القسم الثاني
صاح طفل:
- انظري!
فجذبته أمه إلى طرف لتمضي كوكبة الفرسان مضي البرق. أخذ الطفل الذهول، وهو يلتفت برأسه إلى حيث مضت الكوكبة، دون أن يأخذ حذره من خطوات أمه السريعة.
قال دَهِشًا:
- أرأيت؟
انتهرته الأم، وبحقد:
- إنهم يثيرون الكثير من الغبار!
واصلت جذبه بقوة:
- أسرع!
واخترقا الغبار حتى نهاية الطريق الترابي.
كان الجنود الإنجليز في كل مكان: في الأزقة، في الدروب، وعند مدخل القرية. وكان معظمهم شبابًا في العشرين لا أكثر، تعابيرهم صارمة، على رؤوسهم قبعات بيضاوية، وفي أياديهم أسلحة قوية، يلبسون الشورت، ويتفحصون الفلاحين.
بصق جندي إنجليزي أشقر شقار بولندي على الأرض في اللحظة التي جاء فيها من بعيد فلاح بعربة من القش يجرها حمار، وقد جلس في مقدمتها ابنه الصغير. وهو يقترب من الجندي، أوقفه هذا سائلاً:
- إلى أين؟
أجاب الفلاح بنبرة جازمة:
- أحمل قشي إلى الزريبة.
دار الجندي بالعربة، وسأل جنديًا آخر أشقر مثله:
- ماذا نفعل به؟
قال الجندي الآخر بنبرة غريبة دون أن يدنو خطوة واحدة:
- ليعد أدراجه! الطريق ممنوعة للعربات.
- أسمعت؟ عد أدراجك.
بدت على الفلاح كل سذاجة الريف:
- لماذا؟ لم أفعل شيئًا!
- الطريق ممنوعة للعربات.
ثم مهددًا:
- عد أدراجك!
التفت الأب إلى ابنه مقهورًا، وبادله نظرة مليئة بالحقد. سحب الحمار، وعاد أدراجه. على بعد عدة أمتار، التقى شاحنة صغيرة تنقل الخضروات إلى الحسبة، فأشار العربجي إلى السائق بالوقوف.
سأل السائق حانقًا:
- ماذا هنالك؟
- لا فائدة. عد أدراجك. أرجعني الجنود الإنجليز. الطريق ممنوعة للعربات.
نبر السائق:
- الطريق ممنوعة للعربات التي تجرها الحمير أمثالك، أما أنا، فلدي شاحنة!
هزَّ الفلاح كتفيه، وقد لاح عليه عدم الفهم، وتقدم السائق من الجندي. أطاع أمر الوقوف، وهبط.
- من أجل الخضروات. أنا ذاهب لنقلها إلى حسبة المدينة.
لم يفه الجندي بكلمة. رفع عنها الغطاء، وسأل:
- ما هذا؟
مشيرًا إلى صناديق مستطيلة في أقصى السيارة.
- لوز. صناديق ملأى باللوز اليابس. حمولة خاصة بالخواجا أسلمها في طريقي.
رمى الجندي الآخر:
- دعه يمر!
قفز السائق من وراء المقود، وقبل أن يذهب، صاح:
- أنت يا جندي من مسك!
فلم يبد على الجندي أن ذلك يروقه.
انتهره:
- هيا، اذهب!
ابتعدت الشاحنة الصغيرة بصعوبة، وهي تسعل، تاركة خلفها سحابة من الغبار والدخان. بعد مسافة، رأى السائق صحاحير خضار مصففة فوق بعضها على طرف الطريق، وداني عمران الخضرجي يجلس على إحداها.
- مرحى، يا خضرجي!
وقطع المحرك.
نهض داني عمران الخضرجي بلا اهتمام، وهو يقضم عنقًا من الفاصولياء:
- لم هذا التأخير؟
- ألم ترهم؟ الإنجليز يملأون الدنيا! أم أنك لاه بالتهام الخضروات؟
وراح يقهقه، لكن داني عمران الخضرجي استشاط:
- لا مزاح!
قفز السائق متصنعًا الدهشة:
- معك؟ أنا لا أمازح أحدًا!
رفع الغطاء، وأشار إلى الصناديق:
- إياك أن تمسها. إنها ملأى باللوز.
- على قفاي كل لوز الدنيا!
- يا للحظ!
- كما أقول لك.
- ضع حمولتك على اليسار، سأهبط بالصناديق في مزرعة الخواجا.
- أهو بحاجة إلى اللوز، خواجاك؟
- ليس هذا من شأنك. هذه بضاعة للخواجا جئته بها من المدينة، وهاءنذا أحذرك من جديد، إياك أن تمسها.
قضم الخضرجيى عنقًا آخر من الفاصولياء، ولم يفه بكلمة. توجه نحو الصحاحير، وراح ينقلها داخل الشاحنة الصغيرة: صناديق مستطيلة ملأى باللوز. ألقى عليها عدة نظرات مترددة، لا أكثر.
قال السائق:
- أرى بين حمولتك بعض صحاحير البرتقال.
- إنه الموسم.
- حقًّاً، إنه الموسم.
تركه يغيب داخل الشاحنة الصغيرة، فتناول السائق حبة برتقال، وقضم قشرتها، وبصق، ثم راح يقشرها بأظافره. وفي داخل الشاحنة الصغيرة، تناول الخضرجي حبة لوز، وكسرها. رمى قشرتها خلف الصناديق، ودفع اللب في فمه. عندما نزل، جاءت عينه في عينه، فحاول كل منهما إخفاء سرقته على الآخر، بمسح الفم، وإبعاد النظر إلى الناحية الأخرى.
والخضرجي يصعد بحمله من جديد، رأى السائق يبتعد إلى حيث أعواد القصب. تقدم بسرعة من صناديق اللوز، وراح يملأ جيوبه، لكن أظافره خدشت فجأة أنبوبة معدنية. ما هذا؟ دق قلبه بعنف، وبحركة عجلى، أبعد اللوز: يا رب الشياطين! بنادق! انحنى على صندوق آخر، وبنفس الحركة العجلى، أبعد اللوز: بنادق بورقها الجديد! اجتاحه خوف رهيب. نزل من الشاحنة الصغيرة بحذر، والتفت إلى ناحية السائق الذي كان على وشك الانتهاء من التبول، وهو يبصق، فحط الخضرجي قدمه في الأرض، وقفز هاربًا في الحقول.
نفض السائق نفسه مرتين، وأعاد غلق سرواله.
- هل انتهيت؟
لم يكن أحد هناك. بحث عن الخضرجي بشيء من الهوس، ثم صعد إلى الشاحنة الصغيرة: اكتشف الخضرجي أمر البنادق! قفز مسعورًا، جرى قليلاً باتجاه الحقول، وتوقف ظانًا أنه وقع عليه. لكنه كان قد اختفى! هب يقود شاحنته بكل ما أمكنه من سرعة إلى مزرعة الخواجا.
أزاح أحدهم الحاجز عندما رآه يأتي من بعيد، فدخل دون أن يتوقف حتى المستودع. تقدم منه رجل غزير الشعر، غزير الحاجب، عريض الوجه والمنكبين:
- ماذا دهاك؟
انحنى على أذنه، وأودعه الخبر. توترت ملامح الرجل، ضرب نعليه في الأرض، وصعد ليرى الصناديق، ثم راح يجري داخل المستودع، والسائق يقف متسمرًا في مكانه. بعد لحظات، غادر رجلان ضخمان المزرعة بخطوات عجلى إلى أزقة القرية، فالمقهى الذي كان شبه فارغ: كان أبو سريع والأشقراني والأعور يلعبون الورق بلا هرج على غير العادة، ولم يكن داني عمران الخضرجي معهم. اقترب أحد الرجلين من أبي الكسيح النائم على وجهه، وقلبه، وبقى أبو الكسيح يغط في نوم عميق. نظر إليهما صاحب المقهى مذهولاً، والقهوجي مذعورًا. أخيرًا، غادرا المقهى في اللحظة التي دخل فيها جنديان. ترى أين يمكنه أن يختفى؟ بحثا عنه في البيارات، وتفقدا الآبار. في الغابة، وعند فلاحي وادي عربة... وذهبا حتى المغارة في التل الشمالي.
حزر داني عمران الخضرجي مقدمهما عندما سمع خطواتهما، فانسحب بخوف وحذر، وتغطى بظلام المغارة، لكنه اصطدم بأحد البراميل. جاء الرجلان يجريان، فوصلت إليهما لهثاته. استل أحدهما سكينًا، وتقدم مع الآخر. كالمرآة... كانت شفرة السكين تلمع، واللهثات تزداد أكثر فأكثر ارتفاعًا.
وهما على مقربة منه، قفز داني عمران الخضرجي على حين غرة، وراح يصيح برعب.
أصداء!
قبضا عليه من خناقه، وغرزا النصل في قلبه، ثم رمياه في البرميل، وعادا إلى المزرعة.
* * *
يا إلهي! كم هم كثيرون!
توقف العم أبو إسماعيل الحداد في الساحة ذاهلاً، عندما رأى الجنود الإنجليز متجمعين بكثرة. كان يريد فتح الدكان، وكانت الأزقة خالية من أهلها، والقرية صامتة. وعلى الرغم من تلك البساطير الغريبة، وكل ما كان يجري من غريب، فإن القرية كانت جميلة: كانت تتفتح كالزنايق البيضاء في الصباح بجمالها العذري. لا، لن يفتح العم أبو إسماعيل الدكان! عاد أدراجه، والتقى فلاحة كهلة تعتمد على عصاها. لم يكلم أحدهما الآخر، ولكن وجه كل منهما نطق بالحقد، لا شيء غير الحقد. إنه الحقد الصامت الذي يمسخ الوجوه!
كان لخطوات الفلاحة صدى يسمع من بعيد، فسأل العم أبو إسماعيل نفسه: إلى أين تذهب هذه العجوز والجنود الإنجليز في كل مكان؟
مر قرب شجرة تين عارية، تمتد جذورها عميقًا في الأرض، تنتظر الربيع ليتفتق ثمرها، ولتعطي كما أعطت طوال أعوام وأعوام. فكر العم أبو إسماعيل: شجرة التين هي القرية التي تتعري لتعطي العطاء الوافر رغم وجود المحتل. فهم إلى أين تذهب هذه العجوز ولماذا؟ عند ذلك، تقدم منه بعض الجنود، وأمروه أن يفتح الدكان، أجبروه على فتحها.
وهو ينفذ ما أجبر عليه، كان جندي إنجليزي يهدده بسلاحه. لكنه خفض الباب منتفضًا بالتحدي، وصنع ضجيجًا تصادى في كل أنحاء القرية. شج الجندي رأسه بعقب البندقية، وأوسعه جنود آخرون بأقدامهم ضربًا. فتحوا الدكان، وحطموا كل ما فيها.
لقد حان الوقت!
دفع الحارس دفتي الباب، وجعله مفتوحًا على مصراعيه. أشار إليهم بالنهوض، فتركوا قاعة الانتظار، ودخلوا قاعة التشريفات: المختار، القاضي، شيخ الجامع، مأمور الخزنة، مأمور المخفر، سمسار القرية، كاتب الباشا، وآخرون.
كانوا مبهورين لعظمة القصر، مسحورين، وكانوا يقلبون في أنحائه النظر خفية، دون أن يجرؤ القاضي على التنحنح. ساروا حتى صدر القاعة، نحو كرسي ضخم موشى، ذهبي الظهر والذراعين. صفهم الحارس كالسلاحف، على طرف، وطلب إليهم أن يبقوا وقوفًا دون حراك. حانت لحظة هبوط إسماعيل، الباشا الجديد. امتقع القاضي، وفي الأخير، تنحنح. لم يفلت من حدج المختار المؤنب بعينيه، فتدارك ذلك بقول: أستغفر الله العظيم! ثم مسح فمه وذقنه.
انتهى إسماعيل من ارتداء العباءة، نظر إلى الكلب ليرى رد فعله. حدق الكلب فيه، وهو يجلس على الأرض، ولسانه يتحرك دون توقف.
وضع الطربوش بيدين مثقلتين، وكمن يكتشف شخصًا آخر، راح يتفحص صورته في المرآة. ها هو ذا! الباشا! ارتعش حاجباه، تغضنا، تساقطا، وجمدت تعابيره. سارع متلفقًا زجاجة الخمر من فوق البوفيه، ملأ كأسًا، وجرعها دفعة واحدة. بقى لفترة منحنيًا إلى الأمام، وهو يغضن شفتيه.
وقع على صورته طفلاً في أحضان أمه، فنقل الصورة، وراح يتفحصها بحنو. ها هو ذا إسماعيل طفلاً! بين ذراعي أمه التي ماتت! ثقلت عليه العباءة، وضغط على رأسه الطربوش. أحس أنه يخونها. تغضن حاجباه، وهو يرمي النظر إليها، وكاد الدمع ينبجس من عينيه. ها هو يطلب عونها، وها هي، أمامه، لا تني تبعث بابتسامتها الباهتة. لا، لا، لا يعني هذا أنها راضية تمام الرضى. إنها تسخر مني! خف الذهاب إلى حيث صورتها معلقة، وسقط على السرير. رمى رأسه إلى الوراء، وهو يقبض على ظهر السرير بقوة، وراح يتوسل إليها أن تهبه القوة، الثقة، الشجاعة. ثم خفض رأسه باحترام.
أعادته إلى الواقع طرقات على الباب، فنهض، وهو يبدو عليه الذعر، وصاح من مكانه:
- من بالباب؟
أتاه صوت متهيب:
- حارسك، يا سيدي.
- ادخل.
قام إسماعيل، فقفز الكلب ليأخذ مكانه، ودخل الحارس:
- ماذا تريد؟
- الجميع بانتظارك، يا سيدي الباشا إسماعيل.
مضت بضع لحظات صمت.
كان الكلب قد أخذ يعض مسبحة الباشا الصفراء، ويقذفها، ثم يعضها ثانية.
أشار إليه بطرف إصبعه:
- تعال.
تقدم الحارس بحذر، دون أن تفارق يده حزام البندقية الثابتة على كتفه، ووقف وجهًا لوجه معه.
- انظر إليّ جيدًا.
أخذ الحارس يرمي النظر إليه بارتباك وتبجيل.
- كل شيء على ما يرام؟
تردد الحارس، ثم قال مؤكدًا:
- كل شيء على ما يرام، يا سيدي الباشا إسماعيل.
لمس إسماعيل الطربوش:
- وهذا؟
ثنى الحارس رأسه على الجانبين مدققًا، وقال:
- أمله قليلاً إلى اليسار، يا سيدي.
