القسم الأول
المدخل
- اسمي صادق، صادق طوران، وأنت؟ ما اسمك؟
أجبته بقولي:
- اسمي جنكيز.
كانت شخصيته تماثل اسمه، شخصية ذات أبعاد عريضة ومغزى عميق، كان من السهل قراءة آثار الماضي العميقة مسطورة على وجهه. وفي عينيه مسحة ألم متخلفة من الأعوام الماضية.كان -بمنكبيه العريضين وصدره الفتي- يترك في الإنسان شعورًا بأنه يحمل على كاهله عبء حياة ثقيلة شديدة الوطأة. كان يبدو كمن يبكي بكاءً حارًّا وقد ألقى بنفسه على كرسي، أمام باب الشارع وقد أخذ رأسه بين يديه. مشيت لأجلس بجواره. رأيته كمن يفكر في أشياء ويتذكر أشياء، ويفعل هذا بينما يستغرق في التفرج على خطوات السائرين أمامه. فكرت فيما بيني وبين نفسي فيما إذا كنت سأستطيع التوفيق في حمله على التكلم والإفصاح عن ألمه. فإذا فعل هذا فقد يستريح. وبينما كنت أقترب منه، قلت له بصوت في غاية الهدوء:
- يا صادق، هل تذكر أحمد الفلاح؟ زميلنا الذي كان يؤدي الخدمة العسكرية معنا؟ لم يرفع صادق رأسه، لكنه قال:
- أحمد؟ المرحوم أحمد؟ أمن المعقول أن أنساه؟ لا أنسى أيضًا، أننا دفناه بالقرب من برفومايسكي كانت إصابة أحمد بالغة، وجرحه غائرًا عميقًا، ولم ينج منه. حملته على الكلام فلقد حدثني طويلًا عن فواجع الحرب ومآسيها. وحدثني عن نفسه وعن عائلته، كما سألني عن أحوالي، وعن أعمالي.
كان المساء قد أخذ في الهبوط، والظلال السوداء المحتمية بأسطح روما تهرب من أفق الغرب المحمر، لتهبط في بطء متجهةً نحو الشوارع.
مدّ يده نحوي وصافحني وقال لي:
- لو تزورني غدًا صباحًا، فسأحكي لك ...
شددت على يده قائلًا له بأني سأزوره. افترقنا. عدت إلى الفندق. أنرت مصباح حجرتي الهادئة الموحشة. مددت يدي إلى كتاب مختارات من الشعر التركي، وكان الكتاب فوق المنضدة.ألقيت بجسمي فوق السرير وفتحت الكتاب، وأخذت أقلب أوراقه
ببطء وإذا بعينيَّ تتوقفان أمام بيت من الشعر يقول: ((أنا تركي، وأنا عدوك، حتى لو لم يبقَ من أمتي إلا أنا فقط)) . أغلقت الكتاب، وأغلقت عيني ورحت أفكر في صادق. كنت أقول
لنفسي: إنّ صادق رجلٌ ملّ دنياه، وخاف البشر. كنت أفكر في صادق بينما كان خياله يتراءى لي أمام ناظريّ. صادق ... هذا الرجل الخائف ماذا يمكن أن يفعله بعد هذا؟! وأنا...؟! ماذا سيكون مصيري؟ لست أنا فقط، بل نحن كلنا ... نحن الذين خرجنا من هذه الحرب، أحياء. كيف كنا؟ وماذا سنكون؟ ما الذي كان في أيدينا أن نعمله؟ وماذا ستكون نهايتنا.
وفي اليوم التالي، ذهبت إلى بيته. فتحت لي الباب امرأة عجوز تبدو في الثمانين من عمرها، بل حتى في المائة. ضحكت هذه المرأة بوجهها المتغضّن، ضَحِكَت وكأنها تخفي عني شيئًا.بادرتها بقولي:
- بون كيورنو سينورينا.
ردّت عليّ قائلة: بون كيورنو.
ثمّ مدّت إليّ يدها بلفافة من الورق كانت تخفيها وراء ظهرها، وقالت لي:
- سينيور صادق ترك لك هذه المجموعة من الأوراق.
- وأين هو؟
- ذهب، ذهب ولن يعود.
- تبادلنا النظرات لحظات دون أن نلفظ بكلمة. ثم مددت يدي وأخذت اللفافة.
- كراسيا سينورينا. آري فيدرسي.
- بريكو، بريكو – آري فيدرسي سينيور.
وأغلقت المرأة الباب. لكن كلماتها كانت في أعماقي واقفة تتردد .. ذهب ولن يعود. ولما ابتعدت عن البيت بمسافة، فتحت اللفافة، فوجدت بداخلها أربعة دفاتر. فتحت الدفتر الأول ونظرت إلى صفحته الأولى. وجدت عليها كلمة (مذكرات) مكتوبة بأحرف كبيرة وتحتها توقيع باسم طوران.
تصفحت أوراق هذا الدفتر على عجل. في صفحة من صفحاته توقفت عيناي على عبارة هزّتني، أرعبتني، أفزعتني. تقول العبارة: ((أدركنا يارب فإننا ننتهي، إننا في طريقنا إلى الزوال)) . وضعت الدفاتر تحت إبطي، وأخذت طريقي إلى الفندق، سرت بخطوات إنسان هرم متعب أعياه الإجهاد، بحثت في اليوم التالي عن صادق، في كل مكان، لكنني لم أعثر له
على أثر. أين ذهب؟! وماذا حدث؟! طال تفكيري ولم أتوصل إلى حل.
مرت على هذه الحادثة سبع سنوات. كنت في ذلك الوقت في لندن. وفي الخارج كانت منازل المدينة رطبة موحشة مظلمة. في ذلك الوقت أيضًا ساد حجرتي مساء حزين.
دخلت زوجتي عليّ وفي يدها رسالة وهي تقول:
- لك رسالة!
فتحت الظرف، كانت الرسالة من صديقي ميرزا صبرسكي، وهو مسلم من تتار بولندا، وكان المقام قد استقر به بعد الحرب في الأرجنتين. تحدث صبرسكي في خطابه حديثًا طويلًا عن حياته وأحواله ومعيشته، ثم ختم رسالته هذه، بالعبارة الآتية: ((تلقيت خبرًا من أوروجواي مؤداه أن أحد مسلمي القرم التتار واسمه صادق طوران، وكان يعمل هناك في أعمال الغابات الشاقة، قد توفي إلى رحمة الله. ومع أني لا أعرفه ولا أعرف عنه شيئًا، إلا أني أدعو الله له بالرحمة، فقد مات غريبًا عن بلاده)) .
سقطت الرسالة من يدي، ووقعت على الأرض. تدلت يداي إلى جانبي، وأنا بعد، في مقعدي الذي أجلس عليه. أحسست وكأن لكمة سددت إلى حلقي، أحس بالاختناق، لا أستطيع الكلام. ثم أخذت أفيق تدريجيًّا، ثم تذكرت ((صادقًا)) بين دموعٍ انهمرت من مآقيَّ فجأة، يا لك من دنيا! صادق طوران! من أين أخذه قدره وإلى أين ألقى به نصيبه.
وها هي ذي مذكرات صادق طوران، أعيد قراءتها باكيًا بلوعة وحرقة من أعماقي: