١
كانت الباخرة الفرنسية مويت، وهي من البواخر التجارية قادمة من لفربول إلى الهافر.
وكان النسيم بليلًا والجو صافيًا والبحر ساكنًا، هدأت مياهه فباتت كمياه البحيرات، فكان ربَّان تلك الباخرة يسير على ظهرها ذهابًا وإيابًا وهو ينظر إلى ما يكشف الفضاء من الصفاء نظرة رضى؛ إذ لم يكن يكدر ذلك الجو الرائق غير دخان سيكاره الكثيف، ثم كأنه قد تعب من المسير، فجلس على مقعد قرب أحد المسافرين وقال له: إذا لبث الطقس على ما هو عليه الآن فإننا نصل صباح الغد إلى ميناء الهافر، فأرى فرنسا بعد فراقي لها أربعة أعوام.
وكان لباس المسافر وجموده يدلان على أنه من الإنكليز، ولهذا فقد كلَّمَه الربَّان بالإنكليزية، غير أن المسافر جعل يحادثه بالفرنسية الفصحى، فأجابه: إذن أتظن أننا نبلغ الهافر صباح الغد؟
– نعم، إلا إذا ثارت عاصفة أو فاجأتنا الأقدار بمصيبة لا نتوقعها.
ثم أخذ الربَّان منظاره وجعل يُراقب فيه جهات الفضاء الأربع، وقال: إن السماء صافية والمياه هادئة، فسأعهد بقيادة السفينة إلى الربَّان الثاني وأنام الليلة مطمئن البال. وبعد هنيهة ودَّع المسافر وانطلق إلى غرفته، فبقي المسافر وحده على المقعد، فجعل ينظر إلى مغيب الشمس حتى توارت في حجابها، ثم أسند رأسه إلى يده وأخذ يناجي نفسه فيقول: «ما لقلبي قد اضطرب لمغيب الشمس، وما هذا التأثُّر الذي أجده حين أرى أشعة القمر الذهبية ترقص فوق هذه المياه، وقد عهدت قلبي خلوًّا من الإحساس، وما أنا من عالم الخيال أو الشعراء. وبعدُ فما هذا التشوق للوطن، وما هذا الارتياح الذي أشعر به حين قربي من هذا الوطن بعد طول الغربة، فإني أحتقر مَن يشكو وحشة الاغتراب بالحنين إلى الأوطان، بَيْدَ أني أشعر بأن قلبي يخفق سرورًا حين أعلم أننا سنبلغ غدًا إلى الهافر، ألعلي أصبحت شريفًا لطول عشرتي للأشراف، وأصبحت ذا قلب يحن بعد اختلاطي مع ذوي العواطف؟ كلا ولكن هذا القلب الصخري لا يخفق هذا الخفوق لقرب وصولنا من الهافر، إلا لأن هذا الميناء لا يبعد سوى خمس ساعات عن باريس.»
وقد ذكر باريس كما يذكر الطفل اسم أمه، ثم قال: أيتها العاصمة الجميلة، إنك بلد رجال الجرأة والإقدام، فلا يفوز فيك غير رجال المطامع والنوابغ من أهل المكر والدهاء، فلقد أقمت أربعة أعوام في بلد الضباب — أي عاصمة الإنجليز — لا أغمض عيني إلا على رجاء أن تتمثل لي بالحلم باريس، تلك العاصمة الزهراء مرسح المطامع وميدان أصحاب العقول الراجحة.
ثم تنهَّدَ وقال: نعم، إني أقمت في لندرا أربعة أعوام، وقد حان لي الآن أن أعود إلى بلادي، ولقد نسي سكانها أني كنت أُدعَى الفيكونت دي كامبول، والمركيز دون أينجو، ورئيس الجمعية السرية، وتلميذ السير فيليام.
