-4-

5 0 00

-4-

بعد أن صار وحيدا ثانية ألفى نفسه وجها لوجه أمام عين السؤال " إلى أين يذهب ؟" .. إلى المنزل ؟ إنه يعلم أنه إذا عاد فلن تلم والدته بأى شىء . ذلك إنها ألفت أن تعود إلى البيت قبيل مغيب الشمس وأنه يستطيع بقليل من إصطناع الحيلة أن ينسل داخلا دون أن تلحظة إحدى جارات أمه .. وفى هذه الحال يمكنه أن يدعى أمامها أن يومه كان طبيعيا وأنه مر به كسائر الأيام الماضية .. مجيدا لا يؤسف عليه .. ولكن .. أى مجد فى " خداعك يا أمى ! " وأيه ارادة تنحى اعتبارات الأسف جانبا و " أنت تبعثرين حولى حنانك المخدوع وقبلاتك التى لا أستحقها !" ثم كيف يخدع نفسه .. إن هذا أيضا لمن الاعتبارات التى يصعب عليه تجاهلها .. فإنه على إستحالة قبول فكرة خداع أمه .. تبدو فكره خداع نفسه أكثر مشقة واستحالة ..

إذن ماذا يفعل .. ؟

أيتسكع فى طرقات المدينة حتى يدق الجرس تلك الدقة الأخيرة اللعينة فينسلك فى ركب التلاميذ العائدين ، وهل هذا يغير من حقيقة الأمر ؟ .. انه فقط يحل مشكلة التحايل كيلا تلمحة احدى صويحبات أمه فتخبرها بأنه قد عاد قبل الميعاد .. وتبقى مع ذلك المشكلة الأكبر وهى انه إذ خدعها فقد خدع فى الحقيقة نفسه التى لا يدرى لها مستقرا ..

إذن ماذا يفعل .. ؟

يبدو أنه لا مناص من اطلاعها على الحقيقة كلها .. فليس هو ذلك الأبن الذى يخفى عن أمه سرا كهذا يتهدد مستقبلة ولا يملك له دفعا .. ليخبرها فهى على الأقل أعمق منه خبره بالحياة .. وقد تستطيع أن تجد له مخرجا .. من أدراه .. ربما تمكنت بوسيلة ما من إزالة ظل الرجل ذى الساعة الذهبية الذى لا يدرى له ولما يبدية من عداء سافر تجاهه اى معنى من طريقة .. لا سيما وهى " أنثى " مشهود لها بالبراعة فى .. رباه ..!.. ماذا دهاه .. ان أمه فى أحلك الظروف وأشدها ضيقا وضنكا لم تفرط فى ذرة أصغر ذرة من شرفها .. ولعل هذا هو الشىء الوحيد الذى أفقدت نفسها كل العروض المغرية من ذوى الجاه من أجل أن يبقى هذا الشىء فى رعاية الكرامة وسلام السؤدد بعد أن فقدت برحيل الأب المفاجىء الأمن والطمأنينه .. وكان بوسعها أن تفرط فيه لتضمن له هناءة الحياة ورغدها وتوفر على نفسها ذلك المجهود الذى تلتهب منه يداها إلا أنها صمدت وصابرت وكابرت ليظل أسمه شريفا يفخر به .. فهل بعد هذا يخبرها بأمر هذا الرجل الآثم ..!.. إنها للأسى والأسف لن تجد سلاحا تدفعه به عنه أو ثمنا تشترى به مستقبلة المهدد بغير هذا الشىء الذى لا تمتلك شيئا سواه ذا ثمن وان كان لا يقدر بثمن .. لا تملك غير جلبابها الصامد .. الذى تروح به وتجىء .. وبين الرواح والجيئة عمل يوهن حديد الكرامة وهو – أى الجلباب – وإن يكن لا ثمن له فهو بالنسبة إليه يساوى الكثير ذلك أنه رمز الستر لها .. وهى وان كانت حقا .. تحسره إلى ما فوق ركبتيها قليلا فى البيوت الغريبة .. التى تقع على شاطىء البحر .. أثناء تنظيفها خشية البلل بالماء الذى يعتبر العنصر السائد فى عملية " المسح " فإنها تفعل ذلك بنفس الطريقة التى تخرج بها إحدى الامهات ثديها فى مكان عام لإرضاع طفلها الباكى .. أما فى غير هذا الموضع فهو .. آه .. هو فى آخر الأمر لن يخبرها خشية أن ينحسر ثوبها إلى ما فوق ركبتيها إضطرارا ، وليخدعها .. ليخدع نفسه حتى الموت .. طالما أن هذا يبقى ذيل ثوبها حيث يجب أن يكون ..

