في صخرة كبيرة. إحساس لا أقدر على وصفه. إلى متى سيظل لساني منعقداً بحبل من الصمت والتردد كلما واجهتها. لكن " فاكهة" تعرف... نعم، تشعر بي.
كان يعرف مقصده تماماً، لكنني لم أكن أعرفُ كيف فكر في أخذي بتلك الطريقة المشينة!! جاء يدب الأرض بقدميه الكبيرتين اللتين تحملان جسداً قوياً لرجل يستطيع أن يدير ساقيته بدلاً من الثور لساعات.
(متى امتلكَتْ هذه القوة التي تجذبني إليها؟ وكيف استطاعت أن تحرك مشاعري هكذا ولا أقاوم ؟ أي سحر هذا ... نعم أعرف أن للجمال سلطاناً. ترى، هل تريد ما أريده تماماً ؟ نعم ، وإلا فلماذا تلك النظرة النهمة التي تشعل جسدي بلا رحمة، فتمزق أعصابي وتزلزل حواسي. نعم، نعم، لا رجعة في الأمر الآن).
كنتُ أمشي في الزقاق مُحتاطاً متوجساً. أمنّـي نفسي بليلة عذبـة بين أحضـــان "فاكهة" الطرية، وأقسمتُ في سري إنها لو وافقت، فستكون ليلة لا تنسى. قبل أن أصل إلى بيتها كان المشهد مرتسماً أمامي كاملاً: سأجد الباب مفتوحاً. أدخلُ. أجدُها في جلباب بيتي خفيف يبرز أنوثتها الطاغية. تنظر إليَّ كأنها ترى رجلا للمرة الأولى في حياتها. أنظر أنا إليها نظرات مفعمة بالشوق. أقترب. لا تتحرك. أحاول ضمها بين ذراعيَّ، فتنفلت من بين أصابعي وتفر هاربة. أجري وراءها، لكنها تزوغ مني... وهكذا دواليك. لكنها حين تشعر بأن الغضب قد تملكني, تقف مكانها مستسلمة تماماً. وقتها أفرغ غضبي فيها، وهي تتلوى تحتي قابضة عليَّ بذراعين لا ترتجفان ولا تضعفان. وحين تخمد نارها، تسقط ذراعاها إلى جنبيها، راضية مطمئنة.
وَصَل إلى باب البيت. كان يعرف أن لا أحد في البيت غيري؛ امرأة طازجة لم تذق طعم الرجال. يعرفُ أن زوجي في الحقل يروي شقوق أرضه العطشى. أرضي أنا، من يرويها؟
مغلوبة على أمرها "فاكهة"، وأنا مغلوب على أمري. فزوجتي العجفاء لا تهتم إلا بصنع الشمسيات للرجال، وتنظيف حظائر الدواجن، وقص صوف الأغنام. نبيت في فراش واحد، كل ليلة: أنفاسها في وجهي، ورائحة الأغنام( التي أكرهها) قد التصقت بجسدها. إنها تحاول أن ترضيني بجميع السبل، لا شك في ذلك. حاولت أن أعلّمها أن للمعاشرة فنوناً تشعل نار الرغبة في الجسد، لكنها كانت تهز رأسها استهزاءً، وتستلقي مثل جوال من القمح، تاركة لي حرية أن أفعل ما أريد دون أي حركة منها. وعندما أنتهي، تسألني بلا اهتمام "هل انتهيت؟". هل هذه حياة !! لقد أنفت نفسي منها، تلك المرأة الحمقاء.
وصل إلى الباب. وجده مفتوحاً بالكاد. لمح ضوء الفانوس الخافت ينفلت من الباب صانعاً مستطيلاً ضيقاً من الضوء. قبل أن تسبقه قدمه إلى الداخل، كان صوت الصبي – الذي يبيت معي أحياناً ليلة أن يغيب زوجي لري أرضه في الحقل – يخترق أذنيه. تراجع بهدوء، بينما كنتُ أتابع صوت خطواته تبتعد.
حين أصبحتُ بعيدا عن البيت بدرجة كافية، خبطتُ الحائط بقبضة غاضبة، بينما داخلي مرجل يغلي. اجتزتُ الزقاق الضيق- كصدري الذي قارب على الانفجار- وأنا ألعن حظي.
