- 3 -

3 0 00

- 3 -

بيوت ورمل

"وأحَسَّ فيما كان يرتقي الوهاد الصُفر، أنه وحيدٌ في كل هذا العالم"

غسان كنفاني

بينما ينضج الشاي

على خشب الموقد الطيني ،

تشده رائحة السنوات البعيدة

حاملة إلى جسده الهرم

سيلا من الوحشة والفقد.

وحيدا كان،

منشغلا بعصاه

التي يحث بها جمرات الموقد

يجتاحه بحر من حنين ،

يفور الشاي

بينما رعشة باردة

تتسرب في شقوق ذكرياته القديمة..

ينتفض،

يرنو إلى قرص الشمس

وهو آخذ في الأفول.

* * *

(صباح ثان):

كان بصيص الضوء يمزق بيديه الناعمتين غلالة الظلام المرابضة في الأفق، فتنزلق تحت قدمي الواحة الناعسة، المتشوقة إلى الحياة. ينسحب الظلام بخفة ريشة، تاركاً مكانه لنور الفجر الذي يغافل الأشياء. يتسرب عبر كُوَّات المنازل الضيقة. يرسم خطوطاً ودوائر على الحوائط الطينية ...

أُطْفِئَتْ الفوانيس. فُتِحَتْ أبواب الحجرات والبيوت. تحرك الهواء النائم في الصدور طوال الليل، فاهتزت له أفرع الأشجار وجريد النخل. هدل الحمام فوق أسطح المنازل، وعلا صياح الديكة ونهيق الحمير، مختلطين بدبيب الأقدام ورنّات خلاخيل النساء التي ابتدأت مشوارها اليومي ما بين مواقد الطعام ومواعينه النحاسية في المطابخ، وأواني الماء الفخارية. يهرولن هنا وهناك لإعداد طعام الإفطار - تلك الوجبة التي اعتادها الجميع – الأرز المسلوق في المياه، يُقدَّم في طنجرة نحاسية كبيرة بعد أن يُغطّى بملعقتين كبيرتين من الزبد. يلتف الجميع حولها، بينما ينضج الشاي على خشب الموقد في سخان نحاسي كبير، اسودّ لونه من دخان الموقد.

إنها معزوفة مكرورة ليوم جديد في حياة تلك الواحة التي نسيها الزمن – بعد أن كانت في سالف العصور ملء السمع والبصر –، فتناسته وصنعت لنفسها إيقاعاً يناسبها. هناك في أقصى الصحراء تقبع الواحة الصغيرة في حضن المنخفض الذي يحيطها بحافته المرتفعة كأنه يخفيها عن الأعين. تقع حقولها وبساتينها على أطرافها الشمالية والغربية. أراض خضراء وغابات من النخل وأشجار الفاكهة، ثم تمتد الصحراء الواسعة بساطاً ملتهباً من الناحيتين الأخريين، بكثبانها الرملية الضخمة، وأحجارها السوداء مثل حيوانات بائدة، تتناثر خلالها بعض الأشجار والحشائش.

بعد أن صلينا الصبح مع الشيخ منطوق، سيطر عليَّ قلق غريب فلم أنم. ظللتُ منطرحاً في الفراش، تأخذني الأفكار وتجيء بي حتى تسللت أشعة الشمس من خصاص النافذة الشرقية وبعثت الحياة في الغُرفة. عندئذ أرسل الشيخ في طلبي؛ جاءتني ابنته " مليحة" لتخبرني أن الشيخ يريدني فازداد قلقي. كنتُ أصلي إلى جواره منذ سويعات، ما الذي استجد في ذلك الوقت القصير!

عندما وافيتُه في ذلك الصباح، كان يقف متأملاً بيته الذي أمضى فيه حياته بملابساتها كلها. يبدو أنه يفكر فيما ظللتُ أفكر أنا فيه حتى دخلت عليَّ الشمس مخدعي. كانت اللحظات الحلوة تتراقص في مخيلتي مثل نبع صاف تحطُّ على حوافه الطيور لتشرب. حتى اللحظات والمواقف الصعبة التي مررنا بها وتخطيناها مرّات، ووقفت في طريقنا مرّات أخرى كنتُ أراها من نافذة الماضي أوقات لا تُنسى..

البيت له واجهة جميلة مزينة بحجر أبيض جلبه الشيخ خصّيصا من عمق الصحراء، تعلوه مستطيلات متداخلة من طوب اللبن، لها فتحات تأخذ أشكالا هندسية مختلفة، وقد غرست أعلاها بعض الرايات البيضاء مكتوب عليها: لا إله إلا الله، الله أكبر، محمد رسول الله. كانت زوجته قد أعدتها قبل وصوله من زيارة الأماكن المقدسة.