ثم نهض روكامبول وكان هو بعينه، ونزل إلى غرفته في السفينة وأخذ ملفًّا من الأوراق، وجعل يُقلِّب فيها ويقول: أفٍّ للسير فيليام وللغته الهيروغليفية، ومَن لي بحل رموزها! فلقد كان يكتب لشدة دهائه بلغتين، فيُطلِعني على أسرار الواحدة ويكتم عني الأخرى، فلقد مضى بي أربعة أعوام أقرأ هذه الأوراق دون أن أتمكَّنَ من حل طلاسمها، وكلما دنوت خطوة من أسرارها بعدت ميلًا. مثال ذلك أني أقرأ بهذه الأوراق التي سرقتها ما يأتي:
يوجد في باريس في قصر … في شارع …
وقد كتب اسم القصر والشارع باللغة السرية التي لا أفهمها، ثم أقرأ ما يأتي:
إن هذا القصر يسكنه المركيز والمركيزة دي وابنتهما، ويبلغ المركيز من العمر ستين عامًا، والمركيزة خمسين، وابنتهما ثمانية عشر. أما المركيز فهو غني يبلغ إيراده مليونًا في العام، ولهذا المركيز ولد إذا كان لا يزال في قيد الحياة فإن عمره يبلغ الآن أربعة وعشرين عامًا، ولهذا الولد قصة، وهي أنه عندما كان عمره عشر سنوات أُدخِل في سفينة إنكليزية من بواخر شركة الهند بصفة نوتي، ولم يظهر شيء من أثره بعد ذلك، بحيث لا يعلمون إذا كان ميتًا أو هو في قيد الحياة، فإن المركيزة تجهل مصيره، ولا يعلم أين هو سوى المركيز، ولا بد له من أن يدفن هذا السر معه، فإنه لم يفارق ولده في عهد الطفولة ويرسله نوتيًّا في البحار، ويكتم أمره عن امرأته إلا لسبب عظيم، إلا أن أمه لا تزال ترجو أن تراه، فإذا رجع هذا الولد، فإنه يرث ثلاثة أرباع ثروة أبيه حسب نظام تلك العائلة، ويبقى الربع لأخته، وعلى ذلك فيمكن أن …
إلى هنا انتهت الكتابة الواضحة، وقد كُتِبت تتمة الحديث باللغة الهيروغليفية الخاصة بالسير فيليام، فكأنه يقول لي: يوجد في لندرا في منزل مشرف على الشارع كنز مدفون، وأين لي أن أعرف هذا المنزل فأجد ذاك الكنز!
ثم دفع هذه الأوراق مغضبًا لإبهامها، وقال في نفسه: إن غاية ما أعرفه أنه يوجد مركيزة ترجو أن يعود إليها ولدها، وأن ما يمكن الاستفادة به من ذلك أن أكون ذلك الولد، فإننا بعمرٍ واحدٍ، وقد غادرَتْه طفلًا فهي لا تعرفه الآن، ولكن كيف أفعل هذا وأنا لا أعرف اسم المركيزة، ولا أين تقيم؟ ولو ذكر لي السير فيليام اسم الشارع على الأقل لهان الأمر، ولكنه حمل سره معه إلى جزائر المركيز.
ووالله إني أشفق على هذا الرجل وأحسده في حين واحد، أما إشفاقي عليه فلأنه ما شرع في مكيدة إلا بناها على أمتن دعائم الحكمة وحسن التدبير، ولكنه لم يفلح بأمر لما خُصَّ به من نكد الطالع، وأما حسدي له، فلما أوتيه من الدهاء وبُعْد النظر في الأمور. ومن أين لي عقل هذا النابغة!
وما أوشك روكامبول أن يتم هذه المناجاة، حتى سمع صوت ضجيج وتهافت المسافرين إلى ظهر السفينة، وصوت الربان يصدر أوامره الشديدة إلى البحارة، فقال في نفسه: ما هذا الانقلاب؟ إني غادرت الربان منذ ساعة آمِنًا مطمئنًّا، وهو الآن يضطرب وينادي البحارة، فما معنى هذا الانقلاب؟
ثم برح غرفته وصعد إلى ظهر السفينة، فوجده يلقي الأوامر والبحارة يطوون الشراع، وعلائم الذعر بادية في وجوه المسافرين، ومع ذلك فإن البحر كان لا يزال على سكونه، والجو على صفائه، فلم يفقه روكامبول معنى هذا الهياج، ودنا من أول مسافر لقيه وكان يلبس لباس رجال البحرية وسأله: أتأذن لي يا سيدي أن أسألك عن السبب فيما أراه من ذعر المسافرين واهتمام البحارة بطَيِّ القلوع.
