- 4 -

3 0 00

- 4 -

في الظل

"إن الناس ليسوا معصوبي العيون، كلهم،

بل هناك من يعصبُ عينيه بنفسه"

مكسيم جوركي

(قيلولة) :

"وجه الصداقة أخضر شارد،

الشفاه مبللة بشهوة الحوار.. ،

في المقيل يصبح الوقت من الذهب

والكلام من الذهب".(*)

الوقت ظهراً، والسماء ترسل شظىً من نار تكوى أقدامنا الحافية. خرجنا من خنقة البيوت إلى شجرة الكافور الضخمة التي تنتصب أمام بيت العمة "فــوز". أفرعها ممتدة في الاتجاهات كلها, كأنها تريد أن تحتوي الواحة كلها. تصنع في الظهيرة بقعة واسعة من الظل، يلجأ إليها الجميع، الرجال والأولاد، فالبيوت لا تطاق في مثل هذا الوقت من اليوم. في وقت المقيل لا تجد رجلاً في بيته إلا لضرورة. ذباب وحرّ وبكاء أطفال وثرثرة نساء.

قطعنا المسافة الصغيرة بين بيوتنا المتلاصقة والشجرة الكبيرة عَدواً. لا تكاد أقدامنا تطأ الأرض برمالها الساخنة. صنعنا وسائد من الرمال الباردة تحتها,

وتوسدناها. الرجال على مقربة منا يثرثرون بأصوات خفيضة. أحياناً تعلو قهقهاتهم، بينما ينصتون إلى همس أحدهم في أحايين أخرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) للشاعر العربي / عبد العزيز المقالح.

ساعة المقيل هي الوقت الذي ينتظره الرجال بفارغ صبر؛ يفرغون فيها همومهم وتعبهم، ويدخلون أزقة الذكريات حيث نبع الحكايات الذي يفيض أبدا.

لمحناهُ من بُعد يخب في جلبابه الواسع المتسخ, وابتسامته الواسعة التي نحبه من أجلها ترفرف على محياه. كنا مضطجعين أنا وزوام وسليمان، كل منا على وسادته الرملية, نستمتع بالظل الوثير الذي تسربت برودته عبر أجسادنا المتوقدة, ومنحتنا استرخاءً لذيذاً.

في ذلك الوقت من اليوم يمتد الصمت غطاءً كونياً يلفّ الحقول والبيوت, ويهبط الهدوء بخفته على الشوارع والأزقة المتربة, فلا يُسمع إلا صراخ طفل رضيع، أو قأقأة الدواجن في الحظائر. حتى الكلاب أوت على مقربة منا تحت الشجيرات المتناثرة هنا وهناك تستمتع بساعة المقيل.

جاء حمودة يخبُّ في جلبابه الواسع, وأزاح بسرعة زوام من مكانه وسحبه من قدميه, فانحسر جلبابه ليكشف عن سرواله الذي ما إن رأيناه حتى ضحكنا وانقلبنا على ظهورنا, ولوحنا بأقدامنا في الهواء. ما إن ترى حمودة حتى تقفز إلى ذهنك للتو صورة فأر من فئران الصحراء : ساقان رفيعتان، وجه مدبب حاد، عينان صغيرتان وعميقتان، نظرة لامعة ثاقبة وحاجبان كثان. حمودة يشبه والده تماما؛ حاضر الذهن كثير المزاح ، لديه القدرة على أن يزوغ في ثوان.

في ظهيرة الأمس, كنا هنا تحت الشجرة في انتظار حمودة الذي كان من عادته أن يأتي بعدنا. ربما كان يستشعر أنه فرد مؤثر في المجموعة, وواجب علينا أن ننتظره .

ما إن صنع كلٌّ منا كومة من الرمال الباردة واضطجعنا، حتى وجدنا سيلاً من الماء فوق رؤوسنا. كان اللعين فوق الشجرة في انتظارنا. حدد مكان اضطجاعنا, ثم أخرج شيئه وأشبعنا رذاذاً, وتناثرت القطرات منه على ملابسنا. زعق ساعتها أحدهم من معسكر الرجال وألقى فينا خطبة قصيرة عن أهمية التأدب في وجود من هم اكبر منّا سنّا.

كان العم بركات مضطجعاً في الجهة المقابلة. وعندما حدث ما حدث من ابنه, لمحناه ينظر إليه نظرة مليئة بالوعيد بعد أن نزل مسرعاً كأنه قرد تربى في الأدغال. لم يتكلم العم بركات أو يعلق. يبدو أنه أجّل معالجة الأمر حتى ينفرد بابنه، ساعتها ينصت الولد إلى أبيه مطأطئ الرأس, ثم ينسى ما قاله والده بعد لحظات. هذا ما اعتدناه منهما، وبالطبع لم نتركه نحن أيضاً, فقد انتظرنا حتى حانت اللحظة وأشبعناه ركلاً.

هدأ زوام، ورانت لحظة من الصمت, تناهت إلى أسماعنا بعدها كلمات متناثرة من معسكر الرجال, ويبدو أن الحديث كان ساخناً:

انظر. آثار كعبيها مازالت واضحة على مؤخرته.

ها... ها... ها.

هل تعتقد أني مثلك أنام إلى جوارها كالخروف؟

هــوووه ... كــذاب!

كنا نصيخ السمع إلى كلامهم الذي يحمل تلميحات جنسية لا تخفي حتى على الأطفال, فما بالك بنا نحن الذين بلغنا مبالغ الرجال, وابتدأت لحانا وشواربنا تلفت النظر, وتدعو إلى استهجان تصرفاتنا التي يعدها الكبار من أفعال الصبا. نعم, نحن نشعر بأنها صارت كذلك, ونخجل منها أمام الناس, لكن أليس من حقنا أن نلهو قليلاً؟

كانت كلمات الرجال بدأت تجذبنا نحوها, فنزحف على الرمال الباردة رويداً رويداً نحو مقصدهم, حتى خرجت العمة "فوز" بقٌلَّة المياه الباردة التي اعتادت أن تخرجها لهؤلاء المسيطرين على المنطقة الأوفر ظلاً للشجرة الكبيرة, التي تبدو لضخامتها واتساع ظلها كأنها من عهد أبينا آدم. خرجت العمة فوز لتجد الرجال كعادتهم يستلقون هنا وهناك على الرمال الباردة، مثل جذوع أشجار ملقاة كيفما اتفق، فقالت ( مبتسمة): مالكم مضطجعين هكذا كالخراف؟

انفجر الجميع بالضحك. حتى نحن ضحكنا تواطؤاً معها, لتسقينا من ماء قلتها الباردة.

لسانها زالق، يلسع كالعقرب, لكن قلبها أبيض كاللبن. الله ربنا مع تلك المرأة، يتركها زوجها ويسافر للعمل في العاصمة. يغيب خمس سنوات ويتركها هنا وحيدة مع ابنها في واحتنا التي تعاني شظف العيش، وقلة مياه البئر الآخذة في النضوب. زوجها لا يعود في نهاية العام مثل باقي الرجال، وحين يعود يقلب وضع البيت بأحواله المتقلبة وصدره الضيق. هؤلاء الرجـال يستحقون الحسد. يسافــرون إلـى مصر "أم الدنيا", يشاهدون نساءها البيضاوات, ويرتوون من نيلها الذي نسمع عن مياهه الأكثر عذوبة في الدنيا. وفى نهاية المطاف يعودون بوجوه نظيفة، يحضرون معهم ملابس وهدايا مبهرة لأهليهم.

يجتمع أهل الواحة عندما يعود زوج العمة فوز في مدخل داره الواسعة, يتحلقون حوله، يسألونه عن أخبار البلد التي جاء منها. فالبعض زارها, والبعض يحيا على أمل أن يخرج في يوم ما عن نطاق الواحة ليرى بلاداً أخرى لا تحتضنها الرمال, ولا تقف على حدودها الصخور السوداء الجهمة. يمكث أبو حماد في مصر ما يقرب من خمس سنوات متعاقبة, لا يزور فيها الواحة. البعض يقول إنه تزوج من فتاة مصرية بيضاء كالقشدة، لا يتحرك إلا بأمرها, ولا يستطيع زيارة أهله إلا حين تأذن له. وبعضهم الآخر يقول بأنهم رأوه يتأبطها في شوارع مصر المزدحمة بالخلق والسيارات. والنساء يقلن أنه من نوع الرجال الذين لا يميلون كثيراً إلى حياة البيت, فهو من هؤلاء الذين كلما ابتعدوا عن حياة ذويهم صاروا أكثر حياة !!