تسلقت نظراته ببطء جدران المنزل اللبني ذا الطابقين، ببوابته الضخمة التي أحال الزمن لونها الأبيض إلى لون رمادي متسخ.. أتذكر يوم أن جاء "علام " النجار بناءً على طلبه، حتى يصنع له بوابة من خشب شجر "السنط" الذي تم قَطعَهُ (بمعاونة رجال الواحة) من المناطق المحيطة، وتم تقليمه من الأغصان والأفرع، ووُضِع في مجرى الماء لمدة أسبوع؛ حتى لا ينخر فيه السوس في ما بعد... جاء النجار بأدواته، وابنه الصغير خلفه. مكث أسبوعاً كاملا عند الشيخ حتى أتم صنع تلك البوابة، ثم حفر في أعلاها، بخط عربي جميل: "الله أكبر، محمد رسول الله" على قطعة ناعمة من خشب شجر الدوم، وكتب إلى جانب تلك العبارة اسمه وتاريخ صنعها.

ذبح الشيخُ يوم رُكّبَت البوابة البيضاء، كبشا أملحاً، ودعا رجال الواحة لتناول الطعام. يومها عرض على النجار نقوداً مقابل تعبه لكنه أبى، فما كان من الشيخ إلا أن أهداه كمية كبيرة من التمر الجيد، وقال له: خُذ هذا لأولادك. كان ابنه الصغير "بدر" واقفاً آنذاك يتفرج. نظر له الشيخ مبتسماً. وضع يده في جيبه وأخرج قطعة معدنية بخمسة قروش، وأعطاها له..

كأن البيت ينظر إليه ساهماً، طاوياً أيامه القديمة تحت إبطيه، لا يكاد يقوى على الوقوف في وجه الكثبان الرملية التي تزحف بغلظة تجاهه.

استدار ناحية الجُزُر الرملية التي تقترب في كل عام من الواحة، واشتعل رأسه بالأفكار والمخاوف. اتكأ الشيخ على يده اليمنى. جلس على المصطبة. استند بظهره إلى الحائط ونظرات عينيه هناك تمشط مساحات صفراء من الرمال تحاول صدها، ومهاجمتها، وطردها بعيداً عن واحته، وعن بيته الذي لا يتخيل حياته بدونه.

جلسنا أمام البيت على المصطبة التي ما زالت تحمل بين ضلوعها برودة الليل وطراوة ظل الصباح بينما راحت أفكاري تنزّ من رأسي وتسيل على بقية الجسد في خطوط سوداء رفيعة. نظرتُ إلى الشيخ، كان شاردا، تعمل سبابته وإبهامه على تمشيط شاربه الكثّ بآلية وبلا وعي.

هكذا حياتك يا منطوق. بدأت صافية زاهية ثم عكرتها الأيام وصروف الزمن. تلك الألسنة الرملية الطويلة ستدفن بيوتنا ذات يوم كما فعلت مع آبائنا من قبل، ألا من باب للخروج؟

ما بك يا منطوق؟ طوال حياتك وأنت تفكر من أجل الخلق. لكن الرمال تزحف الآن بإصرار نحو بيتك، وحتماً ستلتهمه، ثم تكمل طريقها بلا مبالاة لتبتلع بقية منازل الواحة، ونحن هنا نتفرج. عجباً، ألم ينتبه أحد إلى هذا الوحش الذي يحاول أن يعاود الكرة ؟؟ هل تستطيع أن تفكر في نفسك، وتضع حلولاً لمشاكلك بصفاء ذهن ؟ أستند الآن إلى أوجاعك فلن تخذلك.

استندتُ إلى الجدار بيدي اليمنى، ثم ربَّتُ عليه- نظر بركات إليَّ ولم يتفوه بحرف، كان مشردا بين أفكاره مثلي- كأن يدي تغوص في لحم الحوائط الذي شعرتُ به ينبض ويئن أنيناً موجعاً. لا أعرف ما إذا كانت تلك نبضات قلبي، أم قلب بيتي !!

كل شبر في هذا البيت يشهد على لحظات نبتت عبر أدغال حياتي، وكبرت ملقية ظلالاً متباينة على درب عمري الوعر الذي بدأ يضيق ويقسو كلما اقتربت نقطة النهاية.. إيه يا خيط الذكريات الطويل... كنتُ أراها كما أرى فتيات الواحة، بملابسهن الفضفاضة المزدانة بورود كبيرة ذات ألوان حادة، لكني لا أنسى تلك المرَّة التي انتفضت فيها جوارحي وهَبَّت من مكامنها، حين استقبلتني بنظرة دافئة تحمل معنى يقول: أقبل... لا تتردد. هآنذا أنتظرك. ووجهت تلك النظرة مشاعري تجاهها دفعة واحدة، فدخلتُ بيتهم في اليوم التالي طالبا يدها.