فأجابه المسافر: ذلك لأن العاصفة ستفاجئنا.
– أين العواصف، وأنا لا أجد سحابة في السماء؟
– إنك لا تراها لأنك لست من رجال البحرية، فخُذْ هذا المنظار وانظر إلى أسفل الجهة الغربية من الأفق.
وأخذ روكامبول المنظار ووجَّهَه إلى الجهة المشار إليها، ورأى غمامة صغيرة تُشبِه الشراع، فقال: ما عسى أن يكون وراء تلك الغمامة؟
– ما وراءها سوى العاصفة، فإنها ستتسع وتمتد حتى تعم بعد ساعة جميع هذا الفضاء، فتنقض منها الصواعق، وتزبد مياه هذا البحر الساكنة، فترقص السفينة على أمواجها كما تضطرب أشعة القمر الآن فوقها، بحيث لو أُغفِل شراع دون طي غرقت السفينة لا محالة.
وكان الرجل يتكلَّم بما يدل على خبرته في فن البحار، فعجب روكامبول وسأله: أمثل هذه الغمامة الصغيرة تُحدِث هذه الأنواء العظيمة؟
فابتسم المسافر وأجاب: إني بحري والبحارة يندر أن يخطئوا بما يبدو لهم من أدلة الأنواء.
– إذن فلا بد من العاصفة.
– نعم، وستكون شديدة هائلة.
– أنحن في خطر أكيد؟
– ربما، إلا إذا أراد الله لنا السلامة، فإنه يبدد هذه العواصف، إلا أني أرى الخطر جليًّا، وقد أكون مبالغًا فيما قلت، على أن الذي يحملني على الرجاء ما أراه من اهتمام الربان وحسن طاعة الملاحين ودربتهم، فإني إذا كنتُ الآن مسافرًا فقد كنت بحارًا مثل هؤلاء، وقد تعلمت هذا الفن في سفن شركة الهند.
فاضطرب روكامبول لما سمعه، وتذكر أوراق السير فيليام التي كان يقرؤها منذ حين، فقال للمسافر كي يجره إلى الحديث: أعرفت مدينة الهافر من قبلُ؟
– كلا، وأنا ذاهب إلى باريس لأرى فيها أمًّا وأختًا لم أرهما منذ ثمانية عشر عامًا؛ أي منذ سافرت بحارًا في سفن الهند، ولم يكن لي في ذلك العهد من العمر سوى عشرة أعوام.
فلما سمع روكامبول هذا الكلام نسي العاصفة وأخطار الغرق، بل نسي الوجود وانصرف بجملته إلى التأمل بهذا الشاب، ولم يُصَبْ في حياته بما أُصِيب به من التأثُّر حين كشف له هذا البحار دون أن يعرف أسرار تلك الأوراق، وتراءى له أن أبواب المستقبل قد فُتِحت أمامه، وأن الصدفة أقبلت تبتسم له أجمل ابتسام، ولكنه ضبط اضطرابه وقال له بلهجة سرور: إذن أنت فرنسي؟
وهزَّ البحار رأسه وأجاب: إنك تعجب كيف أشتغل في سفن الهند وأنا فرنسي، إلا أن لذلك سرًّا عائليًّا لا يسعني إفشاؤه.
ثم أمسك منظاره من يد روكامبول وقال: أرجو أن تأذن لي يا سيدي بمبارحتك الآن؛ لأني ذاهب إلى غرفتي كي أجعل أوراقي في مأمن من المياه إذا نكبنا بغرق السفينة، فإني قد وضعتها في حقيبة من الحديد الرقيق وسأتمنطق بها، وإن ألقيت نفسي إلى الماء لا تبتل.
