القسم الأول
قال الجنرال ناهريخ لمعاونه الكولونيل هينز:
- بعد أن جمعنا حثالة البشرية في وارسو أقترح عدم التعجيل في بناء الجدار حولها.
تفاجأ الكولونيل هينز:
- هذا غير ما يريده الفوهرر.
ابتسم الجنرال ناهريخ:
- لنشبع العقلية المناقضة للغيتو لدى العالم بشكل بطيء ولكن أكيد قبل القضاء على نزلائه.
لم يفهم الكولونيل هينز:
- تريد القول إشباع العقلية القومية لدى نزلاء الغيتو؟ ولكننا لا نريد إشباع الأخلاقيات اليهودية، وبالتالي رصهم حولها.
امحت ابتسامة الجنرال ناهريخ، وأوضح بهدوء مزعج:
- عن أية أخلاقيات تتكلم؟ أخلاقيات الولاء المزدوج والخيانة للوطن الذي يأويهم وامتيازات الفسق والقذارة؟ ليكن كل هذا نجمةً عار على أذرعهم، ولكننا لسنا بصدد اكتساب الرأي العام من أجل تهجير بعضهم أو قتل بعضهم الآخر على طريقة المعادين للسامية. كان ذلك في الماضي، ولم يؤد إلى نتائج حاسمة. لا يكفي أن تقول عن شخص حثالة ليكونها، عليه أن يكونها بالفعل في ثوبه في رأسه في كيانه حتى يغدو التخلص منه سيان لديه، شيئًا لا يطرح، ويغدو أبشع الأفعال فيه بالنسبة لغيره أمرًا طبيعيًا. يجب أن تخمد العواطف، أن تتشيأ النفوس، أن يرى الناس الميت جوعًا ملقى على الرصيف، فلا ينظرون إليه، ويغذون الخطى صوب أعمالهم. عند ذلك، سنفتح أبواب معسكر تريبلينكا المجيد على مصاريعها، ليستقبل من نريد لهم الانتهاء في الجحيم، لأنه العقاب الرباني الذي يستحقه كائن جعلنا منه أبشع كائن. الفوهرر علمنا أن المعارك تكسب على مراحل، ومعركتنا هذه، الحيوية، إكمال بناء الجدار عليه أن يكون آخر مراحلها بعد التجويع والترويع وتفريق الابن عن أمه وأبيه والزوجة عن زوجها والأخ عن أخته وأخيه والانتزاع والإذلال والموت من البرد والمرض ومنع التجول الذهني. هذه هي شروط حثللة البشر، أيها الكولونيل هينز.
ابتسم الكولونيل هينز، فطلب الجنرال ناهريخ بنعومة:
- لا تبتسم، أيها الكولونيل هينز.
قطع الكولونيل هينز ابتسامته، وعبس، والجنرال ناهريخ يتابع بنعومة:
- أنا من يبتسم، ويأمر بالابتسام.
تلعثم الكولونيل هينز:
- أردت فقط أن...
- أنا من يبتسم، أنا من يبتسم، ويأمر بالابتسام.
- أردت فقط أن أعبر عن فهمي الآن تمام الفهم، يا سيدي الجنرال ناهريخ.
ولم يزل الجنرال ناهريخ يردد بنعومة وبشيء أقرب إلى الهمس:
- أنا من يبتسم... أنا من يبتسم... أنا من يبتسم...
ضاعف الكولونيل هينز عبوسه، والجنرال ناهريخ يوضح:
- إشباع العقلية المناقضة للغيتو لدى العالم يعني أيضًا من بين ما يعني بعث اليديشية فيما بين يهود العالم وحصر معاملاتهم المشبوهة وثقافتهم المتخلفة وقطع يدهم العاملة الرخيصة التي تسببت في زيادة البطالة بين سكان بولندا، هذا البلد الذي نحن بصدد تحقيق حل لكل معضلاته السياسية والاجتماعية والثقافية والإنسانية، معضلات تسببت في تدهور الأجور على كل مستويات العمل. كل هذا يجعلنا نحقق شيئين حيويين للرايخ، الأول سنبدو كمحررين لا كمحتلين، والثاني سنقدم خدمة لكل أوروبا إذ بدلاً من الدعوة إلى تهجير اليهود كما وعد بلفور تحت غطاء من الكلمات الجميلة المؤثرة عن وطن قومي وكلام فارغ – وهذا هو الوجه اللطيف للمعادين للسامية - والحقيقة هي للحد من البطالة، نجعل لهم غيتوهات هنا وهناك، أوطانًا مصغرة، وينتهي الأمر... أريد القول ينتهي الأمر بعد المرور بتريبلينكا، ولكن ببطء وهدوء وحزم وذكاء.
ابتسم الجنرال ناهريخ، وشيئًا فشيئًا اتسعت ابتسامته، ثم انفجر ضاحكًا، والكولونيل هينز يزداد عبوسًا.
- ابتسم، أيها الكولونيل هينز، طلب الجنرال ناهريخ بلطف.
فلم يبتسم الكولونيل هينز، مما جعل الجنرال ناهريخ يعيد بلطف:
- قلت لك ابتسم، أيها الكولونيل هينز.
والكولونيل هينز لا يبتسم.
- آمرك بالابتسام، أيها الكولونيل هينز.
ابتسم الكولونيل هينز بشيء من التردد، وهو يلتفت حوله.
- ابتسم، بل وقهقه، أيها الكولونيل هينز، قهقه كما أقهقه.
أخذ كلاهما يقهقه إلى أن أوقفهما رنين الهاتف فجأة، أدى الجنرال ناهريخ التحية للفوهرر بعد أن رفع السماعة، وردد بصوت منسحق ينوء بالطاعة والولاء:
- تحت أمرك، يا سيدي الفوهرر... تحت أمرك، يا سيدي الفوهرر... تحت أمرك، يا سيدي الفوهرر...
أدى الجنرال ناهريخ التحية للفوهرر من جديد قبل أن يضع السماعة، استعاد هيبة الجنرال، وأعطى أمرًا للكولونيل هينز بأكثر ما يكون من لطف:
- أيها الكولونيل هينز، عليك التعجيل في بناء الجدار حول غيتو وارسو، الفوهرر يسخر أشد السخرية من استراتيجية المراحل التي وضعها هو بنفسه، ويقول حل المسألة اليهودية لا يحتاج إلى أية استراتيجية.
هتف الكولونيل هينز بكل ما أوتي من قوة وعزم ليخفي استغرابه ولكن ليعبر عن حماسه لفكرته الأولى:
- تحت أمرك، يا سيدي الجنرال ناهريخ!
- لتعمم إرادة الفوهرر في الحال.
- تحت أمرك، يا سيدي الجنرال ناهريخ!
- وليس فقط التعجيل في بناء الجدار وإنما أيضًا في كل شيء، في كل شيء، في كل شيء... وإلى الجحيم العقلية المناقضة للغيتو لدى العالم!
- تحت أمرك، يا سيدي الجنرال ناهريخ!
- سارع بالذهاب، أيها الكولونيل هينز، ولا تظل واقفًا في مكانك كالأبله مرددًا تحت أمرك، يا سيدي الجنرال ناهريخ!
- تحت أمرك، يا سيدي الجنرال ناهريخ!
أدى الكولونيل هينز التحية الفوهررية تحت نظرة الجنرال ناهريخ المحزنة المضحكة، ثم خرج.
* * *
انطلق الكلب كالسهم، وهو يثير ريحًا طفيفة من ورائه. تابعه إسماعيل بعينيه حتى اختفى. تسمَّر في مكانه، ونظر حوله مذعورًا. كان الليل يبسط جناحيه، ويحركهما بين حين وآخر، فتتساقط بضع غيوم قطنية. أحدد إسماعيل نظره إلى نقطة في مكان بعيد، ورأى كتلاً سوداء هنا وهناك. شدَّ على صدره الطوق الجلدي، وضغط قلبه. كان يضيقه أن يجد نفسه وحيدًا، في الليل، في الطبيعة الصامتة. لسعت وجهه النسمة الباردة، فرفع ياقة معطفه، وبقي ساكنًا. لم يكن من العادة أن يهيم الكلب طويلاً، خاصة في ليالي الشتاء التي كان كلاهما يخشاها بسبب العتمة والمطر. أراد إسماعيل أن يصيح به مناديًا، لكن الهدوء المخيم حوله ألجمه. ولأول وهلة، راوده انطباع بانفتاح الأرض تحت قدميه، بسقوطه، إلا أنه تمالك نفسه. تقدم بضع خطوات، عجّل، ووجد نفسه يركض كالكلب.
رأى جذوع الشجر تتقاطر كالأعمدة في طريق السفر، وهو يجذبها، ويبذل جهدًا، ليفلتها عندما يشعر بالإرهاق. توقف فجأة، منهكًا، وراح يزفر، وقلبه يخبط حتى هدأ. ومن جديد، سقط في هدوء الليل، فراعه الفراغ. اندفع، ونادى الكلب. غطته الأصداء، وكأن الأشجار غدت أناسًا نكل بهم انتصبوا في كل مكان ليجيبوا بأفواههم الدامية. نادى الكلب بأعلى صوته دون أن ينتظر جوابًا، وهرب راكضًا. تفرقت الغيوم، وتساقطت بطيئة وواطئة.
وجد إسماعيل نفسه في الغابة، فأبطأ، وشيئًا فشيئًا فقد سرعته. عندما توقف، علا نقيق حاد آتٍ من المستنقع، وأحس بحركة راحت تبتعد باتجاه الدغل. شد ذراعيه حوله، وأرهف سمعه. فجأة، سمع طيرانًا ثقيلاً. رفع رأسًا أشعث إلى السماء، وميز طائرًا أسود يغادر قمة شجرة، وهو ينعق. سيعود أدراجه. عاد الطائر ينعق. قفز شيء بين قدميه، ودفعه جانبًا، فقبض عليه الخوف من خناقه. تمالك نفسه، وحثَّ خطاه عائدًا. بعد مسافة عدة أمتار، تناهت إلى أذنيه لهثات الكلب. توقف، وراح يبحث بعينيه عنه بين جذوع الشجر. كان الليل يتساقط هفًا كالندف الأسود، وكانت اللهثات تزداد ارتفاعًا كلما ازداد من الكلب اقترابًا. إنه هناك. تقدم منه، فدهك شيئًا لينًا ظنَّه في البداية قدمَ رضيع. سمع صوتًا موجعًا لحيوان صغير تسلق ساقه، وعضَّها، قبل أن يهرب مختفيًا في العشب.
وهو يشتم العالم بمن فيه، سار إسماعيل وكلبه كل واحد على مقربة من الآخر بتواز،ٍ وصفوف الشجر تفصل بينهما. أصابه اليأس، فتح فمه، ونادى مرتين، فنبح الكلب. قطع المتنزِّهُ الليليُّ صفوف الشجر، فقفز الكلب بين ذراعيه. شمَّ إسماعيل رائحة سميكة، فدفع الكلب عنه، ومسح شدقه بالمنديل. دم! كان الكلب يخفق كالشراع من شدة الانتشاء. لم يهتم الشاب بالأمر كثيرًا. طوق عنق كلبه، وسحبه.
أراد أن يعود إلى القصر بسرعة، لكنه تردد في اللحظة الأخيرة. كان كوخ الحارس هناك، في طرف الحقل. رفع رأسه إلى السماء: كانت تغطيها ببطء... الغيوم، ببطء، ولكن بإصرار على غلق كل أبوابها. رمى الكلب بنظرة، رآه، وهو يفتح شدقه واسعًا، ولسانه يتدلى، ويرتعش كاللهب. ترك إسماعيل الكلب يقوده، فاجتاز به السياج المتهدم بعيدًا عن الكوخ، لكن الكلب بدل رأيه فجأة، وحاول التحرر بعنف ليذهب باتجاه الكوخ.
مزقت الفضاء ضحكة خشنة، ثم حطَّ الصمت. كان أحدهم في الحظيرة. أقعى إسماعيل قرب الكلب، ولفه بذراعيه راميًا إلى حبس أنفاسه. كانت في أماكن من الجدار الخشبيّ شقوق، تقدَّم منها ليسترق النظر عندما دوت الضحكة الخشنة من جديد، فاختلطت مرايا العتمة بالظلال ثملة عابثة، ووصلته همسات مختنقة:
- لم يتبدل فيك شيء!
غاب الصوت الخدر لحظة، ثم غدا أكثر وضوحًا:
- ثقل نهداك... هذا كل ما هنالك.
ارتفع صوتها محذرًا:
- اخفض صوتك، أيها الفلاح!
الآن أمكن لإسماعيل أن يرى الحارس وامرأته. قهقه الحارس، وهو يسحب شاربيه الكثين من طرفيهما، وقال لزوجته بنبرة مطمئنة:
- لا تخشي شيئًا! البنت تنام، والباشا في قصره!
- ألهذا تفضل الحظيرة؟
لفَّها بذراعيه، ولثمها بنهم، وبدورها، انفجرت تضحك.
- ماذا دهاك، باسم الشيطان؟
- هذا بسبب القش.
رماها بالقش إلى أن غطاها كلها، وهي تداوم على الضحك. ارتمى عليها، وتدحرج معها، وبعد قليل، انفصلت بجسدها الرخص عنه ظلاً غامضًا في عاج الليل. قال لاهثًا:
- بدأ يصيبني العياء.
- هذا لأنني ثقيلة.
- لا، ليس هذا.
بحث عن سبب مقنع، ولكن دون جدوى. ليس هذا لأنه يسير إلى الكبر بسرعة... وهي، من ناحيتها، عادت بجسدها إليه. أعطت نفسها كليًا، فاختلطت أنفاسها برائحة الروث، ونتج عن ذلك عطر الحظيرة، عطر راح يفعل في رأسه فعل الخمر على شاربه. قليلاً قليلاً، غدا جسد الحارس دبقًا من العرق. ضاق صدره فجأة، تراخى، وذاب كالشمع بين ذراعي زوجته.
- آه! يا إلهي...
- يا لنا من رجل وامرأة ضالين أنا وأنت!
- لقد كانت رغبتك.
رمى أصابعه في ترهلات خصرها، وقال:
- من اللازم أن نفعل شيئًا عندما يحطُّ الليل.
وذهب صامتًا. لم تكن تحب صمته، لأنه عندما كان يصمت، كانت تحس بنفسها وحيدة، عارية، دون وقاية، في البرد والظلام. لخوفها من هذا الصمت الموهن، أبعدته عنها، ونهضت، فتساءل دهشًا:
- إلى أين؟
قالت مرتجفة:
- لنعد إلى الدار. الشياطين من حولنا.
- يا لك من معتوهة!
بطحها، وربض عليها، فراحت تئن، وتتخبط إلى أن حط كل شيء في السكون.
تطلع إسماعيل حوله، واخترقه الصمت الهائل. كان صمتًا قويًا، إلهيًا تقريبًا. حثَّ خطاه بقصد الهرب، لكنه توقف فجأة. كان باب الكوخ مفتوحًا. تعثر، وتردد، ثم دخل. كانت الأشياء في العتمة تبدو غير حقيقية. قرب الحائط، كانت البنت تنام على الأرض، وشعرها الأسود يتناثر على المخدة. ارتفع قميص نومها، فكشف عن قسم من فخذيها. كان كل شيء مبعثرًا في تلك الحجرة البائسة، ولا ضير لو عاث الكلب هناك. لا. سيوقظ البنت. أمره بالجلوس، فجلس الكلب، وأخذ يراقبه عن كثب. أشعل إسماعيل مصباح الزيت، واقترب من الطفلة، فتموجت تحت الضوء بالألوان الذهبية، وكأنها حقل في الصيف. سحره ذلك وأتعسه. جلس قربها متأملا، فنفضته من أعماقه شهوة أليمة خفية. تكوَّم على نفسه مندحرًا حتى غدا له شكل الكلب. بماذا تحلم يا ترى؟ أمَّا عنه، فلم يعد يحلم منذ موت أمه. وإذا حصل له ذلك أحيانًا، فهو كابوس. بقي جهم الوجه، وأراد النهوض. لن يكون لطيفًا أن يجدوه هنا. ومع ذلك، لم يبذل أية حركة، كالضائع كان. اقترب بإصبع راعشة من شفتي البنت الصغيرة المتفتحتين. فقط كي يمسهما مسًا خفيفًا. لكنه تراجع، وراح يرتجف، ويلهث مثل كلبه.
* * *
توقفت عشرات الشاحنات في الطرق الضيقة المؤدية إلى وسط وارسو، كانت المرة الأولى التي يأتي فيها النازيون بآلاف اليهود الألمان، ويلقون بهم كما تلقى البهائم، ومن حولهم كان القمر يسطع في الأسلاك الشائكة جميلاً دون أن يبالي بدموع النساء والأطفال. كان موزارسكي ينظر إلى القمر، ويقول لزميله ماريك إنه لم ير في حياته أوقح من قمر وارسو، وماريك يبتسم، بينما لا يتوقف عن بناء الجدار الدائر بالغيتو الذي هم فيه، ويقول إنه قمر غبي مثل كل أقمار العالم لا شيء آخر. كانوا لا يتوقفون عن رفع الجدار ليل نهار بعد أن أتاهم الأمر بالتعجيل في بنائه، وكان النازيون يشددون الحراسة، كان ذلك في الأمس، ثم لم يعودوا يهتمون بذلك كثيرًا بعد أن راحوا يدفعون ضعف ما كانوا يدفعونه من قبل، وغدا البناؤون أنفسهم يدافعون عن الجدار من أجل ((حياة أفضل)).
- الليلة ننهي عملنا باكرًا، قال موزارسكي لماريك، سنذهب إلى حانة، ونبقى نشرب حتى يغيب قمر وارسو الوقح.
لم يكن ماريك يريد الثمل فقط بل والنوم مع امرأة ليدفئ قلبه، فبناء الجدار يدفئ جسده في ليالي وارسو الشتائية للحركة التي يبذلها دون توقف، ولكنه لا يدفئ قلبه.
- سنذهب إلى حانة ثم إلى ماخور، قال ماريك. منذ بداية الاحتلال، وأنا أحلم بالنوم مع امرأة أدعوها ماريشيا أو بولينا، وأجعلها تنسى اسمها، طوال الوقت الذي تقضيه معي، وهي بين ذراعيّ. إنه شيء أقرب إلى العبث، أعرف، ولكنها طريقتي في مواجهة ما نحن فيه من مصاب.
دمعت عينا موزارسكي، وسأل:
- لماذا بولينا؟ لماذا هذا الاسم؟
- لا، ليس هذا لأنني بولوني قبل أن أكون أي شيء آخر، فلتطمئن. أنا علماني، ولكنني لست علمانيًا في السرير. إنه اسم الصدفة، الاسم الثاني الذي وقع على لساني بعد ماريشيا.
عندما رأى الدمع في عيني موزارسكي، همهم:
- أعتذر إذا كنت قد أسأت إلى يهوديتك، يا صديقي... ما اسمك؟ نعم، كدت أنسى اسمك. موزارسكي. أعتذر لك، يا صديقي موزارسكي، أعتذر لصداقتنا التي نمت بفضل هذا الجدار الذي نبنيه بيدينا من حولنا كي نكون سعيدين.
همهم موزارسكي، وهو يمسح دمعه بظاهر يده:
- ذكرتني بزوجتي بولينا.
- كانت لك زوجة اسمها بولينا؟
- لم تزل زوجتي، لكنني لا أعرف أينها الآن.
- هي حتمًا هنا، زوجتك بولينا، في مكان ما هنا. هل تريد أن نبحث عنها؟
- هنا؟ كيف تريدنا أن نبحث عنها هنا؟ نحن هنا نقارب نصف المليون، والعدد يزداد ارتفاعًا يومًا عن يوم.
- نصف مليون شخص في مساحة أربعة كيلومترات، لا تنس ذلك.
نظر ماريك إلى القمر الساطع في الأسلاك الشائكة، وقال، وهو يشير إليه، ويبتسم:
- يبدو أن القمر ليس غبيًا إلى هذه الدرجة كما ظننت.
- ماذا تعني؟ سأل موزارسكي حائرًا.
- ولا وقحًا، لأنه يعرف أين هي بولينا.
صاح موزارسكي غاضبًا:
- كيف سيدلنا القمر على بولينا؟ لا بد أنك معتوه!
اربد وجه ماريك، وأوضح:
- أنا وحيد أبويّ اللذين قتلا أمام عينيّ لأنهما رفضا الإذعان لرجال الغستابو...
- والحالة هذه؟
- لن أخسر شيئًا إذا حال أحدهم بيني وبين أن أجد لك بولينا في أزقة الغيتو الفضية.
- أما أنا، فلا أريد أن أخسر أي شيء بعد كل ما خسرت، بولينا وعملي وحياتي، ويا ليت هذا الجدار الذي نبنيه ألا ينتهي إلى الأبد. بالإضافة إلى ما يدره علينا من مال، إنه فعل وجودي الوحيد.
- على هذا الإيقاع سوف ينتهي خلال أيام.
- لا تجد لي بولينا وجد لي طريقة نؤخر فيها انجاز الجدار.
* * *
ترقرق الغدير كالنهر الصغير، وأقيم على الضفة مشعل. كانت خيالات سوداء وبيضاء هنا وهناك، وكان ضوء المشعل ضعيفًا. لم يبد أي شيء غير لمعان الماء الجاري. كالتماثيل، كان الفلاحون يتسمرون في أماكنهم كالتماثيل، وهم يحدقون في الطريق. لم يعودوا يأبهون به، وقد غلب عليهم الانتظار: فلاح يلتوي في قيده، وهو يلهث منهكًا بلسان رخو كالمطاط، ويسيل من فمه لعاب دبق. كان قرب شجرة السنديان فلاح آخر، في قيده هو أيضًا، قبضوا عليه من خناقه، فجمد في وقفته مذهولاً. في تلك اللحظة، وصل إلى مسامعهم ضجيج عربة، فبدأوا يتحركون كلهم. دار الدم في عروقهم دورة العجلات، وعلا النبض في قلوبهم علو العربة. تقدم أحدهم بخطوات سريعة صوب الطريق، وابتعد تاركًا للعربة المرور. رشقت العربة أضواءها الباهتة هنا وهناك، وأطلق الحوذي صيحة ليوقف الخيول الأربعة. أخذ الرجل يجري في اللحظة التي وطئ فيها الحوذى الأرض، وفتح باب العربة:
- تفضل بالنزول، يا مستر كلارك.
نزل إنجليزي طويل القامة، ذو ربطة عنق حمراء، ومعطف أسود، وقبعة سوداء، ووجد نفسه أمام الرجل الذي كان يلهث، فسأله:
- كل شيء جاهز؟
- كل شيء جاهز، يا مستر كلاك.
سار بضع خطوات، فقدم الرجل له كرسيّاً مريحًا. ألقى نظرة فاحصة على الفلاح الذي التوى بقيده: فم من حجر، عينان ميتتان ذهب لونهما.
قال الرجل مبالغًا تبجيله:
- تفضل بالجلوس، يا مستر كلارك.
رمى مستر كلارك الفلاح الآخر بنظرة سريعة قبل أن يجلس، فأخرج الرجل من جيبه ورقة، وقرأ:
- بناء على قرار هيئة المحكمة رقم 223، والذي وافقت وصادقت عليه حكومة صاحب الجلالة الملك، وبحضور السيد نائب المندوب السامي، يتم تنفيذ حكم الإعدام بالمجرمين حسين أبو سِِنَّه وعطا عبد اللطيف عودة، لحيازة الأسلحة غير المشروعة – مسدس وبندقية صيد - ولأعمال تخريبية ارتكباها ضد رجال الأمن وبعض المراكز الإدارية، التهم عينية ومثبتة بإدلاءات الشهود.
تقدم اثنان من الفلاح الأول، وطرحاه أرضًا. ساطور ضخم علا، وهوى. قُذف الرأس في السيل، وراح الجسد يضرب في التراب، ويتلوى حتى شُل، وغدا ركامًا من اللحم الميت. للرعب الذي أعاد الحياة في عرقه، تفجرت صيحات الفلاح الثاني لكنهم شقوا فمه بوثاق جلدي، ومن جديد، تدفق الدم في الغدير. عندما أنهوا مهمتهم، وقفوا جامدين، بانتظار أمر آخر. ضجَّت ضوضاء الرعد. نهض مستر كلارك، وتحركت العربة.
* * *
دفع موزارسكي باب خمارة الخروف الثمل، وجعل ماريك يدخل أمامه. كانت القاعة مكتظة بالرواد، رواد يبدون دون وجوه، أشبه بالرسوم الممحوة وجوهها، وكلهم يلفون سواعدهم اليمنى بالنجمة السداسية. وهما يبحثان بعينيهما عن مكان يجلسان فيه، بقي النادل ينظر إليهما جامدًا كتمثال. عندما أعياهما البحث، دبت الحركة في جسد النادل، وأشار إلى مكان قصي لشخصين تحت ساعة مستطيلة تقترب من التاسعة مساء. بعد أن جلسا، أشار النادل إلى ما يشربه الآخرون من جعة، فهزا رأسيهما بالإيجاب. كان كل شيء يتم عبر الإشارات في جو من الصمت المطبق، وكان الكل يحدق في الفراغ، بعضهم يدخن، وبعضهم ينظر من وقت إلى آخر إلى الباب، وبعضهم يغمض عينيه لثوانٍ ثم يفتحهما، وهما ممتلئتان بالرعب. أحضر النادل كأسي الجعة، وفرك سبابته وإبهامه، ففهما أن عليهما أن يدفعا. أعطياه أكثر مما طلب، فأعاد إليهما الباقي، ثم انصرف إلى حيث يقف جامدًا. أنهيا كأسي الجعة دون أن ينطقا بكلمة واحدة، وأشارا إلى النادل أن يحضر لهما كأسين أخريين، فتم كل شيء كالمرة الأولى. فجأة، دخلت امرأة بهيئة أقرب إلى العته، وراحت تشير إلى الحاضرين واحدًا واحدًا، وتقهقه، ولا أحد يهتم بها، حتى أصابها العياء، فعادت من حيث جاءت. وبعد قليل، دخل صبي رث الثياب نحيف الجسم ميت النظرة، وراح يدور بين الطاولات واحدة واحدة دون أن يفوه بكلمة، ولا أحد يهتم به. عندما وقف قرب الصديقين، أعطاه موزارسكي قطعة نقدية، فأخذها، وبعد أن نظر إليها طويلاً، تركهما، وذهب إلى طاولة أخرى، وأخرى، إلى أن وصل الطاولة الأخيرة، فرأيا يدًا لامرأة علت حتى رأس الصبي، ومسحت كل عناء الإنسانية. أعطته قطعة نقدية أخذها، وبعد أن نظر إليها طويلاً، غادر المكان. التفتت المرأة إلى الرجلين، وابتسمت، فعرف الرجلان فيها الممثلة الشهيرة ماغدلينا التي ما لبثت أن نهضت بصحبة رجل ملتح كان معها. وقبل أن تذهب والرجل، التفت الرجل، وألقى على ماريك نظرة طويلة، فعرف ماريك فيه الشاعر والمسرحي آدم مردخاي.
طلب الصديقان كأس جعتهما الثالثة بلغة الإشارة ذاتها، وهما على وشك احتساء نصفها، دخل رجل قبيح الوجه نتن الثياب، وهو يشد بيده سلسالاً تتدلى منه نجمة داوود. كان ينحني على أذن أحدهم هنا وأحدهم هناك، ويهمس بضع كلمات، وأمام عدم أي رد فعل لا يلبث أن ينسحب بهدوء. عندما أفرغ بين يدي الصديقين ما عنده، ابتسم ماريك، وحرك إصبعًا تحريك العقرب في ميناء الساعة مرة واحدة، ففهم موزارسكي أن صاحبه سيتغيب ساعة أو ما يقارب الساعة، وأنه يطلب إليه البقاء بانتظاره. جرع ماريك كأسه، وتبع الرجل.
سار الرجل بماريك في أزقة ظن أنه يأتيها للمرة الأولى، كانت تحت ضوء القمر تبدو كاللوحات السريالية لما فيها من التداخل في عدم التآلف: كان البعض ينام في العراء، على أفرشة قذرة، وقرب أكوام من القمامة، وكان البعض الآخر يمارس العناق عند حواف المجاري، وعلى عتبات الديار. رأى ماريك فتاة، وهي تقضم رغيفًا، ومضاجعها يقضم حلمتها، ورأى صبية يتابعون المشهد، وهم ينتظرون أن ترأف بهم الفتاة ببعض الفتات، بينما تئن ثانية من المرض، وهي في حضن أمها، وأمها تبتسم لظلها، وثالثة لا تكف عن السعال، والجرذان على مقربة منها تنتظر موتها. لم يكن الرجل الذي يسير بماريك ينظر إلى أحد، كان يغذ الخطى إلى أن وصل عمارة على وشك التهدم. دفع بابًا كاد يتكسر تحت أصابعه، وصعد بماريك سلمًا خشبيًا كاد يتحطم تحت خطواته. وقبل أن يدخله إلى وكره، قذف أحدهم بآخر نصف عار من باب مجاور كان مفتوحًا، والآخر يسب، ويلعن، ورماه من فوق السلم. شد الرجل الستارة، وكشف غطاء ممزقًا عن امرأة عارية تمامًا. وعلى التو، نهضت المرأة، وأخذت تطلي وجهها بالمساحيق، ومن المرآة تنظر إلى ماريك، وتبتسم. كانت بجمال القمر، أنفها الدقيق، عنقها العاجيّ، حاجبها الذهبيّ، شعرها الذهبيّ، ظلها الماسيّ. ابتسم لها ماريك، ورجلها يحرك أصابعه كالمجنون يريد نقودًا بينما السلسال يضرب بيده. أعطاه ماريك حفنة من النقود أخذها بهوس، وأغلق على المرأة وماريك الستارة.
- ماريشيا!
أخذها ماريك في أحضانه، وبينما هو يقبلها، سمع بكاء الرجل، ثم ما لبث الرجل أن أطلق صرخة حادة، فهرع ماريك ليرى ماذا جرى، وإذا بالرجل ملقى على الأرض، والدم يسيل من رسغه. صاحت المرأة لما رأت دم زوجها يلوث العالم، وجذبته بين ذراعيها، وهي تبكي، وتردد:
- ولكنها فكرتك، يا فرينكل! ولكنها فكرتك، يا حبيبي!
أبعدها ماريك برفق، وبعد أن فحص الجرح، قال لها:
- لا تخشي شيئًا، يا ماريشيا! الجرح ليس غائرًا، فقط أعطني شيئًا كي أربطه له.
مزقت المرأة ثوبًا، فربط ماريك الجرح، وابتسم للرجل. وقبل أن يتركهما، أفرغ على السرير كل ما في جيبه من نقود.
* * *
كانت أنغام بيانو تتصاعد من القصر، وكأن ريحًا مكدودة تنقلها ببطء الأضواء التي ترشق الظلام بلونها الأصفر عبر نوافذ الطابق الأرضي للقصر، وكانت الأنغام تجول في أزقة القرية، وتضيع عند قبابها، قبل أن تذوب في الليل... كأنها موجات وهنت لمذياع قديم.
وفي القصر، كان هناك من يصغي إلى الموسيقى بانتباه عندما حصلت حركة مفاجئة. ظل امرأة. ظل ثريّ. كان الظل ينعكس على الزجاج، والمرأة تمضي من نافذة إلى أخرى، وكان يختفي مع اختفاء المرأة، ويظهر مع ظهورها.
أرعدت السماء، فاقتربت امرأة في ثوب السهرة من النافذة. رفعت الستارة الشفافة، وألقت بضع نظرات شاردة. كانت العتمة شديدة. استدارت، وقطعت الردهة الكبرى إلى الصالون. هناك توافقت الأنغام، واستعادت إيقاعها العادي.
سالومي. في الخامسة عشرة. شعر أشقر. منسدل. فستان أحمر. مخمل. أنامل رقيقة. حاذقة. كانت تعطي ظهرها إليهم، وهم يجلسون في نصف دائرة. الباشا إبراهيم في الوسط. مسز كلارك على يمينه. صاحب المقام اليهودي، الخواجا داوود على يساره. على بعد مقعدين من مسز كلارك المهندس صادق. في ركن مهمل مرجانة، خادمة سوداء رهن الإشارة. جاءت المرأة، ووقفت قرب سالومي. كانت تسطع بهاء. حنت عنق العاج، وراحت ترنو إليها بإعجاب، بينما ترسل من بين شفتيها المكتنزتين ابتسامة خلابة. سارة. سيدة القصر. وهو؟ كان مبهورًا. رفع المهندس صادق رأسه إلى الثريا ذات الألف شمعة. رأى كيف تنتثر الأشعة على رسوم الزيت لتتلألأ بألوانها الساخنة. حواري عدن. على ضفاف بحيرة. كلما أمعن النظر في محاسنها ازدادت فتنة. أخيرًا، سقط في عاصفة الضوء. كالضائع. كانت الموسيقى تصله على موجات، بينما يتماوج شعرها باستمرار، فيغرقه بحر من الرغبات. نقل الكأس، ولامس بشفتيه حافتها الشفّة. انساب الخمر أسفل لسانه، فانساب بدوره في حلم قديم قضي زمنًا وهو عاجز عن تحقيقه. عندما عاد إلى وعيه، وجد أن (( مطامحه )) لم تتحقق بعد، ولا حتى بعض مطامحه. لم تكن الأنغام تتدوزن بإرادته، ثم، طوال حياته لم يمتلك آلة موسيقية واحدة. للمرة الأولى، صدمه كل هذا الثراء: الأرائك الوثيرة. تماثيل العاج. السجاجيد الفارسية الفريدة. الديكور الأوروبي المذهب. عقد اللؤلؤ على عنق سارة الأغيد. فستان مسز كلارك الكاشف عن فخذين ناعمتين. غاص في مقعده، وفكر للحظة أن وجوده هنا وجود الدخيل. ولكي يبعد عنه ما فكر فيه، ويمحو من عيني مسز كلارك ماضيه الخسيس في قرية من قرى اللد البائسة، ابتسم ببلاهة وبكثير من التكلف. إنه المهندس! طرب للقب! ذهب بعينيه ثملاً، من البيانو إلى صورة الباشا إبراهيم المعلقة مقابلاً إياه، وتأمل الصورة بمزيج من الرهبة والإعجاب: شعر غزير أبيض. شاربان كثان أبيضان. جبهة عابسة. وجه مدور ذو حزوز عميقة رغم الرخاء الغالب على تعابيره. للصورة إطار ضخم من الخشب المحفور. على ناحيتيها حسامان مرصعان.
حسد صادق نفسه على وجوده هناك، في حضن الدفء، في حضن الثروة، وهذا الحفل البهيج الذي على شرفه! انفرجت شفتاه عن ابتسامة واسعة واثقة للكائنات وللأشياء، حتى للفهد المحنط المثبت على الحائط بأنيابه الشرسة المهددة. ولكثرة ما أحدد بصره إليه، انطلق من عينيه الفاتكتين شرر أحمر، فاجتاحت صادق حرارة محرقة. طلب كأسًا أخرى. تقدمت الخادمة، وصبَّت له الخمر. تأمل لونه الأصهب، وأخذ جرعة. أرعدت السماء. للضجيج الهائل، توقفت سالومي عن العزف، فنظروا إليها بقلق. بعد قليل، عادت إلى العزف، لكن أحدًا منهم لم يستسغ الإيقاع الرقيق الدافئ كما كان يستسيغه قبل قليل. أرعدت السماء من جديد، ودفعة واحدة، سقط المطر.
اتجهت الخادمة نحو النافذة، ورفعت الستارة. كان المطر يسقط مدرارًا. رمت سالومي أمها بنظرة متسائلة، فطلبت إليها بإشارة من يدها أن تتابع. كلما ازداد عنف المطر ازداد تعالي الأنغام. فجأة، سُمعت حركة في الخارج، ثم انطلق العواء. (( لقد غاب طويلاً وها هو يعود! )) فكرت سارة، وأومأت إلى الخادمة التي خفت إلى فتح البوابة الكبيرة. دخل إسماعيل، وكله يقطر ماء. أطلقت الخادمة صيحة تعجب واستغراب، وراحت تردد: (( يا سيدي! يا سيدي! )). لم يولها إسماعيل اهتمامًا. شق طريقًا بين الأعمدة متجنبًا مواجهة الحضور. قطعت سارة الردهة الكبرى بسرعة في أعقابه. كان عليها أن توقفه، وأن تقول له كم هي تتعلق به. قالت، وهي تفكر فيما أرادت البوح به قبل ذهابه:
- ...وهكذا انتهت إذن نزهتك المسائية، يا عزيزي إسماعيل.
توقفت، وهي تفكر: (( ما الذي يمكنني أن أفعله من أجلك؟ آه، يا إلهي!)). رفعت ثوبها لتسهل عليها الحركة، وجاءت تنزرع أمامه. وفي الحال، اجتاحت وجهها أمارات التعجب والاستغراب، فقالت بصوت منخفض:
- يا إلهي! يا إلهي!
سحبته من ذراعه:
- تعال. سأجفف لك هذا.
لكنها جمدت عندما جذب ذراعه.
- أنت تقطر ماء! لن أدعك تذهب هكذا، ستسقط مريضًا.
تناولت منديلها الحريري، ومسحت الماء عن وجهه. كانت ترتعش كلما لمسته بأناملها، وهو جامد كالرخام. قالت بنبرة عتاب:
- يطيب لك السير تحت المطر لتقع بعد ذلك طريح الفراش! أليس ما أقوله صحيحًا؟
بقى مقطبًا. لم يَفُهْ ببنت شفة. كان عطرها كارثته. هذا الشعر المكوي الذي بلون الخروب، طالما نثره الباشا إبراهيم بأصابعه، وأطفأ في تجعداته الشموس! رمقها. رمق البذخ، المال، والأسرار الغريبة كلها. هذا الجسد البض الشهي كان جزءًا منها، كتمثال الغادة العاج الذي كان قربه، وها هي ذي تتنفس، وينتشر عنها أريجها. كانت ترتعش، ويرتجف نهداها. امرأة في الخامسة والثلاثين. عيناها الواسعتان العسليتان ترعبانه. تخلص منها، وتقهقر.
- إلى أين أنت ذاهب؟
لم يعطها جوابًا.
تقدمت منه قلقة، كالثمرة الناضجة التي على وشك السقوط بين الأصابع الجائعة، وراحت تردد مطنبة:
- يا عزيزي! يا عزيزي!
نثرت شعره المبتل، وأخذت تتأمله: أسمر، قامة فارعة، عينان زرقاوان حالمتان، شعر غزير أسود، أنف دقيق، حاجبان منقوشان، وأكثر ما كان يسحرها عناده. انزاح، وهمَّ بصعود الدرج.
- ستنزل بعد أن تبدل ثيابك.
لكنه صعد.
أتاه صوتها الراجي:
- سنبقى بانتظارك.
لم يجب.
* * *
لم ينتظر موزارسكي صديقه، نهض أول ما ذهب من وراء امرأة كانت تحمل طفلاً وتستجدي لكنها تجنبت المرور بطاولته. كانت المرأة تشبه بولينا زوجته الضائعة، وكان موزارسكي يؤمن بمعجزات العهد القديم، فقال لنفسه ربما هذه واحدة منها. تبعها على الرصيف، وعلى الرصيف أطفال جوعى أجسادهم جلد يكسو العظم، يحدقون في ضوء القمر، ويجدون لونه أسود من لون قدرهم. كانت هناك بعض النساء اللواتي على وشك الموت، وهن يمددن أياديهن إلى القمر، والقمر يُسقط فيها فضته، وكان هناك شابان كأنهما توأمان ينامان في حضن السغب ولامبالاة الكون، ومن حولهما فراشات الموت الزرقاء.
- بولينا، انتظري... بولينا!
وضع موزارسكي يده على كتفها، لكنها ارتعدت من الرعب:
- يا سيدي الإس إس، خذ ولدي، واتركني بسلام!
دفعت الطفل بين ذراعيه، وأغذت السير كالمهووسة.
- بولينا!
أحس بالطفل خفيف الوزن، كان أشبه بالهيكل العظمي، فخف يجري من ورائها:
- بولينا، انتظري... بولينا!
بحث عنها في الشوارع المجاورة دون أن يجدها، ثم سمع فجأة ضحكتها، فصاح:
- بولينا!
وجدها تضاجع أحدهم عند منعطف الشارع. كانت تلهث من اللذة، وتقهقه من الغضب، وكانت تلعن الله، وتصلي من أجل رحمته. جلس على عتبة غير بعيد عنها، وهو يشد الطفل بين ذراعيه، ويبكي. ظل يبكي طويلاً، لم يكن قادرًا على إيقاف بكائه. عندما جف دمعه، نظر من حوله، ولم يجد المرأة، فنهض يبحث عنها كالمجنون في كل زوايا الشارع: كان الشارع معلقًا بين الحقيقة والخيال بحبال جهنم. فجأة، فطن إلى الطفل الذي مات بين ذراعيه، ومن جديد انفجر يبكي. في تلك اللحظة، كان مستعدًا ليقتل أيًا كان، أباه، أمه، بولينا نفسها، فقط أن يقتل. أخذ يبحث بجنون المحروم من دم العالم عن ضحية تكون نهايتها على يديه. غاب القمر، وحط الظلام في كل مكان، في القلب أول مكان. شد الطفل الميت إلى قلبه بقوة، وعزم على دفنه. لو كان ابنه لما ألقاه على الرصيف، وذهب دون مبالاة. طرق باب المقبرة، فردعته أصوات الحراس الألمان، وأمرته بالانتظار حتى الصباح.
* * *
أنهت سالومي مقطوعتها بسحبة سريعة. صفق لها الباشا إبراهيم، وكل الآخرين. تقدمت سارة منها وسط تهليلاتهم، وأخذتها بين ذراعيها. طبعت على وجنتها قبلة خفيفة، وهي تردد: (( يا طفلتي! يا طفلتي! )) أفلتت سالومي منها خجلة، وارتمت في حضن أمها، والباشا إبراهيم يقول: (( تعالى، يا معجزة! تعالى، أيتها الملاكة الصغيرة! )) دفعتها مسز كلارك بلين، من حضنها إلى حضنه، فأملس شعرها بيده الضلعاء، ثم أبعدها بهدوء، وراح يقول بصوت مهيب:
- ستصبحين عازفة شهيرة بعد عدة سنوات، وسأبني لك أوبرا، لك وحدك.
- أشكرك، يا باشا.
- إنني أعدك.
أخذت سارة يديها بافتتان، وهي تقول:
- يا للبراعة!
وتوجهت إلى مسز كلارك:
- فاقت (( شوبان )) روعة!
دون أن تنقطع ابتسامة مسز كلارك.
نقلت عينيها الخضراوين ناحية ابنتها، ورمتها بنظرة فخورة. تشبهان بعضهما تمامًا: مسز كلارك وابنتها. قالت لتخفي زهوها:
- ما زالت سالومي صغيرة.
رَنَتْ سارة إلى البنت، أمالت رأسها كمن تفكر فيما قالته أم سالومي، وردت:
- لا، يا عزيزتي، لنكن عادلين، إنها كبيرة بما فيه الكفاية.
ثم أضافت بابتسامة براقة:
- إنها تتقن الضرب على البيانو تمامًا.
أجلسها الباشا إبراهيم على أريكة واطئة قربه، والتفت إلى المهندس صادق ليقول دون أن يتوقع منه ذلك:
- وأنا أيضًا كنت في شبابي بارعًا!
صعد الدم إلى وجهه، وترك الباشا إبراهيم يتابع:
- علمني أبي كل شيء، الموسيقى والرسم والأدب وفن الزهور.
ضحك الباشا إبراهيم بجذل، فضحك المهندس صادق لضحكه. بسط الباشا إبراهيم يديه، وعاد يُلبس تقاطيعه الجد:
- هذه حكايا لا تدوم عندما تعظم المسؤولية.
ثم قال بلذعة من السخرية، دون أسف:
- حكايا شباب.
وجد المهندس صادق نفسه يقول:
- ولكنك في شباب دائم، يا باشا!
ابتسم له ابتسامة خفيفة، ثم سيطر عليه بنظرته القاسية.
قالت مسز كلارك:
- ربما يرغب السيد المهندس في إسماعنا قطعة.
زفر صادق محرجًا، وهو يضحك خحلاً:
- لا أجيد الضرب على البيانو، مع الأسف.
أعاد الخواجا داوود كصدى:
- مع الأسف!
أضاف، وسكسوكته الحمراء الوسيمة تعلو مع كلماته وتنخفض:
- برأيي أن الموسيقى والهندسة الصناعية علمان توأمان. كلاهما بحاجة إلى ورق للرسم، وكلاهما بحاجة إلى آلة للعمل. إن لهما في النتيجة الأخيرة قيمة واحدة. الفرق الوحيد أن الموسيقى روحية، بينما الهندسة الصناعية مادية. لهذا السبب قلت إنهما علمان توأمان. هل أنت متفق معي؟
أجاب المهندس صادق، وهو يحرص على عدم معارضته، ويبذل عند الابتسام جهدًا:
- أنا متفق معك.
تدخلت سارة:
- ولكن، يا خواجا، ليس بالضرورة أن يكون المهندس موسيقيّاً أو الموسيقي مهندسًا، أقول ليس بالضرورة.
كان الخواجا داوود يستبق كلامه دومًا بابتسامة. انحنى حتى بدا عظمه على وشك التكسر لشد ما كان نحيفًأ، وقال بأسف:
- لو كان مهندسنا الجديد موسيقيّاً لصنع في البلد معجزة!
قالت مسز كلارك:
- نعم، هذا ما كنت أتمناه.
ورمت صادق بنظرة جعلته يعرق، وهو يلتهم شفتيها الفراولتين بعينيه: كان يرتعش رغبة في قضمهما ليكشف سرها وجنونها، وكان يفكر: إنها ساخنة على الفراش ما في شك!
تلعثم، وقال:
- لم يفت شيء، بإمكان المرء أن يتقن أي شيء، إذا ما رغب في ذلك.
ابتسم ببلاهة قبل أن يضيف:
- كونوا مطمئنين، أنا أرغب في ذلك أكبر رغبة.
ومن جديد، راح يلتهم بعينيه شفتي مسز كلارك الفراولتين.
قالت مسز كلارك:
- أهنئك، يا سيدي المهندس، على هذه الشجاعة.
أخذ الخواجا داوود يفحص صادق بعينيه الحادتين، موحيًا للجميع معرفته في الفراسة، وكأنه اكتشف أشياء كثيرة:
- يبدو لي أن مواهب السيد المهندس لا تقف عند حد.
دفع الباشا إبراهيم صدره إلى الأمام بأبهة، وعظمة، ونهض:
- هذا ما أتمناه.
التفت إلى الجميع، وأعاد:
- هذا ما نتمناه جميعًا.
قالت سارة بدلال:
- حقًا، هذا ما نتمناه جميعًا.
أحاطوا بالمهندس: بذلات سوداء، وفساتين براقة، أناقة إلى حد الإفراط... اتجهوا إلى قاعة الطعام، فتدحدل صادق بينهم مبهورًا بكل ما يجري حوله.
* * *
عندما عاد ماريك إلى خمارة الحمل الثمل، لم يجد موزارسكي، لكنه رأى على العتبة ماغدلينا، الممثلة الشهيرة، وآدم مردخاي، الشاعر ورجل المسرح المعروف، كما لو كانا بانتظاره. همّ بالجلوس في مكان أشار إليه النادل الرخام، وهو يفكر في صديقه الذي اضطره الذهاب أمر ما حتمًا، والذي لن يلبث أن يعود كما بدا له، لكن نقرة إصبع ناعمة على كتفه جعلته يلتفت، ليقع على وجه ماغدلينا، وهي تتبسم عن لؤلؤ. أشارت إليه بأن يتبعها، ففعل. كانت حيرته كبيرة في عالمٍ كلُّ شيءٍ شنيعٍ فيه متوقع أما الجميل فنادر. كانت ابتسامة الأنثى أجمل الأشياء، وكانت ابتسامة ماغدلينا أجمل ابتسامة.
وهو يقترب من آدم مردخاي الواقف قرب عربة ثلاثية العجلات، ابتدأه هذا بهذه الكلمات:
- تعال، يا صديقي ماريك باويل، هلا تذكرتني؟
- أنا أعرفك، يا آدم مردخاي، وهل يخفى القمر؟ رمى ماريك وهو على بعد خطوتين منه.
لم يطلع القمر مذ غاب في سماء أقصى حالات البؤس، وهو لهذا وجد تشبيهه غريبًا، لكن مردخاي لم يكن يأبه بقمر وارسو في تلك اللحظة ولا بقمر الأنا، كان يسعى إلى شيء آخر:
- سألتك هلا تذكرتني ولم أسألك هلا عرفتني؟
علقت ماغدلينا وهي لا تنقطع عن الابتسام:
- لا تربكه، يا آدم، فأنت لا تكتب مسرحية جديدة.
وتوجهت بالكلام إلى ماريك:
- غدت حياته كلها مسرحية.
أشار آدم مردخاي إلى لوحة العدم التي كانها الغيتو بينما هم يلقون في وسطها، وهمس:
- نحن نعيش في مسرح لامعقول، يا ماغدلينا أنييلوفيتش!
انقطعت ابتسامة ماغدلينا، وبدت لها سحنة فاجعة كتلك التي عهدها الجمهور فيها عندما تمثل التراجيديات الكبرى. قال ماريك لآدم:
- أنا أتذكرك الآن، كنا قد التقينا في المجلس اليهودي.
- وكنت أنا من أصرَّ على إدراج اسمك في قائمة بنّائي الجدار.
- هل ما زلت عضوًا فيه؟
- أنا نائب الرئيس اليوم. اصعد، سنذهب إلى مكان نتحدث فيه بهدوء.
- اصعدي أولاً، يا ماغدلينا، قال ماريك للممثلة الشهيرة. إنه لشرف لي أن أركب وإياك في نفس العربة.
وقبل أن يصعد ماريك، التفت إلى باب الخمارة، وذهب بعينيه إلى أقصى الشارع، فسمع مردخاي يقول من ورائه:
- صديقك لن يعود...
وسارع إلى القول:
- اطمئن، لم يحصل أي مكروه له.
صعد ماريك ثم آدم، فالتصقت فخذ ماريك بفخذ ماغدلينا التي رمته بسهام نظرة كوبيدية أحس بكل سخونة الكون فيها، والتي ابتسمت له ابتسامة غير تلك التي اعتاد الناس عليها، كانت ابتسامة له وحده، ابتسامة خاصة به، وهو لذلك كان سعيدًا، كان لم يزل يقدر على أن يكون سعيدًا. أخبرت السائق الذي يأخذ مكانًا خلفهم أين يريدون الذهاب، فسيّر عربته بالدواسة، وما لبث أن انطلق بهم.
* * *
كانت الأرض تتنفس وتتحرك كالجسد الحي. وبشيء من الهوس، كانت الخيول الأربعة تعدو بالعربة، والحوذي يسوطها، فتصهل، وتلمع عيونها في الليل. من بعيد، كانت عيونها تشبه الأضواء الحمراء... ومن بعيد، كان من عيونها يبدو المطر أحمر، وكان مستر كلارك يتنفس وينظر إلى ما يتكاثف من أنفاسه على الزجاج: كان مرتاحًا وفي أمان، والسوط يلسع من جديد، فيعلو الصهيل، ويلسع مرة أخرى، فيعود الصهيل، ويعلو.
* * *
فتح موزارسكي عينيه فجأة، كان الطفل الميت الذي في حضنه يبتسم له بوجه أجمل من قمر وارسو، وما لبث أن وقف الطفل على قدميه، وهو في أجمل ثيابه. مد يده، وأمسك بيد موزارسكي الذي لا يصدق ما يرى، وقال له:
- تعال، يا بابا، نعود إلى دارنا، لقد كلت ماما الانتظار.
نهض موزارسكي المنذهل، وسار مع الطفل، وهو ينظر إلى سور المقبرة الذي تركه من ورائه. أخذ الطفل يقطع به الغيتو من أقصاه إلى أقصاه دونما باب يعيقه أو جدار حتى وجد موزارسكي نفسه في أجمل أحياء وارسو. اجتاز الطفل به سور إحدى الفيلات، وسار به على حافة بركة كان ماؤها في الليل بنفسجيًا. دخل به إلى الصالون، وقبل أن يتركه يصعد إلى غرفة النوم، قال له:
- اصعد، يا بابا، ماما هناك بانتظارك.
لكنه لم يصعد، كان لا يفارقه الذهول، وكان ينظر إلى فوق بشيء من الخوف والريبة. جذبه الطفل من يده، وصعد به إلى غرفة النوم. دفع بابها الفخم، وحثه على الدخول. عندما دخل، نهضت بولينا التي كانت تقرأ كتابًا في سريرها الضخم، وجاءته بقميص نومها الحريري، وبكل جمال الدنيا، وهي تسأله بلهفة:
- أين كنت غائبًا، يا موزارسكي؟ لماذا تأخرت على بوليناك؟ إنها تنتظرك منذ الصيف الذي ذهبت فيه إلى برلين! كيف هي برلين؟ هل هي دومًا جميلة؟ تعال، يا حبيبي! لا بد أنك تعب، يا حبيبي! تعال إلى ذراعيّ، يا حبيبي!
سار موزارسكي تحت دفعاتها الرقيقة، ونام إلى جانبها بثوبه وحذائه وكل أوحال الموت. وعندما اطمأن الطفل على والديه، قال لهما:
- تصبحان على خير، يا بابا، ويا ماما! أنا ذاهب لأنام في بطن ماما!
أغلق عليهما الباب بهدوء، وعاد ينزل الدرج إلى البركة ذات الماء البنفسجيّ. نزل على سلمها حتى غمره الماء تمامًا، وراح يقطعها ماشيًا تحت الماء إلى أن وصل سريره الصغير المقام في الركن. دخله، وتغطى جيدًا. وبعد ذلك، مد يده الصغيرة إلى المصباح الموضوع على طاولة الليل، وأطفأه.
* * *
أضواء ضعيفة في الحجرة الكبيرة. أغطية السرير الضخم قاتمة. الأثاث قديم. الستارة سوداء. فوق سريره صورة أمه الحسناء. تقدم إسماعيل منها. كانت عيناها تدعوانه. في كل مرة كان يجد نفسه في الحجرة، كانت عيناها تدعوانه. كانت شفتاها تهمسان له. اختفى من عينيها البريق، وارمد لون شفتيها الأحمر. ومع ذلك، فلم تكن تشكو. كانت تطل عليه دومًا من نفس المكان، هادئة، وادعة، بينما تنحلُّ ابتسامتها في الظل. كالضوء الحالك. ويفنى جمالها في الظل. كالزهر الظامئ. لكنه لن ينسى جمالها القديم، حبها القديم، ذراعيها، طفولته بين ذراعيها، شفتيها على عنقه، لن ينسى عاره القديم. استدار على نفسه، وأتى ينزرع قرب البوفيه. كانت على البوفيه صور مؤطرة يتفاوت حجمها بالتدريج. هو وأمه. منذ كان طفلاً في عامه الثالث حتى الثاني عشر. في أوضاع مختلفة. في حضنها. إلى جانبها. من أمامها. على الكرسي. نقل إحداها، فإذا بطفولته تدب بين أصابعه كالأرنب فوق العشب حارة وثقيلة. لكنه تجاوز هذا العمر، بما أنه يحس اليوم بالشيخوخة. أعاد الإطار إلى موضعه، والتفت حوله بهيئة تعبة عاجزًا عن تحديد علاقته بأشيائه. كانت تجتاحه ذكرى حالات متعارضة تجعله بخصوصها غريبًا. ثم لا يلبث أن يقع على عزائه بفضل أمه، وهي تنظر إليه من أعلى الحائط على الدوام، وهي تفنى في قلب الحائط على الدوام.
أزاح الستارة، ونظر إلى الخارج. الليل والمطر لم يزالا هناك، والعربة ذات الخيول الأربعة كانت تقترب من سور القصر. عندما دخلت العربة باحة القصر، وصل إسماعيل الصهيل وصيحة الحوذي. كانت الخادمة قد هرعت لتفتح البوابة. عند ذلك، توقفت العربة، خف الحوذي فاتحًا المظلة لمستر كلارك، ورافقه حتى عتبة القصر.
قال الباشا إبراهيم، وهو يفتح ذراعيه على سعتهما:
- تأخرت علينا، يا صديقي العزيز.
وأشار إلى مقعد فارغ إلى يساره:
- مكانك إلى جانبي.
ناول مستر كلارك معطفه وقبعته للخادمة، وتقدم بجلبة:
- أضاع سائقي الطريق.
ثم أضاف موضحًا:
- بسبب المطر.
وقبل أن يجلس، خفض رأسه بتأدب تحية لسارة.
- سيدتي!
كانت تجلس في رأس المائدة المواجه للباشا. في الطرف المقابل، ابنة المستر كلارك وزوجته. مر عنهما بسرعة، وهو يبتسم، ووقع على المهندس صادق إلى يمين الباشا إبراهيم. قدمهما الباشا إبراهيم لبعضهما:
- هذا هو مهندسنا الجديد، يا مستر كلارك، وهذا هو مستر كلارك، يا باش مهندس.
تبادلا التحية.
جلس المستر كلارك إلا أنه تذكر الخواجا داوود الجالس في أقصى الطاولة، على يمين سارة. انحنى، وحيّاه بحرارة. نهض الخواجا داوود بكل احترام:
- تحياتي، يا مستر كلارك:
ثم جلس.
شرعت الخادمة القيام بواجبها. رمت سارة مقعد إسماعيل الفارغ بنظرة، وهي تفكر: لم ينزل! وبدا لها المقعد مهجورًا منعزلاً بشعًا.
نفض مستر كلارك محرمة الحرير، وفرشها على حضنه. تناول مغرفة الفضة، ونظر إلى الباشا إبراهيم الذي كان يستفسره بعينيه. قال مستر كلارك:
- لقد تمَّ كل شيء.
غرز الباشا إبراهيم الشوكة في قطعة لحم، ودفعها في فمه. راح يمضغ بتأنٍ، ويبتلعها بتأنٍ، ثم مسح فمه بتأنٍ، والتفت إلى صادق:
- كلنا يعلم لماذا نجتمع الليلة على مائدتي المتواضعة هذه...
مسحوا أفواههم، وضعوا من أيديهم، وراحوا ينصتون.
- إنه احتفال صغير نعتز به جميعًا إكرامًا لمهندسنا الجديد.
صفقوا، وابتسموا، ثم حطُّوا في الصمت.
- وكلنا يعلم أن مصنع النسيج في بلدتنا خطوة بناءة ما في شك، سواء على الصعيد الداخلي اليوم، أو على الصعيد الخارجي غدًا، به نثبت قدراتنا وإمكاناتنا المحلية، ونجعل من إنتاجه الجيد بطاقة السفر إلى سوقنا الصغيرة أولاً، وإلى الأسواق الكبيرة ثانيًا، عدا عن تثبيت سمعة هذا البلد كمنتج ومصدر ومتقدم بالتالي، لا كبلد متخلف يعاني من قلة الإنتاج وضحالة صادراته.