* * *

كنتُ منهمكة في أعمال البيت عندما مط أبي رأسهُ نحو الداخل وزعق :

يا بنت يا مليحة.

أنا (أجبته من عمق البيت): نعم يا أبتي.

اذهبي إلى عمك بركات الآن، ( يسعلُ بشدة) أخبريه بأنني أريده.

حاضر. لكن إذا كان قد بكرَّ إلى الحقل، فما العمل؟ ( ما زلتُ أقفُ في الداخل؛ مُنصتة جيداً لما سيقول ).

لا شيء يا ذكية. عودي لتخبريني بذلك.

قفزت قطتنا البيضاء متخطية عتبة البيت، بالتأكيد التصقت بأبي وراحت تموء وتحك جسدها بذراعه:

أبي (صرخ بغضب هذه المرة ): يا بنت يا مليحة.

أنا ( في ارتباك): حاضر. حاضر.

خرجتُ مسرعة. كانت القطة بالفعل تفعل ما تعودَت عليه:

أنا ( أُسدِلُ كميّ الثوب على ذراعي المبللتين بالماء ): عذراً يا أبي، لقد انتهيت تواً من أعمال البيت.

هل خرج الولد سليمان مبكراً إلى الحقل؟

نعم.

هل أخذ معه طعاماً؟

لا، قال إنه سيعود في الظهيرة.

وصلتُ سريعاً إلى بيت العم بركات، في الزقاق ذاته، بعد بيتين تماما. أمسكتُ بالسلسلة المدلاة على الباب أدقها:

يا عم بركات.

"من؟"، جاء الصوت من الداخل واضحاً قويا.ً

أبي يريدك في المنزل الآن.

كنت لا أزال واقفة أمام الباب حين تعرّف الرجل إلى صوتي:

قال: ادخلي يا بنت.

دخلتُ قاصدةً مكان جلسته. ليست هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها بيت العم بركات، فقد أرسلتني أمي مرات عدة مُحمَّلة ببعض الهدايا، كالخبز والخضروات والبلح والدقيق، إلى زوجته، أم حمودة. كان الرجل الذي تخطى الخامسة والأربعين جالساً على حصير يدوي كبير يشغل نصف قاعة البيت, وأمامه النارجيلة يسحب منها أنفاساً طويلة ويخرج الدخان من فمه وأنفه يتلوى في الهواء. نظر إليَّ مليا, ثم قال :

كيف حالك يا مليحة؟

قلتُ ( باقتضاب): بخير.

أعرف أنه كثير الكلام والمزاح، ولن يكف عن مناوشتي إذا لم أسُد عليه الطريق.

قلت ( بجدية تامة): أبي يريدك الآن.

قال عم بركات ( مهتماً): خيراً؟

قلتُ ( ناظرة إلى الخارج): لا أدري.

قال: حسناً, ضعي النارجيلة في الداخل.

قلتُ: أين خالتي، أم حمودة؟

حين سألتُه كنتُ لا أزال منحنية أمامه، ويداي تقبضان على زجاج النارجيلة. رأيتُ إلى أين تتجه نظراته, فاعتدلتُ بسرعة.فأجاب بالسرعة ذاتها: خالتك خرجت إلى العين لجلب الماء.

استدارت وهي تتأففُ من رائحة الدخان, وخطت بضع خطوات سريعة للداخل. تأملتُها من الخلف. كانت مؤخرتها التي ابتدأت تنضج، تهتز اهتزازات خفيفة مع حركة قدميها المتعجلة.

حين عادت, كنتُ ما أزال في قعدتي لم أتحرك:

مليحة ( تسألني باستنكار): أما زلت مكانك؟

أنا ( بلا مبالاة): سأقوم في الحال.

مددتُ لها يدي لتساعدني على القيام.أعطتني أصابعها بلا مبالاة, فجذبتها إليَّ، وأنا أهم بالقيام... كادت أن تقع عليَّ لولا أن تمالكت نفسها في اللحظة الأخيرة... كنتُ لا أزال متشبثا بأصابعها..

مليحة (في حدة ظلت عالقة بملامحها للحظات): ابتعد عني.

أنا ( متفحصاً جسدهاً): حسناً.. حسناً, ولكنك لم تخبريني؟

مليحة: بم؟

أنا : متى ازددتِ جمالاً هكذا؟

احمر وجهها خجلاً وخرجت من الدار تجري.

العم بركات يفعل هذا أحيانا، حتى أمام زوجته؛ يداعب الفتيات، يلقي بكلمة هنا وكلمة هناك وهو يتضاحك. لا يخجل منهن, وهن يعرفنه جيداً كثير الكلام ولكن قلبه أبيض مثل اللبن- لكن زوجته غالباً ما تعنفه:

يا رجل ألا تخجل!! إنهن في مثل عمر ابنك حمودة.