لقد اجتاحنا حلم السفر مثل هؤلاء, وحاولنا أن نتخيل شكل البلاد التي يحكون عنها. هؤلاء الرجال يظل الواحد منهم بجلبابه المتسخ وأقدامه الحافية المتشققة مادام في الواحة, وحين يقترب موعد السفر يظل أياماً مداوماً على الاستحمام في مَغْطَس العين، تلك العين التي تميل مياهها إلى الحموضة، لكننا نشرب منها ونستخدمها في أغراضنا كافة. ينثال ماؤها صافياً منبثقاً من فتحة ضيقة في الأرض ليصب في المغطس الذي يستخدمه الرجال في الاستحمام، ونحن أيضا. قال عم شُعَيب إن تلك العين حفرها الجن بأمر من سيدنا سليمان عليه السلام. وقال أيضاً إن عيون المياه التي تجري في الواحات المجاورة حُفرت بالطريقة ذاتها. لأن سيدنا سليمان كان لابد من أن يشرب كل مطلع شمس من عين مياه جديدة، يحفرها له الجن الذين سخرّهم الله لخدمته.

حين سألت "الشيخ منطوق", عمدة واحتنا, أخبرني بأن تلك العيون حُفرت في عهد الرومان, وما زالت تسيل منذ ذلك الزمان, بعضها طمرته الرمال, وبعضها نضب ماؤه, ولم يبق إلا تلك العين التي نشرب منها, ويُروي منها النخيل والزرع. والحقيقة أنني قلقتُ وجفَّ حلقي حين أيقنت أن تلك العين يمكن أن تنضب يوماً ما, فتصبح واحتنا أثراً من بعد عين، مثل واحات كثيرة طُمرت بعد أن جف ماؤها ويبست أشجار بساتينها، كان القلق يأكلني حيال ذلك فسألته:

" وما العمل إذا جفت ماء العين؟".

- لقد تقدمنا بطلب إلى "إسماعيل أفندي" رئيس الدواليب(*) كي يرفع شكوانا إلى الحكومة. لن ننتظر حتى تجفّ المياه.

وماذا ستفعل الحكومة؟

لابد من أنها سترسل لجنة لتقصّي الأمر, ثم تشرع بإرسال دولاب لحفر بئر

جديد, أو تطهير عين رومانية مطمورة. أما والحال تلك, فقد تقلصت مساحة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) الدولاب : آلة تعمل بطريقة يدوية بدائية لحفر الآبار.

المزروعات حين نقصت المياه برغم أن الضرائب المقررة على المحاصيل كما هي.

لكن هذا ظلم يا شيخ!!

كما ترى يا بنيّ, لا أحد يهتم هنا. لقد جلستُ مع رجال الواحة مرات، لكنهم يقولون إن الطلبات لن تجدي, والحكومة لن تنتبه إلى واحة صغيرة تقبع في عمق الصحراء.

لكن جابي الضرائب يصل إلى واحتنا. ينزل ضيفاً ثقيلا، يأكل ويشرب وينام, ثم يأخذ أموالنا ويذهب في حال سبيله.

إنه مفوَّض من قِبل الحكومة, وواجبنا أن نخدمه .

وتساءلتُ في نفسي: أليس من واجب الحكومة أن تخدمنا أيضاً .

عاد أبو حماد، زوج العمة فوز, من السفر في المرة الأخيرة التي لم يسافر بعدها. وفى اليوم الأول احتد مع ابنه – الوحيد حينئذ – وضربه على وجهه. وفى اليوم التالي لم يُعثَر للابن على أثر.

ركب الأب في جمع من الرجال بعد أن تجمعوا تلقائياً في بيت أبي حماد دون أن يدعوهم أحد. الجميع تركوا أعمالهم في الحقول, وعرضوا مساعداتهم على الرجل الذي كان يجلس على مصطبة داره، وعيناه تتفحصان الأرض بصمت.

"ماذا حدث يا أبا حماد؟"، سأل المعلم رزق – صاحب الدكان الوحيد- بعد لحظات ثقيلة من الصمت الذي كان يخيم على المكان، لم يكن يُسمع في خلالها سوى بكاء مكتوم للعمة فوز من الداخل, ومواساة النساء لها.

قال أبو حماد (بصوت خفيض): في الصباح، لم أجد الولد في فراشه.

كان الجميع يعرفون ما حدث في الليلة الماضية حين علا صوت أبي حماد بالشتائم والسباب للولد وأمه. لا يعرف أحد سبب العراك, فلم يكن هناك وقت للاستفسار.

سأله الشيخ منطوق (وهو يحك ذقنه): هل سألت أصحابه؟ ربما يعرفون مكانه.

استدار الجميع نحوي بأعين متسائلة، هو أكبر منا سناً لكنه كان يجلس معنا في أحايين كثيرة.

قلتُ ( وأنا أوجِّه نظراتي هنا وهناك): لقد بحثنا أنا وحمودة في كل مكان، وتفقد عبدون الطاحونة وما حولها من حظائر أيضاً ولم يجده. وذهب سليمان وزوام يبحثان عند الساقية البحرية حيث نجلس في بعض الليالي، لكنه لم يكن هناك.

قال الشيخ منطوق، (بعد أن هب واقفاً): اسمعوا يا رجال، نطلب مساعدة "عبد الحميد برهوم".

كانت الشمس تتوسط السماء حين أخترق الركبُ الحقول، مررنا إلى جانب الساقية البحرية محتمين بأشجار الكافور من أشعة الشمس الحارقة، بينما كان نهيق حميرنا المجتمعة يصنع معزوفة تصمّ الآذان. كان صبحي يروي أرضه، يدور خلف الثور المعلق بالساقية ويغني " وخالي من العيب يا عين، لكن الأصحاب تعبوني". اندهش حين رأى الجميع على الحمير في هذا الوقت من اليوم. لم يكن يعرف بما حدث, فهو في حقله من الليلة الفائتة:

"خير يا جماعة !!", سأل، وبدون أن ينتظر الرد أوقف الثور وقيده أسفل شجرة السنط إلى جوار الساقية. فك حماره, وبقفزة واحدة كان على ظهره.

حين لحق صبحي بنا, كانت الحمير تعدو في مدق رملي مثيرة بقوائمها غباراً خانقا.ً ألقى صبحي السلام, وعلم من خلال أحاديثنا بما حدث. حاول جاهداً أن يخفف عن أبي حماد بالحديث محاولاً تهوين الأمر، وأن يتفاءل خيراً لأن الولد لا يمكن أن يذهب بعيداً. وجدنا أنفسنا بعد فترة وجيزة وسط كثبان رملية مرتفعة تسف غباراً في وجوهنا. أبو حماد يتلفت بعينين زائغتين يميناً ويساراً كمن يتمنى أن يعثر على بغيته في الطريق. كان يلكز حماره بقسوة ويزفر بين لحظة وأخرى. أمامنا كان الشيخ منطوق بلحيته الشعثاء، يتأمل الرمال الصفراء التي تزحف كل عام ببطء نحو مزارعنا وبيوتنا.

كان الطريق الصحراوي آخذاً في الصعود وسط كثبان رملية عالية، حتى لم يعد يُسمع سوى لهاث الحمير المتلاحق، التي ما تلبث أن تنتزع حوافرها من الرمال الساخنة لتغوص مرة أخرى، بينما يقطر العرق على الجباه، ويسيل لزجاً مشبعاً بالغبار على الأجساد التي تلسعها حرارة الشمس من دون رحمة ولا اعتبار لإنسانية المهمة التي نقوم بها. كانت تظهر على يسار الدرب في البعيد جزيرة واسعة من الرمال يبرق أمامها السراب كماء زلال. التفت الجميع بعفوية نحو تلك البقعة وراحت نظراتهم تتأملها بصمت. تتأمل النخيل الذي انطمر في الرمال ولم يعد يبين إلا أعالي جريده الجاف:

قال الشيخ ( متحسراً): كل ذلك النخل طمرته الرمال.

قلتُ ( مُعقباً): مثلما طمرت بيوتنا القديمة.

قال عبد الحي ( متوجهاً إليَّ، يفسر الأمر، بينما يحرك يديه هنا وهناك): حقاً يا بركات، إن قسوة الرمال وبأسها يقضيان على أيّ طموح هنا. أرى الرمال بأم عيني وهي تقترب رويدا، رويداً نحو منازلنا ونخلنا( ثم ناظراً إلى الشيخ منطوق) ألم تلاحظ يا شيخ أن الرمال في كل عام تلتحم أواصرها عن العام الذي يسبقه حتى قاربت التلال الضخمة تلك على الاندماج؟

قال الشيخ (بعد فترة صمت كان ينظر خلالها في ثبات نحو أطلال البيوت القديمة): ستصبح جزيرة رملية مهولة، عندها ينهار كل شيء تحت سطوتها.

لم يشارك أبو حماد في حديثنا القصير عن وطننا المطمور تحت الرمال، لكن المرارة ملأت حلقه من جراء الحديث، فتناسى ابنه للحظات، وراحت عيناه تتشربان بقايا الأطلال وهامات النخل التي تظهر منكسرة أعلى الرمال .