أخذ نفسًا عميقًا.
- تعلمون كلكم كم كلفني هذا المشروع من جهد ومال وتعب. إن آمالنا اليوم كلها تنصب على حكمة وحنكة مهندسنا الجديد بعد أن فشلت تجربتنا مع المهندس السابق، ليذهب بالمشروع إلى تحقيق المرامي التي قام من أجلها.
ثم أنهى بصخب:
- أرحب بالسيد المهندس مرة أخرى بيننا، داعيًا له بالتوفيق في مهمته.
وصفق، وهم كلهم معه.
كان صادق، طوال الخطبة، يصغى، وقلبه يضرب بقوة كبيرة على غير عادته. وكان يبتسم بشكل مفرط، وهو يفكر: لكم يبالغون بإبداء مشاعرهم في هذا البلد!
* * *
تابع آدم مردخاي بينما ماغدلينا تعد القهوة في المطبخ المفتوح على قاعة الجلوس، وتسمع:
- ... لهذا السبب، لم أتردد لحظة واحدة عن إسناد دور هنري الرابع لماغدلينا، ولو كان شكسبير يعيش معنا في عالم العبث المذهل واللامعقول الذي أبدًا لا مثيل له مذ كان الوجود وجودًا، لفعل ما فعلت، فانتزاع السلطة من طرف أسرة لانكستر سينتمي إلى المطلق كفعل ميتافيزيقي، وسيان أن يكون هنري الرابع امرأة أو رجلاً، فعل السلطة والصعود والسقوط هو الأساسي أما الفاعل فشيء ثانوي، ثانوي تمامًا. ولهذا السبب أيضًا، يأتي ضباط الفوهرر كل مساء ليصفقوا لماغدلينا فخارًا وإعجابًا.
وضعت ماغدلينا فناجين القهوة والعديد من ألواح الشوكولاطة. كسر آدم قطعة، ورماها في فمه، وهو يرسم بسمة محتقنة، وينظر إلى الممثلة الشهيرة التي كانت تطلق ابتسامتها الخلابة:
- هذه الشوكولاطة اللذيذة تعبير عن إعجاب النازية بشكسبير، أضاف آدم مردخاي، وهناك أشياء أخرى أكثر من الشوكولاطة السويسرية. حدثي ماريك عنها، يا ماغدلينا.
عتمت ملامح ماغدلينا، نظرت إلى ماريك، ثم إلى آدم، ونبرت:
- ولكننا لم نتفق على هذا.
فهب مردخاي بها صائحًا:
- اتفقنا أم لم نتفق، حدثيه عما تفعل فيك الشوكولاطة السويسرية كل مساء بعد كل عرض.
ارتبكت ماغدلينا، نقلت فنجان القهوة إلى شفتيها، وهي ترتعش، فانسكبت القهوة على كتف ماريك. اعتذرت له وبدلاً من وضع فنجانها على الطاولة بهدوء ومسح القهوة عن كتف الضيف ضربت يدها بفنجان قهوته ودلقتها على ركبتيه. تضاعف ارتباكها، وهي تمسح بمنديلها القهوة، بينما أخذ آدم مردخاي يصيح بأعلى صوته:
- قولي له إنهم يغتصبونك كل مساء لا لشيء إلا لإعجابهم بدور هنري الرابع الذي تمثلينه.
جمجمت ماغدلينا رادعة:
- يا لك من لئيم! لا تصح هكذا، فالدنيا كلها تسمعك!
- الدنيا كلها تسمعني! رمى مردخاي ساخرًا، الدنيا كلها تسمعني!
تدخل ماريك:
- أتركها، يا مردخاي، وشأنها.
- نعم، اتركني، لأجل محبة موسى.
هدأ آدم مردخاي، وهمهم باتجاه ماريك:
- أنا علماني مثلك، لكنني أحب موسى مثلها، أحبه على طريقتي، كل شيء في التوراة أحبه على طريقتي، وأترك الآخرين يحبون كل شيء فيها على طريقتهم التي غالبًا ما تلتقي بطريقتي...
قطع كلامه، وجمد على منظر دموع ماغدلينا التي راحت تنسكب حارة على خدها. حنت رأسها، وحدقت في قدميها الصغيرتين الجميلتين:
- يقول لي بعد كل مرة يغتصبني فيها إنه سيدق قدميّ ببلطة عبرية قديمة ذات يوم لا لشيء سوى لأنهما صغيرتان جدًا وجميلتان جدًا... الكولونيل هينز! هذا وليس غريبًا أن يبدو في كل مرة يغتصبني فيها وكأنه يغتصب السلطة وقد جسدتها في نظره... ثم يترك نفسه تتحدث عن شكسبير، عن إرادة القوة وقوة العرق وسيطرة العرق وجماله لأن شكسبير برأيه ألماني أخطأ في الهوية، ولكنه ما من مرة يتحدث فيها عن سقوط أسرة هنري الرابع، لأن السقوط في نظره لحظة غير شرعية من تاريخ كل بلد عظيم وأمة عظيمة، وهو هنا يمثل كل ما هو شرعي في أعين الرايخ. ما من مرة يتحدث فيها عن نهاية أسرة هنري الرابع، لأن ذلك يذكره بنهاية أخرى لا يريدها.
رفعت رأسها قليلاً قليلاً، مضت بعينيها بمردخاي ثم بماريك، وأفضت:
- ذهبت إلى الجنرال ناهريخ بناء على نصيحة مردخاي كي أشكو الكولونيل هينز ويضع حدًا لفعله فيّ بعد كل عرض. كانت في قاعة الانتظار بعض الفتيات اليهوديات الجميلات، تسع أو عشر فتيات، كان يبدو عليهن أنهن لم يكن هنا لشكوى يرفعنها للجنرال ناهريخ مثلي أو لأمر آخر، كان يبدو عليهن أنهن أجبرن على المجيء لغرض يجهلنه. عندما علم الجنرال ناهريخ بوجودي، أدخلني عليه في الحال، فانهرت بين يديه، سالت دموعي دون أن أستطيع التحكم بها، وأنا أحكي له قصتي مع مرؤوسه. راح الرجل يركز نظره على شفتيّ الراعشتين، ولا يكف عن الطلب إليّ ألا أتوقف عن البكاء. كان بكائي يضاعف الشبق لديه، ويوتره جنسيًا، وكان الوحش يتحول على إيقاع شهقاتي من شكل إلى شكل، ويغوص في مقعده، يغوص، كان يغوص في بحر لذة مستعرة يثيرها دمعي في عروقه المريضة، وفجأة كان يأخذ في الصراخ كالمعتوه، ثم يهمد كالجسد الملقى على الرصيف، وتكاد تدوسه الأقدام.
* * *
كانت فوق مكتب الأبنوس الفخم صورة من الحجم الكبير تمثل الباشا إبراهيم في شبابه: بذلة سوداء، قميص مخطط ما دون صدارتها ارتفعت قبته المنشاة فوق عقدة ضخمة لرباط العنق، منديل من الحرير الأبيض في جيب السترة العلوي مروحي الشكل، طربوش يضغط الجبين ويضاعف من استدارة الوجه، حاجبان كثَّان وعينان سوادان تقدحان.
امتدت يده، وكأنها تروز دفعتها، وسحبت جرار المكتب. نقلت اليد صندوق السيجار، وراحت الأخرى تعبث بغطائه إلى أن فتحته. تقدم الباشا إبراهيم بالصندوق إلى مستر كلارك، وانحنى ربعًا بقامته الممتلئة:
- سيجار، يا مستر كلارك؟
تناول مستر كلارك سيجارًا ضخمًا بين أصابعه، وراح يتأمله لوهلة قبل أن يقضمه، ويضعه في فمه. ركن الباشا إبراهيم الصندوق فوق طاولة الزجاج، وقدح لمستر كلارك ولاعة من الذهب الخالص. عفط مستر كلارك الدخان، مما عجَّل بإثارة أفكاره. أخذ الباشا إبراهيم مجلسًا مقابلاً لمستر كلارك، فغاص في المقعد الجلدي. تبادلا النظر، وكل واحد بانتظار أن يبدأ الآخر الكلام، وكان من الباشا إبراهيم أن قال:
- سينتشر خبر الإعدام بسرعة.
رد مستر كلارك:
- التعميم أمر قانوني.
وضع مستر كلارك رجلاً على رجل، واندفع إلى الوراء. راحت ابتسامة غامضة ماسخة تأخذ طريقها إلى شفتيه:
- أنت، يا باشا، ذو كلمة مسموعة، وثقتنا بك كبيرة.
استشاط الباشا إبراهيم غضبًا:
- ولكنها مسؤوليتكم أيضًا!
قال مستر كلارك:
- انتهت مسؤوليتنا مع تنفيذ حكم الإعدام.
أضاف بارتياح أزعج كما يبدو محدثه: والآن تبدأ مسؤوليتكم.
- وفي حالة ما إذا حصل شغب... وعصيان.
- لن يحصل شغب ولا... عصيان إذا تكفل الباشا إبراهيم بالأمر.
- ها أنتم تلقون على عاتقي كل الأمر، وتتركونني أحمل وحدي ما لا يستطيع عليه المندوب السامي نفسه. إن الأشياء جد خطيرة!
- ليست خطيرة إلى هذه الدرجة، المهم أن...
قاطعه الآخر:
- إذا أردتم أن نتعاون كما ينبغي أجلوا نشر التعميم.
- القانون يقول يجب تعميم كل إعدام يجري تنفيذه وإلا غدا في حكم الشرع جريمة.
فلعت ابتسامة فمه، وتابع: إخفاء ما هو شرعي جريمة، يا باشا!
انتظر لحظة قبل أن يذكّر:
- لا تنس، يا باشا، أننا استجبنا لمطالبك كلها، ولم نجر تنفيذ الحكم علنًا بناء على رغبتك.
- طبعًا، وإلا ساءت الأمور كثيرًا.
- إذن لن تسوء الأمور بما أننا عملنا برأيك.
أحدد مستر كلارك نظره في عيني محدثه، وتشنج:
- فلتعمل برأينا، إنه دورك الآن.
لاحظ عليه الضيق، مما جعله يضيف:
- إن المندوب السامي يقدرك تمام التقدير، وهو يترك لك معالجة الأمر بحكمتك وخبرتك، وسينتهي كل شيء على أحسن وجه. في أسوأ الأحوال، سيسبب لك آل سعد الله بعض الإزعاج. ما عدا ذلك، إذا طلبت منَّا أن نتدخل، فسنتدخل. وأزيدك اطمئنانًا بأن المندوب السامي سيصدر عما قريب مرسومًا بعودة أرض المعدمين إليك.
* * *
بكت ماغدلينا، وآدم مردخاي يشد لحيته، وينتف شعرها دون شعور منه، ودون أي ألم. بعد قليل، مسحت دمعها، وابتسمت لماريك الذي بقي عابسًا ساخطًا لا يدري كيف يعبر عن مشاعره الناقمة أشد نقمة. امحت ابتسامة ماغدلينا، وعمق لون عينيها الأخضر:
- قال لي الجنرال ناهريخ قبل أن يصرفني إنه سيكلم الكولونيل هينز حالاً، ولن يزعجني هذا بعد ذلك أبدًا، لكنني تفاجأت بالكولونيل هينز في مقصورتي بعد عرض ذلك المساء، واستمر على المجيء كل مساء كما كان يفعل دومًا. لم يذكر لي شيئًا عن الزيارة التي قمت بها إلى الجنرال ناهريخ، ففهمت أن الضابط الألماني الكبير يريد أن أسكب دمعي بين يديه من جديد، وهذا ما حصل بالفعل عندما استدعاني. لم يكن في قاعة الانتظار أحد، وأدخلني حارسه إلى مكتبه حال وصولي. لم يكن الجنرال ناهريخ في مكتبه، وبعد مضي بعض الوقت، بدأت تصلني صرخات نساء من الجناح التابع للمكتب، صرخات كانت تقمع بعنف، إلى أن انفتح الباب الداخلي فجأة على الجنرال ناهريخ عاريًا وفي يده مسدس لوح به إليّ لأجيء، فجئت، وذهلت على رؤية سبع من النساء العاريات المعقودة أياديهن، المدماة أثداؤهن، الجاحظة عيونهن، وكأنهن سبايا في الجحيم. تفجرت دموعي على منظرهن، وعلى منظر دموعي، تهيج الجنرال ناهريخ، فطوى إحداهن على طاولة كانت هناك، ودخل فيها دخول الفاتح لبولندا، وهو يأمرني ألا أتوقف عن البكاء. وعند ذروة سعاره، أخذ يطلق النار على النساء، ويقتلهن واحدة واحدة، وهو يصرخ من عظيم اللذة، والمرأة الذي هو فيها تصرخ، فقتلها، وبقي فيها، وهي قتيلة، إلى أن قذف كل الأبيض الأسود الأخضر الأزرق الدمويّ الذي في كيانه، ولوّث الكون.
* * *
صاح الحوذي بكل قواه، وساط الخيول المندفعة، والعربة ترتج إلى أن اختفت. كان المطر يصب دومًا، والليل أسود. وكانت العجلات تدور في الماء والطين، فتصنع أقواسًا ترشق الطريق كالنوافير. كان كلاهما يجلس في الداخل، وكان كل منهما يحاذي الآخر. كانت على رأس الخواجا داوود قبعة طويلة، وكان يستند بكلتا يديه على مظلته كي يحول دون الترجج. عند ذلك قال مستر كلارك:
- المهم في الأمر هو هذا: أن يحمل الباشا على عاتقه كل شيء، ونبقى طرفًا متفرجًا.
- وبعد ذلك؟
- تعرف جيدًا ماذا سيحصل بعد ذلك.
- وإذا حصلت تطورات، أقصد إذا كانت للأمر ردود فعل هامة؟
- هذا يتوقف على مدى شخصية الباشا وحكمته.
- تقصد مشيئته.
- اطمئن، طالما أن فيها منفعة.. ولو مؤقتًا.
- الأرض؟
- الأرض.
- هذا ما يقلقني.
تقاطعت تقاطيع الخواجا داوود، وقال بصوت بطيء متحسب:
- إذا وقعت الأرض في حوزته قبض عليها بمخالبه، ولا تنس هذا، إنها أخصب ما في المنطقة.
- لديك المال.
- سيسبقني إلى شرائها طالما لديه المرسوم.
- وهنا يأتي دورك.
أمرَّ مستر كلارك إصبعه على الزجاج، ومحا الغبش المتراكم: لقد انقطع المطر. قال:
- سيكون موسمًا خصبًا.
بقي الخواجا داوود جهم الوجه، كان يحدق في العتمة بحثًا عن ثلم ينتزع منه بذرة حلمه. أعاد مستر كلاك:
- سيكون موسمًا خصبًا.
أعاد الخواجا داوود من طرف شفتيه المغضنتين:
- بالفعل، سيكون موسمًا خصبًا.
مال مستر كلارك ناحيته، وبعث في قلبه الاطمئنان:
- عندما يصبح الأمر بيننا وبين الباشا كل شيء يغدو سهلاً، وعلى الخصوص إذا تعلق من ناحيته الأخرى بك. أنت لديك المال، والباشا لديه الأرض، ونحن لدينا وساطتنا. منذ وعد بلفور ونحن البريطانيين نعمل كل شيء من أجل إقامة الوطن القومي اليهودي، وطنكم، في فلسطين: الييشوف، الوكالة اليهودية، الكيبوتزات، الهاغانا... كل المؤسسات التي ستتحول إلى دولة حديثة بكل ما في الكلمة من معنى. الفلسطينيون محرومون من كل إدارة ما عدا إدارة الباشا، إدارة إقطاعية بالية. لا تنس هذا، يا خواجا ديفيد.
- أنا لا أنسى هذا، لكن ما تفعلونه ليس كافيًا.
- اسمح لي أن أقول لك، ليهودي هنا قبل أن يكون الانتداب هنا، أنت يهودي نهم، يا خواجا ديفيد.
- نعم، أنا نهم، أنا يهودي نهم لأجل شعبي، لأجل أهلي الذين عانوا عبر التاريخ والذين يسعى الألمان إلى إبادتهم.
صححه مستر كلارك ببسمة كبيرة:
- الألمان وليس الفلسطينيين.
- ليست غلطتي إذا كان هؤلاء الناس قد اغتصبوا حقنا التوراتي.
- حقكم التوراتي؟ ماذا تعني؟
- صهيون. صهيون، يا مستر كلارك. وبعبارة أخرى، العودة إلى الأرض المقدسة، إلى أرض العسل واللبن، العودة إلى ما كانت أرض أجدادنا منذ ألفي عام.
- يبدو لي هلوسة ما تقوله ولا منطقي، يا خواجا ديفيد. الحاصل... من وجهة نظري الشخصية، على الأقل.
- احتفظ بوجهة نظرك الشخصية، يا مستر كلارك، من الأحسن لك. بالنسبة لي كصهيوني، إنه حق العودة هذا الذي يجب أن يطبق ويصبح حقيقة واقعة أيًا كانت الوسائل للوصول إلى ذلك، ومهما كانت شناعة هذه الوسائل.
- بما في ذلك الوسائل الأكثر شناعة؟
- نعم، بما في ذلك الوسائل الأكثر شناعة. أقول ما أقول دون أدنى تردد.
- بما في ذلك ثمن إبادة أخرى في حق شعب آخر؟
- لن يكون الأمر واحدًا.
- هل أقول لك شيئًا، يا خواجا ديفيد؟ وأنا أسمعك تفكر هكذا أجدني مرتاعًا.
- لنا نحن الصهاينة، البوغرومات، دريفوس، اللا سامية، الغيتوهات، تريبلينكا، تبرر كلها ضرورة أن تكون إسرائيل ملجأً لكل يهود العالم، وفي هذا يكمن معنى العالية، الصعود من أجل الإقامة في فلسطين.
- بارتكاب الشناعات نفسها في حق شعب آخر؟
- نعم، بارتكاب الشناعات نفسها في حق شعب آخر. أقول ما أقول للمرة الثانية دون أدنى تردد.
- مريع ما تقوله ومخيف، يا خواجا ديفيد، ولكن ما أقوله... يبقى وجهة نظري الشخصية.
- من حظك، يا مستر كلارك.
- أتهددني، يا خواجا ديفيد؟
تفاجأ الخواجا داوود، تلعثم، ثم اضطر إلى القول:
- لم تكن سوى زلة لسان، يا مستر كلارك.
- حذار! الزم المكان الذي وضعناك فيه، وقم بالغرض الذي سنجيء بأهلك من أجله!
وتناهت إليهما صيحة الحوذى في اللحظة التي استدارت فيها العربة بقوة مع المنعرج.
* * *
كان آدم مردخاي قد نتف نصف لحيته دون أن يشعر بذلك إلا أنه في غمرة الصمت صاح من الألم فجأة، فقامت ماغدلينا قلقة، وهي ترى الدم ينفر بين أصابع رجل المسرح، وتقول:
- ستقتل نفسك ذات يوم، يا صديقي آدم!
جاءت ببعض القطن، وبقنينة دواء معقم، فتأوه آدم مردخاي للحريق الذي سببه الدواء المعقم، وعندما لم يحتمل أكثر، دفع ماغدلينا عنه بعيدًا.
- سأقصقص لك لحيتك، قالت ماغدلينا مبتسمة، وهي على كل حال كانت تلتهم كل وجهك.
توجه مردخاي بالحديث إلى ماريك بعد أن نظر إلى دمه على قطعة القطن ورماها جانبًا:
- تعرف جيدًا أن غيتو وارسو اثنان أحدهما كبير والآخر صغير مهمل تقريبًا قليل الحراسة، وحراسه في معظمهم من شرطتنا اليهود، لهذا لن يصعب علينا هدم جداره.
انتبه ماريك جيدًا عندما سمع بهدم الجدار، كان يريد هذا الهدم كما وعد صديقه موزارسكي، ولم يكن يعرف كيف، لكنه لم يعرف بعد أسباب مردخاي.
- هدم جدار الغيتو الصغير سيخلصنا من الكولونيل هينز إلى الأبد، رمى آدم مردخاي.
قال ماريك:
- أنا لا أفهم.
- ومع ذلك، كل شيء واضح، قال مردخاي.
تدخلت ماغدلينا:
- سأقوم بعرض خاص بجنود الغيتو الصغير وشرطته، هذه فكرة استحسنها الكولونيل هينز، وهو في أحضاني. عند ذلك، سيكون كل الجدار تحت تصرفك، يا عزيزي ماريك.
- تحت تصرفي؟ تحت تصرفي كيف؟
- ستكون هناك متفجرات في أحد الأقبية، أوضح مردخاي، ستخرجها مساء العرض إلى الجدار، وتفجره، هذا كل ما هنالك.
- سأفجره، هذا جميل، ولكن كيف التخلص من الكولونيل هينز إلى الأبد كما ذكرت؟
- تفجير الجدار لغلطة عسكرية كبيرة ارتكبها الكولونيل هينز ستؤدي إلى تصفيته من قبل الجنرال ناهريخ وإنهاء الأمر بسرعة قبل أن تنشغل قيادة الرايخ هي بالأمر، فيلحق الجنرال ناهريخ الأذى، لأنه المسئول المباشر عن الكولونيل هينز.
- تصفية الكولونيل هينز؟ تصفية الكولونيل هينز فقط دون غيره؟
هب مردخاي بماريك صائحًا:
- وماذا يهم حتى ولو تمت تصفية كل مشاهدي هذا العرض الخاص؟! نعم، يا ماريك باويل، بمن فيهم شرطة المجلس اليهودي الذي أنا نائب رئيسه. هكذا نعجل بتحريك الأمور، وندفع الناس إلى أن يهبوا، ويحرروا بابل!
- وإذا ما كان الثمن الذي سيدفعه الناس أكثر مما تتصور؟
عاد مردخاي يصيح:
- لن يدفع الناس أكثر مما هم فيه!
* * *
طلب صادق:
- أوقفي ماسحة الزجاج.
وفي الحال أخذت يدها تبحث عن الزر أسفل المقود:
- أخيرًا!
- توقف المطر.
قالت مسز كلارك وهي ترمي ضحكة:
- إذا أمطرت فهي تمطر من أجل فصل كامل.
استدارت نحوه، ثم تابعت التقدم في الطريق الموحلة بصعوبة، للحلكة الشديدة، وضعف المصابح.
- ربما أثرت في قلبك الضحك، أتعرف أنني أخاف من المطر؟
قال صادق دون أن يدهشه ذلك:
- ليس هذا بالأمر الغريب.
ضحكت من جديد، وقالت:
- يبدو أننا متشابهان.
رماها بنظرة، وقال، وهو يفكر في أنهما متشابهان:
- انتبهي إلى الطريق.
- لم أعد أرى شيئًا.
- هذا بسبب الظلام.
طلبت سالومي الجالسة على المقعد الخلفي:
- هل أمسح لك الزجاج، يا ماما؟
ضحكت:
- لكِ أن تفعلي، لكن هذا لن يبدل من الأمر شيئًا. سأخفف السرعة.
ثنت سالومي ركبتيها، وراحت تمسح الزجاج الخلفي.
- لهذا يفضل زوجي العربة.
قليلاً فيما بعد، أضافت:
- إننا نجمع بين القديم والحديث.
- هذا هو الحال غالبًا في كل القرى.
- لا، ليس كذلك.
ارتجت السيارة، ثم وثبت، قبل أن تعود إلى السير من جديد. أدار صادق رأسه، وقال:
- أنا لا أرى شيئًا، من المحتمل أن يكون حجرًا كبيرًا.
سألته:
- هل أعجبتك القرية؟
- لا!
قطع كلامه فجأة: أقصد...
- أنت على خطأ. ستقول عنها في الربيع: إنها الجنة.
- أحب المدينة على أي حال: ضوضاءها... شوارعها.
سكت، ثم:
- هذا لأنني لم أعتد على ذلك ما من شك.
- ستعتاد على ذلك. هذه قرية ساحرة! يجب أن تكتشفها أولاً.
انحنى بكل ثقله، وقال بشيء من الفتنة المسبقة:
- يجب أن نكتشفها معًا.
ثم فغر فمه مضيفًا:
- إلى جانب تعليمي الضرب على البيانو.
قهقهت مسز كلارك، وهي تقول:
- آه، وماذا أيضًا!
شكت سالومي:
- أنا تعبة، يا ماما!
- نحن على وشك الوصول، يا عزيزتي.
أضافت لصادق:
- القدس إلى اليسار، ويافا إلى اليمين. ما عليك سوى أن تخطف قدمك، فإذا بك في صخب المدينة.
كانت رنة صوتها تدغدغه، وحركة ساقها اللينة على الداعسة.
- ماذا قلت؟
أجاب دون أن يميز أين تتجه السيارة:
- سيكون كل شيء على ما يرام.
- هل عملت في المغرب؟
- نعم.
- مدينة...؟
- الرباط.
- ولماذا تركت؟
تردد، ثم أجاب:
- لا أستطيع البقاء إلى الأبد في مكان واحد.
- هل زرت لندن؟
- لا.
وأفضى دون كلفة:
- لكنني أحب لندن.
وردد بهيام:
- أحبها كثيرًا، أحبها كثيرًا!
قهقهت كمن يدغدغها أحدهم في مضجع:
- تحبها كثيرًا؟
- أحبها كثيرًا!
قالت مسز كلارك:
- لم أعد أشعر بالحنين إليها.
هتف صادق فجأة:
- هنا.
وقفت السيارة، وهي تئن، بينما انقذف جميع الركاب إلى الأمام.
- عندما كنت في باريس، أردت زيارة لندن، ولكن...
- ولكن لم تزرها.
- لم تسنح الفرصة.
- هل قضيت مدة طويلة في باريس؟
- ستة شهور.
- ستة شهور كبيرة!
- نعم، أردت أن أتخصص في صناعة الدبابات.
أخذ يبحث عن يد الباب دون أن يجدها. مالت عليه، فضغط نهدها ذراعه، ونثر شعرها عطرًا ساميًا أثمله. كمن ساكنًا، أهبًا، دون أن يدري ماذا يفعل. وقبل أن تصل أصابعها إلى يد الباب، مضت في راحته، فسرت في بدنه رعشة من حرير. وفي الأخير، فتحت له الباب، وأحاطت بذراعيها المقود. قال، وهو يطلق نفسًا:
- حقًّاً! وددت زيارة لندن!
- ربما سنحت الفرصة.
وقبل أن يغلق الباب، ذكرته:
- غدًا سنقوم بجولة معًا. مع السلامة.
سعلت سيارة الدودج، وهي تبتعد بخط يحاذي السياج. تبعها بعينيه حتى اختفت، فحثَّ خطاه إلى البيت، وهو كالضائع في الليل.
* * *
رافقت ماغدلينا ماريك حتى الباب، قبلته من خده، وأوصته أن يأخذ حذره. عندما عادت إلى آدم مردخاي، وجدته يبحث في الحمام عن شفرة لحلق لحيته، ليس كلها، ولكن الشعر الذي على خديه فقط كيلا يبدو أحدهما منتوفًا. أجلسته ماغدلينا على حافة البانيو، وجعلته يمسك بمرآة مربعة. جاءت بمقص، وبدأت تخفف اللحية الكثة قبل أن تجردها بالشفرة. كانت تنحني أمامه، فيرى نهديها الجميلين من تحت قميصها، وكانت تقترب أكثر ما يكون منه، فتلتصق ببطنها عليه أو بخصرها أو بفخذها. ترك المرآة جانبًا، واستسلم لها كليًا. كان لها كليًا، وكان على استعداد ليقبل كل ما تريده منه. غاب قليلاً عن الوجود، وحاول أن يخنق لهثاته. ظنته يتألم للحيته الكثة، وعزمت على إنهاء ذلك بأقصى سرعة. لكنها ما أن بدأت بسحب الشفرة على خده حتى ازداد تهيجًا، وكان جرح هنا وجرح هناك قد جعله يتحول من موضوع كلي للاستسلام إلى مجبر كلي على الاستسلام. بدأ يلمسها من خاصرتيها، ومن نهديها، ومن وركيها، فهمهمت ماغدلينا:
- أنا لا رغبة لي، يا آدم!
لم يسمعها إذ واصل لمسها من كل مكان من جسدها، فقفزت بعيدة عنه تاركة كل شيء يسقط من يدها، الشفرة والمقص وروحها الضائعة:
- توقف، يا مردخاي، وإلا صرخت!
قفز هو الآخر قريبًا منها، ثم أخذها كلها، ودفعها على الحائط، وأخذ بها تقبيلاً، وماغدلينا تردد:
- أنا لا رغبة لي... أنا لا رغبة لي...
غدا شرسًا، متسلطًا، متملكًا، كان يريدها كلها، أن تكون كلها له، أن تكون كلها له وحده، أن يفعل فيها ما يشاء، أن يكون سيدها، قدرها، إلهها! مزق قميصها، ومعلقها، وتنورتها، ولباسها، وهي تقاوم دون جدوى. طواها على المغسلة، واغتصبها.
* * *
في قميص الليل الشفاف، كانت سارة تتهادى بين قاعات القصر. على يدها شمعدان. وسوار. كلما انتقلت خطوة تراقص ضوء الشمعدان، ورنّت أنغام السوار، وانعكس ذهبه. كان عملها الأخير: أن تطفئ الأضواء، وتترك من ورائها القاعة معتمة، لتدخل أخرى لم يزل فيها الضوء. كانت تمضي بقدم رخوة، وكانت الشموع تتذبذب بشراهة بحثًا عن نهديها، قبل أن تضيع هناك، مثل زبد الموج، عندما يأتي من وسط البحر، ويشهق في الرمل قبل أن يموت.
خلال ذلك، كان إسماعيل يستلقي بحذائه على السرير. من رآه ظنه يموت، في صحن معبد. فجأة، لمح جناحين يخفقان خلف الزجاج، ويختفيان بسرعة. اعتدل، وأطل من النافذة. كان الليل سيدًا، وصمت كبير يلف الكون. ربما كان الأمر خيالاً! وقبل أن ينكفئ عائدًا إلى سريره، انبثق الطائر كالبرق. شقَّ الليل، واختفى. كحد سيف أُشهر قبل أن يعاد إلى غمده. نظر إسماعيل بانتباه، فلم يكن الأمر خيالاً. تذكر الطائر الذي كان ينعق في الغابة. لحظتئذ سقطت على النافذة كتلة بدت لأول وهلة ضخمة، وبرز منقار حاد، راح يدق صفحة الزجاج، يريد كسرها، ثم هوى. تناهت إلى مسامعه صرخة ثاقبة، ومن جديد، وثب الطائر بمنقاره، وراح يدقه في الزجاج بعنف أكثر هذه المرة. اندفع إسماعيل مذعورًا، وفتح النافذة، فانقض الطائر على ذراعه، وزرع منقاره في كفه. صرخ إسماعيل من الألم، لكنه تمكن من التخلص من الطائر، ومن إلقائه في الليل. أقفل النافذة بسرعة، فإذا بطرقات على الباب. كان إسماعيل غير متأكد مما يجري له، وكان الدم يسيل من كفه بغزارة.
صاحت سارة من الناحية الأخرى للباب:
- إسماعيل!
سحب قدمه بصعوبة، والتصق بالباب لاهثًا:
- ماذا تريدين؟
- لماذا تصيح؟ افتح!
حمل يده الجريحة، وهو لم يزل ينظر إلى النافذة، فأتي صوتها أكثر حدة:
- افتح!
رفع المزلاج، وفتح. على منظره الزائغ، والدم المتفجر من كفه، أصاب سارة الرعب. حطت الشمعدان على الأرض، وتلقفت يده:
- يا إلهي! ماذا حصل لك؟! هل أردت قتل نفسك؟
ابتعد إسماعيل، وسارة تنظر إليه بذهول، وصدرها كالبحر، يعلو ويهبط. كان يحمل طوال الوقت ذراعه، والدم لا يتوقف عن الانسياب.
- دمك يسيل! يجب عليك أن تفعل شيئًا!
مزقت ثوبها لتجفف دمه، ثم ساعدته على الجلوس في السرير. حملت يده السليمة، وقالت:
- ضع أصابعك هنا.
ونهضت.
- سأحضر بعض القطن.
عادت تنقل الشمعدان. اختفى خيالها خلف الباب، لدقائق، ثم عاد. أغلقت الباب من ورائها، ووضعت الشمعدان على الطاولة. اعتمدت على ركبتيها، وعادت تأخذ يده. بدأت تمسح الجرح بالقطن والماء المؤكسد. الجرح عميق! بقي هادئًا، باهتًا، وتركها تمسح جرحه، وادعًا! حيرها سلوكه، فرفعت وجهًا عاشقًا إليه، وهي تضغط الجرح، وتقول بصوت منخفض:
- إنه جرح غائر، لكنه سيلتئم.
تركت نفسها تذوب تحت سحر نظرته، فأشاح إسماعيل بوجهه عنها، وقال بقسوة:
- كانت غلطتي.
- هل هي أدواتك الحادة؟
- نعم.
شدت يده بين يديها، وطبعت على الجرح شفتيها. سحب إسماعيل يده بعنف، وأغلق أصابعه.
- لم أنتهِ بعد، يبقى المسحوق والضماد.
- لا.
أدار لها ظهره، فنهضت بعناء، وجلست على حافة السرير. بقي كلاهما صامتًا. فجأة، نهض إسماعيل، واتجه بخطوات سريعة نحو الباب ليفتحه، وسارة لا تحرك ساكنًا. قال بغلظة:
- الباشا بانتظارك.
أشار إليها بالخروج، فاستدارت كحزمة من الحطام، وقد تلاشى سحرها. بدت كهلة، بنهدين رخوين.
- أهذا ما تريده؟
تقدمت منه بخطوات تعبة:
- ألهذا لا يصدأ مزلاجك؟
رفعت رأسًا خائرًا إلى صورة أمه:
- أتعشقها أكثر مما أعشقك؟
عند ذلك، ندت عنها ضحكة لا تخلو من القسوة:
- لم تعد سوى سراب الآن! ألوان تبهت بالتدرج! صورة ميتة!
ونبرت:
- إن أمك لعنتك!
صفق الباب، وقفز نحوها. أنشب مخالبه في زندها، ولهث لانفعاله:
- قوليها، لماذا لا تقولينها؟ قاتل أمه! هذا ما عليك قوله!
وراح يقهقه، وهو يهتز كالمجنون، قبل أن يجمد فجأة.
ترك ذراعها، وتقدم من صورة أمه برأس منكسر. وقف يتأملها كالناسك، وبعد عدة لحظات، سألها بصوت أليم:
- أكان لها عشيق؟
لم يتركها تجيب إذ قال مؤكدًا:
- هذه هي الحقيقة.
بينما حفرت فمه ابتسامة ساخرة:
- ألا تصدقين؟
توقف على بعد خطوة منها:
- ومع ذلك، فأنا لا أدينها.
وراح يصيح بأعلى صوته.
- لا! لا! لا!
هدأ. صغرت عيناه حتى غدتا ثقبين في رأس بوم تبشر بالخراب. قال بصوت منخفض:
- هو قاتلها الوحيد... الباشا.
غدا له شكل مخيف. أضاف:
- ولكي ينفي عنه التهمة ألصقها بي.
فتح يده، وراح يفحص الجرح كما لو كان يقع عليه للمرة الأولى. عند ذلك، أفلتت من فمه هذه الكلمات:
- كلكم صدقتموها، حكاية كأس الحليب. قال لكم الباشا وضعت في الكأس سمًّا، شربته، وبكل بساطة ماتت، انتحرت، فصدقتموه. وجعلني أعتقد أنني المسئول، فالكأس كأسي، والحليب حليبي الذي أشربتها إياه، وهكذا، وبكل بساطة ماتت، دفعتها إلى الانتحار، فصدقتموه.
انتهرته:
- أوقف ترهاتك.
سألها لاهثًا:
- ألم تقوليها منذ قليل؟
- لم أقلها. أنت من يقولها.
حنى رأسه كالمسحور:
- هل أنا من يقولها؟
جَهُمَت، وغدا صوتها جافًا وجسيمًا:
- لا أحد يتهمك.
- لا أحد؟
راح يقهقه، فنبرت:
- اسكت، ستوقظ الجميع.
انطوى على نفسه، فبدا له شكل المسكين الضائع تحت المطر. قال بحزن:
- سأسكت. هذا ما أسعى إليه.
من جديد، ثارت عواطف سارة الرقيقة نحوه، فأمسكته من ذراعه، وهزته:
- أنا أحبك! لا تقتلني!
تخلص منها، وعاد إلى السرير. أخذ يضغط جرحه برفق، وهمد ساكنًا. أتاه تهدجها من ورائه، لكنه بقي ساكنًا. سألها متى ستتزوج أباه. انتظر جوابها، وعاد يسألها:
- لماذا لم يتزوجك أبي؟
راحت سارة تخلل أصابعها في شعرها، ثم تسحبه بعصبية.
- لا أدري.
- لماذا لم تطلبيه لنفسك؟
- لا يريده أبوك.
- لماذا؟
اهتزت:
- لا أدري.
سمعها تقول بصوت منخفض:
- إنه يحب أمك.
- لماذا قتلها إذن؟
لم تجب:
- لماذا قتلها إذن؟
انفجرت تبكي:
- كفَّ عن تعذيبي! كفَّ عن إهانتي!
قال بصوته المنكسر:
- أنت سيدة القصر على أية حال!
فجأة، توقفت عن البكاء، ثم نبرت بين شهقتين:
- نعم، أنا سيدة القصر، ماذا باستطاعتك أن تفعل؟
همس بخفوت:
- تستطيعين أن تخرجي.
ثم وهو يغلق عينيه:
- دعيني وحدي.
بقيت قليلاً دون حراك، ثم حملت الشمعدان، وخرجت.
* * *
كانت شمس وارسو على غير عادتها ذهبية ودافئة، وكأنها لا تفهم لغة الموت الجاثم في كل مكان من غيتو اللعنة والخراب، فالجثث ملقاة هنا وهناك، والناس يمضون بها دون أن يروها. لم تكن اللامبالاة، ولا اليأس، كان الناس في شغل شاغل عنها، فاللامبالاة واليأس هما صفتان إنسانيتان في عالم طبيعي، وهنا لا شيء طبيعي، كل شيء مناقض للطبيعة. كان شغل الناس الشاغل شيئًا لا يفهمونه، لا يعرفونه، وأن لا تفهم ما يشغلك، أن لا تعرف ما يشغلك، هو كنه فاجعة الإنسان. وربما كانت تلك العربة التي تُرمى فيها الجثث واحدة واحدة هي قدر البشر عندما يعجزون عن الفهم، وعندما تصبح المعرفة قيمة للجهل والجهل إدراك الوجود. سقطت الجثة من الجهة الأخرى للعربة، فحملها اثنان ورمياها، فسقطت، ودائمًا من الجهة الأخرى، وفي الجهة الأخرى دومًا تكون الحياة بكل كوابيسها.
نهض موزارسكي عند سماعه عجلات العربة الحاملة لجثث هي أقرب إلى الهياكل العظمية، أقرب إلى الرسوم الصينية، أقرب إلى فكرة لم تخطر أبدًا على بالنا عن الموت، ومع ذلك كانت الفكرة هناك في قبضة ذراع متدلاة أو تحت قدم منسحقة أو بين أسنان لم تأكل منذ قرن، فكرة الجلال كانت، فأولئك الموتى المغدورون كانوا كلهم آلهة.
انفتح باب المقبرة تحت صيحات الحرس الألمان، وقبل أن يتركوا العربة تمر بالموتي، أرادوا أن يخلّصوا موزارسكي جثة الطفل من بين ذراعيه ليلقوا بها فوق باقي الجثث، لكنه رفض، تشبث بالجثة، وكأنه يتشبث بكل قدره وكل قوته وكل جمال وارسو القديم. مُسِخ الحرس الألمان، وغدوا كالكلاب المسعورة. راحوا يجذبون جثة الطفل من طرف، وهو يجذب من طرف آخر. لم يمكنهم فصله عن نفسه عندما كان طفلاً، وبعد ذلك، لم يمكنهم طرده إلى جحيم آخر. كان يبدو كالعملاق وبين ذراعيه كالعملاق الجسد الأصغر في العالم، وكان يصر على دفن الطفل كما لو كان طفله في قبر يليق بكل طفل مات قبل أن يطبع على خد والديه قبلة الوداع.
دخل موزارسكي مدينة الموتى، ولم يجد للطفل مكانًا يدفنه فيه. كانت مدينة الموتى مكتظة بقاطنيها اكتظاظ غيتو وارسو، ولم يكن هناك سوى التآخي في العدم داخل قبور جماعية، فانفجر موزارسكي يبكي. لم يكن هناك سوى التعاضد في الامحاء داخل قبور لا هوية فردية لها، كانت الهوية قد محاها الموت، وما أبقى سوى هوية الإنسان المضطهد. أحس موزارسكي فجأة بكونيته الفقيدة، فراح يشد الطفل الميت بين ذراعيه، ويكاد يقتله للمرة الثانية. نزل في الحفرة التي يلقون فيها الجثث، وأراح الطفل بين طفلين آخرين. مسح التراب عن جبينه، وسوى له ثوبه. كانوا ينتظرون خروجه من الحفرة ليهيلوا على الجثث التراب، وبعد أن قام، وهم بالصعود، خلع سترته، وطواها جيدًا تحت رأس الطفل. نهض، وهو يتأمله، ثم عاد، وفرش طرفًا من السترة تحت رأسي الطفلين الآخرين. صعد هذه المرة من جهنم، وفي نفسه قد عزم على ألا يبكي أبدًا، وهو على أية حال لم يعد لديه دمع، وقد جف نهر الدموع.
* * *
كانت الشمس دافئة جميلة، وخيط بخار أبيض يرتفع من الأرض، وعلى الأرض، كان الضوء والأنسام والريف التقي، كانت كلها تخصب التراب. كانت رائحتها رائحة العشب المبتل، هادئة هدوء هذا العشب المترامي على مدِّ النظر. أخذت عضلاته تضيق وتتسع كلما رفع فأسه وأهواها. كان المطر قد سقط غزيرًا، فانهارت حواف القنوات، وإسحق راح يسويها.
صداح الطير... خفقات الفأس... أنفاس إسحق...
أيّة موسيقى! رفع عنقًا فارعًا، ومسح بظاهر يده العرق عن جبينه. ألقى نظرة إلى البحيرة الصغيرة التي كان عواد يغسل بقراته الثلاث عند حافتها. طائر تداني... تداني... واختفى في الأيك. على طرف البحيرة الآخر قام بيت حقير تسكن فيه بسمة وأبوها، ومن ورائه بيوت ثلاث: بيته، بيت مأمور المخفر، وبيت رقية وأبي رقية. عاد إسحق يحفر بعزم ومضاء معجلاً الوصول إلى البحيرة... إلى أن وصلها. رفع حاجزًا من التراب بين البحيرة والقنوات. غسل الفأس بالماء، ورفعها على كتفه صائحًا بعواد:
- كيف حال بقراتك؟
لم يجبه عواد كما هي عادته: (( يكلفني علفها أكثر من حلبها )). بقي يفرك ظهر أكبرها بالفرشاة مقطبًا. خرج إسحق بقدمه من بطن الأرض، واقترب من عواد:
- كيف حال بقراتك، يا عواد؟
أعاد، وأسنانه الناصعة تشتعل بياضًا.
حدجه عواد، وقذف ظهر البقرة بدلو ماء قبل أن يعود إلى فركه، وهو يبدو مضطربًا. امحت ابتسامة إسحق:
- ما لك، يا عواد؟
حط عواد على إسحق عينيه المرهقتين، وسأله:
- أما سمعت؟ قتلوا أبا سِنَّه وعطا عبد اللطيف أبا الغزال.
وفي اللحظة ذاتها، جاءت ثلاث فلاحات من آخر الطريق الترابي، وهن يتقدمن بخطوة إيقاعية واحدة، وأثواب مزركشة تجرُّ على الأرض، وحول رؤوسهن شال أبيض. امتدت ذراع تعبة في اتجاههن:
- النساء تعود إلى بيوتها اليوم. لا أحد يعمل.
بقي كلاهما صامتًا: إسحق يفتُّه الغضب، وعواد يبذل نفسًا صعبًا. رمقا زوجة حارس الباشا بينما اجتازتهما الفلاحات الثلاث إلى ما وراء السلسلة.
سأل إسحق:
- متى حصل ذلك؟
- أمس مساء.
أضاف وهو يطلق تنهدة ألم:
- رحمهما الله!
رفع إسحق فأسه، وعاد يسأل، وهو يطحنه الغضب دومًا:
- ورجال القرية، ماذا يريدون أن يفعلوا؟
حط عواد عليه عينيه طويلاً، فرأي إسحق ظلالاً بائسة في زواياهما.
- إنهم يضربون.
- وبعد ذلك؟
احتدت نبرة الرجل:
- ماذا تريدهم أن يفعلوا؟
ثم راح بأسى يهمهم:
- مصيبتنا كبيرة!
طوى قامته الهزيلة، وملأ الدلو بالماء. دار بالبقرة، ورشقها من الجهة الأخرى. وقبل أن يلقي الدلو، قال متأوها:
- نحن أناس فقراء لا حول لنا ولا قوة!
مما أهاجه:
- ما هذا الذي تقوله، يا عم عواد؟ ألسنا في نظرك رجالاً؟
طأطأ الآخر رأسه، وراح يدفع الفرشاة بتمهل في ظهر بقرته الضخم، وهو يقول:
- القوة للقوي الذي في الأعالي، أما على الأرض، فنحن بشر فيما بيننا.
ابتسم بخفوت، وكاب لونه:
- لكن الإنجليز ليسوا بشرًا، إنهم أبالسة!
امَّحت ابتسامته:
- إذا كنت قادرًا بحق، فلماذا إذن تخشى الأبالسة؟
نبر إسحق منتفضًا:
- أنا لا أخشى الأبالسة، يا عواد، أنا لا أخشى أحدًا.
وقبض على فأسه بقوة.
- إذن ماذا تنتظر؟ اقبض على عنق أقربهم واذبحه. لن يعجزك أن تجد إنجليزيّاً هذه الأيام، إنهم في الطرقات، في كل مكان.
تمهل قليلا قبل أن يضيف:
- أنت لن تفعل شيئًا، أعرف ذلك. ليس لأنك لا تستطيع ذلك، ولكن لأن لا فائدة من ذلك.
تضاحك إسحق:
- اتق الله، يا عواد، اتق الله!
ارتجف عواد كالورقة:
- هل عليّ أن أتقي الله لأنني أطلب إليك أن تكون أنت، أن تكون قويًّا كما يجب عليك أن تكون؟
ثم أطبق على فمه السكوت، لكنه عاد إلى القول، وأعاد:
- نحن أناس فقراء لا حول لنا ولا قوة!
- ليس هكذا تجري الأمور.
- إذن كيف؟
- يجب أن يتفق رجال القرية كلهم.
صفق عواد، وقهقه، كمن أصابه الجنون فجأة:
- من هم هؤلاء الرجال الذين تريدهم أن يتفقوا؟
اسودت سحنته، وتساءل:
- الباشا إبراهيم ورجاله؟
أحس إسحق بنفسه خجلاً، فحنى رأسه:
- لم يكن قصدي.
قبض عواد على ذراعه:
- أتدري من هم رجال الباشا إبراهيم، يا إسحق؟
كان إسحق يفكر في أعماق نفسه: يا لعواد المسكين!
- هل تدري؟
- أدري.
عاد عواد إلى بقراته خائرا، منكسرًا، وأشار إليها بإصبعه: كانت إحداها تشرب عند ضفة الماء، والثانية تقضم العشب، والثالثة تحدق بذهول، كما لو كانت تصغي إليهما.
- إن رجال الباشا يطالبونني بها ليل ونهار.
بقي إصبعه الهزيل يرتعد كسهم أنهكه وتر القوس لكثرة ما انطلق.
- أو أن أبيع لهم الأرض. لماذا؟ حكايتي تعرفها. سأرويها لك مرة أخرى.
أخذ نفسًا:
- ربما خففت عن نفسي الألم.
عاد يأخذ نفسًا أطول هذه المرة. انطوى على نفسه، وبدأ يهمهم:
- ما الفائدة؟ ما الفائدة؟
- تكلَّم يا عواد.
ضمر كتفاه، فأحس إسحق بنحولهما تحت قنبازه المرقع. انفعل عواد، فارتعش صدغاه. نظر إلى إسحق بحنان: رآه عملاقًا بصدار الجلد التي بلا ذراعين، والتي تكشف عن صدره الأشعر وزنديه المفتولين. ولأول مرة، كان هناك شيء من الحنو في صوته:
- اسمع، يا إسحق، اعمل للأرض بكل قواك، هكذا فقط تفزع منك الأبالسة، وتولّي الأدبار.
وسعل بحدة:
- أما أن تقول لي إنك تقدر على مواجهتها وغلبتها، فمن المستحيل ذلك .
دفع البقرات أمامه، فسارت بطواعية.
- عواد!
رأى أخاديد وجهه المهشمة، فقال عواد بهيئة غائبة:
- تركوا لي الخيار بين أن أبيعهم الأرض أو البقرات كي أسدد لهم بذار ثلاثة مواسم!
بهت دفعة واحدة، لكنه راح يبذل ابتسامة ضعيفة طيبًا هادئًا:
- لن أبيعهم شيئًا.
وكأنه لفظ نفسه الأخير:
- ما دمت حيّاً!
خطوات... التفت إسحق إلى الطريق الترابي. كانت فلاحتان تأتيان بنفس الإيقاع، ونفس الثوب، ونفس الشال: رقية وامرأة القاضي. وجدها إسحق فرصة ليزيل حسرة عواد، فهز رأسه باتجاههما، وجهر:
- صحيح كما قلت، يا عواد، النساء تعود إلى بيوتها اليوم.
في وسط الطريق، انفصلتا. قبل أن تصعد رقية المنحدر، رمت إسحق بنظرة مترددة. مرت امرأة القاضي بهما، فسألها إسحق:
- كيف تجري الأمور؟
- سيئة!
أجابت بنبرة مقتضبة، حنت رأسها، وعجلت خطاها.
اقترب عواد من إسحق ببطء، وأشار بحركة مرهقة إلى أعلى المنحدر، فاستدار إسحق، ورأى والد رقية، وهو يتربع بطمأنينة على حصيرة فرشها على العتبة. أحرقت الشمس بالشيب شعره، ومن فمه امتد خرطوم النارجيلة إلى ما لا نهاية، وكان يبدو عليه أنه يجلس منذ زمن هناك. قال عواد:
- انظر إليه! تبدو عليه الطمأنينة!
لم يجب إسحق، ثم، كمن وجد له عذرًا:
- إنه رجل هرم.
أجاب عواد متهكمًا:
- يتربع في الشمس، ويشرب النارجيلة!
- لماذا لا تريح نفسك، يا عواد؟
- أريح نفسي؟ أبالعار أريح نفسي؟
- أي عار؟
- أمن أجل رقية تقول لي هذا؟ ألأنك تحب البنت تسألني هذا السؤال بينما أنت تعرفه أحسن مني وأول من يعرفه فينا؟
- رقية بنت كادحة، هذا كل ما أعرف.
- رقية بنت كادحة هذا صحيح، لكن الخواجا داوود الذي تعمل عنده لا يكدح لكسب حياته.
- هذا يخص رقية وحدها.
- وأبوها، والناس كلهم.
ونبر:
- أنا أسمي هذا عارًا.
راحت شفته السفلى ترتجف:
- اسألني لماذا.
بقى إسحق صامتًا.
أخذت عينا عواد شكل عيني بقرته الكهلة، فتح فمه بصعوبة، تقدم خطوة، وقال:
- أن تؤجر أرضك أو تبيعها، الأمر سيان! العار سيان!
أجاب إسحق:
- إنه شيخ عاجز، يا عم عواد.
- ليس للعجز هنا أية علاقة وشباب القرية العاطلون عن العمل كثيرون.
بذل عواد خطوة أخرى:
- ولمن أجرها؟ للخواجا، لليهودي! إبليس آخر!
بدا عليه الشعور بالعار:
- الابنة للخواجا، والأرض للخواجا! والأب يشرب النارجيلة مطمئنا في الشمس! أترى؟
تململ إسحق، وقال في الأخير:
- ما الذي تريدني أن أفعله، يا عواد؟
رمي الوشم الذي على عضلة ذراعه بنظرة: قلب يخترقه سهم سقطت منه قطرات دم. رفع في وجهه إصبعًا منبهًا، وعظم صوته:
- حذار، يا إسحق! حذار!
وفجأة أضاف:
- رقية هذه أخذوها منك!
ضجة. عربة لوكس من الحجم الصغير بحصان أبيض انطلقت من الطرف الآخر للطريق الترابي، كان يقودها حارس الباشا، والبندقية داخل حزام مثبت على اليمين، ارتدت عنها أشعة الشمس. في تلك اللحظة، مرَّت العربة بهما بسرعة، واختفت.
قال إسحق:
- إنه الباشا...
همهم عواد:
- لقد بدأ الجد!
حمل دلوه وفرشاته، وذهب مُرَافَقًا ببقراته. رآه إسحق يدور بالحقل، مارّاً ببيته، إلى أن أخفته شجرة السرو العجوز. تعكر إسحق: لقد فقد عواد! نظر إلى حيث يجلس أبو رقية، وقال لنفسه: كالمدخنة، ينفث نارجيلته دون توقف!
وضع إسحق فأسه على ضفة البحيرة، وانحنى ليغسل وجهه وزنديه. وصلته خطوات من الطرف الآخر: بسمة. رمته بنظرتين خفيتين، وغطست بغسيلها في الماء. اعتمدت على ركبتيها، وراحت تدعك القطع الهزيلة بالصابون. غريبة هذه الفتاة! ارتفع بقامته كالجبل، وخطا عدة خطوات. نظر إليها، فرمت عينيها في الماء. كانت تراقبه عن كثب.. مثله تمامًا. فجأة، تذكر عيني رقية اللتين تجردانه من كل سلاح. للحب قدرة السماوات! نظر إلى بسمة من جديد، ورغوة من الصابون تتهادى في البحيرة كالبجعة البيضاء. جاءت فلاحة عجوز، ورمت هي أيضًا مزقها في الماء، وراحت تدعكها بصمت. وبأقصى قوة، رفع إسحق الفأس إلى أعلى، وجعلها تهوي، فتفجر الماء، وتدفق في القناة.
* * *
وهو يخرج من المقبرة، سمع موزارسكي نباح كلب يصل من أقصى الطريق. كان الكلب يهرب من شابين يطاردانه، وفي يد كل منهما موسى من أجل ذبحه. وكان الكلب يبدي نواجذه للعيان مهددًا كل من يمضي به، ولعاب السعر يسيل منها. كان يبدو عليه الجوع والضنى، وفي الوقت ذاته الرعب والأسى، وكأنه كان يعلم أن الشابين أكثر منه جوعًا وأسى، وهما لهذا لا بد أن ينهيا عليه. فجأة، توقف الكلب المسعور عن الركض، واستدار ليواجه قدره. انقض على الشاب الأول، فالثاني، وكاد يقضي عليهما لولا تدخل موزارسكي الذي قبض عليه من فكيه، وقصمهما. سجد له الشابان كإله، ثم حملا جثة الكلب، وذهبا بها، وهما لا يتوقفان عن الالتفات ناظرين إلى شخص أخطأ الطريق إلى غيتو الموت والخراب.
وجد موزارسكي نفسه يسير في قلب شارع الغيتو الرئيسي، شارع من جهنم، لا تهدأ فيه حركة الناس والأشياء. كانت عربات النقل ذات العجلتين والعجلات الثلاث تحرث الشارع بكم هائل، ومع ذلك كان التراموي لا يتوقف عن الصعود والهبوط والتحليق، في لحظة من اللحظات، في كل الاتجاهات. وأكثر ما كان يلفت النظر عظمة البؤس بالمعنى الفلسفي، البؤس القادر على حمل صاحبه، وليس العكس، فعلى الرغم من أقصى حالات البؤس والتعاسة البشرية، لم يزل الناس يستطيعون العيش، فترى منهم الجميل، وترى منهم غير الجميل بعد أن استلب جماله، وترى منهم الكثير من غير المنتظرين للحظة الاستلاب هذه. كانت النجمة السداسية التي يلفون بها أذرعهم أو التي يرسمونها على واجهات محلاتهم وعلى كل شيء يتحرك لحظة من لحظتين لم يفطن إليها النازيون وإلا ما تركوها رمزًا للتدني البشري، لحظة انتظار فات ولحظة انتظار لم يفت، لن يفوت، حتى في أقصى حالات عدم الانتظار بشاعة، إنها هذه اللحظة التي يعيشها بشر اليوم ليكونوا بشرًا.
فجأة رأى موزارسكي بولينا، وهي تحمل الطفل الذي دفنه منذ قليل، رائحة غادية في قلب شارع جهنم. لم يكن يبدو عليها الجنون، فهي تركت حتى الجنون من ورائها. كانت تردد جملة واحدة فقط دون أن تنتظر رد فعل من أحد، كانت تقول:
- الخبز ليس جيدًا، الخبز يسبب السمنة!
بقي موزارسكي يتأملها ساعة أو ساعتين ربما ثلاث ساعات من بعيد دون أن يدنو منها، وهي تردد الجملة ذاتها رائحة غادية. فجأة، أحس بهراوة تسقط على رأسه، وأحدهم يدفعه إلى الساحة العامة. كان رجال الشرطة يدفعون الناس بأمر رجال الإس إس ليتجمعوا دون أن يعرفوا لماذا، لم يتساءلوا لماذا، نفذوا ما طلب منهم دون أن يسألوا لماذا. كانوا يقتربون من بعضهم البعض كالحملان، ويضعون رؤوسهم بين رؤوس بعضهم، ولا يمضي بخاطرهم هذا السؤال الممل، هذا السؤال المقيت: لماذا؟ وبعد قليل، راحت الهراوات تفرقهم، وتأمرهم بالذهاب: إلى أين؟ سؤال آخر ممل ومقيت.
فكر موزارسكي فجأة أنه كان محاميًا، وأن ماريك كان محاميًا أيضًا مثله، فتذكر صديقه، وبالتالي تذكر أن عليه الذهاب إلى عمله مع صديقه. كانت الطريقة الوحيدة للتذكر في عالم الجحيم، أن تمضي بوصلة ضرورية لعلاقات الموت والحياة. وتذكر أن المحاكم كلها أزيلت، فلا حاجة بملائكة الموت إلى محاكم يحاكمون فيها البشر قبل قتلهم. وعدم وجود المحاكم ذكره بعدم وجود بنوك لهم بعد أن أمم الرايخ كل المرابين لأنهم خفضوا فوائدهم وخصصوا قدرا من المال لشوربة يوم السبت. هودوا كل شيء في الغيتو، كل شيء، ما عدا فرع للبنك المركزي الألماني. وذكره اقتصاد الحل النهائي هذا بإعلام الحل النهائي، بمنع ومصادرة كل راديو، وإعلام الحل النهائي بثقافة الحل النهائي، بمنع ومصادرة كل كتاب، وثقافة الحل النهائي بذِواقة الحل النهائي، بمنع ومصادرة كل طبق.