اقترب من المرآة، وأمال الطربوش إلى اليسار... كثيرًا، ثم قليلاً. استدار نحو الحارس، ليقف على رأيه من جديد، فهز رأسه علامة الرضاء. تطلع إسماعيل إلى نفسه من جديد، وقد غلب عليه الاطمئنان. بعد لحظة، تلاقت فيها نظرته بنظرة الحارس عبر المرآة، قال:
- هيا بنا.
اتجه الحارس بخطوات سريعة نحو الباب، ثم توقف. صب إسماعيل لنفسه كأس خمر، شربها على دفعتين، وتعابيره تموج، وتنسحق. نزل الدرج بتؤدة، وكلبه يتبعه، وحارسه يرفع رأس الخزف إلى أعلى كما يرفع مرتينته العصملية على كتفه، وقد استطال شنبه. كذلك إسماعيل، كان يرفع رأسه إلى أعلى، ولم يعد إسماعيل ابن السابعة والعشرين. أضافت الباشوية إلى عمره عشر سنين على الأقل، وأمدته بهيبة لم يكتشفها في نفسه إلا الآن، وهو يرى كل شيء من علٍ: الأعمدة، الجدران، الأثاث الرفيع. ورغم ذلك، كان خائفًا بعض الشيء. كان يدخل رويدًا رويدًا في عالم أبيه المليء بالأعاجيب، وكأن ألف حنجرة ترتل مقدمة. إنه احتفال الصعود على العرش! علت الأصوات علوّاً رهيبًا، حتى أنه لم يعد قادرًا على احتمالها. لا، هذا فوق التصور! رافقت الترتيل موسيقى كلاسيكية، فهل هو احتفال الصعود على العرش أم مأتم من مآتم الموتى؟ بقي دون جواب. رآهم من بعيد في اللحظة التي اجتاز فيها أحد الأبواب الجانبية إلى قاعة التشريفات.
كانوا يصطفون كالسلاحف: لأول مرة يراهم عن مقربة، أعوان أبيه الذين جاؤوا، وقد اصفرت سحنهم، للتعبير عن طاعتهم وولائهم.
ذهب إسماعيل إلى كرسيه الضخم، جاء الكلب إلى يساره، وبقي الحارس واقفًا خلفه. زحفوا واحدًا تلو الآخر، وتساقطوا على يده كالذباب، وهم يلثمونها بشفاهم الغليظة. هكذا هم كانوا يؤدون فروض الولاء والطاعة. في الأخير، طلب إسماعيل منهم أن يجلسوا، فجلس بعضهم على طرف الكرسي، وبعضهم الآخر انحنى على الجانب. دمدموا عبارات التهنئة، ودعوا للباشا بطول العمر، وإسماعيل صامت لا ينبس ببنت شفة. جاءت مرجانة بالقهوة، فشربوها بضيق، ونهضوا إلى باب الخروج بصحبة الحارس.
طلبت مرجانة من مستر كلارك أن يتبعها، فترك قاعة الانتظار، ودخل قاعة التشريفات، وهو يتقدم بقدم خفيفة. وقف مستر كلارك للحظة، دون أن يتحرك إسماعيل في جلسته. انحنى، ومد يده مصافحًا بحرارة:
- للباشا تحيات المندوب السامي الصادقة، وتمنياته بالصحة والرخاء!
أشار إسماعيل إلى مقعد قربه:
- خذ مكانًا.
لكنه تابع:
- وهو يطلب منكم المعذرة لعدم تمكنه من الحضور بسبب أشغاله الكثيرة، كي يهنئكم شخصيًا بالثقة التي خصكم بها أهالي البلد ورجالاته، والتي أنتم أهل لها ما في شك، ويرجوكم أن تغفروا له، طامعًا بلقائكم في أول فرصة.
- خذ مكانًا.
تقدم مستر كلارك من أقرب الكراسي، وجلس. رسم مستر كلارك بسمة على شفتيه، وقال بهدوء:
- كذلك، تقبلوا تهنئتي القلبية، يا باشا.
أجاب إسماعيل بنبرة مقتضبة:
- أشكرك.
أحضرت مرجانة القهوة، فأخذ مستر كلارك فنجانًا وضعه إلى جانبه، وقال:
- أود أن أبلغ الباشا إسماعيل أننا في صدد التحقيق بأمر الحريق، توصلنا إلى بعض الإثباتات، لكنها ليست وافية. يجب أن نحصل على دلائل قاطعة. اطمئن: ستأخذ العدالة مجراها، وسنضرب بيد من حديد على أولي الذنب. هذا شغلنا الشاغل. كان والدكم الباشا إبراهيم، طيب الله ثراه، عزيزًا وغاليًا علينا وعلى الجميع، وكان مثال الصديق المتفهم الذي نرجو أن نجده في شخصكم. ومن ناحية أخرى، أعلمكم أن المندوب السامي يدرس حاليًا مشروع إعادة بناء المصنع على نفقة حكومة صاحب الجلالة، وتزويده بآخر مبتكرات العقل الأوربي من ماكينات حديثة. سندخل طرفًا شريكًا بالمقابل، إذا أمر الباشا إسماعيل، من أجل مضاعفة الأرباح. ليس لدى تفاصيل في الوقت الحاضر، لكنني سأبلغكم بما يجد أولا بأول.
وسكت.
كان إسماعيل قد لمس عنق الكلب لمرات، وقد لحس الكلب يده لمرات. عندما انتهى مستر كلارك، رفع رأسًا فارعًا، وقال بإملاء بدأه ببعض التهكم:
- أشكر المندوب السامي باسمي لعواطفه، ولا داعي إلى إزعاج نفسه بمسألة إعادة بناء المصنع إذ أنني سأتكفل بذلك على نفقتي.
امّحت الهيئة الهادئة لمستر كلارك، وأصغى مهتمّاً.
- أما الحريق، فأنا على علم بمن أضرمه، وبناء على صلاحياتي الإقليمية سيكون عقابي شديدًا. ولا تنس هذا: كانت هناك ضحايا من بينها أبي.
أراد مستر كلارك أن يتكلم، لكنه أوقفه بإشارة آمرة من يده:
- لم يحصل لي شرف التعرف عليك، يا مستر كلارك، لكنني أعرفك من خلال ما عرفه عنك الآخرون. إنني أحذرك!
كان إسماعيل متمالكًا لأعصابه تمامًا، وكان يتكلم بهدوء كامل:
- لا تتدخل بشئوني، ولا بشئون البلد، إلا إذا طلبت منك بنفسي ذلك. في الوقت الحاضر، لست بحاجة إليك. أعطيكم ثماني وأربعين ساعة تخلون خلالها البلد من جنودكم، وتطلقون سراح المعتقلين، أبو قاسم وجماعته وباقي الفلاحين الذين اعتقلوا عن خطأ. أضف إلى ذلك، أطلب منكم أن توقفوا هجرة اليهود، وتحدوا من نفوذهم في الإدارة ولدى الخواجا داوود. كذلك إصدار مرسوم يلغي المرسوم الذي يعطي حق التعهد لأبي علي أراضي أبي سِنَّه وأبي الغزال، لأنني مزمع التخلي لأهل الضحيتين عن هذا النوع من التدابير الجائرة. تستطيع الانصراف.
خرج مستر كلارك ساخطًا.
* * *
استقبل الخواجا داوود مستر كلارك، ومستر كلارك يقول:
- لقد عملنا بنصيحتك، يا خواجا، فرضينا بولد غر باشا على الجميع! لكنه عكس ذلك تمامًا، إنه ليس بالهين، وسيثير لنا الكثير من المتاعب!
سأل الخواجا داوود:
- أية متاعب؟
رمى مستر كلارك بنفسه على الكنبة:
- خذ هذه، لقد هددني من أول لقاء!
خنق الخواجا داوود ضحكة من أنفه، وذهب ليحضر زجاجة ويسكي:
- هذه إشارة حسنة، يا مستر كلارك.
التفت مستر كلارك إليه دهشًا، فوجده ينتظر رد فعله. ترك يده حول عنق الزجاجة، نقلها وكأسين، واتجه إلى الطاولة القصيرة.
- لماذا إشارة حسنة، يا مستر كلارك؟ لأنه يعطي التبرير الشرعي لكل ما تراه سلطة الانتداب مناسبًا.
فتح عينيه على سعتهما قبل أن يتابع:
- هل فهمتني؟
أجاب مستر كلارك:
- لا.
- سأكون أكثر وضوحًا.
صب الويسكي، قدم كأسًا، ورفع الأخرى:
- بصحتك، يا مستر كلارك.
بقي مستر كلارك صامتًا.
لحوس الخواجا داوود شفتيه، ووضع الكأس:
- ما قصدته هو، بما أن الباشا الصغير ليس سهلاً حسب انطباعات مستر كلارك الأولى، وسيثير كثيرًا من المتاعب على عكس ما أرى تمامًا، حسب انطباعاتي أنا الأولى... ولكن لنسلم بالأمر، ولنقل بأن الباشا الصغير سيثير عددًا من المتاعب التي ليست في صالح الانتداب البريطاني، إذن ضد المصلحة العامة، لهذا، أي تحرك بإرادة المندوب السامي يصبح ردًّا على المتاعب التي سيثيرها الباشا الصغير. ومن ناحية ثانية، أنتم بحاجة إلى مثل هذه المتاعب الصغيرة، ليمكنكم الرد والردع المناسبين، وشرعيًا لإقرار ما هو في صالح الانتداب، إذن المصلحة العامة... ومصلحة الخواجا داوود التي هي جزء لا يتجزأ من المصلحة العامة، يا مستر كلارك.
- تقصد ألا نذعن لمطلبه بإطلاق سراح المعتقلين؟
ابتلع الخواجا داوود جرعة:
- لا بأس لو أطلقتم سراح...
ثم بنبرة شديدة:
- بعض المعتقلين.
أضاف بتمهل:
- الأقل خطرًا بين هؤلاء الكواسر.
- سيظن نفسه قويّاً، وستزاد صولته.
- ولماذا ننكر ذلك؟ إنه قوي، يا مستر كلارك!
قال مستر كلارك:
- أخبرني أنه يعرف من أضرم الحريق، وأنه سيعاقب الجاني بقوة، وعلى طريقته، حتى أنه طلب إخلاء البلد من قواتنا خلال ثمانٍ وأربعين ساعة.
رفع الخواجا داوود حاجبيه، وابتسم عن قصد:
- أترى؟ إنه قوي، يا مستر كلارك!
امحت ابتسامته:
- لهذا أصر على مضاعفة شحنات الأسلحة.
تردد الخواجا قبل أن يقول:
- أريد القول الأسلحة الثقيلة.
ثم وهو يرجو:
- ما في حوزتي من أسلحة خفيفة لا يكفي على الرغم مما أصنع... إن مصلحتي ومصلحتكم اللتين هما جزء لا يتجزأ من المصلحة العامة لفي خطر. كن مطمئنًا، أقارب لي وصلوا من أوروبا، نعم، أولئك الذين ذاقوا أقسى أنواع العذاب عبر التاريخ، والذين ذبحهم الألمان، سيحملون على عاتقهم هذه المسؤولية، مسؤولية الدفاع عن المصلحة العامة والمشتركة، يا مستر كلارك.
- وإذا ما واجهنا البيك على طريقته؟
مسح الخواجا داوود لحيته مرتين، وقال دون أن تبارحه هيئة الضحية:
- هذا ما نأمله.
أضاف بسرعة:
- المهم في الأمر هو هذا: أن نبقى طرفًا متفرجًا.
ثم أحدد في عينيه النظر، وقال ببطء:
- أتذكر؟ هذه جملتك...
تصنع التأتأة:
- برأيي أن تنسحب قواتكم حتى مشارف البلد، وليس بالشكل التام كما يريده الباشا الصغير... للطوارئ. وجودهم بين الناس مدعاة للهيجان، ولنترك المهمة لأقاربي الأوربيين مع جنودنا وشرطتنا، دون بزة بريطانية طبعًا.
- هناك شيء آخر...
دخل ابن الخواجا: في الخامسة والعشرين، أنيق، جميل.
- هذا ولدي، يا مستر كلارك. أنهى تحصيله الجامعي منذ فترة قريبة في العلوم الاقتصادية، جامعة أكسفورد.
- كيف الحال؟ يبدو لي أنني التقيتك من قبل؟ على كل حال، أتشرف بمعرفتك.
أجاب ابن الخواجا دون حماس:
- وأنا كذلك.
أخذ سيجارة من علبة على الطاولة القصيرة، وأشعلها. توجه إلى أبيه:
- لي كلمتان معك.
- أهذا وقته، يا طوني؟
- هل أزعجك؟
- نعم، أنت تزعجني.
حدج الشاب مستر كلارك، وخرج. قال الخواجا داوود نافخًا:
- مطالب الشباب لا تعرف الحدود!
- ظريف ابنك!
تأفف الخواجا داوود:
- ظريف... ظريف! لكن مطالبه كثيرة!
- ماذا سيفعل؟
جلس الخواجا داوود، ووضع ساقًا على ساق:
- لو استطاع أن يأخذ منصب المندوب السامي الآن لما تأخر عن ذلك.
افتعل ضحكة:
- كل قليل التجربة يظن نفسه قادرًا على تحقيق ما لا طاقة له على تحقيقه، لكنني سأعصره معي ومع همومي حتى يصبح رجلاً كفؤًا. سأجعل منه مساعدًا وساعدًا قويّاً لإدارة أعمالي، فكم من آمال نعول عليه، يا مستر كلارك! الآمال العظمى للصهيونية، للعالية، لعرقنا.
- إذا أردت، جعلت له وظيفة محترمة في الإدارة.
- فيما بعد، يا مستر كلارك، سنفكر في الأمر، فيما بعد.
وحث مستر كلارك على إكمال حديثه:
- ماذا كنت تريد أن تقول لي؟
- طلب منا الباشا أن نوقف هجرة أصدقائك، اليهود طبعًا.
- يا له من طفل عاق، هذا الباشا الصغير!
- لا تنس ما وقع من تظاهرات وقلاقل في القدس وحيفا ونابلس والخليل.
- ستستمر هجرة أصدقائي، اليهود كما قلت... من أجل المصلحة العامة، مصلحتنا المشتركة، يا مستر كلارك.
- سندرس المسألة بالتفصيل.
- لا تعقد الأمور، لقد كان اللورد بلفور رجلاً سياسيّاً محنكًا، فهمناه وفهمنا.
- أنا أفهمك جيدًا.
- وماذا أيضًا عن الباشا الصغير؟
- طلب الباشا إسماعيل أيضًا أن أعمل على إلغاء المرسوم الذي يعطي لأبيه حق تسيير أراضي أبي سنه وأبي الغزال بمرسوم آخر يعيد الأراضي لذويهما.
- ماذا كان ردك؟
- لم يعطني فرصة للرد.
- وماذا سيكون ردك؟
سكت قليلاً، وقال بتأن:
- إلغاء المرسوم بمرسوم آخر يعيد الأراضي إلى سلطة الانتداب.