وقفنا على مقربة من منازل العرب، وسألنا صبياً عن دار عبد الحميد برهوم الذي تعرفه الواحات المجاورة كلها، بخبرته في قص الأثر. إنه يعرف الصحراء شبراً شبراً، طرقها مع والده بقوافله التي عبرت درب الأربعين لسنوات طويلة، وعرف أسرارها ومخاطرها. كانت قوافل الحاج برهوم تطرق دروب الصحراء بين واحات مصر الغربية حتى السودان لقد سمع الجميع منه أعاجيب لا تصدق.

أشار إلينا بيده تجاه بيت كبير، وقال: هوذا.

البيوت هنا قليلة متناثرة. يحتل بيت عبد الحميد مساحة واسعة وفناءً كبيراً تشعر أنهما يمتدان إلى ما لا نهاية. ومن سوره الواطئ ظهرت أعناق الإبل المشرئبة نحو السماء. واجهة المنزل مزينة بنوع من التربة الطفلية البيضاء. له بوابة كبيرة مزينة بأطر معدنية، وفى أعلاها ثُبت مقبض دائري الشكل ينتهي بقطعة معدنية، في أغلب الظن أنها نحاس على شكل رأس غزالة. في الحقيقة أنا لم أعرف في البداية لماذا يسمونهم العرب! سألتُ الشيخ، كما تعودت أن أسأله دائما عما أجهله، كنت أسأله عن أشياء كثيرة يطلقها الناس هنا على عواهنها بدون أن يكلفوا أنفسهم عناء السؤال، فالشيخ لديه إجابات عن أسئلة كثيرة، كما أنه لا يكف عن التقليب في أوراقه وكتبه متى كان يجلس صافياً خالي البال. سألتُه عن العرب الذين يقطنون في منطقة جبلية منعزلة عن الواحات الأخرى، يمتلكون أعداداً لا حصر لها من الإبل والأغنام والماعز. أنا عن نفسي أحسدهم عليها، وأتمنى أن أمتلك جملاً واحداً. الشيخ قال إنهم بالفعل قدموا من شبه الجزيرة العربية عندما فتح عمرو بن العاص مصر، وتنقّلوا في مناطق كثيرة بطول مصر وعرضها، واستقروا أيضاً في مناطق مختلفة.

نزل صبحي من فوق حماره، بقفزة ماهرة. أمسَك بالمقبض المعدني يضرب به خشب الباب، طرقة، ثم أخرى حتى خرج الرجل بشحمه ولحمه.

دارَ عبد الحميد يوماً كاملاً حول الواحة. اخترق الكثبان العالية التي تحيطها، ومعه الرجال الذين تركوا أعمالهم لليوم الثاني وتفرغوا لما هو أهم.

اجتَمَعَت النساء في بيت العمة فوز وحولهن الأطفال، وقامت بعض النسوة بأعمال المنزل. أعددن الطعام ونظفن البيت وملأن الجرار من العين، وهمسن وثرثرن في أمر الابن الضال وفى أمور أخرى كثيرة.

قال عبد الحميد برهوم إن الولد اخترق الكثبان الرملية متجهاً شمالاً حتى تسلمه المدقّ الرئيسي الذي يربط بين واحات كثيرة. لقد رأى الجميع آثار أقدام الولد. قال عبد الحميد إنه كان يحمل شيئاً لأن آثار قدميه غائرة في الرمال بدرجة كبيرة، وأيده الأب في ذلك قائلاً إن الولد أخذ بالفعل بعض ملابسه وأغراضه. مر على هذا الأمر الآن أكثر من عام، وعمتي فوز لا تفتأ تذكر ابنها.

تقول "منذورة"، زوجة المعلم رزق إنها تدخل حجرة ابنها بين الحين والآخر، تغمض عينيها وتأخذ نفساً عميقاً، كأنها تحاول أن تتنفس رائحته، تقلّب في ملابسه القليلة، تأخذ جلبابه، تشمه، تمسح به وجهها، تحتضنه وتبكي. وماذا تستطيع أن تفعل سوى ذلك. ما أكثر الأيام التي نزلت فيها دموعها ساخنة، وما أندر لحظات الفرح، فأبو حماد ضيق الصدر سريع الغضب. كان أكثر غضباً في بداية زواجه، وتذكر العمة فوز أحياناً للمقربين إليها من النساء حكاية زوجها حين غضب منها وأمرها أن تخرج إلى بيت أبيها بعد شهر واحد من زواجها، لكنها آثرت أن تستكين بلا صوت في أحد أركان المنزل حتى يهدأ غضبه، لكنه استشاط غضباً لمَّا وجدها مازالت في المنزل. أحضر حماره من الحظيرة وربط يديها في طرف المقود، ثم ركب وجرّها وراءه إلى بيت أبيها. تحكي فوز في أوقات الصفاء لجيرانها تلك المواقف، وتضحك قائلة: ماذا تملك الواحدة منا أن تفعله مع هؤلاء الرجال؟

معها حق، فزوجها شديد المراس داخل البيت: حين يدخل، يتحول المكان إلى جمرة متقدة.. لكن تعال كي تراه فئ أي مكان آخر، مثلاً، في ظل شجرة الكافور التي أمام بيته مباشرة؛ ضحكته العالية لا تفارقه، مزاجه الرائق، حكاياته الطريفة التي يحكيها عن مواقف جابهته في مصر- لكنه في البيت إنسان آخر.

كلما عاد أحدهم من مصر كانت هي أول مستقبليه. تسأله إذا كان قد رأى ابنها هناك، وحين يجيبها بالنفي تعاتبه بمرارة، لأنه لم يكلف نفسه مشقة السؤال عنه. تظن أن مصر هذه بحجم واحتنا.

استحوذ على أبي حمّاد الهم، بعد هذه الحادثة، وترك أثراً واضحاً على ملامحه التي تغضَّنت، وعلى وجسده الذي أخذ في النحول. اعتزل جلسات الرجال ولازم داره. لا يكلم أحداً إلا إذا بادره بالكلام. لكن زيارات الناس لم تنقطع عن داره طوال هذه السنة. النساء يترددن على العمة فوز حاملات تحت شيلانهن السوداء ما أكرمهن الله به من خبز وأرز وبصل لمساعدة البيت المنكوب، والرجال في حقل أبي حماد يروون أرضه ويزرعونها. لكنه رأى في نهاية الأمر أن يسلم أمره إلى الله، وينزل إلى حقله الصغير ليزرعه.

اشترى بقرة وجرَّها خلفه، يشدها إلى الأمام، وهي تسحبه إلى الخلف، حتى أجهده الأمر، فالتقط عصاً وضربها ضربة شديدة. قفزت البقرة ساحبة إياه فوقع على ظهره: يداه متشبثتان بالحبل، وهي تجره في الأرض المحروثة، فلم يجد بُدَّاً من إفلاتها، فانطلقت حتى وقفت ساكنة أمام حظيرة صاحبها الذي باعها من لحظات. حاول أبو حماد القيام، لكنه لم يستطع. كان جسده كله يؤلمه. اجتمع الناس على صراخه، حملوه للمنزل وهو ما زال يتحسس ظهره ويصرخ.

أدخله الرجال برفق حجرة نومه، وضعوه على فراش صُنع من بقايا أقمشة وملابس بالية. كان لا يزال متشبثاً بأيديهم عندما أنطرح جسده على الفراش. انصرف بعدها الرجال. جلس بعضهم على المصطبة خارج البيت، بينما ذهب البعض لإحضار "على المجبراتي". قصدوه ليس لإقناعه بالحضور لأنه سيأتي في لمح البصر إذا التقطت أذناه الخبر، لكن الطبيعة هنا جبلت الناس على التعاون عندما تسوء الأمور.

أبو حماد بالداخل يعتصره الألم. يشعر كأن خلية من النحل تطن في رأسه.

* * *

"احتمل يا رجل. لقد صدمتك سيارة في مصر وقمت بعدها كالحصان. حيوان لا عقل له يفعل بك هذا!! يبدو أنك كبرت وشاخت عظامك، لكنها بسيطة، بعون الله"، كانت تلك الهواجس تمر مشوّشة في رأسي، بينما بصري يجول في سقف الحجرة. تفحصتُ السقف جيداً. أنام في تلك الحجرة كل ليلة. كيف لم ألحظ ذلك!! آه، رأسي تؤلمني، كل هموم الدنيا تتصارع الآن في رأسي، بينما تدق طبول العجز الذي احتواني وقيدني بذُل إلى الأرض، يا للرعب الذي أعيشه. ما بال ذلك "العِرْق" الخشبي في منتصف السقف وقد تقوَّس نحو الأرض وظهر فيه شق واسع؟ المصيبة الكبرى هي تلك البقع الحمراء التي خلَّفتها حشرة القارضة (الأرضة) وهي تحفر في العِرْق أنفاقاً وتبني فيه بيوتاً. هذا العرق الضخم الذي يحمل السقف كان جذع شجرة سنط كاملة قطعتُها بمساعدة النجار، وحارس الحقول. يومها مرّ علينا بركات. وحين عرف الغرض من قطع الجذع، أخبرنا بأن هذا الشهر ليس موعد قطع السنط؛ فإن لم يُقطع في عِزّ الشتاء البارد سوف ينخره السوس، وإلا فعلينا أن نتركه في الماء أسبوعاً كاملاً، قبل أن يُرفع به السقف. يومئذ أجاب علام بأنه يعرف هذا الكلام.. لقد نصحني مرارا، لكنني لم آخذ كلام النجار مأخذ الجد.