كانت الأضواء الخافتة تتسلل من كوات ضيقة في المنازل صانعة بقعاً حمراء من الضوء على الحوائط المقابلة، بينما اشتدت الرياح قليلاً فتمايلت جذوع النخل المنتصبة في الأزقة وتساقط منها البلح. في الصباح الباكر يجتمع الصبية يدورون تحت النخل. يجمعون البلح المتساقط ويسرعون به إلى دكان "المعلم رزق" ليعطيهم الحلوى بدلاً منه.
كان ابن الجارة عندي في تلك الليلة، يجلس في الداخل على فراش نظيف، يحتل جزءاً من حجرة النوم، وأنا واقفة بجلباب بيتي خفيف أسأله:
أتأكل؟
لست جائعاً.
سأقدح لك بيضتين في الزبد؟ ما رأيك؟ سنأكل معا.
....
لم يجب، لكنه هز رأسه موافقاً.
هيا لنحضر حطباً.
سِرتُ أمامه، أمسك بالفانوس الذي ينشر ضوءه المهتز في المكان. دخلتُ فناء البيت، ثم أشرتُ بيدي لأغصان جافة ملقاة إلى جانب حظيرة الدواجن:
"هات بعضها وهيا ورائي".
دخل ورائي المطبخ قابضاً على بعض الأغصان الجافة. وضعها في الموقد الطيني. تناولتُ علبة الثقاب وأشعلتُ النار التي توهجت فأضاءت المكان، وارتسم لون لهبها الأحمر على الجدار، وامتد ظلان على الحائط المواجه للموقد، أحدهما لصبي تجاوز الحادية عشرة من عمره بأيام قليلة، والآخر لامرأة منحنية على الموقد تقدح البيض في الزبد. اتخذ الصبي خطوتين للوراء، بينما انهمكتُ في مراقبة قطعة الزبد التي بدأت في الذوبان بفعل النار.
كانت ترتدي جلباباً فضفاضاً يزخر بورود حمراء وأوراق خضراء. انحنت لتلقم النار مزيدا من الحطب، نظرتُ إلى جلبابها.. تأملته ملياً.. فذكرني بالحقول الواسعة التي طالما أحببتها ومشيت بين خضرتها طويلا دون أن أملّ المشي.
حين اعتَدَلَت، كنتُ لا أزال متسمراً مكاني، وكأن قدمي قد التصقتا بالصمغ.. مرت إلى جانبي، شممتُ رائحة البيض المقدوح في الزبد قوية.. أخذتُ نفساً عميقاً وكأني أريد أن أستأثر بتلك الرائحة لنفسي.. أن أحتفظ بها داخلي للأبد.. مرت إلى جانبي وخطت بدلال.. زفرتُ زفرة عميقة. جلسنا متظللين ضوء الفانوس الخافت. هي لاحظت نظراتي التي أختلسها.. صمتت ولم تُعقب.
عندما وضعتُ الطعامَ بين يديه أكل كمن لم يأكل منذ عام. التهم طبق البيض عن آخره. كنت أنظر إليه وأبتسم، أما هو فلم يلحظ أنني لم آكل. لم يدرك ذلك إلا بعد أن مسح الطبق كاملاً، ثم انتبه إلى أن يدي لم تمتد إلى الطعام:
فاكهة: ( تنظر بثبات في عينيَّ): أكلت؟
أنا : الحمد لله، (قلتها وقد أنهكتني نظراتها التي نفذت إلى أعصابي مباشرة).
فاكهة ( هامسة): لقد غلبني النعاس.
قامت تحمل بقايا الخبز والطبق الفارغ، وتركتني في ظلام الحجرة الدامس أتخيل أموراً لا أجرؤ يوماً على الإفصاح عنها. جاءت وفى يدها كوب من الماء. علقت الفانوس في مسمار بالحائط، وقدمت لي الماء فشربت، ثم انطرحتُ على الفراش. أما هي فقد أطفأت الفانوس، فعم الظلام.
تحسستُ الفراش حتى وجدت مكاني خاليا إلى جانبه. هو أعطاني ظهره. مضت ساعات قبل أن تهدأ أنفاسه ويغلبه النوم. كانت أحاسيسه الغامضة كلها وحركاته المرتبكة تصل إليَّ عبر ظهره الذي ألصقه بظهري. عندئذ ابتسمتُ ابتسامة عريضة، لم يرها أحد في ظلمة هذا الكون.