عند ذلك، أحس موزارسكي بالجوع. كانت إلى جانب البنك المركزي الألماني مخبزة، فدخلها، واشترى رغيفًا راح به التهامًا، وهو يستند على حاجز أمام المخبزة. وبينما هو كذلك، جاء طفل رث الثياب، دخل المخبزة، لكنه ما لبث أن أُخرج منها عنوة، وصاحب المخبزة يجذبه من أذنه. نظر الطفل الجائع إلى حارس البنك الألماني، ثم إلى صاحب المخبزة الذي لم يزل يقف على عتبة دكانه مهددًا. وما أن دخل هذا الأخير حتى أخرج الصبي من جيبه علبة دهان طلى به النجمة السداسية التي على الواجهة، وبعد ذلك، جذب الجندي الألماني من يده ليريه الفعل الجسيم الذي ادعى أن الخباز هو صاحبه. جن جنون النازي، فإحساسه لم يكن إحساس شخص بالمهانة، وإنما إحساس من تنهدم عليه كل صروح التفرد والتفوق والنقاء. قيد صاحب المخبزة، ودفعه أمام أعين جيرانه من أصحاب الدكاكين في شاحنة إلى مصير يعرفونه جميعًا. لكن ما حصل كان غريبًا، جعل موزارسكي يفتح عينيه على سعتهما. لم يكن أمر الطفل الذي دخل المخبزة دون صاحبها، وبين ذراعيه العديد من الأرغفة، ولكن أمر أصحاب الدكاكين الذين رشقوا النجمة السداسية التي على واجهاتها بشتى الأصبغة احتجاجًا. وبالطبع، اندفع رجال الإس إس، ورموا الجميع في شاحنة ذهبت بهم إلى تريبلينكا، والصبي يرى كل هذا، وعلى وجهه تبدو إمارات الندم.
فما الذي فعله؟
غافل حارس البنك الألماني، ورسم النجمة السداسية على واجهة البنك العملاق للفوهرر، وسارع بالاختفاء من وراء عمود ليرى رد فعل جندي الإس إس. كان رد فعله أكثر من فعل واحد جُن. راح يضرب نفسه عندما فر الكل، ويلطم، ويولول، والصبي يضحك عليه، وموزارسكي يضحك عليه، والناس كلهم يضحكون عليه. كانوا يضحكون كالماضي. بدا غيتو وارسو أجمل مكان، وبدوا قادرين على كل شيء، فلم يذعنوا للجندي النازي عندما طلب منهم مسح النجمة، فاضطر إلى مسحها بنفسه.
* * *
دخلت عربة اللوكس الصغيرة ساحة القرية بضجة عجلاتها وحوافر الحصان. ولدان وامرأتان عجوزان كانوا يجلسون على العتبة الفقيرة صامتين. جاءت جدران البيوت إلى لقاء العربة، والحصان ينطلق. بيوت عتيقة بطابق أو طابقين متزعزة، لكنها لم تزل واقفة، تتتالى. شقت العربة أحد الأزقة، وقفزت عن حفرة: صهل الحصان. سارعت امرأة إلى النافذة، وأغلقت مَغْلَقيها. كان ينحني... ينحني دومًا زقاق القرية. كانت تتحرك.. تتحرك دومًا جدران القرية. حجارتها تواريخ. سطوحها منابر. بعضها من قرميد، وبعضها من زنك، وكل شيء على سطوحها: زجاجات، وطابات، وعجلات، وأحطاب، وألعاب. وهناك أيضًا تنساب الشمس في الصيف، وفي الشتاء يصب المطر. شعار أحمر خطته يد طفل أو يد رجل نصف جاهل: الموت للإنجليز! قرأه الباشا إبراهيم، وقطب. صفعه شعار آخر: الموت للخونة!
مضت العربة بالمطحنة، وهي في أقصى سرعتها، وبالمصبنة، وبالمعصرة: كانت أبوابها مقفلة. ثارت ثائرته، لكنه تماسك.
عند نهاية الأزقة، كانت البراكات الخشبية لمصنع النسيج في مجموعها تقوم هناك. السور الجديد. الباب الحديد. الساحة الكبيرة. الجمهرة الغفيرة. العمال.
عندما رأى زغلول، بواب المصنع، العربة، وهي تجيء، راح يثب بقدمه العرجاء، وقامته القميئة، صائحًا بالعمال:
- افتحوا الطريق! افتحوا الطريق!
والعربة لم تزل تتقدم بين صفوف العمال، إلى أن توقفت أمام مكتب المهندس. جاء الحارس بسرعة، والبندقية على كتفه، ليفتح باب العربة، وليؤدي له التحية، فهبط الباشا إبراهيم متعاظمًا بطربوشه وعباءة وبر الجمل التي يرتديها. بيد مسبحة صفراء، وبالأخرى عصا تنتهي بِسَيْر.
واصل زغلول الصياح:
- افتحوا الطريق! افتحوا الطريق!
كانت هناك جمهرة صغيرة من العمال قرب أحد الأعمدة، فتقدم الباشا إبراهيم منها بخطوات سريعة، وحارسه يتبعه آليًا على يمينه، بينما يجر زغلول نفسه من ورائه كالكلب، وهو يعرج. كان أحد العمال يقرأ لرفاقه بنظارتين طبيتين سميكتين مرسوم المندوب السامي بصعوبة:
- وهكذا بإعدام المجرميْن يستتب الأمن والنظام وتسير الأمور في مجراها الطبيعي. هذا ويحذر المندوب السامي وينذر كافة...
انفض الجميع قبل أن ينهي جملته، لكنه استمر في القراءة دون أن ينتبه إلى ذلك، ونظارتا حسير النظر اللتان له تلتصقان بجفنيه، وهو يعطي ظهره إليهم.
لسع السير كتفه، فقفز مذعورًا. انتزع الباشا إبراهيم الورقة، والتفت مستطلعًا النظرات المشدوهة، وهو يدعك المرسوم في قبضته. أحدهم لم يبذل أدنى حركة. كانوا يرمون النظر إلى شفتيه الضخمتين، وسحنته الممنتفخة، حتى أن بعضهم كان عاجزًا عن ابتلاع ريقه. دخل الباشا المكتب كالريح، فنهضوا كلهم: المختار، القاضي، شيخ الجامع، مأمور الخزنة، مأمور المخفر، سمسار القرية، كاتب الباشا، الأسطى حسن رئيس عمال المصنع. عملوا صفًا، فمر عليهم بعينيه واحدًا واحدًا، والشرر يتطاير منهما. كان مأمور المخفر يهلك نعاسًا، يسند مأمور الخزنة كتفه دون فائدة، إذ لا يلبث أن يتساقط في مقعده متثائبًا بقوة، يقف من جديد، وهكذا إلى ما لا نهاية. تقدم الباشا من المختار، فسقط على يده، وقبَّلها. أخذوا يتساقطون على يده واحدًا تلو الآخر، وهم يطرحون شفاههم الجافة، إلى أن وصل دور الأسطى. رفع الباشا عصاه إلى أقصاها، وضربه بسيرها، فبدت على وجهه في الحال آثار بنفسجية.
صاح الأسطى مهتزًا:
- لا، يا باشا!
جذبه الباشا من خناقه، ونبر:
- أسطى حسن الكلب!
والأسطى يردد:
- على مهلك، يا باشا إبراهيم، على مهلك، على مهلك!
سدد قبضته في قلبه، وقال بنبرة مهددة، ولكن واطئة، وشديدة الغلظة:
- قل لعمالي أن يعودوا إلى عملهم حالاً، وإلا خربت بيوتهم، وجئت بآخرين من آخر الدنيا، من لندن، ليحلوا محلهم. كلمة واحدة لا غير، أن يعودوا إلى عملهم في الحال. معك نصف ساعة. فقط. هيا!
والأسطى قرب الباب، كان الباشا إبراهيم يواصل دعك المرسوم في قبضته، ثم مزقه، وهو يقول:
- إذا قتل الإنجليز، فجريمتهم ليست جريمتي. أما إذا أضرب عمالي، فالضرر ضرري، أنا، وليس ضررهم.
قذف المرسوم في وجه الأسطى:
- القضايا الكبيرة لا دخل لعمالي بها. للقضايا الكبيرة رجالها.
التفت إلى الحاضرين بعينين يتطاير الشرر منهما، وهتف:
- الموت للإنجليز!
ثم عاد إلى نبرته المعتادة:
- ولكن كيف؟
أضاف:
- نحن الذين نعرف كيف.
وهو يلتفت إلى الحاضرين من جديد، وينظر إليهم واحدًا واحدًا. نفض عصاه في وجه الأسطى آمرًا إياه بالخروج، وأخذ مجلسًا وراء المكتب، وبأطراف أصابعه، سمح لهم بالجلوس:
- اجلسوا، يا سادة.
جلسوا، وهو لا يغادره الحنق دومًا:
- ما حكايا الأولاد هذه، يا سادة؟
لم ينبسوا بكلمة واحدة.
- وأنتم موجودون هنا يحصل كل هذا؟
غمغم المختار بهيئة عابسة، وهو يشد عقاله، ويحرك رأسه على الجانبين:
- الأمور خطيرة، يا سيدي.
وسكت في الحال كالزوجة المتملقة.
- أعرف.
لم ينبسوا بكلمة واحدة.
- وماذا أيضًا؟
حرك المختار رأسه على الجانبين من جديد، وثغثغ:
- الناس في البلد لا يعجبهم الحال، يا باشا.
وسكت خافضًا أذنيه.
- هذا صواب.
تطاول شيخ الجامع بعنقه، وقال:
- العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم، يا سيدي الباشا إبراهيم.
سعل بشدة، ولحيته تهتز.
- هذا ما نعرفه جميعًا.
شخر مأمور المخفر، وسقط شاربه من كل ناحية من خديه، فسدد سمسار القرية ضربات مرفقه في خصره.
- ماذا أيضًا؟
قال السمسار وكله استيحاء بصوته الناعم، نعومة صوت المرأة، بعد أن رفع إصبعًا مستأذنًا:
- أعلمك، يا سيدي الباشا إبراهيم، أن الخواجا داوود قد أعفى عمال مزرعته كلهم من العمل اليوم، ودفع لهم أجورهم كاملة.
- هذا شأنه.
بدأ الباشا إبراهيم يسحب بإبهامه خرزات مسبحته خرزة خرزة.
تلعثم السمسار:
- ولكن، يا سيدي الباشا إبراهيم، زاد الخواجا داوود الطين بلة بعمله هذا.
حصلت همسات ووتوتات هنا وهناك:
- هذا صحيح.
- إنه ماكر!
- حرَّض الناس على...
- دفع الجميع إلى...
- إنه يهودي لعيـ...
ضرب الباشا الطاولة بقبضته.
سكوت.
فجأة، وقف كاتب الباشا، فتح سجلاً، وراح يقلب صفحاته بقلق وسرعة:
- هناك، يا سيدي الباشا...
ثم أطبق الدفتر، وجلس مطبقًا فمه.
- ماذا هناك، يا سيد عبد الغني؟
علا وجهه الاحمرار، وبقي منذهلاً. انتزع كلماته انتزاعًا، وتلعثم:
- الحقيقة... يا سيدي... أردت أن أوضح نقطة...
فجأة، إذا به ينطلق بحماس وإسراع فائقين قائلاً:
- آل سعد الله عن بكرة أبيهم، هم وأعوانهم، قاموا منذ الصباح الباكر، وأخبروا الناس جميعًا، ودعوهم إلى الإضراب. حرضوا العمال، البنات، الأولاد، الصغار، الكبار، ال...
انقطعت أنفاسه.
قال الباشا:
- أكمل، يا سيد عبد الغني.
تنفس، وهو يرسل صفيرًا، ولهث:
- أكملت، يا سيدي الباشا إبراهيم.
وانسحق.
استعرض الباشا وجوههم واحدًا واحدًا، وقصده من ذلك أن يحثهم على إفراغ ما عندهم:
- أهناك إضافة إلى ما قيل؟
قال القاضي بنبرة رخيمة:
- لا، يا سيدي الباشا إبراهيم.
وجمع من حوله جبته.
صفق الباشا إبراهيم سير العصا في كفه مرتين، وقال بإملاء وسطوة:
- يجب أن تعود الحياة في القرية إلى مسارها الطبيعي. هذه مهمة ألقيها على عاتقكم. أنتم وحدكم المسؤولون أمام الله والوطن وخبز كل يوم...
انتظر قليلاً قبل أن يضيف:
- وأمامي.
انحنى فوق المكتب عظيمًا هيابًا، وهو يحدد بصره إليهم:
- الخواجا داوود؟ سألعن أباه. آل سعد الله؟ سأبصق عليهم. الإنجليز؟ سأطردهم. ألا تثقون بي؟
ارتفعت همهماتهم المتشتتة بالإيجاب.
قال الباشا:
- وإذن؟
سمعوا شخير مأمور المخفر، فعلق مأمور الخزنة، وهو يشير بإصبعه إليه:
- تثقل كتفه المرتينة!
ضحكوا كلهم، وهم يضعون أياديهم على أفواههم، وكأنهم يبكون. خلع الباشا إبراهيم طربوشه، ووضعه أمامه:
- هذه هي واجباتكم، وهذه هي واجباتي.
اندفع الباب، ودخل الأسطى. تسمر أمام الباشا إبراهيم قليلاً قبل أن يقول، وقد غلب عليه القهر والضيق:
- كل شيء على ما يرام، يا باشا.
قال الباشا إبراهيم ببرود جم:
- حسنًا.
- عاد الجميع إلى عملهم، بمن فيهم عمال الأرض.
تريث قليلاً قبل أن يضيف:
- ما عدا أولاد عوض، وابن السيد، والحاج عبد النبي أبو صبوح الأسمراني.
أعاد الباشا إبراهيم دون أن يطرأ على صوته أدنى أثر:
- حسنًا.
أشار له كي يأخذ مكانًا:
- تفضل بالجلوس.
وكأن شيئًا ما كان!
قال الأسطى حسن:
- هناك عمل بانتظاري.
واتجه صوب باب داخلي.
تابع الباشا إبراهيم للأسطى:
- سيأتيكم مهندس جديد اليوم.
رد الأسطى حسن دون أن يبدو عليه السرور:
- هذا خبر عظيم، يا باشا.
- سيحتاج إلى عونك، في البداية.
- حتمًا، يا باشا.
بقي للحظة واجمًا، دون أن يصفو لونه. وجس بأصابعه خده الرض، ودفع الباب.
تابعته عينا الباشا إبراهيم حتى بعد ذهابه، سوى عباءته، ونظر إليهم قائلاً:
- أرأيتم؟ حللت لكم نصف العقدة.
حمل طربوشه، ونهض، فنهضوا جميعًا، ما عدا مأمور المخفر الذي دخلت ذقنه في صدره كالنعامة. قال الباشا إبراهيم لكاتبه:
- وزِّع من خير الله على الجماعة، يا سيد عبد الغني.
ثم لمأمور الخزنة.
- ولكل واحد مني عشر ليرات!
شكروا، وعرقوا، ودعوا له بطول العمر.
أضاف، وهو على الباب:
- وكذلك لزوجتي وأولاد الشهيدين.
بينما القاضي وشيخ الجامع يرسلان الدعوات تلو الدعوات.
قال السمسار بصوته النسائي:
- أبو الغزال كان أعزب، يا سيدي الباشا.
لكن الدعوات عادت تصم الآذان من جديد.
فتح الباشا إبراهيم الباب، فاعتدل الحارس، ووثب زغلول على يد الباشا إبراهيم، وراح يقبلها. شدَّه من أذنه مداعبًا كالكلب، وزلق بين أصابعه قطعة نقد جعلته يقبِّل يده من جديد، وهو يدعو له، ويدعو. التفت الباشا إبراهيم حوله: لا أحد. امحى الغضب! أشار إلى المختار، فأتاه يجري كالأرنب.
قال له:
- اطلب من البيك سعد الله أن يأتيني هذا المساء.
وامتطى العربة بعد أن فتح الحارس بابها، وأدى التحية، ثم أغلقه. رأوها تبتعد في الزقاق، وسمعوا الحوذي يصيح:
- ها! ها!
* * *
بينما كان بناء الجدار يجري على قدم وساق، تسلل ثلاثة شبان بين العمال آتين من وارسو، وهم يحملون ثلاث قفف، في الأولى لحم، وفي الثانية سجائر، وفي الثالثة خمر، وكلها بالطبع مهربة. ولكي يخفيها الشبان الثلاثة عن العيون، غطوا القفف الثلاث بالحصى، لكنهم، وهم على وشك ترك الجدار خلفهم، والذوبان في محيط الغيتو، أمسك بهم ثلاثة من البنائين، شبان مثلهم، ونادوا على جنود الإس إس ليلقوا القبض عليهم. وفي الحال، رماهم الألمان في شاحنة ستحملهم إلى معسكر تريبلينكا. وبالمقابل، كافأ الضابط المسئول عن الجدار البنائين الثلاثة بفخذ خروف أخذه الأول، وبخرطوش سجائر أخذه الثاني، وبزجاجة خمر حرص على أن تكون من النبيذ المحلي لا الفرنسي أخذها الثالث. حياهم تحية الأبطال، وكافأهم بتمثال صغير مذهب للفوهرر أشبه بالتمثال الشهير أوسكار، تمثال هوليود، ومن صندوق تفاح لم يفلح صاحبه في تهريبه، أعطى كل واحد تفاحة تعبيرًا عن سروره منهم، ثم عافاهم من العمل لذلك اليوم. انفعل أحد البنائين الثلاثة، وتأثر بكل هذا الكرم الذي لم يعد أحد في الغيتو يحلم به، فسقط تمثال هتلر من يده، وانفصل رأسه عن جسده. صرخ الضابط، وكأن رأسه هو الذي طار في الهواء، ولولا أن الفتى سارع إلى إلصاق رأس هتلر بقليل من الجبس دون أن يفلح في البداية ثم أفلح بإلصاقه بين الفخذين لكان مصيره تريبلينكا. ومرة أخرى، سقط التمثال من يده لتأثره وانفعاله دون أن ينكسر من جديد، فسارع الأرعن تحت نظرات الضابط المشتعلة غضبًا إلى رميه في سرواله الداخلي. ويا ليته لم يفعل، إذ بدا وكأنه في انتصاب أضحك عليه الجميع، واضطر الضابط في الأخير إلى صرفه هو ورفيقيه بأسرع ما يمكن.
كان موزارسكي قد وصل منذ عدة دقائق، وكان ماريك قد أوضح له ما يجري. لكن الذي وقع للواشين الثلاثة فيما بعد لم يكن بالحسبان، فهم بعد أن باعوا غنيمتهم في السوق السوداء، وتوزعوا فيما بينهم نقودها، ذهبوا ليشربوا الجعة في خمارة الحمل الثمل حتى تختخوا. وبعد ذلك، وهم في أحد الأزقة، رموا تمثال الفوهرر أرضًا، وتبولوا عليه، بدافع آخر غير الثمل، بدافع آخر غير الهزء، بدافع آخر غير الانتقام، كانت كل هذه الدوافع غير مطروحة لديهم، ولم يكن من خلقهم عدم المسؤولية أو الإذعان للبلاهة أو عدم الإدراك، كانوا ضحايا للكدر، وكان الكدر متعة لهم، الإفراط فيه كالإفراط في السعادة. تبولوا على التمثال، وهم يقهقهون، والواحد على الآخر، وكلهم على العالم. وهم في طريق العودة إلى أوجارهم، مروا بالكنيس، فدخلوه، ليس لأن يهوه كان هناك بانتظارهم، ولكن لأن الصلاة والدعاء ربما كانا شيئين ضروريين، وذلك كان وضعهما. تفاجأوا بكلمتين معلقتين في كل مكان من بيت الرب: الاعتراف إجباري! في البداية، أخذ الحاخام من الأول والثاني تفاحتيهما، أما الثالث، فسبقت أسنانه يد الحاخام إلى التفاحة وقضمها، والطفل القديم الذي كان فيه يضحك من كل قلبه. وفي النهاية، سلمهم الحاخام إلى رجال الإس إس المختبئين في حرم يهوه بعد الاعتراف بتبولهم على تمثال هتلر. لم يكن الأمر لديهم اعترافًا بالقدر الذي كان حكاية من حكايا مكان خارج الزمن، مكان لا ينتمي إلى البشر. ولكن الأبطال الثلاثة الذين كانوا منذ ساعات غدوا قطاع طرق. صفوهم على الجدار، ورشوهم.
* * *
أغلق إسماعيل باب حجرته بالمفتاح، ودفعه في جيبه، وراح يهبط الدرج بسرعة. وهو في وسطه، تباطأ. كانت مرجانة هناك، على هامش القاعة، وبين أصابعها تحفة من الكريستال. كانت التحفة تلمع، وهي تزيدها لمعانًا. أحست به يأتي من ورائها، فالتفتت مرتبكة. جمعت نفسها بخضوع، وألقت عليه التحية، لكنه خرج بعجلة.
رفع رأسه إلى الشمس، فتناثر ذهبها على رمشيه. دمعت عيناه. أعطاها ظهره، وأتى الوجار. أخذ الكلب المربوط خارج الوجار يتخبط، ويتنطنط. وضع قائمتيه الأماميتين على كتفي إسماعيل، ولعق سيده طويلاً. فك إسماعيل الحزام، فاندفع الكلب يجري. دخل إسماعيل المستودع، وأخرج سيارته المشكوفة... إلى بقعة ظل. تعالى ضجيج عربة الباشا إبراهيم في باحة القصر، فحاول أن يتحاشى أباه. صفّر للكلب الذي خدش الأرض، وقفز إلى جانبه، ثم تحركت السيارة.
بيارات.
بيارات برتقال.
بيارات... وبيارات.
على طول الطريق البيارات.
وحدائق الزيتون.
أينما نظر، تعالى... تعالى... لهب أخضر. كان النور يمزق حدائق الزيتون، وينثر ذهبه الأصفر، بينما كانت شقائق النعمان تحرق الوادي، وكانت السماء فراشة زرقاء.
أخد إسماعيل منعطفًا، والعجلات تزحك، ودخل حقلاً. قتل الأعشاب! وقصف الأغصان! كان يند عنها حفيف الأوراق المختنقة قبل أن تموت. توقف، وهبط. كانت المنطقة نائية ذات هدوء مطلق، وكانت شجرات لوز هنا وهناك. وهناك، قفز الكلب، وراح يجول. كانت لإسماعيل هيئة الغائب، ثم سمع كلبه، وهو يلهث. تقدم من آخر شجرة لوز، وتوقف قرب جذعها الشيخ. عصفور هوى، فرفع إسماعيل رأسه، لكنه كان قد اختفى. قرفص، وأزاح كومة من الأغصان الجافة بحركة خاطفة. حفرة. صندوق. حمل الصندوق. وضعه بين ساقيه، وارتكز بظهره على جذع الشجرة. فتحه. زجاجة خمر. كأس. علبة سيجارات. أعواد ثقاب. أقلام ملونة. دفتر. مجلة فيها رسوم. قفز الكلب عليه، فطرده بغضب. شد زجاجة النبيذ تحت إبطه، واقتلع غطاءها. انتزع العشب ليضع الكأس، وملأها. أحكم سداد الزجاجة، ثم، تركها جانبًا. أخذ جرعة صغيرة، ثم كبيرة، ورمي رأسه على كتفه. شرد! تشعشعت الزرقة في عينيه. فجأة، قفز: أية وردة عجيبة! صغيرة كالثغر في الوجه الحسن! بنفسجية كالليل في صيف الجليل!
حط الكأس، ونهض. بقي قليلاً، وهو ينحني فوقها، ثم قطفها. جاء بها إلى حيث كان، ورماها في كفه المضمد ليفحصها بحذر. حفر في الأرض، ودفنها. جرع كأسه، وأطلق نفسًا.
طنين.
لهثات ليست عادية تُوقِعُ قفزات الكلب الذي يحاول عبثًا اصطياد الذبابة. كانت في كل مرة تجعله يربض على الأرض، ثم تعلو مزهوة فوق خطمه، وما أن يقفز، حتى تنبو في الفضاء. كان يتظاهر أحيانًا بتجاهلها إلى أن تعيد الكرة، فيقفز صوبها، أو يركض مطاردًا إياها. تابعهما إسماعيل عن كثب، بكل حواسه اليقظة. يا لها من معركة! انتظر لمن تكون الغلبة. مد الكلب ساقيه إلى الأمام، مستعدًا للوثوب، وراح يتابع طيران الذبابة الجسورة، وهو يركز الذهن، لكنها باغتته، وهي تحط على خطمه، وتطن بحدة. طمر الكلب رأسه في التراب، ثم انقلب على ظهره، وأخذ يصفق بقوائمه خطمه، دون أن يستطيع الإمساك بالذبابة. فجأة، أخذت الذبابة تعلو وتهبط فوقه، وكأنها عُلقت بخيط، والكلب لم يزل في ذات الوضع. توترت كل عضلاته، وراح ينبح بجنون. لن ينقذك أحد غيري! تدخل، فحومت الذبابة بذهول، وهي تطن بحدة. انتصب الكلب إلى يمينه، ليعطي لنفسه بعض الشجاعة، وعاد ينبح. رمي إسماعيل يده في الهواء، والتقطها. لقد وقعت الذبابة في يده! أراحه ما فعل، فنظر إلى الكلب، والكلب يقفز، وهو يرمي إلى تخليصه إياها. سحقها إسماعيل بإصبعيه قبل أن يلقيها للكلب، فقفز الكلب عليها، وهو يطفح بالحقد، ومحق بقوائمه الضحية بعنف حتى فتتها. عند تلك اللحظة بالذات، اخضل، واجتاحه الكسل. لمس إسماعيل بطنه، وفرك رأسه، قبل أن يعود إلى مكانه. أشعل سيجارًا، وأصغى... لم تعد هناك لهثات في الأجواء، جمد الكلب، وكأنه مات. وضع إسماعيل السيجار على حجر، وقلّب المجلة. فرش الأقلام، وفتح الدفتر المليء بمحاولات رسم بائسة. بدأ بتقليد أحد رسوم المجلة، ولكنه في الأخير ترك نفسه تنقاد كما يريد لها الخيال.
* * *
- انظر هناك، يا موزارسكي، ولا تدعهم يكافئوننا بأوسكار جديد! همس ماريك.
نظر موزارسكي، فرأى فتاتين شقراوين، وهما تحاولان العبور بقفتين من الطعام والشراب ككل المهربين حتمًا من الجهة الأخرى للجدار. ابتسم موزارسكي، وقال:
- مواطناتنا الألمان أذكى منا جميعًا، فلا تخش عليهن شيئًا، يا ماريك!
- ثقتهن كبيرة، هذا صحيح! يقلن إن وجودهن هنا ليس سوى محطة قبل نقلهن إلى مدغشقر أو أية مستعمرة أخرى. وهن يقمن بكل ما يطلب النازيون منهن عن طيب خاطر، وبحماس نساء لم يزلن يعشن في زمن السلم. أنظر كيف الجدار يتطور بناؤه معهن بضعف الوتيرة التي لنا.
وفجأة، قال، وهو يشير برأسه إلى أحد البنائين، كان يبدو عليه أنه اكتشف أمر الفتاتين المهربتين:
- حذار!
أعاقه موزارسكي بقدمه، وقبل أن يسقط على الأرض، التقطه ماريك، وضربه على رأسه، فأداخه. أخفياه تحت نظر الفتاتين الشقراوين وراء أكياس الإسمنت، فأشارتا إليهما باللحاق بهما. عجلتا الذهاب إلى الشارع العام، والصديقان يتبعانهما، ثم سارا معهما، وكل منهما قد حمل عن كل فتاة قفتها.
- ماريشيا، قال ماريك لإحداهما، سأسميك ماريشيا.
قهقهت الفتاة:
- إنه اسم ما كان ليعجب أمي.
- وأنا، سأسميك بولينا، قال موزارسكي للثانية.
- أحب هذا الإسم، قالت الفتاة، وهي تقهقه.
عجلوا الخطى على رصيف الكنيس، وسمعوا الحاخام، على عتبته، وهو يدعو العابرين:
- تعالوا إلى بيت يهوه! لطّفوا من كربكم بين يدي الرب!
اثنان أو ثلاثة استجابوا، وبعد الاعتراف الإجباري، سلمهم الحاخام لرجال الإس إس.
وجد الصديقان نفسيهما على باب حظيرة مليئة بالخنازير مقسومة نصفين، الجدار يشقها من قلبها، فدخلاها من وراء الفتاتين الشقراوين، وهما يتبادلان نظرة متسائلة.
ضحكت ماريشيا:
- إنه المكان الأكثر أمنًا في الغيتو.
أوضحت بولينا:
- كانت الحظيرة لمسيحيين قبل أن يفرق الجدار بين أهلها، وبعد التهويد، تم طردهم جميعًا.
نزل أربعتهم من سلم إلى قاعة واسعة تحت الأرض كانت مخزنًا لعلف الخنازير وقشها، وفي زاوية تحت نافذة واطئة كانت مرآة كبيرة، وطاولة كبيرة، وكراسي بذراعين من المخمل الأحمر. حالما وضع الصديقان القفتين على الطاولة، بدأت الفتاتان بإفراغ ما فيهما، وهما ترسلان أعذب الضحكات، وتنظران بين حين وآخر إلى موزارسكي وماريك لتريا رد فعلهما. وشيئًا فشيئًا، اكتشف الصديقان ما في القفتين من قناني العطر الفرنسي وشتى المساحيق والفساتين وقمصان النوم والملابس النسائية الداخلية والأحذية التي امتلأت الطاولة بها، وتحولت الضحكات العذاب إلى قهقهات راحت ترن بكل حلاوتها مشنفة آذان الكون. ارتدت ماريشيا وبولينا أجمل الثياب، وتجملتا بأغلى المساحيق، وتعطرتا بأروع العطور.
* * *
رفع إسحق يد المضخة وأنزلها عدة مرات، فأتى الماء يسعل في الحنفية. ملأ الدلو، ونقله. قاقت الدجاجات من حوله. فتح باب الإسطبل، فبدد الضوء العتمة. صهيل. قوائم على القش في الزاوية. كان الحصان والفرس ساكنين والمهر لا يستقر في مكان. ابتسم لها من كل قلبه. أشعل بابور الكاز، ووضع عليه الدلو. كان يريد يأخذ حمامًا. رمي نصف البرميل الخشبي بنظرة سريعة، وتقدم من الحيوانات. نفض الحصان الأصهب رأسه بكبرياء، وترك نفسه للمداعبة بسعادة. وضع خدَّه على خدِّه، وما لبث الحصان أن راح يضرب القش بساقه. أملس للفرس عُرفها، وضغط فكيها، فصهلت خدرة، وهي تميل. كان يعرف تمام المعرفة أين تحبه أن يدللها. وبدوره، صهل المهر، بدافع الغيرة ما في شك، فجذبه إسحق من عنقه، وأخرج للشمس عائلته الصغيرة.
رأى رقية فجأة. كانت تكنس بسطة الدار دون أن يغادر أبوها مكانه. اقترب إسحق، وهو يشير برأسه إلى أن وقعت بنظرها عليه. لم تعره أدنى اهتمام، وعلى العكس، أعطته ظهرها. تراجع قليلاً، وكاد يقع. كان يبدو كثير الانزعاج. دخل بيته، وأطل من الشباك. عند ذلك، ظهرت امرأة مأمور المخفر على شباكها، وأخذت تدهن بسطار زوجها الضخم، وتلمعه. اضطرته إلى الدخول، فاعترضته طاولة من خشب الجوز صنعها بنفسه، خشنة كالجذع، لم يغادرها طعم الحقل، ولا رائحته أو لونه.
كرسيان من القش. أحدهما بمسند، والآخر يستند إلى الفراغ. عند المدخل، في القرنة، مطبخه الصغير. طناجر أربع مختلفة الحجم معلقة من آذنها على الجدار، باطنها أبيض، وظاهرها أسود. إلى جانبها إبريق الشاي وبكرج القهوة. تحتها لوح خشبي وُضعت عليه باقي الأدوات: ملاعق بلا شكل من نحاس وخشب، سكين بمقبض كالخنجر، صحون زينكو وخشب وفخار، كأسا فخار، كأس زجاج مشقوقة، فنجان مخدوش بلا مقبض. تحت اللوح الخشبي: موقد، وحطب. في الطرف الآخر للغرفة: صندوق كبير، سرير بغطائه الصوفي ذي الألف لون. فوق السرير رفوف كثيرة ملأتها طرائف الفلاح: حطة وعقال وحزام جلد عريض وقنديل كاز تركي يتدلى من السقف وفروة جدي تكمل الديكور. الأرض من أسمنت، الشباك من خشب. الباب من تنك. وإسحق يفتح الصندوق، تناهت إلى مسامعه خطوات في الخارج. سارع بالذهاب إلى الشباك، ورأى رقية... وصلت إلى بداية المنحدر عندما ناداها:
- رقية!
سألت لاهثة:
- من هناك؟
ورأته:
- أنت!
همهمت، وهي تضرب على صدرها:
- يا خرابك، يا رقية! يا خراب عمرك! سيراك أبي والناس!
- لن يرانا أحد، يا رقية، سوى شجرات الحور.
تنهدت:
- ماذا تريد؟
عاتبها إسحق بنبرة العاشق:
- تبدلت، يا رقية!
عادت رقية تتنهد، وهي تعض شالها، وتلتفت يمنة ويسرة. أعاد إسحق، وقد ملكه حزن شديد:
- تبدلت، يا رقية!
استنكرت وجوده قربها، أولاً، وفوق ذلك في عزِّ النهار:
- بجاه المصطفى أن تبتعد! ستعمل لي فضيحة!
- لم تعودي رقية التي أعرف! كنت تعجنين لي بيديك، أتذكرين؟ خبزناها سويّاً أرغفة الخبز الأسود. كنت لا تفارقين حجرتي ليل نهار، يا رقية!
- ابعد من هنا! ابعد!
جرت، وسبقته. توقف إسحق خائبًا، وقال بصوت يرجعه الصدى:
- ما زلت أحبك، يا رقية!
لم تصغ إليه. عاد إلى بيته حزينًا. وقف وسط غرفته حائرًا. وضع أصابعه على رأسه تلقائيّاً. كان عاجزًا عن فهم لماذا كل هذا الصد، ولماذا كل هذا الجفاء. لماذا تبدلت رقية فجأة؟ أين تراها تذهب في هذه الساعة وهي لا تعمل اليوم! صعد الدم إلى رأسه، فأراد أن يتبعها ليعرف الحقيقة. تطلع من الشباك: لم يكن هناك أحد في الخارج. وللمرة الأولى، أحس إسحق أنهم أخذوا منه رقية، تمامًا كما فكر عواد. أثقل رأسه الصداع، ومن جديد، صعد الدم إلى رأسه. آه! يا نبينا الحبيب! لم يتحرك أبوها من مكانه. رأى الدخان يتصاعد من قرنيه! صعدت في أنفه رائحة التبن المحترق، رائحة آتيه من أطراف القرية. فكر: إنها الساعة التي تتناول فيها القرية طعامها. تجد القرويين الآن يطبخون في قدورهم الصغيرة، أو يخبزون في أفران الطابون، أو يقومون بالفعلين معًا. بقي إسحق أسيان حزينًا. تذكر الماء الذي تركه في الإسطبل، وقال لنفسه: سآخذ حمامًا على أي حال. سأغسل حبي - لم يقل حزني - وسأرفق بقلبي المسكين. تقدم من الصندوق، وأخرج ثيابًا نظيفة: قميص خشن، مدعوك، فيه ألف كسر. سروال أسود، محكوك، لم يذق على الإطلاق طعم المكواة، برقعتين قطبهما إسحق بنفسه، فأخذتا شكل صرصورين بألف قائمة. وفي الأخير، أخرج بشكيرًا لم يكن شيئًا آخر غير بطانة قديمة.
* * *
ناداها ماريك:
- ماريشيا، تعالي، يا ماريشيا!
جاءته بكل جمال الدنيا، فحاول أخذها بين ذراعيه، لكنها أفلتت منه، وراحت تجري، وهي تقهقه. جرى من ورائها، إلى أن أمسكها، وسقط بها على كومة من أعواد الذهب.
- خذ حذرك! ستتلف لي فستاني!
لكن ماريك لم يأخذ حذره، قبلها، وهو يتقلب معها، إلى أن اصطدما ببولينا وموزارسكي اللذين كانا يستلقيان هناك وكل واحد في حضن الآخر، فانفجروا كلهم ضاحكين. قالت ماريشيا:
- الشيوعيون الروس بانتظارنا، علينا أن نسلمهم البضاعة التي طلبوها.
- الشيوعيون الروس؟ تساءل ماريك.
- إنهم المنشقون الذين هربوا من ستالين، أوضحت ماريشيا.
علق موزارسكي باستغراب:
- يهربون من ستالين إلى هتلر!
- هم في مكان لا يعرفه أحد، أوضحت بولينا.
- هم في مكان لا يعرفه أحد سواكما، رمى ماريك باسمًا، يا أجمل يهوديتين في الوجود!
- نعم، هم في مكان لا يعرفه أحد سوانا، رمت ماريشيا، وهي تبوسه من فمه بوسة صغيرة.
- وكل هذه البضاعة الفخمة للشيوعيين الروس؟ عاد موزارسكي يعلق باستغراب. ماذا سيفعلون بها؟
قالت بولينا:
- الشيوعية ليست مرادفًا للفقر!
قبلها موزارسكي من كتفها، وطلب إليها:
- قولي لنا بالله عليك، يا حبيبتي، لماذا الشيوعيون الروس يخاطرون بشراء أغلى العطور في باريس؟
- ليبيعوها للأباراتشيك.
- الأطر العليا للحزب؟
قالت ماريشيا:
- وربما لستالين نفسه، ستالين يحب النساء، ومن يحب النساء يحب العطور.
وقامت:
- سنذهب حالاً، يا بولينا، وإلا تأخر بنا الوقت كثيرًا.
قامت بولينا، وقام ماريك وموزارسكي. أعادت الفتاتان الشقراوان كل البضاعة في القفتين ليحملهما المحاميان السابقان، وغادر جميعهم المكان.
* * *
خلع الباشا إبراهيم عباءته، فقنبازه المذهب، ووقف بقميصه القطني. كانت ستائر المخمل مسدلة، وضوء الثريا ساطعًا. وكانت من حوله جدران ملساء، مغطاة بالزخارف. كان من ورائه سريره الوثير، وكان يمكن لأربعة أنفار الارتياح فيه. كلما رتبته مرجانة كانت تتساءل: أي نوم يمكن للمرء الحصول عليه في مضجع كهذا؟ نوم الملك ما في شك! كانت في الأمام خزانة كبيرة مصقولة وملساء كالتحفة الفنية. فتح الباشا إبراهيم أول درفة على اليسار: قمصان لا حصر لها! تناول واحدًا من الحرير، وفرشه بيد رخوة. فتح درفتين في الوسط: بدلات! بدلات كثيرة ومرتبة! اختار إحداها، رماها على السرير، واقترب من المرآة... فحص عرض كتفيه، ثم رفع أصابعه بتوأدة، ولمس شاربيه.
* * *
قذف إسحق الماء الساخن في البرميل الخشبي، وأطفأ البابور. كان عليه أن يأتي بملء دلو آخر من الماء البارد كي يخفف من سخونته، ويزيد من كميته. غاب قليلاً، وعاد بالماء. كانت ثيابه النظيفة معلقة على حبل في الإسطبل، وكانت هنا وهناك من حوله أكداس القش، وأدوات الحقل، وبعض الأكياس. أحضر علبة صدئة من مشرب الدواب وقطعة صابون وضعهما عند قدميه، ووقف على حجر. قذف صنداله على القش، ونزع صداره، فسرواله، وانتصب عاريًا.
عملاق!
كانت له هيئة إله من العصور الغابرة! ملأ العلبة، وصب الماء على رأسه، فكتفيه، فصدره، في الصمت الهائل، والعتمة المخصبة! رغا شعره بالصابون، وفركه بمضاء، ومن جديد أغرق نفسه في الماء. جرى سيل صغير، وهو يحمل معه بعض أعواد القش، كالمراكب. اقتربت إحدى الدجاجات بفضول، ووقفت على العتبة. نظرت إلى إسحق بشيء من التردد، ونقرت الذهب في السيل.
* * *
وقفت سارة في الحمام... رخام!
نزعت حرائرها قطعة قطعة، وعلقتها. فجأة، انتصبت عارية. عاج! بللت إصبعًا مدللاً. لبشرات الحرير لا بد من درجة حرارة تتكيف وإياها! اطمأنت. كل شيء على ما يرام. وقفت في الحوض قليلاًً، ثم استلقت، والماء يفيض، والرغوة تتشكل، والبخار يتكثف...
* * *
سأل ماريك ماريشيا، وهم يغذون الخطى في الطريق الذاهبة من الناحية الأخرى للغيتو، الناحية التي لم يرفع فيها الجدار بعد:
- هل ما زال المكان بعيدًا؟
ابتسمت ماريشيا، وخاطبت صديقتها:
- أرأيت، يا بولينا، كيف صاروا يتعبون بسرعة؟
ابتسمت بولينا، وأشارت إلى موزارسكي:
- هذا لا يبدو عليه التعب.
كان موزارسكي يقرأ بصوت لا أحد يسمعه سواه بعض الآيات التوراتية، ومن وقت إلى آخر يغمض عينيه.
- يا ليتني كنت مثله، قال ماريك، فقط يا ليتني كنت مثله.
- أنت لست مثله؟ سألت بولينا.
- إنه لا يؤمن بما نؤمن به جميعًا، أجابت ماريشيا، وأظنني لهذا سأتوقف عن حبه، وقهقهت الشقراء الماكرة.
- سأومن بكل ما تأمرينني به، رجاها ماريك، فقط لا تتوقفي عن حبي.
تعلقت ماريشيا بعنقه، وهي تقهقه:
- وهل صدقتني، يا حبيبي المسكين؟ لا تصدق ماريشيا، فهي تقول أحيانًا ما لا تفكر فيه.
أنهى موزارسكي صلاته، فسأل ماريك:
- ما لها ماريشيا، يا ماريك؟ هل تكذب عليك وقد انتهى الكذب؟
- أنا لا أكذب إلا على الذين أحبهم، قالت ماريشيا، ولكنني لا أكذب كما يكذب الآخرون.
- اسألوني أنا عن كذبات ماريشيا، قالت بولينا، فهي أيضًا كذباتي.
- أحب كذباتك، يا بولينا، همهم موزارسكي، كذباتك تشبه صلواتي، كلها صادقة.
- حذار! هتف ماريك، وهو يشير إلى شاحنة للجيش الألماني آتية من الجهة الأخرى للطريق.
خفوا كلهم إلى الاختفاء من وراء جذوع الشجر، وهمدوا ينتظرون عبور الشاحنة. لكن الشاحنة راحت تسعل فجأة، وتهتز، ثم سكت محركها، وتوقفت. نزل منها السائق ليرى السبب، وهو ينظر في محركها، فقرأ الأصدقاء الأربعة على غطائها الكلمات التالية: إذا لا تحب فلا تكره! مما أدهش موزارسكي وماريك وجعل بولينا وماريشيا تضحكان. نزل الضابط أمام عجز السائق عن فعل شيء، وراح يضرب الشاحنة بقدمه. أمر الجنود المرافقين للعديد من النساء والأطفال الذاهبين إلى تريبلينكا بالهبوط كي يدفعوا الشاحنة، معللاً ذلك بما أدهش الصديقين للمرة الثانية: أنه لا يمكن أن يطلب من الأطفال والنساء ما لا يطلب، ولو كانوا رجالاً لتغير الأمر. كانت الفتاتان الساحرتان تزينان ثغريهما بأجمل بسمة، والصديقان لا يصدقان ما يريان وما يسمعان. دفع الجنود الألمان وضابطهم الشاحنة عدة أمتار، ثم تراموا على الحجارة لما بذلوا من كثير الجهد. نهضوا بعد عدة دقائق، وراحوا يساعدون النساء والأطفال على النزول من الشاحنة التي تمكنوا من دفعها بسهولة هذه المرة، وتمكنوا من تشغيل المحرك. امتطوا الشاحنة التي داومت على السير بسرعة، وهم يتصايحون، دون أن يعيدوا أخذ الأطفال والنساء، وغادرت بهم الشاحنة إلى أن اختفت عن الأنظار، بينما يفتح ماريك وموزارسكي عينيهما على سعتهما غير مصدقين ما يجري. عندما وجدت النساء والأطفال أنفسهم أحرارًا، سارعوا إلى الهرب في الحقول، وماريشيا وبولينا قد ارتمت كل منهما بين ذراعي حبيبها، وهي تصرخ من عظيم الفرح.
* * *
ارتدى إسحق ثيابه النظيفة، ورمي ثيابه المتسخة في الدلو الذي حمله بيد، وبابور الكاز بيد، وغادر الإسطبل.
- يا إسحق!
هذه خالة ميريام، فلاحة عربية يهودية. نعم، توجد القبائل العربية اليهودية منذ عهد محمد. ارتفع صوتها الشيخ:
- يا إسحق!
التفت إسحق إليها، وهو يبدو عليه السرور، وانتظرها إلى أن وصلت قرب السياج، وهي تعتمد على عصا طويلة كعصا الراعي.
قالت خالة ميريام لاهثة:
- لعن الله الشيخوخة ما أقساها!
ثم بنبرة متماسكة:
- كيف حالك، يا إسحق؟
ابتسم إسحق ابتسامة عريضة:
- بخير، يا خالة ميريام.
انعطفت بقامتها الضامرة، وقالت بمودة:
- هذا الفلاح القوي لا يشكو أبدًا!
زلقت مُلاءتها، فظهر شعرها بخيوطه البيضاء.
- تعالي، يا خالة ميريام.
سارت إلى جانبه، وهي تكاد تسقط لضيق خطواتها.
- لم أركِ منذ مدة طويلة.
- آه! لو تعلم، يا ولدي...
- ماذا؟
- ابنتي أوروبا مريضة.
دفع الباب بقدمه:
- مم تشكو؟
زمَّت شفتيها المغضنتين، فأبرزت حركتهما تجاعيد وجهها، واغرورقت عيناها بالدموع:
- أوروبا مسلولة، يا إسحق.
ركزت عصاها على الحائط، وجلست على الأرض، وهي تمسح عينيها بطرف ثوبها.
- ماذا؟
- أوروبا مسلولة.
- من قال لك هذا؟
قرصت طوايا ثوبها بعصبية:
- أنا من تقول هذا.
- كيف عرفت؟
قالت بارتعاب وبأساء:
- رأيتها تبصق دمًا.
ثم لطمت وجهها:
- يا ويلك، يا ميريام! يا ويل عمرك!
نظر في عيني هذه اليهودية التعسة، وقال مشفقًا مشجعًا:
- هوني عليك!
سالت من عينيها دمعة، وزفرت:
- أنا صابرة، يا ولدي. أحرق لها البخور كل ليلة كي أطرد من صدرها الشياطين، وقد غليت لها، حتى اليوم، كل أصناف الحشائش.
فكَّر فيما أخبره بعضهم عن مستشفى جديد في القدس، فيه أطباء يهود جاؤوا من الخارج، فقال:
- اذهبي بها إلى القدس.
أصغت بانتباه، وسألت:
- القدس!؟
- إلى حكيم في القدس يعطيها دواء يشفيها.
اربدت سحنة خالة ميريام، وبدا عليها الخوف والحذر في آن واحد:
- لا، لن أسلم ابنتي إلى أولئك السحرة!
أطلق ضحكة:
- ليسوا سحرة، يا خالة ميريام، إنهم يعالجون المرضى، وأوروبا مريضة، أليس كذلك؟
بقيت مربدة:
- لا، يا إسحق، لا تحدثني عنهم، كفاني مصيبة واحدة، كفاني مصيبتي بجيرمان. أتذكر؟ ذهبت إلى حكيم ألماني يوم كان كبدها يحرقها، ومنذ ذلك الحين لم أرها أبدًا.
همهمت بصوت واطئ:
- من يدري؟ لربما قتلوها؟
ارتفع صوتها:
- لربما لا! على الرغم من أن جيرمان ابنتي الصغرى، فإنها أكثر فهمًا وحذقًا من ابنتي الكبرى أوروبا، ولكن.. (عبر في عينها خيال خافت) ولكن يا للخسارة! كانت طوال حياتها تكرهني، أنا التي حبلت بها، ونفحتها عطر الحياة! قضت طوال حياتها تحلم بالمدينة، بموقع هناك، كما لو كانت ابنة امرأة أخرى غير هذه العجوز التعسة. كانت نهمة ومجنونة الطموح إلى أبعد حد، حتى أنها لم تكن تتوانى عن قذف كل شيء، وعمل أي شيء باسم هذا النهم وذاك الطموح المجنون.
أطلقت نفسًا عميقًا:
- كانت مجنونة ذات أحلام مجنونة!
لم يتوقف إسحق لحظة واحدة عن الإصغاء إليها. فجأة، سمعها تقول:
- لقد فقدتها، لم يقتلوها، لقد فقدتها.
سكتت، وهمهمت بحزن:
- إن الأمر سيان، بما أنني فقدتها، إن الأمر سيان.
تطلعت في عينيه، لتقرأ في عينيه إدانتها، ومع ذلك غمرها الضياء. قالت بهيئة غائبة:
- لقد كانت غلطتي.
جمعت ملاءتها في حضنها، ورأسها ينخفض، وكأنها تبحث عن شيء، بينما راحت تهمهم لنفسها:
- لهذا لا أرغب في الوقوع في الخطأ مرتين.
قال إسحق:
- ستموت ابنتك، ستموت أوروبا.
نصبت رأسها في الحال، وألقت عليه نظرة فزعة:
- لا، لن أبعث بها عند سحرة أورشليم! إن أرادت الموت، فلتمت بين ذراعيّ.
ومع ذلك، ابتهلت:
- ما زلت أقوى على إعانتها، يا ولدي. دعني أعينها طالما بقي خفق في قلبي.
تمتم إسحق:
- أعانك الله!
نهضت، ووضعت يدها على كتف إسحق:
- تمنيت أن يكون لي ولد مثلك يعوضني عن كل هذا، ولد أصنعه مثلك قويّاً، يحب أمه والأرض.
كانت تفهم معنى هذا التمني الورع، أعطته ظهرها، وذهبت مثقلة. قالت بصوت واطئ:
- أنا أعرف، ستنتحر جيرمان في النهاية، أو سيأتي من يقتلها لأجلي.
التفتت، وذابت في صليب حاجبيه:
- هذا ما يحدثه لي قلبي دومًا.
مدَّ إسحق حطته على الأرض، وألقى قطعًا يابسة من الخبز الأسود:
- سنأكل مما تيسر.
قالت، وهي تدفع نفسها إلى الابتسام:
- آه! كم أنت طيب، يا إسحق!
- ألم تأكلي بعد؟
- لم آكل بعد، أنا منقبضة القلب، ليست لي شهية، وفِّر لقمتي لك.
- لن أذبح لك دجاجة، يا خالة ميريام! سنأكل مما تيسر، مما هو موجود في البيت.
ملأ إبريق الشاي بالماء، ووضعه على البابور بعد أن أشعله. جر تنكة الزيتون من تحت السرير، وأخذ كمية بأصابعه رماها في صحن. فرش على كوفيته ثلاثة أزرار بندورة، وثلاث رؤوس بصل، وقطعتين من الجبن اليابس. كانت خالة ميريام قد أحضرت كأسين وملعقة صغيرة، و... بنبرة جسيمة:
- لا بد أنك تعلم، ألا تعلم بغريب العجائب التي تحصل في البلد؟ عجائب يشيب لها الرأس!
رماها بنظرة فاحصة، ورفع قامته ليتناول علبة السكر من فوق الرف. قال إسحق:
- لا أحد يرضيه الحال.
ضربت خالة ميريام على صدرها، وراحت تشهق، وهي تحرك رأسها على الجانبين:
- آه، يا إسحق! يا ولدي! لو رأيت لبكت عيناك!
اقترب منها شادّاً علبة السكر بين أصابعه، وهي تقول:
- امرأة أبي سِنَّه قتلت نفسها لكثرة ما لطمت وصوَّتت، ضربت رأسها بالحجر حتى فجرَّت الدم، ولم نقدر نحن النساء على منعها. خدشت بأظافرها وجه أم رجب، وعضت بنت الراعي من عنقها. أما أنا، فقد بكيت عليها ومن أجلها حتى جفَّ دمعي، ولم أستطع احتمال رؤيتها ورؤية طفليها وابنتها لطيفة، وهم يبكون وينشجون. خرجت، وهمت على وجهي في الحقول إلى أن وجدتني عندك.
تأملها إسحق بحنان: مسكينة خالة ميريام! تعابيرها تحكي قصة جسيمة! كانت تحمله على ذراعيها عندما كان طفلاً، وهي وجدته كانتا فلاحتين مثابرتين. زلقت دمعتان من عينيها، وتمتمت:
- يا لهم من قتلة!
قال إسحق، وهو ينحني:
- لن تمضي الأمور على خير.
انعطفت، ووميض من الحنق يشق عينيها:
- اذبحوهم، يا ولدي، اذبحوهم كما ذبحونا!
وضع علبة السكر على الأرض، ورفع قامته:
- لا تزعجي نفسك كثيرًا.
نبرت بعتاب:
- كيف لا أزعج نفسي كثيرًا والكل يموت دون سبب؟
انطلق البخار من إبريق الشاي.
- أمس قتلوا أبا سِنَّه وأبا الغزال، وغدا سيقتلون آخرين، سيقتلون لي أوروبا.
رمى حفنة شاي في الأبريق، ووضعه إلى جانب الحطة. وهو يجلس، جاءه صوتها الراعش:
- أنا خائفة، يا ولدي!
طمأنها إسحق:
- لا يكن لديك أي خوف.
- يا رب، رحمتك!
اقتربت ببطء، فنظر إليها، وللمرة الأولى بدت له عظيمة ومهيبة كما لو كانت كل القرية تقترب معها.
- حذار، يا إسحق! لنحل دون زرعهم الموت ما بيننا!
جمد في مكانه لحظة، إلى أن جلست على الأرض قربه. رنا إليها: ها هي ذي تعود إلى طبيعتها خالة ميريام الطيبة أكثر مما يجب، المتحطمة أكثر مما يجب. رمى في كل كأس ملعقة سكر، وصبَّ الشاي.
- بسم الله، يا خالة ميريام.
- بسم الله، يا ولدي.
قطعا الخبز، وكسرا البصل، وراحا يأكلان.
* * *
غطست مغرفة الفضة في المرق المليء باللحم، وسكبها الباشا إبراهيم لزجة مبهرة في صحنه. كانت مرجانة تدور بالأطباق، فبعد أن انتهى الباشا إبراهيم من تناول ما يريد، تقدمت من سيدة القصر الجالسة إلى يمينه، فغرفت بدورها، وأشارت إلى الخادمة بالخروج، فاختفت مرجانة في الممر، بعيدًا.
كانت سارة جميلة كعادتها، لكنها لم تكن مشرقة.
كان تحت الجبين الأملس كرخام معبد صامت، وكان الجفنان ينخفضان ببطء، والشفتان ترتجفان ببطء أيضًا. كانت تريد أن تقول شيئًا، لكنها انتظرت الباشا إبراهيم أن يبدأ الكلام، فمن عادته ألا يتكلم على طاولة الأكل. في النهاية، عزمت على أن تكسر الصمت. رفعت عينيها نحوه، فرأته أكثر صمتًا من أي وقت آخر، حتى أنه بدا مصرًا على صمته إصرارًا لم تعهده فيه من قبل.
سألت سارة:
- هل يعجبك الطعام، يا باشا؟
قال:
- ممتاز.
صمت.
كان هناك ما يشغله حتمًا. وهي؟ عليها أن تحادثه لتخفف عن نفسها الشيء القليل من همومها. ربما ليست الفرصة المناسبة، ولكنها لم تشأ الانتظار حتى المساء، لأنها لا يمكنها الوثوق بحديث السرير، وخاصة مع الباشا إبراهيم.
- هل كل شيء على ما يرام؟
ترددت بسمة غامضة تحت شارب الباشا الغزير الأبيض:
- كل شيء على ما يرام. وأنت؟
ربما كانت فرصتها المناسبة، فخاطرت، وقالت بصوت متردد:
- أشعر ببعض العياء.
صمت.
- هذه هي! نفسيتي، بسبب نفسيتي!
افتعلت ضحكة، وأضافت:
- ليس الأمر خَطِرًا!
وضع السكين على حافة الصحن، نظر إليه، وقال بتجرد:
- وجنتاك شاحبتان.
وبصوت أكثر جسامة:
- مِمَّ تشكين؟
ردت دون أن تحس باهتمامه الحقيقي بها:
- من لا شيء.
ختم الباشا كعادته:
- إذن لا تقلقي نفسك.
مسحت فمها، وطوت محرمتها، بينما انهمك الباشا إبراهيم بإنهاء صحنه.
قالت سارة، وهي تنظر في خط مستقيم أمامها، دون أن تلاحظ باقة الورد الأصفر الموضوعة في مزهرية ليس بعيدًا:
- سأسافر غدًا إلى يافا، لأرى ابنتي.
فهم الباشا كل شيء.
لم يتجهم، ومنع نفسه من الغضب، لكن تعابيره خانت الهيبة التي يفرضها على كل من هم حوله! ومع ذلك، لم يتسلل إلى قلب سارة الخوف، إذ بقيت تنظر باستقامة دون أن تراه.
- فأنا، كما تعلم، لم أرها منذ ثلاثة شهور.
انتظرت رد الفعل لديه، سماع كلمة منه، لكنه بقي صامتًا، وهي دومًا، لم تحد عن النظر باستقامة.
تأوهت، وأنهت:
- هذا كل ما كنت أريد قوله!
جاءت الخادمة بطبق آخر: قطع من السمك المحمر منثورة على تل من الأرز الأبيض. لم يأخذ الباشا إبراهيم سوى ملعقة أرز وقطعة سمك، أما سارة، فلم تأخذ شيئًا، وشكرت الخادمة.
عندما ابتعدت الخادمة، قال الباشا إبراهيم:
- لك أن تسافري.
دون أن يبدو عليه الرضى.
نظرت إليه، وهي تهتز، وقالت بصوت متهدج:
- أنا أم، يا باشا، فلا تنس! أنا أم قبل كل شيء!
ترك الشوكة تسقط، رفع المنديل، وجذبه على فمه، وهو يحملق بعينين مشتعلتين بالغضب، ومع ذلك دون أن يرفع صوته:
- تحسنين اختيار الكلام المناسب في الوقت المناسب! أهو وقت الحديث عن ابنتك؟
كمنت في مقعدها، وانتظرت، دون أن تخشى ردود فعله:
- لقد قطعت قرارًا، يا باشا، بالعودة مع ابنتي.