"مزاح يا ستي, قلنا ألف مرة هذا مزاح لا أكثر"، يقول وهو يكتم ضحكة تنم عن لا مبالاة.

إحساسٌ ما لم يكن موجوداً من قبل, ولم أجرّبه قَطُّ, يقبض عليَّ من الداخل, فأشعرُ كأن جسدي كله يؤلمني ألما ممزوجاً بغضب خفيف يسري في عروقي... خرج العم بركات من البيت, وهو يحك ذقنه الخشنة.

حين وصلتُ إلى البيت, كان أبي لا يزال في جلسته على المصطبة يمسح الأفق المترامي أمامه بنظرة مشتتة، عندما أحس بوجودي سألني:

"ما بكِ يا بنت ؟"

صمَتُ لبرهة, كأني اكتشفتُ للتو أنفاسي المتقطعة, وصدري يعلو ويهبط:

ــ كلب عم صبحي. إنه خارج داره. وأنا خفت عندما سمعته ينبح, فجريت.

* * *

"السلام عليكم"، قُلت.

ردَّ الشيخ منطوق ( مشيراً إلى وسادة القَشّ، إلى جانبه، على المصطبة): وعليكم السلام. تفضل هنا.. ماذا كنت تفعل في الدار؟

لا شيء. الولد حمودة جرّ البهائم, وذهب إلى الحقل مبكراً. وأنا ... كما ترى.

نظرتُ مليَّاً إلى الشيخ: وجدتُه صامتاً شارداً. كما أنه لم يعقب على الكلام كعادته، فسألته:

"ما بك يا شيخ؟"

قال: قم بنا.

أخذني من يدي واتجه ناحية الفضاء الواسع أمام الدار.

كنا نسير بأقدام حافية على الرمال الممتدة التي ما زالت تحمل برودة الليل. سرنا مئات الأمتار بدون أن ينبس الشيخ بحرف واحد, حتى أصبحنا في وسط الكثبان الرملية وقد أحاطت بنا.

أشار الشيخ بيده إلى جزيرة رملية واسعة تظهر في البعيد, بينما تعلوها رءوس نخل جافة.

انظر يا بركات، لقد دُفنت أحلام صبانا هنا.

آه , نعم. إني أذكر البيوت القديمة.

لم تكن قديمة يا بركات, ولكن الرمال التي اعتصرتها بلا رحمة أخرجت آباءنا منها. أترى رؤوس النخيل التي تحاول أن تتنفس... هناك في أعلي التلال؟

نعم يا شيخ, لكنها جافة الآن!!

كان تمرها من أجود التمور. الآن وأدتها الرمال. هل تذكر؟

أذكر جيدا.ً

الآن، تزحف الرمال في اتجاه بيوتنا ومزروعاتنا. هل لاحظت أنها تقترب منا في كل عام عن سابقه؟ ( لا ينتظر رداً).

نعم ، وما الحل يا شيخ؟

"لا أدري. أعتقد أنه لا وجود للحلول"، قال الشيخ وهو يستدير عائداً, وأنا خلفه, ثم تابع حديثه:

أعتقد أنه لو كان ثمة حل لوجده الآباء قبلنا، لكن لا بأس من الاجتماع بأهل الواحة. ولا خاب من استشار.

لكن, هل ترى أن مكان بيوتنا هذه هو المكان المناسب بالنسبة إلى حركة الرمال واتجاهها؟

تقصد أنه كان يجب أن يتم اختيار مكان البناء بعيداً عن حركة الرمال, حتى لا تتكرر المأساة ذاتها. نعم معك حق.

هذا صحيح, لكن من يستطيع الآن أن يعيد كل هذا البناء من جديد. لقد كافح الآباء وجاهدوا من أجل أن نعيش. هل نستطيع أن نؤدي الدور ذاته؟ إن هذا الجيل لا يعوَّل عليه.

يبدو أنه لا يوجد حل آخر سوى السرعة في تدبر الأمور. برغم أن الرمال تحيط بواحتنا.. تحتويها في شكل قوس كبير، يضيق الخناق علينا كلما اقترب.. إن لم يأت الفرج من عنده فلا مخرج. قال الشيخ (ناظراً إلى السماء في تضرع باد).

جلسنا على المصطبة أمام الدار, بينما زعق الشيخ نحو الداخل:

إليّ بالنارجيلة يا بنت.

أتاه صوت مليحة من الداخل: حاضر.

وأشرقت من باب الدار مثل شمس الضحى فتاة وارفة ملفوفة مثل غصن زيتون. كان الكحل يعصف برموشها الطويلة فيزيد وجهها بهاءً. فتاة مثل حقل برسيم تعلقت بأعواده قطرات الندى في صباح عليل نسيمه. انحنت الفتاة لتضع النارجيلة أمام أبيها, فرمقتُها بنظرة فيها ما فيها, فزمت شفتيها وقطبت جبينها. كتمتُ ضحكتي وأشرتُ إليها مُحذراً:

الفحم، بسرعة!