- أيها الفتى .. لعنة الله عليك .. أيها العربى الغافل .. أتسير نائما ..؟.. اهذا هو الذى يعلمونه لكم فى المدارس ..!

- آه .. معذرة يا أمى ..!

– أمك ؟!

_ آه .. معذرة يا أبت ..!

- أبتك ..؟!

- آه .. نسيت .. فأنت سيد محترم .. ولا يمكن أن تكون أبا لفتى متشرد مثلى يمشى كما تقول نائما ؟ أقصد معذرة يا سيدى المبجل ..!

- لست أباك ولا سيدك المبجل .. كل ما أطلبه منك .. هو أن تفتح عينيك وأنت تسير لأنك فى المرة القادمة ستصدم عربه ..!

- أعوذ بالله ..!

لفظها سامح وهو يبتعد عن الرجل الضخم الأحمر الوجه الذى أصطدم به عن غير قصد ركضا .. ثم كان الصراع الذى حاور فيه نفسه قد أنتهى ذلك إلى أنه إلى قرار كتمان السر عن أمه كان قد انتهى واستمر يجرى على هذه الحال .. لا يشعر بشىء مما حوله .. إلى ان خيل اليه أنه يسمع صوتا فى أعماقة يصرخ به :

- عيون الناس تلاحقك .. آه أيها المسكين .. أحذر .. قد يظنك أحد لصا فيجرى وراءك وفى الحال تلتصق بك جميع السرقات التى تقع فى تلك اللحظة ويجرى خلفك أهل المدينة عن بكرة أبيهم ..!

فتوقف مذعورا .. ثم بعين فاحصة متفرسه .. تلفت حواليه ليتعرف على المكان الذى ساقته إليه قدماه وكان قد تناسى عوامل الحيرة كلها .. وقرر دونما تفكير أن يأوب إلى المنزل بأقصى سرعة يقدر عليها .. فهو لم يألف السعى كالدابة فى الشوارع بلا هدف ويأنف مشاعر التلكؤ فى الطرقات فضلا عن أنه كان يحس بحاجته الشديدة إلى الوحدة .. ولذلك تسابقت نظراته ليحدد موضعه من البيت بالضبط .. وأسعده كثيرا أن يكتشف أنه كان يسرع فى إتجاهه دون ان بقصد تسوقه قدماه إليه بلا إرادة .. وتنصرم لحظة .. تتراءى له فيها واجهات المتاجر الزاهية بأفانين الدعاية الخادعة وإشارات المرور الوهاجة بثالوثها الأبدى والسيارات المسرعة فى جنون من يروم ان يدهم أحدا وسحن المارة المنهكة من أثر الكفاح اليومى الرتيب تنطق بأصدق أمارات المنطق الذى يقول " إما نعمل أو نموت " تتراءى له غريبة مخيفة لا معنى لها ، فتحسس بحركة لا شعورية تعودها جيبة ليتأكد من أن مفتاح الباب الذى يحتفظ به وتحتفظ أمه بواحد آخر مخافة أن يعود احدهما قبل الآخر فيقف أمام الباب المغلق حائرا .. حسنا .. أنه لم يضع وسط ربكة احداث هذا الصباح التى تنتمى إلى الضياع أكثر .. فليطمئن .. وليعجل بالعدو ، الى البيت مخترقا فى إصرار نهاية الشارع الذى يقع البيت فيه مباشرة .. وربما كان موقعة هذا هو سمة الإمتياز اليتيمة التى يتميز بها لتصدره أحد شوارع المدينة الهامة التى تموج بالحركة وتزخر بالحياة التى تقل كلما اتجهنا الى الطرف الذى ينعس المنزل فى اقصاه فيتوافر بذلك عنصر السكينة الذى لا يميل اليه غالبية سكان المدينة باستثناء ذوى القدرات المالية أو الفكرية الخاصة منهم ، وأهم من هذا وذاك أنه يطل مباشرة على تكوين للطبيعة رائع فعنده ينحنى البحر إنحناه صغيرة .. أو بمعنى أصح يمتد جزء صغير كاللسان من الشارع الى البحر وفى مركز هذا اللسان بالضبط يقع مسقط البيت الذى يفصله عن بداية المنحدر الوعر الطباشيرى المنتهى إلى المياه متران أو ثلاثة لا يتعداها عرض الشارع الملتوى بزاوية حادة أمام البيت مباشرة .