"ليتني سمعتُ كلامكما، آه، لماذا يتداعى الآن، لماذا الآن؟!".

* * *

في حياتنا العادية، كان لا يحدّثني إلا قليلاً. يخرج كلامه دائماً على هيئة أوامر غير قابلة للنقاش " أفعلي كذا وكذا. لا تفعلي كذا. أذهبي. تعالي... إلخ "، وعليَّ أن ألبي. لا جدال. أحياناً كان يسب ويشتم أما أنا فلا أجيب، كأني صماء بكماء. إن كل الرجال هكذا، وإلا لماذا يسمونهم رجالاً. دخلتُ الحجرة بهدوء. نظرتُ إليه، أحسَّ بي إلى جانبه، لكنه كان ينظر في ثبات إلى سقف الحجرة.

"هل أنت بخير؟"، قلتُ في صوت خفيض.

"الحمد لله"، ردَّ ونظراته عالقة في السقف.

أصنع لك شاياً؟

نعم ... لا ... لا أريد.

* * *

استدارت زوجتي خارجة بينما راحت الأفكار تتلاطم في رأسي... لقد تزوجتُ هنا، على الفراش ذاته الذي أرقد عليه الآن عاجزاً. في الحجرة ذاتها رزقني الله بحماد الذي لا أعرف في أي البلاد هو الآن. يا لله، كيف يكون المكان نفسه سبب سعادة صاحبه لحظة، وسبب شقائه في لحظات أخرى!!

* * *

فحصه "على المجبَّراتي". مرَّت يداه ببطء على ظهره. توقفَت عند بعض المواضع، وضغطت أصابعه في أماكن أخرى، ثم قال:

- كدمة بسيطة، لا توجد كسور.

قالت فوز(موجهة نظرات متسائلة نحو المجبراتي): هل معنى ذلك أنه سيقف على قدميه ويتحرك مثل الناس؟

نظر الزوج إليها نظرة استنكار، واعتبر أن سؤالها يشكك في قدراته، وتطوع أحدهم بالرد:

- بالطبع، سوف يجري مثل الحصان.

قال آخر متوجهاً بحديثه لأبي حماد: إن شاء الله ستصبح أحسن مما كنت.

قال المجبراتي: ليس لدينا وقت لهذا الكلام، أحضروا لي قطعة من البلاستيك.

تسابق رجلان نحو الخارج لإحضار المطلوب، وجاء كل منهما بقطعة كبيرة من البلاستيك السميك كانت في الأساس أكياساً تحوي أسمدة كيماوية.

قال المجبراتي: ساعدوني حتى نُجلسه.

وضع الرجال أيديهم أسفَل ظهر الرجل برفق حتى أجلسوه وهو يصرخ. لفّه المجبراتي بالبلاستيك. وضَع قطعة على ظهره وأخرى على بطنه، ثم ربطهما حول جسده ببعض الأربطة، وأمرهم أن يتركوه هكذا لمدة يومين حتى يعود لزيارته. وجاء فعلاً بعد انقضاء يومين كاملين. فك عنه الأربطة وأمر بماء ساخن. بلل قطعة من القماش ثم عصرها جيداً، ومرَّرها على جسده. فعل ذلك عدة مرات، ثم قال: مدّدوه على الفراش. مدده الرجال برفق، وصراخه يشتد في كل يوم عن سابقه:

قال المجبراتي ( آمراً الحضور): أنا قلت اطرحوه على بطنه.

نفذ الحُضور الأمر. كانت أوامره لا تنفد أبداً. أحضروا له ما طلبه: زيت زيتون، صمغا عربياً، حبَّات من الفول الجاف وبعض الأربطة. غطَّس المجبراتي قدمه اليمنى في الماء الساخن، وأخذ يضغط بحركة خفيفة ذهاباً وإياباً على ظهر الرجل المسكين الذي لجمه الألم، فأخذ يعضّ الوسادة، ويتلوى مثل سمكة في ماء.

"تحمَّل يا رجل"، قال المجبراتي، ثم دلكه بزيت الزيتون، وجاء بفلقات الفول الجاف يغطسها في الصمغ، ويضعها على ظهر الرجل حتى أصبح ظهره كظهر سلحفاة.

انتظر قليلاً حتى جفَّ الصمغ. لفه بالأربطة، وقال: هكذا يُترك لمدة أسبوع، والله هو الشافي. وقبل أن يخرج كانت بطة كبيرة مذبوحة وجاهزة للطبخ، قد سبقته إلى داره.

لم يتعافَ أبو حماد، بل ظلوا يسندونه حتى يقضي حاجته ثم يعود، أو يحملونه ليجلس على المصطبة خارج بيته مستنداً إلى وسائد عدة. الغريب أنه ظل عاجزاً هكذا، وبرغم عجزه فقد أنجب من فوز ابناً آخر، لكنه لم يعش طويلاً بعدها ليعتني بصغيرِه. حاول معه على المجبراتي، ووصف له لبن الإبل، فذهب بعض الرجال إلى منازل العرب، وأحضروا له اللبن، لكن شيئاً لم يحدث.

في المدينة التي تبعد عن واحتنا ما يزيد على خمسة عشر كيلومتراً، تقطعها الدواب في ساعة أو يزيد، بين كثبان رملية وصخور، يوجد مستشفى حكومي يعالج المرضى. لم يذهب إليه أحد من أبناء الواحة من قبل، يقولون إن فيه طبيباً من مصر، عنده دواء لكل داء. لكن، كيف يصل إلى هناك إنسان حُطمت عظامه، على حمار يتهادى به في مدق رملي!!

روت العمة فوز لجاراتها أنها كانت في فراشها ذات ليلة، قبل أن يُؤذَّن لصلاة الفجر، وقد رأت في منامها العم شعيب على حائط المسجد يستعد للأذان، لكنها سمعته ينوح، واستيقظت من نومها فزعة على صوت نعيق البوم. "إن نعيق البوم فوق الشجرة الكبيرة ليس بفأل خير"، قالت في سرها، وخرجت في الحال بسعفة جافّة وأشعلت النار فيها، بينما خرجت بعض جاراتها- عند سماعهن صوت البومة - بمشاعل من سعف النخيل الجاف أيضاً. وانعكس اللهب المشتعل على أغصان الشجرة، فجَزَع الطائر ولاذ بالفرار. التقت نظراتهن القلقة (بعد أن انعكست على أحداقهن مشاعل السعف) ثم دخلن بيوتهن منكسات الرءوس يُفكرن فيمن سيموت الليلة من أهل الواحة... بعد صلاة الفجر كان أبو حماد قد مات.

قالت العمة فوز، فيما بعد، أن منذورة، زوجة المعلم رزق، كانت أول الحاضرين بعد أن سمعت النواح. جاءت تهرول، متشحة بالأسود، وهي تضرب بباطن يدها اليمنى على صدرها بينما يدها اليسرى تضرب قمة رأسها وتولول.

إنها أشهر مُعَدّدة في المآتم، سواء في تلك الواحة الصغيرة أو ما جاورها من واحات. يتم استدعاؤها بالاسم، عندما يطرق طائر الموت الأبواب، فتلبي مسرعة؛ تركب حمارها وتنطلق.. قبل أن تصل إلى بيت المُتَوفَّى تبدأ في "العديد" ( لقد حفظته شعراً عن والدتها، منذ أن كانت طفلة)، تعدد مناقب الميت ومحاسنه، حتى دون أن تعرف اسمه!!، والمعددات يرددن خلفها ما تقول.

* * *

ترسل شمس الظهيرة أسياخاً من الحديد "المُحمَّى" إلى الأرض، تُكوى بها الوجوه والأجساد التي لم تُسعفها الظلال الوفيرة للشجرة العملاقة...