"قلنا حاضر"، امتعضت محتدة, وهرولت إلى الداخل.

ضحكتُ ملء شدقيَّ، وابتسم الشيخ.

جاءت مليحة تحمل بين يديها " شقفة " من الفخار, تحوى فحماً متوهجا:

قلتُ (ممازحاً الفتاة): ها قد أصبحتِ عروساً، سأزوجك بحمّودة.

لكنها انسلت إلى الداخل دون أن تنبس بحرف؛ تخشى بأس والدها بالتأكيد.

* * *

كان الصباح في الناحية القبلية من الواحة يحمل في طيات ملابسه انكساراً ما. انتهى " تعلب" لتوه من الشجار مع فاكهة – زوجته - كعادتهما في كل صباح ومساء جديدين، عندما يسمع الجيران صوته الحاد يملأ هدأة الليل حيناً, أو ينشر ضجيجهُ في سكون الصباح حيناً آخر, يعرفون أن صوت زوجته الآسر سوف يصعد الآن متسلقاً النخل والأشجار, ومفترشا أفنية المنازل الواسعة, ليصل إلى جميع الآذان, سواء رغبت في السماع أمْ عزفت عنه. تعلب يسبّ أسلاف جميع النساء وهو خارج، ويلعن اليوم الذي رآها فيه.

منذ أول ليلة من زواجه وهو يحمل حنقاً عظيماً على زوجته. يشعر أن شعلة قلبه التي حملت حباً كبيراً تجاهها، تخبو شيئاً فشيئاً, وأن كبرياءه ينسحق داخلهُ, حتى ليعتقد أنه صار قزماً وسط الرجال ...

كان شتاءً عندما جاء المأذون، يركب حماره البنيّ, وفراء أسود وثير يزيِّن البَرذَعة. ألقى التحية على الرجال, الذين تجمعوا عند شجرة الكافور الضخمة لانتظاره. ترجَّل المأذون عن دابته, بينما أسرعتُ أحملُ عنه حقيبته الجلدية المنطفئة اللون. شعرتُ (عندما قبضتُ عليها بيدي) أني أقبض على أيامي القادمة...

بيت تعلب يضج بحركة تكاد أن ترفعه من مكانه. الدار الصغيرة كُنست ورُشت أمامها المياه, كما فُرشت "المندرة"(*) البحرية بالسجاجيد اليدوية المخططة بخطوط داكنة مستقيمة, تماماً مثل رتابة الحياة التي تضرب بجذورها الهادئة في أعماق الناس. يُسمع الآن صوت تصادم أطباق ورنين ملاعق، وارتطام أوانٍ معدنية ممتزجاً بصراخ أطفال، ضحكات عجائز، هرولة هنا وهناك، أبواب تُغلَق وأبواب تُفتَح. فأيام الفرح في الواحة في فراشها دائماً، وتحتاج إلى من يوقظها.

كنا قد انتهينا من صلاة المغرب واتجهنا رأساً إلى بيت تعلب. ثمة نسمة هواء ناعمة تحمل رائحة أشجار الكافور, وتبعثرها في الأنحاء، وخرجت من النوافذ المتناثرة أضواء الفوانيس، لتطارد الظلمة الخفيفة التي بدأت تجوب الأزقة والشوارع الضيقة. الأطفال أمام بيت تعلب يسدّون الأفق بصراخهم وضحكاتهم العفوية. كان تعلب قد علق أمام بيته ( للمرة الأولى) فانوساً كبيراً يضيء جزءاً كبيراً من الزقاق الذي رشته النسوة بالماء قبل المغرب بقليل.

دخلنا المندرة البحرية ونحنُ نتمتم بالتسمية والصلاة على النبي، والدعاء لأهل المنزل. ولم يمهلنا علام النجار الذي زعق:

إلينا بالأكل، لقد متنا جوعا".

"يا أخي اصبر، ليس في رأسك إلا الطعام!!"، قال الشيخ منطوق ذلك وضغط،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) حجرة كبيرة مخصصة لاستقبال الضيوف

على كتفه حتى يرغمه على الجلوس. وسرت همهمة خفيفة بين الجمع وضحكات متناثرة.

النساء في الناحية الأخرى يطلقن "زغاريدهن" في فضاء البيت ويتضاحكن بينما يجهزن طعام العشاء: يغرفن الأرز واللحم في أطباق كبيرة, يقطعن العيش الشمسي, ويضعنه، مع ما تم طبخه، على صوان نحاسية كبيرة، ستدخل بعد لحظات قليلة للأفواه المنتظرة. تهرول النساء هنا وهناك, ولجلجلة خلاخيلهن التي تصل إلى آذان الرجال، وقع الرعشة والانفلات إلى آفاق الذكرى حيث تظهر السماء الداكنة المرصَّعة بالنجوم من فتحات الشبابيك وتشرق داخل كل رجل منهم نية مبيَّتة لمعاشرة زوجته هذه الليلة، كما لم يحدث من قبل..