ولما انصرف خاض روكامبول في عباب تصوراته، وقد جعل جل قصده التزلف إلى هذا البحار بصداقة تحمله على الوثوق به والإباحة له بجميع سره، وقد سار في مجال هذا التصور إلى مدى بعيد، حتى إنه خطر له أن يكون بدل هذا البحار عند أمه وأخته، ولكنه اضطرب حين بلغ إلى هذا الحد من التصور، وكأنه لم يجسر على تتمته، ثم اشتدت عزيمته حين تذكَّرَ السير فيليام الذي لم يكن يشفق على أحد، وذكر ما كان يقوله له: «وهو أن الحياة معترك، ولا بد للفوز في المعارك من القتل، وأن عزاءنا على قتل الناس كثرة الناس في الأرض.»
ولبث واقفًا على ظهر السفينة غير مكترث لما يكتنفها من المخاطر، وجعل يردِّد في تفكيره هذه الكلمات: «إنه فرنسي … اشتغل في إحدى سفن شركة الهند … ترك باريس منذ ثمانية عشر عامًا … دخل إلى السفن وهو في العاشرة من عمره كي يتعلم فن البحارة.
إن جميع ما سمعته من هذا الرجل ينطبق أشد الانطباق على ما قرأته في أوراق السير فيليام.»
وفيما كان روكامبول غارقًا في لجج تصوراته، كانت تلك الغمامة التي لم تكن تُرَى إلا بالمنظار تمتد وتتسع، كما تنبَّأ به المسافر، حتى ملأت ذلك الفضاء الوسيع وتوارى القمر في ضبابها المتلبد، ثم هبَّتِ الرياح فكانت خفيفة في بدء هبوبها، ولكنها جعلت تزيد وتضعف تباعًا حتى أوشكت أن تكسر الصواري.
وكان صوت العاصفة يصل من بعيد فيبلغ إلى السفينة كزئير الأسود، والناس قد هلعت قلوبهم، وبات دوي أصواتهم يمتزج بين دوي الرعود وبين رجال يجأرون إلى الله بالدعاء، ونساء تعول وتنتحب، فيطبق صراخها الفضاء، وبحارة يصيحون وهم يتسلقون الصواري ليطووا القلوع، فتصدهم زوابع الهواء.
وكان روكامبول واقفًا بين هذا الخليط مشتَّت البال، منشغلًا عن اضطراب الناس من حوله لما كان يجول في خاطره من أمر هذا المسافر، وبقي على هذا الذهول إلى أن ردَّه إلى هداه المسافر نفسه، فاحتك به قائلًا: أرأيت ما كان من أمر هذه الغمامة؟
والتفت روكامبول ورآه بقربه وقد خلع ما كان عليه من الثياب، فلم يَبْقَ سوى قميصه وبنطلونه، وكانت حقيبة أوراقه مشدودة إلى وسطه بمنطقة من جلد، فقال له: إني أراك قد بالغت في الحذر؛ لأني لا أجد ما تجده من مخاطر الغرق.
– أراك نسيت أننا في بحر المانش، وعلى عشر مراحل من الشواطئ، وقد تدفع الرياح سفينتنا فتلتطم برصيف أو بصخر فتتحطم، ثم أَلَا ترى السرعة التي تسير بها السفينة من الشمال إلى الجنوب مع أن القلوع مطوية؟ أصغِ إلى صوت الربان، وهو قديم في هذه المهنة، كيف أن أوامره التي يُصدِرها تدل على القنوط!
ولم يكد هذا البحار يتم قوله، حتى سمع الربان يقول: اقطعوا الصاري الأكبر!
وجعل البحارة يضربونه بالفئوس حتى سقط، وكان له دوي شديد، وفي الوقت نفسه صاح صيحة رعب: هو ذا الأرض!
أما روكامبول فلم يَبْدُ عليه شيء من علائم الخوف.