أخذه الغضب أيما مأخذ، فنهض كما لو كان ذلك للتذكير بأنه الباشا! أنه الباشا إبراهيم! بدت له هيئة الجمل الهائج، الضخم، والمريع.
- إنه قراري الأخير.
انفرج فمه بحركة هائلة البطء، وألقى هذه الكلمات:
- إذا خرجت من بيتي، فلا تعودي إليه... إياك أن تعودي!
صاحت فجأة:
- لا!
حدجها بقسوة، وهي ترحي تحت ناظره. تبدد جمالها، وصبرها، ودأبها. لم تعد سيدة القصر، وإنما الجارية. سقطت على يده، وراحت تطنب:
- تزوجني، يا باشا، لا أريد أن أبقى عارك! تزوجني!
سحب يده بهدوء، وغادر القاعة ببطء، وهو يسمعها تبكي.
* * *
وهم يواصلون طريقهم، إذا بمجموعة من النساء البدينات جدًا تأتي من الجهة المعاكسة. قالت ماريشيا:
- هذه النساء لسن من عندنا.
- ولا من عند غيرنا، قالت بولينا.
- إذا لم يكنّ لا من عندنا ولا من عند غيرنا، فهل يكنّ من المريخ؟ رمى موزارسكي.
- قليلٌ من الصبر، وسنرى، قال ماريك.
والنساء على بعد عدة أمتار منهم، صاحت ماريشيا:
- من أنتن؟ يبدو عليكن الضياع!
كن يتقدمن بجهد، وهن يلهثن، ويسيل من جباههن العرق. توقفن من حول الأصدقاء الأربعة، وقالت إحداهن:
- نحن أمريكيات.
- أنتن أمريكيات! إعادت بولينا باستغراب. أمريكا بعيدة جدًا، أبعد من المريخ! قولي من المريخ، هذا منطقي أكثر.
- كيف الذهاب إلى غيتو وارسو؟ سألت أخرى.
- غيتو وارسو؟ سألت ماريشيا باستغراب.
- غيتو وارسو، أعادت المرأة.
- غيتو وارسو، صاحت أخرى كصدى.
- لماذا غيتو وارسو؟ سأل ماريك. هل أنتن يهوديات؟
- لا، أجابت المراة.
- لماذا إذن تريدون الذهاب إلى غيتو وارسو؟ سأل موزارسكي حائرًا.
- غيتو وارسو هو المكان الوحيد في العالم الذي لا يوجد فيه همبرغر ولا بيتزا، أوضحت المرأة.
- هل سمعت، يا ماريك؟ قالت ماريشيا متهكمة. توقع من الأمريكان كل شيء.
- الحقيقة أننا جربنا كل الوصفات واتبعنا كل النصائح دون أن نفلح في إنقاص الوزن الذي لنا، شرحت المرأة.
كشر الأصدقاء الأربعة، وتابعوا طريقهم، دون أن يستجيبوا لنداء مجنونات الرجيم. وما هي سوى مائة متر حتى أخذ يصلهم وقع لحوافر ظباء تركض بجنون، عرفوا فيها جنسًا بولنديًا في طريق الانقراض كان هتلر قد أصدر مرسومًا لحمايته، ورأوها تبتعد هاربة على الطريق الذاهبة إلى غيتو وارسو.
وبعد مائة متر أخرى، إذا بعشرات من سمك القرش المجنح، تطير فوق رؤوسهم معجلة الذهاب إلى حفل دعاها إليه هتلر. وبينما هم كذلك، إذا برجل عجوز يأتي من بعيد، له هيئة المجنون، كلما سار خطوتين التفت حوله، وراح يتأمل الكون. وهو في وسطهم، مد يده، وجسّ نهدي الفتاتين الشقراوين من أجل المعرفة، والفتاتان تضحكان، وتقولان: يا للعجوز الفاجر! قدم نفسه، غوته، وقال إنه في حرب السنوات السبع اكتشف الحضارة الفرنسية، وفي هذه الحرب يريد أن يكتشف الحضارة الألمانية. تركهم، وسار على الطريق الذاهبة إلى غيتو وارسو.
نظروا إلى غوته حتى غيبه الفضاء، وإذا بهتلر يبين على الطريق الآتية من غيتو وارسو، وهو منفوش الشعر، والدموع تملأ عينيه. حير الأصدقاء الأربعة وجوده ما بينهم، فأوضح لهم أنه كان وزوجته الحبلى في زيارة لغيتو وارسو، ولشد ما هز زوجته مصير الناس، اهتز الجنين الذي في بطنها، فأسقطته، وهو ذاهب في طلب طبيب لم يجده في كل الغيتو. عاد يبكي، فأحزنهم أمره، وأخبروه أن كل الأطباء يوجدون في تريبلينكا، معسكر الموت، بأمر منه. أوقف أول سيارة عسكرية مرت به، سيارة عسكرية كان مكتوبًا عليها: إذا لا تحب فلا تكره! وراح بضباطه وجنوده صياحًا، وهو يحثهم على الذهاب بأسرع ما يمكن إلى تريبلينكا.
* * *
وصلت سيارة الدودج، وهي تسعل، ففلعت بصوتها رؤوس زمر أولاد القرية. تبعها بعضهم حفاة، وهم يصيحون. كان زغلول يجلس على حجر قرب البوابة، وهو يقضم قطعة حلاوة طحينية، ويحيطه الذباب. عندما وصله صياح الأولاد، كانت السيارة قرب سور المصنع. دفع ما تبقى من قطعة الحلوى في فمه، وهو يهش الذباب، ومسح يده بصدره. كان يعرف مسز كلارك جيدًا. رفع يده محييًا، وفتح البوابة، وهو يفحص صادق بكثير من التمعن: كانت عادته كلما وقع على وجه غريب. عندما قطعت السيارة قسمًا من الساحة، فطن إلى صياح الأولاد، فهب بهم صائحًا، وهو يشتمهم، إلى أن طردهم. نزل صادق، وقال لمسز كلارك:
- كانت جولة رائعة! أشكرك!
قالت مسز كلارك:
- إذا ذهبنا إلى القدس استصحبناك معنا.
هز رأسه بالإيجاب.
قالت:
- إلى اللقاء.
عملت نصف دورة، وغادرت السيارة الساحة. جاء زغلول يقفز كالضفدعة الصغيرة، وهو يحاول الوصول إلى صادق بأقصى سرعة. وقف، وهو يلهث، وابتسامة ترحاب تدبق على فمه:
- أهلاً وسهلاً، يا سيدي المهندس!
- ألا يوجد أحد هنا؟
- تفضل، يا سيدي المهندس!
تقدمه زغلول، وهو يعرج، ثم فتح باب المكتب.
- هذا هو مكتبك، يا سيدي المهندس. تفضل واجلس ريثما أنادي الأسطى حسن، إنه أسطى العمال كلهم!
فتح الباب الداخلي، فارتفع ضجيج الماكينات، وما لبث أن رقَّ مع انغلاق الباب. أخذ صادق ينظر إلى حجرة المهندس! إلى مكتبه الكبير! كان المكتب كبيرًا وجميلاً رغم الغبار المتراكم في بعض نواحيه، وكان صادق به مسحورًا. عينات خضراء وحمراء من الأقمشة كانت تغطي المكتب.
فجأة، اقتربت الخطوات. قطب صادق، وجعل عقدة بين حاجبيه. وضع سيجارة في فمه، فاندفع الباب: بدا الأسطى حسن، وهو يمسح بقطعة قذرة يديه الملوثتين:
- يداي وسختان، فاسمح لي.
مد لصادق رسغه بقصد المصافحة، فجسه صادق بأطراف أصابعه.
- نورت المصنع!
أشعل صادق السيجارة، وجاء زغلول ينزرع قربهما، وهو يرخي شفته السفلى.
- شرفت المصنع، يا سيدي المهندس!
قال صادق، وهو يغطي وجهيهما بالدخان:
- سأزور المصنع.
- حالاً، يا سيدي المهندس.
فتح الأسطى له الباب، وجعله يجتاز إلى الضجيج. وهو يدور بالماكينات، كان العمال ينظرون إليه بتعب، وقد ملأ عيونهم صبر كبير.
* * *
أمسك موزارسكي بولينا من ذراعها خوفًا وريبة، وكذلك فعل ماريك بماريشيا، وهما يقتربان من ثكنة ألمانية.
- هل يعقل أن يختبئ الشيوعيون الروس في ثكنة ألمانية؟! سأل موزارسكي، وكأنه يعيش حلمًا غريبًا.
- لا، يا ماريشيا، صاح ماريك! أتكونين جاسوسة لهم؟
- أنا جاسوسة للألمان، أيها المجنون! احتجت ماريشيا.
حررت بولينا ذراعها من قبضة موزارسكي، وهي تنبر:
- أنت تؤلمني، أيها الوغد!
- ولكن كيف يختبئ المنشقون الروس في أفواه الذئاب؟! رمى موزارسكي.
قرأ ماريك بصوت عال الشعار الذي أثار استغرابه مكتوبًا بالخط العريض البارز في أعلى البوابة: إذا لا تحب فلا تكره! ثم همهم:
- أنا لا أفهم شيئًا.
- ستفهم كل شيء بعد قليل، يا حبيبي، طمأنته ماريشيا.
كانوا قد وصلوا عند قدم بوابة الثكنة المحصنة، فصاحت الفتاتان الشقراوان بالحارس النائم في مرقبه ذي الزجاج المدرع الملون تلوينًا خفيفًا. نهض الحارس فزعًا، ولما عرف في الفتاتين الشقراوين ماريشيا وبولينا ابتسم ابتسامة الملاك، لكنه كشر على رؤية ماريك وموزارسكي، وأشار من وراء الزجاج المدرع الملون لماذا هما هنا، ولماذا هما هذان بالذات، وهو يدفع إصبعه على ذراعه اليمنى بعد أن رأى النجمة السداسية.
- إنهما الحمالان، صاحت الصديقتان، وهما تشيران إلى القفتين.
- ماذا؟
كان الزجاج المدرع الملون يحول دون سماعه جيدًا.
- إنهما هنا لحمل قفتينا، أوضحت بولينا وماريشيا.
عندما فهم الحارس، ابتسم ابتسامة الملاك من جديد، وطلب منهم الانتظار قليلاً. وبالفعل، لم تمض سوى بضع ثوان حتى انفتح باب الثكنة الأوتوماتيكي، وترك لهم مكانًا يدخلون منه.
في الداخل، كانت المفاجأة الثانية لحاملي القفتين: الجدران المزدانة برسوم الغرافيتي، رسوم بكل الألوان الزاهية، وكأنهما يوجدان في جنة لا في ثكنة. وأكثر ما هزهم رسوم عن أهل الغيتو من ضعاف البنية، وقد نبتت في أجسادهم الورود، وارتقوا كالأغصان المورقة فضاءات الحياة. مضوا ببعض الجنود الألمان الذين كانوا يحيون ماريشيا وبولينا بأدب جم، إلى أن صاروا وحيدين قرب باب أرضي، رفعته الفتاتان الغريبتان ليبين درج نزل أربعتهم منه قبل أن يعيدوا غلق الباب الأرضي من فوقهم.
* * *
قفزت ابنة حارس الباشا الصغيرة بالحبل، وهي تشدو تحت شجرة التوت، ثم جرت خلف الدجاجات التي هرعت فزعة، مقأقئة، والطفلة تضحك. كانت صيحات الطيور البائسة تجعلها في منتهى الغبطة، فكرت أنها أميرة، كما حكت لها أمها ذات مرة. فجأة، حملت بين يديها فرخًا، وراحت تحاكيه، وتضع منقاره على فمها، وتداعبه من جناحيه.
كان أحدهم يراقبها من بعيد، من بين أغصان الشجر. إسماعيل. كان يتابع حركاتها بعينيه، وهو يخفي نفسه كتمثال دون حراك. تلك العجيبة الصغيرة كانت حلمًا حقيقيّاً، لكنه مع الأسف كان بعيدًا في مخبئه. كان لا يجرؤ على الظهور، لأنه إذا أظهر نفسه، تبدد الحلم، والمتعة معه.
تمنى إسماعيل لو تجيء إليه، لو جاءت إليه لأخذها بين ذراعيه، وهرب بها إلى مكان بعيد جدًا. ومع ذلك، كان لا يمكنه خطفها، وإن فعل خسر أشياء كثيرة، وضاعت عليه أشياء كثيرة. كانت الطفيلة توقظ كل ثمله. وضعت الفرخ على الأرض، وعادت تغني من جديد. أخذ يرتعش، والأنغام الشفافة تخترقه بعنف، ويحس بنفسه غير قادر على المقاومة أمام نعومتها، فبقي في مكانه، وهو يواصل مراقبتها.
جاء دور الكرة الآن. قذفتها عاليًا أعلى ما يكون، وتلقفتها مرات ومرات. فجأة، سقطت الكرة على بعد مترين من إسماعيل. اندفعت البنت تجري لإحضارها، ووقعت عليه. لما رأته بشحوبه وجموده دهشت في البداية، ثم ابتسمت. شع إسماعيل فرحًا، وانحنى ليمد إليها الكرة، والبنت تداوم على الابتسام. كان كل حبوره ألا تختفي ابتسامتها. كانت الشفتان الخلابتان تسحرانه، العنق المائل قليلاً، الشعر المنثور...
أراد أن يهمس لها: (( تعالي! )) ليشدها إلى صدره، ويخلط أنفاسها بأنفاسه. وبينما كانت شفتاه تنفرجان، انطلق صوت أمِّها الحاد، وهي تأتي بحثًا عن الطفلة من بعيد. أسقط إسماعيل الكرة، وهرب، وهو يدفع الأغصان من أمامه.
* * *
بين عشرات صور ماركس وإنجلز ولينين، كان هناك عشرات الشيوعيين الروس في الطابق التحت الأرضي، وكانوا بلحاهم يشبهون بعضهم البعض شبهًا غريبًا. كانوا كلهم يرتدون بنطالاً أسود وقميصًا أحمر، وكانوا كلهم شقرًا حتى السمر منهم، ويبتسمون ابتسامة بيضاء. لاحظ ماريك أن لهم كلهم خطابًا واحدًا، وكلهم يتكلمون عن موضوع واحد: البضاعة المهربة التي استقبلوها كما لو كانت من الذهب أو الماس. واحتفاءً بالأصدقاء الأربعة، فتحوا قناني الفودكا، وبعد أن دارت الفودكا بالرؤوس رقصوا على إيقاع البلالايكا.
حضر قائد الثكنة الألمانية، ورحب بالأصدقاء الأربعة، وقال إنهم أعدوا على شرفهم مأدبة غداء للجميع، فصعد الجميع إلى باحة الثكنة. وقبل أن يأخذوا مكانًا حول الطاولات، أعلن القائد الألماني أنه بهذه المناسبة السعيدة الجامعة بين المنشقين الروس وممثلي غيتو وارسو وضباط وجنود ثكنة إذا لا تحب فلا تكره، سيرفع الستارة عن لوحة محبة وصداقة ذات رمز عميق. وبالفعل، جذب الستارة، فبانت صورة عملاقة لهتلر بلحية ماركس توسطت صور الغرافيتي الأخرى. صفق الجميع، وحيا كل منهم الصورة على طريقته. أخذ كل منهم مكانًا حول الطاولات عندما جاء الطباخون بصواني الخنازير وللأصدقاء الأربعة بأربع دجاجات كاشير، وفتحوا قناني الجعة. ماريك وحده من أكل قطعة لحم بيضاء مع البطاطا، ووجدها لذيذة. كان جنود وضباط الشاحنة والسيارة العسكريتين اللتين التقاهما الأصدقاء الأربعة في الطريق قد عادوا، وشاركوا الجميع في الوليمة، ولم ينس قائد الثكنة الحارس الذي أصعد له في مرقبه من الأكل ما يكفي عشرة جنود. بعد ذلك، وضعوا في الغرامافون الأغنية الشهيرة (( ليلي مارلين))، ورقصوا عليها، وهم يتخاطفون بين أذرعهم ماريشيا وبولينا.
نظر الأصدقاء الأربعة إلى بشر ثكنة إذا لا تحب فلا تكره الذين أعياهم الفرح والمرح وأثملتهم إزالة الرتب والفروق، فأسأمهم ذلك، تركوهم إلى الصراع والتناقض والجدل عائدين إلى غيتو وارسو.
* * *
صفّق القاضي:
- يا ولد! بصة نار، الجمر انطفأ!
صاح القهوجي:
- أمرك، يا سيدي القاضي.
رفع إبريق الشاي عن موقد، ونقل بملقطه الصغير ثلاث جمرات وضعها في صحن نحاسي مغطى بالرماد.
صاح الحاج عبد النبي بالقهوجي من طرف آخر:
- القهوة! أين القهوة، يا أبا الملاك؟
- على النار، يا حاج!
دار القهوجي بالطاولات القصيرة بصعوبة، بسبب اكتظاظ المقهى بالرواد. حمل الصحن النحاسي بواسطة سلسلة، بينما تابع القاضي مقدمه من بعيد. نثر القهوجي بملقطه رماد النارجيلة، وضغط التنباك، ثم جعل من الجمرات الثلاث هرمًا. قال القهوجي:
- أنا خادم شاربيك، يا سيدي القاضي!
امتص القاضي نارجيلته، ونفخ الدخان:
- أطال الله عمرك، يا ولدي!
بدا تحت عمامته الخضراء كالبرميل، ببطنه المندفع. عندما مرَّ القهوجي بالحاج، سأله هذا:
- أين القهوة؟ ذهبت منذ ساعة كي تحضر لنا القهوة فأصبحت قهوة!
قال القهوجي:
- الصبر مفتاح الفرج، يا حاج عبد النبي!
تصانع عدم الفهم:
- أسألك هل غلت القهوة أم لا؟
كان المقهى يزدحم بالرواد ازدحامًا شديدًا على غير العادة، وكان ضجيجهم يعلو، والدخان يعلو، بينما حجارة طاولات النرد تتصادى. أعاد القهوجي بصوت مرتفع كي يسمعه الحاج:
- الصبر مفتاح الفرج، يا حاج عبد النبي!
صفَّق الحاج، ونبر:
- أي فرج هو هذا! أحضر لنا القهوة وإلا ذهبنا!
لكن القهوجي ضاع بين الرواد قبل أن يسمع آخر كلامه.
شعر حليق. في وسط أنفه شامة كبيرة. حفرتان هما خدا الحاج. وجه طويل تجاعيده ناعمة وكثيرة كجذور اللفت. قال جاره، موسى عبد الرحمن، وهو يطلق زفرة:
- الناس كثيرون اليوم!
أجابه الحاج دون أن يزول التوتر عن وجهه:
- أوقفوا أعمالهم، وجاؤوا، اليوم هو العيد!
ضحك جاره، والحول يصيب عينيه:
- هو العيد حقًّا، ولكن أيهما؟ الصغير أم الكبير؟
انتهره الحاج:
- لا تضحك، يا موسى عبد الرحمن، لا تضحك!
قطع الرجل ضحكته على الرغم منه، ضغط طربوشه، وألبس تقاطيعه الجد:
- سألتك فقط أهو العيد الصغير أم الكبير؟
- أهذا سؤال يسأل، يا موسى عبد الرحمن؟ ألم تشاهد بأم عينك كيف كانت الذبيحة؟ إنه العيد الكبير، عيد الضحية، عيد الضحايا؟
توجَّه الحاج بالكلام إلى القاضي الذي ينفخ نارجيلته، وهو يرهف السمع:
- ماذا قلت، يا سيدي القاضي؟
- قلت لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم!
هزَّ الحاج رأسه عدة مرات:
- هذا ما يقوله الجميع، يا سيدي القاضي، ولكن أسمعنا ما يرضيننا.
جهر القاضي بصوت جسيم:
- رضي الله عنك وعافاك وجنبك شر الوباء والويلات، إنه سميع مجيب الدعوات!
ثم خرّت النارجيلة. فجأة، انبثق القهوجي من بين الأقدام والأصوات:
- وصلت حبيبتي السمراء!
وضع فنجانين فارغين أمام الحاج عبد النبي وموسى عبد الرحمن، صب القهوة، وترك كأس ماء.
- بالهناء والشفاء، يا سيدي الحاج!
وضاع من جديد بين الأقدام والأصوات.
تمتم الحاج متهكمًا:
- الكل يدعو بالهناء اليوم، ولكنه دعاء أبدًا لا يستجاب!
سحابة سوداء: دخان كثيف، وعتمة خفيفة، وشوشات خشنة، وضحكات خشنة، مصباح عتيق، ولم تكن في المقهى طاقة. جلسوا في حلقات عديدة حول طاولات اللعب: من يلعب الشَّدَّة، ومن يلعب النرد، ومن يلعب الدومينو. في حضن القش، استلقى أبو الكسيح، وهو يشخر، رغم الضوضاء، وعلى مقربة منه، ترامى خمسة على الأرض، وهم يلعبون الشَّدَّة، رائحتهم قذرة، ويتكلمون بقذارة: أبو سريع، الأعور، مصطفى الذبيح، الأشقراني، وداني عمران الخضرجي. كانت قوارير النارجيلة بين أقدامهم، سحقوا على الأرض قمع السجائر، أو أطفأوها في الفناجين. كان الظلام شديدًا من حولهم، فأشعل الأعور شمعة وضعها فوق صحارة. كلما قذف مصطفى الذبيح من يده ورقة قذف من فمه شتيمة، وكان أبو سريع يصدر فحيحًا خشنًا دون توقف، والأشقراني يحك شعره الأشقر المتلبد ما دون طاقية الصوف التي بلا لون لشدة اتساخها. أما الخضرجي، فلم يكف عن قضم ما يملأ جيبه من خضروات. على حين غرة، صاح الأعور:
- لقد ضاجعتكم جميعًا!
وفرش أوراقه، فأمطرت الشتائم:
- لماذا لم تنتظر دورًا آخر، يا جرذ؟
- أي مغفل هو أبوك!
- أية داعرة هي أمك!
- سأحرق عرضك!
قال الأشقراني بغضب:
- سأفقأ لك العين الأخرى!
بينما انفجر الأعور يقهقه:
- افقأ لي هذا بالأحرى!
وهو يشير إلى فرجه.
والأشقراني يردد مغتاظًا:
- سأجعلك أعور بعينين!
رمي كل منهم قرشًا على الأرض، فجمع الأعور القروش، وهو يهلل. عادوا إلى توزيع ورق اللعب، والأشقراني يلف سيجارة. وضعها في فمه بعد أن بللها بريقه، وأشعلها مستطلعًا ورقه بشرود، ثم شتم، دون أن يلتفت إليه أحد. بصق أبو سريع، وكذلك فعل الخضرجي، وأخذ الأعور يدنّ. سأله مصطفى الذبيح:
- مبسوط؟
- سأضاجعكم جميعًا!
دون أن يرفع عينيه عن ورقه.
رمي أبو سريع ورقة بسرعة، وراح يقهقه، وهو يخبط بيده ظهر الذبيح عدة مرات. سألهم بصوت الأجش:
- ماذا تشربون!
ودون أن ينتظر إجابتهم، صاح بالقهوجي:
- أعد لنا زجاجة خمر!
دخل المختار، فالسمسار، وراح السمسار يصيح بالرواد:
- يا جماعة! يا جماعة!
لم يهتم أحد به: كانوا كالغرقى في بحر اللعب. عاد المختار إلى الصياح بدوره:
- السماع، يا جماعة!
رفع اثنان أو ثلاثة رؤوسهم إليه بكسل، ثم خفضوها، وتابعوا التحديق في أوراقهم.
صاح السمسار وقد ازداد صوته النسائي حدة:
- المختار يكلمكم! السماع! السماع!
علت همهمة خشنة:
- ما الذي يريده هذا الأعته؟
- فرجك!
تفجر أبو سريع بالضحك، وهو يفح كالثعبان. أخذ المختار يصفق بقوة، وانتهى به الأمر إلى أن يثير اهتمامهم. قال، والعرق يغزوه غزوًا:
- بعد جولتي على بيوت القرية كلها، وبعد كلامي مع معظم الأهالي، أخبركم ألا فائدة من الإضراب.
ضرط أحدهم، وهمهم:
- لا أحد يضرب هنا!
أطلق أبو سريع صفيرًا طويلاً، والمختار يضيف:
- يجب أن يعود الجميع إلى أعمالهم، وإلا لحقنا الضرر الكبير. اسمعوا، يا جماعة، أقولها لكم بصراحة، نحن أناس لا دخل لنا بالسياسة، للسياسة رجالها، ورجل رجالها الباشا الذي وعد بأن يقوم بالواجب على أكمل وجه.
أخذ نفسًا مديداً، وأشار إلى السمسار:
- السمسار شاهدي أمامكم، وعد الباشا إبراهيم بحل الأمور بالتي هي أحسن، ونحن...
تجشأ أحدهم في العتمة، مما اضطر المختار إلى التوقف محملقًا دون أن يتبين شيئًا. تابع:
- يا جماعة، أقولها لكم بكل صراحة، عين العقل والصواب أن نترك السياسة للساسة، والساسة للسياسة، ولن ينفعنا الإضراب في شيء. من له دكان عليه الذهاب لفتحها، ومن له قطعة أرض عليه إنهاء حراثتها. هذا الموسم يبشر بالخير، إياكم التفريط بنعمة الإله، فتحل علينا نقمته!
صاح الحاج عبد النبي متفجرًا بالغضب:
- والدم! من يأخذ لنا بثأر الدم الذي سال؟
همهمات وهمسات وأصوات خشنة انتشرت في أجواء المقهى. تقدم المختار من الحاج بعد أن تعثر بالزبائن عدة مرات، وقال:
- للدم أيضًا رجاله، يا حاج عبد النبي، فلا تنشر الفتنة بين الناس.
أخذ الحاج عبد النبي يلهث، ويصرخ:
- الله أكبر! من ينشر الفتنة بين الناس؟ أهناك أكثر منها فتنة بعد أن قطعوا رأس اثنين من أنظف وأخلص الناس فينا؟
أحاطه السمسار من طرف والمختار من طرف، وكل واحد منهما راح يعمل على تهدئته:
- طوّل بالك، يا حاج عبد النبي، يا أبا صبوح الأسمراني!
- لن يذهب دم الشرفاء سدى!
أخذ الحاج يضرب بقدمه الأرض لشد ما ثارت ثائرته:
- وماذا لو قطعوا لي رأسي، يا سيدي المختار؟
والمختار يهمهم:
- أبعد الله عنك الشر.
- ستقول للناس عودوا إلى أعمالكم لأن الدجاجة الشهية من الضروري ذبحها والتهامها! أهذا ما ستقوله؟
والسمسار يضرب بيده على لا شيء:
- لا حول ولا قوة إلا بالله! أليس المختار موضع ثقتك، يا حاج عبد النبي؟ أتنكر العيش والملح اللذين تقاسمناهما؟ نحن أهلك، ولن يصيبك سوء طالما بقينا أحياء على وجه الأرض. زد على ذلك، أنت رجل الجميع، يا حاج عبد النبي.
قال القاضي من ورائهم:
- اتق الله، يا حاج عبد النبي، واترك الأمور تجري كما يشاء الله لها أن تجري.
قذف الحاج عبد النبي وسطه العلوي إلى الأمام:
- تركتها، يا سيدي القاضي، ولنرَ إلى أي مدى ستجري هذه الأمور التي لا يرضى الله عنها.
ثم نهض، وهو يرتعش، ويقول، وهو يشنج أصابعه في وجه المختار:
- هيا، يا موسى عبد الرحمن! شبنا ورأينا العجب، وسنرى عجب العجب! هيا بنا!
نهض موسى عبد الرحمن، وغادر معه المقهى. مسح المختار عرقه مطلقًا نفسًا مرتاحًا. قال القاضي:
- تأخرتم.
فنفخ السمسار:
- كان علينا أن نكلم الجميع.
- والنتيجة؟
أجاب المختار:
- حسنة إن شاء الله.
وصلتهم شتيمة، فالتفت ثلاثتهم: كان الأعور يصفق من جديد، والأشقراني يشتم، ويكفر. صاح القاضي مستنكرًا:
- أستغفر الله العظيم!
تابع السمسار، وهو يكاد ينقصف على نفسه:
- هذه هي شلة العاطلين عن العمل! رفضوا كل عرض مني، وفضلوا التلهي بالقمار والقذارة، شلة المصائب!
- شلة المصائب والهمل الذين لا يعرفون اسم الله! لعنهم الله أشد لعنة، وأهلكهم أقسى هلاك!
انبثق صوت شيخ الجامع من ورائهم، وهو يظهر بلحية تنام على صدره:
- سلم الله فمك، يا سيدي القاضي!
وجلس:
- إنهم كفرة قذرون لا يتقون شرًا ولا باطلاَ!
- لكل بلد بلاياها! وهؤلاء هم بلايانا!
في زاويته المنعزلة، وبعد أن جرع كأسه الرابعة، تمخط مصطفى الذبيح بجلبة، ومسح أنفه بطرف ردائه. سأل المختار:
- ما هي الأخبار؟
قال الشيخ:
- من عادتي أن أصرف الناس بعد الصلاة، لكنني اليوم ألقيت خطبة.
حطوا عليه نظرهم. علَّق الشيخ مسبحته حول ذراعه، وقال:
- ستعود الأمور إلى مجاريها، بإذن الله.
خرج لهم القهوجي كخروج الجن في ليل القرية:
- طلباتكم، يا سادة؟
طلبوا ثلاثة قهوة، وذاب القهوجي في الدخان.
بعد قليل، أتاهم صوت يعرفونه:
- السلام عليكم.
ردوا سويّاً:
- عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ثم أخذ كل منهم يحيى السيد لطفي على طريقته: قميص من الكتان مخطط فضفاض الذراعين، شروال قديم أسود تشده حطة حمراء تدور بخصره... إلى أن قال المختار:
- كبر شنبك، يا سيد لطفي!
جر السيد لطفي كرسيّاً، ورفع عنقه القصير، فبانت عيناه الصغيرتان ووجهه المدور وقامته القصيرة كالبطة السمينة.
رمى:
- من له شنب حتى ولو كان صغيرًا خير ممن لا شنب له!
والتفت إلى القاضي:
- وإلا ماذا، يا سيدي القاضي؟
- من له شنب فحل ابن فحل!
وأخذ القاضي يبرم شنبه. قال السيد لطفي، وهو يرمي إلى المناوشة:
- عين المختار فارغة، يا سيدي القاضي، أخذ مني المخترة، والآن يحسدني على شنبي!
قال السمسار، وقد أوكل نفسه بالدفاع عن مختار القرية:
- المختار كله خير وبركة!
- حاضر، يا سيدي السمسار، أنت أيضًا كلك خير وبركة، وكذلك سيدي القاضي وسيدي الشيخ، والناس كلهم، ولم أغلط طوال عمري على المختار، لكنه أخذ مني المخترة من أجل الزعامة! منذ صغره وهو يحب الزعامة!
رد المختار، وقد أغاظه:
- الزعامة للزعماء، يا سيد لطفي، يا ابن بهية الأميرة، وأنا كما تراني خادم الجميع لا زعيمهم. أما أنت...
- أما أنا ماذا؟ أعمل في الأرض ليل نهار، ومنذ يومين فقط أنهيت بناء السلسلة.
تابع المختار:
- أما أنت، فأنت تسعى إلى الذي تسعى إليه منذ سنين وسنين، والله أعلم بما يخفيه يعقوب في صدره!
- تقصد المخترة؟ لا، تركتها لك.
- تكذب، ومن ناحية أخرى، ليست المخترة وحدها التي تسعى إليها.
- ماذا إذن، يا سيدي المختار؟ أوضح. نسمعك على الأقل بما أننا لا نرى وجهك في عتمة هذا الجدث الأسود الذي تجلسون فيه!
زمَّ المختار شفتيه، وقال بحرد:
- أنت تسعى إلى الزواج من رقية.
جاء صوت القاضي بشيء من الضجيج:
- سيكون يوم المني، يا مختار، أن نفرح بالسيد لطفي بعد كل هذه السنين. لماذا أنت غاضب؟ أما أن يبقى عازبًا، وقد غزا الشيب رأسه، فهذا أمر لا يقبله كل عزيز.
صاح السيد لطفي، وقد ارتاح لكلام القاضي:
- الكل لا يقبل أمرًا كهذا عزيزًا كان أم غير عزيز ما عدا المختار.
ثم وضع يديه في خاصرتيه:
- قل لي إنك تريدها الآن! المخترة وأخذتها، أما رقية...
قاطعه:
- لا، يا حبيبي، اطمئن! سأترك رقية لك...
أضاف متململاً:
- هذا إذا ما قبلك أبوها طبعًا.
عصف:
- وماذا ينقصني، يا سيدي المختار؟ ألست رجلاً، وأرضي أغنى من أرض كل أجدادك؟ وزيادة على ذلك، سأغمرها حبّاً تلك المدللة؟
قال المختار ضائقًا:
- ليس هذا من شأني، ما أردت قوله إنك لو تزوجت في شبابك لكانت رقية اليوم بقدر بناتك!
كان السيد لطفي على وشك الانفجار، لكنه أسكته بحركة لامبالية من يده:
- المهم، هذا شأنك وشأن أبيها، في النهاية.
سأل السمسار ورأسه يترنح إلى اليمين وإلى الشمال:
- هل كلمت أباها؟
- سأذهب أنا وسيدي الشيخ غدًا إن شاء الله، تكون الأحوال قد تحسنت، والناس هدأت، أليس كذلك، يا سيدي الشيخ؟
- هو كذلك، وستسير الأمور بإذن الله على خير ما يرام، إذ ما حلمت رقية ولا أبو رقية برجل كريم الخصال مثلك، يا سيد لطفي.
وضع القهوجي طلباتهم، فناداه صاحب المقهى:
- يا أبا الملاك.
صاح القهوجي بمدة في صوته:
- حاضر، يا معلم.
وذهب بخفة إلى حيث يجلس صاحب المقهى، أسفل رفوف الفناجين والكؤوس وقوارير النارجيلة.
قال القاضي بحفاوة:
- إذن سنأكل الطبائخ والصفائح عمَّا قريب، يا سيد لطفي.
انشرح صدر السيد لطفي، وراح يقول، وهو يبتسم دون أن يصدق أذنه:
- وشتى أنواع الفطائر والقطائف والكنائف، يا سيدي القاضي، وعلى يديك إن شاء الله سيتم عقد القران.
هذا ما كان ينتظره القاضي، قال بصوته الرخيم:
- إن شاء الله، يا سيد لطفي... إن شاء الله!
ونهض.
- إلى أين، يا سيدي القاضي؟
- لم يزل الوقت باكرًا.
علَّق الخرطوم على يد النارجيلة، وجمع من حوله القفطان:
- ينتظرني الأولاد على العشاء.
قال السمسار:
- أنا أيضًا سأذهب.
شفط المختار ما تبقى من قهوته دفعة واحدة، ونهض هو الآخر:
- سأرافقكم حتى طلعة البئر، ومن هناك سأذهب إلى التل الشمالي لملاقاة البيك، الباشا يطلبه.
رنت كلمات السيد لطفي المتهمكة:
- أدامك الله للباشا، يا سيدي المختار، وأدام الباشا لك!
غمغموا جميعًا، والمختار بامتعاض يقول:
- سامحك الله، يا سيد لطفي!
* * *
في غيتو وارسو تحول اليهود إلى خيول والألمان إلى بنات آوى، كانت الخيول أكثر من حزينة وأكثر من تعبة وأكثر من ضعيفة، تمشي الهوينا، أو تنام على ظهرها، أو تحتضن بعضها، وتملأ الشوارع والأزقة والحارات، وكانت بنات آوى تسعى بينها، وعندما يحين موعد الصيد، تنقض على أحدها دون أن تطاردها، وتنزع بأسنانها لحمها، وتلتهمها. والخيول كانت تقطع الجسر الضيق المعلق في الهواء الرابط بين غيتو وارسو الصغير وغيتو وارسو الكبير رمى بعضها بنفسه من أجل الهرب، فنجح اثنان أو ثلاثة، وتحطمت قوائم اثنين أو ثلاثة، ومات اثنان أو ثلاثة. راحت الخيول الحرة تعدو في الشارع الطويل الذاهب إلى ما وراء الحرب، وهي تصهل، وقد استعادت قوتها وأملها، وعجزت بنات آوى عن اللحاق بها، فراحت تعوي على بعضها البعض، وتتصارع فيما بينها، فقتلت ما قتلت منها.
* * *
تقدمت مرجانة، وهي تحمل صينية من النحاس عليها إبريق القهوة النحاسي وفنجانين نحاسيين. دقت باب مكتب الباشا إبراهيم دقتين، ودخلت، وخفها يهمس على السجادة. كان الباشا إبراهيم يقول مخاطبا البيك سعد الله:
- هذا ما كنت أريد معرفته: وإذا ما ثار الريف، هل تستطيع أن تقول لي من سيكسب؟ ماذا سنكسب كلنا؟ سيأتي الإنجليز بسيوفهم وسنجاتهم ليذبحوا الجميع، بمعنى أن ندفع الثمن غاليًا جدًا: ستكون مجزرة، ومَنْ سيكون الضحايا؟ الفلاحون.
وضعت مرجانة الصينية على الطاولة القصيرة، وخرجت. قال البيك مقطبًا:
- الفلاحون ضحية الإنجليز سواء ثاروا أو لم يثوروا.
نفد صبر الباشا إبراهيم:
- إذن أنت مع المذبحة، يا بيك؟ مع التقتيل الجماعي؟ المستعمر لا يرحم أحدًا!
ثم تمالك نفسه:
- أبوك رحمه الله كان يفهمني تمام الفهم، وكان لي دومًا شرف الأخذ برأيه قبل كل قرار أتخذه. كان يقول لي، اعمل من أجل أن يستطيع الفلاحون أكل اللحم على العشاء. وأنا، طوال حياتي أعمل من أجل أن يستطيع الفلاحون أكل اللحم على العشاء. بنيت لهم مصنعًا، وحسنت أتاء الأراضي، والحال في تحسن مستمر.
نهض بتأنٍ، وتقدم خطوة:
- لهذا السبب عليك أن تطلب من رجالك العمل على عودة الأمور إلى مجاريها، هذا هو عين الصواب والصواب وحده، يا بيك.
صبَّ القهوة، وهو يقول:
- في عودة الأمور إلى مجاريها صالح وخير الجميع.
ظل البيك صامتًا مقطبًا في عباءة بيضاء من حرير، وحطة بيضاء من حرير، وعقال أسود من حرير. كان في الخامسة والثلاثين، ومسحة من النعيم ينضح بها وجهه:
- أنا لا أعدك بشيء طالما أنت لا تعمل على غسل الجريمة.
قدم الباشا فنجان القهوة إليه متجاهلاً قوله، وراح يمسح بيده على ياقة جاكيته الأسود دون أن يظهر ضيقه من حوار الطرشان ذاك. قال الباشا إبراهيم قبل أن يعود إلى مكانه، وبيده فنجان القهوة:
- سأعمل على غسل الجريمة، سأعمل على غسل كل أثر للجريمة. أهذا كل ما تريده؟
حافظ البيك على سكوته، فرشف الباشا قهوته، وأحنى رأسًا مثقلاً، ثم قال مركزًا على كلماته النطق:
- عدني بحلَّ الأمور ما بيننا، ولك ما شئت من مال ودعم.
ولأول مرة، نظر البيك في عيني الباشا، وقال:
- أنا لا أعدك بشيء.
أضاف بجفاف:
- رجالي صعاب المراس، همهم الوحيد هو غسل الجريمة والجريمة وحدها، وهم عنيدون لا يقنعون إلا بالفعل.
دفع الباشا إبراهيم فنجان القهوة على الطاولة، فكاد يسقطه، وراح ينبر مهتزّاً:
- الفعل! الفعل! فليفعلوا ما أرادوا مع الإنجليز إذا كان بإمكانهم. لكنني أقسم بشيب رأسي إنني لن أحرك ساكنًا إذا أنزل الإنجليز المذابح برجالك وبسبب رجالك!
هب البيك ناهضًا:
- أَعْتَبِرُ هذا تهديدًا!
أخذ الباشا يهدد بالفعل:
- أقول لك ولرجالك، افعلوا ما شاء لكم، أمَّا إذا ألحقتم برجالي وأملاكي الأذى شردتكم جميعًا، وجعلت بيني وبينكم نارًا تصل الأرض بالسماء.
عجل البيك خطاه، وخرج غاضبًا.
* * *
كان الحاخام يقف على عتبة الكنيس، ويخاطب العابرين:
- تعالوا إلى بيت يهوه! لطّفوا من كربكم بين يدي الرب!
مر الأصدقاء الأربعة أمامه، فراح يجذبهم من أذرعهم، وهو يردد جملتيه، والأصدقاء الأربعة يضحكون.
- هل تنتظرونني إذا ما ذهبت إلى الصلاة مدة عشر دقائق؟ سأل موزارسكي.
- ولا دقيقة واحدة، قال ماريك، نحن متأخرون جدًا عن موعدنا.
قال موزارسكي للحاخام:
- المرة القادمة، يا سيدي، فمعذرة!
والحاخام يواصل جذبه من ذراعه بقبضة قوية أوجعته إلى أن أمكنه التخلص منه. التفت موزارسكي إليه، وهو يحدجه، وقبل أن يغيب الأصدقاء الأربعة في زرقة المساء خف الحاخام إلى داخل الكنيس. كان المساء أزرق على غير عادته، والجو دافئًا، وكان زبائن خمارة الحمل الثمل يحملون كؤوس الجعة، ويقفون هنا وهناك على الرصيف.
في الداخل، لم تكن القاعة مليئة بالرواد كالمرة الماضية، ولم يكن النادل في مكانه المعتاد، كان ينتقل بين الطاولات، ويبتسم للزبائن. بحث ماريك عن آدم مردخاي بعينيه، وبصعوبة وجده يجلس وحده في زاوية شبه معتمة.
استقبلهم مردخاي استقبالاً لم يكن وديًا، ونبر في وجه ماريك:
- أنا بانتظارك أنت وموزارسكي فقط، يا ماريك!
امتعضت الفتاتان الشقراوان.
- نحن هنا لأننا نحب بولندا، همهمت ماريشيا.
- وأنا لا أحب أحدًا، رمى مردخاي بعصبية.
- هيا بنا، يا بولينا، قالت ماريشيا واقفة، لا مكان لنا حول هذه الطاولة.
شدها ماريك من يدها، وأجلسها، وهو يقول لمردخاي:
- إنهما على استعداد للقيام بكل شيء تريده، يا آدم مردخاي، فلماذا أنت كريه إلى هذه الدرجة؟
- أنا فخور بكوني كريهًا، رد مردخاي، هل أصبح كريهًا إذا كنت لا أثق بأحد، أريد القول بأحد لا أعرفه.
- ثق بهما، يا آدم مردخاي، تدخل موزارسكي، أنا أيضًا لا أعرفك، ومع ذلك، أنا أثق بك.
- ليس الأمر سيان، يا مويز موزارسكي، قال مردخاي.
- اسمع، يا مردخاي، قال ماريك، ماريشيا حبيبتي، وبولينا حبيبة موزارسكي، ونحن بعد القيام بمهمتنا سنتدبر أمر الهرب من هذا الجحيم لنتزوج بهما.
بقي مردخاي صامتًا، وهو ينظر إلى ماريشيا تارة، وإلى بولينا تارة، والنادل يضع على الطاولة كؤوس الجعة. وبعد ذلك، قال:
- ربما سيقام العرض الخاص بحراس جدار الغيتو الصغير وشرطته اليهود غدًا.
ابتسم ماريك:
- نحن جاهزون لكل شيء.
ابتسم موزارسكي:
- هذا المساء أو غدًا أو في أي وقت.
قبّل موزارسكي بولينا التي ابتسمت هي الأخرى فرحة، وكذلك فعل ماريك مع ماريشيا، وهو يهمس لها:
- سنتزوج قريبًا، يا حبيبتي.
نبر مردخاي مفزعهم:
- ليس قريبًا، يا ماريك! ليس قريبًا!
- ماذا؟
- ليس أمر تفجير الجدار لعبة أطفال!
قالت ماريشيا لماريك:
- صاحبك يظن أننا نجهل نتائج فعل جسيم كهذا.
نبر مردخاي من جديد:
- لن يكون تفجير الجدار الفعل الأخير أيًا كانت النتائج!
قالت بولينا لموزارسكي:
- آدم مردخاي يسعى إلى تأزيم الوضع، يا حبيبي!
- لا تخشي شيئًا، يا بولينا، أجاب موزارسكي، نحن سنتزوج على كل حال.
- نعم، يا ماريشيا، قال ماريك، نحن سنتزوج على كل حال.
- كيف تفكرون في الزواج وهذا وضعنا؟ رمى مردخاي.
إذا بماغدلينا تدخل، وتتجه إليهم بخطوة عجلى، ووجه عابس لم يعتد عدم الابتسام. أجلسوها بينهم، ولكنها لم تفه بكلمة. أخذ كل منهم جرعة من كأسه، وسأل مردخاي دون أن يحتمل الانتظار أكثر:
- قولي لنا، يا ماغدلينا أنييليفيتش.
- سيتم العرض الخاص غدًا، كشفت ماغدلينا.
نهض مردخاي دفعة واحدة، وأفضى:
- علينا أن ننظم أنفسنا حالاً، فلا وقت لدينا نضيعه. ستقضي بولينا وماريشيا هذه الليلة عندي، وماريك وموزارسكي عند أنييليفيتش، بانتطار الأوامر.
أخذ جرعة كبيرة من كأسه، وأشار إلى الفتاتين الشقراوين كي تتبعاه. قبّلت كل منهما صديقها قبلة خفيفة على ثغره، وسارتا من وراء مردخاي. وبينما هما في زقاق معتم لا أحد فيه، أخرج مردخاي مسدسًا من جيبه، وقتلهما.
* * *
أخذ المساء ينثر ألقه الأزرق في فضاء القرية، وعلا شدو العصافير، ثم خبا. طارت معًا، وهي تصفق أجنحتها بقوة، قبل أن تحط في الأعشاش. سقط إسماعيل في حفلة المساء صامتًا، وهو يقبض على الكلب من طوقه، فوقف إلى جانبه واجمًا دون حراك. وهم يأتون من بعيد، مر به بعض الفلاحين، وعلى أكتافهم فؤوسهم ومعاولهم، ورأى عرباتهم التي تجرها الحمير. انتشروا في الدروب الضيقة، وهم يعودون إلى بيوتهم. وانصرف العمال هم أيضًا من المصنع، فرأى كم هي خطواتهم متثاقلة. كان بإمكانه أن يفعل شيئًا، أن يلقي على أحدهم تحية المساء. كان بإمكانه أن يرمي أحد هؤلاء الفقراء بكلمة، تعوضه القليل، بعد شقاء نهار كامل. لكنه بقي يرقب من بعيد: هم على الدروب، وهو بين أغصان الشجر. ومن بعيد أيضًا، ترقرق الغدير، وهو يوشوش، على بطن الأرض. ولمعت البحيرة بما احتفظت من نور النهار، وما يذيبه أول الليل من فضة. انعكست على مرآتها شجرات الحور حيث يراق ليلك المساء، وتبتعد البجع في الماء... وتبتعد المواويل في الليل على إيقاع شبَّابة. انتهى أحد المواويل بنبرة حزن أمالت الشجر، كانت الأرض تتأوه، بينما الخطوات تجر الخطوات، والآذان الصابرة تصغي:
وتربتي الحمرا ناطر
طوال الليل ناطر
عيون الليل
يا عيون حبيبي!
ضربت الأجنحة صفحة الماء، فأضاءت الموجات، وسقطت القرية في الصمت بعد أن أوت الطيور، ودخل الفلاحون بيوتهم، إلا من تعكير البجع البيضاء وكلمات الموال: يا عيون حبيبي!
همهم إسحق: يا عيون حبيبي! وتأوه طويلاً. كان يجلس على الأرض، ويقتلع كتلاً منها يضغطها بقوة، فيتدفق التراب بين أصابعه. ويبتعد الموال مع سريان الماء، تذوب نغمات الصوت العذب، ويبدأ ليل القرية الحقيقي. الهدوء شامل. القرية معبد. قلب إسحق الخافق كصلاة. لم تغادر عيناه المنحدر، فلم تعد رقية إلى الدار! كان يرقب عودتها بحزن لكنه كان يحتفظ بأمل العاشق. ومع ذلك، كان لديه إحساس بالاطمئنان، وهي تدغدغه أنسام المساء، فيملأ صدره بالهواء النقي. كانت رقية هذا النقاء، وميلادها كان قرب جدول لا تلوثه رياح الجنوب. هكذا كان يعرف رقية، وهكذا كان يفهمها.
فجأة، تذكر جفاءها، ففزع على فكرة أن يتمكن أحد من خداعها. تذكر مزرعة الخواجا، وما فيها من وجوه غريبة. وتذكر أيضًا كيف تبدلت رقية بعد عدة أيام من عملها في المزرعة.
غضب إسحق، واشتعل الدم في صدغه حتى غدا كالجمر. ثم أطلق نفسًا، وهو يطرد أفكاره السوداء. سيبقى أمله برقية أمله بالمطر. رفع رأسه إلى السماء، فرأى الغمام، وهو يزلق، ويتمدد بطيئًا خفيفًا كأنامل رقية على عنقه. دنّ حالمًا:
حبيبي زرعنا الأرض
بكرة الثمر طالع
حبيبي روانا النبع
حبيبي في الفلا ضايع
إلى حد أن انجرح حلقه. كان يفزعه أن يضيع رقية. يقطع ذراعه على أن يضيعها. يعطي عينيه، ولو طلبوا منه حصانه أيضًا، ومحصول فصل. عاوده حديث خالة ميريام، فاطمأن، وهو يفكر أنها مع باقي النساء في بيت أبي سِنَّه، للتخفيف عن زوجه وأولاده.
تذكر أبا سِنَّه بوشاحه الأسود ومرتينته القوية. آخر مرة جاء عنده في الليل، وهو يلف وجهه بوشاح أسود، ويحمل مرتينته على كتفه، طلب منه أن ينادي الأسطى حسن، لثقته به، ولأنه لا يستطيع دخول القرية بالسلاح. كان إسحق يعرف أن أبا سِنَّه من الثوار، ولو كانت له زوجة مثله وأولاد لترك لعنايتهم الأرض، وذهب إلى الجبال ليقاتل: هكذا كان يعتقد إسحق. أذعن إسحق لمطلبه، وجرى في الليل ليعود بالأسطى، وقلبه يخفق بعنف. في تلك الليلة، تحدث أبو سِنَّه عن الثورة والثوار، وابتسامته تسطع على شفتيه. كان يأمل كثيرًا بطرد الإنجليز، حتى أنه تحدَّث عن الغرباء من مستوطني اليهود الذين بدأوا يطمعون بالبلاد، وعن الخونة. أكد للأسطى حسن أنه خير من يكون مأمور اتصال في القرية، أعطاه بعض المعلومات المكتوبة، وطلب إليه أن يتصل بالفلاحين، ويوسع نشاطه بينهم. ثم توشَّح من جديد، وهو يقبض على بندقيته بقوة كبيرة، واختفى في ليل الحقول. كان ذلك منذ شهرين، ومنذ شهرين وإسحق يعمل مع الأسطى.
خطوات... التفت، فرأى عواد، وهو يخرج من الليل، بخطواته البطيئة، ويديه المندستين في جيبي بنطاله. عندما توقف قربه، انطفأ الضوء في دار مأمور المخفر. بقي ضوء خافت يتسلل من دار رقية، وهو يتذبذب باستمرار.
- لا يأتيك النوم؟
قال عواد:
- لا يأتيني النوم.
أخذ مجلسًا على الأرض، وهو يبسط ساقًا، ويرفع أخرى، معتمدًا على كوعه الأيسر. بقي كلاهما صامتًا. كان عواد يحدق في الظلام، وإسحق يحدق في المنحدر. كانت تشغل إسحق عودة رقية، دون أن يضيقه وجود عواد: كان يحب عواد، ويطمئن إليه. ثم سمع تأوهته الطويلة، انتظر أن يتكلم، لكنه بقي يحدق في الليل، وعيناه تذوبان ببطء، كالضوء الآتي من دار رقية. رمى شقوق الحرث التي في ذقنه وعنقه بنظرة، وأراد أن يقول له شيئًا، إلا أنه سمعه يهمهم:
- بدأ الليل يبرد.
اعتدل في جلسته، والتف بدثارته الخشنة، ثم تثاءب:
- هل تنتظر أحدًا؟
أجاب إسحق دون تردد:
- لا.
- ما رأيك في كأس شاي؟
ابتسم إسحق، وعواد يلح:
- كأس شاي ساخن عندي.
- ليس الآن، يا عواد.
رمي عواد نافذة رقية بنظرة، ثم استدار ناحية البحيرة التي تلمع في الليل.
قال إسحق:
- عاد معظم الناس إلى أعمالهم رغم الإضراب.
لم يعلق عواد، وبقي ينظر إلى الماء الساكن. ثم زلق يده في الأرض، وراح يداعبها بنعومة، والأرض تنبض بقوة. ودون أن يرفع عينيه، ناداه:
- يا إسحق.
- نعم، يا عواد.
سأل عواد بكل بساطة:
- هل عادت رقية؟
تفاجأ إسحق، فتحرك، ولم ينطق بكلمة. انطفأ الضوء في دارها، وبقي يتلاعب بالليل الذي حولهما اللمعان الناجم عن مرايا الماء. عاد عواد يسأل بشيء من الإلحاح:
- منذ متى وأنت بانتظارها؟
همهم إسحق على الرغم منه:
- منذ غروب الشمس.
انفرجت شفتا عواد، وهام بينهما خيال طفيف. قال بهيئة غائبة:
- وأنا في مثل عمرك أحببت رقية حتى الجنون، ولم يأخذها أحد مني.
علا صوت إسحق محتجّاً:
- لن يأخذ رقية مني أحد، يا عواد!
بقي عواد هادئًا:
- كانت تعود إلى دارها مع المغرب ككل الفلاحين.
ثم تخدر تمامًا:
- في النهار، طوال النهار، كنَّا نعمل في الأرض. هذه الأرض ذاتها التي نقعد في حضنها الآن أنا وأنت، يا إسحق. كنَّا نعمل فيها جميعًا، أنا ورقية وأمي وأبي وكل الفلاحين، من الفجرية حتى المغربية. نلقمها البذار، وتلقمنا الثمر. نسقيها عرقنا، وتسقينا الماء الحلو. تعيش من سواعدنا، ونعيش من دمها. نتنفس أنفاسها، وتتنفس أنفاسنا. يكبر حبنا لها، ويكبر حبها لنا. كبرنا، وشخنا، وما زالت قوية وصبية. أعطيناها لأبنائنا، مثلما أعطانا إياها آباؤنا، ومثلما أعطاها لآبائنا أجدادنا منذ زمن طويل، منذ أول يوم طلعت فيه الشمس.
رفع كتلة تراب بين أصابعه الراجفة، وقال محبورًا:
- هذه الأرض شرفنا وقدرنا وكرامتنا وكل شيء... إنها نحن.
ضم كتلة التراب إلى صدره بقوة، وبقي يقول:
- وقفت إلى جانبنا وقت المصاعب. مرت بنا مصاعب ومصائب: أيام الأتراك وأيام الإنجليز، فوقفت الأرض إلى جانبنا. أطعمتنا الخبز والبصل الأخضر، لأنها تعرف أننا نحبها، وأننا نفديها بالغالي. ولولا عطاء الأرض وصبر الفلاح، لما كان بإمكاننا الوقوف رجالاً نرد عنها وعنا المصائب. كانت الأرض تعطي، دومًا تعطي، رغم الإضرابات والحجز والقلع والقمع وكرباج الطاغي. وبقيت تعطي للأيدي التي تعطيها، والتي ترعاها، طوال الوقت.
أنام كتلة التراب برفق، وراح يمسح عليها براحته الدافئة:
- بالأمس كانت أرضنا، واليوم هي أرضنا...
ملأ برحيق الأرض رئتيه:
- وغدا ستبقى أرضنا.
رفع رأسًا شابًا شامخًا، وهو يرتعش:
- أرضنا تعرفني، يا إسحق، تعرف خطواتي.
وتضرم:
- أرضنا طيبة، يا إسحق!
ثم تهدل بالشيخوخة، وراح يتحدث عن بقراته وأعوان الباشا إبراهيم الذين يهددونه دومًا بأخذها:
- مجنون الباشا، وكل أعوانه مجانين! كيف سمحوا لأنفسهم التفكير في شيء كهذا؟ كبرت أنا و(( المحروسة )) معًا، أرضعتني من ثديها كابنتها (( خرزة ))، وحرثت معي الأرض. أنا لا أفهم! هل يمكنك أن تفهم، أنت، يا إسحق؟ سيأخذون مني المحروسة وخرزة وفضيلة، ليتركوني دون أهل. إنهم مجانين تمامًا! أما أن أبيع الأرض، فهو الكفر والعته وأيام آخر زمن! وعلى أي حال، أرض السماء أقرب لهم من أرضي!
أخذ يرتجف كالطائر الهزيل، وكل جزء من جسمه الناتئ العظام يرتعد. أطبق على فمه السكوت، وبقي صامتًا. مضي وقت، وهما يمعنان النظر في الليل والسكون والمنحدر الذي يرتفع كالسيل حتى عتبة دار رقية.
أطلق عواد تأوهة، ووقف خائرًا، ثم سار خطوتين، والتفت إلى إسحق:
- ألا تريد أن تشرب كأس شاي معي؟
- سألحق بك بعد قليل.
زحف حتى الزريبة، وألقى نظرة على بقراته. دفع الحاجز، ودخل ليراها: كانت البقرات لا تنام! لفَّ عنق بقرته العجوز بذراعه، وأخذ يبادلها النظر، وهي ساكنة، وادعة، طيبة كذراع عواد. مسح بيده على بطن الصغرى، ووقف متلفتًا حوله. وقع على الكبرى في ركن بعيد وراء كومة من القش، وبعد أن اطمأن عليها، عاد إلى كوخه.
شبح في الطريق الترابي!
هب إسحق ناهضًا، ثم، تراخى. لم يكن شبح امرأة. صعد الشبح المنحدر إلى منتصفه ثم أخذ طريقًا آخر. على بعد مترين من هناك، تبين إسحق في الشبح الأسطى حسن.
- لم أر ضوءًا في بيتك، وكنت على وشك العودة. ماذا تفعل وحدك في الليل؟
- كنت متوقعًا قدومك.
- أردت أن آتيك بعد انصرافي من المصنع مباشرة، لكنني فضلت هبوط الظلام.