و... بتأن أكثر:
- سنجد صيغة تسمح لنا بتحويلها إلى عهدتك.
- الصيغة جاهزة إن شئت.
- ليس بهذه السرعة، يا خواجا.
- والمصنع؟
- رفض أن نكون طرفًا شريكًا.
- بمعنى؟
- بمعنى أنه سيعيد بناءه على نفقته.
أجرى الخواجا داوود بعض الحسابات، وهو يهمهم ماطًّاً فمه:
- إذا طلبت بعض الماكينات من لندن، فهلا أتيتني بتصريح خاص؟
تمهل مستر كلارك قبل أن يجيب:
- كل شيء بأمر المندوب السامي.
* * *
كانت العصافير تزقزق بين أغصان البرتقال، وكان الرجلان يغرقان في الظل الكثيف.
قال الخواجا داوود، وهو يبحث عن الشمس بين الأوراق الخضراء:
- الطقس رائع! كأن الشتاء قد انتهى! الشمس الدافئة والعصافير التي تغني توحي بذلك. آه! كم هو رائع هذا المكان! حلم!
قال البيك سعد الله:
- إنه مكاني المفضل!
كراسي من الخيزران، وطاولة عليها فناجني قهوة في حضن البستان.
- انظر!
أشار البيك إلى الخمائل:
- لقد تفتحت الزهور.
استطرد الخواجا:
- ألم أقل لك؟ إنه الربيع قبل الربيع!
مال عليه بكل ثقله، وتمنى له:
- ربيعك، يا بيك!
لم يبد على البيك أي أثر للتمني.
- أؤكد ما أقوله، يا بيك.
لم يعلق البيك. تعكرت سحنة الخواجا، أطلق نفسًا مرهقًا، وقال:
- كل المساعي التي قمنا بها حتى الآن ذهبت سدى، ومع ذلك، علينا ألا نقطع الأمل.
أجاب البيك بجفاف:
- كان وعدك قاطعًا، رغم ذلك.
علت نبرة الخواجا:
- وما زلت عند وعدي. ولكن، يجب عليك أن تفهم جيدًا أننا نتعامل مع أناس خبثاء.
أخذ نفسًا:
- الإنجليز خبثاء، يا بيك، إذا تعاملت معهم، وجب عليك أخذهم من أعناقهم، وليس بوسعنا هذا، فهم أقوى مني ومنك. حتى أنه من الواجب سحبهم من الذيل...
سكت، ثم:
- ليس بوسعنا هذا، ولكن علينا أن نستعمل الحيلة، وأن نتمتع بالصبر، الصبر الكبير.
- إلى متى؟
تصنع الحرد:
- لا، يا بيك... كن صبورًا!
ثم بهيئة جادة:
- وهكذا، ستأتيك الباشاوية.
اقترب قليلاً، رفع يده، وراح يفتح أصابعه في وجه البيك، ويغلقها:
- لن أنسى أبدًا، يا بيك، ما فعلته من أجلي، لن أنسى ما حييت، ولا أولادي من بعدي، أرض الأخ الأكبر لأبي سنه، هديتك المتواضعة! إذا عدنا للحقيقة، فإنها أقل جودة من أرض أبي سنه، لكنها أجود من أرضي. لن أنسى هذا، يا بيك. وعدتك بالمقابل أن أسعى لتصبح سيدنا جميعًا، لا أنكر هذا. سعيت، وما زلت أسعى. وكلام في سرك، حينما أبلغني مستر كلارك أن إسماعيل سيرث الباشاوية عن أبيه، وألا فكاك من ذلك، لم ألح حول أمرك، لأنني قلت لنفسي: الباشا إبراهيم الأب العظيم بطوله وعرضه ذهب بشربة ماء، فكيف إذن ما سيحدث مع ذاك الفتى الغر الخرع؟ لن تطول باشويته أكثر من عدة أشهر. أيامه معدودة، أؤكد لك. إنه خصم خاسر أمامك، يا بيك، فتفاءل، واستعد لمنازلته بأقل أسلحتك ضراوة. اسحب الكرسي من تحته، واصعد مكانه.
* * *
مشى ماريك وموزارسكي في أزقة القدس القديمة، وشعور بالاختناق يسيطر عليهما. كانت الرطوبة لا تطاق، والعتمة قروسطوية، والوجوه مقطبة. وإضافة إلى العبء المكاني، كانت الأجواء تضغط عليهما بكل العبء الزماني، فالتاريخ هناك مثقل بالقصص والأوهام، ومهلك للنفس. كانا، وهما يتجولان في قلب الأوهام، يريان ما لا يراه غيرهما. كانا يريان بوضوح الخرافة التي أصبحتها القدس، خرافة أقرب إلى الخرفنة. عظمة صلاح الدين صارت خرفنة! كان تاريخ القدس لديهما يبدأ وينتهي بصلاح الدين، ومع ذلك، غدا صلاح الدين نوعًا من التخريف، من احتراف التخريف، وجعل التخريف تاريخًا. أما قبل صلاح الدين، فليس الخرفنة، وإنما خرفنة الخرفنة. لهذا كان ماريك وموزارسكي موجودين فيما أريد للقدس أن تكون، ولم يكونا في القدس التي كانت، القدس الحقيقية، القدس الحقيقة، وبكلام بسيط القدس المدينة.
مرت بهما جمال وحمير وبغال، وحوافرها تدق بلاط الأزقة وأدراجها الحجرية، ورائحة روثها تزكم الأنوف. كانت تلك هي وسائل النقل في القدس القديمة، وكانت سقوفها المزججة محطمة، غدت للعناكب والسحالي أكوانًا، كما غدت أقبيتها ممالك للصراصير والجرذان. كان الشحاذون بالعشرات، وكان رواد المقاهي بالعشرات. كانوا خليطًا من الفلاحين الأميين والشباب العاطلين عن العمل. رأيا كيف يميز الإنجليز في معاملتهم بين المسيحي والمسلم، المسيحي يكلمونه بأدب والمسلم باحتقار. وكانوا يرفضون التكلم مع الناس بالعربية، على الرغم من معرفة كل القياديين لها، فيستجيب لهم المسيحي والمسلم ممن يعرف الإنجليزية. حتى الصلاة، كانوا يطالبون الناس بالصلاة بالإنجليزية. ولو كان بإمكانهم لجعلوا الآذان بالإنجليزية، وهديل الحمام، وهمسات الأنسام في آذان الورد. قالوا عن المسيحيين ليسوا عربًا، وقالوا عن الثوار مجاهدين في سبيل الله. فجأة، وماريك وموزارسكي يبحثان عن زقاق يخرج بهما إلى شمس القدس، إذا برجل يظهر من باب فتحته امرأة في العشرين، وعلى المارين أخذ يقيء، والمارون يشتمونه.
- نعم، إنه ماخور، قالت المرأة للرجلين، والقيء ممنوع فيه لأبناء الماما الذين لا يحتملون شرب كأسين.
عمت رائحة القيء أجواء القدس، وطغت على رائحة العبادة. جذبت ابنة الهوى موزارسكي وماريك، وهي تريد إدخالهما بالقوة، ونادت:
- يا سونيا الدلوعة، تعالي، أتيتك بفرخين!
جاءت ابنة هوى، هي الأخرى في العشرين، وابتسمت لماريك وموزارسكي، فاعتذرا، وقالا:
- لا وقت لدينا.
- القدس ليست فقط للصلاة، قالت سونيا بدلع، وهي تبتسم دومًا.
- ولكنه ليس وقت ال... قال ماريك.
- وهل ستأتيان فيما بعد؟ سألت ابنة الهوى الأولى.
- نحن لا نعدكما بشيء، قال موزارسكي.
- إذا أتيتما، فاطلبا سونيا ولولا.
تلقفت المرأتان عابرًا كان يرتدي قنبازًا نظيفًا، ويبتسم ببلاهة أسطورية، وقبل أن تدخلا به، قالتا للصديقين:
- تعالا، ولن تندما.
وهما على وشك الخروج من باب العامود، قطع عليهما الطريق بائع تحف تذكارية، وقال لهما:
- كل هذه التحف مقدسة، يا سيديّ.
قلّباها بيد عارفة، وهما يبتسمان، فهي ليست مقدسة إلا لأن البائع الدجال يريدها أن تكون كذلك:
- هذه مصنوعة من خشب زيتون جبل الزيتون، كذب البائع، وهذه مفبركة من جلد حمل من نسل خراف سيدنا عيسى، وهذه نفخت من زجاج استخرج من المنجم الذي استخرج منه زجاج المسجد الأقصى.
- ومن يضمن لنا صحة ما تقول، رمى موزارسكي، وهو يعيد التحف للبائع، ويبتسم.
- إذا قلت لك الحقيقة، هل تأخذ مني واحدة على الأقل، يا خواجا؟
- من أجل الحقيقة، سيأخذ كل منا واحدة من تحفك، قال ماريك، وهو يعيد التحف للبائع، ويبتسم.
- كلمة شرف، يا خواجا.
- قل، وسنرى.
خفض البائع صوته، وهو يتلفت لئلا يسمعه أحد:
- هذا جلد خنزير، وهذا خشب من الصين، وهذا زجاج فالصو ينكسر لنفخة من فم رضيع، والله إني أقول الصدق!
قهقه ماريك وموزارسكي، وأعطياه ظهرهما.
- أنتما لا تصدقان ما أقول، أليس كذلك؟
رماه موزارسكي بقطعة نقدية، وقال:
- هذا من أجل النكتة.
والآخر يقسم أنه لم يكذب، وأنه إذا كذب، ذهب إلى المسجد، وطلب من الله الصفح والغفران.
والصديقان يتركان مدينة القدس القديمة من ورائهما، إذا بالجنود الإنجليز يهوون بالهراوات على رأس أحدهم. أخرجوا من جيبه مسدسًا صغيرًا، قيدوه، ورموه في مركبتهم العسكرية. وقبل أن يذهبوا به إلى المعتقل، ذهبوا بشاب على طرف، وأعطوه مالاً.
همهم موزارسكي، وهو لا يدري لماذا:
- سأذهب إلى حائط المبكى كي أبكي قليلاً.
- هل أثر فيك المشهد إلى هذه الدرجة؟ سأل ماريك.
- لم يؤثر فيّ على الإطلاق.
- إذن لماذا البكاء؟
- البكاء حاجة شخصية.
- دون سبب؟
- دون سبب.
كانا قد وصلا إلى جدار من سور القدس مليء بالأعشاب البرية، وكانت في ثقوبه بعض الأوراق المطوية.
قال ماريك:
- أنت ستبكي، وأنا سأقرأ ما في هذه الأوراق من أدعية.
أخذ ماريك، أول ما أخذ، يلمس حجارة السور بنوستالجيا، وهو يجمجم: وارسو... حبيبتي! ثم أخذ يفتح الأوراق واحدة واحدة، ويلقيها من وراء كتفيه حتى جمدت أصابعه فجأة على ملمس قطعة من الرق عجل بفضها، وإذا به يقع على جملة واحدة مكتوبة بالآرامية، لم يفهم ما تقول.
- توقف عن البكاء، يا موزارسكي، قال ماريك، وهو يضرب صديقه بكوعه، واقرأ هذه الجملة إن كنت تعرف الآرامية، فوجودها هنا محير.
أنهى موزارسكي صلاته بدعاء سريع، وراح يتأمل قطعة الرق، ويبحر في التفكير.
- هذا الرق هنا منذ أيام المسيح ربما، قال موزارسكي.
دوت ضحكة ماريك:
- منذ أيام المسيح!
- طبعًا من غير المعقول هذا، ولكن يبقى الأمر غريبًا.
- ماذا تقول الجملة؟
- أنا لا أعرف الآرامية.
- لا بد من وجود أحد يعرفها.
- لا بد، أليسها المدينة التي صلب فيها المسيح؟
- لنذهب إلى كنيسة القيامة، ونسأل قساوستها.
عادا يجتازان باب العامود، وبائع التحف، يصيح بالمارة أنه لا يكذب، كل هذه التحف ملوثة بدم المسيح، والدم يسيل من رسغه. مضيا ببيت الهوي، ورأيا سونيا الدلوعة جالسة مع لولا على عتبته، ابتسما، وابتسمتا. قطعا كل دروب القدس القديمة الرطبة، وهما يتحاشيان المشي في روث البهائم حتى ظهرت من بعيد كنيسة القيامة الموشكة على الانهيار لولا الدعامات التي تحيط بها، وكأنها أصابع أخطبوط متوحش خارج من أعماق التاريخ. لكن ما شد انتباه موزارسكي وماريك ثلة من الجنود الإنجليز تحيط بمدخل مسجد عمر ومكتبته، كانوا يمنعون دخول الذاهب إلى المكتبة، وعلى العكس كانوا يسمحون دخول كل من يود الصلاة.
قرأ القس دون اهتمام، بعد أن قلّب قطعة الرق طويلاً بين أصابعه:
- سري في قبري.
- إنه المسيح إذن، رمى ماريك.
- لا بد أنها دعابة من دعابات أحد رجال الكنيسة الروسية، علق القس قبل أن يضيف... خصومنا.
- طبعًا من غير المعقول أن تكون قطعة الرق هذه هنا منذ أيام المسيح، قال موزارسكي، لكنها ليست دعابة.
- ماذا تعني؟ سأل القس باهتمام هذه المرة.
- أعتقد أن ما يفكر فيه موزارسكي هو التالي، قال ماريك، هناك سر في قبر المسيح من الضروري معرفته أيًا كان عمر الرق ومن هو واضعه.
ابتسم القس:
- هل تلمسان خطورة ما تقولان؟ إذا كان للمسيح سر، فسره في بعثه.
- وإذا كان هناك سر بالفعل، سأل موزارسكي بنبرة أقرب إلى الجسامة، سر آخر غير بعثه؟
- إذا كان هناك سر بالفعل، همهم القس، هذا يعني الصلاة والسلام على المسيحية. أتريان إلى أين سيؤدي مسعاكما؟ عظمة واحدة من عظامه ستقول إن المسيح لم يبعث، وإن هذا القبر شهادة على موت المسيح كسائر البشر.
وهب واقفًا:
- أطلب منكما المغادرة في الحال.
رمى قطعة الرق في وجهيهما، فتلقفاها دون أن يتحركا من مكانهما.
رفع القس صوته:
- أخرجا في الحال، وإلا طلبت الشرطة.
- أنت لن تطلب الشرطة، قال ماريك.
- ولن تنام الليل إلا إذا وقفت على السر، قال موزارسكي.
- لأنك تشك قبل الآن في كل هذا، فالبعث لديك أمر مشكوك فيه، قال ماريك.
- وإذا لم نقع على رفات المسيح اطمأن قلبك إلى الأبد، قال موزارسكي.