كانت العمة فوز قد انسحبت إلى الداخل بعد أن أعطتهم الحصة اليومية من السخرية اللاذعة التي يحبونها، فإذا تجاهلتهم يوماً شاكسوها حتى تُفرغ ما في جوفها من شتائم في وجوههم. لقد تغيرت شخصيتها تماماً وحفرت صروف الزمن مسارات أخرى في داخلها، أصبحت امرأة قوية تضاهي الرجال. هي التي طالما استكانت وخضعت وتحملت زوجها لسنوات طويلة، ثم حملت حزناً كالجبال لغياب ابنها الذي لم يعد، ووفاة زوجها. ابنها الذي لا يعرف مكانه أحد برغم تناثر الكلام هنا وهناك. روت إحداهن أن القمر( ليلة خروجه) كان بدراً في وسط السماء، وقالت أن "الولد" دخل زقاق "العُرس" الضيق الذي تتشابك أغصان أشجاره على الجانبين، صانعة سقفاً محكماً من ورق الشجر. هذا الزقاق – بحسب الحكايات التي سمعناها – قد احترقت فيه فتاة ليلة عُرسها. كان ذلك منذ سنوات طويلة حينما زُفَّت إلى شاب أرغمها أبوها على الزواج به، على أساس أن رأي البنت لا يهم في مثل تلك الأمور!! المهم أن يكون المتقدم للزواج رجلاً تستظل به. حاولت الفتاة إقناع والدتها كي تثني عزم أبيها عن ذلك، لكن من أين لأمها أن تناقش هذا الأمر ما دام القرار قد صدر!. وما أن زينوها وجهزوها حتى نفذت ما يعتمل في داخلها، سكبت الجاز على ملابسها وخرجت متسللة إلى الزقاق ثم أشعلت النار في ملابسها، وعندما علا صراخها وحدَّد الناس مصدره، كانت شبه متفحمة.. منذ ذلك اليوم وعفريتتها تظهر في الزقاق عندما يكتمل القمر. يسمع الناس صوت رنين خلاخيلها وحُليها. قالوا إنها لا تظهر إلا لمن يسير وحده في الزقاق ليلاً، وردَّدوا أن حمَّاداً سار في الزقاق مهموماً في تلك الليلة المُقمرة، فأشفقت عليه وأخذته معــها تحت الأرض، فهـــو يعيش الآن زوجاً سعيداً!!

كانت أمي تقول إن ثمة أناساً تحت الأرض مثلنا تماماً. لكل منا واحد يشبهه في شكله وتصرفاته، يأكلون ويشربون ويتزاوجون... كنت أراها دائماً تسمي باسم الله قبل أن تسكب المياه الساخنة خوفاً من أن يتأذى أحد من إخواننا التحتيين.

تابع الرجال العمة فوز بنظرات مشفقة حتى اختفت داخل الدار.

"تعرف أن فوز أصابها خللٌ في عقلها بعد هروب ابنها؟"، قال أحدهم.

نعم، وازداد الأمر سوءاً بعد وفاة زوجها.

الدنيا كلها مشاكل.

بمناسبة المشاكل، عرفتم ما حدث ليلة أمس؟

نعم، كل الواحة تعرف.

كنا نمد أذاننا ونسترق السمع، فقد كنا على مقربة من معسكر الرجال. بالطبع، كلنا سمعنا، فقد مزق الصراخ والسباب خيمة الليل، انتشرت بعدها الهمهمات في المنازل... وبعد كل لحظة تزيد التفاصيل. وما أن أصبح الصباح حتى كانت كل صغيرة وكبيرة، تسرى مع الرياح وتحط على أسطح المنازل، في الأزقة وعلى أغصان الأشجار. الليل ستار، لكن حين يجثم الهدوء بثقله على الواحة، وتزحف كتل الظلام في الأزقة والشوارع يمكن أن تسمع صوت دبيب النمل على الحوائط، خاصة أن بيوتنا كتلة واحدة متلاصقة تفصل بينها حوائط، غالباً ما تكون مشتركة بين أكثر من بيت. أما الأسطح، فهي عبارة عن سطح واحد ممتد. لا يتميز سطح عن سطح آخر إلا بحائط منخفض لا يتجاوز ارتفاعه المتر.

خرجتُ ليلة أمس (مثل الجميع) على مصدر الجلبة أتخبَّط على غير هدى، حتى توقفَت قدماي عند بيت تعلب. للأسف، وصلت متأخراً، فقد كان الشيخ منطوق يقف في وسط جمع من الناس يحاول تفريقهم، وقد ذهب كلٌّ في طريق، لكني عرفتُ بعدها بلحظات كل ما حدث.

في فترة القيلولة تلك، ينبطح الرجال على الرمال الباردة ويحلو الكلام:

تخيل يا أخي، لقد أخرجوا صبحي من بيت تعلب!!

نعم، أنا كنت أول الحاضرين، رأيته بالسروال فقط.

اتق الله يا رجل، ولا تقل هذا الكلام. هل رأيته بالسروال فقط؟

...

كل هذا وتعلب لا يعلم!!

لا يوجد دخان بدون نار.

كيف لم أسمع بهذا الأمر من قبل؟

يا رجل، دعونا من هذا الأمر. لكن، مَن يا ترى أول من عرف بالحادثة ؟

تعلب نفسه؟

وكيف ذلك؟

كان في الغيط يروي الأرض، وعاد في ساعة متأخرة يتحسس طريقه في الظلمة. ترك الفانوس في الغيط. جاء يقوده شيء في رأسه، والله أعلم برءوس العباد. وجد صبحي يواقع زوجته.

هذا يعني أن ما سمعتُه من قبل صحيح. كنت أعتقد أنها ثرثرة نساء يغرن من فاكهة زوجة تعلب ويحسدنها على جمالها.

قد يكون هذا الكلام افتراء لا أكثر.

ما تخبئه الصدور، تكشفه الأيام.

كنت أنا وحمودة وسليمان وزوام لا نفعل شيئاً، سوى أن أجسادنا كلها تحولت إلى آذان ضخمة تسمع وتتخيل المشهد. راح كل منا في عالمه الخاص يتخيل فاكهة تحته، يفعل بها ما يشاء.

"هل هذا معقول!!"، قلت بصوت خفيض. لا بد من أن صدور أولئك الرجال تتحرك فيها أشياء أخرى. إن فاكهة امرأة جميلة. وجهها صبوح دائماً، وعيناها الواسعتان تسبحان في بحر من الكُحل، تهتم بزينتها وملابسها على الدوام.

أما النساء اللواتي يكرهنها على طول الخط فقد تبادلن تعليقات مسموعة كلما اجتمعن؛ فهي "غازيَّة" من الغوازي اللواتي يَدُرن في الواحات لإحياء الأفراح. رآها تعلب فجُن بها وهام على وجهه أياماً حين شاهدها ترقص في أحد الأفراح. يقولون أنها رقصت كما لم ترقص أنثى من قبل، وأنها شاغلته بنظراتها وابتسامتها الساحرة. دار في الواحة كلامٌ آخر يقول إن الزوجة سحرت له عند مأذون واحة "عنجريش" (الذي يعرف في أعمال السحر وتحضير الجان) لأنها لم تكن بكراً... يقال أيضاً أن المأذون ربطه بسحر أسود لا يستطيع أحد أن يفكه، فقد ربطه على نجم في السماء يجعله يحبها، يهيم بها عشقاً لكن لا يستطيع مجامعتها.

كان تعلب في بعض الأوقات يفضي للمقربين إليه بأنه يموت شوقاً إليها في كل يوم ما دامت هي بعيدة عنه. فإذا كان في الحقل تذكر جسدها فانتصب شيئه كالوتد، فما أن يصل إلى المنزل، محاولاً مجامعتها حتى يصبح بارداً لا يشعر به إلا منكمشاً متضائلاً. والمقربون إلى تعلب نفوا هذا الكلام تماماً مرددين الحكمة التي تقول " إن صدور الناس مليئة بالأسرار، وأن الله حليم ستَّار"

تناثر كلام كثير (في مجالس الناس) حول هذا الموضوع؛ فقد رُويَ أن أهل الزوجة لم يباركوا هذا الزواج منذ البداية. قالوا "لا نزوج ابنتنا لفلاح". لكنها تزوجته رغماً عنهم، فكادوا لها وله، حتى تحولت حياتهما إلى قيظ صحراوي بلا شجرة واحدة.

قالوا أيضاً: أن تعلب، في تلك الليلة، أحس بشيء ما يفور داخله، وانبثقت في رأسه فكرة أن يترك الفانوس مضاءً على رأس الحقل ويترك للمياه الحرية في أن تروى ما تشاء من أرضه التي شقَّقها العطش، ثم يسرع إلى زوجته فربما أستطاع أن يروي شقوقها الظمأى. تردد قليلا، ثم صمم أن يذهب للبيت، وبعد أن وضع الفانوس على رأس الحقل خشي أن يترك المياه فيلومه أهل الواحة إذا ما تفلَّتت الجسور وضاع الماء- الذي يحاول أهل الواحة جاهدين الحفاظ على كل نقطة منه- هباء، تناول الفانوس مرة أخرى ليتابع المياة وهو يقدم رجلاً ويؤخر أخرى...