* * *
ادعى آدم مردخاي أن رجال الإس إس هم الذين قتلوا ماريشيا وبولينيا، وأنهما لو استمعتا إليه، لكانت نجاتهما أكيدة. بكى الصديقان، وماغدلينا تنظر إلى مردخاي بعينين غير مصدقتين وسحنة عابسة. كانت لا تريد الشك في الشاعر الشهير ورجل المسرح المحنك، وكانت تكره كل من يشك لأجل الكريه عطيل وما فعل الشك فيه حتى غدا قدر ديدمونة. لكنها لم تشأ ارتداء قناع المرأة المعذبة، عادت تنظر إلى مردخاي بعينين غير مصدقتين، بعينين متهمتين هذه المرة، فقال آدم مردخاي:
- لم أهرب، أقسم لك، يا ماغدلينا!
همهمت ماغدلينا:
- أعرف أنك لم تهرب.
- لو كنا معًا لتمكنا من مواجهة رهط الذئاب.
قامت ماغدلينا، واحتضنته، وهي تهمهم:
- لا بأس، يا صديقي! يا للسعادة أنك بقيت لي، يا لرضى السماء أنك عدت سالمًا إلى ذئبتك!
ترك نفسه تذهب بين ذراعيها، لكنها عضته من أذنه مسيلة منها الدم، فصرخ، وهو يدفعها بعيدًا عنه، والدم يلوثه:
- ماذا فعلت، أيتها المجنونة!
راحت ماغدلينا تقهقه بعصبية، فأخذها ماريك وموزارسكي بين ذراعيهما إلى أن هدأت، ثم حملاها إلى السرير، عرياها، وتعريا، وعمل ثلاثتهم الحب، ومردخاي يكاد يموت من القهر.
* * *
صبَّ إسحق شايًا أسود في كأس قدمها للأسطى، انتظر قليلاً، ثم سأل:
- ماذا سنفعل؟
أجاب الأسطى حسن:
- الصبر.
جلس إسحق نافدًا صبره، وراح يحرك كأسه بعصبية. أضاف الأسطى حسن:
- إلى جانب العمل بين صفوف الفلاحين.
رمى الملعقة على الطاولة، وكمن ساكنًا دون أن يبارحه الارتباك.
- كان بإمكان الباشا أن يأتي بغيرنا كما قال، وكان بإمكانه أيضًا أن يقفل المصنع شهرًا شهرين ثلاثة حتى يرضخ الجميع. كانت لهجته مهددة وقاطعة!
هب إسحق صائحًا:
- الباشا! الباشا! دعني أقتل الباشا، فأريحكم منه ومن شره! سأقتل الخواجا أيضًا ومستر كلارك!
بقي الأسطى حسن صامتًا، لف سيجارة، لحسها، ثم حملها إلى شفتيه. استمع إلى إسحق، وهو يحتج:
- كان بإمكان العمال أن يفعلوا شيئًا على أي حال، ولولا تدخلك لما عادوا إلى ماكينات النول.
أشعل الأسطى حسن السيجارة، ونفث الدخان من أنفه، فعمل سحابة ارتفعت حتى المصباح. أنار الضوء وجه الأسطى الممتلئ الأحمر، فظهر مهيبًا رغم الشعاع الضعيف.
- أليس كذلك؟
قال الأسطى حسن بتمهل:
- بتدخلي أو بدون تدخلي كان العمال سيعودون إلى العمل. للباشا سلطته التقليدية التي تنحني لها رقاب الجميع، والعمال يخشونه.
شفط إسحق الشاي، وهو يحدث ضجيجًا، والأسطى لم يزل يقول:
- إن مقتل أبى سِنَّه وأبى الغزال لا يهمهم الشيء الكثير في النهاية، وهم يفكرون في معدات أطفالهم الذين يطلبون القوت، رغم قلته، والذين ينامون على الضوى. هذا سبب آخر.
سحب نفسًا من سيجارته، وقال:
- يجب أن نتساءل ما هي مصلحة العمال في كل هذا؟
رفع إسحق حاجبيه دهشة:
- أتقول لي هذا؟ أتقول لي هذا، أنت؟
أخذ الأسطى من كأسه عدة رشفات صغيرة:
- نعم أنا من يقول هذا لك، وأعني تماما ما أقول: ما هي مصلحة العمال في كل هذا؟ إذا أضرب العمال، فالغاية ليست هي الإضراب، وإنما ما يمكن لهم أن يجنوه في المقابل.
توتر إسحق:
- أتقول لي هذا، وأنت تقضي معهم من الوقت أكثر مما تقضيه مع نفسه!
- تمهل، يا إسحق!
لكن إسحق صاح:
- أنا لا أفهم شيئًا.
ثم أطبق فمه.
انحنى الآخر بكل ثقله، واقترب منه بحاجبيه الكثين ما وسعه الاقتراب:
- افهمني، يا إسحق، النشاط له أهميته الأولى والكبيرة، وأذكّرك أنني لست وحدي الذي ينشط في المصنع، نحن ثلاثة. ولكن مع أبي داود وسمعان وزغلول والعم بطرس وعبد الله الصغير، مع جيل كامل من عبيد الباشا والعهد التركي، ماذا بإمكاننا أن نفعل نحن الثلاثة؟ إلى جانب أننا لم نبدأ نشاطنا إلا منذ وقت قصير... مجرد أن يجمع العمال على عمل الإضراب، لا أن يضربوا كما حصل، بغض النظر عن استمرار الإضراب أو عدمه، بغض النظر عن المندسين وأهدافهم، مجرد أن تسود فكرة الإضراب لدى العمال مكسب يجب ألا يستهان به.
اعتدل في جلسته، وأضاف:
- لهذا أصر هنا على مصلحة العمال في كل هذا، مصلحة القرية والناس كلهم؟ وأنا أقول لك، إذا طلبنا إليهم أن يضربوا، فمن الواجب أن نعطيهم شيئًا بالمقابل. ليس طعامًا أو مالاً، فجميعنا فقراء، أحدنا لا يمكنه أن يقيت نفسه، وإنما أن نصل بهم إلى إمكانية تحطيم أسطورة الباشا إبراهيم وإزالة عبئه الثقيل عن الرقاب، وأن نبث في صدورهم الثقة بإمكانية دحر الإنجليز.
هل فهمت؟
لهذا أيضًا، علينا أن نتساءل ماذا قدمت للقروي الفقير بندقية أبي سِنَّه وأبي الغزال؟ ستقول لي ربما الشرف والكرامة والعزة والفداء والوطنية والموت من أجل التراب وحرية الوطن والجميع. هذا صحيح. إلا أن القروي الفقير لا يفكر في هذا وحده، إنه يفكر في هذا وفي الخبز وفي أن يدفأ في الليل في نفس الوقت. ولكي ندفعه إلى حمل البندقية من أجل الخبز والحرية، علينا المرور بمراحل طويلة من النضال اليومي الشاق والمرير ضد الباشا والإنجليز، وأن نحرز انتصارات. نعم، أؤكد على كلمة انتصارات. عبر هذا الطريق، وعبر هذا الطريق فقط، ستتحقق الثورة الشاملة والكاملة على كامل ترابنا، من القدس حتى أقاصي الجليل.
كان إسحق يصغى باهتمام، كان يريد أن يتعلم عن الأسطى أشياء كثيرة.
- النضال ضد الباشا يبدأ هكذا، يجب علينا أن ندغدغ أحلام عمال المصنع وعمال الأرض بإعطائهم إمكانية تحسين شروطهم المعيشية برفع الأجور وتخفيض ساعات العمل. القروي لا يفهمك إلا عبر مصلحته، هكذا هو يفهمك في البداية، القروي، ويكتشف بعد ذلك معنى الاستغلال. وفوق ذلك، لكي نشرّع مطالبه، ونزيد ثقته بالبندقية، يجب أن نتحين الفرص لضرب الباشا في العمق. هكذا سنساهم في تحطيم أسطورته وسلطته المورثة. وفي الوقت نفسه علينا أن نبرز فعل البندقية في قوى الاحتلال، ليجد خبزه وحريته.
داوم إسحق على شفط كأسه، فسأله الأسطى حسن:
- هل فهمت الآن؟
حمل الأسطى الكأس، وأخذ جرعة. قال إسحق:
- إن ما يقلقني في كل هذا أمر الخواجا. أنت لم تضعه في حسابك! من أين يأتي بالأموال؟ اشترى بعض الأيدي، وبعض الأراضي، وجلب الكثير من الوجوه الغريبة. المستعمرة اليهودية التي ليست بعيدة عن أراضينا لهم. إن نفوذه يمتد ويتسع يومًا عن يوم.
ونبر إسحق:
- دعني أقتله!
سحب الأسطى آخر أنفاس السيجارة، وقال بهدوء:
- إياك والتهور! كل شيء وله وقته. عمل كهذا ستكون له ردود فعل كثيرة وجسيمة، ولن تضمن وقوف الناس إلى جانبك بقوة ماسورة البندقية. لا تفكر الآن إلا في العمل بين صفوف القرويين. أنت لست غبيّاً، يا إسحق! قالها لك المهندس صبحي قبل أن يطرده الباشا من المصنع. وها أنا أقولها لك: أنت لست غبيّاً، يا إسحق! فتح المهندس صبحي عيوننا لنرى أشياء كثيرة، فقد كان نصير الكادحين، إلى جانب أننا قرأنا أنا وأنت معًا ما تيسر لنا أن نقرأ ونحن صغار، فاستطعنا أن نفهم كثيرًا من الأمور، ولو ساعدتنا الظروف لأتممنا الدراسة، وكنَّا شيئًا آخر ينفع القرية أكثر مما ينفعها اليوم، بينما معظم أهالي القرية إن لم يكن كلهم، جهلة وأميون. لهذا إياك والتهور، إياك والتصرف بغباء، كن صبورًا، واتبع ما أقوله لك.
أنهى الأسطى حسن كأس الشاي، ووقف:
- سأذهب إلى لقاء ابن السيد، إنه عنصر جيد، وهو يفهمني أكثر من أي واحد آخر بين العمال. بقي مستمرًا في الإضراب، ولم يعد إلى الشغل هو وأولاد عوض والحاج عبد النبي. ابن السيد عن إخلاص وشجاعة، أما الآخرون، فأنا أشك في وفائهم.
* * *
لم يقدر آدم مردخاي على النوم، وهو يرتعد خوفًا، ويرشح عرقًا. لم يكن خائفًا من أن يُكتشف أمر قتله للفتاتين الشقراوين ماريشيا وبولينا بسبب شك ماغدلينا فيه، لكنه كان مرتاعًا على فكرة أن ماغدلينا متأكدة من قتله لهما، وأنها على الرغم من ذلك، لن تبوح بما هي متأكدة منه لأحد. كان من عادته أن يواجه كل خطر محدق به مذنبًا كان أم غير مذنب، متهمًا كان أم غير متهم، أما أن يبقى من التهمة متفرجًا، وهو يعلم تمام العلم أنه مذنب، فقد كان ذلك بالنسبة له شيئًا غير محتمل، شيئًا يقض مضجعه، ويعذب ضميره. كان حاله من حال ماكبث الذي لا يتعذب لقتله وإنما لخوفه من فقدان التاج الذي قتل من أجله. راح يهلوس على قهقهات شبحي بولينا وماريشيا، وكان من الرضوخ لسطوة الشبحين عليه بحيث قام شبحه بأمرهما، في العالم الما ورائي، وجاء بشبح ماغدلينا، وقتلها هي أيضًا في ثوب شبحها. وعلى منظر نهر الدم الميتافيزيقي الذي راح يجرف الوجود في الزمن القادم، راحت الفتاتان الشقراوان تقهقهان أعلى ما يمكنهما القهقهة، فلم يحتمل آدم أكثر مما احتمل. طرد شبحيهما عنه بعيدًا، وأخذ يصرخ، ويلهث، وينادي على ماغدلينا، فلم تأته ماغدلينا. اخترق حجرة نومها كمن أصابه مس، لم يكن ماريك وموزارسكي هناك، كانا قد ذهبا بحثًا عن جثتي حبيبتيهما، فأيقظها، وهي تصده صدًا عنيفًا، لكنه اغتصبها.
* * *
سعل الحاج عبد النبي بشدة، ودخان النارجيلة ينتشر في أجواء الحجرة. انحنى، واستغفر، ليخفف من ألمه:
- أستغفر الله العظيم! اللهم رحمتك، لا إله إلا أنت!
وعند ذلك، توقف عن السعال.
استدار بوجهه إلى الحاضرين: كانوا يجلسون على مطارح من القطن دارت بالجدران الأربعة، وغطَّت أرض الحجرة سجادة عجمية في وسطها صينية كبيرة من النحاس فوق كرسي قصير، عليها إبريق القهوة والفناجين، وجاط مليء بالفواكه. وكان في الحجرة: البيك، أولاد عوض الأربعة - العمال الثلاثة وأكبرهم صاحب المزرعة - وموسى عبد الرحمن، والهيثم، أقرب الناس إلى البيك. كانوا كلهم يمصون خرطوم النارجيلة، بساق مبسوطة، وأخرى مرفوعة، أما نارجيلة البيك، فقد تميزت بضخامة قارورتها وعلوها.
علت سحابات الدخان بطيئة، فقال الحاج عبد النبي:
- نفذنا تعاليمك يا بيك بالواحد، وجرت الأمور في البداية كما كان متوقعًا: خرجنا إلى الساحة، وأعلنا الإضراب، حتى أن البعض هتف بموت الإنجليز. جاء الباشا إبراهيم، وتبدل كل شيء. إنه يرعب الجميع! ومع ذلك، طلبنا إلى العمال، أنا وأولاد عوض، أن يتماسكوا، وتماسكوا، لولا ذلك الخبيث، لعنه الله شر لعنة، الذي اسمه الأسطى حسن... أسطى من أين؟ ومعلم علينا منذ متى؟ كيف أمكنه أن يصبح أسطى المصنع، وهو لم ير خيْطا في حياته؟ أمه طوال عمرها، وهي تجمع الطين. وأبوه مات، وهو يحلم بالفقيه الذي كان يريد أن يكونه لأنه تعلم كيف يتلو القرآن على شيخ جاهل في الحرم الشريف، دون أن يميز ديمايته، أمصنوعة هي من القطن أم من الصوف! للصنعة أربابها، ونحن أربابها، أبًا عن جد نحن أربابها! في بيتنا نول ويد تغزل عليه ليل نهار. أمي وزوجتي وبناتي يعملن على النول ليل نهار: سجاجيد وحرامات وشراشف. أنا هو ابن الصنعة، يا بيك! ومع ذلك، جاءنا الباشا إبراهيم بأسطى خبيث لا يفهم في النسيج بقدر ما يفهم إصبع قدمي الصغير... حاشا السامعين! والسبب بسيط، لأنه يخشاه، ويعمل لمنفعته.
سحب نفسًا من نارجليته، فخرت معها نارجيلتان أو ثلاث:
- هذا الخبيث الذي اسمه الأسطى حسن، أوهم العمال بألا فائدة من الإضراب، بعد أن أبلغهم تهديدات الباشا إبراهيم بقطع أرزاقهم. والحق يقال إن البعض قد جفل للخبر. تصايحنا، وتناطحنا، ومن لنا به ثقة همسنا في أذنه أن البيك نصيرنا، فلا خوف ولا من يعلمون، ولكن دون أية فائدة. قتله الله ما أخبثه! بدد كل مجهوداتنا سدى، وأضاع علينا فرصة لن تعوض. قلنا لهم إن الباشا يتآمر مع الإنجليز، وهو الذي أخبر عن أبي سِنَّه وأبي الغزال، ورغم أن البعض انسحب دون أن يعلق بكلمة، والبعض الآخر ركبه الخوف، إلا أن العمال كانوا على استعداد لتحطيم كل شيء.
سحب نفسًا من نارجيلته، فتجوف خداه:
- هذه هي الحكاية، يا سيدي البيك، وأولاد عوض عليّ شواهد. أليس ما أقوله صحيحًا؟
هزَّ ثلاثة من أولاد عوض رؤوسهم هزة واحدة، وبقي الرابع يفض شفتيه ببلاهة. كان أربعتهم من الشبه بحيث يظنهم الرائي، لولا اختلاف أعمارهم، شخصًا واحدًا: قصار، سمان، رؤوسهم مكورة، وأكتافهم مربعة، وشعورهم كثة، وشاربهم مغولي دقيق.
بقي البيك صامتًا، يسحب دخان نارجيلته على مهل، وهي تحدث هديرًا مستديمًا. أزعج الحاج عبد النبي صمته، فعلًّق الخرطوم على ذراع النارجيلة، وبدا حائرًا. التفت إلى صاحبه موسى عبد الرحمن، كمن يطلب نجدته، لكنه كان يمتص الدخان من خرطومه ساهيًا. تنحنح الحاج عبد النبي قبل أن يضرب كفًّاً بكف مطلقًا الأيمان المغلظة:
- أقسم بالرب الأعلى الذي لا يعلو عليه عال، رب الجن والملائكة، أن الأسطى خبيث، والمختار أخبث (دفع موسى عبد الرحمن من كتفه منبهًا؛ مما جعله يقفز في جلسته)، والسمسار كذلك، والقاضي الذي طرده سيدنا المفتي بنفسه من مجلس القضاة، وجاء عندنا ليعمل قاضيًا مهابًا علينا! أقسم بالرب الأعلى الذي لا يعلو عليه عال، أنهم خبثاء كلهم، وهم مماسح لكندرة الباشا إبراهيم لعنه الله شر لعنة اللهم آمين، أليس كذلك يا سيد موسى؟ (دفعه من كتفه دفعة أقوى، مما جعله يوافق: أي نعم! أي والله!) وهذا هو شاهدي اليوم في المقهى (أشار إلى موسى عبد الرحمن الذي أخذه العجب والفزع)، عندما جاء المختار ومعه السمسار، هذان الأكتعان، وألقيا على الناس خطبة، يا سيدي البيك، وأية خطبة! قال المختار لهم اذهبوا إلى أعمالكم، ودعوا السياسة لأصحابها. ومن هم أصحابها بالله عليك؟ الباشا إبراهيم اللعين وزبانيته أمثال المختار وغير المختار! هببتُ به صائحًا، وهذا هو شاهدي (دفع إصبعه في وجه موسى عبد الرحمن الباهت)، وقلت له الدم، لن يغسل دم أبي سِنَّه وأبي الغزال، أكثرنا طهرًا، إلا الدم، وليس الساسة وأصحاب السياسة! فتدخل القاضي بعمامته التي الله يعلم من أين سرقها، وأوقفوني بالقوة بين ضجيج الناس. أليس كذلك، يا سيد موسى؟
أعاد موسى عبد الرحمن بصوت محتقن:
- أي نعم! أي والله!
- أي نعم! أي والله! ثم تركنا لهم مقهى بنات وردان، وخرجنا ونحن نشتمهم!
حرَّك رأسه يمنة ويسرة وتعابيره تنطق بالاحتقار:
- ذلك المختار أخبثهم! وكيف أتته المخترة حتى قدميه؟!
فغر فمه عن ابتسامة مائعة:
- كلنا نعرف، يا بيك. إصبع قدمي الصغير، حاشا السامعين، يفهم أكثر من أبيه وأبي أبيه! ولو أردت المخترة على طريقته لأخذتها من زمان، لكنني صادق أحب الصدق، أكره الزلفى، ومسح الجوخ، ولحس الكنادر! يا للعار! مثل هذه قرية بحاجة إلى مثل هذا مختار! (وبصق) أخ، تفووووه! متذبذب! دجال! مخادع! لعنه الله شر لعنة!
كان أولاد عوض هياكل من خشب، والهيثم صامتًا، والبيك يسحب الدخان، وهو يفكر في شيء آخر، وموسى عبد الرحمن باهتًا... باهتًا. عادت الحيرة تنهش قلب الحاج عبد النبي، ونطق وجهه بالضيق:
- هذه هي كل الحكاية، يا بيك.
زم البيك عينيه بسبب الدخان، وقال:
- اذهب إلى عملك غدًا، يا حاج عبد النبي.
راحت السكرة وجاءت الفكرة!
- ماذا؟!
- اذهب غدًا إلى عملك...
أضاف برخاوة:
- كالعادة.
أراد الآخر أن يقول رأيًا معاكسًا، لكنه أمره:
- شمشم جيدًا، ولا تترك العمال وحدهم بين أصابع الأسطى.
تقصف عنق الحاج النحيف، وأراد أن يتكلم، لكنه منعه:
- اسمعني جيدًا، يا حاج عبد النبي. اذهب غدًا إلى عملك، ولا تدع لغيرك فرصة التلاعب بالعمال على هواه.
ركَّز عليه عينيه، وجاء صوته الرنان، الطافح بالوعود:
- ستصبح أسطى، يا حاج عبد النبي، عمَّا قريب.
رسم على شفتيه ابتسامة مقصودة، ثم نظر إلى أولاد عوض:
- أما أولاد عوض الثلاثة، فإياهم أن يذهبوا إلى المصنع! وإذا سمعت أن قدم أحدهم وطئت عتبته قطعتها! اقعدوا في مزرعة أخيكم الأكبر.
ارتج الأخ الرابع كالطبل.
- ناموا، وارتاحوا، ولا تفعلوا شيئًا. ستصلكم أجوركم كل يوم، وأنتم في أتم راحة. هذا كل ما هنالك، هيّا، دعوني وحدي الآن.
نهضوا جميعًا، وراحوا ينحنون: قبّل كل منهم يده، وأدناها من جبهته.
لم يتحرك الهيثم، عندما انغلق الباب، نظر إلى البيك، وابتسم.
قال البيك:
- لا أحب الثرثارين.
- ولا أنا.
سحب من نارجيلته نفسًا مديدًا قبل أن يضيف:
- الحاج عبد النبي ثرثار، لكنه ثرثار نافع!
قهقه الهيثم حتى سمع البيك يقول:
- سيجن جنون الباشا عندما يعلم أن أولاد عوض لم يعودوا إلى العمل.
التمعت عينا الهيثم الخبيثتان:
- سيرسل تهديداته بالمجان.
ابتسم البيك:
- وماذا سنفعل بها؟
- سنبيعها بثمن باهظ.
ابتهج البيك:
- بدأت تفهمني.
قهقه الهيثم من جديد، وقال:
- أنت فرعون، وأنا...
أوقف قهقهته، فعم الصمت. غضن البيك جبهته، فسأله:
- ماذا هناك، يا بيك؟
- سيهدد الباشا أول وثانيًا ثم ثالثًا... دون أية فائدة. إن أولاد عوض هم أولادي، هل تفهم؟
سكت قليلاً، وهو يستطلع الأحداث، ثم عاد إلى الكلام:
- هم أولادي.
انتظر قليلاً قبل أن يضيف:
- وبعد أن يعلم الجميع بأمر التهديدات...
نشق، فأخذ الهيثم الكلام: ستقتل واحدًا من أولادك.
قال الآخر بسرعة:
- ستتكلف بالأمر.
أضاف بسرعة:
- أوكل إليك الأمر.
رفع الهيثم حاجبيه بلا دهشة، ثم خفضهما.
قال البيك:
- أما الباقي، فدعه لي.
أضاف بصوت واطئ حازم:
- استطاع الباشا الوقوف في وجه أبي، أما أنا...
انفرجت شفتاه، وامتد خط دبق طويل في شق دقيق.
* * *
كانت الجثث في كل مكان ذهب ماريك وموزارسكي إليه، جثث رجال، وجثث نساء، وجثث أطفال. رفع الصديقان رأسيهما إلى الذين كانوا يلقون بأنفسهم من النوافذ، وشاهدوا قتل الناس لبعضهم البعض، وبشتى الطرق، ولم يحولوا دون مصرع البعض لأجل علبة سردين أو غطاء. حتى الجرذان التي لا تجد شيئًا تأكله انتحرت معًا وبالعشرات.
- زرنيخ!
كان صوت البائع الجوال يأتي من بعيد، وكأنه يأتي من ليل القرون الوسطى.
- زرنيخ! علاج ناجع وفعال!
رأياه وهو يتقدم تحت مصباح يبذل ضوءًا أصفر ضعيفًا.
- زرنيخ!
ورأيا امرأة تمسك بيد طفلتها، وتركض لتشتري من الرجل قارورتين، ثم ذهبت إلى زاوية لا جثث فيها، وجعلت طفلتها تجرع السم الناجع والفعال، فسقطت على الأرض ميتة في الحال. جذبتها إلى صدرها، ونهلت مر الدمع، وبحركة عصبية، أفرغت القارورة الثانية في جوفها، وماتت هي الأخرى في الحال.
علا صوت الشيطان:
- علاج ناجع وفعال!
ابتعد الصديقان، وهما يسمعان من ورائهما خطوات المشترين العجلى.
- زرنيخ! زرنيخ!
مضت بهما شاحنة عسكرية مبرَّدة، جمعوا فيها بعض الجثث التي اختاروها بعناية، فصعد بينها ماريك وموزارسكي، وأخذا يبحثان عن ماريشيا وبولينا. كانت الشاحنة تتوقف من وقت إلى آخر، ليرمي الجنود الألمان فيها بعض الجثث الأخرى. وفي كل مرة، يتصنع الصديقان الموت لئلا يكشف أمرهما. في إحدى المرات، رمى أطفال الفوهرر بجثتي الفتاتين الشقراوين، فاحتضن كل من ماريك وموزارسكي حبيبته، وأخذا يبكيان. حملاهما، وقفزا بهما من الشاحنة العسكرية المبرَّدة، فوجدا نفسيهما أمام ماريشيا وبولينا في لباس الجندية، وهما تهددانهما بإطلاق النار. كاد الصديقان يفقدان عقليهما، وهما يجيلان نظرهما في ماريشيا وبولينا الميتتين بين أذرعهما وماريشيا وبولينا الجنديتين الألمانيتين. تركا الجثتين تسقطان أرضًا، وهبا لاحتضان الجنديتين، لكنهما أطلقتا الرصاص بين أقدامهما. رمتاهما في سيارة عسكرية، وأخذتاهما إلى مقر الكولونيل هينز.
* * *
ضاعف الحصان العدو، والبيك يضربه بسوطه على كشحيه، في الطريق الترابي، كان يريد الوصول إلى مزرعة الخواجا داوود بأقصى سرعة. وفي الليل، سحر غريب: نجوم ألقة نثرتها يد شفة على وسائد الغيم، والشجرات الوادعة أطلت على مقربة.
صاح أحدهم:
- من هناك؟
عندما توقف الحصان قرب الحاجز، قال البيك لاهثًا:
- الخواجا بانتظاري، دعني أمر.
جاء الحارس، وتقدم ليعرف الفارس الذي كان على وجهه لثام:
- من أنت؟
- لا تكثر الكلام، اذهب، وأعلم سيدك، فسيعرف.
تردد الرجل ثم قال بنبرة مطلقة:
- لا داعي لذلك بما أنه سيعرف.
رماه بنظرة متفحصة، وفتح له الطريق قائلاً:
- تقدَّم!
تقدَّم البيك بالحصان، وصار في مزرعة الخواجا داوود.
قال الخواجا مبالغًا الاحتفاء بالبيك:
- أهلاً وسهلاً، يا بيك، أهلاً وسهلاً في دارك الصغيرة!
فتح ذراعيه، وأشار إلى أريكة من الجلد السود:
- كنت بانتظارك.
اعتذر البيك:
- تأخرت عليك، كانت لدي بعض الأشغال.
ردد الخواجا:
- ما في شك، يا بيك، ما في شك!
وسكسوكته الحمراء تهبط وتصعد مع حركة حنكه.
- لهذا تجدني على عجلة من أمري.
أخذ الخواجا نفسًا طويلاً، وهو يجلس إلى جانب البيك، وأسند ظهره. مسح صلعته وقليل الشعر الذي له، وأسقط نفسه في ثوب الجد:
- كلي آذان صاغية إليك، يا بيك...
استدار البيك، وقال:
- الأمور بسيطة: لقد فشل الإضراب، وأنت لا شك على علم بذلك (هز الخواجا رأسه) القرية لا تهتم بمصرع اثنين من سكانها كما توقعنا. تمردوا في أول النهار، وباقي الوقت قضوه في المقهى، بالطبع، باستثناء عمال أرض الباشا ومصنعه الذين عادوا إلى عملهم كالعادة. الباشا إبراهيم يهدد، إذا لحقه الأذى، أدنى أذى، جعلها نارًا تصل الأرض بالسماء. الأمور حتى الآن...
أوقفه الآخر بحركة آمرة من يده، فانصاع البيك. أعاد الخواجا بشيء من السحر، وكأنه قضى زمنًا طويلا في البحث عن هذا:
- الباشا إبراهيم يهدد، إذا لحقه الأذى...
ابتسم بدهاء، ونهض كغراب عجوز محنك، وهو يلتفت حوله بانتباه. نقل صندوق سجائره الصدفي، وقدمه منه:
- سيجارة، يا بيك.
وأشعلها له.
- الأمور حتى الآن جيدة، يا بيك، فما الذي يزعجك؟
نفخ البيك السيجارة، ولم يقل شيئًا.
فكَّر: قتل واحد من أولاد عوض أمر لا بد منه.
لم تمح ابتسامة الدهاء التي تحوم دومًا على شفتي الخواجا الجافتين.
- أم أنك عدلت عن رأيك؟
رفع البيك رأسه استغرابًا:
- عدلت عن رأيي؟
ضحك الخواجا:
- إذن؟
- لا تستهن الأمور، يا خواجا.
انحنى الخواجا، وخنّ:
- لا، يا بيك، أبدًا!
اعتدل، وهو ينظر إليه، ثم سأله:
- ويسكي أم كونياك؟
- لا شيء.
تمهل الخواجا قبل أن يقول:
- ليس من الصعب أن تصبح باشا، يا بيك.
سكت ليفحص أثر كلماته عليه، وبعد قليل أضاف بابتسامته المحومة على شفتيه الجافتين:
- إذا كانت رغبتك.
لحظة، لحظتان، وامحت ابتسامته.
قال الخواجا مطمئنًا إياه:
- دع مستر كلارك علي أنا، والمندوب السامي أيضًا إذا احتاج الأمر، هذا ما وعدتك به أكثر من مرة، دع كليهما علي أنا!
فتح خزانة زجاجية، وأخرج زجاجة ويسكي وقدحين:
- أنت مصمم على عدم احتساء قدح صغير معي؟
انتظر جوابه، ثم حرك رأسه مشجعًا، فقال البيك:
- إذا أردت.
رفع الخواجا الزجاجة إلى مستوى رأسه، وقال باختيال:
- عمرها عشرون عامًا.
وضع القدحين على الطاولة القصيرة، وصبَّ الويسكي فيهما. أقفل الزجاجة، وقدم إلى البيك قدحًا:
- بصحتك، يا باشا!
مضت كلمة الباشا كالبرق في عينيه:
- هذا أمر سابق لأوانه.
مال الخواجا على جانبه، وأصر:
- ومع ذلك، بصحتك، يا باشا!
دقا قدحًا بقدح، وأخذا جرعة.
سعل الخواجا، وجلس مقابل البيك. تأمله بعينين كثقبين، ثنى رأسه، ثم تنهد:
- النار...
وسكت.
صرّ صوته المخن:
- النار التي سيجعلها الباشا إبراهيم تصل الأرض بالسماء شيء جيد، يا بيك. ولكن كيف؟ الباشا إبراهيم لا يجسر على إشعالها كما يدعي. أنا أعرفه (وقّع كلماته) إنه جعجاع خداع... مدع! لهذا، ابدأ أنت بإشعالها، يا بيك. ابدأ أنت الأول. ليس في أرضه، وإنما في أرضك. هددك الباشا بإشعالها، أليس كذلك؟ إذن أشعلها أنت، وستقول للجميع إن النار هذه من فعل الباشا، ثم ستحرق أكواخ ومحاصيل بعض القرويين، وهنا أيضًا سترمي بالمسئولية على عاتق الباشا إبراهيم: ستقف القرية إلى جانبك ضده. عند ذلك يأتي دور النار الكبرى التي تصل الأرض بالسماء، ليس في أرضك أو أرض غيرك، وإنما في أرض الباشا إبراهيم. لا داعي إلى أن تشعلها أنت، ستجد عشرات غيرك على استعداد لإشعالها بدلك انتقامًا منه. وسيكون بإمكانك أيضًا أن تنسف الآبار وخزانات الماء وأسوار بيارات البرتقال، وفي الأخير أن تنسف الباشا إبراهيم نفسه. سنقول لمستر كلارك هذا من صنع الفلاحين، وهم على صواب، بعد أن شردهم الباشا إبراهيم، وحرق أراضيهم وأكواخهم. بعد كل هذا، ماذا سنفعل؟ سنأتي بك باشا على الجميع، سيدنا كلنا، سيد...
قطع حديثه فجأة، وهو يرفع إصبعًا وحاجبًا إلى أعلى:
- أمر آخر: عمال المصنع. هل فكرت في خطورة عمال المصنع إذا اتحدوا ضدك؟ هل فكرت في هذا؟ شخصيًا، أنا لا أريد سوى منفعتك والسلام معك.
أراد أن يقول له إن الحاج عبد النبي يعمل بينهم، لكنه فضل الإصغاء إليه. لم يقل الخواجا أي شيء آخر، فحثَّه البيك على المتابعة:
- ماذا عن عمال المصنع؟
قال الخواجا:
- دع أمر عمال المصنع علي، ولا تبدأ بإشعال الحريق إلا عندما أقول لك. نريده حريقًا هائلاً يصل الأرض بالسماء... تمامًا كما يشتهي الباشا إبراهيم!
* * *
اتهم رجال الغستابو موزارسكي وماريك بقتل الفتاتين الشقراوين، فهما برأيهم قادران على ذلك، لأن المرء الذي يقدر على التهرب من بناء الجدار يقدر على فعل كل شيء، والمرء الذي يقدر على المشاركة في جرم التهريب يقدر على ارتكاب أكبر جرم. بدأوا بتعذيبهما، وهما ينفيان التهمة عنهما، ولم تنفع معهما لا الكهرباء ولا الحديد ولا الماء. عندما قالا إنهما محاميان، يعرفان القانون أكثر من أي شخص آخر، وإنهما سيذهبان إلى المحاكم، ضحك رجال الغستابو منهما، وعادوا إلى تعذيبهما، وعندما قالا إنهما صديقان لصديقة للكولونيل هينز، أجفلوا، وسألوا عن اسمها.
أجابا:
- ماغدلينا أنييليفيتش.
توقفوا عن تعذيبهما في الحال، ووضعوهما في زنزانة كان فيها بعض الصبية الذين يأكلون ألواحًا من الشوكولاطة، ومن وقت إلى آخر كان النازيون يأتون لاصطحاب هذا أو ذاك.
انتظر ماريك وموزارسكي ساعة أو أكثر إلى أن حضر الكولونيل هينز بنفسه من أجل إطلاق سراحهما. اعتذر لهما عن كل ما جرى، وقال إن رجاله اضطروا إلى الذهاب عند الممثلة الشهيرة ليتأكدوا من صحة كلام الصديقين، لهذا تأخر قراره الذي اتخذه في صالحهما لئلا يغضب منه شكسبير، وانفجر ضاحكًا، ثم توقف عن الضحك فجأة، فعرفا أن من واجبهما مشاركته في الضحك، وعند ذلك، انفجر ثلاثتهم ضاحكين.
* * *
سقط كل شيء في هدوء الليل، وأصغى: طائر الليل. سمع الأنغام النقية نقاء الماء. كانت تشغله دائمًا عودة رقية. نبش إسحق الظلام بعينيه، ولاحظ أن لا ضوء على شباكها ولا حركة.
فكر: ربما عادت والأسطى عنده. لم يكن متأكدًا. أحس بالاختناق، وقد ضاق فجأة، وضاقت أنفاسه، رغم النسمة المنعشة. رفع رأسه إلى السماء: كانت الغيوم تعوم، وهي تمضي بنصف القمر، وكان شعاع ثلجي يصب في عينيه. عندما تناهت إليه أنغام طائر الليل من جديد، التفت إلى شجرة السرو العجوز، ودار من حول بيته: كان كوخ عواد هناك، والزريبة. خطا باتجاهه خطوتين، وهو يفكر في كأس الشاي التي عرضها عليه عواد، لكنه توقف. لم يكن هناك ضوء ولا حركة، تمامًا كما هو عليه في سائر بيوت القرية.
فجأة، هز قلبه حبه لها، لقريته المطمئنة، لشجرات الحور، لسمك النهر، وللأثلام الحمراء. أحس أنه بحاجة إلى رقية ليبكي بين ذراعيها، ليترك دموعه تسيل، ليعرف حقًا لماذا يبكي، ليضحك، ليعرف حقًا لماذا يضحك.
عاد أدراجه، وحاذى البحيرة. كان يحب الماء بقدر حبه لرقية، وكان يحب أبا رقية، رغم أنه أجر أرضه للخواجا، وخالة ميريام، وأنفاس عواد، والأسطى، وشجرات الحور! انسابت الكلمات من شفتيه:
قريتي يا مِيْة هوى
يا مِيْة صبابة وألف شوق
يا قريتي!
كان نفسه ساخنًا. جلس على حافة البحيرة، وأغرق أصابعه فيها. دنّ من جديد: قريتي يا مِيْة هوى! فكر: ماذا يريدون من قريتي؟ كان يعرف تمامًا دون شرح الأسطى. سيأخذون منك كل ما هو لك، هذه البحيرة الصغيرة، وهذا الفضاء الرحب، وبيتك، وحصانك، والمنحدر، وشجرات الحور. سيأخذون أرضك! اهتزَّ، وأججه الغضب.
الأرض... يا إلهي!
فرش أصابعه على الضفة الرطبة، ثم أولجها في الطين، وراح يعجنه. وعجن الليل، والأنسام، وأنفاس الشجر. فاح عطر الأرض، وتصادت أنغام طائر الليل. أطلَّ بين أصابعه التاريخ، واندمج معه. كان أكثر من أي وقت مضى قربًا من الأرض. كانت الأرض تختلج في عروقه، وهو يختلج في عروقها. أحس أنه ينبت في أعماقها، وهي تنبت في أعماقه. لم يعد يخاف على فكرة أن يمكن لأحد انتزاعها منه. لم يعد في العالم سواهما: هي وهو. وها هو يفكر: وحدنا، نحن الاثنين! تردد: وحدنا، نحن الاثنين! وفجأة تسارعت أحلامه: أن يشتري محراثًا جديدًا، وديكًا له تاج أحمر، وأن يغني في المساء. عاد يغني:
قريتي يا مِيْة هوى
يا مِيْة صبابة وألف شوق
يا قريتي!
نهض، عملاقًا، وثلج الليل يندف على كتفيه. أحس بعلاقته المكينة بالماء: هذا الوجه الأبيض الذي يبتسم له، ويدعوه، فيتجلى قلبه من الفرح، مشعًا كالصباح الهارع فجأة، مدغدغًا رغم الظلام.
اشتعلت رغبة متبادلة بينه وبين الماء: أن يداعب كل منهما جسد الآخر، أن يعانق كل منهما الآخر. نزع إسحق ثيابه، ووقف بطوله الفارع عاريًا، كالماء، كالليل، كأمه لما كانت صغيرة، كشجرات الحور. ألقى بنفسه في البحيرة، فعلا به الموج، ثم هبط، قبل أن يتدفق على الضفة... تمامًا كعضلات إسحق التي تنطوي وتنبسط في غمرة الموج.
يا إلهي! كم كان ذلك منعشًا! كان يغمر ذراعيه، ويغمرهما من جديد، إلى ما لا نهاية. وكان ينثر الماء، وينثره من جديد، إلى ما لا نهاية. غطى الرذاذ جبهته، وسرى غدير في حاجبه. كان الله ينظر إليه مبتسمًا، ورمشه يكتحل بالغيوم. وكان القمر العاشق، ابن الله، يخضع له بطاعة. هذا ما كانه الموعد السماوي الذي تتكلم عنه الأساطير! وبقي إسحق ينثر الماء، وهو يقترب رويدًا رويدًا من الضفة الأخرى. وعلى الضفة الأخرى، كانت بانتظاره... شجرات الحور. انتصب لاهثًا، وجسده يتلألأ بألف نجم. كان سعيدًا.
لم تكن لديه سوى رغبة واحدة: أن يعود إلى الماء، لكن هناك حركة ما بين سيقان الشجر. خطا متفقدًا المكان، فذهبت الحركة السرية بسرعة. أخذ إسماعيل يجري والكلب من وراء الشجر بعد أن شاهدا كل شيء: الموعد السماوي، وحقيقة إسحق. وعلى الرغم من ذلك، ظل إسماعيل يجري. أحسَّ أنه يضل الطريق، لكنه ظل يجري. قذف إسحق بنفسه مرة أخرى في البحيرة، وقطعها إلى حيث وضع ثيابه. وهو يرتديها، سمع خطوات على الطريق الترابي، فصاح:
- من هناك؟
جرى عاري الصدر، والماء يقطر من شعره.
جمد عندما رآها، وهي بدورها جمدت. أخذ قلبه يخفق بحدة حتى طغى الوجيب على مسمعه. إنه قلب العاشق الذي اشتعلت فيه براعم الورد الأحمر! نظر إليها، إلى جسدها الجميل، وإلى شالها الأبيض، وقال لنفسه بين حيرته ولهفته: ها هي ذي رقية تعود! تركت شالها يسقط، ورنت إلى تلك القامة التي تفوح برائحة الماء. وبين غيابها وصحوها فكرت أنه لا يمكن لها أن تجد مرتعًا إلا على صدره، وقوة إلا بين ذراعيه، عندما تنفتل عضلاته حولها كالحديد. عند ذلك، ستخطئ الحساب لو رنت إلى جمالها في المرآة دون أن ترنو بالأحرى إليه في عينيه. أعطته ظهرها، وغذت خطاها، فناداها مترددًا:
- رقية!
وجذبها إليه، وهي تلهث. لم تمانع، لم تصح، لم تدفعه عنها بعيدًا، لكنها بقيت تنجذب إلى صدره، وهي تلهث. ذهب بها تحت السلسلة، فألصقت خدها على ثديه، وداعبت زنديه. سقطت قطرات ماء من شعره على شفتيها، فرفعها من ذقنها، وغاص في عينها السوداوين: الليل الألق كله كان هناك، كان ملاذه وصلاته.
أبهج شعاع الثلج نظرتها، فاقترب بشفتيه، وأحس بشجرة تفاح تهتز بين ذراعيه. كان على وشك أن يقضم التفاح لكنه دفن وجهه في نهدها، وتنسمها. عانقها، رفعها قليلاً، وماج في خصرها كما ماج الماء في خصره. لم يشأ إفلاتها. وهي؟ كانت تغوص في قلبه. وهو؟ كان يحس بانتفاض نهدها، بلحمها، بذراعيها حول عنقه. كان يحس بأنه اكتمل كالفلاح ومحراثه، كالشتاء والمطر، كالأرض وخطوات عواد، كان يحس بأنه اكتمل. ذاب في عينيها السوداوين، وجيدها البض الأسمر. نثر شعرها، وتنسم فيه رائحة الحشيش وخشب الجوز.
سألها:
- ماذا دهاك؟
فكر: أبسبب الليل تبدي حبها لي أم لتتحاشى أسئلتي؟ نهبه الضجر فجأة، فابتعد. عند ذلك، أتاه صوتها كالفاكهة الذائبة في السكر:
- أحبك، يا إسحق!
لكنه أحدَّ نظره في الأفق البعيد، ولم ينطق بكلمة. تركته، وهذه الكلمات تذبحه:
- لا تنسنى، يا إسحق!
جاءها لهفًا، موجعًا، كمن حش أحدهم كبده بسكين، ورأى دمعة كحبة المطر تسقط من عينيها.
- إياك أن تنساني!
أرعبه الطلب، فوقف ذاهلاً، ضائعًا، لا يدري ما يفعل.
أضافت:
- سقطت رقية من بين ذراعيك!
سالت دموع إسحق. لفت نفسها، وراحت تغذ الخطى نحو المنحدر.
* * *
رافقت الجنديتان الألمانيتان ماريشيا وبولينا الصديقين في سيارتهما العسكرية حتى باب العمارة التي تسكن فيها ماغدلينا. عرضا عليهما الصعود لأخذ كأس من الجعة، فاعتذرتا بسبب عملهما الليلي.
- نحن نعمل في بناء الجدار، أوضح ماريك، وغدًا ننهي عملنا على الساعة الثالثة بعد الظهر.
- لا أحد يحبنا هنا، قالت ماريشيا، وهي تبتسم.
- هذا صحيح، فلا تأتيا بلباسكما العسكري، قال موزارسكي.
أشار ماريك إلى النجمة السداسية التي على ذراعه الأيمن، وقال:
- سنتدبر أمر إخفائها، فلا تخشيا شيئًا.
أطلقت الجنديتان ضحكة عذبة.
- إذن اتفقنا، قال الصديقان.
- ولكن أين سنلتقي؟ سألت ماريشيا وبولينا.
- سنلتقي أمام الكنيس، قال موزارسكي، وهو يمسك بولينا من يدها.
- بعد ذلك، سنتدبر أمر الذهاب إلى وارسو، قال ماريك، وهو يمسك ماريشيا من يدها.
- سندعوكم إلى شرب كأس من الجعة في أحسن بار كان للمحامين هناك، أضاف ماريك.
ركبت الجنديتان الألمانيتان سيارتهما العسكرية، وهما تبتسمان، وتشيران إلى الصديقين بيديهما مودعتين، وغادرتا المكان.
فوق، فتحت ماغدلينا الباب لماريك وموزارسكي، وأدخلتهما، وهي تضمهما، وتقبلهما، والدموع تسيل من عينيها. عندما جاء آدم مردخاي، انقضا عليه، وكانا على وشك القضاء عليه لولا تدخل ماغدلينا.
قال مردخاي ليبرر فعلته:
- لا مكان للحب في قلوبنا اليوم، الحب غدًا، أما اليوم، فللمهمات التي من الواجب القيام بها من أجل إنقاذ شعبنا.
* * *
قطع إسماعيل الحقل حتى كوخ الحارس، ظن أن بعض الهمسات تأتي من الحظيرة، فاقترب منها، لكن السكون كان ثقيلاً. وجد باب الكوخ مغلقًا، والظلام دامسًا. وصل قرب العتبة، والكلب يشرد هنا وهناك. كأنه عالم موتى! اشتد خفقان قلبه من أجل الصغيرة. في الأخير، تراجع، وهو يشد عنه الظلام مبعدًا، واخترق الشجر. عندما التفت، أنار الكوخ نور خافت، وظهر خيال من وراء الزجاج، ثم انفتح الباب. كان الحارس عاري الفخذين، في قميص مفتوح على الصدر حتى منتصفه. كنس بنظره الحقل، وجذوع الشجر. وهو يفكر أن لا أحد هناك، عاد أدراجه. أقفل الباب، وأطفأ الضوء.
سحب إسماعيل الكلب من طوقه، وقرر العودة إلى القصر. كانت سيارته بانتظاره على حافة الطريق، ركبها والكلب إلى جانبه. ترك القرية من ورائه، واجتاز سور القصر إلى الباحة. فتح باب حجرته الموصد بمفتاحه، وسارع إلى الدخول، ثم عاد يوصده بالمزلاج. أشعل الضوء، ووجد الباشا إبراهيم يجلس على كرسي بانتظاره. تفجرت عيناه، فأطلق الباشا إبراهيم قهقة طنانة، وقال:
- للباشا تخر الجدران، وتحل الأبواب الموصدة!
كان يجلس بثياب السهرة، بأبهة وعظمة.
- وزيادة على ذلك، أنا أبوك، إذن، أنت لي، وحجرتك لي، وكل ما تملك!
بقي إسماعيل متسمرًا في مكانه، يحدق في أبيه عبر أجواخ الظلال، وكم يجده بشعًا.
- تقدم!
- ماذا تريد؟
- دمك!
انقض على أبيه، وجذبه من خناقه:
- أيها المجرم! أيها المجرم!
تشعث شعره، واهتز، ولهث. كان الباشا إبراهيم يقهقه، وكأن إسماعيل يدغدغه. فجأة، أصاب إسماعيل العياء، خر على قدميه، وهو يئن. ركله الباشا إبراهيم، ودفع عنقه تحت حذائه. قبض على سكين، ورفعه إلى أعلى، إلى أعلى ما يكون، وهو يفح بنابين مندفعين:
- سأذبحك! سأذبحك!
تخبط إسماعيل، وهو يصرخ حتى انشلت حركته تمامًا. ذرب إبراهيم الشفرة على عنقه، فنضحت الدماء. ندت عن إسماعيل بحات هلع، وهو يخبط بيده على السرير. سقط الغطاء عن قدميه، والعرق كحبات المطر من جبينه! وفي الوقت نفسه، تسللت إلى الحجرة طرقات حذرة. كان إسماعيل لم يزل يتلوى في فراشه، وصوته المتهالك يصل ضعيفًا إلى سارة المنحنية قرب الباب في قميص نومها وشمعدانها بيدها. طرقت الباب طرقًا أعلى:
- إسماعيل!
نهض دفعة واحدة دون أن يبارحه الرعب:
- من هناك؟
سارع إلى إشعال الضوء، ويده على عنقه، ليرى إذا كان أبوه بالفعل هناك، فلم يعثر على أحد. والدم؟ والسكين؟... لا شيء سوى ابتسامة أمه الميتة من فوق السرير. مسح عرقه، وفقد توازنه. جاءت الطرقات من جديد، فنهض بحذر، وأرخى السمع.
- هذه أنا، افتح!
سحب المزلاج بسرعة، وتحرك مع الباب: جامدًا، محدقًا في نقطة ظلت مظلمة كالنقطة المبهمة في ضمير الكون. منذ قليل كانت هنا، في حجرته، في هذه الحجرة، مقصلة كان ضحيتها، وأبوه الجزار. قطع له أبوه حنجرته، فأغرق الدم العالم. خطت سارة خطوتين، ووقفت قبالته نصف متحيرة، نصف متهيبة:
- صرخت منذ قليل، فأتيت لأرى. هل أصابك مكروه؟
أقفل إسماعيل الباب، واتجه إلى وسط الحجرة. بقي يعطيها ظهره... وضعت الشمعدان على البوفيه القصيرة، وسألت من جديد:
- هل هذا بسبب يدك الجريحة؟
رفع يده بآلية كما لو كان يريدها أن تفحص الضماد، انتزعه، وكشف عن يد شدتها سارة إلى صدرها. ارتعش إسماعيل، وهو يحس بثقل النهد، واستدارته، وانتفاضته بين أصابعه. فتحت شفتيها قليلاً، والتصقت به. كانت على وشك معانقته، وعض عنقه. آه... كم كانت تشتهيه! لكنه سحب يده، واندفع خطوتين إلى الأمام.
قال:
- كان كابوسًا، هذا كل ما هنالك.
حنت سارة رأسها لجفاف نبرته، وظلت صامتة. بعد قليل، سألت:
- ماذا كان... كابوسك؟
نبر:
- لا شيء! لا شيء يهمك!
استدار فجأة، وقال محملقًا، مذعورًا، متمثلاً المشهد من جديد:
- بلى! يهمك...
شحب وجهه، وقال:
- ذبحني أبي... هذا ما حلمت به.
تعجبت:
- إبراهيم!
ورفعت أصابعها إلى فمها.
- نعم، إبراهيم!
قهقه كالمجنون. جذبها من ذراعها، وأدناها من المكان الذي أسقطه أبوه فيه. كانت تفغر فمها بينما هو يهمهم:
- دمي! هذا دمي! قتلني أبي هنا منذ لحظة!
انتصب، ونبر:
- لكنني لم أزل حيّاً!
رمت يدها على صدرها، وخفضت رأسها، وهي تهمهم بمرارة:
- ويلاه!
قهقه من جديد. فجأة، أطبق فمه، وجلس على كرسي ذي ذراعين. نصب عنقه، وقال:
- طالما ادعيت بأن لا ذنب لك، حان الوقت كي تثبتي لي ذلك. سأبرئك من دم أمي مقابل كفارة، كفارة صغيرة.
تقدمت منه، وشعرها المشعث يعمل هالة من حول وجهها:
- ماذا تريدني أن أفعل؟
- كفارة صغيرة...
رفع حاجبيه نحو صورة أمه، وانبسطت تعابيره. فجأة، اكفهر:
- أن تقتلي الباشا.
صاحت:
- أن أقتل الباشا!
قال بهدوء الراهب الذي يعترف إليه الآخرون:
- إذا أردت أن أبرئك.
ودون أن يرمش:
- إنه قاتل، يجب قتله!
ضرب ذراع الكرسي بعنف:
- إنه قاتل!
صمت.
بدت جامدة. مستسلمة. جفت شهوتها. رغبتها. وقف فجأة، وجري نحو الباب. دفع المزلاج، والتفت إليها. لمعت بسمة الموت على شفتيه، اصفر، وانطفأت عيناه:
- هل تعلمين لماذا أقفل بابي كل مساء؟
اسودت بالبسمة تعابيره:
- خوفًا من أن يأتيني ويذبحني خلال نومي.
رافق كلماته بصوت أحدثه لسانه، وبحركة يقلد فيها شفرة سكين تهوي. اجتاحه القلق، وثقل كتفاه:
- ومع ذلك، استطاع الباشا إنجاز فعله، نحرني عكس ما جاء في القرآن.
ارتمى بين ذراعيها:
- الذي بين ذراعيك ليس أنا.
قبلها من شفتيها:
- إنها جثتي.
انفجر يبكي، وهي تجذبه من شعره جذبًا خفيفًا. فتح عينين حمراوين راجيتين:
- اقتليه، ورديني إليّ. أنت تستطيعين ذلك، أما أنا، فلا، لقد قتلني منذ زمن طويل.
داعبت وجنتيه، وهي شاردة، وراحت تمسح دموعه.
- لن أدين لك بالشكر وحدي، بل وكثيرون غيري... كثيرون... هل تسمعين؟
تأوهت، وقالت:
- نسيت أمرًا واحدًا.
وسكتت. بقي يصغى، وهو يحترق في جحيم أن يعرف ماذا نسي. قالت:
- إنه الباشا!
قفز:
- وماذا يعني ذلك؟
اتجهت إلى الشمعدان:
- اسأل أمك، لربما وجدت الجواب.
التفت كلاهما إلى الصورة.
* * *
سار آدم مردخاي في الأقبية، ومن ورائه الصديقان، وثلاثتهم يحمل كل منهم مصباحًا. كانت الأقبية تفتح على بعضها، وهي تبدو كالمتاهة، ولكن الدليل كان يعرفها معرفة دقيقة. كان ينتقل من أحدها إلى الآخر دون تردد، ولم يكن يبدو عليه الخوف من مفاجأة الجيش الألماني لهم. كانت الجرذان تقفز بين أقدامهم، تهاجمهم أحيانًا، وأحيانًا تنظر إليهم متسائلة عن سبب وجودهم في ديارها. مضوا ببعض البجع السوداء، ورأوا بعض السحالي الغريبة، فتقدم مردخاي منها، وراح يفحصها تحت ضوء مصباحه. حمل إحداها، وداعبها قليلاً بإصبعه، ثم تركها على باب ثقب يأتي منه ضوء القمر. نظر من الثقب إلى القمر، ثم نظر إلى ماريك وموزراسكي، وقال:
- نحن على وشك الوصول.
وعلى الرغم من ذلك، لم يخرجوا من الأقبية إلا بعد أن مضوا بمجاري وارسو، واحتاجهم ذلك إلى أكثر من ساعة. في الأخير، وجدوا أنفسهم في أرض واسعة قطعوها إلى طرفها الآخر، وعندما أطلوا من وراء ردم، رأوا قافلة كبيرة من المقطورات تنام في العراء. أضاء مردخاي مصباحه، وأطفأه عدة مرات، وإذا بأحدهم على بعد مائة متر يضيء مصباحًا، ويطفئه هو الآخر.
- إنه رجلنا، قال مردخاي، وهو يبتسم.
عجل ثلاثتهم الذهاب إليه، وعندما وصلوا إلى حيث كان واقفًا، عرف الصديقان فيه تحت ضوء القمر واحدًا من الغجر بعين سليمة وأخرى معصوبة.
- هذا أحمدان، قال مردخاي لرفيقيه، وهو من غجر الكوسوفو. وهذان هما الصديقان اللذان كلمتك عنهما، قال مردخاي لأحمدان.
- كل شيء هناك، قال أحمدان، وهو يشير إلى عربة مغطاة بالغشايات الكتيمة.
ذهب بهم إلى العربة، وكشف بيد قوية عن صناديق الديناميت، وشتى أنواع الأسلحة.
- سنأخذ صندوقًا، قال مردخاي.
وفي الحال حمله الصديقان.
رمى أحمدان فوق الصندوق ثلاثة مسدسات وثلاثة أسلحة أوتوماتيكية مع علب رصاصها:
- في المرة القادمة، إذا طلبتم حتى الدبابة أحضرتها لكم. كل أسلحة يوغوسلافيا تحت إمرتنا.
- شكرًا كثيرًا، قال مردخاي.
أخرج من جيبه حفنة من الدولارات أعطاها للغجري الذي قال:
- فليأخذ كل منكم بزة ألمانية هدية من عندي.
سار بهم إلى عربة أخرى، وكشف عن بذلات ألمانية عسكرية من كل المقاييس وكل الرتب. قال مردخاي لماريك وموزارسكي:
- خذا بزة المقدم، فهم كثر، وسوف تضيعان بينهم. أما أنا، فبدلة الجنرال.
أمام نظرة التساؤل التي أبدياها، أوضح:
- لأنني لن أرتديها إلا في اللحظة القصوى التي تفرض فيها الظروف علينا القيام بالدور النهائي.
* * *
زحف السحاب، ولف القرية بشال الغيم. تدفق بحر العتمة، وأكثر ما تدفق في أزقة القرية المبلطة، وفي حفرها، وعلى عتبات البيوت. ومن بعيد، جاء أحدهم، وهو يحمل مصباح كاز، وأضواؤه الخافتة تتذبذب على وجهه. وفي صمت الأزقة، علا صدى الخطوات. لا أحد! لا أثر لمخلوق! بقي الرجل ينثر الأضواء الخافتة إلى أن وصل الساحة الكبرى للقرية. توقف قليلاً، ورفع المصباح مستطلعًا على مستوى وجهه. الهيثم. استدار إلى اليمين، وأخذ المنعطف، ثم ذهب باتجاه المقهى.
كان باب المقهى مجرورًا تمامًا، وكانت أضواء باهتة تتسلل من شقوق في جوانبه. رفعه الهيثم حتى خصره، ودخل منحنيًا، ثم أنزله بدفعة قوية من قدمه، والتفت.
دخان كثيف. ظلال كثيرة. ضحكات مختنقة. همسات خشنة. طرقات حجارة. خرير نارجيلات. أوقف صاحب المقهى عد ملاليمه ما أن وقع على الهيثم، وابتسم له ابتسامة الصنعة. تقدم الهيثم منه، ووضع المصباح على الطاولة.
قال الهيثم:
- أنتم ما زلتم تسهرون، وأنا نسيت هذه العادة.
رمى صاحب المقهى النقود جانبًا، وبحماس راح به مرحبًا:
- شرفتنا الليلة، يا الهيثم!