ظل القس صامتًا، ثم قال:
- يجري هذا المساء محفل الدم، وسيكون كل القساوسة مشغولين. اذهبا الآن، وعودا مع منتصف الليل.
وهما في الخارج، رأيا كيف يحرق العساكر الإنجليز أثمن المخطوطات وأندرها، كانت الحروف تهرب من النار كالعصافير، وكانت الكلمات تصيح، وكانت الصفحات تتحول إلى رماد، كل حضارات العرب كانت تتحول إلى رماد.
* * *
خرجت السيارة السوداء من بين كثافة الشجر، وسارت في طريق رفيع يتعرج كالنهر وسط الحقول. رفع بعض الفلاحين رؤوسهم: ها هي سارة تعود إلى القصر. أخفضوا رؤوسهم من جديد، كانوا عابسين، كارهين، صابرين، يقلبون الأرض بمعاولهم.
إلى جانب سارة، كانت ابنتها هاجر ذات الخمسة عشر ربيعًا. تساقط الشلال الأسود حتى خصرها، وعكست عيناها السوداوان ووجه الملاك الأبيض الذي لها مسرات الطفولة. هكذا كان الانطباع الأول لمن يراها. ارتدت كأمها ثوبًا أسود، ولكن دون شال التل، الأسود كالليل. ربما بسبب عيني أمها الحزينتين، كانت هاجر ترمي النظر من النافذة، مفكرة، صامتة. كانت تستطلع الأيك، وتصغي بصمت إلى شدو العصافير.
بعد قليل من الوقت، بدت من الزجاج الأمامي بعض القبور: أكوام تراب مستطيلة أحيطت بحجارة مسننة. ارتفع في مقدمة بعضها حجر منحوت بالبسملة وبآية قرآنية، وكتب عليه بخط بدائي اسم وتاريخ وفاة الميت. تساقطت بعض أعواد الجريد الجافة، وكان بعضها الآخر على وشك السقوط. وكذلك كانت هناك بعض الأزهار المتكسرة، وكانت على تل ارتفع قليلاً أربعة قبور مبنية من الحجر المنقوش. في المقدمة، كان خامسها وأكبرها من الرخام: قبر الباشا إبراهيم. توقفت السيارة في المقبرة، نقل السائق من جانبه باقة الزهور، ونزل. نزلت سارة وابنتها أيضًا. أعطى السائق لسارة باقة الزهور، وهو لا يدري كيف يعبر لها عن أساه، لكنه حاول أن يبدي أقصى ما يستطيع من الرأفة. كان ذلك جزءًا من مهنته. أمسكت الباقة بيد، وابنتها بيد، وسارت مثقلة باتجاه القبر. ماذا على السائق أن يفعل؟ أن يتبع عن كثب.
هبت ريح خفيفة، فأخذ شعر هاجر الأسود يتطاير... وأخذ شعرها ينسدل، كشال سارة. لم ينشف بعد الجريد الأخضر وإكليل الورد. انحنت سارة بأسى، ووضعت على القبر الباقة. ودون توقف، كان شعر هاجر الأسود يتطاير... يتطاير، وكان شعرها ينسدل. كانت هاجر تبدو مرتاعة، لسبب تجهله. ما شأنها هي بكل هذا؟ ارتعش العشب الأسود في عينيها والتوت الأسود على شفتيها من الخوف. أنّت سارة، والتفتت نحو السائق. رأته يجمع يديه فوق صرته، وهو يخفض رأسه، ويتمتم الفاتحة بصوت مهيب، ثم رفع رأسه ببطء، مسح وجهه على الطريقة المأتمية، وعاد الجميع إلى السيارة.
عندما دخلت السيارة القرية، بان المصنع من بعيد: ركام من فحم. كان بعض الجنود الإنجليز هنا وهناك. اقتربت سارة بوجهها من الزجاج. التقى اثنان من الجنود الفرسان بالسيارة، وهي تأتي من الاتجاه المعاكس، فانزاح كل منهما بحصانه إلى جانب ليوسع لها الطريق. نظرت هاجر إليهما من الزجاج الخلفي بشغف وخوف: أردية سوداء وحمراء، وقبعة دون كيشوتية، وسيف مدلى من الخصر، وبندقية مرفوعة على الكتف، وجزمة سوداء ذات مهماز. كانت أزقة القرية خالية على التقريب إلا من بعض الصبية، وفي الساحة العامة يرابط دومًا جنود كثيرون. كانت أدوات الحداد مبعثرة، وهناك، أمام دكان البقال المغلقة، جلس بعضهم، وهم يعلكون العلك، ويلعبون الورق، وصعد بعضهم فوق أحد الأسوار. ذهب ثلاثة رجال في الزقاق إلى المقهى حيث جلس ثلاثة منهم، وكوكبة من الفرسان جاءت عادية من بعيد.
الاحتلال.
سألت هاجر:
- ماما، ما هذا؟
نظرت سارة، وهي تخفض إصبع ابنتها:
- لا أدري، يا حبيتي!
توجهت إلى السائق:
- أسرع! أسرع!
لكنه توقف بأمر الجندي:
- إلى أين أنت ذاهب؟
- هذه سيارة الباشا، ومعي عائلته، نحن ذاهبون إلى القصر.
ألقى الجندي نظرة على سارة، وقال بتراخ:
- بإمكانك الذهاب.
مضت السيارة في الطريق الترابية المحاذية للمخازن المحترقة. كالمصنع، كان الركام يتلو الركام. أثارت السيارة الغبار، وبدا القصر هناك. كان خارج السور بعض الجنود. اجتازت السيارة الباحة، وتوقفت قرب البوابة. كان الحارس يسحب بندقيته على كتفه ذاهبًا إلى القرية، ليخبر الكاتب ومأمور الخزنة بالحضور غدًا صباحًا بناء على طلب الباشا إسماعيل. عندما رأى سيدة القصر، عاد يهرول حتى السيارة:
- حمدًا لله على السلامة!
فتح لسارة الباب:
- شرفت البلد! شرفتينا!
لا كلمة، لا إيماءة، الحداد التام.
نزل السائق لأخذ الحقائب. أخذت سارة ابنتها من يدها، وخفت إلى الداخل. ساعد الحارس السائق، بينما جرت مرجانة من أحد الممرات:
- سيدتي! سيدتي!
أخذتها من يديها لفرحها، دون أن تجرؤ على تقبيلها، وعلى العكس، وثبت على الفتاة، وراحت تقبلها من وجنتيها.
قالت سارة دون أن يغادرها الحزن:
- هذه ابنتي، يا مرجانة.
عادت مرجانة تعانق الفتاة مطلقة صيحة فرح:
- سيدتي الصغيرة! سيدتي الصغيرة!
تقدمت سارة خطوتين إلى الداخل، وسألت:
- الباشا هنا؟
حينئذ، تذكرت مرجانة واجبها. تركت هاجر، وأطلقت آهة من أجل الراحل:
- آه، يا سيدتي!
تركت دمعها يسيل.
- أجيبيني، يا مرجانة.
مسحت مرجانة دمعها بطرف مئزرها، ابتلعت ريقها، وتلعثمت:
- الباشا إسماعيل هنا، في المكتب، يا سيدتي.
سارعت سارة الذهاب إلى المكتب، ثم تباطأت مفكرة قبل أن تنقر الباب. نقرت الباب، ودخلت. استدار إسماعيل في اللحظة ذاتها، وعلى يده كتاب مفتوح.
بقيت سارة تقف في مكانها، وتعابيرها تصطخب كالموج. كانت تشعر بالانسحاق. وضع إسماعيل الكتاب على الطاولة بآلية، دون أن يفارقها بعينيه. فجأة، ركضت سارة لتلجأ إلى صدره، وهي تنشج. وهو، بقي ساكنًا، جامدًا، لا يتحرك. ارتفعت يده بآلية، وسقطت على كتف سارة التي توقفت عن البكاء، وهدأت. بقي الباشا الجديد ساكنًا، جامدًا، لا يتحرك. صارت له عينان من زجاج، وغدا كله زجاجيّاً. انفتح فمه، وقال بآلية:
- كانت النيران العملاقة تتفجر مرتفعة في أعالي السماء، عظيمة وعنيفة! وكان لونها الأحمر يشغف البصر، فاندفع وسطها مسحورًا. كان وثنيًا بطبعه! اندفع وسطها مذعورًا، ولكن مسحورًا، وفي اللحظة الأخيرة، عزم على التراجع، لكن يدًا قوية سحبته من خناقه، وجعلته يصطلي فيها. فجأة، انتهت الأسطورة.
رفعت إليه وجهًا مرتعبًا، محملق العينين:
- أحقًا؟ انتهت الأسطورة؟
أعاد القول بآلية:
- فجأة، انتهت الأسطورة... مات.
انفجرت تصرخ:
- لا!
وابتعدت عنه.
انكسرت على نفسها، فسقط شال التل الأسود، وهي تتهدج مطلقة الزفرات.
قال إسماعيل، وقد بارحته هيئته السلبية:
- فلم تعد هناك إرادة أخرى.
لكنها صاحت:
- وأنت؟
انتظرت الجواب إلى أن قال:
- أحاول أن أبدأ من جديد.
رفعت قامتها بآلية، وقهقهت، فدفعها بعنف:
- لقد تمنينا له الموت، سويّاً، نحن الاثنين.
ثنت رأسها بتثاقل، وبدت كهلة:
- ماذا تعني؟
سارت ببطء شديد، ثم توقفت:
- حقًّا لقد كففت عن أن أصبح عاره، لكنه أورثك كل شيء: السلطة والمال والجاه وأنا، كل شيء. وبعد هذا كله، تأتي لتقول لي: أحاول أن أبدأ من جديد!
نبر حانقًا:
- أنت لا تفهمين شيئًا!
هرب في داخله، وسقط في ليل عينيه الأزرق. همهم:
- كنت أعرف كل شيء.
- وهل تظن في نفسك القدرة على الصمود؟
- هذا ما أريده: القدرة!
- ستجد نفسك وحيدًا في النهاية.
- أنا وحيد، منذ البداية.
تقدمت منه لهفى، وشدته من ذراعه:
- خذني عونًا.
سحب ذراعه:
- طالما أنت مغرمة بي، فما الفائدة؟
أطلقت آهة غضب.
- سأقطع الدرب. ستكون هناك عقبات كثيرة. إعادة بناء المصنع همي الوحيد. أناس كثيرون سيموتون جوعًا من جراء الحريق.
قالت سارة بتهكم:
- لقد أراد أبوك أن يأكل الفلاحون اللحم على العشاء! ها أنتما على اتفاق من جديد!
صاح:
- لم يكن مرة واحدة في حياته صادقًا بخصوصهم.
تقدمت من المقعد الوثير، وترامت بتعب:
- أتظن حقًا أن هذا ما يكفي أحلامهم، بناء المصنع من جديد؟
- هذا ما أقدر عليه اليوم.
- وغدًا؟
جلس في الوجه المقابل لها، ولم ينطق بكلمة. قالت سارة بأسى:
- لقد انتهى الغد بالنسبة لي يوم مات أبوك.
همهم وهو يضغط أسنانه:
- يا لك من تعسة!
استجدت بنظراتها استعطافه، ثم نهضت تعبة، واتجهت إلى الباب. قال لها بلهجة آمرة:
- اخلعي ثيابك السوداء.
التفتت نحوه، وبقيت للحظة دون حراك:
- إنها ثياب السفر، على أي حال.
بعد خطوة، تعثرت إذ تذكرت:
- نسيت أن أشكرك، يا باشا.
اقترب منها ببطء.
- لقد رفضه أبوك لي طوال حياتي معه.
وقفا وجهًا لوجه.
- إن ابنتي هنا.
وجمالها يتبدد.
- كان يظن أنها ابنته.
نظر إسماعيل إليها بجسامة.
- وهل كان لك عشيق؟
أطلقت تنهدة:
- نعم، تمامًا مثل أمك.
توتر حاجباه، والخبر يسحق تقاطيعه. كانت كارثته الحقيقية.
- كما ترى، نحن لسنا بالأطهار، يا باشا!
نبر مهتزًا:
- اخرسي!
- سبق وقلت لي إنك لن تدينها.
لكنه استمر ينبر:
- اخرسي! اخرسي!
افترت شفتاها عن بسمة واهنة زادتها شحوبًا. بعد قليل، سألته:
- هل أقدم لك ابنتي الآن، يا باشا، أم تفضل...
* * *
اقتربت هاجر من تحفة الكريستال، ونقلتها بأصابعها النحيلة. ألقت عليها نظرات الإعجاب عن قرب: فارس يتقلد سيفًا فوق صخرة عالية. كان له بعض الشبه بالفرسان الإنجليز الذين رأتهم منذ قليل. ربما لهذا السبب كان اهتمامها بالتحفة. خرج إسماعيل من المكتب، تتبعه سارة. عندما لمحها من بعيد، تباطأ: انسدل شعر الليل، وأينعت القامة الصغيرة كالزنبقة في حوض من المرمر. أخذ قلبه يخفق بقوة كبيرة. لا، سيتقدم. وهو على مقربة منها، التفت إلى سارة. كانت البنت غائبة مع تأملاتها للفارس، فلم تشعر بهما يدنوان. في الأخير، نادتها أمها:
- هاجر!
استدارت دَهِشة:
- آه! كنت...
شدت التحفة إلى صدرها.
كانت كالشمس تطل عليه!
يا إلهي! من ذاك الذي أتى بك إليّ؟ كم هي رائعة الجمال؟ خلابة!
غاب إسماعيل مع تأملاته لها، تمامًا مثل هاجر منذ قليل.
- هذه ابنتي هاجر، يا باشا.
وضعت هاجر التحفة، ومدت له يدها:
- كيف حالك، يا باشا؟
ألقى نظرة مفتتنة إلى أصابع اللبلاب التي تمتد إليه، رفع يده بآلية، وضغطها.
- أعجبني هذا الفارس، فسمحت لنفسي بلمسه، هل أنت غاضب، يا باشا؟
وسحبت أصابعها.
كانت تتكلم بسلطة تتجاوز عمرها، وطريقتها في النطق سحرت إسماعيل. أعطاها الفارس، وحاول الابتسام:
- خذي، إنه لك.
قفزت على عنقه، وقبلته، ثم أخذت التحفة، وتوجهت بالكلام إلى أمها:
- ماما، انظري، كأنه فارس حقيقي.
جس إسماعيل وجنته، حيث طبعت شفتيها.
- حافظي عليه، يا عزيزتي، وإياك أن يقع من يدك، إنه هدية من الباشا إسماعيل.
زال عن شفتي هاجر حزن المقبرة، وتأججت عيناها السوداوان بوهج أخاذ.
- أنا أشكرك! أنا أشكرك من كل قلبي.
ردت سارة إسماعيل إلى الواقع:
- ها هي ابنتي، يا باشا، فما رأيك فيها؟
حاول أن يخفي اهتمامه:
- جدي لها حجرة نوم مريحة، واهتمي بملبسها ومأكلها، ولتعملي على أن تكون إقامتها ممتعة.