الذين أصرّوا أن يُثبتوا عُهر "فاكهة" حكوا أن تعلب ذهب بالفعل إلى البيت. كان باب البيت مفتوحاً لدرجة تسمح بعبور شخصٌ بالكاد، وكان الفانوس القديم يرسل ضوءاً شحيحاً في حجرة نومه. تنفس بارتياح ورفع وجهه إلى السماء، آملاً أن يستطيع إتمام مهمته التي تعثر فيها منذ أن تزوج. خطا في عمق البيت. وعند باب الحجرة وقف، فاغراً فمه، يحدق في ذلك الدخيل كتمثال.

روت فاكهة للمقربين إليها أن تعلب عاد من الحقل فجأة، وفى يده فأسٌ يحاول أن يشج رأسها به، لولا أن تفادته وانطلقت هاربة. وقالت إنه يأتي بحركات غريبة هذه الأيام، فهو يشير بيديه هنا وهناك. أحياناً يبتسم، أو يوجه كلامه لأشخاص غير موجودين. كأن هناك من يسكن معهما في المنزل. بالغت في الكذب، وأقنعت الكثيرين بأنه يخرج أحياناً في الليل؛ يقوم من فراشه مُتسحباً ثم يعود بعد لحظات – تطول أو تقصر – وجسده النحيل يتفصَّد عرقاً. أخذت فاكهة تحكي وتحكي، حتى أيقن الجميع أن زوجها به مَسّ، وله "تبيعة" من تحت الأرض يعاشرها.

كان تعلب في قمة غضبه. حكي للذين يؤازرونه ما رآه من زوجته: خيانتها له، فرار صبحي من أمامه مثل فأر جبان؛ صبحي ذاك القوي الذي يدير الساقية بقوة ذراعيه يوم أن يمرض ثوره، لم يصمد أمامه... عينا تعلب زائغتان ممتلئتان ببريق غريب. يتحدث بسرعة. يشير بيده هنا وهناك. يهتز جسده كله بينما يتحدث، ويسيل اللعاب من جانب فمه حين يغضب. أخذ تعلب يحكي ويحكي حتى أيقن الجميع أن فاكهة خائنة وتستحق الموت. يمشي تعلب في شوارع الواحة، يسبُّ جميع النساء. شتائمه تمزق ستر الليل، وتحيل الجو جحيماً. الصبي الذي كان يبيت مع فاكهة أحياناً حين يقضي زوجها ليلته في الحقل، قال إنها امرأة طيبة... وجميلة!!

بعد أيام عدة، اختفت فاكهة!! كأنها قطعة ملح وذابت. لم يُعثر لها على أثر. قالت النساء إنها حنّت إلى الرقص وهزّ الجسد أمام الرجال، فآثرت الرحيل واللحاق بأهلها، وقال صبيان الواحة إن تعلب قتلها ودفنها أسفل النخلة العالية في فناء منزله، بينما قال آخرون إن تعلب لا يستطيع قتل بعوضة.

قال زوام ( وهو ما زال على قعدته، ضاماً ساقيه خشية أن يرى أحد الأشقياء سرواله مرة أخرى، فيجعلوه أضحوكة الجلسة): لقد سمعتُ أن تعلب "مخاوي"".

نظر إلى أصدقائه وحمد الله أنهم قد انشغلوا عن سرواله الموشَّي بالألوان الزاهية بحكاية صبحي وفاكهة .

قال حمودة: ماذا تعني يا ابن أبيك؟

قال زوام: يقولون إن تعلب "مُصاهر" من الناس الذين (بسم الله) تحت الأرض، وإن زوجته التحتية هددته بأنها ستقتله إذا نام مع امرأته.( يلعب بلسانه مكان ضرسه المفقود)

قال سليمان ( مؤكداً كلام زوام): لقد رأيت تعلب بعينيّ هاتين وهو يضرب امرأته ويشتمها، وهي تقابله الضرب بالضرب والشتم بالشتم.

قلتُ (مؤكداً كلام سليمان): تصورا، لقد سمعتها ذات يوم تصرخ في وجهه قائلة: اذهب من أمامي يا حثالة الرجال. المهم أنه لم يردّ عليها، واستدار صاعداً السلم لينام في الرواق وحده.

لقد تزوج في هذا الرواق. ساعده أهل الواحة في بنائه، ودخل بعروسه فيه، ولم يسلم ليلتها من تلصّص الأعين التي تسلقت نخلة عالية في فناء الدار المجاور.

بدأ الحديث بين الرجال ينقطع رويدا رويداً وتخبو ناره المشتعلة، حتى أن معظمهم قد استدرجته برودة الرمال في تلك الظهيرة القائظة فاستسلم للنوم.

أما نحن فقد اشتعل الحديث بيننا وكثرت الممازحات. وكلما أزداد معسكر الرجال هدوءاً أزداد صوتنا خفوتاً. كنا نتحدث همساً حتى لا يمسنا لوم أو استهجان. كان حمودة ابن بركات لا يكف عن الثرثرة، ويلقي بالنكات البذيئة أحياناً، ويؤكد أن جسد فاكهة أبيض مثل اللبن، وعندما نسأله كيف عرفت يقول إن لي مصادري التي تخصني وحدي!. يمد زوام جسراً من التواصل الصامت.. لا يُعَلِّق، يومئ برأسه موافقاً، يبتسم ابتسامة واسعة تُظهر ذلك الفراغ الأسود مكان ضرسه التالف، أو يضحك بصوت خفيض، ويبعثر نظراته الزائغة بين هذا وذاك... كنت أجلس مربعاً قدمي وفي يدي عصاً صغيرة أخطُّ بها خطوطاً لا معنى لها على الرمال الصفراء المنبسطة أمامي. سألتُ، دون أن أرفع ناظري عن الخطوط المتداخلة التي أزين بها البساط الرملي أمامي:

"ماذا كانت تفعل فاكهة في بيتكم منذ يومين يا سليمان؟"

قال سليمان: كانت تريد أبي في موضوع، قال ذلك ولما انتظرتُ التفاصيل تابع:

موضوع لا أدري ما هو، لم أكن موجوداً في الدار، لكن أختي مليحة أخبرتني أنها جاءت في أحد الأصباح تسأل عن الشيخ، لأنها تريد رأيه في موضوع هام.

سأل حمودة (موجهاً نظراته الماكرة إلى عيني سليمان مباشرة): لماذا لم تسأل أختك مليحة؟ فهي لا يخفى عليها شيء من أمور النساء؟

أجاب سليمان: سألتُها، وقالت إنها لا تعرف.

* * *

علمتُ من مليحة، بعد ذلك، أن فاكهة قد جاءت تسأل عن أبيها. كانت، حينئذ، تكنس أمام الدار، عندما لمحتها تقترب في خطوات بطيئة:

صباح الخير يا مليحة.

"خيرك صباحين"، تفضلي.

الشيخ موجود؟

" نعم، في "المجلس"، فوق" ، وأشارت بيدها نحو الدور الثاني في المنزل.

سارت الفتاة أمامها وصعدت بها إلى عند الشيخ. كان جالساً على فراء من الصوف، متكئاً بظهره على حشية سمكية، أمامه كوب من الشاي، ومروحة من خوص النخيل في يده اليسرى يستجدي بها نسيم الصيف، ويهشّ بها الذباب بدون جدوى. الذباب هنا مثل صخور الصحراء بكثرته، اعتاد على الآدميين فأصبح لا يكترث. يشاركهم عنوة في طعامهم وشرابهم.

على بُعد خطوتين من الشيخ، كانت قُلّة المياه الباردة منتصبة بخيلاء، كان جسدها المندَّي بقطرات الماء يغري كل ظامئ. إلى جانبها كان طبق واسع من الخوص، مطرزا بخيوط حمراء وخضراء متداخلة في أشكال هندسية مختلفة، ومغطى بشاش أبيض رقيق يظهر بعض الرطب الطازج أسفله.

قالت مليحة (وهي تشير إلى المرأة التي وقفت مترددة على آخر درجات السلّم): أبي، فاكهة تريدك.

قال الشيخ (مشيراً بيده إلى السجادة اليدوية الواسعة التي تحتل معظم المكان): تعالي يا ابنتي.

قالت ( في حياء شديد): صباح الخير يا سيدنا الشيخ.

قال الشيخ: أسعد الله صباحك، تفضلي هنا.

جلست زوجة تعلب على طرف السجادة، واضعة طرف شالها الحريري الأسود على فمها، بينما جاست عيناها خلال المكان، نظرات سريعة ومتفحصة.

لم يخف على الشيخ ما جاءت من أجله فقد كان صوتها المرتفع وسباب زوجها يهزَّان البيوت النائمة كل ليلة.