وفى الواقع أن كل هذه أسباب تكفى لا غراء ذوى الجاة بالسكنى فيه مهما بلغ به القدم والتداعى وأيا كان لون طلائه الخارجى المكفهر الذى لا يعبر عن لون مميز يسهل التعرف عليه .. وأيا كان كذلك عدد الشقوق التى تركتها عوامل التعرية الطبيعية فيه .. بل وأيا كان نوع الحشرات والزواحف التى تأوى اليها والتى يخرج بعضها من ماء البحر ، فان هذا لا يعنى خطرا على الاطلاق طالما ان ساكنيه لا يميلون بطبيعتهم الى الايذاء .. فقد عرف – سامح – عن بعض الحشرات انها لا تؤذى من يسالمها ولا تفرغ سمها فيمن لا يعاديها .. ومن تلك النقطة الجوهرية ينبع السلام الذى يحيا فيه مع والدته بين جيرانه من بنى الحيوان .

بل انه كان يحرص – اشد الحرص – على تلافى الاسباب التى تؤدى الى فرارها .. ذلك انه كان يطيب له فى كثر من الاحيان اتخاذها مادة عملية لدراسته النظرية فيقضى الساعات فى تأملها وتمييز أنواعها وأشكالها وألوانها .. بل وعاداتها فى البقاء والتناسل !.. وإذا كان البعض يلقى فضلات طعامه إلى الدجاج او القطط الهائمة او الكلاب الضالة .. فإنه كان يدس يده الصغيرة بالطعام فى الشقوق غير أبه من لسعة عقرب او لدغه ثعبان او قضمة فأر.. وما أكثر المرات التى دقت أمه صدرها فيها بيدها حين تفاجئه إستنكارا لهوايته الخطرة ، بيد أنه مع ذلك لم يقلع عن غيه زاعما ووجهة الضئيل يمتلىء بضحكة عريضة لمخاوفها " أن الفم لا سيما فم الحيوانات غير العاقلة لا يعض اليد التى تطعمه !" و " إن الوفاء الذى عرف عن الكلب لصاحبة موجود ويمكن بعثة وتنميته فى كافة الحيوانات " وأنه قرأ فى احد الكتب بمكتبة المدرسة التى يقضى فيها معظم وقته بين " الحصص " عن مفكر نرويجى يدعى " إبسن " كان يقتنى عقريا ..!.. وأن صديقة عارف قال ذات مرة " ان بمدينة حيفا ضابط كبير برتبة جنرال يستخدم ثعبانا ضخما فى حراسة منزله وممتلكاته .. وان هذا الثعبان لا يبارح حوائط البيت الخارجية إلا لطلب الطعام الذى يقدمه له الجنرال بنفسه .. وأنه فى الليل يزحف على الأوجه الخارجية للبيت فى نوبات منتظمة كما لو كان ديدبانا فى إحدى دوريات الحراسة .. بل وزعم أن لهذا الثعبان قدرة عجيبة على تمييز آل البيت وأقاربهم وأصدقائهم فهو لا يهدد غير حياة الغرباء بالخطر .. وأدهى من ذلك ان لدية حساسية خاصة ضد اللصوص فهو يصدر فحيحا ينبه رب البيت إذا اشتم بحاسة الشم القوية لدية رائحة لص يتلصص على البعد ، فاذا ما اقترب وكان لا يدرى – لسوء حظة – بأمره .. إنقض عليه كالصاعقة وأرداه قتيلا ! " وهذا ان يكن محض خيال .. أو حقيقة أضيفت اليها كمية هائلة من توابل الخيال .. إلا انه يجد لذه غريبة فى تصديقها وترديدها على مسامع أمه كلما شهقت خوفا عليه من دائه .. الذى لا تعرف له دواء شافيا غير الاعتصام بالهدوء ..