- أمرك، يا باشا.
مدت إليها يدها:
- هيا، يا هاجر، لنصعد.
سحبتها، ثم التفتت إلى إسماعيل الذي قال:
- لا تنسي أن تبدلي ثيابك السوداء، أنت والصغيرة.
- بالطبع، يا باشا. إنها ثياب السفر كما قلت لك.
أخفتهما تماثيل العاج قبل أن تصعدا. بقي إسماعيل لفترة مفكرًا، التفت إلى الفراغ الذي تركه فارس الكريستال، ثم اتجه بناظره إلى أعلى الدرج.
- سيدي!
استدار نحو الصوت: كان الحارس ينتظر بخضوع.
- الكاتب ومأمور الخزنة سيكونان هنا غدًا صباحًا كما أمرت.
استعاد إسماعيل هيئته الجادة:
- حسنًا.
- أمرك، يا سيدي.
أعطى كل منهما للآخر ظهره، إسماعيل باتجاه المكتب، والحارس باتجاه الأمر القادم.
* * *
بعد عدة ضربات على الإزميل، تخلخل غطاء قبر المسيح، فخر القس على قدميه، وذهب في صلاة تلو صلاة، وهو مغمض العينين. رفع ماريك وموزارسكي الغطاء، وبمجرفتيهما أخذا بإخراج التراب بحثًا عن سر المسيح. كان محفل الدم لم يبدأ بعد في تنفيذ الهدف الذي انعقد لأجله، لكن التراتيل كانت تسمع من كل ناحية، وكأن كل القدس تغني من حول الجسد المصلوب الملطخ بالدم. أهرقت الخمور، فشرب كل رجال الكنيسة ونسائها حتى انضغط العالم عليهم، وزالت ما بينهم المسافات. دخلوا الجنة معًا، فتعروا، وتعانقوا، وبحثوا عما نسوا لماذا هم يعقدون محفلهم. كانت الرغبة تارة، وتارة المتعة. لم يعتبروا أنفسهم طيورًا جارحة، كانوا الطيور الجارحة، ولم يعتبروا أنفسهم أسماكًا جامحة، كانوا الأسماك الجامحة. كانوا ما لم يكونوا بالفعل، وكانت تلك قوة إيمانهم، من أجل شفقة الرب عليهم. لكن إرادة الدم شيء أقوى من كل إرادة إنسانية حتى تلك التي جعلت من إنسانيتها لعبة تتسلى بها. كان على ثلاثة منهم أن يدفعوا الثمن كيلا يجف دم المسيح، فلا ينسى البشر ما فعلوا فيه أشنع فعل، وتبقى لهم امتيازاتهم الزمنية، السلطات الغيبية، وثروات الغباء لدى الورعين. حضر ثلاثة جلادين، واختاروا امرأتين ورجلاً، هكذا، ودون سابق تحديد، ربطوا كل واحد منهم على صليب، وفي القلب دقوا، تحت صيحات الغبطة النهائية، وتدًا خشبيًا.
مضت ساعة، وموزارسكي وماريك يحفران قبر المسيح دون أن يقعوا على سره، حفروا مترًا ثم مترًا، وفي كل مرة كان القس المغمض العينين يقطع صلواته، ويسأل: هل وجدتم شيئًا؟ فيجيبان: لا شيء. فجأة، فتح القس عينيه على سعتهما، وراح يهمهم كالمجنون:
- بعث المسيح إذن قد وقع، وأنا من سخرت طوال حياتي بمثل هذا فعل! لا رفات هناك! كل عدم الحقيقة إذن حقيقة!
عند ذلك، توقف الصديقان عن الحفر، وتبادلا نظرة مهولة. هذا هو سر المسيح الذي في قبره: لا مسيح هناك! بالنسبة لهما، لا بد من وجود المسيح في مكان آخر، فمعجزة البعث شيء غير مقنع للعلماني الذي كانه ماريك وللمتسول على باب العهد القديم الذي كانه موزارسكي. وعلى العكس، فقد القس عقله، أخرج مسدسًا صغيرًا من جيبه، وأطلق رصاصة في رأسه قطع دويها المحفل، وقذف بأعضائه من الغبطة النهائية إلى الجريمة البدائية. جاء الجلادون الثلاثة يجرون، ولم يبالوا بمسيح بعث أو لم يبعث. رموا القس في قبر المسيح، وقادوا ماريك وموزارسكي إلى المحفل، فرأيا الجثث الثلاث الغارقة في دم الثالوث المقدس. كان باستطاعتهما أن يزجا بالجميع في السجن، ويهدما صرح المحفل على رأس أصحابه، فقرر الأعضاء بالإجماع التضحية بهما على الصليب بعد أن وقفا على سرهم. وهما على وشك الموت بوتد يُدَق في قلب كل منهما، سرى في القاعة غاز أنام الحضور كلهم. لم ير أي منهم الفتاتين ذاتي القناع المضاد للغاز اللتين سحبتا موزارسكي وماريك، وذهبتا بهما على عربة يجرها بغل إلى بيت الهوى بعد أن رفعتا القناع عن وجهيهما: ماريشيا وبولينا. تركتا الصديقين في أيدي سونيا ولولا الأمينة، واختفتا.
* * *
قال إسماعيل لكاتبه ومأمور الخزنة وهما يفتحان سجلهما:
- ريثما تتم إعادة بناء المصنع ليعمل أكبر عدد من العمال في أشغال الأرض. أطلب منكما أن تقدما لي بسرعة مشروع عمل للمباشرة ببناء المصنع في أقرب فرصة ممكنة. ليشارك في بنائه ما استطاع من العمال بدلاً من القعود في الدار، وانتظار أن يسقط عليهم الرزق من السماء. وأطلب أيضًا تعويض العمال عن الخسارة التي لحقت بهم...
تبادل الكاتب والمأمور نظرة استغراب.
- لنقل ليرة لكل عامل... لا، ليرتان، زائد كيس من القمح، وكيس من السكر.
تنحنح الكاتب.
- هل تريد أن تقول شيئًا؟
تردد الكاتب ثم قال:
- نعم، يا سيدي الباشا إسماعيل، أريد أن أقول...
- أن تقول ماذا؟
- مثلما يعرف، سيدي الباشا إسماعيل، لقد احترقت المخازن عن بكرة أبيها.
وكأن لم يكن للأمر أية أهمية:
- ليشتر مأمور الخزنة القمح والسكر من يافا أو من حيفا، ليس هناك أي مشكل.
استجمع أفكاره:
- وكذلك، أطلبا من عمالنا مغادرة أرض أبي سنه وأرض أبي الغزال، وإرجاعهما لأهل المتوفيين. ولتأخذ عائلة أبي سنه ليرتين وكيسًا من القمح وكيسًا من السكر كسائر عمال المصنع، ونفس الشيء لعائلة أبي الغزال، وللمعتقلين، أبي قاسم وجماعته. هذا كل ما كنت أريد قوله لكما.
نهض الرجلان، وتردد الكاتب.
- هل تريد أن تضيف شيئًا؟
ترك إسماعيل مكتبه، واقترب من الكاتب.
- نعم، يا سيدي الباشا إسماعيل.
- أنا أصغي إليك.
تردد الكاتب:
- الحقيقة، يا سيدي... نعم...
نطق ببطء هذه المرة، ولكن بعصبية:
- أردت أن أقول لك إن أبا النشامة ابن عمي لم يهدأ له بال ولا خاطر إلا بعد أن أخذ بثأر أبيه من دار الزعيم. ذبحوا أباه، فذبح أباهم، ونحن من حسبه طوال الوقت...
انقطعت أنفاسه ثم أضاف:
- ... جبانًا.
ابتلع مأمور الخزنة ريقه، وعزف على نفس الوتر:
- نحن رجالك، يا سيدي الباشا إسماعيل، وتوكل علينا نثأر لك. اطلب منا دمنا نهبه رخيصًا في سبيل سيدنا الباشا إبراهيم الأعظم. لحم أكتافنا من نعمته!
رافقهما حتى الباب:
- اتركا الأمر لي.
- أمرك، يا سيدي الباشا إسماعيل.
- هناك من يقول إن أولاد عوض هم الذين أضرموا الحريق ثأرًا لأخيهم.
- وهناك من يقول إنه البيك.
- أو الخواجا.
- أو حتى الإنجليز.
- طلبت منكما أن تتركا الأمر لي.
تساقط كل منهما على يده يريد تقبيلها، وهما يقولان:
- سمعًا وطاعة، يا سيدي الباشا إسماعيل.
لكنه سحب يده.
خارج القصر، ركب الكاتب حمارًا، وسار مأمور الخزنة إلى جانبه. سأله المأمور:
- ماذا قلت، يا سيد عبد الغني؟
- القول قولك، يا سيد ياقوت.
- الحكاية وما فيها أن نكون متفقين.
- وأن ينفع أحدنا الآخر.
- بالعدل والقسطاط.
- في السراء والضراء.
- معاذ الله من الضراء، يا سيد عبد الغني!
- وأن يبقى الأمر سرًّا ما بيننا.
- في بئر عميق، يا سيد عبد الغني.
- أنا أقول...
تردد الكاتب، ثم أنهى قصده، وهو يهتز من فوق الحمار اهتزازات متتالية دون توقف:
- كثير أن ندفع ليرتين للعامل الواحد، نصف ليرة تكفي.
- عين العقل، يا سيد عبد الغني.
- نصف كيس سكر ونصف كيس قمح فيهما الكفاية أيضًا.
- توكل على الله، يا سيد عبد الغني.
- توكلت عليك يا الله، وتوسمت مغفرتك، أنت الغفور الرحيم.
* * *
لم يتوقع الفلاحون الذين يعملون في أرض أبي سنه مقدم كاتب الباشا إسماعيل على حماره، ورأى من كانوا في الأطراف البعيدة، ما أن يأتي الكاتب مجموعة، حتى يرفع أفرادها أدواتهم على أكتافهم، ويغادرون الأرض، مع التراكتورات الحديثة التي كانت ملكًا للباشا وحده. نغز الكاتب الحمار في مؤخرته، فجرى به، وهو يصيح بالفلاحين:
- إلى أرض الباشا! إلى أرض الباشا! لا عهدة للباشا على هذه الأرض بعد اليوم، لقد أعادها لأصحابها... إلى أرض الباشا!
خرجت امرأة أبي سنه من الكوخ: نحيفة كالعود، صفراء كالذرة، حول عينيها المنتفختين دوائر زرقاء، خرجت على سماعها صيحات الكاتب. ركض طفلان بثيابهما الرثة مسافة ليست قصيرة، وهما يلاحقان بعينيهما الفلاحين المغادرين لأرضهم. جاءت لطيفة ابنة السادسة عشرة، بوجه شاحب، وثوب كالح. تجاوزت أمها، ورفعت يدها في الشمس فوق عينيها. كانت الحظيرة بلا دجاج، والمحراث مهجورًا تحت شجرة التوت. مر كاتب الباشا إسماعيل قرب الطفلين، فراحا يجريان من ورائه. وفي الأخير، توقف على مقربة من امرأة أبي سنه:
- كيف الحال، يا امرأة أبي سنه؟
وصل الطفلان عند أمهما، ودارا بها، وهما يرميان كاتب الباشا بنظرة خائفة مقرونة بحب الاستطلاع. سألته بحقد:
- ماذا تريد؟
نزل عن الحمار، وتقدم منها:
- أن أشرب القهوة عندك، يا امرأة أبي سنه، معي أخبار طيبة لك.
صدته بجفاف:
- لن تجد قهوة عندي.
أجابها مستلطفًا:
- على مهلك، يا امرأة أبي سنه! لا تحقدي علي، أنا لا ذنب لي!
انكسرت امرأة أبي سنه على نفسها، وهبطت كالناقة الهزيلة على العتبة. جلس أحد الطفلين في حضنها، وبقي الآخر يحدق في الكاتب واجمًا.
- أين لطيفة؟ تعالى، يا لطيفة!
لكنها بقيت تقف بعيدًا عنه.
- لا تريد لطيفة أن تأتي! والله لا أحمل لكم إلا الخير. بشارة! بشارة يا ناس! أعاد لكم الباشا إسماعيل الأرض. هي لكم منذ اليوم مثل أيام كان المرحوم أبو سنه يفلحها ويزرعها. لكم! (وصفق:) افرحي يا امرأة! اجعلي صوتك يلعلع بالزغاريد! وفوق هذا يعطيكم الباشا إسماعيل (توقف، أجرى حساباته، حساباته الخاصة به، وقال:) نصف ليرة ونصف كيس سكر فقط لا غير، وفي هذا خير وبركة! بعد يومين أحضر لكم هذا العطاء الكريم بنفسي. واعملي حسابك على شراء بعض القهوة، فسيكون هناك سكر، وسنشربها حلوة من يدي لطيفة الأميرة!
لم يطرأ على وجه الأم أدنى تغيير، كانت ينهشها مزيج من الحقد والمرارة. قرص الكاتب شفتيه، وقد خاب ظنه:
- عجيب ألا يبدو عليكم السرور! وكذلك كان الأمر مع عائلة أبي الغزال عندما أبلغتهم الخبر (ثم لا مباليًا:) المهم، لقد أبلغتكم الخبر، وهاءنذا قد صرفت العمال. أرضكم لكم، وما على الرسول إلا البلاغ. أترككم على خير.
ركب حماره، وذهب.
* * *
وصل كاتب الباشا إسماعيل إلى بيوت فلاحي وادي عربة. كانت الأزقة القذرة ميتة، وكأن لا أحياء من وراء الجدران. توقف أمام بيت أبي قاسم، ونزل عن الحمار بحذر. بعد أن دار برأسه كاللص يمينًا وشمالاً، رفع ستارة الباب، ودخل بسرعة.
أطلقت صفوريا شهقة:
- أنت! ماذا تفعل هنا؟
قامت عن الأرض التي تمسحها، وتقهقرت مغطية بيدها أعلى صدرها العاري.
- ماذا تريد أيضًا بعد كل الذي فعلته بنا؟
كان يسعى إلى تهدئتها:
- على مهلك! على مهلك، يا صفوريا! كل خير، يا صفوريا!
لكنها اهتزت بالغضب:
- كل خير بعد أن وشيت بأبي...
أصبح قربها.
- وأودعته السجن!
فجأة، رفعت قبضتها، وضربته بقوة على صدره، وهي تصرخ:
- يا مجرم!
أمسك بقبصتها بعنف، وهو يحني رأسه باتجاهها لاهثًا:
- صفوريا! خذي ما شئت! عيني، قلبي، مهجتي، فقط دعيني...
انقض عليها، وهي تصرخ، فتراجع مرتاعًا مهددًا:
- لا تصرخي، يا صفوريا!