تركت فاكهة، منذ أن تزوجت بتعلب الرقص والأفراح تماماً، وقاطعها أهلها، فلم يزرها أحد منهم أبدا. وفى صباح اليوم الذي قررا الزواج فيه سألها تعلب:

أريد أن أرسل إلى أهلك كمية من القمح والأرز وزيت الزيتون.

لا تشغل بالك. لن يقبلوا منك شيئاً.

ولكنه العُرف السائد هنا !!

"ليست لهم علاقة بأعرافكم "، وأشاحت بيدها.

ويوم عقد المأذون عليهما أعطاها تعلب مهرها في يدها: أربعين قرشاً صاغاً.

"خير إن شاء الله"، قال الشيخ مستحثاً إياها على الحديث، ثم التفت إلى ابنته التي تسمرت مكانها وأرهفت السمع:

"خذي يا مليحة"، وناولها الطبق وأمرها أن تحضر رُطباً وشاياً للضيفة. قفزت مليحة هابطة درجات السلم وقررت أن تعود بسرعة لتعرف ما الخبر.

هي تعرف هذه الزيارات، وتستعد لها. في جعبتها الكثير من الأسرار، والله وحده يعلم إذا كانت باحت بها لأحد، أم لا.

حين عادت بالشاي والرطب، صعدت بهدوء وخفة قطة تتحفز لتتصيد فاراً، وتناهي إلى أذنيها صوت فاكهة المتهدج:

أقصد، منذ البداية لم... بصراحة، من حقي ، أم ... لم أعد أقدر. أنا...

استخلص الشيخ ما أرادت أن تقول، واستغلق الأمر على الفتاة التي تقف الآن على آخر الدرج ملصقة أذنيها بالفراغ.

سألها الشيخ (كانت عيناه تتأمل ألوان السجادة ونقوشها): ألم يحدث الأمر مطلقاً؟

أجابت: حدث، لكن دقيقة واحدة ( رافعة سبابتها أمام وجهها) ثم وجدته قطعة ميتة. لم أعد أستطيع يا سيدنا. أليس من حقي أن... (تسكت).

انفتح المشهد ببطء أمام الفتاة التي ضحكت بصوت خفيض، ثم دبت بقدميها على الدرج معلنة أنها في الطريق.

لكن، ألم يشعر باستيائك من الأمر؟ أقصد ..

حاول الشيخ أن يستوضح أكثر، لكن منعه الحياء ووصول ابنته.

انحنت مليحة لتضع ما في يدها، وحانت منها التفاتة سريعة إلى وجه المرأة، فوجدت الدموع تسوح من عينيها.

سأل الشيخ ابنته التي لا تريد أن تتزحزح: هل جاءت أمك من العين؟

مليحة ( بلا مبالاة): لا بد من أنها فى الطريق.

قال الشيخ ( بحزم موجهاً إليها نظرات تأمرها بأن تُخْلي المكان): اذهبي والتمسيها الآن. امتثلت واستدارت هابطة. فما أرادت أن تعرفه قد استنتجته الآن.

قال الشيخ: اسمعي يا ابنتي، هذه الأمور لا تحتمل التردُّد.

صمت لحظة قصيرة، ارتشف فيها رشفة طويلة من كوب الشاي الذي أمامه ( ارتشفها بصوت مسموع) ثم تابع كلامه: الآن أمامك طريقان: إما أن يكون قد خلقه الله هكذا، وإما أن سحراً قد أصابه، وفى كلتا الحالتين، أحضري لي أي قطعة من ملابسه وعودي بعد يومين. سأعطيك شيئاً ربما يُحدث أثراً طيباً. وتذكري دائماً أن الله عليم بأحوال العباد ومفرج الهموم. لا تدعي الشيطان يوسوس لك.

قالت (بصوت خفيض): ربنا يبارك فيك يا سيدنا.

عدّلت من وضع شالها فوق رأسها، ثم هبطت درجات السلم الطيني بهدوء. كانت مليحة عند مدخل الدار تنتظر أمها. ألقت عليها فاكهة السلام. حدجتها الفتاة بنظرة مركّزة، وتابعتها في الزقاق، حتى انعطفت يساراً، واختفت عن ناظريها، لكن رأسها الصغير ظل منشغلاً بها:

(فاكهة هذه عندما تسير في شوارع الواحة وأزقتها، تلفت نظر الجميع بجمالها واهتمامها بزينتها. لا تخرج إلا والكحل في عينيها الواسعتين. كما أن شيلانها الحريرية لامعة ومزدانة أطرافها بخَرَز أزرق يتدلَّى على ردفيها الممتلئتين، فيزيدها جمالاً).

حين عادت السيدة " كاملة" من العين، قابلتها ابنتها على باب الدار. أخذت منها إحدى الجرار، ووضعتها على المحمل الخشبيّ الخاص بمواعين الماء. وبلا مقدمات قالت:

أمي. فاكهة كانت هنا منذ قليل.

نظرت إليها الأم بصمت. وقفت جامدة برهة، ثم قالت في نفسها، إن "منطوق" رجل يعرف ربنا حق المعرفة، يحفظ كثيراً من كلام الله، ويحل مشاكل الخلق.

هكذا طمأنت الأم نفسها ثم أمرت ابنتها :

اصعدي الآن. ضعي حَباً وماءً للحَمَام.

بُرج الحمام في الدور الثاني إلى جوار المجلس من الناحية الجنوبية. السيدة كاملة بارعة حقاً في تربيته. حمام الناس يموت وحمامها ما شاء الله يتكاثر. تعلمت البنت من أمها كيف تهتم بتنظيف المكان وتغيير ماء الشرب ووضع الحبوب في أوقات منتظمة. فالحمام يحب النظافة. هكذا تقول دائماً لابنتها التي تقضي أوقاتاً مسلية في مراقبته، حتى تعودت عليه وخبرت حياته، ولاحظت أن الحمام يغازل أنثاه طويلاً ويتودد إليها قبل أن يعتليها. لكن يحدث أحياناً أن يغازل الأنثى ذكراً آخر فتدمي جسده بمنقارها. إن أنثى الحمام لا تخون أبداً. كانت مليحة تراقب الحمام طويلاً. تجلس على مسافة تسمح لها برؤيته، فالحمام يخجل أن يعاشر أنثاه أمام أعين البشر.

***

وصلت فاكهة إلى المنزل. دخلت متأففة حانقة. عيناها تجوبان البيت الذي لم تر فيه يوماً واحداً جميلاً. خلعت جلبابها وظلت في جلباب البيت الخفيف الذي حدد تضاريس جسدها تحديداً محكماً. ليس لديها الآن أية رغبة في إعداد الطعام لزوجها الذي سيعود حتماً إلى البيت قبيل الظهيرة مستعجلاً الطعام. "لا يفلح إلا في الأكل"، قالت في نفسها، ثم جلسَت على السجاد اليدوي المهترئ في صالة البيت، واسترجعَت ما دار بينها وبين الشيخ من حديث، وترددت في رأسها عبارته الأخيرة "لا تدعي الشيطان يوسوس لك". مدت قدميها، وأسندت رأسها إلى الحائط .

(ماذا أفعل. لم أعد أحتمل. ثم، لماذا يطاردني صبحي؟ في كل مكان أجده أمامي .. هذا الرجل لا يتكلم، لكن نظراته المتوسلة. آه استغفر الله العظيم. ليت الشيطان يوسوس فقط. إنه لا يسير إلا في أثر خطواتي. لا أدري مَن منا المظلوم يا تعلب).

* * *

لم يعتد أي منا أن يغير مكانه في ظل شجرة الكافور الضخمة. حتى الرجال في الجهة المقابلة، كلٌّ يعرف مكانه فيأوي إليه تاركاً الظل يتسرب بين مسامات جلده ليرى كل شيء صافياً وجميلاً، حتى لتستطيع أن تنصت إلى الأشجار وتحس بالجبال التي تحوم حول الحقول. لا تشعر أبداً بالتعالي على الأشياء، بل تمتزج بها في سلسلة واحدة لا تنقطع. الرجال الذين هدهم التعب ولفحت وجوههم الشمس، قانعون بنعيم الحياة هنا. تلك السويعات التي يقضونها في ظل تلك الشجرة الرءوم.

سأل حمودة: أتذكرون بستان الفاكهة الذي يمتلكه عم شعيب؟

قال سليمان: نعم لقد سطونا على شجرة مانجو كاملة – كما ادعى صاحب البستان – العام الماضي، منك لله يا حمودة أنت من أغوانا.

قال زوام: بالأمس تذوقتُ واحدة وجدتُها في الزقاق المجاور للبستان، وما زال طعمها الساحر في فمي إلى الآن.