* * *

وحدنا في حجرة زفافنا: فتاة مرحة. لم أشعر بغربة وأنا أجلس جوارها على فراش سميك من القماش المحشو بقَشّ الأُرْز. اقتربت مني, شعرتُ بدفء جسدها الطري. مددتُ يدي بتردد وضممتُها قليلاً إليَّ، فهم جسدها سريعا لغة يديَّ وأبدى الموافقة. لكن ما حدث لي لم يكن في الحُسبان!! ما بال تلك التقلصات اللعينة التي تجتاح أمعائي، تلك البرودة التي تنهش أطرافي ويسري سمها في بقية جسدي. أنا مريض، لا، لستُ مريضاً، لكن الحاقدين دبروا لي مكيدة. نعم، قاموا بربطي حتى لا أقدر على معاشرة زوجتي الجميلة التي يحسدونني عليها. لقد ذهب أحدهم إلى ذلك الوغد الذي يمارس أعمال السحر في واحة "عَنجَريِش" ودبروا لي أمراً. أنا مريض أيضاً، وإلا، فلمَ قطرات العرق الباردة تلك التي تسيل على ظهري؟ يبدو أن الأعشاب التي تحفِّز على المعاشرة والتي أعدَّها لي "علي المجبراتي" ( كان قد أرسلها إليَّ في الخفاء قبل زفافي بساعتين) لم تعط نتيجة.. يعرف المجبراتي بعض أسرار النباتات الطبية، ولا أدري كيف لم ينجح معه الأمر هذه المرّة!

* * *

ابتعد عني قليلاً فاعتدلتُ بحدة. رميته بنظرة قاسية مزقت جدران ضلوعه, فانسلَّ من جواري حاملاً خزيه على كتفيه، قائلاً بصوت خفيض كأنه يحدث نفسه:

"أشعر بأن ثمة من يتلصص علينا"، وأشار إلى النخلة العالية في فناء المنزل. أما أنا فقد اعترتني نوبة من بكاء مكتوم ...

* * *

كنتُ في طريقي إلى الحظيرة ولم أدرِ لماذا تطمرني كل تلك الذكريات القاسية الآن وتكتم أنفاسي هكذا!!

(سبحان الله يا تعلب. إن زوجتك من أجمل نساء الواحة، عيناها قادرة على قتل أشد الرجال. بضة ونفاذة مثل عود نعناع أخضر. عندما ترن بخلخالها وهي خارجة لملأ الجرار من البئر تستسلم النخلات الثلاث المنتصبة أمام بيتك للريح تطوحها كيفما تشاء، ويكف كلب "صبحي" جارك عن النباح، يرخي ذيله ويلتصق بالجدار).

دفعتُ باب الحظيرة فانفتح من لمسة واحدة، كأن يداً خفية سحبته من الداخل قبل أن تصل إليه يدي. وجدتُ الثور – على غير عادته – راقداً، ماطَّاً رقبته إلى الأمام وساقه اليمنى ممدَّدة أمامه. نظرتُ إليه ملياً وأنا أطوّح يدي في الهواء مرات:

حا ... حا .

لكن الثور لم يتحرك. شعرتُ أن خطباً جليلاً قد حدث. هذا الثور الذي أختال به أمام أهل الواحة, هو كل ثروتي الآن، بعد أن بعتُ بقرته لأبي حماد – يرحمه الله – منذ عامين .

هذا الثور الذي يرقد عاجزا, كثيراً ما احتاج إليه أهل الواحة كي يطأ أبقارهم حينما تطلب ذلك. وكلما اعتلى بقرة, شعرتُ بالفخر, وأحسستُ بأن شيئاً ما يكتمل داخلي، يشفي غليلي. يأتي الواحد منهم أمام حظيرتي، ينادي: يا تعلب، إن بقرتي تطلب الثور، يقولها الرجل بخجل بينما أرد بزهو: لا بأس يا رجل، هاتها إلى الداخل. تقف البقرة مستسلمة أمام الثور الضخم الذي يهز رأسه ويدب في الأرض بقدميه، ويزفر في الهواء:

"مرحى يا تعلب انظر إلى ثورك. إنه الملك المتوَّج الآن والمتصرف في الأمور".

حينها أفك القيد، تاركاً الثور يشبع غريزته...