سأله:
- حتى متى تسهرون؟
سحب عن رأسه طاقيته، وقال بعتاب:
- نسيتنا، يا الهيثم! نسيتنا!
ابتسم الهيثم بذكاء، وقال:
- لم أمض من هنا منذ مدة.
- خير لا سمح الله؟
- كنت مسافرًا.
وربت على خده بلطف.
رد صاحب المقهى:
- نحن نسهر حتى آذان الفجر.
رفع الهيثم يديه، وهو يشير إلى أكداس الرواد:
- المقهى على ما يرام! كل شيء كما يجب! وأنت تكسب عيشك جيدًا!
قهقه صاحب المقهى، فرأى الهيثم لثته السوداء، والكهوف التي حلت محل أسنانه.
- ذكرناك أكثر من مرة.
أدنى فمه من أذن الهيثم، وهمس:
- لدي ما يعجبك فوق.
نظر الهيثم إلى حيث أشار، إلى علية الخشب. وفي اللحظة ذاتها، نزل رجل قذر الوجه سلمًا متآكلاً.
سأل الهيثم:
- ماذا هنالك؟
التفت صاحب المقهى إلى الرجل، وخاطبه بغلظة:
- هل انتهيت، أيها الأبله؟
هز الرجل رأسه بكلل، والتعاسة تبدو عليه، ثم جمجم:
- إنها بقرة لا تساوي قرشين!
بصق عدة مرات، مما سبّب الضيق لصاحب المقهى، والهيثم يسمع. انسحب الرجل إلى طاولة تسقط في الدخان، وضاع.
- أنت لم تصدقه؟
همس في أذنه مرة أخرى، كمن يوفيه سرًا:
- لا أخفى عليك... إنها فنانة!
رد الهيثم:
- أفضل أن ألعب قليلاً.
تناول عن الرف مجموعة من أوراق اللعب، وأعطاه ظهره، فتعلق صاحب المقهى بذراعه:
- أنت لن تندم على الإطلاق، ما عليك سوى أن تصعد، وتلقي نظرة.
تردد الهيثم قليلاً، وعيناه الذكيتان تومضان بحدة. ارتقى السلم بصعوبة، وعلا بنصفه، فرأى امرأة في الأربعين، شديدة السمنة، تفتح فخذيها العاريين فوق القش، سقط نهداها المترهلان في ثنيات بطنها، على وجهها أرطال من المساحيق مرشوقة بطريقة منفرة، وصبغت شعرها الشعث بالأوكسجين دون حذق. أشارت إليه كي يقترب، وهي تصطنع الغنج، لكنه هبط منزعجًا.
- ما رأيك؟
أخرج من جيب جاكيته صندوق سجائره، وأشعل سيجارة:
- أفضل أن ألعب الورق.
همهم صاحب المقهى:
- كما تريد.
والخيبة تبدو عليه.
رأى القهوجي، وهو يخرج من الدخان، فسأل الهيثم صاحب المقهى:
- قل لي؟
جاءه صاحب المقهى مسرعًا.
- من أين أتيت بها؟
علت ضحكة مختنقة في مؤخرة المقهى، وبقي صفيرها لفترة في الآذان. قال صاحب المقهى:
- إنه الخواجا داوود، قال لي إنها بولندية، فتشاركنا.
ربط القهوجي حطته حول كتفيه، وشد طرف قنبازه في حزامه. انحنى بين يدي الهيثم، وحيّاه بحرارة.
- والله زمان، يا سيدي الهيثم!
رفع الهيثم رأسه بزهو:
- ها أنا الآن بينكم!
راح القهوجي يردد:
- يزداد شبابًا سيدي الهيثم! يزداد شبابًا!
وهو يتأمل شعره المصفف، وسالفيه الطويلين.
- سأجلس هناك.
سار خطوتين، فسارع القهوجي يسأل:
- القهوة الحلال أم القهوة الحرام؟
التفت إليه وجبينه يتغضن للدعابة:
- القهوة الحرام.
صفَّق القهوجي، وهو يتلوى من الضحك:
- يا عيني على ذوقك الملوكي، يا أبا الهياثم!
وهو يتقدم من الرواد، كان فحيحهم يزداد ارتفاعًا، وضحكاتهم المختنقة القصيرة النفس، وكانت شتيمة تلقى من هنا وأخرى من هناك. عمل بعضهم حلقات حول بعض الطاولات، وبعضهم الآخر ارتمى على الأرض، وهم يلعبون الورق. كان من الصعب عليه أن يتبينهم بسبب الدخان. ميز صوت أبي سريع الأجش في جوف المقهى القصي، فتقدم منه، ووقع على شلة الصعاليك، كما يدعوها البيك. على الأرض. في جلستهم ذاتها. كأنهم لم يغادروا أماكنهم منذ قرون: أبو سريع والأعور ومصطفى الذبيح والأشقراني وداني عمران الخضرجي و... مأمور المخفر الذي كان يتربع بقامته الضخمة، وشاربه الخشن مثل فرشاة القنب. في فمه خرطوم النارجيلة، والورق في يده، والبندقيته ذات الماسورتين معلقة على كتفه. كان هناك أيضًا أبو الكسيح، علا فوق القش، ومد قدميه القذرتين في وجوههم متابعًا اللعب.
لم يشعروا بوجود الهيثم قربهم حتى آنذاك. هناك طاولة بكرسي مقلوب على الأرض، رفعه، وجلس. خفق ورق اللعب، وهو يرمي النظر إليهم بين حين وآخر. كانت عيونهم على أوراقهم، وكل واحد منهم ينتظر دوره بلا صبر. يد امتدت، وسحبت ورقة. كان على اللاعب إما أن يحتفظ بها، وإما أن يلقيها. تسلل في أجسادهم شيطان اللعب، فبدا كل واحد منهم بسحنته الشاحبة ضائعًا. كانت هناك مجموعات من ورق اللعب بلون واحد والعدد مختلف، أو بعدد واحد واللون مختلف، ثلاثًا ثلاثًا أو أربعًا أربعًا أو أكثر، مصففة ومرتبة على الأرض.
وعلى حين غرة، ضحك أبو سريع، وهو يفح، ويضرب بكفه ورقة رماها في الحريق:
- سيكون هذا الدور لي!
فتح عليه المأمور عينيه الحذرتين، وأخذ مصطفى الذبيح يشتم، وقد وهن عزمه. عندئذ، قال القهوجي:
- ها هو طلبك، يا سيدي الهيثم.
وضع على الطاولة نصف زجاجة خمر وكأس، وافرنقع.
رفع أبو سريع عينيه، وابتسم للهيثم، وهو يكشف عن أسنانه البارزة. همهم رجل عجوز من الطرف الآخر:
- يزعجني العودة إلى الدار، هذا كل ما هنالك.
وعبس، فعملت تجاعيده صليبًا بين حاجبيه. مسح الآخر لحيته الكثة، وقال بتثاقل:
- أما أنا، فليس هذا هو السبب، كبرت، وأنا لا أفعل شيئًا.
برز شاب شديد السمرة، متبلد الشعر، وهو يضحك، ويكاد يغشى عليه من شدة الضحك. قبض على عضوه، وراح يسحبه، ويقول:
- هكذا! هكذا!
انفجر ثلاثة معه ضاحكين بفظاظة.
قال الشاب، وهو يغص بين ضحكتين:
- حتى طريق القدس.
انفجروا يضحكون من جديد.
- وبعد ذلك؟
- أنقذه أحد الفلاحين.
ثم قبض على عضوه، وسحبه متنطنطًا حتى انقطعت أنفاسهم لشد ما ضحكوا.
- إنها كلبة مضجاعة!
- بل كلبة ذات شرف! بقيت تركض به، وهو فيها، حتى أذلته بين الناس جميعا!
تجشأ المأمور، ومسح كرشه. قال بصوته الضخم:
- لقد غلبتكم!
وضع أوراقه كاملة، وراح يجمع القروش التي ربحها. جاء أحدهم، وقال للهيثم:
- سنلعب سويًا.
بدا وجهه له غريبًا مع أنه يعرف الكل على التقريب. ومع ذلك، كان يعرفه. أين رآه؟ كان الدخان يتراكم هنا وهناك كالضباب. وتذكر: إنه الرجل الذي هبط من عند عاهرة المقهى منذ قليل. صاح أبو سريع:
- تعال، يا الهيثم.
صديق الكل كان الهيثم حتى أنه لم يكن يخفي صداقته المتينة مع البيك!
اعتذر للرجل:
- أترى؟ إنهم يطلبونني.
رحبُّوا به جميعًا، ما عدا مأمور المخفر الذي حياه باقتضاب. أخذ مكانًا على الأرض، وتربع. ارتفع حاجبا الرجل العجوز في حركة لا تتوقف جعلتهما يتماسان، كان على وشك البكاء:
- حسرة عليك، يا حبيبي، يا أبا سِنَّه! حسرة على شبابك؟
- الكل يحمد خصاله.
- قاتل الله أعداءه.
- رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
رفعا لحيتهما ويديهما إلى السماء، وقالا بصوت واحد متهدج:
- آمين.
كان يبدو على بعض اللاعبين التعب، وعلى بعضهم الآخر الانكسار. أما الهيثم، فقد كان على أحسن ما يرام، كان كمن أخذ حمامًا باردًا ومنعشًا.
قال الهيثم:
- إذا أردتم اللعب معي وضعت شرطًا.
سعل المأمور، وقال محذرًا:
- إياك أن تعقد الأمور!
لمعت عينا الهيثم الماكرتين:
- إنه شرط ستوافقون عليه، وسيجعل للعبنا طعمًا وحرارة.
زحف أبو الكسيح، وسأل:
- ما هو شرطك؟
فصفعه أبو سريع:
- اخرس أنت! ما شأنك أنت باللعب؟!
أخذ الهيثم من فم الأشقراني سيجارة أنهى لفها، ووضعها بين شفتيه، فأشعلها له الأعور بسرعة. اختلج الأشقراني للحركة المباغتة، فقال الهيثم:
- إذا خسرتم دفع كل واحد منكم قرشًا كالعادة، أما الرابح، فله مني خمسة قروش.
صفَّق أبو الكسيح متحمسًا، فشتمه مصطفى الذبيح.
- اتفقنا؟
لف الأشقراني سيجارة أخرى، وهو يرمي النظر إلى المأمور الذي جرع قدح خمره، وسأل باحتقار:
- ألأنك تظن التفوق علينا وغلبتنا يأتي عرضك هذا؟
رفع سبابته حتى شاربيه محذرًا:
- عرضك لا شرطك!
ثم ضرب كفًا بكف:
- لكنك ستكون الخاسر حتمًا!
تعالى رأس الهيثم.
- إنها لذة اللعب التي أبحث عنها، المنافسة، والحرارة. ولأثبت لك ذلك وللجميع، وليس للتفوق وإظهار المهارة، ها أنا أقول لك وللجميع، إذا كسبت دورًا قدمت لكم زجاجة خمر.
ضجوا كلهم، واقترب بعض الرواد.
- وإذا لم تكسب؟ وأتحداك أن تكسب!
- حسنًا. ستكون لك خمسة قروش مني.
صاح المأمور بالقهوجي:
- بدِّل رأس الشيشة، يا ولد!
وهتف بالهيثم:
- اخلط الورق.
تأهبوا كلهم، وأحاط بهم معظم رواد المقهى قيامًا قعودًا. خرج الذبيح من اللعب، مفسحًا المكان للهيثم. كانوا أربعة: الهيثم، أبو سريع، الأعور، ومأمور المخفر. أحضر القهوجي للمأمور نارجيلة جديدة عليها هرم من الجمر، وبعد أن أحضر للهيثم نصف زجاجة خمره، سأله:
- ما رأيك ببنت ملك؟
وهو يقصد النارجيلة.
لم يجبه الهيثم في الحال، أنهى توزيع الورق، وبدأ بترتيب أوراقه، وفي الأخير، قال موافقًا دون أن يرفع عنها عينيه:
- برأس دوبل.
انتظر قليلاً قبل أن يضيف:
- وزجاجة خمر للأصحاب.
فتح المأمور الجالس في الجهة المقابلة للهيثم عينيه، فرماه الهيثم بابتسامة مقصودة:
- عربون صداقتي.
سحب المأمور ورقة، وقذف أخرى، وقال متفاخرًا:
- يبدو أن الحظ يبتسم لي!
ضحك كالحشاش، وأوداجه الضخمة تتلاطم، ثم صفع أبا الكسيح صفعة هائلة جعلته يصرخ، وصدغه بين يديه. عم الضحك: كان الشيوخ يضحكون لأقل شيء، ويعبسون لأقل شيء. كانوا طرفًا محايدًا، لكنه طرف مفتتن باللاعبين.
إن الحظ يبتسم له! كان كرش المأمور يعلو وينخفض كالبحر المفعم بالأسماك كلما سحب ورقة أو نفسًا من الدخان. أما الهيثم، فكان يلعب باطمئنان الخبير والكاشف والمتمرس. يا له من أبله كبير! رمى إلى المأمور بنظرة سريعة، وابتسم بمكر. شرب أولى أنفاس نارجيلته، وعاد يبتسم بمكر. كان قد عزم على أن يديخ خصمه بعد ساعتين، ويجعله يرقص من تلقاء نفسه للهزيمة ولكؤوس الخمر التي سيجرعها على حسابه، على حسابه هو، فخصمه سيكون الخاسر. فرش الهيثم أوراقه كاملة. مفاجأة! لقد ربح الأزعر! وضع المأمور أوراقه دون أن يصدق عينيه، وداعبها بأصابعه، وهو يشنك. جرع كأسه، ومزمز، وقال للهيثم:
- ربحت، أيها الأزعر!
صاح الهيثم بالقهوجي:
- زجاجة خمر للجماعة.
صفع الأعور نفسه، وحك عينة السليمة بخشونة، ولولا دفعة رادعة من كتف أبي سريع لما كف عن هجمته ضد عينه.
- خذ كأسًا.
أخذ الأعور كأسًا بطريقة تدعو إلى الرثاء، وجرعها على دفعتين. قال:
- إنه حظي الأخير!
قهقه أبو كسيح، فزجره الأشقراني بعنف:
- اخرس، أيها الأجرب!
نهض الخضرجي، وهو يحك صدره وعنقه: عشش الدخان في شعره المتبلد، وكان جائعًا. بحث في جيبه عن عرق لوبياء، أو زر بطاطا، لكنه لم يجد شيئًا. أحس بالخدر في عظمه، فتثاءب بقوة، ثم صعد على هضاب الدخان التي كان يتركها تفور من ورائه، وتتراكم كالقطن، وكان صاحب المقهى يلتهم رغيف خبز مطلي بمربى الخشخاش.
- أنا جائع!
- على قفاي!
ألح عليه طويلاً، فقسم له قطعة وضعها دفعة واحدة في فمه، والمربى يقطر على ذقنه الخشنة. مد لسانه عدة مرات لاحسًا، والخبز الذي لاكه يتناثر من شفتيه. ثم مسح فمه بقفا كمه. قذارة على قذارة! تمخط في جريدة ملوثة نقلها عن الأرض، واشترى بمليمين قطعة علك شامي دفعها في فمه، وقفز إلى حيث يجري اللعب. صبوا له كأسًا، فبصق قطعة العلك في كفه، وجرع الكأس دفعه واحدة. عاد يرمي قطعة العلك في فمه، وسعل، فشتمه مصطفى الذبيح، وهو يضغط عنقه النحيف بين أصابعه. هزه، وشله، ثم تركه، عابس الوجه دميمه، وهكذا غدت له عقدة خشنة بين حاجبيه الأملسين. كان ذلك كل ما فيه من صفات النعومة: حاجباه الأملسان. كان يغضنهما بقوة، ويكاد يمزق جبينه المتوتر على الدوام. وكان قميصه مفتوحًا دومًا عن صدر أشعر، ينتزعه بأظافره السوداء لقذارتها. لاحظ أبو الكسيح أن المأمور يشرب بشراهة، ففكر: يريد أن يربح بأي ثمن! لكن الهيثم ربح من جديد.
- أيها الممحون!
همهم أبو سريع بصوته الأجش:
- أيها الممحون! أيها الممحون!
ضحك الشيوخ في لحاهم، وتغضنت خدودهم المحفرة بشيء من الطيبة. راح الأشقراني يشد طاقيته القذرة بكلتا يديه، وهو يكاد يغمى عليه من الضحك المختنق على هيئة الأعور الذي يكاد يقتلع عينه السليمة لشد ما حكها. صاح الهيثم بالقهوجي:
- زجاجة أخرى للجماعة!
جمع القروش، وجاءت الزجاجة من فوق رؤوسهم. أفرغ أحد الجالسين كأس الهيثم في جوفه، فالخمر للجميع، أليس كذلك؟ طالما هناك ربح! انسحق وجه المأمور، وجرع كأسه الرابعة. شرب أبو سريع، وغردت الكأس على شفتي أبي الكسيح التي اختطفها أحدهم قبل أن يفرغها في حلقه. عند ذلك، نهض أبو الكسيح بقدمين سليمتين، وأتى زاوية في المقهى. فك بنطاله، وأخرج عضوه الدبق، وبال، ثم بصق مرتين، وهو يقفل سرواله، ويعود إليهم بسرعة، فوجدهم قد أخذوا مكانه. انطرح على الأرض، وسحل بين أجسامهم الرخوة، ورفع رأسه على مستوى الورق. ربح الهيثم للمرة الثالثة، فهبطت ذقن مأمور المخفر مثقلة بالخيبة، ودون أن يفوه الهيثم بكلمة، قفز القهوجي الذي كان يتابع اللعب من فوق أحد الكراسي ليحضر زجاجة خمر. عب المأمور الخمر بعناد وغضب: إن القضية في آخر الحساب أن تكون غالبًا أو مغلوبًا. همس في أعماقه، بين الثمل والصحو: مغلوبًا! حمل البندقية، وجعلها تقف عموديًا.
وزَّع الأعور الورق، وراح أحدهم يسعل بحدة. ترك ثلاثة أشخاص المقهى تاركين فراغًا بين المتفرجين. وقبل أن ينتهي الدور، عاد آخرون إلى بيوتهم. رفع أبو الكسيح عينيه إلى سقف المقهى ذي الروافد الخشبية الضخمة. هنا دخان أسود، وهناك أعشاش للعناكب، وهناك أيضًا بعض الصراصير. عندما أنزل عينيه، رأى أن الليل قد مضى، فوصلتهم ترنيمات آذان الفجر.
زلق الورق من بين يدي مأمور المخفر، وسقط رأسه، وأطبقت ذقنه على صدره. أطلق شخيرًا عالياً، ثم تماسك، وهو يرفع رأسه بصعوبة، ويبحث عن الأوراق. كانت الزجاجات ملقاة هنا وهناك. زحف أبو الكسيح، وهو يدحدلها بيده حتى كومة القش. رمي بنفسه فوقها منهكًا. كذلك فعل الخضرجي والأشقراني، وكلاهما يستند بظهره على ظهر الآخر، وقد انكفأ رأس كل منهما إلى الوراء. تثاءب الأعور، وهو يحك عينه السليمة بوهن، بينما سحب أبو سريع ورقته الأخيرة بصعوبة. الوحيد الذي احتفظ بقواه: الهيثم. تشعث شعره قليلاً، وبدا كأنه بدأ اللعب منذ قليل. تركهم آخر الرواد منذ لحظة، وهو يسحب قدمه سحبًا حتى الباب المرفوع إلى وسطه. وفي زاوية، كان القهوجي يجمع الأوساخ بمكنسته ذات اليد القصيرة.
- لننهض!
ترك الهيثم الأوراق، ورمي أبا سريع بقطعة ذات عشرة قروش، فذهب عنه شحوبه واسترخاؤه، وقفز في جلسته.
- إنها لك.
التفت إلى رفاقه ليتأكد من أن أحدًا لم يره: لا، لا أحد! أشار الهيثم إلى المأمور الذي سقط رأسه من جديد.
- من سيوصله؟
- سيعود وحده مثل كل صباح.
خبطه أبو سريع على كتفه خبطة قوية، فنهض كالجمل الخائر. كان يعرف اللحظة التي يضربه فيها أبو سريع، اللحظة المعلنة عن الانصراف. اصطدم بكل شيء يعترضه، دون أن يشعر بذلك، شاقًا طريقه بعنف. كان مصطفى الذبيح ينام على ظهره، ويداه تحت رقبته، وطاقيته على وجهه. نكزه أبو سريع برأس حذائه، فهب ناهضًا، وتبعا المأمور. عاد الهيثم يأخذ مصباحه، وتبعهما، ثم تبعهما الأعور بدوره، وهو يسير بصعوبة، لخدر يصيبه من رأسه إلى قدميه.
في الخارج، كان الفجر الأزرق في الخارج... كان يسحب عن القرية ثوب الليل، لتنهض عارية في الصباح. وفي الخارج، الزقاق الأزرق، والنسمة الزرقاء، والآذان الأزرق الذي ينتهي بنغمة ترتد مع حفيف أوراق الشجر.
أحاط أبو سريع والذبيح بالمأمور كلٌّ من ناحية، والمأمور يترجح. وبعد عدة خطوات، حمل أبو سريع البندقية، ووضعها على كتفيه. جعل ذراعيه تتدليان من فوقها، وراح يغني:
فرجي بطول السلاح
مكانك قف!
ثم قهقه عاليًا وكثيرًا، والذبيح يصفع إليتيه، بينما جري الأعور حتى التحق بهما، وتأبط ذراع المأمور.
ها هم يسحقون لآلئ الندى، وتصعد في الأجواء رائحة مقززة. وها هو الهيثم يتباطأ في مشيته، بعد أن تركهم بضعة أمتار من أمامه، المصباح بيده، وهو يسمع بأذنيه أصواتهم المتنافرة، ويري بعينيه خطواتهم المضطربة، على درب الملعونين.
* * *
ما أن صعدت الشمس على الجحيم حتى حمل الصحفي الأمريكي جوني شارلز، المبعوث الخاص للتايم، كاميرته وكراسه وقلمه، وأخذ يتجول في شوارع الموت والخراب. صوّر الجثث الأشبه بالهياكل العظمية التي يجمعها في عربة يهوديان بائسان، وحقق في الأزقة التي لا فرق فيها بين الإنسان والحيوان، وشرب الجعة في خمارة الحمل الثمل. لم يجد في كل هذا ما يثير اهتمام القارئ الأمريكي، كان كل هذا مسئمًا ومملاً.
عمّق البحث، فشاهد كيف رجال الغستابو يسوقون البريئين من الرجال والنساء سوقًا إلى مراكز التحقيق، حتى أنه رافق بعضهم، وشاهد حلقات التعذيب. ولما منعوه من التصوير، حرد، وعزم على ألا يكتب كلمة واحدة عن كل هذا، إذ دون التوثيق العلمي لا يصدق القارئ الأمريكي ما يجري. وعندما تركوه يصور شاحنات الموت الذاهبة إلى تريبلينكا، أوهموه أنها ذاهبة للراحة والاستجمام.
ذهب جوني شارلز إلى لقاء الكولونيل هينز من أجل مقابلة نشرتها التايم فيما بعد مع صورة ملونة للعسكري النازي على الغلاف، تحت عنوان: الروح الجرمانية روح الحرية. شرح له معضلته، قال له إنه لم يجد شيئًا في غيتو وارسو يثير اهتمام القارئ الأمريكي. ابتسم الكولونيل هينز، وقال مداعبًا: لو كنتم جيراننا لكان النظام الجديد خير نظام لكم! ابتسم الصحفي الأمريكي بدوره، وأبدى بالفعل أسفه، فالجغرافيا والتاريخ أحيانًا لا ينسجمان. بعد المقابلة، رافق الكولونيل هينز جوني شارلز إلى أماكن في الغيتو كان يفترض ألا تكون مسئمة ولا مملة. أخذه إلى عنبر جمعوا فيه النساء الحبالى اللواتي على وشك الولادة، فرأى النساء نحيفات أشبه بالهياكل العظمية، لكنهن يلدن على يدي القابلات أطفالاً أجمل من كل أقمار الدنيا. صور المبعوث الخاص للتايم، وهو لا يتوقف عن ترداد: انترستنغ! انترستنغ! وأخذه إلى عنبر آخر جمعوا فيه النساء اللواتي لم يعرفن ضوء الشمس منذ أسابيع بل منذ شهور بانتظار دورهن للذهاب إلى تريبلينكا، عندما فتحوا عليهن الباب أخفين أعينهن بأياديهن للضيق الذي أبدينه من انعكاس الضوء، وبدون كالمجنونات بشعورهن المنفوشة، وتعابيرهن المتوحشة. وهنا أيضًا صور المبعوث الخاص للتايم، وهو لا يني يردد: أنترستنغ! أنترستنغ! وعلى باب عنبر ثالث، تردد الكولونيل هينز، وفي الأخير دفع الباب بقدمه، وأدخل جوني شارلز أمامه، فإذا بعشرات المرضى من النساء والرجال والأطفال، وهم على وشك الموت. سد المبعوث الخاص للتايم أنفه للرائحة الكريهة، وسأل لماذا لا يذهبون إلى العلاج. أجاب الكولونيل هينز: بكل بساطة لأنهم يرفضون الذهاب إلى العلاج! وليزيل آثار الاستغراب من عيني الصحفي الأمريكي وربما ليزيدها، حمل الضابط النازي طفلاً، وهو يقول لأمه: من أجل علاجه! من أجل علاجه! والأم تجذب الكولونيل من ذراعه، وتبكي، لا تريده أن يأخذ ابنها من أجل علاجه. خلال ذلك، لم تتوقف كاميرا المبعوث الخاص للتايم عن أخذ الصور، وهو لا يتوقف كآلته عن ترداد: أنترستنغ! أنترستنغ!
* * *
كان صعود الشمس ساحرًا: خوخة حمراء غطاها السحاب الأبيض. وفي القرية، كانت حركة كل صباح: غناء الديك، وخوار بقرات عواد، وأهازيج الطير.
خرج الفلاحون إلى الحقول، بفؤوسهم، ومعاولهم، وعرباتهم. ابتسموا للشمس، وللسحاب الذي يغشى الأرض. جرى الماء في القنوات، والأرض خضلة كجسد مبتل. صعدت رائحة العشب الأخضر، ورائحة العشب المحترق، في الأجواء.
نزل عواد ببقراته إلى حافة البحيرة، وبدأ يغسلها. ومن ناحيتها، أخذت رقية طريقها على المنحدر، بقامتها الفارعة في نداوة الصباح، وثوبها الأزرق يلتصق بفخذيها. سحق النسيم أصابعه السحرية على بطنها، وتراخى قليلاً، وهو يترك ثنيات ثوبها تتساقط على وركيها، ثم هاجم نهديها اللذين يشرأبان كفرخين جريئين، وانساب بين نهديها. انتفضت رقية، رفعت عنقها، وتمايلت. انزلق النسيم أبعد، على عنقها الآن، وانعكس الغدير في عينيها. وفي عينيها السوداوين أضاءت مروج الليل. يا إلهي! تساقط الضوء الأسود كالشلال. تغضن جفنيها ثم مَلِسَا كحشائش الجبال.
دفعت امرأة مأمور المخفر خشب النافذة، ورأت عوادًا وبقراته والبحيرة وشجرات الحور. في الطرف الآخر، كانت أم بسمة تأتي، على ظهرها حزمة من الحطب، بينما ترمي بسمة الدجاج بالذرة. في الطرف الآخر، كان إسحق يغذ الخطى.
بعد أن حياه أحدهم من فوق حماره، قال:
- القمح! لم تمطر الليلة من أجل القمح!
- ستمطر على أي حال.
رفعا رأسيهما إلى السماء، كان الغيم ينسحب عن نهد أزرق.
- لن تمطر اليوم!
- ستمطر على أي حال.
ابتعدت خطوات الدابة.
فلاحان آخران: أحدهما يضرب الفأس في الحطب، والآخر يمشط شعر الأرض.
قال إسحق:
- الله يعطيكم العافية!
أجاب الفلاحان:
- عشت!
- الله يعافيك!
اقترب شيئًا فشيئًا من مجموعة بيوت حقيرة من صفيح وخشب، وكانت هناك أيضًا بعض الخيم السوداء المرقعة التي يسكنها فلاحون آتون من وادي عربة. جاؤوا بأولادهم ونسائهم منذ سنوات، واستقروا في بقعة جرداء من أرض الباشا حولوها بكدهم وعرقهم إلى جنة. ومع ذلك، بقيت هذه الجنة ممنوعة عليهم. حاول الباشا طردهم لمرات، لكنهم كانوا يدفعون له مما يكسبون كأجراء للأرض، لقاء سماحه لهم بالبقاء. كان البؤس يقيم في كل مكان معلنًا أنه السيد الطاغي، وكانت أكوام القمامة على الأبواب، وأبوابهم ستائر من الخيش أو القماش الملوث المرقع. كان أولادهم يقومون ويقعدون في الطين، عراة، أو شبه عراة. وكانت هناك قدور مدغمة، شديدة السواد، فيها ماء يغلي فوق نار من التبن والحطب. كان كل شيء هنا يستمد قوته من الطين، حتى عبارات (( الله أكبر )) و(( توكلت على الله )) التي كتبت على الجدار الطوبي الوحيد. أسماهم البعض غجرًا، والبعض الآخر نَوَرًا، بينما هم عربان فقراء يبحثون عن الرزق والحياة الأفضل. رفض الباشا أن يعملوا في أرضه، إلا أن البيك أخذ بعضهم نكاية به، وقبل الخواجا الأيدي القوية منهم بثمن زهيد.
وهو يمضي ببيت شيخهم أبي قاسم، ظهرت ابنته صفوريا من وراء الستار. كانت تحمل طشتا امتلأ بالماء العكر، وتشمر عن ذراعيها المكتنزتين، وتجدل شعرها الغزير الأسود بجديلتين رمتهما على نهدها الفائر. كان وجهها الأبيض المدور موشومًا على الذقن والجبين، وكانت أذناها مزينتين بأقراط ثقيلة، ويداها بأساور كثيرة، وأنفها بحلقة كبيرة من الفضة انغرزت في جناح أنفها الدقيق. عندما تلاقت عيناها اللوزيتان وعينا إسحق، أطلقت صيحة، وارتدت على عقبيها خجلة، وهي تخفي ابتسامتها البيضاء. جاءت امرأة بطفلها العاري بين ذراعيها، على وجهها ملاية سوداء لم تظهر منه سوى عينيها، ونظرت امرأة أخرى مكحلة بكحل غزير من وراء ستار الباب. عند ذلك، أطلت صفوريا برأسها، وهي ترفع الستار حتى ذقنها، متابعة باهتمام القامة الفارعة لهذا الفتى الأسمر، لكن إسحق مضى، وهو يغذ خطاه وسط هرج الأولاد ومرجهم.
كان أبو بسمة يشمر عن ساقيه، ويغوص بهما في الطين الذي راح ينقله بالمجرفة، وينثره أسفل خيوط الشمس التي بدأت تنكه، وقد سال العرق تحت إبطه. وقف إسحق عند أول الحقل، أخذ نفسًا، ونادى:
- يا أبا بسمة!
استقام أبو بسمة، وهو يبدو عليه الإرهاق، وأشار إليه بالمجيء، فجاء إسحق بخطوات واسعة.
* * *
قال الكولونيل هينز لمبعوث التايم الخاص:
- الحياة هنا مملة ومسئمة لأنها عادية ككل حياة في أي مكان آخر.
ردد جوني شارلز:
- أنترستنغ! أنترستنغ!
- انظر إلى اللحم المعلق على باب هذه الملحمة، أشار الكولونيل هينز إلى الملحمة التي يمضيان قربها.
- أنترستنغ! أنترستنغ!
لم يقل الكولونيل هينز إنهم سمحوا باللحم من أجل أن يصوره الصحفي الأمريكي، كما أنه لم يقل إن معظم سكان الغيتو ليس بمقدورهم شراء اللحم.
- وانظر إلى الخبز المعروض على كافة أنواعه في واجهة هذه المخبزة، أشار الكولونيل هينز إلى المخبزة التي رموا صاحبها في معسكر الموت تريبلينكا، وجسّ بيد فخورة النجمة السداسية الكبيرة أكثر مما يجب التي تلطخ الزجاج.
- أنترستنغ! أنترستنغ!
- وانظر إلى هذا الحمّام الجماعي المقدس الذي يقوم به ناس الغيتو مع احترام رغبة التوراة في فصل النساء عن الرجال.
- أنترستنغ! أنترستنغ!
- وانظر إلى ممارسة الختان الحر في هذا النادي.
- أنترستنغ! أنترستنغ!
- وانظر إلى قُشامة طعام الجنرالات في هذا السوق الشعبي بعد أن أعدنا إحياء تجارة المهرج التي كانت سائدة في فرنسا في القرن التاسع عشر.
- أنترستنغ! أنترستنغ!
- ومفاجأتي لك يا مستر شارلز هي هذه...
إذا بجوقة من الطبالات الجميلات تصعد شارع الغيتو الرئيسي، والطبالات يرتدين زيًا عسكريًا أحمر يكشف عن أفخاذهن الناصعة البياض، تتقدمهن فتاة تبتسم لشمس الغيتو، وتلوح بصولجان في يدها ذات القفاز الذهبي.
- أنترستنغ! أنترستنغ!
راح جوني شارلز يصور الاستعراض آلاف الصور ولا صورة واحدة للناس الذين يغذون الخطى دون أن يفطنوا لشيء.
* * *
توقفت سيارة البلايموث السوداء أمام القصر، هبط السائق بزيه الخاص، وأخذ ينقل الحقائب من القصر إلى صندوق السيارة.
خرجت سارة، وهي تحمل حقيبة مربعة بيضاء، وحقيبة يد بنية. كانت ترتدي معطف فراء فاخرًا، وتعقد حول عنقها شالاً بنيّاً لفت به شعرها. تقدمت من السيارة بخطوات بطيئة، ومرجانة إلى جانبها، وهي تحمل أكياس ملفوفة بعناية. فتح السائق الباب الخلفي، فدخلت سارة، وتناولت من مرجانة ما تحمله.
- مع السلامة!
مسحت مرجانة دموعها بمنديل، وانطلقت السيارة. لم يكن في أزقة القرية أثر لإنسان، رأت سارة من وراء الزجاج فلاحة تقترب وولدان ثم ثلاثة. وقفوا جميعًا باهتين، وهم يحدقون في السيارة. ركض أحدهم بقدميه الحافيتين من ورائها، وهو يصيح. أخذ يقلد زامورها، وهو يقبض على مقود خيالي، وكأنه يسوق.
الساحة العامة: البقال يخرج أكياسه، والعم أبو إسماعيل الحداد ينصب أسرجته، والحلاق يرفع باب دكانه. رأت سارة من بعيد أبواب المصبنة والمطحنة والمعصرة مشرعة. كان هناك بغل على ظهره أكياس الدقيق. عندما مرت السيارة، سارع أحد عمال المعصرة إلى الخروج بدافع الفضول. كان العمال في طريقهم إلى المصنع بأرديتهم الخشنة، وجباههم السمراء العريضة. كان بعضهم يشمر عن ذراعيه القويتين، فترمي سارة العضلات المفتولة بنظرة شهوانية. وكان بعضهم يضع على رأسه طاقية، أو يلف رأسه بحطة. عندما وصلت السيارة إلى الطريق العام، التفتت سارة خلفها: رأت فلاحين شابين يهرعان من بعيد، وفجأة، يتوقفان في قلب الحقل. رفع أحدهما يده فوق عينيه، وضحك الآخر بقوة، وهو يشير إلى السيارة. وقبل أن تسقط السيارة في اللهب الأخضر للبيارات، مضت بالمكان الذي يعمل فيه أبو بسمة وأبو بسمة يتابعها بعينيه. توقف إسحق عن الكلام إلى أن اختفت السيارة خلف الأشجار الكثة.
- سيارة الباشا!
تأوه أبو بسمة، وهو يشير إلى أراضي الباشا إبراهيم الشاسعة:
- الله في السماء والباشا على الأرض!
بدا مهمومًا. كانت أصوات الموتورات الحديثة التي تنقل الماء من بطون الآبار تهدر في أرض الباشا إبراهيم.
- ماذا قلت، يا أبا بسمة؟
اربد وجه أبي بسمة الشديد السمرة. فجأة، توقفت الموتورات، وجرى فلاحان بقدميهما الحافيتين في القنوات. قال إسحق:
- عواد أخونا كلنا، ولولا ثقتي الكبيرة بك وبنخوتك لما لجأت إليك.
تأوه أبو بسمة من جديد:
- عواد كله خير وبركة!
حدق إسحق فيه، وقال:
- الصديق وقت الضيق، ومن لعواد غيرك من صديق؟
انتظر أن يعطيه كلمة:
- ماذا قلت؟
تململ أبو بسمة:
- بذار ثلاثة مواسم شيء كبير فوق طاقتي وطاقتك.
فلم يتمالك إسحق عن قول:
- أعط ما تستطيع عليه، كيسًا أو كيسين، واترك علي الباقي. سأتصل بالناس الكرام أمثالك، ونحل هكذا مشكلاً عويصًا. يد الله مع الجماعة، يا أبا بسمة.
رقّت نبرته:
- إيه، يا ولدي... أي نعم، يد الله مع الجماعة، صدق من قال.
- إذن لنتعاون من أجل نجدة عواد.
خرج من الطين، وسار حتى الأرض المحروثة.
- ولكن...
تردد.
- ماذا، يا أبا بسمة؟ عهدنا بك تقف دومًا إلى جانب الرجال وقت الشدائد.
سلخت هذه الكلمات وجهه:
- إيه، يا ولدي إسحق!
قطع تردده وقال بحزن وضيق:
- العين بصيرة واليد قصيرة!
- ماذا تعني، يا أبا بسمة؟
- مشيئتك يا رب وإرادتك!
عبس إسحق:
- تعني أنه ليس بمقدورك؟
توجه إليه طالبًا السماح:
- الله وحده العارف بالحال، لو كان باستطاعتي أن أفعل شيئًا لما قعدت مكتوف اليدين، وعزيز عليّ مثل عواد ينهبه الضيق.
لاحظ الخيبة تحفر وجه إسحق، فقال:
- كلنا في الهم سواء، فاسمح لي، يا ولدي.
تمتم إسحق والخيبة تطحنه:
- بسيطة.
وأراد أن يتركه.
- يا إسحق!
حط عليه عينيه:
- إذا لم تصدق اذهب على التو إلى بيت الخزين وانظر بنفسك. ستجد فيه بعض التبن وبعض الأعشاب.
- صدقتك، يا أبا بسمة.
رفع حاجبيه، وقال:
- ما أزرعه آكله أنا والولية وبسمة. الأرض سترنا في الدنيا والآخرة. ولا تنس الضرائب. الحمد لله على أي حال!
- لتبقَ قويّاً على الدوام!
تذكر فجأة، فسأله:
- لماذا لم تكلم المختار؟
- المختار؟
- سيعمل ما في وسعه. قل له إن عواد زلمة الجميع.
قال إسحق مركزًا على كلماته:
- اعلم، يا أبا بسمة، المختار إبليس، إبليس رجيم لا يعمل إلا لمنفعته.
– ليس إلى هذه الدرجة، يا إسحق!
- اعلم، يا أبا بسمة، المختار ظفر من أظافر الباشا، وعلينا جميعًا أن نعرف هذا.
- اتصل بالبيك.
فاستعاذ إسحق:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!
- إذن لا فائدة من إنقاذ عواد.
قال إسحق بترو:
- لن يكون إنقاذ عواد إلا على أيدينا.
– لكن الحال صعب.
- سيتغير الحال.
- من فمك إلى باب السماء. لكنه حلم!
أشار إلى أملاك الباشا الواسعة:
- إنه متغلغل في الأرض كجذور الشجرة العجوز.
- علينا أن نقتلع الشجرة العجوز من جذورها، ونزرع معًا في مكانها شجرة غضة نأكل من ثمرها جميعًا.
- الله يحرسك ويحميك، يا إسحق! ما أحلى كلامك لو يتحقق!
- الصبر.
- الله يعطيك القوة، يا إسحق، ويحفظك!
همَّ إسحق بالذهاب.
- انتظر!
رأى ابنته تقترب. تابعاها إلى أن وصلت.
- صباح الخير، يابا.
- صباح الخير، يا بسمة الغالية.
قبلت يده، ثم قالت لإسحق بخجل:
- صباح الخير، يا إسحق.
- صباح الخير، يا بسمة.
- فطورك يابا.
قدمت إليه صرة الطعام.
بسمة السمراء. النحول في خديها ألم في قلبه. كلما رآها أحس بقسوته عليها. كانت تحبه. كان يعرف ذلك معرفته لعدد الأشجار في حقله. لكنه مشغول الفؤاد، كان يحب رقية. ودَّ لو يفهمها أن عليها أن تكف عن حبه. لكن غرامها في العينين به يساوي غرامه في العينين برقية. من هنا ينبت ألمه، وحيرته. من هنا يشفق على بسمة، ويدعو أن تلقى من يعوضها عنه. لم يشأ إسحق الانتظار أكثر:
- سأذهب أنا.
- قلت لك انتظر، يا إسحق.
حلّ أبو بسمة الصرة، وقسم رغيف الزيت بالزعتر نصفين:
- خذ هذا من صنع يدي أم بسمة.
- لا، يا عمي.
- خذ وكل في الطريق.
رمى الأب بسمة بنظرة، وابتسم:
- من أجل بسمة.
صعد الدم إلى وجهها، وطأطأت رأسها، وهي تبتسم. تقدم إسحق مترددًا، وتناول نصف الرغيف.
قال أبو بسمة:
- تحضره لي بسمة كل صباح. الله يحرسها!
تأملها إسحق مبتسمّا: ستبقى عذابه رغم كل شيء.
قال:
- يعطيكم العافية!
– مع السلامة، يا ولدي!
وذهب.
* * *
نادى الحاخام:
- تعالوا إلى بيت يهوه! لطّفوا من كربكم بين يدي الرب!
ابتسمت ماريشيا وبولينا له، كانتا في ثيابهما المدنية، وقالتا للحاخام:
- نحن لسنا يهوديات.
ابتسم الحاخام لهما، وقال:
- لا بأس في ذلك، العبادة لا دين لها.
ضحكت الفتاتان الشقراوان، فاقترب الحاخام من ماريشيا، وهمس في أذنها، وهو يلتصق بها:
- إذا أردت، جعلتك تهتدين بطريقة أخرى ستحبينها!
قهقهت ماريشيا، وبولينا تشير إلى ماريك وموزارسكي، وهما يقتربان من موعدهما في لباس الضباط الألمان. بعد قليل من الحيرة والارتباك، قالت ماريشيا للحاخام:
- معذرة، هناك من يأتي لاصطحابي.
تركته وبولينا، وذهبتا إلى لقاء الصديقين، وهما لا تخفيان قلقهما.
- ماذا تفعلان في هذه البزة؟ همست ماريشيا محاولة ألا يسمعها أحد، وهي تقبل ماريك قبلة صغيرة.
- لماذا تخاطران بحياتكما من أجلنا هكذا؟ همست بولينا، وهي تقبل موزارسكي قبلة صغيرة.
قطعا بهما الشارع إلى الرصيف الآخر، والحاخام يلاحقهما بعينيه، وضاعوا كلهم بين الجموع. كان الجسر الضيق الواصل بين الغيتو الصغير ملآن بالعابرين، الشيوخ منهم قبل الشباب، والأطفال منهم قبل النساء، وعلى الرغم من قصره، كان قطعه يكلف المرء جهد وعناء من يقطع الجحيم، بينما ما أسهل قطعه من تحت، من باب في الجدار، لا يفتح إلا لأفراد الجيش الألماني. اجتازه الأصدقاء الأربعة، ووجدوا أنفسهم في الشارع الذاهب إلى قلب وارسو. أخذوا تاكسي إلى بار المحامين، والزوجان العاشقان يجلسان على المقعد الخلفي الضيق للسيارة، وهم في أحضان بعضهم البعض. كان السائق يرمي النظر إليهم عبر المرآة، ولا يجرؤ على فتح فمه، فالزي العسكري كان زي الله، وعليه أن يسجد لكل الآلهة التي ترتديه. لم ير العشاق الأربعة خلال طريقهم وارسو التي غدت أنقاضًا، كانوا في عناق دائم، ولم يكن يهمهم أن تغدو كل وارسو أنقاضًا وكل العالم. عندما وصلوا إلى بار المحامين، وجدوه دمارًا على دمار، فطلبوا من السائق أن يذهب بهم إلى مكان جميل يعرفه يقضون فيه بعض اللحظات الممتعة، ورموه بحفنة من الماركات. أخذهم إلى منطقة راقية بعيدة جعل الألمان منها منطقتهم الخضراء، وأنزلهم قرب صف من المطاعم الفخمة.
أكلوا أفخر الطعام، ورقصوا، وضحكوا. كانوا من أسعد الناس على وجه الأرض، وحولهم، معظم من كان حولهم كان من الضباط الألمان، كانوا هم أيضًا مع عشيقاتهم، وكانوا هم أيضًا من أسعد الناس على وجه الأرض.
وماريك يخرج من التواليت، سمع حديثًا خافتًا بين صاحب المطعم البولندي وصاحبة المطعم البولندية، لم يسمع تمامًا ما يقولان، لكنهما على مرآه، وهو يتقدم منهما، سارعا إلى الهرب من الباب الخلفي، ففهم ماريك كل شيء. خف إلى البحث في كل مكان من القاعة عن القنبلة الموقوتة، وعلى منظره المرتعب، فهم الجميع أن الخطر محدق بهم، فأخرسوا الفونوغراف، وانتظروا. لم يهرب منهم أحد، كان لهم في تلك اللحظة قدر واحد تركوه بين يدي ماريك، واستسلموا له. لنقل القدر، ولنقل المصير. وما هي سوى دقيقة أو دقيقتين حتى وقع المحامي القديم على الآلة المدمرة، وعقربها يتكتك لم تبق على انفجارها سوى عدة ثوان تمكن ماريك خلالها من انتزاع خيط الموت، وأنقذ الجميع.
رفعه الضباط الألمان على أكفهم عاليًا، ورموه، ثم تلقفوه، وأجلّوه. وضعوا أسطوانة، وعادوا إلى الرقص رقص الجنون، والصياح صياح المجنون حبًا للحياة، لكنهم لم يستمروا إلى ما لا نهاية. وقعت سلسلة من الانفجارات المتتالية في المطاعم المجاورة، وقبل أن يتركوا المكان ليضيعوا في شوارع وارسو المدمرة، رأى العشاق الأربعة جثث الجنود الألمان المتفحمة، وهي تغطي الأرصفة.
* * *
كان لآلات الحياكة صوت رتيب: خيوط تمتد، تسيل في سمفونية، ثم تتساقط قطعة واحدة. وكانت هناك أيضًا آلات تغسل القطن، وأخرى تصبغه، وثالثة تحول القطن إلى خيوط.
كان الصبر سمة العمال، السكوت، المثابرة، وكان المهندس صادق يتفقدهم. مر بالحاج عبد النبي، فالتفت الحاج يمنة ويسرة: لا أحد من العمال يراه. فغر فمه عن ابتسامة كريهة، وراح يهمس في أذن صادق، فاتجه صادق رأسًا إلى إحدى الآلات المعطلة.
صاح المهندس:
- يا أسطى.
جاء الأسطى حسن، وهو يمسح يديه المصبوغتين باللون الأخضر بقطعة قماش ملوثة، فسأله بجفاف عن سبب توقف الآلة.
- تعطلت بالأمس.
- لماذا؟
- تعطلت فجأة. حاولت إصلاحها، ولكن...
- لماذا لم تخبرني بالأمس؟
- كنت قد خرجت.
- واليوم صباحًا؟
- ها أنا أخبرك، يا سيدي المهندس.
- من عطلها؟
- توقفت وحدها.
نبر:
- من كان يعمل عليها؟
قال الأسطى بصبر:
- أبو العبد.
- فلتأت به.
أتى الأسطى بأبي العبد: في عقده الخامس، عيناه تبرقان، حاكت وجهه خيوط الزمن قبل الأوان، وتهدل لحم عنقه.
- ماذا فعلت بالماكينة؟
- توقفت وحدها.
- توقف وحدها كيف؟
- لا أدري.
وعيناه البراقتان ممتلئتان بالتحدي.
- لا تدري؟
– لا أدري.
تمتم المهندس:
- يا لك من مخرب!
وهب به طاردًا:
- اذهب واقعد في دارك، وإياك أن تريني وجهك ثانية!
راح أبو العبد يصيح:
- الله أكبر، يا عالم... يا ناس... اسمعوا العجب العجاب... الله أكبر!
وأبرز مخالبه ليزرعها في وجه خصمه، إلا أن الأسطى حسن حال دون ذلك. لا ذنب لأبي العبد! مظلوم... في المكتب، طلب الأسطى حسن محادثة المهندس صادق، فرفض. عاد الأسطى حسن أدراجه خائبًا. ارتفع ضجيج الآلات. تأمل في المهندس الجديد المساندة والتفهم، ولكن...
بعد قليل، جاءت عربة الباشا إبراهيم، فهب المهندس صادق ليستقبله، بعد أن فتح الحارس له الباب.
- شرَّفت، يا باشا!
وأدخله أمامه.
- كيف الحال؟
- كل شيء على ما يرام، يا باشا.
وتردد:
- ما عدا...
فتح عليه عينيه القاسيتين منتظرًا. قال صادق:
- عطَّل أحد العمال إحدى الماكينات.
رد الباشا بجبروت وبأس:
- اطرده!
انفردت تعابير صادق، وابتسم:
- هذا ما فعلته، يا باشا.
أبدى الباشا عن نواجذه:
- اركله بقدمك وحطم أسنانه!
تقلص حجم المهندس بين يديه:
- أمرك، يا باشا.
- إياك والتساهل، أشكال كهذه يجب الضرب على رقابها بشدة، وإلا تدهور العمل.
- أمرك، يا باشا.
جسّ الباشا إبراهيم عباءته بأصابعه الممتلئة، وجاء هيابًا من وراء المكتب. جلس، وقال:
- أخبرك بأنني عقدت صفقة مع بعض التجار في سوريا، سيبيعوننا قطنهم مقابل أن يشتروا أقمشتنا. الصفقة مستعجلة، وبالتالي ضاعف ساعات العمل.
– حاضر، يا باشا.
– من يتأفف اسحق عنقه.
- أمرك، يا باشا.
- إذا وجدت تقصيرًا أو إهمالاً من أحد عوضه بآخر، من يافا، من اللد، وحتى من لندن. أريد عمالاً جيدين لإنتاج جيد.
ضرب الباشا عصاه في كفه مرتين، ونهض:
- هل من طلبات؟
نظر المهندس بين قدميه، ثم قال:
- هنا كل شيء على ما يرام.
- والبيت؟ هل أعجبك البيت؟
ابتسم:
- كأن الباشا إبراهيم على علم بالأمر!
- ماذا ينقصك؟
- مدفأة الحطب أمرها مزعج.
- سنبعث لك بمدفأة على الكاز. هل أنت سعيد؟
- شكرًا، يا باشا.
وهو يصل إلى باب العربة، أضاف الباشا:
- ستكون المدفأة في بيتك غدًا.
وقبل أن يغلق الحارس باب العربة، قال:
- رغم هذه الشمس، فإن الشتاء سيكون باردًا هذه السنة.
كان زغلول قد جاء يقفز من بعيد، ارتمى على يد الباشا يقبلها، والباشا يقهقه، وهو يشد خصلات شعره كالكلب.
ما أن غادر الباشا إبراهيم المصنع حتى جاء الخواجا داوود على قدميه. سأل المهندس صادق من بعيد:
- هل أنت بانتظاري؟
- أهلاً وسهلاً بك، يا خواجا.
خلع الخواجا داوود قبعته، وقال بلهثة خفيفة:
- كنت مارًّا من هنا، فقلت لنفسي من الواجب أن ألقي على مهندسنا التحية.
قال زغلول، وهو يقبل يده:
- زارتنا البركة، يا خواجا!
- كيف حالك، يا زغلول، يا كليبي؟ هل برئت ساقك؟
راح زغلول يشكو ظلم الأيام. كان عاملاً فاعلاً في المصنع، لكن الآلة هوت على ساقه، وسحقتها.
- أسنانك سليمة؟
- سليمة، يا سيدنا الخواجا داوود.
- خذ.
دس قطعة نقدية في يده:
- اشتر قطعة حلاوة لأسنانك.
رفع زغلول يديه على السماء، وراح يدعو، ويدعو.
في المكتب، سأل الخواجا المهندس صادق:
- كيف حال العمل؟ أتمنى أن تكون قد اعتدته.
- العمل جيد، يا خواجا.
- اعتبرني صديقك، واشك لي همومك.
- هذا أملي.
سحب الخواجا داوود سكسوكته مرتين، وتبصر فيه مليّاً:
- والعمال؟
- طردت أحدهم منذ ساعة.
تصانع عدم الفهم، وسأل:
- لماذا، لا سمح الله؟
- إنه فوضوي ومخرب.
تصانع الموافقة والإقرار:
- أما إذا كان الأمر كذلك، فالحق معك.
وبطريقة ودية، وضع الخواجا بين يديه ظرفًا:
- هذا لك.
ألقى المهندس صادق على الظرف نظرة متسائلة قبل أن يفتحه، واكتشف رزمة من النقود.
- ما هذا، يا خواجا؟
فلقت الابتسامة فمه:
- ضعه في جيبك!
استجاب.
قال الخواجا داوود عَرَضِيًا:
- أما عن العامل الذي طردته، فلا تحمل همّاً.
- هناك من يعوضه في الوقت الحاضر.
قال الخواجا داوود ساخطًا:
- حسنًا.
ثم تقدم من محدثه خطوة:
- إذا احتجت إلى من يعمل معك، بأمرك وحسب مشيئتك وإرادتك، فعندي من العمال المهرة، والذين عملوا لسنوات في مصانع أحدث ألف مرة من هذا المصنع، في ألمانيا.
سكت ليشاهد رد الفعل لديه. ودون أن يدع له مجالاً للتفكير، أضاف:
- بعض الأقارب ليس إلا.
طلت الآن ابتسامة صفراء فمه. كرر:
- بعض الأقارب. أقارب عانوا عبر التاريخ، ونكل الألمان بهم.
ابتلع ابتسامته، وقال بسرعة:
- ها أنا آتيك ((بالحضارة)) على طبق من فضة.
- نحن بلد متطور، يا خواجا! هل تنسى حقولنا وكرومنا وصناعتنا الخجولة حقًا ولكن الموجودة. لسنا رهطًا من الناس الوحوش!
- بالنسبة لأقاربي أنتم وحوش! خذهم، والإنتاج يتحسن.
راح المهندس صادق يفكر في صفقة الباشا المستعجلة مع تجار سوريا. سمعه يقول:
- ستكسب رضاء الباشا ورضائي.
أخرج من جيبه ظرفًا آخر، وضعه على المكتب، وخرج.
انتبه المهندس صادق إلى الضجة التي أحدثتها عربة المستر كلارك، فخرج لاستقباله مسرعًا، وهو يخفي الظرف.
- أهلاً وسهلاً بك، يا مستر كلارك.
- موعدي مع الباشا في المصبنة.
وفحص ساعته:
- بعد قليل.
ثم أجبر نفسه على الابتسام.
- أردت أن ألقي على مستر صادق التحية.
فتح له المهندس صادق الباب، وأدخله المكتب.
قال مستر كلارك:
- إنني أحسدك!
احمر وجه المهندس صادق:
- لماذا؟
- لأنك مهندس.
وكما لو كان يريد التخفيف من أثر الإطراء، رد صادق:
- بإمكان كل امرئ أن يصبح مهندسًا.
قال مستر كلارك بإصرار:
- لا، ليس كل امرئ.
ثم أضاف بتمهل:
- على المهندس أن يكون ذكيّاً.
أشار إليه صادق بالجلوس وراء المكتب.
- الهندسة شيء معقد. كل ما يتعلق بالتكنولوجيا شيء معقد. والتكنولوجيا حقل الأذكياء. هل أنا غلطان، يا مستر صادق؟
- أشكرك، يا مستر كلارك.
امحت ابتسامة مستر كلارك:
- سأدخل في الموضوع مباشرة.
- تفضل.
قال مستر كلارك بنبرة آمرة:
- يجب أن توقف عمل المصنع.
تفاجأ صادق، ولم يجرؤ على سؤال محدثه لماذا.
- أيفاجئك هذا؟ لا، من اللازم ألا يفاجئك.
بقي صادق صامتًا.
- إذا لم يكن بمقدورك أن توقف العمل تمامًا، فاعمل على توقيفه مؤقتًا. اختلق العوائق. أتعرف لماذا؟
قال صادق:
- لا أعرف.
- حسنًا. سأشرح لك.
- ولكن...
- لماذا أطلب منك أن توقف عمل المصنع مؤقتًا في الوقت الحاضر؟ باختصار إنها شركة إنجليزية، هل تفهم؟ لا نريد لها منافسًا محليًا.
فتح عينيه الزرقاوين، وراح يدغدغ مواطن الضعف لدى المهندس:
- ستكون لك سيارتك الجديدة عند آخر الشهر، و...
سكت قليلاً، ثم:
- وشيك بمبلغ محترم.
انتظر، ثم سأل:
- اتفقنا؟
بقي صادق صامتًا دون أن يبدي رد فعله، ثم:
- اتفقنا.
أبدى قلقه:
- ولكن... ستسببون لي المتاعب مع الباشا إبراهيم.
نهض الآخر:
- تدبر الأمر بنفسك، ألم أقل ليس بإمكان كل امرئ أن يصبح مهندسًا؟
على الباب، سأله بإلحاج:
- يجب على المهندس أن يكون ذكيًّا، هل أنت متفق معي؟
- تمام الاتفاق.
امتطى مستر كلارك العربة.
- إلى اللقاء، يا مستر صادق.
- إلى اللقاء، يا مستر كلارك.
وبينما العربة تبتعد، فكر صادق: سأطرد بعض العمال بحجة التخريب، أعطى لي الباشا إذنًا بذلك... وبانتظار أن يأتيني الخواجا بآخرين تكون بضائع الشركة الانجليزية قد اكتسحت السوق، وهكذا أضرب عصفورين بحجر واحد. وماذا سيكون رد فعل الباشا بخصوص صفقته المستعجلة مع التجار السوريين؟ سيجد مبررًا، وبالطبع، مدعِّمًا. وراح يحلم بالسيارة الجديدة التي وعده بها مستر كلارك.
دفع الأسطى حسن الباب الداخلي، وزعزع كل أحلامه. سأل المهندس صادق:
- ماذا هنالك؟
بوجه متوتر، وعينين تقدحان شررًا، رمى الأسطى:
- أبو العبد... ما كان عليك أن تطرد أبا العبد.
هب الآخر به صائحًا:
- الزم حدودك، يا أسطى حسن! أنت آت لتحاسبني؟!
تمالك الأسطى حسن عن فعل ما لا يحمد عقباه، وقال متمهلاً:
- وحدي، لا أحاسبك، أما إذا اجتمع العمال معًا، فسيكون حسابهم عسيرًا.