سأل حمودة (مستفزاً زوام ): وماذا كنت تفعل أنت وأبوك في تلك الناحية. انطق؟

قال حمودة (ارتفع صوته قليلاً) : كنا نحرس البساتين وأنت نائم في بيتكم تملأ الجو ضراطاً يا ابن أبيك.

انخرطنا في ضحك طويل، واشتعل الجو بين زوام وحمودة، وتلقينا كلمات لاذعة من الجهة المقابلة، فلم يعد أحد يسمع لنا صوتاً.

دار الصمت لحظة ثم قال زوام:

تصوروا يا شباب: هي ليست كبقية الثمار. نصفها أحمر والآخر أصفر، وطعمها لا أستطيع وصفه.

قلنا بأصوات متفرقة: نعرف، نعم، حقاً.

وابتدأ لعابنا يسيل، ونحن نتخيل الثمار الضخمة بين أسناننا.

قلتُ ( ناصحاً): أظن أننا كبرنا على ذلك يا حمودة.

قال سليمان: ثم إنه لا يخلو بيت من بيوتنا من أكوام الثمار.

قال حمودة (مؤكداً بصوت بارد): لا توجد شجرة أخرى في الواحة لها مذاق ثمارها.. ما رأيكم؟

قلتُ: بالأمس قابلني العم شعيب في زقاق الطاحونة، فبادرته بالسؤال: ما أخبار المانجو يا عم شعيب؟ فأجابني بلا مبالاة: لم تنضج بعد.

قال حمودة ( يطمئننا): لن نجد، في مثل هذا الوقت من الظهيرة، حتى نملة تمشي هناك.

قال زوام: لابد أن أبي يدور في المنطقة.

قال حمودة ( معقباً): لا يوجد إنسان يستطيع السير في مثل هذا الجو، إلا إذا كان أبوك كائناً من جنس آخر.

قال زوام: نعم، ثمة عفريت يظهر في مثل هذا الوقت يتسلق النخيل، وفى يده بلطة يقلّم بها الجريد.

قلتُ: كلام فارغ. أنت تحاول التملص، كما أن العفريت لا يظهر إلا إذا كان الإنسان منا وحده.

قال حمودة: نحن أربعة، وقد دخلنا بالفعل العام الماضي. هل تريدون أن أرفع صوتي بالحديث فتكون حكايتنا على أطراف الألسن بعد دقيقة واحدة؟

انطلقنا في الحال ملتصقين بالحوائط والأسيجة هروباً من القيظ. وفى الطريق وزعنا الأدوار: يدخل حمودة وسليمان البستان من فتحة ضيقة في السياج؛ يقف زوام على رأس الطريق الذي يتوسط البساتين يراقب الذاهب والآتي؛ أتمشي أنا في الزقاق الذي يطل عليه البستان أتنصَّت على أية حركة.

مرّ الأمر بسلام في المرة السابقة. تسلق حمودة الشجرة العالية بخفة قرد. وقف بقدميه المعروقتين على غصن ملئ بالثمار، وهزه هزاً عنيفاً، فتساقطت الثمرات على الأوراق الجافة محدثة ضجيجاً زاد من حدته هدوء الظهيرة القاتل. سليمان في الأسفل يلتقط الثمار بسرعة، ويضعها فى جلبابه الواسع حتى امتلأ وثقل عليه. كان يمشي مباعداً ما بين ساقيه القويتين. يدب في الأرض حافياً، قابضاً بيديه على أطراف جلبابه. وحمودة الذي نزل في غمضة عين يمشي خلفه، يضربه على كتفه، مستحثاً إياه على الإسراع.

وصلا إلى فتحة الخروج. خرج حمودة أولاً متنهداً بارتياح، على الأقل لقد نجا بجلده. وسليمان بالداخل ما زال قلبه ينبض اضطراباً وعيناه زائغتان. وقف أمام الفتحة الضيقة في سياج البستان وحمودة يمد يديه إلى الداخل، يكبش الثمار ويلقي بها إلى الخارج. حين انتهى كانت كومة من الثمار حمراء وصفراء، لها رائحة نفاذة تنتظر الأفواه المتشوقة.

في مساء ذلك اليوم كان العم شعيب حزيناً غاضباً، يشكو للشيخ منطوق أمام جمع من الناس أن شجرة كاملة قد سُرقت من بستانه، ولم تعد فيها ثمرة واحدة توحّد ربها. وألقى باللوم على عبد الحي حارس الحقول، فهو يأخذ حصته من الناس عند جمع المحصول نظير حراسة حقولهم.

ضبطنا عبد الحي بعد حادثة سرقة البستان بيومين فقط. كنا نجمع التمر المتساقط في الزقاق. ذلك التمر الذي أسقطته الرياح من النخيل لا يهتم به أحد. قلنا نجمعه ونبيعه لعم رزق الـــذي يشتري كــل شـــيء. لكن أبا زوام فاجأنا بدون أن نشعر، وألهب ظهورنا بغصن زيتون غض كان في يده. ألقينا ما في جعبتنا من التمر، وتركنا سيقاننا للريح. عرفنا بعد ذلك أن زوام أخبره بأننا ذهبنا لنأكل مانجا من عند العم شعيب، ولم نكن نقصد السرقة، وهذا ما حدث بالفعل. لم يكن أحدنا ينوي شراً، إلا أن شكل الثمار ورائحتها يغريان الجن الأزرق بالدخول.

كنا قد وصلنا إلى العبَّارة التي تمرّ من تحتها مياه العين. أربعة من جذوع النخل الضخمة ممدة بالعرض فوق مجرى المياه قُرب النبع، تعلوها بعض الأحجار مرصوصة بانتظام. يمر عليها الرائح والغادي. أمام العَبَّارة تماماً, رُصَّت بعض الأحجار على حواف المجرى, نمت عليها بعض الطحالب الخضراء، عُمق المجرى لا يزيد على نصف المتر، تستخدمه النسوة في ملء الجرار.

* * *

"فتاة على النبع تملأ جرّتها

بحليب السحاب

وتبكي وتضحك من نحلة

لسعت قلبها في مهب الغياب

هل الحب ما يوجع الماء

أم مرض في الضباب؟"(*)

أحب أن أمشي هنا وحدي، أراقب اهتزازات أفرع الأشجار وتشكيلات الظلال أسفلها. أختار مكاناً هادئاً ظليلاً. أجلس ممدداً قدمي، ومستنداً إلى أية شجرة، ثم أغمض عيني. أتنفس بعمق محاولاً اختزان كل هواء الحقول المعطّر برائحة الأزهار. ذات مرة، كنت أمر من هنا كعادتي. في ذلك الوقت من الظهيرة، كانت مليحة تجلس على طرف العبّارة وقد لمت أطراف جلبابها بين فخذيها بينما تدلت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) للشاعر العربي / محمود درويش.

قدماها في الماء. . تمسك شقفة من الفخار في يدها وتدعك كعبيها في بطء شديد. تباطأت خطواتي دون أن أشعر. كانت قدماي تعرفان الطريق بينما عيناي مثبتتين على هذا الحلم المتجسد أمامي. لم يكن بيني وبينها سوى بضع خطوات حين أن شعَرَت بمروري، حرَّرَت ثوبها فانساب إلى الماء مغطياً قدميها. نظرتُ في عينيها ولم أنبس بكلمة واحدة، بل تابعت طريقي بصمت. كان وجهها حيادياً تماماً، كأنه وجه تمثال. بعدما يقرب من عشرين خطوة التفتُّ ورائي. لم تكن هناك. كأنها قطعة سكر وذابت. إيه يا مليحة، مُحاصر أنا بعشقي وخوفي!

قال حمودة (مشيراً بيده إلى فتحة في سياج البستان ): سندخل من هنا.

اقترب من السياج. انحنى وأدخل رأسه ببطء، ثم تراجع بخفة، وقفل راجعاً بسرعة وصمت ونحن خلفه... بعد أن ابتعدنا بمسافة كافية عن البستان، سألته (مستغرباً تصرفه): ماذا دهاك يا حمودة؟

قال ( بغيظ): العم شعيب بالداخل.

سرنا قاصدين شجرة الكافور الضخمة أمام بيت العمة فوز. وفور وصولنا تكومنا بصمت، والتقطت آذاننا صوت العم شعيب وسط الرجال.

سأل زوام ( ساخراً): هل رأيت العم شعيب بالداخل يا حمودة؟

حمودة : نعم، أنا متأكد.

زوام: وأنا متأكد من أنه يعلق جلبابه في عصا، إلى جوار تلك الشجرة تحديداً، حتى يظن الأغبياء مثلك أنه في الداخل. أعرف، لقد أعماك الخوف عن رؤية الحقيقة، يا جبان".

قال زوام ذلك واستعد للجري. وما إن انتهى حتى طار حمودة في أثره... تركناهما لحالهما، واستسلمت أعيننا للنعاس.