تعشّر جميع الأبقار وتتوالد، وأنت كمن لم يذق قطرة ماء منذ سنين. تحلمُ بأن تُنجب ولداً يحمل اسمك، ويكون شاهداً على رجولتك أمام الجميع. تتمنى أن تقطع تلك الألسنة التي تشعر بأنها تلوك سيرتك، وتجترها لتلوكها من جديد.

* * *

النساء أول من تشمَّمن الأخبار وتناقلنها، فالتقطت أنوفهن خيوطاً متناثرة من أخبار تعلب وزوجته التي أتى بها من خارج الواحة. الغازية التي يتفرس الجميع في لحمها وهي ترقص بدون حياء وسط حلبة العُرس، حتماً تخون زوجها... تناثرت الحكايات عن محاولات فاكهة المستميتة للإنجاب؛ ذهابها إلى العين مع "زهرة"، وزيارتها السرية للشيخ منطوق كي يجد لها حلاً.. "زهرة" زوجة جارهم صبحي هي من تعاطفت معها، وزارتها في بيتها مرات عدة، وأهدتها قمحاً وزيتوناً وتمراً. ترتاح " فاكهة " زوجة تعلب حينما تتحدث مع زهرة. تترك نبع الحديث يجري كيف يشاء دون خوف أو حياء. لقد وصل إلى سمعها كل ما قالته نساء الواحة، عن تمايلها في مشيتها، واهتمامها الواضح بزينتها وملابسها، لكن جارتها الطيبة زهرة تقول إنها غيرة نساء لا أكثر.

أنجبت زهرة فتاة واحدة هي سبيل، ثم انقطع خلفها بعد ذلك. تذرعت بالصبر، وسلمت أمرها إلى من لا يغفل ولا ينام، ومرت السنون بدون جدوى. وقد أوصت أم سبيل فاكهة أن تستشير الشيخ منطوق في أمرها:

اذهبي إلى الشيخ فربما وجدتِ عنده الدواء.

لن نستطيع الإنجاب، أعرف .

لا بأس من المحاولة، ثم دعينا نحاول من ناحية أخرى.

كيف؟

ثمة طريقة واحدة جربتها نساء كثيرات وأفلحت. غداً بعد الظهيرة، نذهب معاً إلى العين .

لماذا ؟

ستعرفين وقتها.

باتت فاكهة ليلتها تفكر في ما عسى أن تُجدي مياه العين. لكنها قالت لا بأس من المحاولة برغم معرفتها الجديّة بأساس العلة: زوجها.

في عصر اليوم التالي، ذهبت فاكهة إلى أم سبيل. ظلت في ضيافتها حتى قبيل الغروب، عندئذ انطلقتا إلى العين بينما فاكهة تقدم رجلاً وتؤخر أخرى. وعند مغطس(*) العين، أمرتها بأن تخلع ملابسها وتنزل المغطس، بعد أن تسمي باسم الله سبع مرات. امتثلت فاكهة للأمر وهي موقنة أن كل ما ستفعله لن يجدي شيئاً. خلعت جلبابها، فسطع جسدها من تحت القميص الأحمر الشفاف أبيض كاللبن. كان القمر قد ارتفع في السماء كاشفا عن سحره الأسطوري ما حدا بالكون أن يقف لحظة مأخوذا بعظمة المبدع وروعة المخلوق، والجسد يمنح الماء ناره فيفور

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) حوض مبطن بجذوع النخيل، يصل عمقه إلى متر تقريباً، تصب فيه مياه العين. يستخدمه الأهالي للاستحمام، كما تستخدمه النسوة لملأ الجرار ومواعين الماء.

ملتاعا على جانبي المغطس بينما تتمايل جذوع النخل طربا.. ضربت زهرة على صدرها شاهقة: " لك الله يا تعلب. أين تذهب، وماذا تفعل يا مسكين!!".

كان القمريُّ يغرّد على هامات النخيل، ورذاذ الماء يتطاير على وجه فاكهة، فتمرر أصابعها النحيلة على وجهها وتفكر في شأنها وشأن زوجها الذي تتضارب الآن مشاعرها نحوه.

أخرجت زهرة، من صُرَّة كانت معها، بعض أعواد البرسيم الأخضر، ودعكت به الجسد المبتلّ بالماء. وضعت بخوراً في نصف ثمرة " قَرْع " جافة، مجوّفة من الداخل وأشعلته فانتشر عطر الدخان حول المغطس.. ظلت فاكهة بضع دقائق في الماء تستنشق البخور، وزهرة تبسمل وتحوقل وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وهي تدعك الجسد العليل بأعواد البرسيم، وحين أيقنت أن المراد قد تم، أمرتها بالخروج وارتداء ملابسها فامتثلت.

كانت فاكهة في طريق العودة شريدة الفكر، زائغة البصر، كتائه في الصحراء، كلما لمح سراباً ظنه ماء.

