مقدمة

3 0 00

فانوس قديم يضيء البيت

رواية

طارق فراج

إهداء:

إلى جدتي، التي فَتَحَت أمامي صندوق الحكايات

ونَسِيَت أن تغلقه،

إلى جدي ورفاقه الذين تعبوا كثيراً ولم يحصلوا

على ذكرى تليق بهم،

وإلى أبنائي الذين سأحكي لهم حكايتي يوماً.

طارق فراج

" تحدَّث وأملأ صدرك بالحنين قبل فوات الأوان. احكِ أنت بدورك قبل أن يتولى غيرك رواية أحلامك. فالوراقون التهموا بياض الأوراق الناصعة. تكاثروا مثل القوارض. الذي تعرفه جيدا، رغم التأويلات، هو أنك حين استيقظت وجدت نفسك للمرة الأولى تواجه خوفا من نوع جديد. مسجوناً كنت داخل كهف مغلق مثل أيام القيامة."

واسيني الأعرج

مُستهل الحكاية

"عندما نَزنُ ما يبقى لنا وهو قليل، من غَث الاختيار وسمينه، على هذه الأرض نعرف جيدا ما يعنيه ضياع الزمن"

لويس أراجون

كنتُ طفلاً عندما ماتت جدتي، ظل أبي(وقتئذ) صامتاً لأكثر من أربعين يوماً، لا يفتح فاه إلا للأكل أو التثاؤب. انطوى على نفسه وشاخ فجأة، بعد أن كان تواقاً للحياة. يبدو أنه استوعب عبارة جدتي التي كانت ترددها كثيراً في أيامها الأخيرة قائلة: "إن موت أحدنا يبدأ بموت أبيه". أربعين يوماً يعشش الحزن في الأركان، بين جريد السقف، بين طيات الفُرُش، وفي آنية الطعام. لقد أرغمنا أبي ( بصمته وإصراره على عدم فتح التلفاز) أن نظل في قدسية ذلك السكون المقلق، لدرجة أنَّا كُنَّا ( أنا وإخوتي) نخشى أن يرانا نتبادل الابتسامات.

رحَلَت جدتي بعد أن فَتَحَت لي صندوق الحكايات ونسيت أن تغلقه. عشتُ في بيت العائلة منذ أن ولدتُ حتى الرابعة عشرة من العمر، بيتُ كبير يضم جدتي وأبناءها الأربعة وزوجاتهم وأبناءهم الذين أنا واحد منهم، أكثر من ثلاثين فرداً نعيش في بيت واحد.

كان لدى جدتي نبع لا ينضب من الحكايات. في ليالي الشتاء الباردة، كنا- نحن الأحفاد- نتجمع في حلقة واسعة، تتضرع أطرافنا المتجمدة إلى "مَجْمَرَة" النار التي تتوسط قاعة البيت. تجلس على بساط أسود من فراء الغنم، بينما نجلس في شكل دائرة كبيرة على بُسط من سعف النخل المُضَفّر بحبال من الليف، والمزين بخيوط ملونة تأخذ أشكالا مختلفة لحيوانات وطيور الواحة. تسرد حكاياتها التي لا تنفد عن شبابها وعن رفيقاتها اللواتي كن يخرجن معها لملء " الجِرار" من مياه النبع. كانت تعرف أشياءً وأسراراً كثيرة، عن عوالم وحيوات كانت واختفت؛ عن بيوت عمّرَها دفء الأنفاس، ثم طمرتها الرمال ولم يعد لها أثر، شجرة الدوم( ما زالت سامقة شرق الواحة) التي شهدت طفولتهن، وضريح الشيخ " سعد الله" الذي سمعتُ عنه ولم أره رأي العين، حيث طمرته الرمال مع ما طمرته من بيوت ومقابر.

لقد لمَحَت منذ البداية أثر حكاياتها على أنفاسي المكتومة، وعنقي الملوي في تضرع نحوها. لاحظَت حجم انتباهي وقدَّرت ذلك، فكانت تفاجئني بأسئلتها في منعطفات الحكايات: " ماذا تفعل لو كنت مكان "فلان"، كيف ستتصرف لو كنت في مثل مأزق "فلان" ، أو ماذا تتوقع أن تكون ردة فعل "فلان". هكذا كانت حكاياتها تفجر داخلي أسئلة تطن في رأسي، تلك الأسئلة التي كبرت معي وأرقتني.. لقد ابتدأت إذن رحلة المعاناة.

في الصغر، وقبل أن تغزو أضواء الكهرباء شوارع الواحة وأزقتها، كان الفانوس القديم المُعَلق أمام باب البيت يستفزّني ويُعمل أفكاري: "ما قيمة ذلك الضوء الخافت الذي يضيء دائرة صغيرة حوله، لتتضح من خلالها بوابة البيت، ثم تعم الظلمة في الزقاق؟"... عرفتُ فيما بعد أن الفانوس لا يبخل؛ يعطي كل ضوئه ولا يستأثر لنفسه بشيء. وبعد أن كبرت قليلا عرفتُ أنه يكفي الفانوس شرفاً أن يدل الناس على الطريق.

كان أبي ورفاقه يجتمعون قبل كل أصيل، بعد عودتهم من الحقول، في ظل المسجد الصغير الذي يتوسط البيوت، يروون الحكايات عن آبائهم. كنت أنتظر تلك الساعة بفارغ صبر لأشبع ذلك النهم الذي ظل يكبر معي، بينما رفاقي يستمتعون باللعب فوق الكثبان الرملية شمالي الواحة. كنت أنصت إلى ما يحكون فترتفع أمام ناظري البيوت المطمورة، تنهض من تحت الرمال وتمثُل أمامي، فأسمعُ بكاء أطفال وقهقهة شباب وسعال عجائز. أرى امتداد بساتين النخل، وهج النار في المواقد الطينية ونعي السواقي، صوت ارتطام مناجل الرجال بعيدان القمح الجافة.

كان وقت الحكايات ذاك أفضل أوقاتهم؛ حيث تتسع ابتساماتهم وتعلو ضحكاتهم وتصفو ملامحهم، بينما يجترون الذكريات محاولين إعادة الزمن الذي تسرب من بين أيديهم وذهب إلى غير رجعة.

اختزنتُ تلك الذكريات داخلي لوقت لا أدري أطال أم قصر.. كانت الحكايات تتداخل وتختمر كلما مرت الأيام. انضمت حكايات الجدة إلى حكايات الأجداد وتضافرت، لتنهض واحة قديمة من رقدتها.. واحة لم أرها ولم أعشها إلا في مخيلتي.

إن معظم الأحداث التي سأرويها هنا مُستلهمة من تلك الحكايات. أنا أحب هذه البقعة من العالم، وأشعر برغبة مُلحّة في تسجيل بعض روائح البشر والكائنات والأشياء فيها، لكن ذلك الجبل الشاهق (حافة الهضبة) الذي يحيط بها يخنقني، يكتم أنفاسي، لكنه يعطيني (في الوقت ذاته) حافزاً قوياً ورغبة في أن أقفز فوقه، ثم أستدير في اتجاه الواحة، وأمنح نفسي وقفة طويلة لإعادة اكتشافها، لتتذكروا معي أولئك الناس الذين عاشوا وماتوا ولم يذكرهم أحد. أمنح نفسي وقفة لاستيعاب ما مضي، ثم أمضي إلى الأمام بلا تردد.