وضع أصابعه على فمها:
- لا تصرخي هكذا، لن يكون في صالحك، كوني عاقلة!
انتظرت في الزاوية، وهي تلهث: أهبة، متوثبة، تخبئ أعلى صدرها بيدها.
- نصف ليرة لك.
لهث كالكلب:
- ليرة، اثنتان، أعطيك إياهما في الحال، خذي.
قذفهما لها.
- غدًا سآتيك أيضًا بكيس من القمح.
دون أن يتوقف عن اللهاث:
- ألا يكفي هذا؟ كيس آخر من السكر؟
أصبح مسعورًا، انقض عليها، فصرخت، وهي تنشب أظافرها في أنفه، فسقط صائحًا من الألم:
- أخ، يا بنت النور! لقد جرحتني!
سال الدم من أنفه، وجمجم بغضب:
- سأذبحك لقاء هذا! والله سأذبحك!
استعاد نقوده، وهو يهدد، وسارع إلى الخروج. ركب حماره، لكن حماره أبى السير. خنقه الحنق، راح ينهره حاثًا إياه على المسير:
- حا!
محال! نغزه بعود في مؤخرته، فانطلق الحمار بأقصى سرعة. كان كاتب الباشا قد عزم على أن يذبح صفوريا.
* * *
تحت تمثال مريم العذراء وولدها بين ذراعيها، كان ماريك ينام في سرير لولا فاقد الأنفاس، ولولا تبحث عن ولاعة في جواريرها لإحراق بعض البخور. كان الكل قد نام متأخرًا في بيت الهوى، والساعة تقترب من الحادية عشرة صباحًا، والكل لم يزل ينام ما عداها. كل الرجال الذين نامت لولا معهم ولم تتعود النوم مع رجل وضعته في سريرها فاقد الوعي، ويبدو أنه لن يسترد وعيه قبل وقت كبير. أخيرًا وجدت علبة كبريت فيها عودان، أشعلت بهما عودًا من البخور لعلّ رائحته تساعد ماريك على استعادة أنفاسه. وبالفعل، ما أن أخذ ماريك باستنشاق رائحة المعابد حتى أخذ ينشق مشمئزًا، وأخذ يلهث مرتعبًا. رفعته لولا بين ذراعيها، وحاولت تهدئته:
- أنت هنا، بين ذراعي لولا، ليست ذراعا لولا الجحيم، يا حبيبي!
فتح ماريك عينيه، وتحرر من الذراعين الفردوسيين، وهو ينظر من حوله.
- هذه أنا، لولا، وأنت في بيت الهوى عندي.
لم يفهم ماريك كيف هو هنا.
- نعم، كانوا على وشك أن يرتكبوا جريمة...
ضمها ماريك بحرارة.
- انتظر، انتظر، ليس أنا التي...
وماريك يقبلها في كل مكان من وجهها، ولولا تقهقه، وتقول:
- انتظر، انتظر، من الخطأ أن تعتقد...
توقف ماريك عن تقبيل الفتاة، وراح يبحث بعينيه عن موزارسكي:
- اطمئن على صديقك، إنه مع سونيا الدلوعة، أتذكر؟ في غرفتها.
نزل ماريك من السرير، وحاول الوقوف، فتأرجح، وقال بعد أن تماسك:
- أريد أن أرى موزارسكي.
- من الأفضل أن تتركه ينام.
أمسكت يده:
- عد إلى الفراش... لا تريد؟ سترى موزارسكي، قالت لولا وهي تذهب به إلى الباب، ولكن لا توقظه.
دخلت لولا بماريك حجرة سونيا المجاورة، فطالعته أول ما طالعته آية الكرسي المخططة بماء الذهب في برواز ضخم معلق فوق السرير. رأى ماريك صديقه، وهو ينام إلى جانب سونيا نومًا عميقًا. أشارت لولا بالخروج، ففتحت سونيا عينيها، وابتسمت:
- ماذا تفعلان هنا، يا لولا؟
- سنذهب في الحال، أجابت لولا، وهي تسحب ماريك من يده. أراد فقط أن يطمئن على صديقه.
- اتركيه يفعل، قالت سونيا، السرير كبير، وتعالي أنت أيضًا إن شئت.
- شكرًا لك، همهم ماريك.
تمدد إلى جانب صديقه، وتمددت لولا إلى جانب صديقتها، حاول ثلاثتهم العودة إلى النوم دون أن يستطيعوا ذلك. هز ماريك موزارسكي، وقال له:
- انهض، يا موزارسكي، كفى نومًا.
ضحكت سونيا، وقالت:
- إن صديقك يحب النوم، فدعه وشأنه.
- قلت لك انهض، يا موزارسكي.
أدار ماريك رأسه ناحية الفتاتين، وهمهم:
- أشكركما على إنقاذنا.
قالت لولا:
- لسنا نحن.
قالت سونيا:
- لا نستطيع أن نقول من أنقذكما، ولكن ما يمكننا قوله هو أنكما أُنقذتما من موت محقق.
- ألا تريد أن تنهض، يا موزارسكي؟
دفعه دفعة قوية، فسقط موزارسكي من السرير، وأنّ، وهو يمسك رأسه، والفتاتان تضحكان. خرجتا من السرير، وانحنتا لترفعا موزارسكي، فتدلى من عنق لولا سلسال ينتهي بصليب، ومن عنق سونيا سلسال ينتهي بيد فاطمة. عندما وقع موزارسكي على ماريك، اطمأن، وهمهم:
- أنا لست في الجحيم إذن.
قهقهت الفتاتان:
- هل نحن الجحيم يا هذا؟
- الجحيم جميل أحيانًا حتى لأكثر المؤمنين صلاحًا، علق ماريك، هذا إذا ما وقع المرء بين يدين لفاتنتين مثلكما.
- كيف نحن هنا، يا ماريك، سأل موزارسكي.
- ستعلمان فيما بعد، قالت سونيا بدلع.
- فيما بعد متى؟
- فيما بعد.
- ولماذا لسنا في فندقنا؟
- هنا أنتما في أمان أكثر، قالت لولا قبل أن تضيف، ألستما جائعان.
جلست سونيا على ركبتي موزارسكي، وقالت:
- إنه يشبه أخي، هذا الأشقر.
وقهقهت:
- منذ كنت طفلة صغيرة، وأنا أحلم بأخ أشقر.
جلست لولا على ركبتي ماريك، وقالت:
- منذ قمت من الفراش، وأنا أحلم بصحن حمص بلية الخروف المحمرة، هل أطلب هذا للجميع.
- لية الخروف المحمرة؟ تعجب ماريك.
- إنه طبق سيعجبك، يا...
- ماريك.
- يا ماريك.
- لية خروف محمرة، لا أظن.
قبّلها من عنقها قبل أن يقول:
- أفضل هذا.
- ليس هذا...
جعلته يقبض عليها من إليتها:
- هذا.
قهقهت هي وصديقتها، وقبلتا ماريك وموزارسكي.
دفعهما الصديقان، وتوجها نحو الباب:
- علينا العودة إلى الفندق.
أخذت لولا سونيا بين ذراعيها، وقالت بأسف:
- لو بقيتما لأسعدناكما بالفعل.
قبلت إحداهما الأخرى من الشفة ومن النهد، وعلى مشهد من مشاهد الجنة، قال ماريك:
- هذا لأن الإنسان ليس بهيمة، البهيمة لا تحب مثيلها.
قال موزارسكي:
- الإنسان يحب غيره ومثيله، كل الكتب المقدسة تقول هذا.
رسمت لولا وسونيا على السرير أبدع اللوحات السماوية، وفي لحظة من اللحظات مدت يديهما إلى ماريك وموزارسكي كمن يمد يده في ماء بئر انعكست على سطحه كل قصة البشرية. تعرى الصديقان، وتركا لشاغال وقتًا ليس قصيرًا لينهي رائعته. بعد ذلك، تمدد أربعتهما عرايا، وهمهمت لولا:
- أهم ما في اللوحة من شخصية واحد من زبائننا أعمى في الثمانين من عمره، ولكنه في الفراش هو كشاب في العشرين، امتلكنا نحن الاثنتين امتلاك الآلهة، وقضا طوال الليل معنا، وهو يحبنا، ويبكي. سألناه إذا ما كان يبكي لحبنا، فقال لا، من حبنا، فقال لا. حيرنا، وقلنا، ما هو إلا عجوز يهذي. قبل أن يذهب، أعطانا قطعة رق، وقال لنا كل السر فيها.
- قطعة رق؟ سأل ماريك مهتمًا، وهو ينتصب بنصفه الأعلى جالسًا.
- قطعة رق أيضًا؟ سأل موزارسكي، وهو ينتصب بنصفه الأعلى جالسًا كصديقه.
- سأحضرها لكما، قالت سونيا، وهي تذهب إلى جرار.
- هل هي مكتوبة بالآرامية؟ سأل ماريك من جديد.
- بأية لغة هي مكتوبة؟ ثنّى موزارسكي.
- بالعبرية، أجابت سونيا، وقد خلا صوتها من الدلع، وغدت لها نبرة وخيمة.
مدت بالرق إلى الصديقين، فاختطفه ماريك، وقال:
- هذا صحيح، بالعبرية.
وأعطى قطعة الرق لصديقه:
- أنت تعرف العبرية، يا موزارسكي.
قرأ موزارسكي بعد تأمل طويل حير الجميع:
- سري في قبري.
* * *
انطلقت الزغاريد من بيت رقية. ترامت النساء على بسطة الدار، وفي الداخل، وعجَّ بهن المكان. كانت هناك من تنقر الدف، ومن تقرع الطبلة، وكانت هناك عجوز في السابعة والسبعين على عينيها نظارة طبية سميكة العدسة، معقودة حول أذنيها بخيط من القنب، وضعت تنكة بين ساقيها، وراحت تضرب عليها بعودين، وهي تغني:
يا بنت أمير العرب يا أم العبا السودا
وأبوك شيخ العرب حاكم على العوجا
حلمت يا بنت إنك بالمنام عندي
وأبيض من القطن وأنعم من حرير هندي
انطلقت زغاريد النسوة اللواتي في الخارج:
ها هي وخلوا المهني يهني
ها هي والعدو بعيد عني
ها هي وشكلوها بالأزهار
ها هي وزغرطوا لها صغار وكبار
وتجيب النسوة من الداخل:
ميت هلا ومرحبا بالضيوف
العشا علينا والغدا خروف
ميت هلا ومرحبا يا أحباب
العشا علينا والغدا كباب
اصطخب الأفق بصيحات الفرح الحادة. مباراة! كانت كل امرأة تريد أن تعبر عن فرحها أفضل من الأخرى. تركت العروس رقية نفسها بين أيدي النساء ليقمن بمراسم الحنة من اليد حتى الرسغ، ومن القدم حتى الركبة، دون أن يبدو عليها أي فرح، وكأنها تعيش مأتمًا. كانت عيناها الجميلتان واهنتين، وهي واجمة، باهتة. ومن جديد، عادت الطبلة تقرع في أذنها، وكذلك غناء النسوة:
يا بنت أمير العرب يا أم العبا السودا
وأبوك شيخ العرب حاكم على العوجا
...................................
...................................
تعالت الزغاريد أكثر بينما وقف إسحق في الطاقة مشدوهًا. ذهب إلى الإسطبل، حمل المجرفة والفأس، ودار من وراء بيته إلى أرض عواد. قلب التراب، والألم يفتك في قلبه، بينما تتناهى الزغاريد إلى سمعه من بعيد. لم تتمالك رقية نفسها عن البكاء. كان الكل لاهيًا عنها، إلا خالة ميريام التي غادرها الفرح. أخذت عجوز السابعة والسبعين تراقب رقية عن كثب. عندما رأت الدمع، نهضت على التو، بهيئة استهجان، وغادرت الحجرة. مضت بالنساء اللواتي يصفقن تبعًا للنغم، وباللواتي يشعلن الفرن، وباللواتي يعملن على الجاروشة، وباللواتي يرقصن الدبكة في دائرة. تعثرت بالأطفال، وصارت في الحقل.
كان أبو رقية هناك مع ثلاثة من الرجال، من بينهم مأمور المخفر، بطربوشه الفاقع حمرة. رمى أبو رقية تحت ركبته كبشًا، وهو يستل سكينًا ماضيًا. برق أحمر! ثم ينبوع من الدم. انحنى اثنان من الرجال، وشدوا الكبش من أقدامه. ضغط أبو رقية رأس الخروف بكل قواه، حتى أفرعه من دمه. مستنقع أحمر! لزج! شديد اللزوجة! وشُلت حركة الكبش تمامًا.
همست المرأة الكهلة بعض الكلمات في أذن أبي رقية، فقطب حاجبيه مستهجنًا هو الآخر. مسح السكين المدمى بالعشب، وكذلك يديه، وتبع المرأة. التفّت النساء برقية مستطلعات الخبر، لكنها رفضت الإجابة: كانت دموعها تكفي. أخيرًا، دخل أبوها، فخرجت النساء بشيء من الضجيج. أغلق الباب، وتقدم منها، وهو يلوح بالسكين:
- تريدين أن تعملي لي فضيحة!
صرخت رقية، وهي ترمي نظرات الرعب على السكين:
- لا، يابا!
والأب لا يتوقف عن التلويح بالسكين:
- أعطيت مأمور المخفر كلمتي الأخيرة، وقرأنا الفاتحة معًا، وانتهى. فاهمة؟
أدنى السكين من نحرها، ورقية تصيح برعب:
- أمرك، يابا!
- قولي لي، أتريدين أحسن من المأمور؟ إنه أقوى الناس جميعًا! له مرتينة بفوهتين، والناس كلهم يخضعون لبأسه. هو وحده القادر على حمايتك. الوحيد الأوحد! زد على ذلك، المأمور جاري منذ عهد بعيد، وهو أصيل الحسب والنسب، شديد الوتد! أما إذا كنت تبكين بسبب زوجته...
وجأر:
- ذبحتك!
وهو يلوح بالسكين قرب عنقها، ورقية تصيح برعب:
- لا، يابا! أمرك، يابا!
* * *
صفع مأمور المخفر زوجه بوحشية، فراحت تولول:
- يا ويلي! يا ويلي!
ضغط فمها بيديه الضخمتين حتى أيقن أنها لم تعد تصرخ، وراح يهدد والزبد يتناثر من فمه:
- ورب الكعبة الأعظم قتلتك! تقولين لي ضرة! إنها ضرة ليس لها مثيل! رقية جوهرة! كنز! كنت طوال الوقت أقول: لو يزوجني أبوها إياها لدفعت عمري مهرًا. وها أنا الآن أحملها إلى بيتي كالحلم، فإياك والمشاكل، يا حرمة! إياك والتنكيد على البنت! أنت أكبر منها بكثير، فكوني الأعقل! اعتبريها ضيفة عندك، ريثما أبني لها حجرة من أجلها وحدها بعيدًا عن وجهك وجه الطين!