قالت أم سبيل إن تلك الطريقة أفلحت مع كثيرات. فربما أفلح الأمر معي أيضا. لكني أنا الوحيدة التي أدرك حجم المأساة، وأعرف موضع العيب فيها. كيف آتي بالولد، وزوجي لا يقدر!!

عرف الجميع حكاية الثور لكن "عبد الحي"، الملقّب بأبي حزام، أول من بثّها... كان النهار ما زال في أوله وتعلب مُنهك القوى، يستحم في عرقه، يشد الثور من مقوده، يستحثه على الحركة وفى كل مرة يفشل فيها، يحاول مرة أخرى، لكن الثور لا يستجيب. خرج من الحظيرة كالمجنون يتلفت. تبحث عيناه عن إنسان ينجده. جرى حتى وصل إلى أول الزقاق، وصرخ: "ألحقوني يا ناس. ضاع الثور وانتهى الأمر. ألحقوني يا خلق الله". كان يصرخ ويتلفت يمنة ويسرة، حتى اجتمع عليه نفر من الرجال وفي مقدمتهم "عبد الحي"، حارس الحقول، الذي ما إن رأى الثور في تلك الحالة حتى قال إن أحد قوائمه قد كُسر ولابد من ذبحه. انهار تعلب ولم تحمله قدماه. خر راكعاً في الأرض، يولول كالنساء: "انخرب بيتك يا تعلب. تأتي المصائب للناس فرادى، وتأتيك زرافات".

يحرس عبد الحي حقول الواحة وبساتينها, ويقوم على تنظيف مجاري المياه, ويحسب مواقيت الري للناس. ويدور في مواسم الحصاد بحماره الأسود, وبرفقته ابنه "زوام", يجمعان حزم القمح في الصيف, وحزم الأرز في الشتاء. كما يأخذ نصيبه عند جمع البلح والزيتون، نظير عمله ذاك. كما أن له خبرة في أمــور الذبــح, يساعد الناس في ذبح أضاحيهم, وفي ولائم الأفراح.

العم بركات أول مَن أطلق على عبد الحي: "أبو حزام"؛ لأنه يظل متمنطقاً بحزام عريض- اشتراه من مخلفات الجيش الإنجليزي- فوق جلبابه، يلفه حول خاصرته ما دام خارج البيت. يقول زوام إن والده لا ينزع عنه حزامه الإنجليزي إلا إذا دخل حجرته لينام. قالت زوجته للنسوة أن الحزام ترك علامة بيضاء حول خاصرته، تفصل ما بين نصفه الأعلى ونصفه الأسفل. قال عبد الحي: "للحزام فوائد كثيرة؛ فهو يدعم الظهر ويقويه فلا ينحني على مرّ الأيام، كما أثبِّتُ فيه طرف الجلباب وقت العمل، وأعلّق فيه "المنْجَل"، التي لا غنى لي عنها في تطهير مجاري المياه وقطع الحشائش، إضافة إلى متانة صناعته. تقول الزوجة إن عبد الحي لم يشتر الحزام، كما يدّعي، بل وجده مصادفة في أحد شوارع القاهرة أيام عمله هناك.

قال عبد الحي لابنه: طِر إلى البيت يا زوام، واتني بالسكين الكبير.

طار زوام إلى البيت، وعاد في خلال دقائق قليلة، يحمل سكيناً كبيراً في يده. السكين ذو نصل طويل لامع، تضربه أشعة الشمس فينعكس بريقه في أحداق المجتمعين. نظر تعلب إلى السكين طويلاً. ثم نظر إلى ثوره الذي يتمدد أمامه، وجالت نظراته الزائغة في عيون الرجال المحمَّلة بالشفقة والمواساة، ثم خطا خطوات متثاقلة وجلس منفرداً. رأسه بين ركبتيه تهتز مع نشيجه المتقطع.

جاء "المعلم رزق" مسرعاً عندما علم بالأمر، وفى يده الميزان. قام عبد الحي بمعاونة الرجال بذبح الثور وسلخ جلده وتقطيع لحمه في وقت قصير. وبعد فترة كانت الواحة عن بكرة أبيها أمام الحظيرة، رجالاً ونساءً. الأطفال حولهم يلعبون لعبة التاجر والمشتري, والمعلم رزق يضع اللحم في الميزان... يزن ويبيع في خفة ومهارة، كما اعتاد في دكانه الصغير. جُمع العظم قبل الظهيرة في "مِقْطَاف" من الخوص، وأُلقِىَ به بعيداً... دس المعلم رزق في يد تعلب صُرّة النقود التي دفعها الناس عن طيب خاطر، مقابل لحم ثوره الذي صار اليوم حدثاً يؤرخ به الأطفال ذكرياتهم الصغيرة.

قال له المعلم رزق:

ــ خذ نقودك يا تعلب. أرى أن تشتري بقرة تدر لبناً.