حدجه معنفًا:
- ماذا تقصد؟
أجاب الأسطى حسن:
- السيد صبحي، المهندس الذي كان قبلك، كان حليفًا للعمال، وقد عمل كل ما بوسعه من أجل خدمتهم واحترام حقوقهم.
هبَّ به صائحًا من جديد:
- أتريد أن تعطيني درسًا؟
ثم رفع إصبعًا محذرًا:
- الزم حدودك، يا أسطى، وإلا...
توقفت السيارة، وزمرت. خف المهندس صادق إليها، فهبطت مسز كلارك حالما رأته:
- هالو!
- هالو!
- الطقس حار، والقدس برمتها بانتظارنا، فما رأيك؟
نظر إلى ساعته:
- الآن؟
- لديك عمل؟
قال:
- سأعود خلال لحظة.
رجع إلى المكتب، فوجد الأسطى حسن لم يزل في مكانه، وهو يتأجج من شدة الغضب:
- هل سمعت؟ الزم حدودك، وحذار!
حمل معطفه دون مبالاة، وخرج.
وبينما السيارة تغادر الباحة، كان الأسطى حسن ينظر من الباب المنفرج قليلاً، وعيناه على وشك الانفجار.
* * *
لم ير الصديقان في حياتهما دموعًا تتفجر من عينين أنثويتين كتلك الدموع التي تفجرت من عيني ماريشيا وبولينا، كانتا مطاردتين بمناظر الجثث المتفحمة في المنطقة الخصراء.
- وماذا لو كنت أنا، رددت ماريشيا، وماذا لو كان واحدًا فينا؟
- وماذا لو كان بابا، رددت بولينا، وماذا لو كانت ماما؟
- لا تقولي هذا، يا حبيبتي، قال موزارسكي لبولينا، وهو يضمها، ويقبلها.
- اللعنة على كل الحروب، قال ماريك لماريشيا، وهو يجذبها من كتفيها.
ساروا في أنقاض وارسو، وذهبوا إلى حيث كان يسكن ماريك، فوجدوا كيف محا الألمان العمارة التي كان يسكن فيها، وعملوا مكانها مرأبًا عامًا لدباباتهم. أما الشقة التي كانت لموزراسكي، فقد وجد فيها عائلة ألمانية. ترك صوره في أطرها على الجدران، واحتفظ بمفتاحه. وبينما هم في أزقة الموت والدمار، سمعوا أنين الناس، وكيلا يعلو الأنين أكثر، فيُخضع بشر المدينة الثكلى، دقت الأجراس. سدت ماريشيا أذنيها بيديها، وصاحت:
- أين الله؟ فليأتوني به كي أحاسبه.
قبلها ماريك في كل مكان من وجهها، وهو يردد:
- مات الله، يا حبيبتي!
- ولماذا كل هذه الأجراس التي تقرع إذن؟
- هذا لأنه مات، يا حبيبتي.
همهم موزارسكي:
- الله لا يموت!
فصاح به ماريك:
- ما لا يموت هو الشر!
- لا يوجد شر هناك، همهم موزارسكي من جديد.
- كل هذه الشرور، وتقول لا يوجد شر هناك، تهكمت ماريشيا.
- يجب القول لا يوجد خير، هذا ما تقوله المزامير، رفع موزارسكي صوته. يوجد هناك خير أو لا يوجد، الأمر ببساطةِ ضوءِ العالمِ في عيني بولينا.
- ولماذا لا يوجد الخير، يا حبيبي، سألت بولينا، وهي تقبله.
- لأن الله يريد أن يجربنا، جربنا مرة بالمسيح، واليوم بغيتو وارسو وبوارسو وببولندا وبأوروبا وبالعالم أجمع.
- لكي يوجد، أليس كذلك؟ صاح ماريك ناقمًا، فيجعلنا ندفع الثمن باهظًا.
- لكي نوجد نحن، فنحن ظلاله على الأرض.
- هراء!
- نحن ظلاله التي تبحث عنه لتكون، فلم تجده، ولم تجد نفسها. ألا ترى في سبب كل ما يجري ضياع الله؟
- نحن ظلال أنفسنا، نوجد بها، معه أو بدونه. وكل هذا الدمار لأننا لم نعرف كيف نوجد، هذا كل ما في الأمر.
- بل لأننا أضعنا الطريق إلى الله، وبالتالي إلى أنفسنا.
- الله أنا، ها أنا، الحقيقة الوحيدة التي بين يديك!
- إذا كنت الله، فخلصنا مما نحن فيه.
- ليس على الله أن يخلصنا مما نحن فيه، هو لا يستطيع، وبالتالي أنا لا أستطيع، وكل إله منا لا يستطيع، ليس لأن الوقت قد تأخر كثيرًا، وإنما لأنه الصراع بين الآلهة الذين هم بشر هذا الزمان، ولأن علينا أن نتصارع ما بيننا حتى نهايات الكون.
أوقفوا سيارة مدنية، وقالوا لصاحبها، سنعيدها إليك بعد أن نذهب إلى مكان يكون أبعد مكان عن الحرب في وارسو.
* * *
انسحبت الغيوم عن وجه الشمس، فتساقطت بشعرها الأشقر في حضن عواد. كانت بقراته تقضم العشب عند شجرة السرو، وكانت شجرة لوز سامقة خلف الكوخ، راسخة كعواد في صلب الأرض، تصب أغصانها المتشابكة ذات الأوراق المتساقطة ظلا على الأرض جاءه عواد، واضطجع فيه.
صعدت خالة ميريام المنحدر في اللحظة التي هبط فيها السيد لطفي وشيخ الجامع. ألقت عليهما التحية، فلم يجب السيد لطفي. كان مربدًا، عابسًا، وعضلة عنقه تهتز. رد عليها الشيخ التحية، فسألته مشيرة بعصاها إلى الآخر:
- ماله عابس؟ هل من مكروه؟
قال الشيخ:
- كل شيء بيد الله، وهو يرمي التخفيف عن السيد لطفي الذي رفضه أبو رقية زوجًا لابنته.
ثم هبط الشيخ من وراء السيد لطفي بسرعة. قبل أن تقطع خالة ميريام المنحدر إلى دار إسحق، رأت أبا رقية يخرج بنارجيلته تحت الشمس. صاحت به:
- لماذا لم تكرم ضيوفك؟ دخلوا عليك ضاحكين، وخرجوا عابسين!
رماها بنظرة لا اهتمام فيها، وأعطاها ظهره، فقالت:
- غفر الله لك وللجميع!
انتهى بها الحال إلى الوصول إلى بيت إسحق بصعوبة.
- يا إسحق...
نقرت الباب بعصاها.
- خالة ميريام على بابك!
همهمت:
- لا يوجد أحد.
تأوهت، واستدارت. رأت بقرات عواد، فاقتربت منها، وهي تتساءل أين عواد، يا ترى؟ تعجبت لابتعاده عن بقراته، لكنها ما لبثت أن رأته ينام على ظهره تحت شجرة اللوز.
رفع رأسه على سماعه لخطواتها، فصاحت:
- ماذا تفعل هناك، أيها الفلاح؟
انتظر قليلاً أن تقترب منه، وقال:
- أنا أطلب بعض السكينة.
وضعت خالة ميريام عصاها، وجلست قربه، وهي تزفر:
- السكينة، هذا ما يحتاجه الشيوخ.
استرق عواد النظر إلى الشمس، وعلى محياه نوع من الحنو.
- أتحب الشمس؟
بقي يتأملها ألقة وذهبية.
- أجبني.
قال عواد بشغف:
- أؤلهها!
- ولماذا تجلس في الظل؟
أجاب:
- لقد شاخ جسدي.
- تقصد أنه ما عاد باستطاعتك احتمال حرارتها.
- هذا صحيح.
أضاف برقة:
- أما الشمس، فأحبها كما لو كنت شابّاً دومًا.
- حلال عليك!
تنهد بقوة، وسأل:
- هل رأيت البقرات؟
- ما لها البقرات؟ تقضم العشب بمرح...
ابتسم عواد، وكأن خالة ميريام تحدثه عن حبيبة.
- غسلتها هذا الصباح، وأحسنت تنظيفها.
- ها هي ذي بَهِجَة كالعرائس!
اعتمد على مرفقه، ونهض بنصفه العلوي، وهو يعيد مغتبطًا:
- ها هي ذي بَهِجَة كالعرائس!
سألته خالة ميريام عند ذلك:
- ألم ترَ إسحق؟ ذهبت إلى داره، فلم أجده.
- لم أره.
- أين تراه ذهب؟
قال عواد بثقة، وطمأنينة:
- إذا ذهب إسحق، فهو لا يتأخر عن العودة إلى الأرض.
ابتسم قبل أن يضيف:
- تجدينه الآن في الطريق.
شبكت أصابعها، وذهب عنها قلقها:
- سأنتظره طالما الأمر كذلك.
فجأة، وصلهم وقع أقدام. ثلاثة من رجال المخفر بصحبة كاتب الباشا. قفز عواد مرتعبًا، وكذلك فعلت خالة ميريام، وهي تعتمد على عصاها. سأل عواد:
- ماذا تريدون؟
فتح الكاتب سجلاً، وأغلقه:
- إما أن تدفع ما يعادل بذار ثلاثة مواسم، وإما أن تعطينا البقرات.
اقترب منه، واقترب... وقف أمامه مشدوهًا للحظة، ثم رفع قبضته إلى أقصاها، وأهوى بها على صدر خصمه بكل قواه، صائحًا:
- أيها المجرم!
دقه أحد رجال المخفر ببندقيته في صدره، فسقط عواد في حضن الأرض. ركله آخر، فاختلط جسده بالتراب. رمت خالة ميريام بنفسها عليه، وهي تحاول رفعه، وتبكي، وتشتم، وتنادي إسحق. صادر رجال الباشا البقرات، وذهبوا.
* * *
أينما ابتعد الأصدقاء الأربعة في ريف بولندا وجدوا الحرب قربهم، وكأنها تلتصق بأبدانهم. كانت القرى مدمرة، والأشجار محترقة، وألوان الشمس سوداء. بحث موزارسكي عن قريتهم، قرية أمه وأبيه، فلم يجدها، محاها الألمان من الوجود، وبحث ماريك عن أصدقائه من البولنديين، فلم يجدهم، أخذوا طريق المنفى بعد أن طردهم المحتل وشردهم أو خوفهم وجعلهم يهربون، وغدا المنفى قدرهم، فالمنفى بعد الاحتلال قدر، والقدر بعد الاحتلال الإجرام. اضطروا في النهاية إلى أن يتوقفوا، ويقفوا على صخرة في وسط الدنيا، وينادوا. نادى كل واحد على نفسه:
ماريشيا!
بولينا!
ماريك!
موزارسكي!
وفي كل مرة، كان الصدى يجيب:
فاطمة!
آداما!
تونغ!
جيمي!
عرف الأصدقاء الأربعة أن كل واحد منهم هو آخر في مكان ما على وجه المعمورة، فحيّرهم الأمر أكثر مما ريّحهم. نزلوا عن الصخرة، وأخذوا يبحثون عن أنفسهم في الحيوانات المحيطة بهم. كانت بولندا مليئة بشتى أنواع الحيوانات الأليفة منها والمتوحشة، ووجد كل واحد نفسه في حيوان لم يختره وإنما لأن الحيوان اختار عنه، وكانت للحيوان صورته. اختارت الفقمة ماريشيا، والبومة بولينا، والدب ماريك، والفهد موزارسكي. كانت الحرب قد انتهت. وما لم يتوقعه أحد منهم هو عجز كل منهم عن عناق الآخر وأخذ الواحد للآخر بين ذراعيه، فالفقمة لا تعانق دبًا، والبومة لا تعانق فهدًا، لهذا فضلوا رفض الاختيار، والعودة إلى عدم الحرية الذي هو الحرب. فهموا أن عدم الحرية هو أيضًا عدم السلم، لهذا عادوا إلى غيتو وارسو، ليعيش كل منهم عدم حريته في الحرب اليوم، وغدًا في السلام.
* * *
نقل داني عمران الخضرجي صحاحير الخضار إلى الشاحنة الصغيرة التعبة ليأخذها إلى حسبة المدينة، وهو يلوك أعناق اللخنة الخضراء. لم تكن له دكان، بما أن القرية الخضراء لا تحتاج إلى خضّار. ومع ذلك، سموه بالخضرجي لعلاقته الخاصة هذه بالخضار. عندما أنهى نقل الصحاحير كلها، ركب إلى جانب السائق، وطلب:
- ارمني في ساحة القرية.
- هل انتهى عملك؟
- هلكت. منذ الفجر وأنا اعتل على ظهري!
صححه السائق:
- منذ الفجر وأنت تجتر خضار العاطي!
وقهقه:
- كالناقة! كالناقة الجوعى!
مما أغضب الخضرجي، نزل، وهو يشتم، ويضرب الباب بغضب. ناداه السائق:
- تعال اصعد، سأرميك أينما تريد.
- سأصعد على ظهرك في المرة القادمة!
ذهب السائق، وهو يقهقه.
اتجه داني عمران الخضرجي إلى البيارة، فأخفى إسماعيل نفسه خلف شجرة برتقال. أخذ يصفر، ثم ابتعد. أخذ إسماعيل يجري بحثًا عن كلبه. صعد التل، ثم هبط. التقاها. وجد ابنة الحارس في وسط الحقل، وهي تقطف زهر الشتاء. توقف واجمًا: ما العمل؟ وقعت عليه فجأة، فشعت ابتسامتها في الشمس، وجاءت تجري نحوه.
قدمت إليه الباقة. أخذها إسماعيل، وهو يرتعش، ثم سقط على الأرض، كما لو كان يشكر السماء. أخذها من كتفيها دون أن يغادره اضطرابه، وهو يرغب في اكتشاف نرجسة أحلامه، في شمها، في ضمها... بقي غائبًا بعض الشيء، لكنه أفاق على أشعة هذه الابتسامة التي تتفجر بالنهار. غمره الفرح، ولأول مرة، ابتسم ابتسامته الحقيقة. التمع الوميض الأزرق في عينيه على طبيعته، فهو يعكس سماء حرة. مد أصابعه إلى وجنتيها، وداعب بنعومة شفتيها، ثم بحث في جيبه، وأخرج سوارًا ذهبيًا سرقه من كنز سارة. ألبسه ذراع الصغيرة، فقبلته من خده قبلة السحر. تشمع على ملمسها، وصار له شكل فاجع. أجال أصابعه في شعرها حالمًا، وأراد أن يثنيها بين ذارعيه، لكنها هربت. نهض، وهو يصيح بها أن تعود، فراحت تطلق الضحكات. انتشرت في الأرجاء موسيقى نقية بنقاء الندى. عدا من ورائها إلى أن أمسك بها. كانا يلهثان. تخللت أصابعهما، فذابت القبضة الصغيرة في قبضته. جذبها إليه، وهو يقهقه كالطفل، ثم راحا يجريان. كان الصدى نقيًا كضحكاتهما، كخطواتهما، كالموجات في الحشائش. خنقه الفرح. حقق حلمه. رمى بنفسه في الموج الأخضر، وجعلها تعوم معه، ثم رفعها بين ذراعيه، وشدها إلى قلبه. آه! أية نشوة دقات نهدها الصغير. أية مغامرة نفسه الساخن على عنقها! تأوهت، وضمته بعنف. وضع شفتيه على أذنها، فاجتاحه اللهب. ارتد مذعورًا، وهو يراها تنظر إليه بذهول. حل أقفال ثوبها، وأسقطه، فانتصبت عارية. راح يتأمل جسدها الطفل برعمًا برعمًا، وهي واجمة. نزع ثيابه، واقترب رويدًا... رويدًا...
لم يلامسها بعد، كان يقترب رويدًا، رويدًا. بدأ يدور في خياله شريط بطيء: (( الطفلة تعدو باكية، بشعرها المشعث، وثوبها المقفول دون عناية )) وهو يواصل الاقتراب إلى أن يلامس جسدها. (( تقطع الحقل بقدميها الحافيتين، دون أن تتوقف عن البكاء )) وهما يسقطان معًا في الحشيش، (( لتستقبلها أمها، متسائلة أولا، ثم متفحصة، وقد عرفت كل شيء. تصفعها، وتأخذ باللطم والولولة )) قطرات دم تلوث فخذي الطفلة، فتصرخ، وتنهض فزعة. (( أبوها يخبر الباشا إبراهيم بكل شيء، والباشا إبراهيم متفجر بصمته )) يرمي عليها ثوبها، فتعدو باكية، بشعرها المشعث، وقدميها الحافيتين. (( أبو البنت عند البوابة الكبيرة، وهو ينظر بجشع إلى حفنة النقود، بينما تفحص الأم السوار الذهبي فحصًا دقيقًا )).
* * *
كانت ماريشيا تنام في فراش ماريك، وبولينا تنام في فراش موزارسكي. كان يبدو على الأربعة التعب بعد فعل الحب، وعلى الرغم من ذلك، أرادوا التعب أكثر، ليس سعيًا وراء اللذة، وإنما من أجل التعب أكثر. كانوا يريدون أن يتعبوا أكبر تعب، وأن يهلكوا من التعب. كانت شهوة الواحد للآخر قد جفت، ولكنهم أرادوا أن يتعبوا دون شهوة ولا لذة، كانوا يريدون أن يشعروا بتعب ليس مثله تعب، بتعب ليس لأنه تعب المفجوع ولكن لأنه تعبهم. كان التعب الذي يعرفه الناس ليس التعب الذي يريدونه، كانوا يريدون أن يتعبوا أكبر تعب، وفي الوقت ذاته أن يكون تعبًا خاصًا بهم، أن يكون تعبهم. كان تعبهم لا ليشعروا بتعب الناس ويرأفوا بهم، وإنما ليكون تعبهم، فقط تعبهم.
قالت بولينا لموزارسكي:
- بعد كل هذا التعب، لم أتعب بعد التعب الذي أريد.
وقال موزارسكي لبولينا:
- بعد كل هذا التعب، هناك من يتعب أكثر.
- هل تعني أن لا حدود للتعب؟
- للتعب حدود، ولكن لا أحد يمكنه الوصول إليها.
- لنتعب إذن إلى الأبد، قالت بولينا، وهي تعود إلى ممارسة الحب مع حبيبها دون شهوة ودون لذة.
هذا أيضًا ما تبادله ماريك وماريشيا من حديث، وأضافا بعد أن تعبا أكبر تعب:
- فلنرتح قليلاً، ثم لنعد إلى التعب.
- وبعد أن نتعب من جديد؟
- سنرتاح من جديد.
- وبعد أن نرتاح من جديد وجديد؟
- سنتعب من جديد وجديد.
- وإذا ما مللنا الراحة والتعب؟
- سنتصرف.
- سنتصرف كيف؟
- سأكون جندية في الجيش الألماني، وأنت يهودي بان للجدار.
- هذا أيضًا تعب.
- ولكنه ليس التعب الذي هو التعب.
- هناك إذن تعب وتعب.
- تعب وتعب وتعب، وكلها تعب.
- تريدين القول قدرنا التعب.
- لا وإنما تعبنا القدر.
قبّلت ماريشيا ماريك من خده قبل أن تنام طلبًا للراحة، وكذلك فعلت بولينا مع موزارسكي. قالت كل منهما لحبيبها إنها مدعوة هذا المساء إلى عرض خاص لمسرحية شكسبير هنري الرابع، فعمل الصديقان كل ما بوسعهما على إقناعهما بعدم الذهاب. قالا إن شكسبير لا يُتعب إلا ممثليه ولا يُريح إلا ممثليه، ووعدا الحبيبتين بتعب من نوع آخر فريد.
* * *
جاء رجال المخفر من بعيد، وهم يسحبون بقرات عواد، بينما تقدمهم كاتب الباشا بسجله تحت إبطه. زلقت الشمس من خصر السماء، وراحت ترسل الشعاع على دفعات، كإشارات الخطر. ترك فلاح فأسه متابعًا إياهم، وهو يطحنه الغضب. كان في ثوبه الفقير محرومًا من إرادته، ومع ذلك، كانت الأرض تشده إلى صدرها. أخذوا بقرات عواد! وفي أقصى الحقل، رمق فلاح أسلحة رجال المخفر، وكتم غيظه. كانت الأرض، وأشجار الزيتون، والغدير تنظر إلى بقرات عواد، وتبكي بغرابة. كيف استطاعوا مصادرتها؟ كيف جرؤوا على ذلك؟ لم ينهض الفلاحون، كانوا غاضبين، ولكنهم لا يتمردون. عند المفترق، ذهب اثنان من رجال المخفر بالبقرات إلى إسطبل الباشا، بينما اتجه كاتب الباشا وثالث الخفر إلى بيوت فلاحي وادي عربة. كان الفلاحون يقلبون أرضهم، والألم يحرث جباههم، وكان أحدهم يدندن بصوته الحزين:
أودعتك السلام يا طير السلام
أودعتك ضنى قلبي
طوال الليل ما بنام
طواني الليل... طوى دربي
وعواد بحبك داب غرام
متلي أنا وحياة ربي
بسبب العدا حل الخصام
أخدوكِ... واندبح قلبي...
اخترق الصوت الحزين لحم الأرض، واختلط بالأثلام الحمراء. وصل كاتب الباشا إلى بيت أبي قاسم، ونادى بصوت عال:
- يا أبا قاسم.
تجمع بعض الأولاد، وأطلت بعض النساء، فانتهرهم الخفير، وهو يهددهم بالبندقية، ليتركوا الكاتب في حاله.
- يا أبا قاسم.
انجذب ستار الباب، ظهرت صفوريا، وهي تخبئ نفسها حتى ذقنها، وسألت بعينيها اللوزيتين:
- ماذا تريد؟
- أين أبو قاسم؟
- لم يعد إلى الدار.
جاء الخفير بقنبازه المتسخ المرقع، وانزرع بساقيه المشعرتين اللتين أول ما تلحظهما العين لقصر القنباز. تقدم الكاتب من صفوريا، وماعت ملامحه. كسر عنقه الهزيل بطريقة مزرية، وهمس في أذنها. التفت فجأة، ووجد الحارس يقلده تلقائيًا، فانتهره:
- ابعد الأولاد، يا عويس! ابعدهم، وانشر النظام كي أنهي الشغل بإرادة الله وعونه.
هب عويس بالأولاد صائحًا، فهربوا، وراح يدب كالدب من ورائهم. تلعثم الكاتب قبل أن يقول:
- يا صفوريا... ليس أبوك في الدار يا صفوريا؟ قولي لي... هاه... يا صفوريا...
لمح امرأة تطل برأسها من باب مجاور، فهبَّ بها صائحًا:
- ادخلي دارك، يا ولية، ودعي كاتب الباشا يعمل! ما شأنك أنت يا متلصصة!
نبرت المرأة:
- قصر الله أجلك، يا كاتب الفاتحة على قبرك!
دخلت بسرعة، والكاتب متلوحًا:
- قطع الله لسانك، يا غجرية، يا نورية، يا بنت النور! سأكتب الفاتحة على قبرك أنت!
خلال ذلك، كانت صفوريا تضحك، ويكاد يغشى عليها من كثرة الضحك. اقترب منها متمهلاً، وعلى فمه ابتسامة ثعلبية:
- تضحكين، يا صفوريا! تسلم لي هالضحكة! ادفع عمري لهالأسنان!
جذبت الستار تحت عينيها، وسألته بجفاف:
- ما الذي تريده من أبي؟
قال بصوته المعسول:
- المسألة بسيطة، إذا شئت، يا صفوريا. دعيني... دعيني أدخل أولاً.
انتصبت في وجهه كالحصن:
- لن تدخل طالما بقي أبي خارج الدار. احفظ حرمة ديار الآخرين، يا كاتب الباشا!
طلب إليها بدلع:
- قولي لي يا عبد الغني.
لكنها مسحت به الأرض:
- احفظ حرمة ديار الآخرين، يا رجل!
أطلق آهة تعجب:
- أتقولين لي هذا، أنا! أنا من حفظت حرمة ديار الأقربين والأبعدين طوال عمري!
مال بعنقه متوددًا، متوسلاً:
- دعيني أدخل، يا صفوريا.
وتلاهث:
- عيونك اللوزية أفديها عمري! شفايفك التوت أدبح لها قلبي!
لكنها انتهرته:
- اذهب من هنا!
أبدى عن أنيابه:
- أتقولين لي هذا!
- اذهب! هيا اذهب!
اربدت تقاطيعه، وأخذ بها يتحلف:
- طيب، يا ابنة الغجر!
جذبت الستار في وجهه، فعلت نبرته المهددة:
- قولي لأبيك إذا لم تدفعوا الأجرة السنوية للباشا خلال ثلاثة أيام اقتلع بيوتكم، وشردكم في الصحاري بلا مأوى. هذا ما تستأهلونه، يا أبناء الكلاب!
ثم صاح بكل قواه:
- يا غجر! يا نور! يا جرذان الصحراء!
التفت حوله باحثًا عن عويس الذي جاء يركض كالنعامة من آخر الزقاق، والأولاد يزفونه. صاح به من بعيد:
- تعال، يا عويس الزفت!
- نعم، يا سيدي.
أجاب عويس منهكًا.
جذبه من خناقه:
- امش أمامي، يا عويس الزفت!
وبصق لمرات، وهو يلتفت حوله، بينما تعالت زفة الأولاد.
* * *
امتلأت قاعة المسرح بالضباط والجنود الألمان الذين يحرسون جدار الغيتو الصغير وكذلك بأفراد الشرطة اليهودية لأجل العرض الخاص بهم لمسرحية شكسبير هنري الرابع. كان يتصدر الصفوف الكولونيل هينز، إلى يمينه ضيف الشرف جوني شارلز مبعوث التايم الخاص، وإلى يساره مقعد بقي فارغًا. في الخارج، كان المساء لا نجوم فيه، والشوارع كلها خالية. وكان ماريك وموزارسكي يسمعان من النوافذ المفتوحة للمسرح تصفيق المشاهدين من وقت إلى آخر، وصوت ماغدلينا أنييليفيتش الهاز للمشاعر، وخاصة عندما أنشدت هذا المقطع الكبير الذي قوطع عدة مرات بالهتاف والتصفيق:
في كل واحد بربريّ
حتى في أكثر الأزمان تطورًا وحضارة
هكذا الإنسانية صُنعت
من متحضرين برابرة
بالقوة نرقى أعلى القمم
ونستحق العيش عن جدارة
بالقوة نكون خير الأمم
ولغيرنا هديًا ومنارة
ما كان الذئب ذئبًا لحمل وديع
إلا لأن الدمَ دمٌ واستعارة
فالحياة لمن للحياة نابٌ ومخلب
وقبعةٌ وقبلةٌ تُعطى بحرارة
الغد لمن يعرف معنى الوجود
وما في الكأسِ من أسئلةٍ حيرت شاربها
وغدت أجوبةً للقائد الفذ
وللعالِمِ البارعِ في عالَمٍ
جعل كلَّ الناسِ فيهِ حيارى
هكذا الصعود يدوم إلى الأبد
النجومُ تسقطُ
لكنها تبقى معلقةً في القمم
وتبقى أنوارها تسطعُ
كالشموس
في دياجي الزمن
كالكواكب السيارة
هكذا التفوق يكون إلى الأبد
على الصغار
الكبارُ كبارٌ لأن على الصغار أن يبقوا صغارًا
إلى الأبد
فالأبد قاربٌ لا يمل الإبحارا
ليست النجوم للأقمار صغيرة
الأقمار تكبر والنجوم تعلو
وما كل من يكبر كبيرا
كل من يعلو كبيرا
الأنهار تغدو له إصبعًا
وما في الأنهار ظِفرًا واستئسارا
* * *
أخذ كلب إسماعيل في المساء يجري وينبح.
وأخذ كلب آخر في أقصى القرية يجيب.
ابتعد السمسار عن السياج، وراح يقطع الممر الطويل حتى دار البيك الحجرية. انتظر قليلاً، ثم طرق الباب. فتح له خادم أسود، فسأله بصوته النسائي:
- سيدي البيك موجود؟
حدجه الآخر دون مودة، وأدخله دون أن ينبس بكلمة. بعد أن جعله ينتظر قليلاً في ردهة الدار التي في وسطها بركة، ساقه إلى مكتب البيك: كان البيك في قميصه وسرواله، وكانت حول عنقه لفحة حمراء. حاول السمسار أن يضفي على صوته خشونة أصوات الرجال، لكنه لم يفلح:
- السلام عليكم، يا سيدي البيك.
تمتم البيك من طرف شفتيه:
- خير، يا سمسار؟
- خير، يا سيدي البيك.
تقدم من الهيثم الذي لم يترك مقعده الجلدي، وسلم عليه:
- كيف حالك، يا سيد الهيثم ؟
- بخير دومًا.
وسدد ذراعه بضربة معبرًا عن صداقته:
- وأنت؟
أطلق السمسار تنهدة:
- الحمد لله!
قال له البيك:
- اقعد.
راح يبحث عن مقعد، وهو يجمع ثوبه مهمهمًا :
- استغفر الله!
ثم قعد، وأطبق فمه.
سأل البيك:
- أنت آت من طرف الباشا؟
انتفض المسمار:
- الباشا!
جمجم متصنعًا النقمة ليخفى متانة صلته بالباشا:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!
وأبدى سحنة مضطربة. تبادل البيك والهيثم نظرة ممتعضة: لم يرسل الباشا إبراهيم تهديداته بشأن أولاد عوض! تململ السمسار، وهو يرمي الهيثم بنظرات من طرف عينه، ممَّا دعاه إلى الخروج. عندما سمع السمسار طرقة الباب، قال:
- يا سيدي البيك، أتيتك بما يسعدك ويرضيك، لتعرف أنني زلمتك، ووحدي خادمك وخادم أبيك من قبلك... الخادم الأوحد.
تقدم البيك مهتمًا، وجلس على حافة المقعد الوثير.
- كان بإمكاني أن أذهب عند الباشا أو عند الخواجا أو عند آخرين، لكنني أبيت إلا أن يكون هذا الشيء لك، لمقامك العالي، وأنا السمسار الحقير!
جعل البيك في صوته طراوة:
- ماذا هنالك، يا سيد علي؟
- العفو، يا سيدي البيك.
ظل البيك منتظرا. قال السمسار :
- شمس الدين أخ أبي سِنَّه يريد بيع أرضه.
كشف عن صفقته.
- أرض من أخصب أراضي البلد وأغناها، أنت تعرفها ما في شك، إنها جنة غناء، يا سيدي البيك.
ثم فجأة غدت نبرته حزينة:
- حسرة عليك، يا أبا سِنَّه! لما رأى شمس الدين ما فعلوا بأخيه، أقسم ألا يقعد في هذه البلاد، بلاد الموت والخراب، وصمم على الرحيل.
أضاف بنعومة من ورائها غاية:
- كلفني بالأمر، فأتيت إليك. أنت أولى الناس وأكرمهم!
رفع البيك حاجبيه مفكرًا، والسمسار يضيف:
- لا أريد زيادة على (( سمسرتي )) من عندك، فسمسرتي معروفة يدفعها الأعلى والأدنى، ومع ذلك، اخترتك، لأنني زلمتك، وزلمة أبيك من قبلك، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
اختصر البيك لفه ودورانه:
- اشترينا الأرض، يا سيد علي.
تقوس السمسار، وهو يبالغ في التهاني.
- وأعطيناك زيادة على سمسرتك المعتادة ما شئت وما أردت.
سقط السمسار على يده، وقبلها، ثم رافقه البيك حتى الباب.
- لقد تم الاتفاق.
أنهى السمسار آخر مهماته:
- سأعدُّ الأوراق، وسأنجز كل ما هو قانوني خلال يومين، لتضع توقيعك.
- أنا بالانتظار، يا سيد علي.
- أدامك الله وأبقاك، إنه سميع مجيب الدعوات!
أراد تقبيل يده مرة أخرى، إلا أن البيك منعه.
ذهب السمسار، وجاء الهيثم:
- ماذا لديه ذو الحنجرة الرقيقة؟
راح ينعم صوته مقلدًا، والبيك يبتسم. توقف الهيثم فجأة مبحوحًا، وعيناه تدمعان. اتجه البيك إلى مكتبه:
- توقعنا أن ينقل تهديدات الباشا، لكنه باعني أرضًا.
قهقه الهيثم:
- يمارس حرفته بمهارة!
قال البيك:
- أرض شمس الدين، أخصب أراضي البلد.
توقف قليلاً قبل أن يضيف، مع بسمة ذات مغزى لم يغب عن الهيثم:
- انتبه! لو علم الخواجا بالأمر لسال لعابه من فمه.
ثم، بهيئة متأملة:
- سنصبح أنا والخواجا كالند للند، وسنتعامل على هذا الأساس: خدمات مقابل خدمات. أرض شمس الدين الخصبة مقابل تقطيع أصابع الباشا.
لفَّ ذراعيه من حوله بعنف. نظر إلى الهيثم في عينيه، فسأل الهيثم:
- إذن هل نؤجل ما اتفقنا عليه الليلة؟
بقي يلف من حوله ذراعيه كما لو التف بحبل، مال على الجانب، فتح فمه، ثم أفلت كلماته:
- ما اتفقنا عليه تم واستنفد.
تشمع، وقال:
- اقتل أحد أولاد عوض هذه الليلة.
* * *
أخرج ماريك وموزارسكي صندوق الديناميت من أحد الأقبية، وذهبا بالبزة العسكرية الألمانية ليزرعا أصابع نوبل في أكثر من مكان من جدار العار بينما كل السلطة تشاهد سقوط هنري الرابع. فجر الصديقان الجدار، وارتديا الظلام ثوبًا. توقفت المسرحية مع الدوي الهائل الذي لم يحسب شكسبير له حسابًا، لأنه لم يخطر على باله قط، وهرعت البذلات العسكرية والهراوات لتقف على الحقيقة، وكانت الحقيقة مذهلة، لم تكن خيالية، كانت فقط مذهلة.
وكما توقع آدم مردخاي، أنزل الجنرال ناهريخ العقاب أول ما أنزل بالكولونيل هينز وكل مرؤوسيه من ألمان ويهود، ورشهم كلهم على طرف الجدار الذي لم يتهدم، ثم جاء رجاله برجال الحي الذين لم يتمكنوا من الهرب للالتحاق بالغجر عبر الأقبية، ورشهم هم أيضًا كلهم. اختار عن أبي جنب بعض النساء والأطفال، وملأ بهم عشر شاحنات توجهت في الحال إلى تريبلينكا.
* * *
جلس عواد على البساط منتحباً: كانت عيناه اللتان بلون الليل منطفئتين. لم يتحرك، ولا الفراشات في الضوء الأصفر لمصباحه القديم الذي يبذل ضوءًا ضعيفًا. انعطف إسحق نحوه، والألم يحفره حفرًا، يفصمه فصمًا. ماذا يقول أكثر ليخفف عنه؟
- يا عواد، أنت رجل شجاع! سأعيد لك البقرات. بماذا أقسم لك؟ سأعيد لك المحروسة، وابنتيها، ولكن عليك أن تصبر حتى ينضج القمح، وفي الصيف سنحصده سويّاً. سيكون المحصول وفيرًا هذه السنة، أليس كذلك؟ سنبيعه، وبالمقابل، سندفع للباشا لقاء أن يرفع الحجز عن البقرات. البقرات بخير، يا عواد. رأيتها هذا المساء، وهي تأكل قمحًا أشقر. أترى؟ نحن بطولنا وعرضنا لا نأكل القمح الأشقر، لأننا لا نملكه، أما في أرض الباشا، فالقمح كثير، وهم يقدمونه للبهائم! أتسمع؟ أطعموا بقراتك قمحًا أشقر، وسقوها الماء بالسكر. عندما نستعيدها في الصيف، تكون قد ربربت ما شاء الله! لا تقلق من ناحية الحمّام. هناك من يغسلها كل يوم، مثلما كنت تفعل. زيادة على ذلك، لم تعد تسعل في الليل عندهم. أتدري لماذا؟ لأنهم يدفئون الإسطبل في الليل. كن سعيدًا! هيّا، افرد وجهك، ولا تبتئس!
لم تند عن عواد أدنى حركة. في البعيد... بحث بعينيه على حواف البحيرة عنها، وبحث، دون أن يجدها: بقراته. ومع ذلك، فلم يغادر عواد كوخه. كان يسمع إسحق، دون أن ينتبه إليه، فالكلمات تسقط كالقطن في أذنيه. ومن جيد، حدق في البعيد، أبيض الشفتين. رقَّ الليل في عينيه، وغدا بلوريّاً.
- هل أعمل لك كأس شاي؟
لم يجبه.
قام إسحق مثقلاً، واقترب من المصباح. التفت إليه مكتئبًا. أيها المسكين يا عواد! وإسحق فريسة للألم، دفع نفسه إلى القول:
- نم قليلاً، يا عواد. عليك أن ترتاح.
انتظر قليلاً، ثم سأله:
- هل أطفئ الضوء؟
رقَّ عواد، وغدا كالليل بلوريّاً.
- سأطفئ الضوء.
نفخ على الجذوة.
- نم يا عواد! لا تحمل همّاً!
وخرج.
بعد قليل، نهض عواد، وهو يعتمد على الأرض بكل ثقله، وغادر الكوخ. سار بطيئًا إلى الزريبة، وبحث عن بقراته. لقد انتزعوها منه! انقض الألم عليه. أخذ حزمة تبن، ونشقها بقوة، ثم ألقاها مخيبًا، وعاد أدراجه في الليل المظلم. رأى ضوءًا في بيت إسحق، ثم انطفأ الضوء. رفع رأسه إلى السماء المخصبة باللؤلؤ، لؤلؤ نثرته يد الطبيعة الطيبة في تربة الليل، كالقمح عندما ينثره عواد.
تمتم: العبد يحرث والله يزرع!
أصبح نقيّاً كنجم في ليل الأبدية. ارتفع بعنقه المنكسر إلى شرفات البيوت، ثم سقط بعينيه على المنحدر، فالبحيرة، فشجرات الحور. تنهد دون شعور منه. كأنها ليلة من ليالي الصيف! تجرجر حتى شجرة اللوز، جسّ جذعها الخشن بأصابعه التعبة، وكأنه يجُس جسدًا عمره بعمر الزمان. تسلقها، وأتى قمتها، فأحس بعمق ارتباطه بالليل، وبقربه أكثر من النجوم. ومن هناك، ألقى بنفسه في الفراغ، ومات.
انبثقت أقدام من الظلام، وتقدمت من الجسد. ظهر الكلب، وشم عواد. انحنى إسماعيل، وجذب الكلب من طوقه، ثم اختفى من جديد.
* * *
انتحر رئيس المجلس اليهودي، لم يحتمل مصرع رجال شرطته، لم يحتمل مصرع رجال الحي، لم يحتمل التحقيق المحتمل، فجرع قارورة زرنيخ، ومات. وفي الحال، احتل آدم مردخاي، نائبه، مكانه.
عندما بعث الجنرال ناهريخ بطلب ماغدلينا أنييليفيتش بشكل عاجل، كانت تعلم تمام العلم أن القائد النازي في أزمة، وهو ما طلبها بشكل عاجل إلا للتخفيف عنه. وجدته عاريًا وسط عدد من أجمل يهوديات الغيتو العاريات هن أيضًا مثله، كان قد عذبهن دون أن يكفيه ذلك، كانت حاجته ماسة إلى دموع الممثلة الشهيرة، لكن دموع ماغدلينا جفت بعد أن ذرفت كل الدمع على ضحايا الجدار. توسل الجنرال ناهريخ إليها، فحاولت البكاء دون أن تفلح. توسل القائد النازي من جديد، ورجا الفاتنة ماغدلينا أن تبكى. وعلى منظر دموع القائد الفذ، أحست ماغدلينا لأول مرة في حياتها بلذة لم توفرها لها كل شخصيات شكسبير المستبدة. حررت شقيقاتها من نير شخص مهستر، ودقت بنعلها كل نجوم الرايخ، وابن الرايخ المدلل يواصل البكاء. كانت ماغدلينا أنييليفيتش قد تعرت، واستلقت على مكتب أقوى رجل في العالم، وراحت تقوم بفعل الحب وحدها، وكل شبقها دموع النسور.
* * *
اصطفقت أوداج مأمور الخفر الضخمة لقهقهته المفزعة، وتطاير شاربه. طرح كفه الضخمة على ظهر الأعور، مما جعله يسعل. فرك كفيه برعونة، وخاطبهم باحتدام:
- ليدفع كل واحد قرشًا، والهيثم خمسة قروش.
وقهقه من جديد.
ابتسم الهيثم ابتسامة احتقار لهذا الرجل الذي ربح للمرة الأولى منذ بداية اللعب. انتظر انتهاء رعد قهقهاته، ورفع قطعة النقد أمام عينيه:
- خمسة قروش لك!
ورماها عليه.
- وزجاجة خمر فوقها على حسابي.
انتظر قليلاً قبل أن يضيف:
- هذا لأنك ربحت!
خفق مأمور المخفر الورق بعنف دون أن يهتم بكلام الهيثم، وفجأة، أخذ يتوعد:
- الليلة ليلتي، يا أولاد! سأضاجع كل أمهاتكم!
صفق الهيثم للقهوجي:
- زجاجة خمر على حسابي، لأن المأمور ربح...
رفع المأمور صوته مكملاً:
- وسيربح، وسيضاجع كل أمهاتكم!
تبادل أبو سريع والهيثم نظرة ذات مغزى، وابتسم كل منهما للآخر. بعكس الأماسي الأخرى، كان أبو سريع أقل حركة، وسحنته أكثر دمامة. خاطبه الهيثم:
- أي إلهام يسقط على المأمور هذا المساء!
لم يعلق أبو سريع. دفعه الهيثم في كتفه، فقفز، والتقط ما يعنيه محدثه. راح يضحك، وهو يهز رأسه علامة الموافقة.
أتمَّ الأشقراني لفَّ سيجارة، وقدمها للمأمور:
- سيجارة، يا شرطي!
كانت المرة الأولى التي يقدم فيها الأشقراني للمأمور سيجارة! انتزعها منه، وزرعها في فمه. أشعلها الأشقراني له، والمأمور يواصل فحص أوراقه. انحنى الأشقراني على أذن الهيثم، فهز الهيثم رأسه إيجابًا. فجأة، ضرب الأشقراني مصطفى الذبيح على ظهره للفرح الذي أصابه، فشتمه هذا، وأغلظ له القول. عندما نهض، سأله أبو الكسيح:
- إلى أين؟
انتهره:
- اخرس أنت، يا جرذ!
جاء القهوجي بالخمر ملتقيًا الأشقراني أثناء عبوره. رفع الصينية فوق رأسه كي يتمكن من المرور بين الرواد الذين كانوا كالخرفان يترامون هنا وهناك.
دنا الأشقراني من أذن صاحب المقهى، فعقد صاحب المقهى بين حاجبيه، والتفت إلى ناحية الهيثم. كان يقعد في الدخان، فهز الهيثم رأسه. انبسطت ملامح صاحب المقهى، ودعا الأشقراني إلى الصعود.
خفَّ يتسلق السلم إلى العليّة. تقدم من المرأة خطوة، فأوقفت تلويث شفتيها بالحمرة، واستلقت. نزع ثيابه القذرة بسرعة، ثم ألقى بجسده عليها.
ظل القهوجي في ذهاب وإياب، وهو يحمل زجاجات الخمر للجماعة، والمأمور يشرب بشراهة. بَدَّل رؤوس نراجيلهم وماء قواريرهم عدة مرات، وهم يسقطون في دوامة الدخان... ودوامة الخمر... إلى أن خلا المقهى.
بزغت أشعة الفجر.
فجأة، سقط المأمور كلوح الخشب. رفعه أبو سريع من ناحية، والأشقراني من ناحية، وخرجا به إلى طريق لا روح حية فيها. جاء صوت المؤذن ينادي إلى الصلاة، وقد ابيض الليل. لا غيمة، لا نسمة، وإنما صمت ساج بعد النداء الطلي.
فجأة، أخذ المأمور يغني، ثم أطبق فمه، وغاب. راح يجر خطواته جرًّا. التفت أبو سريع من ورائه، فرأى شبح الهيثم، وهو يتبع عن كثب. آن الأوان! سحب بندقية المأمور بحذر، وتركه في عهدة الأشقراني، ثم راح يجري مخترقًا الحقول مسافة طويلة. عندما صعد الطريق المحفر، انخطفت من أمامه سيارة مسز كلارك. سحقت عجلاتها الحصى مع المنعطف. كان المهندس صادق هو الذي يسوق. دعس على الفرامل في آخر لحظة، فحال دون اصطدامها بالشجرة.
انقض عليها، فتلوت مسز كلارك، وأنّت، وهي تخبط دونه. كانت طريقتها في العناق، بحركات شبقة. كانت رائحة خمر سميكة تفوح منهما، وهما يغرقان ثملاً. شقَّ ثوبها بعنف، وقبّلها من نهديها، ثم عضها، وفك بنطاله. علت أناتها مسافة في الحقل، وأبو سريع لم يزل يسمعهما إلى أن وصل مزرعة أولاد عوض.
مرَّ من تحت الطاقات، ثم شرّج كالقط، وهو ينحني، على طول الزريبة. فتحها، فسقط ديك بين قدميه أسقط قلبه. صرخ الديك من الرعب، وهمر أحد الحيوانات. قلب بقدمه أحد البراميل، فجعل الضجيج صدى. اختفى أبو سريع من وراء شجرة تواجه الباب، وانتظر أن يخرج أحدهم. خرج أحد أولاد عوض دون أن يميز أيهم. أطلق، فاصطخب فجر القرية الهادئ. رأى أبو سريع الجسد، وهو يتدحرج، فحطَّ قدمه، ووثب عائدًا من حيث أتى. عندما انطلقت الرصاصة كان صادق النائم على مسز كلارك قد انتفض، ثم تراخى، وهو يزفر. وكان مأمور المخفر قد نصب رأسه، كأنما ردت إليه أنفاسه فجأة، وبسرعة بعد ذلك أغمض عينيه، وسقط على كتف الأشقراني، وهو يشخر. وكان القهوجي قد توقف عن كنس قاذورات الرواد، بهيئة منهزمة، بينما فتح أبو الكسيح عينيه على سعتهما، وهو يستلقي على القش. توقف صاحب المقهى واجمًا عن عد نقوده، وعاد الهيثم إلى داره بسرعة، وأقفل بابه بالمزلاج.
كانت خطواته! التفت الأشقراني، فرأى أبا سريع، وهو يصل من بعيد... بحركة خفيفة، علق البندقية على كتف مأمور المخفر، رافقه بضع خطوات أخرى، ثم انسحب الاثنان بحرص. تركاه يدب كالدب الثمل، وهو يكاد يتهاوى.
* * *
مع بداية النهار، راحت سيارة جيب ألمانية تقطع شوارع الغيتو المنكوب، وكأنها سيدة للكون. صفت وراء الكنيس، ونزل منها ضابط ألماني دخل الكنيس من بابه الخلفي. في حجرة للتبديل، بدأ الضابط يخلع ثيابه العسكرية، ويرتدي ثياب الكهنوت، وشيئًا فشيئًا إذا به الحاخام الذي يرسل الناس إلى جهنم بعد اعترافهم الإجباري.
دخل عليه ماريك وموزارسكي، وهما في بزة المقدم. في البداية ظنهما معاونيْهِ، فقال لهما دون مبالاة:
- أنتما مبكران اليوم!
وفجأة، تذكر الصديقين، وهما يأتيان إلى موعدهما مع ماريشيا وبولينا، فسارع إلى تناول مسدسه، لكن موزارسكي وماريك عاجلاه برصاصتين أرديتاه قتيلاً. ضربه الأول بقدمه، وبصق الثاني عليه، وخرجا من الباب الخلفي للكنيس.
* * *
أول النهار.
كانت العربة اللوكس بحصانها الأبيض تقف أمام المصبنة الغارق داخلها في العتمة، وكان باب المصبنة الضخم مزردًا ذا درفتين أعلاهما على شكل قوس، ومفتوحًا على دهاليز سقوفها هي أيضًا كل سقف منها على شكل قوس. خرج الحارس، ووقف على الباب بهيئة ممتقعة. حطَّت ذبابة على أنفه، فنفخ عليها بخشونة، وراح يكشها بكلتا يديه. سار خطوة حتى العربة، وتفقد الطريق. كان اليوم يوم جمعة، ومن المفترض أن يكون هناك سوق عام للقرية وللقرى الصغيرة المجاورة، لكن الطريق كانت خالية. خرج عامل في الخمسين من عمره، وهو يرتدي شروالاً تركيّاً أسود، وصدارًا مفتوحًا على قميص أصفر.
- لا أحد؟
- لا أحد.
عاد العامل العجوز يدخل المصبنة، فالتهمته العتمة. هناك بئر، وسطوح من الصابون. انعطف يمينًا، فتلون وجهه بلون ناري. كانت النار تأتي من الفرن، وكانت الحرارة تسري في الجدران السميكة، فتعرق الأقواس كما تعرق الجباه. دفع العامل في الفرن حطبة ضخمة، بينما داعب الحارس الحصان من عُرفه. عندئذ، جاء رجلان من آخر الطريق: كان المختار يسير بخطوات عجلي متصلة ومأمور المخفر يزحف من ورائه نصف نائم.
عند الباب، قال الحارس:
- الباشا إبراهيم بالانتظار، تأخرتما!
حثُّ المختار رفيقه بعصبية، وهو يضغط يديه:
- هيا، يا سيدي الحكمدار، الباشا إبراهيم ينتظرنا!
ارتقيا درجاتٍ أربعًا في أقصى المصبنة، ووصلا مكتب الباشا إبراهيم. طرق المختار الباب طرقة لم تكد تسمع قبل أن يفتحه، فنهض الباشا إبراهيم بقنبازه الأبيض. خلع طربوشه، وخف صوب المأمور. قال المختار باحتراس:
- ها هو المأمور، يا سيدي.
نطق المأمور بعناء:
- صباح الخير، يا سيدي، صباح الخير، يا سيدي الباشا إبراهيم.
بحث بعين ذابلة عن يد الباشا كي يقبلها، فتلقى صفعة جعلته يرقص كما لو كان يرقص رقصة الموت:
- سيذبحك سيدك الباشا إبراهيم، سيشرب دمك، يا سكير، يا عربيد، يا من يقضي نهاره غافيًا وليله لاهيًا!
نهش مأمور المخفر وجهه بأصابعه الضخمة، وهو يرتعد، ويئن. سحبه الباشا من خناقه، فأطاع كالجمل، ودفعه على كرسي.
- حصلت جريمة، يا مأمور الوَسَخ! جريمة قتل! بينما أنت مخدر! ومن المتهم؟ سيدك الباشا إبراهيم، يا كلب!
أخذ الباشا يضربه بالمسبحة على وجهه، والمأمور يئن، ويحاول تحاشي الضربات مديرًا رأسه يمنة ويسرة. تعبت يد الباشا. استعاد رَباطة جأشه. استدار ناحية المختار، فخفض المختار عينيه. جلس الباشا على مكتبه. رفع المأمور نحوه وجهًا متورمًا: سقط شاربه من طرف، وارتفع من طرف. سال عرقه، ودمى أنفه. نشق بجلبة، وجذب كمه على أنفه، وانتظر.
قال الباشا إبراهيم:
- الآن أفهم لماذا احتج الجميع عندما عملت على تعيينك مأمورًا.
اشتدت نبرته:
- أنت إنسان مخمور، أعمى، غبي، لا تقدر على حمل المسؤولية!
قال المأمور، وقد ذهب النوم عنه تمامًا:
- ليس الذنب ذنبي، يا سيدي الباشا إبراهيم.
هبَّ الباشا إبراهيم به صائحًا:
- ذنبك ونصف! مليون مرة ذنبك! ما هي وظيفتك في البلد؟ قل لي؟ وظيفتك السهر على استتباب الأمن والنظام! الأمن والأمن وحده، يا مأمور الوَسَخ، لئلا تقع الجرائم وأنت نائم!
ألقى نظرة على المختار:
- إذا كانت الجرائم تقع على بعد مترين من المأمور، في قرية الشؤم هذه، فكيف في القرى الصغيرة التابعة لنا؟ ستحصل هناك مجازر، هذا ما سيحصل والمأمور نائم لا يشعر بشيء، وآخر من يعلم!
سلط على المأمور النظر، فانسحق:
- اسمع، يا مأمور الوَسَخ، هذه فرصتك الأخيرة، وإلا شلحتك المرتينة، وجعلت منك ذبابة...
دخل كاتب الباشا على رؤوس أصابعه خرعًا كأرنب، وأصغى:
- جعلت منك فأرًا مشردًا في الصحراء! يجب عليك أن تجد القاتل، قم بأوسع تحقيق أنت ورجالك، جد القاتل، وأحضره لي. مفهوم؟ هذه آخر مسؤولية لك، إن نجحت، جعلتك شاويشًا بثلاثة شرائط. وإن فشلت، حلقت شاربك، وجعلت منك فأرًا بائسًا، كما قلت لك، ستقضي باقي عمرك في الصحراء تائهًا.
أخذ نفسًا قبل أن ينهي:
- جد لي القاتل قبل أن يتدخل الإنجليز، وإلا هدموا القرية على رؤوسنا جميعًا.
سكت قليلاً ثم صاح:
- الإنجليز، يا مأمور الوَسَخ، الإنجليز! خرب الله بيتك!
وصرفه:
- هيا، إلى العمل! قم!
تلعثم كاتب الباشا:
- الحقيقة... نعم... أريد، يا سيدي الباشا أن...
عنفه الباشا، وهو يضغط أسنانه:
- انطق، يا عبد الغني!
أخيرًا، انتزع كاتب الباشا الكلمات من فمه انتزاعًا:
- عربان وادي عربة، يا سيدي الباشا إبراهيم.
لم تستسلم صفوريا له، وها هو، في الوقت الحاضر، كالذليل يريد أن ينتقم.
- ما لهم عربان وادي عربة؟
- أمس رجموني بالحجارة، و...
سكت قليلاً، ثم بسرعة جدًا:
- شتموك، يا سيدي الباشا إبراهيم!
تابع بتفصيل أكثر:
- رفضوا دفع أجرة الأرض، وهددني شيخهم أبو قاسم، و... شتموا سعادتك!
أضاف بعد صمت قصير:
- قال لي أبو قاسم إن الأرض أرضهم الآن، ولن يعيدوها للباشا إلا على جثثهم.
وأنهى:
- إنهم قتلة، كفرة، يا سيدي الباشا، وأنا أخشى أمرهم!
أوقف الباشا إبراهيم المأمور منبهًا:
- خذ هذا أيضًا، يا مأمور الوَسَخ، وحقَّق في الأمر جيدًا. اسجنهم عن بكرة أبيهم، أولاد الغجر هؤلاء، واهدم عليهم ثقوبهم!
همهم المأمور بتخاذل:
- أمرك، يا سيدي الباشا إبراهيم.
فبدت على الكاتب أمارات الارتياح.
عندما خرج المأمور، توجه الباشا إلى المختار:
- اجمع أهل القرية بعد صلاة الجمعة، وانتظر قدومي. قل للبيك أن يخرس، وألا يطلق الإشاعات.
انحنى المختار طائعًا: أمرك، يا سيدي الباشا إبراهيم.
* * *
كان الغجر ومعهم رجال الغيتو الذين تمكنوا من الهرب بعد هدم الجدار يتقدمون بأسلحتم وآلياتهم من ثكنة ((إذا لا تحب فلا تكره))، وعلى رأسهم آدم مردخاي وأحمدان. حاصروها من كل جانب، وبدأوا يقصفونها، ويقوسون جنودها. قتلوا بعض المنشقين الروس، ولم يستمع مردخاي إلى صرخاتهم وتوسلاتهم. لم يصدق في الآخرين أصدقاء ألمان، أو أنه لم يشأ ذلك، فاضطر الشيوعيون إلى القتال في صف واحد مع النازيين، ولولا مجيء فرقة ألمانية من خلف رجال المقاومة لقضي عليهم.
كان رد الفعل الألماني سريعًا وحاسمًا، أكثر مما جرى ليلة البارحة. أحرق الألمان الغيتو بالنار، ولم يردعهم رصاص المقاتلين. دمروا ((الثقوب))، كما كانوا يدعونها، على رؤوس أصحابها، وقتلوا في الحال كل من لم يقدروا على ترحيلهم إلى معسكرات الإبادة.
كان التصعيد في صالح آدم مردخاي، اجتمع من حوله كل يهود بولندا، فجاءه جوني شارلز، المبعوث الخاص للتايم، من أجل حوار في مخبأه. ومن بين ما قال مردخاي:
- فاجعتنا لن تجد حلاً لها هنا، نحن في الغرب سنظل غرباء إلى الأبد، فاجعتنا لن تجد حلاً لها إلا في فلسطين. نحن اليوم قدمكم هنا، وغدًا قدمكم هناك.
والصحفي الأمريكي يردد:
- أنترستنغ! أنترستنغ!
* * *
قال الهيثم، والبيك في جيئة وذهاب، يداه خلف ظهره، وحاجباه مقطبان:
- صحيح، وقع خطأ، لكنه مات!
اهتز البيك:
- والهدف؟ الهدف الأساسي؟
التفت الهيثم مرتبكًا إلى الخواجا داوود الجالس براحة تامة في المقعد الوثير. صاح البيك:
- نحن لم نصب الهدف!
- لكن الذي...
هب به مقاطعًا:
- لكن الذي حصل مضاد لما نهدف إليه!
شخص ببصره إليه، وقال:
- مقتل الابن البكر لأولاد عوض يزيد المشكل تعقيدًا.
تنحنح الخواجا داوود، وتأرجح في جلسته، ثم ابتسم:
- لماذا أنت غاضب، يا بيك؟
استدار كلاهما إليه.
- أنت لا يحوجك الغضب.
منع ضحكة، وتابع:
- المهم في الأمر هو التنفيذ، وقد تم التنفيذ.
أخذ يسبر أغوارهما:
- القضية في تطور...
انتظر قليلاً، ثم بنبرة مطمئنة:
- لصالحك، يا بيك.
تقدم البيك ثلاث خطوات، وسكن تمامًا. استطرد الخواجا داوود:
- عليك أن تنتظر رد فعل الباشا، وسترى، سيكون عنيفًا عنف ثور هائج.
سأل، وهو يطرف بعينه:
- ولكن كيف سيكون رد فعلك أنت؟
أطلق ضحكة قصيرة مثقلة بالنوايا:
- أقصد كيف سيكون رد فعلنا نحن؟ عنيفًا أيضًا.
التفت إلى الهيثم كما لو كان يسعى إلى تحريضه هو أيضًا:
- يجب التحرك! يجب التحرك! بذكاء، و...
وبنبرة صارمة:
- بعنف!
ثم رفع ذراعيه نحو البيك كما لو كان يريد أخذه في أحضانه:
- بانتظارك الباشوية، يا بيك. السلطة على مرمى حجر.
