- 2 -

4 0 00

- 2 -

إلى أين يذهب ؟

راح هذا السؤال المعقد يصول فى ذهنه وهو يضرب الأحجار الصغيرة فى رفق إضطرارى ولطف مغيظ خوفا من أن يتفتت حذاؤه العتيد الأوحد ، لاهيا عما حوله ، يبتعد بحزن كظيم عن أسوار مدرسته الحبيبة ويدعو الارض ان تبتلعه بهذا اللحن المرتجل الذى طفق يدمدم به من بين شفتين مطبقتين دون أن يشعر والذى لو صيغت نغماته الحيرى صياغة فنية سليمة ، لعبر بصدق مأساوى عن الآم البشرية كلها وهى تفقد رجلا عزيزا أو تودع الى غير رجعة معنى كبيرا من معانى السلام .

وشأن الصمت الصبور الذى يعقب ذلك وقتا قد يطول أو يقصر إحتبس الصوت الخافت فى حلقة وغارت نغمات المرح البائس فى جب الاعماق الغائر لما راغ السوال ؟ إلى أين يذهب ؟ " فى رأسه الصغيرة ثانية.

فكر أولا فى أن يؤوب لبيته بأسرع ما يستطيع ويخبر أمه بما حدث باحثا فى ثنايا صدرها الحانى عن حل يفكك له العقد التى عقد بها الرجل الغريب سبيلة فتسارعت لذلك خطواته لهفة ثم تباطأت بغته لما تذكر أنه لن يجد والدته فى البيت الآن ، فهذا هو وقت العمل الذى تختلف فيه الى بعض البيوت الموسرة لأداء خدماتها الصغيرة إلتقاطا لقوته وقوتها ، ذلك الذى تحصل عليه بإلتهاب الأيدى ، فتقهقرت الفكرة الى ركن وتقدمت حوافر السؤال تدق بسنانها رأسه مرة اخرى .

وفكر ثانيا – وما أسرع ما كان يفكر – فى ان ينقلب الى حيث مدرسته ويطالب البواب العجوز بأن يسمح له – بحق الصداقة – بالدخول ، وهو يدرك أنه لن يمانع إلا أنه سيحتفظ بحق الصداقة هذا لنفسه ويضرب فى أسراره الخاصة متسائلا عما أخره فى المجىء .. هل قامت قائمة القيامة ؟! بل أنى لأى عاقل أن يصدقنى .. أخبره فينتشر الخبر ويظن الجميع الظنون ويتقول على زملائى ساخرين من ضعف حيلتى ويتفكهون بى قائلين مثلا : الفتى يكذب تبريرا لذنبه " أو " الفتى النابه بدأ يحلم أحلاما مروعة .. الدعى يبغى أن نصدق أحلامه والواقع ان مسأله الحلم تلك أصبحت تروق له ، وانبثقت فيه كل الدوافع الكافية لإقناعه بها وتساءل : لم لا يكون حلما ما حدث ؟ .. إن شخصية الرجل بأنواره المبهمة ! وألوانه القاتمة وكلماته المغتصبة وجرمه الفحل تبدو كأنها إحدى شخصيات الحلام المزعجة .. ثم صوته المهذب قائلا : آسف .. يا الهى يبدو كصوت كابوس ! .. وبعد أأصير الى تلك الحال .. أفكر فى ضعف .. لم لا أنسى ما حدث برمته .. وأعتبر ضياع هذا اليوم أجازة منحتها لنفسى .. ! "

- سامح ..!

من .. من .. يخيل اليه ان صوتا يناديه ....

- سامح .. !

من .. ؟ ... آه .. ! ... توقف عن السير والتفت الى الوراء وهتف بصوت مستجير :

- عارف يا صديقى .. !

ودنا منه صديقه عارف مبادرا إياه بسؤاله مشدوها :

- لا أصدق عينى .. أنت فى هذا الوقت بالذات وبتلك الأفكار الشادرة فى رأسك .. وفى هذا المكان و . .؟

- ومع ذلك انا يا عارف يا صديقى .. يا من نلت جائزة التفوق فى العام الماضى .. !

- وهل .. ؟

نطقها وهو يؤمى برأسه ويغمز بعينية بطريقة ذات مغزى فأسرع سامح يدافع عن نفسه كمن يذود عن شرفه نعتا كريها قائلا وعيناه تدمعان كمدا واحتقانا :

- كلا يا عارف .. أنت تعلم أننى لست من هؤلاء .. !

- حتما لست منهم ..

قالها الصديق وهو يطأطىء رأسه أسفا ليدارى الخجل الذى تعلق بأهداب عينية فساد الصمت برهة قطعه سامح بقوله :

- لماذا نقف هكذا .. أنا أنظر الى السماء فى كبرياء .. وأنت تحملق فى الأرض خجلا وتكاد لشدة خجلك أن تسقط عينيك أرضا .. هيا يا رفيقى .. يا فارس السنة الماضية .. دعنا نسير .. لكن قل لى أولا ..