انفجرت الزوجة تبكي، فصفعها، وهي تولول أكثر ما تولول، والنساء يسمعن. كان أبو رقية قد خرج ليسلخ الكبش، بينما هرعت النساء للإحاطة برقية. ولكي تغطي من بقي من النساء على صيحات المأمور المجلجلة وولولات زوجه رحن يغنين:
غندور مأمورنا غندور
أسمر ظريف الطول
من يوم ما خطبنا له
واحنا في هنا وسرور
استمرت زوج المأمور تولول، والنساء يغنين. جرت نحو النافذة، وكشفت صدرها، وهي تولول. جذبها المأمور من شعرها، وهو يصفق النافذة، وراح يسدد بنعله في بطنها الضربات.
- اخرسي، يا بنت الكلب!
تمالكت نفسها عن الزعيق فجأة، وجمجمت مرتعبة:
- خرست! والله خرست!
تركت خالة ميريام النساء، وذهبت عند إسحق محزونة، مدندنة:
قولوا لبوي
الله يخلي اولاده
استعجل علي
وطلعني من بلاده!
صاحت:
- يا إسحق.
رفع إسحق صدره، وهو ينهكه الضنى. لأول مرة بدا على إسحق الضنى. أدار وجهًا يقطر بالعرق، فصاحت خالة ميريام متلوحة بالغضب:
- إنه عرس رقية، وأنت لا تفعل شيئًا؟
جأر الشاويش:
- قلت لك اخرسي، يا بنت الكلب!
غصت المرأة:
- خرست! والله خرست!
فجأة، نهض ضخمًا قويًا أمام زوجته الضعيفة:
- أنا وحدي من يأمر في الدار، فاهمة؟
رددت المرأة بخضوع:
- أنت وحدك من يأمر في الدار!
- أنا السيد المطاع!
- أنت السيد المطاع!
- أنا سيدك وخالقك، أنا ربك المطاع!
- أنت ربي المطاع!
- بدلاً من أن تفرحي لأنني أبقيتك على ذمتي! كان علي أن أطلق امرأة خرفانة جربانة مثلك! كان علي أن أرميك للضباع!
وجأر من جديد:
- امسحي دمعك!
مسحت دمعها بأصابع مرتجفة.
- زغردي!
أطلقت زغرودة.
* * *
خلال وهلة، ظن أنه انتهى! رفع فأسه بقبضة قوية، وزرعها في التراب. لا، لم ينته إسحق، ما دامت فأسه القوية راسخة في الأرض، ما دامت قبضته القوية تلتحم بالفأس. كان مرتبطًا بهذه الأرض الطيبة، وكان راسيًا على صدرها، كانت الأرض أرضه. حقًّاً أخذوا منه رقية... باعوها أو وهبوها، إن الأمر سواء. لكنهم لم يأخذوا حبه، حبه باقٍ ما بقي في عرقه نبض. كان يعرف كم هذا الغرام قد تغير، وهو يتذكر كيف كانت تأتي إليه في الليل، وكيف كان يشتعل على شفتيها الليل! كانت القرية تنام مطمئنة، ورقية تنام على صدره مطمئنة. وهي بين ذراعيه، كان يزول خوفها. لقد قررا أن يصبحا زوجًا واحدًا حتى الموت، ولقد قررا أن يصنعا عشًّا، وأن يأتيا بالأولاد، من أجل أن تكبر سواعد الأولاد، ومن أجل أشياء كثيرة، ولقد أرادا أشياء كثيرة، أشياء صغيرة. فجأة، تبدل كل شيء، بعدما عملت رقية في مزرعة الخواجا. منذ ذلك اليوم، تبدلت رقية، وأصبحت تلك الرقية الأخرى. ومع ذلك، لم ييأس إسحق رغم ألمه. كان يقول لنفسه مشدودًا بأمله: رقية أصيلة. سر الأرض. رقية حبي. لسوف تعود لي في النهاية رقية! لم يعرف إلا بعد أن غدا كل شيء متأخرًا أنهم بالفعل قد أخذوها منه. كلهم: أبوها والمأمور ومستر كلارك والخواجا والباشا وحتى زغلول الأعرج. ولم يعرف إلا في الأخير أن رقية الضحية... لوثن الفخار! لسلطة الفخار! وأن غرامه الحرام في مملكة الطغاة! قال له عواد ذات مرة: حذار، يا إسحق! رقية هذه أخذوها منك! عندما بقي دون أن يفعل شيئًا حاسمًا، أحس بالذنب، وحفره الألم. وللمرة الأولى، تفجرحقده، حقده الحقيقي الوضاح. توقف عن حب من لا يستحق حبه، أبو رقية مثلاً. يا إلهي، أي غبي أنا! فهم الآن أن عليه واجب القتال ضد الماضي ليكسب المستقبل ويهيمن على الحاضر، وذلك بتحطيم ما يسحقه منذ العهد التركي حتى عهد الباشا والخواجا والإنجليز. ولأول مرة، وجد إسحق نفسه يواجه الظلم بوضوح، ورأى بساطير الغرباء تلوث جسد أرضه. نعم، يا إسحق، لتستعيد حبيبتك عليك أن تقاتل في كل مكان، ضد الخواجا والباشا والإنجليز. عليك أن تحطم الأوثان وهذا الحكم المريض، عليك أن تقتلع شجرة الخواجا من جذورها، موضوع البدائل السيئة، وأن تضع حدًا لجشعه النهم، عليك أن تقتلع من الجذور أيضًا شجرة الباشا العفنة لتزرع شجرة الحرية: مهماتك كثيرة ونبيلة. تقدم! أنت لست وحدك، يا إسحق. حلفاؤك الوحيدون هم الأسطى والبندقية وأشجار الزيتون، والأرض ساح القتال. رفع رأسه إلى الشمس، ومسح العرق عن وجهه. كانت الشمس على وشك الغروب. تنهد: آه، يا عيون رقية! يا عيون حبيبتي، نبع وأنفاس المساء! حب الأرض! في الماضي، على زنده كانت ترحل شفتاها، من زنده إلى خصره. وعلى زنده كانت تؤوب شفتاها، من زنده إلى خصره. كان الليل يتغسل على زنده، ويتدفأ ليتساقط مع شعرها الأسود كالشلال. وفي الحال، كان يغمره دفء الحرير، وهو يفكر في الصيف، في سنابل القمح الأسود، وكيف كان طفلاً جسورًا قرب أمه التي لم تكن تفارق المحراث. كان إسحق ورقية يكمنان بين الجدران، فتقترب منهما الجدران. أيتها السماء! هذا ما كانته حرارة البيت، هذا ما كانه حب إسحق، الهدوء، السلام، هذا ما كانته أنفاس أمه، طفولته، البحيرة الصغيرة، شجرة الزيتون. ثم جاءت الزغاريد من بعيد، فتكسرت أزهار الشتاء. استمر إسحق يقلب الأرض ليزرع من جديد كي يتحداهم: رقية له، هذه الزغاريد حلم وهميّ، وغدًا... سيكون عرس رقية والربيع!
مسح إسحق العرق مرة أخرى عن وجهه، ورفع رأسه نحو برتقالة الغروب: كانت الشمس تهتز بين أصابع المساء، والسماء تتلون. كانت الشمس تهتز بين أصابع المساء قبل أن يقطفها الليل، ويلقي بها في عرض البحر. رغم عملية الاغتيال الرهيبة هذه، فكأنه العيد: آلاف الألوان الحمراء، آلاف المراكب المبحرة. رفع إسحق رأسه إلى أعلى، إلى أعلى ما يكون، وهو يقف راسخًا في الأرض. ومن الأعلى، رنت معه آلاف العيون إلى الشفق الغارب. كانت السماء في عيد، والقرية الطيبة تغني ككل مساء. حمل إسحق فأسه ومجرفته، واقترب من بيته، فأخذت الطبول وزغاريد النسوة تصله أكثر وضوحًا. وما أن وصل حتى حط في قلبه غم ساحق، فانحنى بكل ثقله على النافذة، وأغلقها.
طرقات خفيفة على الباب.
فتح الباب.
بسمة.
علا غناء النسوة:
غندور مأمورنا غندور
أسمر ظريف الطول
من يوم ما خطبنا له
واحنا في هنا وسرور
طلب إسحق:
- ادخلي.
خطت خطوة خجلة مترددة:
- أبي يحتاج إليك.
- خير إن شاء الله.
أغلق الباب، فابتعد الغناء.
رفعت عينيها، وابتسمت:
- إنه عرس رقية!
أمام عبوسه، خفضت عينيها من جديد، ثم أضافت بعد قليل من الصمت:
- لم ندعى لا أنا ولا أمي ولا أبي... لا أدري ما يريده أبي منك، كنا في الحقل معًا، فأرسلني كي آتي بك إليه.
- الآن؟
- نعم، هو في طريق عودته إلى البيت الآن.
رماها بنظرة: نحيلة، خجلى. انبثق الغناء من خلف الجدران، ففكر إسحق: إنه عرس رقية!
- هل ستأتي؟
- سآتي.
خلع صندلاً تراكم عليه الطين، وقال:
- اقعدي.
- لا، معلهش.
ضخ الماء من المضخة الداخلية، فتساقط الماء في الطشت. أعطته ظهرها، وهي تتأمل بيت إسحق ككل مرة تأتي فيها عنده، وككل مرة كان يسحرها ذلك:
- لك بيت جميل!
رسمت على شفتيها ابتسامة خجلى، أخذت كرسيًا، وجلست.
- الأرض نظيفة!
انحنى إسحق ليغسل قدميه، ولم يجب، فسألت بقلق:
- لست على ما يرام؟
نظر إليها، وهو يحافظ على انحنائه:
- بلى، أنا على ما يرام.
خفضت عينيها:
- ظننت أنك على غير ما يرام.
وضع إسحق قدمه الثانية في الطشت.
- إن أبي يحبك كثيرًا.
سمع صدى صوتها: إن أبي يحبك كثيرًا. يا لحنان صوتها! لكنه كان مغمومًا... مكروبًا.
- وأنا أيضًا.
في الأخير، رمى صندله في الطشت، وكتل الطين تزول ذائبة في الماء.
- انتهيت.
- لا تسرع، خذ ما تحتاجه من وقت.
غدا الماء غامقًا.
قبل أن يدس قدميه في صندله، نظر إليها أسيان الفؤاد. إنهم هناك... يزفون رقية، وبسمة هنا، الهادئة، اللطيفة، ترتعش شفتاها تحنانًا! من بعثها إلي في وقت كهذا؟
- هل نذهب؟
نهضت دون أن تفوه بكلمة، وهبطت المنحدر معه. كان بيت المأمور يزدحم بالرجال، وبيت رقية بالنساء. وهما يدوران بالبحيرة، سألت بسمة:
- من عادتي أن أغسل هنا...
ترددت:
- إن أردت غسلت لك ثيابك.
أضافت بسرعة:
- لن تسبب لي الضيق، والله العظيم.
ابتسم إسحق:
- أشكرك، يا بسمة.
رآها تتضرج احمرارًا. أعادت بحماس:
- بماذا أحلف لك؟ أبدًا لن تسبب لي الضيق.
- طيب، يا بسمة.
- كل ما شئت وما أردت.
لأول مرة، نظرت في عينيه بشجاعة، فلاحظ إسحق هذا، واغتبط. فجأة، خفضت عينيها، وعجلت الخطى. (( كل ما شئت وما أردت ))، أهذه هي واجبات بسمة حقّاً؟ أراد أن يفهمها ما هي واجباتها الحقيقية، واجباته هو، وواجبات الجميع. لكنه عكف عن ذلك، وهو يرى الكوخ في البعيد.
كان أبوها قد وطئ المصطبة لتوه، نظر إليهما، وهما يقتربان، فقالت بسمة:
- ها هو إسحق، يابا.
حفر التعب وجه الأب.
- هاءنذا، يا أبا بسمة.
وبرزت عظام الرجل بشكل مذهل.
- ادخل، يا إسحق.
خرجت أم بسمة على سماعها صوت إسحق، فرحبت به، وهي تبتسم. رمى أبو بسمة بنفسه على إحدى المطارح، وهو يتأوه، فسأل إسحق، وهو يجلس إلى جانبه:
- ما لك، لا سمح الله؟
تأوه الرجل من جديد:
- تعبان! تعبان، يا ولدي...
- ليكن الله في عونك! أنت ما زلت شابّاً، يا أبا بسمة!
استند أبو بسمة على الحائط، وهو يئن، مادّاً قدميه الموحلتين.
- أي شباب، يا إسحق؟ لقد مضى الشباب وولى!
جثت بسمة قرب أبيها، وخلعت صندله. جاءت أم بسمة بطشت ماء صبته من تنكة، وغسل الأب يديه ووجهه.
- لا تتعب نفسك كثيرًا.
- وكيف نأكل؟
- بسمة عاقلة، دعها تعينك.
- الله يحفظ لي بسمة، بنت ليس لها مثيل! لأبيها ومن أجل أبيها! لا تقصير من ناحيتها، تعينني كزلمة! لن أزوجها من أحد ما بقيت حيّاً. وحدها، مع هذه المرأة (مشيرًا إلى زوجته)، تقاسمني قسوة هذه الحياة.
فركت أم بسمة قدمي زوجها، وأحضرت بسمة منشفة ملونة. ثنت رأسها مصغية لحديث أبيها، دون أن تبدي أقل ابتهاج.
قال الأب:
- ماذا نفعل؟ لقد كتب علينا الشقاء!
انعطف إسحق نحوه دون أن يقول شيئًا.
- طوال عمرنا ونحن نعمل، منذ أن وعينا على الدنيا ونحن نعمل، فماذا جنينا؟
فتح يده، وأغلقها بحركة يأس شديدة:
- لا شيء!
وكأنه تذكر:
- ربما هذا: استطعنا الزواج. وللزواج أيضًا همومه ومتطلباته. ما عدا ذلك، فيد من الأمام ويد من الوراء! ما حوشنا ما عمرنا!
ثم أنهى:
- مشيئتك، يا رب، وإرادتك!
- للأرض سيئاتها.
لهج أبو بسمة:
- آه، يا حبيبي، يا إسحق! سلم الله فمك!
- تمسك بالصبر.
أطلق تأوهة عميقة:
- إيه... الصبر!
هز رأسه على التوالي:
- يا ما صبرنا!
ثم رفع صوته:
- لا تطلب الصبر من الفلاح، وإلا كلمت أسمى صفاته.
حملت أم بسمة الطشت، وأخذت بسمة تجفف قدمي أبيها.
- المهم!
لاح على وجهه ما يوحي بالخطورة:
- بعثت إليك، يا ولدي، لتأتي كي...