* * *
كلما حصلت فاجعة احتاج الجنرال ناهريخ إلى دموع ماغدلينا كي يخفف عن نفسه قليلاً، وماغدلينا لم تعد تجد دموعها، فيتوسل إليها القائد النازي حتى البكاء. هذا ما غدت تنتظره ماغدلينا، وعند ذلك، تأخذ بالتلوي على منظر دموعه كالأفعى، وتفتكّ من العينين الدمويتين كل اللذة التي حُرمت منها. غدت ماغدلينا نوعًا من هنري رابع سفاح ودموي، وسعت عند القائد الفذ إلى المزيد من عذابات شعبها، لتلتذ بهذه العذابات، وقد انعكست الآية: بدلا من أن تبكي، وعلى دمعها يلتذ المجرم، صار المجرم يبكي، وعلى دمعه تلتذ الضحية. أخذت ماغدلينا أنييليفيتش مكان الجنرال ناهريخ، فقرر آدم مردخاي قتلها بعد أن أوهم ماريك وموزارسكي بأن في قتلها خلاصًا للناس، وأخفى، ككل مرة، السبب الآخر للتصعيد، لأن مصرع ماغدلينا بالنسبة لناهريخ أهم من إفناء كل سكان الغيتو.
* * *
جلست النساء على عتبة كوخ عواد، وعلى الأرض، أمام الزريبة. كتل سوداء من الحداد. كانت خالة ميريام تبكي، وتعتصر عينيها برِفل ثوبها، وهي تعجن وجهها المجعد. تجاعيدها مرثاة!
مات عواد!
أنّت امرأة، وزفرت أم بسمة، وهمهت امرأة أخرى: آه! يا غالي! يا عواد! يا شحاري عليك ! على عمرك! يا شحار أمك!
في داخل الكوخ، جلس الرجال محزونين، متوتري الوجوه، مشوكي اللحى. الشباب شاخوا، والشيوخ شاهوا. طحنهم جميعًا موت عواد. صعدت الزفرات من آن لآن، والدعوات، ومن وقت إلى آخر، الابتهالات:
- لا إله إلا الله!
- يا رب رحمتك!
- إنا الله وإنا إليه راجعون!
- يا الله!
وعلى حين غرة، هذه الكلمة:
- الصبر!
تتبعها تنهدة، وتساقُط حبات المسابح من بين الأصابع.
أنهى إسحق غلي القهوة المرة، صبها في كؤوس، وأتى بقنبازه الذي يصل الأرض ليقدمها للحاضرين. تبادل نظرة فاجعة مع الأسطى حسن، وهو يحتفظ في أعماق نفسه ببصيص الأمل، وبالثقة بالمستقبل.
فجأة، مزقت الصرخات الموجعة الصمت الساجى في الخارج.
* * *
صعد موزارسكي وماريك، وهما في زيهما القيادي، إلى مكتب الجنرال ناهريخ، وكل من مر بهما من جنود الإس إس يلقي عليهما التحية. قال لهما الحارس إن الجنرال ناهريخ في مهمة خارج وارسو، فأجابا أنهما يعرفان، وهما هنا من أجل مقابلة ماغدلينا أنييليفيتش التي تنزل في جناح الجنرال. طلب منهما الانتظار، ودخل على سيدة المسرح، لكنهما لحقا به، وقتلاه، وهو يدق عليها الباب. صاحت ماغدلينا من جديد:
- قلت لك أدخل!
فدخل عليها الصديقان، وفهمت كل شيء. حاولت التبسم، وأخذهما بين ذراعيها، لكنهما أطلقا عليها النار، وأردياها قتيلة. مدداها في السرير، وخرجا، فإذا بهما وجهًا لوجه مع ماريشيا وبولينا في ثياب الجندية.
طلبت الصديقتان من ماريك وموزارسكي بعد أن سحبتا الحارس القتيل، ورمتاه داخل خزانة، أن يتبعاها. استطاعتا الهرب بهما من سلم الخدم، وهما تبتسمان للقليل من العساكر الذين نزلوا السلم أو صعدوه قبل أن يغيبوا وراء الأبواب.
* * *
سوق الجمعة.
انطلق صوت دلال الحمير أعلى الأصوات، وامتزجت صيحات الإنسان والحيوان: هنا واحد يبيع دجاجة، وهناك ثانٍ يبيع بيضًا في قفة، وهناك ثالث يرمي على ذراعه عباءة يعاينها فلاح رث. كانت الجمهرات كثيرة في الساحة العامة، والضوضاء: هبط الفلاحون الهضاب، وجاؤوا من قراهم الصغيرة ليبيعوا بهائمهم وبضائعهم أو ليبادلوها. تبعثر الروث، وتصاعدت رائحة نافذة بين المعروضات، بينما وقفت هنا وهناك بعض الكروسات. ورغم الصورة العامة للبؤس، فإن بهجة تلقائيّة سادت الجميع. يوم ليس ككل يوم!
غابت كل الهموم، وسادت روح التجارة. كان بعض الأولاد الفقراء يتخاطبون ومسافات بينهم بصوت مرتفع، سرق أحدهم بضع حبات قُطِّين من كوم فوق ثوب مرقع، وراح صاحب القطين يطارده، وهو يرفع قنبازه، ويشتم. اصطدم بالعديد من الناس الذين بدأ بعضهم يشتم، وبعضهم الآخر يقهقه. كان عدد من الفلاحين يجلسون على كراسي القش القصيرة أمام باب المقهى، وهم يدخنون النارجيلة، ويشربون القهوة. وفي وسط السوق، كان بائع الحلوى والذباب ينادي بأعلى صوته. وكان هناك من يبيع نعجة، أو من يعرض أمامه أكوام الذرة والشعير والكرسنة، أو من يلوح بفخذ من اللحم المقدد، أو من يقايض أتانًا:
- كم قلت؟
- ليرتان ورطل سمنة وقفة ذرة وقفة قُطّين.
- غالية، يا عم! وهي ضعيفة الساقين. انظر، ما هذا! أعوذ بالله، عنقها مبقع بالجرب!
هب صاحبها به صائحًا:
- ماذا تقول؟ جرب!
سحب أتانه بغضب:
- لن أبيعك إياها.
أمسكه الآخر من ذراعه:
- لا تغضب! انتظر!
خلّص الفلاح نفسه بعنف، وهو يسحب أتانه بعناد:
- الله يفتح!
فجأة، استدار إليه:
- ألم تقل إن حمارتي جرباء!
- نعم، لكنني أريد شراءها!
دفع الرسن في وجهه:
- حمارتي ليست للبيع، لن أبيعها، حتى ولو دفعت لي ثقلها ذهبًا.
لوّح الرجل يده:
- على قفاي، أنت وحمارتك!
كان السيد لطفي قد تقدم منهما، والبائع يصرخ، وهو يرتعش:
- على قفاك؟ هذا جزائي لأنني أبيع حماراتي للحمير أمثالك!
- يا ابن البغي!
وصفعه.
التحما، وراحا في معركة طاحنة. تكوم الناس، وتدخل السيد لطفي. ساهمت بعض الفلاحات العجائز في الفصل بين الرجلين، وهن يستنكرن على الرجلين تصرفهما بهذا الشكل.
تمكن السيد لطفي من نتع صاحب الأتان من عنقه:
- كفى مصايب، يا أهل المصايب!
تضاءلت الشتائم، وخبا الصياح، وحدق الجميع فيه:
- قلت كفى مصايب!
اطمأن لقواه الرادعة! استطاع أن يفصل بينهما، رغم أنه أقصر الجميع، وتقريبًا أكبرهم سنًا. انتفخ صدره تيهًا وخيلاء:
- ما الذي جرى؟
أراد صاحب الأتان أن يحكي له الحكاية، لكن الآخر أوقفه:
- انتهى، يا عم! حمارتك حلال عليك، دعني في حالي!
أعطاهم ظهره، وذهب. تفرق الناس، بينما راحت إحدى العجائز تفغر فمها العجيني عن ضحكة بلا أسنان. جاءت ولدًا يحمل قفة زعتر يابس، عرضت عليه خمس بيضات، وقالت:
- إذا أردت بادلتك إياها.
قال الولد:
- موافق.
اقترب السيد لطفي من صاحب الأتان، وسأل:
- تريد أن تبيع الحمارة؟
تردد صاحبها، وهو يقلب فيه النظر، ثم قال:
- كم تدفع؟
- دعني أعاينها.
وراح السيد لطفي يفحص الحمارة بعين خبيرة.
انطلق زامور سيارة مسز كلارك، فانتحى بعض الرجال بقدم ثقيلة، وهم يكسرون أعناقهم مع عبور السيارة ليشاهدوا بشكل أفضل الفخذين اللتين ارتفع الثوب عنهما. أعاقت جمهرة من الناس السيارة، فانطلق زامورها من جديد. كان أحدهم يعرض ثعبانًا، فانطلق الزامور أيضًا وأيضًا. تبادلت مسز كلارك والمهندس صادق الابتسام. أخيرًا، قرر الناس فتح الطريق للسيارة. حمل الرجل الثعبان من عنقه، والثعبان يفح، وهو يحرك لسانه أحيانًا. تبعه الناس قرب دكان البقالة. سارت مسز كلارك، والأولاد يعدون من ورائها. ارتقى دعامة السيارة الخلفية ثلاثة منهم لمسافة، ثم قفزوا كلهم دفعة واحدة، والتحقوا بالآخرين.
التفت المهندس صادق حوله مكتشفًا السوق، البضائع، الوجوه. لمح أحدهم يحادث فلاحة كهلة أمام خيمة مغلقة بحزام من الصوف الأسود. كيف جاء هذا المسيح الدجال؟ طلب منها التوقف. وهو يتقدم من الرجل، صادف بعض الفلاحات الشابات الآتيات من النبع، وعلى رؤوسهن جرار الماء. رمينه بنظرات الإعجاب، ورحن يتغنجن، وهن يضحكن، ويتغامزن. أخيرًا، وهو على مقربة منه، ناداه:
- هيه!
نظر الرجل، وخف إلى المهندس صادق بشيء من الضجيج:
- سلامات، يا سيدنا! سلامات، يا مولانا!
- ماذا تفعل هنا؟
- كما ترى، يا مولانا.
أشار إلى الخيمة.
- أكتب الأحجبة للناس، وأقرأ حظوظهم.
- إذن أنت في كل مكان!
- تركت المغرب منذ شهور، وأنت؟
- وأنا.
كانت مسز كلارك قد نزلت من السيارة، واتجهت صوبهم بكثير من الثقة بالنفس. سأل المهندس صادق:
- كل شيء على ما يرام؟
ابتسم المنجم ابتسامة راضية:
- كل شيء على ما يرام، يا مولانا.
توقفت مسز كلارك على مقربة منهما، وهي تواصل ابتسامتها. قال المنجم:
- الفرق أن الناس هنا يريدون أن يعرفوا كل شيء.
انتظر قليلاً قبل أن يضيف:
- لكنهم يعطوني كل ما أطلب.
ولهج:
- دعني أقدم خدمة لك.
أجاب المهندس صادق:
- لا، أشكرك.
- سأقول للمدام طالعها. هاتي يدك.
قهقهت مسز كلارك.
قال المهندس صادق:
- المرة القادمة.
توجه المنجم بالقول إلى مسز كلارك:
- طالعك سعيد، باسم صهيون.
قالت له:
- أشكرك.
أحاط الأولاد بهم، وكذلك بعض الفضوليين من الرجال والنساء. هتف المهندس صادق:
- طيب، إلى اللقاء.
لكن المنجم أمسك بذراعه:
- عندي ما أقوله لك، يا مولانا.
تردد المهندس صادق، وهو يجيل النظر بين المنجم ومسز كلارك، أخيرًا، استأذن المسز، ودخل تحت الخيمة. كان شلال من الضوء والغبار يصب من شق في الزاوية.
- سأطلب منك خدمة صغيرة، يا مولانا.
أخرج المنجم من صندوق دينمو صغير يعمل على البطاريات:
- هذا الجهاز لا يعمل.
لاحظ المنجم عدم اهتمام المهندس، فحاول أن يعمل على إغرائه:
- أصلحه لي، وسأجعل منك شريكًا.
أخذ المهندس صادق يضحك للعرض بصخب، فانعطف المنجم نحوه منزعجًا:
- أصله بسلك في حديد هذا الكرسي الذي يجلس عليه الزبائن، وأجعل تيارًا يسري في أبدانهم كلما استحضرت روحًا. أولى دفقات سحري مرهونة به. ومنذ أن توقف جهازي، صرت ألجأ إلى أساليب أخرى ليست ناجحة دومًا، عدا عن أنها تحتاج مني إلى جهد كبير.
قال المهندس صادق:
- يا لك من مسيح مخادع؟
فتعلل المنجم:
- هكذا يتطلب العيش!
- وهم يعتبرونك نبيًا!
- لشدة ما تنطق به تعابيرهم أكاد أصدقه.
قهقه المهندس صادق:
- إذن... إذن... لست بحاجة إلى عوني. انفخ عليه شيئًا من نفس الله، وسيعود إلى العمل.
ارتد المنجم مكروبًا:
- لا تسخر مني، يا مولانا.
شده من أذنه، وقال:
- وماذا لو فضحتك؟
- لن يصدقوك.
عاد صادق إلى القهقهة بأكثر قوة.
- حسنًا، سأكون لك شريكًا، ولكن ليبق الأمر ما بيننا.
راح المنجم يلهج بالدعاء: أطال الله عمرك وأبقاك، يا مولانا!
وهو يتداعى على يديه.
حينما خرج من عنده، كان يحمل الدينمو في سلة مغطاة. وبعد أن سارت السيارة، تعالى صوت المنجم بين هرج الأولاد:
- يا عباد الله! الجنة مفتوحة للصالحين من عباد الله! عبد فقير بينكم يرجم بالغيب، ويدرأ الخطر، وينشر اليمن، ويكتب الحرز وشتى أنواع الحجاب!
* * *
لم تعترض الأصدقاء الأربعة أية عقبة أثناء انتقالهم من الغيتو الكبير إلى الغيتو الصغير، حقًا كان الجحيم في كل مكان، لكنه الجحيم العادي، جحيم كل يوم. لم ينتشر خبر اغتيال ماغدلينا أنييليفيتش، كان الجحيم القادم الأكثر جحيمًا لم يبدأ بعد.
- حتى في أكبر جحيم يعتاد المرء جحيمه، قال ماريك.
- أن يعتاد المرء جحيمه شيء وأن يعتاد فردوسه شيء آخر، قال موزارسكي. من هذه الزاوية أفضل أن أعتاد فردوسي، ولهذا السبب أقاتل.
- الفردوس أنا، يا حبيبي، قالت بولينا، حتى في الجحيم.
- الفردوس فكرة سمجة، يا موزارسكي، قالت ماريشيا. إذا كانت بولينا الفردوس، فبولينا فكرة سمجة.
- أنا فكرة سمجة، يا ماريشيا؟ زعلت بولينا. الحب فكرة سمجة؟
- الحب ليس الفردوس، قال ماريك. الحب هو الجحيم، ولكن بشكل آخر.
- أنا جحيمك الشهي، يا حبيبي، قالت ماريشيا لماريك. الحب هو الجحيم الشهي، لهذا نستطيع الحب حتى في أقصى ساعات الإنسانية همجية.
- الفردوس في الجحيم شيء غير موجود، علق موزارسكي، شيء غير معقول.
- الحب في الجحيم، يا موزارسكي، احتد ماريك، أنت تهلكنا وتوراتك في رؤيتك إلى الأشياء! ماريشيا صائبة، لا يوجد فردوس لا في الجحيم ولا في غير الجحيم، لا يوجد إلا الجحيم، ونحن ما علينا سوى أن نقطعه، أن نذهب من جحيم إلى آخر. وليكون الجحيم أقل جحيمًا نحب من يستحق الحب، ونقتل من يستحق القتل.
توقفت قربهم سيارة عسكرية، وطلب منهم الضابط التي يستقلها إن يذهبوا إلى عون فرقة من النازيين يحاصرها بعض المقاتلين ريثما يعود بدعم عسكري.
- الفردوس هناك، يا عزيزي موزارسكي. لنذهب إليه قبل أن يحيله غيرنا إلى جحيم غير جحيمنا.
هاجم الأصدقاء الأربعة فلول النازيين من ظهورهم، وقضوا عليهم، وهم يشعرون بسعادة من هم في الفردوس، ثم اندمجوا مع المقاتلين في جحيم المقاومة.
* * *
ترك السيد لطفي سوق الجمعة، وأتى زقاقًا، وهو يسحب الأتان التي انتهى به الأمر إلى شرائها، حتى وصل إلى بيت المختار. ربط الدابة بحلقة الباب المفتوح، ونادى:
- يا أهل الدار!
طالعته بعض الخيالات، فدخل، وهو يحاذر أن تلتقي نظرته صدفة ونظرة امرأة من نساء الدار، مرددًا:
- يا الله! يا ستار!
أخيرًا، جاء المختار، متوتر الوجه، وقد غمق لونه. سلّم عليه بفتور، وأدخله إلى حجرة وسيطة يجلس فيها الرجال، ثم اختفى وراء باب.
وجوم مطبق. عشرة إلى خمسة عشر جالسًا على المطارح. كان بعضهم يدخن النارجيلة، وبعضهم الآخر يسبّح أو يستغفر. كان الكل صامتًا. لم يكن وقت المضافة، ولكن لأن الأمور لا تسير على ما يرام. أخذ السيد لطفي مكانًا أمام القاضي، ورفع يده إلى مستوى رأسه إشارة للتحية. بادله القاضي إياها بذات الإشارة، وخرطوم نارجيلته في فمه. رفع السيد لطفي يده تحية لشيخ الجامع، ثم للسمسار، ثم لجار السمسار، وأخذ يحيى الجميع واحدًا واحدًا، وهم يردون عليه بالطريقة ذاتها، مع الهمهمة أحيانًا. بعد قليل، انعطف على جاره، والضيق يبدو عليه، ووتوت في أذنه. فتح الرجل يده رافعًا إياها إلى مستوى كتفه، وقال بصوت خافت مبديًا جهله:
- الله أعلم!
أطبق السيد لطفي فمه، وقد اشتد ضيقه، ثم ما لبث أن تنحنح، ورفع صوته مخاطبًا القاضي:
- ما لك ساكت، يا سيدي القاضي؟
أتاه جواب القاضي صارمًا وغليظًا:
- ما لي من حالي، والحال أنت به أعلم، والله بكل أمر عليم!
رد السيد لطفي دون أن يغادره ضيقه:
- صدق الله العظيم! ولكن قل لنا رأيك، ولنسمع رأي الجماعة الحاضرين.
ونظر إليهم:
- ألسنا هنا لتبادل الرأي والمشورة؟
أشار القاضي إلى شيخ الجامع:
- اترك الكلام للشيخ، سيدي الإمام، فهو أفصحنا قولاً، وأكثرنا علمًا وفهمًا وإلمامًا بشتى الأمور، وهو ذو أصل طهور!
أملس الشيخ لحيته، وانحنى مهمومًا للمدائح التي انهالت عليه:
- أنت أطهر الناس، يا سيدنا القاضي! أشرف الأنام، وأصلك فرع ينتسب لشجرة النبي عليه الصلاة والسلام!
علت الأصوات من هنا وهناك: (( عليه الصلاة والسلام! ))
ردد القاضي بنبرته الطنانة:
- أستغفر الله! أستغفر الله!
قال الشيخ:
- آه، يا أخوتي! دعوت وأدعو وسأبقى أدعو كي يجنبنا الله شر الويلات. ما وقع كريه ومكروه! أكره المكروهات عند الله القتل والعياذ بالله! جنبنا الله شر عواقبه!
اندفع السيد لطفي يسأل بشيء من التهكم:
- ومن القاتل، يا سيدي الشيخ؟
صاح الشيخ:
- الله أعلم!
وهو يلوح بمسبحته مؤكدًا جهله.
صاح السيد لطفي بدوره:
- يجب أن يلقى القبض على القاتل.
نصب السمسار عنقه الديكي، وأبدى بصوته الدقيق عجبه:
- بالله عليك، يا سيد لطفي!
- ماذا بالله علي!
- بالله عليك اسكت، ولا تزدنا غمّاً!
- أسكت والقاتل يسرح ويمرح حرًّ بلا قيد؟!
ذرب السمسار صوته:
- دلنا عليه إذا كنت تعرفه.
- لو كنت أعرفه لقلت للجميع.
- إذن اسكت، ولا تزدنا غمّاً!
أبدى السيد لطفي مرارته:
- الله على أيام آخر زمن!
تلوى السمسار:
- إذن اذهب، وابحث لنا عنه، جده إذا كان بمقدورك، ولا تلمنا بشيء.
رفع السيد لطفي يديه كمن لا يعنيه الأمر:
- وما شأني، أنا، يا سيدي السمسار! من قُتل لا عمي ولا ابن عمي ولا قريبي لا من بعيد ولا من قريب!
نظر السمسار إلى الحاضرين كمن يرمي إلى الكشف عن نوايا محدثه، ولكي يستثيرهم، قال:
- أسمعتم؟ ها هو يسحب نفسه كالشعرة من العجين!
أوضح السيد لطفي ليزيل شكهم:
- لم أقل إنني لم أكن مسئولاً، هذا ما أردت قوله. طالما وقع قتل في البلد، فهي مسئولية كل أهالي البلد.
جاء المختار مرددًا من طرف شفتيه:
- مسئولية أهالي البلد! مسئولية أهالي البلد! أهذه هي بلد؟!
تذمر القاضي بنبرة من اللوم:
- هذا شيء لم يحصل في التاريخ أبدًا!
عزف الشيخ على نفس الوتر:
- شيء لم يذكره قرآن ولا توراة ولا إنجيل!
فتح أبو حنا فمه، وقال بشفة رخوة:
- القضية وما فيها أن تجدوا حلاً يحول دون وقوع جرائم كهذه مرة أخرى، والحل... والحل...
أسقط رأسه، وأغفى. بقى الجميع بانتظار أن يصحو أبو حنا، فهي عادته، وكلهم يعرفها. رفع رأسه فجأة، وأضاف:
- والحل بين يدي الباشا إبراهيم!
أغفى من جديد، فقعر القاضي صوته:
- عين العقل والصواب!
توجه السيد لطفي بكلامه إلى المختار:
- أسمعت، يا سيدي المختار؟ يعني الكل يلقي بالمسئولية عليك.
ثم قال متصنعًا الخيبة:
- لكن مختارنا مكتف اليدين، يرى الدم يسيل حتى الركب،
ولا يبدي حراكًا!
أخذ المختار يلهث غيظًا، وصمغ كلماته يلصق زاويتي فمه:
- أنا! أنا من لا يبدي حراكًا! عيب عليك، يا سيد لطفي أن تقول هذا!
- إذن ماذا فعلت؟ لماذا لم تكلم الباشاإلى حد الآن؟ المخترة وأخذتها، فماذا فعلت للبلد مخترتك، يا سيدي المختار؟ لو كنت مكانك لذهبت إلى القصر عشرات المرات، لطرقت باب المفتي، وقلبت الدنيا وأقعدتها. هذا وقت حبيبك الباشا كي يعمل! هذا هوالوقت! لكنك جامعنا وقاعد معنا تبحث عن حل. نحن ماذا لدينا مما نقترحه عليك؟ سلم الله فمك، يا أبا حنا!
نصب أبو حنا رأسه عند سماعه لاسمه، ثم عاد يغرق في النوم. واصل السيد لطفي:
- الحق أن الحل بين يدي الباشا القوي، ومختارنا يرى بأم عينه كيف يسيل الدم حتى الركب، ولا يبدي حراكًا!
انفجر المختار:
- عيب عليك، يا سيد لطفي، أن تقول هذا الكلام! خذ المخترة التي تحسدني جنابك عليها منذ مولدك، واعمل الذي عملته إلى اليوم أكون لك شاكرًا. خذها، ها أنا أعطيها لك على وجوه السامعين، وفك عني!
أشار السيد لطفي بحركة نافية من يده:
- لا، يا سيدي! تركتها لك، حماني الله منها ومن شرها!
ولم يزل المختار متوترًا:
- افهم الأمور أولاً، واحكم بعد ذلك. تتهمني بالتقاعس، وأنا من مطلع الشمس أركض. الباشا والمأمور ومزرعة أولاد عوض، ثم من جديد المأمور ومزرعة أولاد عوض والباشا، والناس الذين هم هنا، وأنت، أنت، يا سيد لطفي، ألم آت إليك كي أنقل لك الخبر وأدعوك؟ وفوق هذا كله، سآتي بالباشا إبراهيم، بطوله وعرضه، سأنتشه من شعره، وأحضره لك بعد صلاة الجمعة كي يحادثك، ويحادث الجميع، وكي تحادثه أنت، ويحادثه الجميع...
انقطعت أنفاسه:
- وتأتي وتقول لي: المخترة وأخذتها، وماذا فعلت للبلد؟ خذها، يا سيدي، أعطيتك إياها، ما عدت مختار البلد منذ اليوم!
انهالوا عليه مراضين ومطيبين إلى أن قال القاضي:
- المختار خير وبركة، منذ أن أعفاني الإمام الأكبر سيدنا المفتي إلى اليوم، وهو يتوسط لي لدى الكبار والصغار من أجل تعييني قاضيًا لمنطقة الحرم الشريف، بارك الله فيه، وفي أهله، نيته صافية كالعسل!
هونت على المختار شهادة القاضي بعض الشيء، فرمى نفسه إلى جانبه، ونفخ للتأكيد:
- هه!
انطوى السيد لطفي على نفسه، وهو يجمع في حضنه قنبازه، وكان من أبي حنا أن نصب عنقه، وتوجه إلى السيد لطفي بالكلام:
- لا تبتئس، يا سيد لطفي، ستزول المشاكل، وسيصفو... سيصفو...
أسقط عنقه، وأغفى، ثم انتصب عنقه:
- سيصفو الجو.
تثاءب أبو حنا، وأغفى من جديد. قال القاضي:
- سيصفو الجو والبال، وسنفرح بك عما قريب، يا سيد لطفي.
نظر إلى الشيخ:
- وإلا ماذا، يا سيدي الشيخ؟
- إن شاء الله!
همهم السيد لطفي دون حماس:
- وفرها، يا سيدي القاضي.
تعجب القاضي:
- كيف؟!
- قلت لك وفرها، عدلت عن الزواج، اشتريت حمارة.
قهقه الجميع:
- حمارة؟
- حمارة، يا سيد لطفي!
- حمارة برسن؟
وهو جاد التعابير:
- أي نعم، حمارة برسن.
ردد القاضي ضاحكًا:
- يا خسارة! يا خسارة!
والتفت إلى الشيخ:
- بطلنا، يا سيدي الإمام. منذ ثلاثة أشهر إلى اليوم لم يجرِ عرس واحد في البلد، بينما ازداد عدد الأموات مرات. ألغينا الاتفاق. الأفراح وعقود الزواج تكلف بها أنت، أما المآتم والطلاق، فسأتكلف بها أنا.
قال أكبرهم سنًا:
- بالله عليك، يا سيدي القاضي، أسرع، وطلقني هذه المرة من امرأتي.
ضحك الجميع، والقاضي يتهرب بهذه الكلمات:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!
انتهره:
- ألا تعرف، يا رجل، أن أبغض الحلال عند الله الطلاق؟
- أعرف، يا سيدي القاضي.
- إذن لماذا الطلاق؟
تردد الرجل، وقال:
- أردت أن أسببك.
ضحكوا من جديد، والقاضي يشكر:
- بارك الله فيك وفي خلفك! ولكن، ألا تعرف أن أبغض الحلال عند...
قاطعه الرجل:
- وإلا فجد للعجوز الشمطاء زوجتي عريسًا.
قهقه الجميع، والقاضي يلقي نظره على السيد لطفي، ويقول عن عمد:
- على بركة الله، يا ولدي! العريس موجود وجاهز... على بركة الله!
أشاح السيد لطفي بوجهه عنه، وقد غمق لونه، وبدا عليه السخط والتقزز.
فجأة، صاح الشيخ:
- إلى الصلاة، يا عباد الله، حان موعد الصلاة!
نهضوا جميعًا، وذهبوا إلى الجامع.
* * *
وهم يقطعون الأقبية والأنفاق إلى القيادة، كان مقاتلو الغيتو تعبين، ولم يكونوا يائسين. كانوا على استعداد لمواجهة كل المخاطر دون أن يفكروا في الموت، كان الموت آخر ما يفكرون فيه، وكانت وارسو كل ما يريدون فضاءً لهم. كانت كل الهمجية في وارسو، وكل الإنسانية في وارسو، وكل النهايات في وارسو. ومع ذلك، كانوا لا يريدون شيئًا آخر غير وارسو. كان كل شيء بالنسبة لهم يبدأ في وارسو، وينتهي في وارسو. كانت المَحْرَقات لا تعني شيئًا آخر غير وارسو، وكذلك الأعشاش التي لم تهدمها الحرب. كانت وارسو لهم البندقية والحيوانية، وكانت وارسو لهم الأمل كما يفهمه طفل يرفع يديه مستسلمًا أمام الغزاة، وكل الشناعة التي عرفها طفل سيحترق من أجل ألا يحترق طفل آخر في مكان آخر غير وارسو. لم تكن الضحية ضحية لأنها ضحية، ولم تكن الضحية تحت معنى الافتداء، ولا تحت معنى الإدانة، لا ولا تحت معنى التأثيم، وإنما تحت معنى البقاء في ذاكرة الإنسانية إلى الأبد، تحت معنى المطر في جحيم النفس، وتحت معنى ألا تغدو الضحية جلادًا، ألا ترتكب الضحية كل ما ارتكب ضدها من حماقات تجعل من الجميل في الجحيم دالاً للدمامة، ومن الدمامة مدلولاً للحياة.
* * *
قال الأسطى حسن:
- عد إلى شغلك، يا ابن السيد.
كانت لابن السيد عينان حالمتان وطلعة لا توحي بالأذى.
قال طائعًا:
- كما ترى، يا أسطى.
صححه الأسطى حسن:
- كما ترى المصلحة العامة.
- حاضر، يا أسطى.
وكمن في ركنه هادئًا.
لم يكن على ما يرام أبو العبد، كان يفتح عينيه بصعوبة، وقد برزت حنجرته تحت جلده الهرم. خلع إسحق صندله، وجاءهم حافيًا. نظر إلى إبريق الشاي الموضوع فوق الرف، وسألهم إذا كانوا يريدون قدحًا، لكنهم اعتذروا بحجة احتسائهم القهوة في بيت عواد. لاحظ إسحق وجه أبي العبد الباهت، وعينيه الذابلتين، فابتسم له قليلاً، ودعاه إلى الكلام:
- تكلم، يا أبا العبد.
ابتلع أبو العبد ريقه أولاً، وسأل بغم:
- ماذا أقول لك، يا إسحق؟
وبعد قليل، همهم:
- لقد ركبوا على ظهورنا!
قال إسحق:
- لا تقل هذا، يا أبا العبد، فنحن لهم بالمرصاد دومًا.
انفعل:
- بالمرصاد، كيف؟
ثم توجه إلى الأسطى حسن بالكلام:
- سامحك الله، يا أسطى حسن! لماذا لم تدعني أجهز عليه، مهندس المجاري ابن الكلب؟
- صبرك، يا أبا العبد.
لكنه اهتاج:
- تعرفني، يا أسطى حسن! تذكر في 36... تذكر ماذا فعل أبو العبد في 36.
- أذكر، لكن الحال اليوم يختلف.
- ما الذي يختلف؟ كنت في يافا سنة 36، وعملت العجب العجاب خلال إضراب الستة أشهر. بحث عني الإنجليز في الشوارع والحارات شبرًا شبرًا، لكنهم لم يقعوا لي على إصبع. ذبحت منهم ثلاثة، وفي كل ليلة كنت أوزع المناشير.
أخذ نفسًا، وتابع، وهو يستعيد الماضي:
- رحمك الله، يا شيخ القسام! لقد كنت وطنيّاً حقيقيّاً مخلصًا! حملت البندقية إلى جانبه قبل إضراب الستة أشهر. كان قد أعلن الثورة في قضاء جنين، وقد أراد تحرير حيفا أولاً، ليعلن فيها دولة الثورة، لكن الإنجليز، مصاصي دم الشعوب، قتلوه قبل أن يستطيع تحقيق ذلك. قتلهم الله!
التفت إلى الأسطى حسن، وقد عاد البريق إلى عينيه كالعادة، وها هو ذا يتلهب حماسًا:
- لماذا لم تدعني أقتل مهندس المجاري ابن الكلب؟ إنه عميل وخائن! هل رأيته بأي شكل يلحس كندرة الباشا والإنجليز! لو قتلته لأرحتكم منه ومن شره!
قال الأسطى حسن:
- لو قتلته لقتلك الباشا إبراهيم، وفوق هذا، نحن لسنا في غنى عنك الآن.
أخذ أبو العبد يرتعش:
- الموت أحسن من الإهانة!
ثم راح يتوعد:
- لن يكون موته إلا على يديّ ذاك النذل.
قال إسحق مهدئًا:
- هدئ روعك، يا أبا العبد.
أطلق أبو العبد نفسين، وهدأ دون أن تغادره رعشة أصابعه.
قال الأسطى حسن:
- سأعمل كل ما بوسعي من أجل إعادتك إلى العمل.
لم يجب أبو العبد، أشاح بوجهه عنه، وهو ينظر في الفراغ.
توجه الأسطى حسن إلى ابن السيد بالكلام:
- اعتمد عليك، يا ابن السيد، يجب أن يصل التقرير إلى الثوار الليلة.
رمش ابن السيد مرتين قبل أن يجيب بطاعة وهدوء:
- اطمئن، يا أسطى.
غريب هدوء ابن السيد، لا يتكلم إلا إذا سُئل، وإذا تكلم قال كلمتين فقط، وسكت. كان يصغي بانتباه دومًا، كمن يسجل كل ما يقال. وكان على استعداد دومًا للقيام بأية مهمة، لا يناقش ولا يسأل الأسطى حسن عن حاله لثقته الكبيرة به. التفت الأسطى حسن إلى إسحق، وقال:
- أرض عواد في عهدتك الآن، اعتن بها عنايتك بأرضك، واجعلها تنتج الغلال كي يمكننا استعادة بقراته.
قال إسحق:
- اطمئن. ثمن البذار الذي على عواد دين في أعناقنا، سندفعه، وسنستعيد البقرات.
أطلق أبو العبد آهة:
- حسرة عليك، يا عواد!
قال الأسطى حسن:
- لا نفع للحسرة اليوم! يجب العمل!
قفز أبو العبد:
- ولماذا لا نحطم ماكينات النول؟ قل لي لماذا؟ هذا ما يلزم علينا فعله إذا أردنا العمل.
وضع الأسطى حسن يده على كتف أبي العبد، اقترب منه ما وسعه الاقتراب، وقال له:
- تمهل، يا أبا العبد، تمهل، قليل من الصبر.
* * *
أنشد ماريك:
الورد الأحمر اختار لونه
وأنا اخترت لوني
الثلج الأبيض اختار لونه
وأنا اخترت لوني
البحر الأسود اختار لونه
وأنا اخترت لوني
الأسد الأشجع اختار طبعه
وأنا اخترت طبعي
الذئب الأجشع اختار طبعه
وأنا اخترت طبعي
الدب الأحمق اختار طبعه
وأنا اخترت طبعي
المصري المخاطر اختار دربه
وأنا اخترت دربي
الإغريقي المغامر اختار دربه
وأنا اخترت دربي
الصيني المقامر اختار دربه
وأنا اخترت دربي
الملك الظالم اختار خصمه
وأنا اخترت خصمي
الفيلسوف الحائر اختار خصمه
وأنا اخترت خصمي
الجاهل العالم اختار خصمه
وأنا اخترت خصمي
الحجر المنفي اختار هجره
وأنا اخترت هجري
الجناح المرمي اختار هجره
وأنا اخترت هجري
الكتاب المروي اختار هجره
وأنا اخترت هجري
العذاب النفسي اختار شخصه
وأنا اخترت شخصي
الجحيم الأزلي اختار شخصه
وأنا اخترت شخصي
الصراع الزمني اختار شخصه
وأنا اخترت شخصي
* * *
أعطى الباشا إبراهيم ظهره للمئذنة، وضعوا له كرسيّاً على مصطبة، بينما جلس أهل القرية وكل من جاء إلى سوق الجمعة من القرى المجاورة على الأرض أمام الجامع.
ارتدى الباشا إبراهيم عباءة من الحرير الأصفر، وحمل المسبحة بيده، ووضع الطربوش على رأسه. بدا في جلسته أكثر ضخامة، شاربه الأبيض كالفضة، وفي شفتيه ثنية صارمة. إلى جانبه، انتصب الحارس كالتمثال. علق البندقية على كتفه، فسقطت لثقلها كتفه، وقبض على البندقية من الحزام. كان الحصان الأبيض على مقربة هناك، وقد بدا الحصان في عالم آخر غير عالم الباشا، والعربة اللوكس كانت أيضًا هناك.
كانت الوجوه الترابية ترنو إلى الباشا، وجوه الفلاحين، بثيابهم القاتمة، ونظراتهم اليائسة، وفي ذات الوقت، البريئة. إذا ما التقت نظراتهم بنظراتنا انجرحت قلوبنا! كانوا ينتظرون أن يتكلم الباشا، كانوا يعرفون أن الباشا سيتكلم، ولكن عن أي شيء يريد أن يتكلم؟ نسى معظمهم قصة القتل التي وقعت في الفجر، ولم تعد قصة أبي سِنَّه وأبي الغزال شيئًا كبيرًا في ذاكرتهم. كانوا في حضرة الباشا! وها هم يتركون له الكلام! وفي الأخير، تكلم الباشا:
- جمعتكم هنا كي أحذركم من الشيطان الذي يسكن في أثوابكم! هذ الشيطان الذاهب، الآيب، الآكل، الشارب معكم أينما حللتم، وأنتم ساهون غافلون! هذا الشيطان الصانع لكم ما لا يصدق من أشياء دون أن تعلموا! والله إذا بقيتم على حالكم هذا جثم الشيطان على رقابكم حتى تزهقوا الروح، فتموتوا. عليكم اللعنة إذا لم تبالوا! والله شر البلايا أن يحل الشيطان في بلد نائم في الليل والنهار، فلا ينهض أهلها، ليدمرها عليهم أفظع دمار!
فغرت الأفواه، وابيضت الجباه. كانوا كلهم يتابعون باهتمام كلمات الباشا المرعبة تلك، وأوداجه الممتلئة التي تتلاطم على وقع الكلمات.
- لقد وقعت حكاية غريبة لا يصدقها العقل في الآونة الأخيرة! حكاية تحرق الرأس بالشيب! أنا والله ناقم أشد نقمة. تركتموني وحدي، ورميتم على عاتقي كل المسئولية. وكأني بأهل موسى عليه السلام عندما قعدوا عن نجدته قائلين، اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون! وماذا كانت النتيجة؟ جعلهم الله يوغلون في التيه السنين تلو السنين! وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالتعاون فيما بيننا عندما تشتد الأمور، بمعنى أن نلم شمل بعضنا وقت المصائب. وأي مصائب تجري في البلد اليوم! لم نر مثلها مصائب منذ العهد التركي، لعنه الله من عهد مشؤوم مذموم، وجنبنا الله شر اليوم، أكبر الشرور! هذا اليوم الذي نشهد فيه على جرائم تلو جرائم، والله سبحانه وتعالى، ونبيه الكريم عليه الصلاة والسلام، قد أدانا بلدًا تقع فيه الجرائم تلو الجرائم، ونحن غارقون حتى رؤوسنا في الطين، عاجزون عن رفعها، ونصبها في وجه القاتل. ومن هو القاتل؟ إنه واحد منكم!
امتلأت الدنيا بالضجيج.
- فهل تعرفونه؟
عظمت صيحات الباشا إبراهيم:
- قولوا لي، هل تعرفونه؟
وكأنه قبض على خناق كل واحد منهم وهزَّه:
- لا أحد يعرف هنا بالطبع. عقاب الله سبحانه وتعالى قد حلَّ بكم، تمامًا كما أحله بجماعة سيدنا موسى عليه السلام! وها أنتم اليوم تائهون في الصحراء! أمس، حفرتم قبورًا لأكثرنا طهارة، أبي سنه وأبي الغزال، واليوم لابن عوض، أما غدًا... غد الشؤم غدًا، فسيكون أمرَّ الأيام إذا بقيتم على حالكم، وستحفرون القبور لأهل القرية جميعًا. موتوا إذن! واستسلموا! وابقوا في الطين! ثم قولوا لي كما قال أهل موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنَّا ها هنا قاعدون!
نفضهم من أعماقهم، فضجوا، وهمروا:
- الله أكبر!
- معك، يا الباشا... معك!
- لعن الله الخاضعين لغير الله اللهم آمين!
رددوا معًا:
- فداك، يا الباشا... فداك! فداك، يا الباشا... فداك! فداك...
رفع الباشا يده الهائلة، وتركها تسقط على رؤوسهم كالسوط:
- اسمعوني... اسمعوني...
انسحقوا.
- عملت لكم، ومن أجلكم، وما زلت أعمل لكم، ومن أجلكم، كما عمل أبي وجدي وجد جدي لكم، ومن أجلكم.
اقتلع رجال المخفر ستائر الخيش عن أبواب فلاحي وادي عربة. قمعوا أبا قاسم في عقر داره. انقضت صفوريا على المأمور. دق بقبضته صدرها. خرت تصرخ وتبكي. أطلق رجال المخفر على بعض الفلاحين. هدموا المواقد. ضربوا بظهور بنادقهم الأطفال. علا البكاء. سقطت النساء في الطين. جاءت صفوريا تعدو وهي تشتم وتبكي، وسقطت في الطين. نادت على الله مستنجدة. ذرفت الدموع الحرى.
- والمسلم الصالح من أوفى بالمعروف لصاحب المعروف. وما أطلبه منكم أن تفتحوا عيونكم جيدًا، وألا تنساقوا وراء الكارهين والحساد ممن ليس لهم شرف ولا دين. احذروا الحساد والكارهين. أولئك الخونة الذين يعملون في الظلام كالشيطان، لعنه الله ولعنهم، ليعيثوا في الأرض فسادًا، ودعوا باقي الأمور علي.
خلال ذلك، كان رجال المخفر يواصلون عمليات القمع، اقتلعوا الفلاحين من أقاصي القرية، لطموا نساءهم، ساقوا دوابهم، وجروهم بالحبال.
- هذا ما أطلبه منكم، ودعوا باقي الأمور علي. سأجد القاتل (هب ناهضًا كالجمل الضخم الخيالي) وسأسحقه بنعلي كالذبابة...
صيحات، وهتافات، وقبضات.
- سأسحقه بنعلي كالذبابة! ولن أطلب من الإنجليز عونًا لأنهم خداعون وأصحاب مكائد! طلب العون من الإنجليز لهو أكبر خيانة، والله أكبر على كل من خان وتكبر!
هتافات:
- الله أكبر على كل من خان وتكبر!
ثم معًا:
- فداك يا الباشا... فداك! فداك يا الباشا... فداك!
هجم بعضهم، وحاولوا رفعه على الأكتاف، لكنه دفعهم، وهو يصرخ، ويشتم. هبَّ الحارس مبعدهم حتى خلصه. قفز داخل العربة حيث أمنه وسلامه، وانطلق الحصان.
* * *
أنشد ماريك:
أنا إن ورثت شيئًا
فبؤس كل إنسان
أو سعادته
أنا إن أُعطيت شيئًا
فثوب كل إنسان
أو سلاسله
أنا إن وُعدت بشيء ليس شيئًا
يوعد به كل إنسان
لن يكون وعدًا
بل عبئًا
لا أقدر على حمله
البؤس ليس قدرًا
ولا السعادة
الثوب ليس أبدًا
ولا السلاسل
الوعد ليس جنونًا
ولا قبلة يهوذا
* * *
بينما كان أهل القرية يتفرقون، والغوغاء تبتعد، إذا بوقع حوافر تأتي من خلف الظهور. وصل البيك والهيثم كل واحد يركب حصانًا، فتردد الناس في البداية إلى أن توقف الفارسان. عند ذلك، جاء بعضهم بدافع الفضول، دون أن يهدأ حصان البيك، ربما بسبب عيونهم المحملقة التي كانت تبهره. شبّ حصان البيك عدة مرات، وهو يصهل، إلى أن كبح جماحه. نادى أحدهم:
- يا جماعة! تعالوا واسمعوا! يريد البيك أن يكلمكم.
تردد من هم في الطرف الآخر، ثم اقتربوا، وهم ينظرون بريبة. وهناك من كان يحدج بضغينة. نادى الهيثم من ابتعدوا:
- تعالوا! تعالوا جميعًا!
كان المختار والشيخ والقاضي قد انسحبوا دون أن يشعر أحد بهم. تبعهم السيد لطفي والسمسار والسمسار يخفي وجهه بذراعه. عندما أحاط جميعهم بالبيك، خاطبهم قائلاً:
- كنت مارًّا من هنا عندما سمعت هتافاتكم، فأثرتم في صدري مشاعر الفخار بوثبة هذا الشعب الذي يرفض العار، ويشعل النار، النار اللهابة في وجه أعداء الشعب وأعداء الله، أعدائنا اللدودين، وهم كثيرون! نحن نعرفهم جميعًا، ومع ذلك، فمن الواجب علينا هذه الساعة أن نسميهم بأسمائهم، وأن ونعدهم واحدًا واحدًا! كانت هتافاتكم وطنية تترجم الغضب على الأعداء. لقد حان وقت الحساب! ومن لامرئ حساب يريد تصفيته، فعليه أن يعرف كيف. وإلا بقينا في العموميات، نقول أعداءنا، دون أن نحدد من هم واحدًا واحدًا. إن أشدهم خطرًا، وأكثرهم جرمًا...
وقعر صوته:
- قاتلو أبي سِنَّه وأبي الغزال... قاتلو الشعب، ومصاصو دمه! هؤلاء هم أشد أعدائنا ضراوة... كفرة، قتلة، أوجب الله سبحانه وتعالى قتلهم وقتالهم.
أخذوا يغلون.
- ويأتي في الدرجة الثانية الخونة، نعم يا إخوان، الخونة الذين هم من لحمنا ودمنا مع الأسف، تبرأ الله منهم ومن نسلهم! إنهم ضعاف النفوس، كريهون، لا يرون إلا مصالحهم أولاً، ومصالح الشعب لا في الأول ولا في الأخير! يعلون على رقاب أهل البلد، ورقاب أهل البلد تغرق أكثر فأكثر في الطين!
ثم قعر صوته ما وسعه ذلك:
- اهتفوا معي وعلوا الضجيج: سحقًا لهم!
فرعدوا معًا:
- سحقًا لهم!
والبيك من جديد:
- سحقًا! سحقًا!
وهم من جديد:
- سحقًا! سحقًا!
- سحقًا! سحقًا! سحقًا!
- سحقًا! سحقًا! سحقًا!
تعالت أصوات كالموج الهادر:
- أكبر... أكبر... آه يا بيك... الله أكبر!
وهو ينفخ صدره مرتفعًا فوق حصانه:
- أما عدونا الثالث...
وهم لم يزالوا مندمجين مع هتافهم. أعاد البيك:
- أما عدونا الثالث...
انتهروا بعضهم، وسكتوا.
- أما عدونا الثالث، فهم الأذناب. أولئك الذين لا يساوي الواحد منهم متليكًا! يلسحون ليل نهار نعال الطاغي تمامًا كالكلاب، كي يرميهم الطاغي بعظمة!
صاح أحدهم:
- الله أكبر على كل من طغى وتجبر!
وانسحق.
قال البيك بهدوء:
- نعم أيها الإخوان، الله أكبر!
وبنبرة صارمة:
- الله أكبر على كل من طغى وتجبر! الله أكبر على الأعداء ألف مرة! حان الوقت كي نعرف جميعًا من هو ابن الشعب المخلص، ومن هو عدو الشعب اللدود.
حمحم الحصان جامحًا.
- كان أبي رحمه الله مخلصًا لهذا الشعب، والكل يعرف هذا. كان خادمًا لكم طوال حياته، دافع عنكم دفاع الأبطال يوم لوَّث المستعمر بأقدامه أرض الوطن الغالي. ومنذ أن شبت أظافري، وهو يبث في نفسي روحه الوطنية، روح النضال من أجلكم، ومن أجل الاستقلال. ثم مات، فتركني لكم من بعده، أنا الخادم الأمين المخلص، والأخ القريب إلى فؤاد كل منكم، يا أهل قريتي الأعزاء!
خرج أولاد عوض من الدار، وهم يحملون تابوت أخيهم القتيل على الأكتاف. كانوا يسيرون بخطوات تثقلها الفاجعة. تعلقت امرأة بالباب. مدت ذراعها، ثم تركتها تسقط. أخذت تصرخ، وتولول. ركضت امرأة شابة من وراء النعش ثم ألقت بنفسها على الأرض. بكى الأطفال، وناحت النساء.
- نعم أيها الإخوان، الأخ القريب إلى فؤاد كل منكم، يا أهل قريتي الأعزاء! اجتمعنا اليوم لنغضب، فلنغضب، ولنقف صفًّا واحدًا في وجه أعداء الله والوطن والدين!
وصاح:
- اهتفوا! اهتفوا! وعلوا الضجيج!
تفجرت الرعود. انقذفوا نحو البيك، ورفعوه على أكتافهم.
* * *
قال آدم مردخاي لماريك وموزارسكي.
- انتهى دوركما هنا وبدأ دوركما في فلسطين.
نظر الصديقان إلى ماريشيا وبولينا، وهما في لباسهما العسكري دومًا، حائرين، وماريشيا وبولينا لا تصدقان ما تسمعان.
- سنأخذ ماريشيا وبولينا معنا، قال الصديقان.
- ستلحقان بكما فيما بعد، هما ألمانيتان أمرهما سهل.
- متى ستلحقان بنا؟ سأل موزارسكي.
- قلت لك أمرهما سهل، أجاب مردخاي.
- إنهما في خطر، كما تعلم، قال ماريك.
- ماريشيا وبولينا، لن تخرجا من عندي، فاطمئن، قال مردخاي لماريك.
فتح باب مخبئه، ونادى أحدهم، قال له:
- رافق الرفيقين، وزودهم بما يلزم لمغادرة بولندا. الرفيق دافيد في فلسطين على علم بالأمر.
هتف الرجل:
- العام القادم في أورشليم!
- العام القادم في أورشليم، رد مردخاي.
بعد أن تأكد من اختفاء ماريك وموزارسكي في الممر التحت الأرضي الطويل، أقفل مردخاي الباب، واستدار، وفي اليد مسدسه. أطلق النار على ماريشيا وبولينا، وأرداهما قتيلتين.
* * *
حام إسماعيل حول بيت الحارس. لا ضجة. لا أحد. كأن الكوخ مهجور. طغى على قلبه الشوق إلى البنت. اقترب من الطاقة، وبحث بعينيه عنها. لا ضجة. لا أحد. أين تراهم ذهبوا؟ أين تراهم أخذوها؟ كأنه فقد عزيزًا. كان مولعًا بها أشد الولع، تلك البنت الصغيرة ذات نَفَس الفرخ، وعنق البان، وصفصاف مصر، وعطر الندى، وشفاه الورد، وحرير الشام. كان الكلب هائجًا على غير العادة. حتى والكلب إلى جانبه في السيارة، كان يلهث، وينبح، بينما الريح تلطم ذيله. انتفخ شعر إسماعيل وثوبه. كان يسوق بأقصى سرعة دون أن يلاحظ جماعات الفلاحين بعد أن غادرهم البيك، وهم يتفرقون في الحقول. انعطف بجنون، هناك، إلى حيث من عادته أن يذهب. قرب شجرة اللوز توقف، وضع رأسه بين يديه، واعتمد على المقود. قفز الكلب مبتعدًا بين الأشجار. هبط إسماعيل، واتجه إلى حيث الصندوق الذي أخرجه. صب آخر كأس، وجرعها دفعة واحدة. أشعل سيجارًا، وراح ينفخه شاردًا. طرف بعينه نحو رسومه، رفعها بيد رخوة حتى عينيه، ثم شرع في تمزيقها. استتبت به فكرة، أن يحرقها... أن يحرق كل شيء. أشعل النار. فتنه لونها، لهبها، رائحتها، عنفوانها الأبدي. غطى لونها باقي الألوان، والتهمت الرسوم بحمية. تعالت، وتعالت، وزحفت في العشب. رمى إسماعيل العشب الذهبي في النار، والأغصان البنية. أحس بمتعة أمام النار التي تتلوى شوقًا على مقربة منه. تفجرت ضحكته المفتونة، وأصابه الهوس. مزق المجلة، ونثرها في النار. أفرغ صندوقه، ورماه برمته في اللهب، وهو يزيده تأججًا بإطعام النار مزيدًا من ذهب العشب، مزيدًا من بن الأغصان. هبت الريح، فطارت عصافير اللهب. كانت ترتفع في السماء، وتختفي فجأة. أصغى: عزفت موسيقى اللهب، وانساب معها. مد أصابعه نحو النار بأقصى متعة، ثم أخذ يقهقه بينما النار تتعالى... تتعالى...
* * *
بعد اغتيال ماغدلينا، أحرق الجنرال ناهريخ الأخضر واليابس، وبالغاز أباد المبعدين من رجال ونساء وأطفال في معسكرات الموت، ثم جاء بغيرهم، وأبادهم، بالغاز وبالنار، ثم جاء بغيرهم، وأبادهم، بالغاز وبالنار، فانتشر دخان الإنسانية، وصعد إلى كل سموات العالم. وصل التصعيد أقصاه، فتحرك الحلفاء، وقضوا على الوحش الوسيم. كان آدم مردخاي قد جعل من نفسه الناطق باسم كل اليهود في العالم، بعد أن أعلن أن فصول المسرحية التي يكتبها، والتي تدور أحداثها هنا انتهت، وستبدأ فصول المسرحية التي سيكتبها، والتي تدور أحداثها في فلسطين. عندما التقاه جوني شارلز قبل سفره إلى نيويورك، سأله، وهو يرتدي بزة الجنرال الألماني للتخفي:
- لماذا نيويورك، وليس القدس، يا مستر مردخاي؟
أجاب:
- لأنني من نيويورك سأحكم القدس، يا مستر شارلز!
وانفجر ضاحكًا، والمبعوث الخاص لمجلة التايم يردد:
- أنترستنغ! أنترستنغ!
* * *
والنار تتعالى... تتعالى... من جوف مخازن الباشا الضخمة. لونت الليل، فصار أحمر. ورغم جمال النار الساحر، اجتاح الرعب قلوب الفلاحين. كان اللهب العملاق يصرخ كما لو كان يحوي النسور. وكان الفلاحون يرشقون دلاء الماء، ولكن دون فائدة. تصايحوا، ووثبوا، ولكن دون فائدة. أخذت المخازن تنهار واحدًا واحدًا بينما انطلق الحصان الأبيض كالبرق بأقصى سرعة، والعربة تتبع، والحوذي يمسك بالرسن وقوفًا، وهو يهدر:
- ها! ها!
وهو يلوح بالسوط.
توهجت عينا الحصان توهجًا رهيبًا وهي تطالعه عظمة الحريق. وفي اللحظة التي جذب فيها الحودي الحصان، قفز الباشا، وهو في ثياب السهرة الفخمة، واندفع باتجاه الحريق. عدل الفلاحون عن النظر إلى النار، وراحوا يرمون هذا الباشا الإفرنجي الذي لم يروه أبدًا من قبل بنظرات الريبة والاستهجان. لا فائدة ! أخذت النار العظيمة تلتهم كل شيء. بدا الباشا صغيرًا جدًا، وخيالات اللهب تصفع وجهه. فجأة، جاء أحدهم، وصرخ:
- يا ناس! يا جماعة! يا أهل البلد!
جمد الرجل عند وقوعه على الباشا، انضنى، جحظت عيناه، وانعقد لسانه.
هزه الباشا من كتفيه، فتطايرت من عينيه دمعة.
- انطق!
والنار الحمراء تتعالى... تتعالى... وصوت القضم الناتج عن التهام النار للمخازن. فتح الرجل فمه، وقال ذاهلاً:
- يا باشا... النار... التهمت المصنع!
صفعه الباشا بكل قوته، فعجنه في الأرض. هب ليتمطى العربة، والحارس يركض من أمامه. ساط الحارس الحصان بقوة، فشبّ الحصان صاهلاً بغضب. تراجعت العربة، وكادت تنقلب. أطاع الحصان بعد أن روعته الصيحات. انطلق الحصان بأقصى ما يستطيعه من سرعة، عَبَرَ الأزقة، وشق الليل. أخذت الحلكة الحمراء تنتشر شيئًا فشيئًا، وأخذ هذا العملاق يعلو شيئًا فشيئًا، إنها النار القوية، اللاقدرية، الأقوى من كل شيء. وقبل أن تقف العربة تمامًا قفز الباشا، وراح يصرخ بالفلاحين الذين يرشقون دلاء الماء دون توقف. لم تلتهم النار المصنع تمامًا، كان الجناح الأيسر منه سليمًا على التقريب. صاح الباشا كي يسرعوا بإخماد الحريق، إلا أن جلب الماء لم يكن من الشيء السهل بسبب محرك كان يضخه من أحد الآبار الملاصقة للمصنع، ولم يكن في ذلك الكفاية، أما القناة، فكانت على مسافة ليست قصيرة. كان الفلاحون يذهبون ركضًا إليها، ويعودون ركضًا منها، وهم يسرفون من الدقائق ما هو ثمين. وبخهم الباشا، فزادهم ارتباكًا. شلته النار. لم يكن قادرًا على السؤال عمن فعل هذا، ولم يكن الفلاحون أنفسهم قادرين على طرح هذا النوع من الأسئلة، فالنار تهاجم، وتزحف. لم يكونوا قادرين على التفكير إلا في أنفسهم، وكذلك كان الباشا. الآن، يجب إخماد الحريق. دخل الباشا المصنع، فهوت النار بألواح الخشب، ورفع الرجل ذراعيه للاحتماء. لأول مرة، كان عاجزًا، ضعيفًا. كان يرفع يديه إلى أعلى خاضعًا! في النار! في الجحيم! كان في الجحيم!
تبعه أحدهم.
انطلق الأسطى حسن يعدو عبر الحقول، وقلبه يكاد ينط من حلقه. كان يعدو بأقصى سرعة، ومن ورائه، من الشرق... أشرقت الشمس في الليل لأول مرة، وتفتح الورد في الليل لأول مرة، ولأول مرة، كان الأسطى حسن يعدو بمثل تلك السرعة، إلى أن وصل الطريق الترابي. هناك كانت تستلقي كعروسة في خدرها، أرض إسحق، وكان الأسطى حسن قد صعد المنحدر، وهو يخفق كأجنحة الريح. جاء بيت إسحق، وراح يطرق الباب بكلتا يديه، وهو يصيح بأعلى صوته:
- يا إسحق! انهض... الباشا مات!