ثم سكت لحظة يفكر وأضاف :

- ولا أقول لك .. نتحدث فى الطريق أحسن .. !

تجاورا فى صمت وتسايرا كتفا بكتف ، فساقتهما أرجلهما صدفة الى الحديقة العامة بالمدينة .. أو بمعنى أدق إحدى الحدائق العامة .. فدخلاها .. لم يقصدا أن يجيلا النظر فيها كمن يبحث عن شىء بعينه لحظة دخولهما ، ومع ذلك لاحظا أنها خالية إلا من بعض العجائز الذين يعتمدون بدقون رخوه جافة فوق أيد معروقة شاحبة تقبض فى تراخ على العكاز آخر رفقاء العمر وأعينهم تحدق فى لا منظور الذكريات .. ثم غير العشب والأشجار .. لم يكن لأحد وجود يرى .. غير الفراغ غير المرئى .. ولم يكن لصوت العصافير وجود يسمع .. غير صوت السكون اللا مسموع ! ..

ثم بغته دبت الحركة فى موات النظرة الثابته التى ركزها العجائز على منظور الماضى فارتجفت أجفان اليقظة وتصاعدت أنفاسهم طويلة متراخية ، واهتز الفراغ حول أجسادهم المتداعية .. وتمزق إملود الصمت إذ قال رجل عجوز يجالس إمرأه تقاربه فى السن بصوت بدا رغم إنخفاضة عاليا يصدح فى خواء المكان :

- هو أمر لا غرابة فيه .. شىء طبيعى بالنسبة لهم .. ومع ذلك كان الوادى يسمى بالأمس وادى

بيسان ..

ولم يفصح العجوز بأكثر من هذا إقتصادا فى الكلام ، ولوحدة الموضوع الذى يشترك فى التفكير فيه مع رفيقة عمره التى إنحدرت دمعتان على وجنتيها المتجعدتين وتمتمت :

- وكنا وحيدين تماما .. ابن فى الجيش بعيد .. والآخر فى بيارات البرتقال ..

وأمن الرجل على قولها فى سماحة وعطف بإيماءة من رأسه ثم قال فى طرب حزين وهو يغمض عينيه نصف إغماضة :

- ثم بعدئذ .. آه .. لكم قلبوا الأشياء رأسا على عقب ..!

ثم زفر زفرة حارة وأطرق برأسه وصمت .. وفعلت المراة مثلة وصمتت .. وفى نفس اللحظة وعلى نحو مباغت أطرقت بقية الرءووس وهبط على الجميع سكون وكآبه لاحد لهما وكأنهم على مشارف الموت .. عندئذ كف سامح ورفيقه عن تأمل ما يرونه أمامهما وقال أحدهما بصوته الفتى المرنان ، ممزقا الصمت لكن تلك المرة بطريقة أخرى اكثر حده :

- لماذ لم .. ؟

ولم يكمل سؤاله لا إقتصادا فى الكلام مثلما فعل العجوزان .. وإنما لأن بقية السؤال كانت شيئا مفهوما لهما فأجابه الثانى متسائلا بنفس طريقته :

- وأنت .. لماذا لم .. ؟

- أسألك لتجيبنى ..

- وأنا اجيبك متسائلا لتجيبنى .. !

وانطلق الصبيان فى ضحك متصل حتى ادمعت اعينهما ..

- حسنا .. قابلنى رجل .

- وأنا .. حسنا .. قابلنى فى العام الماضى رجل ..!

صاح الأول متحمسا :

- فى حلة سوداء ، وقال لك : آسف يا سيدى .. !

فغمغم الثانى مجفلا :

- أجل والله .. !

ونظرالآخر إليه فى شك ثم سأله بنفس الحرارة :

- وأربكتك المفاجاة .. ثم لما لم تجد مبررا واحدا يقنعك ظننت أنه مندوب متجول لشركة إيه .. إيه .. ؟!

واستدارت عينا عارف لما يقول سامح دهشه وحيرة .. ثم لم يجد كلمة مناسبة يعبر بها عن اتفاق ما حدث لهما وتوافق شعورهما تجاه ما حدث غير التنهد والإعتكاف بالصمت مصدقا على ما قال ، وكان اثر هذا مريعا على كيان سامح فأسرع بالفرار من المكان موليا الأدبار لصديقة الذى إنتبه من صمته فلم يجده .. وأجال البصر حوله فى شداه .. كمن يبحث عن شىء بعينه ومع ذلك لاحظ أن الحديقة لم تزل خالية إلا من بعض العجائز الذين عادوا إلى أحلامهم الزرقاء ، يحدقون بأعين زائفة .. مجهدة .. فى لا منظور الذكريات ثم غير العشب والأشجار .. لم يكن لأحد وجود يرى .. غير الفراغ غير المرئى .. ولم يكن لصوت غير صوت العصافير وجود يسمع .. غير صوت السكون اللا مسموع .. !