قاطعته أم بسمة:
- ماذا تريد أن تشرب، يا إسحق؟ شاي؟ قهوة؟
- لا شيء.
- يجب أن تشرب شيئًا.
- لا تزعجي نفسك.
تدخل أبو بسمة:
- عيب، يا إسحق! اشرب شيئًا.
أمام إلحاحه، قال:
- سآخذ شايًا.
انتهت بسمة، فطوى الأب ساقًا، وترك الأخرى ممدودة. جاءت بسمة بممسحة، وراحت تجمع ما تناثر على الأرض من الطين.
- ماذا أردت أن تقول؟
وكأنه نسي:
- أردت أن أقول...؟
انتظر إلى أن ابتعدت بسمة، ثم قال:
- الحكاية وما فيها أن أخي يوسف أفندي باع نصف الأرض لأحد اليهود الأجانب، وأنا الآن في حيرة من أمري، يا ولدي، ماذا أفعل؟ سامحك الله، يا يوسف أفندي! أهذا عمل يعمله أخ لك من لحمك ودمك؟! والأرض على بعضها لم تكن تكفينا، فكيف لما باع نصفها؟! لا داعي لذكر الضرائب واحتكارات الباشا للزرع والسوق عدا عن الديون وباقي المصائب. وبدل أن يأتي يوسف أفندي كي يمد يد العون لنا، تمدن، وتأنف، وصارت له طباع أهل المدينة اللئيمة، هؤلاء المنافقون، الجبناء، الهرابون. ضرب في عرض الحائط كل ما علمنا أبونا رحمه الله من قيم، وكل ما أورثنا من خصال. ولو عرف أبونا رحمه الله، يا يوسف أفندي، حالك الذي صرت إليه لما أورثك شبرًا واحدًا من الأرض، لكنه على العكس قسمها بيننا بالتساوي! مضت سنون منذ أن هجرنا ولا خبر منه، حتى هذه الأيام الأخيرة. طلب بسمة لابنه مقابل أن يترك لي كل الأرض، فرفضت. قلت لك منذ قليل، ابنتي لي، ولن أزوجها من أحد ما بقيت حيّاً. هي نور عيني وساعدي! ثم، زواجها من ابن يوسف أفندي يعني ذهابها إلى المدينة، وفقداني لها إلى الأبد. وهذا ما لا يقره شرع ولا دين!
المهم، يا حبيبي، يا إسحق، ماذا سأفعل؟ يوسف أفندي باع وانتهى، وهذا اليهودي الأجنبي يطالبني بتسليمه الأرض خلال ثلاثة أيام. الله أكبر، يا إسحق! يعني أن أعطيه قطعة من كبدي. ولتنظر أي ظلم! فلحتها وزرعتها على أمل أن أجنيها مع نهاية الموسم، لكنه يصر على تسليمه الأرض خلال ثلاثة أيام. يعني العوض على العرق والتعب الذي دفعته من دمك، يا أبا بسمة! ماذا أفعل، يا إسحق؟ إذا لم أعطه الأرض أخذها بالقوة. وإذا أعطيته إياها مت قهرًا وجوعًا. هل أوقف محاميًا؟ أنت تعرف أن محاميي اليوم كلهم أولاد حرام! على اتفاق مع قضاة المحاكم للتأجيل، فتبقى القضية معلقة سنين وسنين، كي يبتزوا الفلاح المسكين، موزعين ماله ما بينهم. لا داعي لتذكيرك، كلنا يعرف قضية أبي عيسى حول تقسيم الأرض بينه وبين أولاد أعمامه، كذلك قضية الثأر بين أبي النشامة ودار الزعيم. إذن النتيجة واحدة. يد من الأمام، ويد من الوراء! ثم ما الفائدة في كل هذا ويوسف أفندي باع، وانتهى؟ قال لي اليهودي الأجنبي إنه يريد أرضه. أيام آخر زمن! أتصدق أذناك هذا؟ ذلك اليهودي الأميركاني أو الألماني لا أدري رماه الشيطان علينا من أين، يقول عن أرضي، أرضي أنا وأرض أجدادي إنها أرضه، وأنا من لحمه اتحد بلحمها، إلى حد الذوبان فيها، وأنا من حفظها عن ظهر قلب قطعة قطعة. لم أفارقها، ولم تفارقني منذ سنين، بل منذ دهور، وإذا تركتها إلى فراشي، حلمت بها في منامي.
أنا في حيرة، يا إسحق، لا أدري ماذا أفعل. كأنهم على وشك أن يقذفوني في القبر. أمام حيرتي وهمّي أبدى لي ذاك اليهودي اللعين رغبته في شراء النصف الذي لي لإنشاء كيبوتز، وأغراني بمبلغ كبير من المال. آه، يا إسحق! لنفترض أنني وافقته، وبعت، ماذا سيبقى لي بعد أن أنفق مبلغه الكبير من المال هذا؟ ماذا سيبقى لي وقد بعت الأرض؟ أكون قد بعت الشرف!
كان الليل قد هبط، فأحضرت بسمة مصباح الكاز وهالته الصفراء تزيد وجه أبيها شحوباً. حضّرت أم بسمة الشاي والكؤوس والسكر، وإسحق يفكر: مصائب على مصائب! الجنود الإنجليز في كل مكان، واليهود الأجانب ينتزعون الأراضي بالأموال، ورقية تتزوج من مأمور المخفر. مصائب على مصائب! ماذا باستطاعته أن يقول لهذا الشيخ؟ (( الصبر ))، ولم يعد هناك صبر؟ أم أن يقول له (( تمسك بالإيمان ))؟ كل هذا لا يجدي نفعًا. فجأة، شعت في عينيه أشد ما يشع به ضوء، بندقية أبي سنه وأبي الغزال. هل يقول له عليك بالبندقية، لتدافع عن أرضك بالبندقية؟ هذا إن وجدها، وإن وجدها، فهو شيخ عجوز! وللمرة الثانية، فكر في واجبات بسمة الحقيقية. رفع بصره إليها دون أن يأبه بوجود أبيها وأبوته (( المقدسة )) وكل أفكاره القديمة عن العلاقات العائلية، وصمم على أن يطلب منها العمل معه من أجل أبيها والأرض والجميع.
تلذذ إسحق بشرب الشاي، وهو ينتعش بأمل مفاجئ، وقال لأبي بسمة:
- احتفظ بنصف الأرض الذي لك وإياك أن تبيعه، وسنجد الوسيلة لاسترجاع النصف الثاني.
* * *
في نابلس القديمة، لم يكن قبر يعقوب الشغل الشاغل لأهلها، بينما كان مصير كل اليهودية يتوقف على معرفة إذا ما كانت في القبر رفات أم لا. رفض الحاخام في البداية، لكن ماريك وموزارسكي أكدا له رغبتهما في رفع الغموض عن الأمر تمامًا، فالرق لا يؤكد شيئًا، وكذلك في بعث الطمأنينة في أفئدة المؤمنين إلى الأبد. أعلمهما الحاخام أن اليوم محفل الدمع، وطلب منهما العودة مع منتصف الليل.
* * *
صبَّ إسماعيل الخمر في الكأس، وروب دي شامبره مفتوح عن صدره الأملس. كان يلبس بيجامته الحريرية، وينتعل خفه المخملي. تقدم بالكأس إلى كرسي، وأشعل سيجارة. قفز الكلب عن السرير، والتصق بساقه. كان لسانه لا يكف عن التحرك، وكان إسماعيل لا يكف عن احتساء الخمر، وقذف الدخان، أشعث الشعر، شاحب الوجه. تنزه بنظره على أشيائه العتيقة: صورة أمه الباهتة والظلال الكثيفة وقطع الأثاث الثابتة. لم يكف لسان الكلب عن التحرك، وإسماعيل عن احتساء الخمر، وقذف الدخان.
أنغام.
راح أحدهم يعزف على البيانو.
فتح الباب، فعلت الأنغام. أطل من الأعلى، فرأى هاجر من بين الأعمدة. نزل الدرج ببطء، والحزوز على جبهته تزداد. تبعه الكلب، وفي النهاية، توقف إلى يسار الفتاة. رفعت إليه وجهًا ملائكيًا، فتحركت على شفتيه ظلال ابتسامة راحت تفنى. بقي هناك، مأخوذًا بالمشهد: بهذا الرأس الذي يميل مع الأنغام، بهذه الأصابع اللينة المنسجمة. جرع كأسه، وضغط شفتيه. كم هي فاتنة تلك الصغيرة! تقدم خطوة، وارتكز على البيانو. كانت هاجر شعاعية في قميص الليل، والموسيقى تضرم شفتيها. ترك نفسه فريسة لموجات شعرها الأسود، ولم يشعر بمجيء سارة.
توقفت هاجر عن العزف.
عند ذلك، فطن إلى وجود سارة، وسمع لهثات الكلب، مما سبب له شديد الضيق. أخذت هاجر تطلق ضحكاتها العذبة، وأمها تلفها من ظهرها.
سألت هاجر إسماعيل:
- هل أعجبتك المقطوعة؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:
- ساحرة!
أضافت سارة دون أن تطلق ابنتها:
- أنت ساحرة، يا عزيزتي!
- إنها آخر مقطوعة علمنا إياها أستاذ الموسيقى.
ابتعدت سارة عنها، وعاتبتها:
- ولكن، يا عزيزتي، أهذا وقت العزف على البيانو؟
قالت هاجر:
- لم يأتني النوم، وكنت حائرة.
التفتت سارة إلى إسماعيل:
- هل أزعجتك، يا باشا؟
رفعت هاجر عنقها اللذيذ:
- أنا آسفة! هل أزعجتك؟
نفى إسماعيل بقوة:
- لا، على الإطلاق.
حط على سارة عينيه القاسيتين: روب دو شامبر وردي، وشعر متراخي. كان يحقد عليها.
- أنا سعيد، بإمكانك أن تتابعي.
ردت هاجر بدلع:
- خلاص. لم تعد لدي رغبة.
نهضت تضم الكلب، وتركته يلحس ذقنها.
- ما اسمه؟
أجاب إسماعيل:
- لا اسم له.
- سأسميه (( سهمًا )). هل أنت موافق؟
- أفضل ألا يكون اسم له.
- لكل كلب اسم. كان لأستاذ الموسيقى كلب يشبهه تمامًا، كان يحبني، وكان اسمه سهمًا.
سألت سارة:
- هل كان يحضره معه إلى المدرسة؟
- لا. كنا نذهب إلى بيته أحيانًا مع البنات.
وغابت في عناق مع الكلب.
رمت سارة إسماعيل بنظرة وجلة، والشك لديها بان كبيرًا:
- كنت في مدرسة داخلية للراهبات، يا عزيزتي، أليس كذلك؟
- نعم.
- إذن كيف كن يسمحن لكن بالذهاب إلى بيت أستاذ الموسيقى؟
- أحيانًا كن يسمحن لنا.
- إلى بيت أستاذ الموسيقى؟ وحدكن؟
لم تجب هاجر، رفعت وجهًا ساحرًا إلى إسماعيل:
- هل أنت موافق؟ سأسميه سهمًا.
- كما تشائين.
وشوشت الكلب، وسارة تقول لها:
- يجب أن تصعدي إلى حجرتك، يا عزيزتي، لقد تأخر الوقت.
- حاضر، يا ماما.
قالت للكلب:
- تصبح على خير، يا سهم.
وتركته يلحس ذقنها. وقفت، وقالت لإسماعيل:
- تصبح على خير، يا باشا.
قبلت أمها من خدها، واختفت بين تماثيل العاج. سمعا خطواتها العجلى على الدرج، فتقدم إسماعيل من خزانة الزجاج، وأخرج زجاجة خمر. ملأ كأسًا، وجرعها، ثم أخرى، وتجاوز سارة، بينما الكلب يصعد الدرج.
- يا باشا!
استدار مخدرًا:
- ماذا تريدين؟
تقدمت منه خطوة، وقالت:
- لا تعتد الشرب.
سألها بجفاف:
- هل هذا كل ما هنالك؟
فجأة، هدمها هيامها به:
- هذا كل ما هنالك.
قال إسماعيل بنبرة حاسمة وسريعة:
- أشكرك.
وأعطاها ظهره.
- تذكرت، حقًا...
توقف، وهو يعطيها ظهره دومًا.
- مرجانة مريضة، وقد أعفيتها من الخدمة ليومين.
- حسنًا.
- إذا احتجت شيئًا، فلا تتردد عن طلبه مني.
صعد الدرج، وسمعت سارة طرقة الباب كالصفعة. أحست بقلبها يضيق، فتأوهت. أطفأت الضوء، وتشبثت بالجدار. سارت منحنية القامة، صعدت الدرج بصعوبة، ومرت بحجرته. كان الضوء يتسرب من تحت الباب، وكذلك من تحت باب هاجر المجاور. اقتربت من بابه، لكنها عدلت عن طرقه. سارعت الذهاب إلى حجرتها الواقعة في أقصى الممر، حجرة الباشا الأب، دخلتها، وأغلقت الباب بعجلة من ورائها.
ألقت بنفسها على السرير، وأنّت: إلى متى سيرفض حبها؟ كان القمر يركض بين الغمام. نظرت إلى الشعاع الثلجي الذي يسقط في الحجرة. كانت النافذة مفتوحة، والستارة تتراخى مع النسمة. كان يفتك بها جحوده، عناده الصغير، طريقته في صدها دومًا كانت تفتك بها. كانت تشعر بنفسها جميلة! جميلة وشهية! لماذا إذن يرفض هذا الجمال؟ لماذا يريد هزمها؟ نهضت، وأشعلت الضوء. اقتربت من المرآة، وراحت تتفحص وجهها: حقّاً، عيناها منتفختان من أثر الدموع. خلعت روبها، ووقفت بقميصها الشفاف فاتنة الجسد، يخر له أشد الرجال فحولة، وتفنى لأجله قبيلة برمتها! أما عن إسماعيل... فقد كان يعلم أنه يعذبها!
تطايرت الستائر مع هبوب الريح، فذهبت تقفل النافذة. وهي تخرج بنصفها العلوي بحثًا عن الدفات، لمحت الحارس واقفًا في الليل تحت النافذة. تراجعت بسرعة مغطية بالستارة نهديها، ثم مدت رأسها بحذر، ونظرت: كالتمثال، لم يكن يتحرك. ماذا يفعل؟ أرادت أن تعرف، فصاحت:
- ماذا تفعل هنا؟
رفع الحارس رأسه بهدوء، وقال بكل بساطة:
- أقوم بالحراسة.
- هنا؟ وفي مثل هذه الساعة؟
- في مثل هذه الساعة، يا سيدتي.
- يجدر بك، في مثل هذه الساعة، أن تكون في بيتك.
تراجع خطوتين، وقال:
- إنها أوامر الباشا. كلفني بفتح عينيّ، وبالبقاء في حالة استعداد دائم...
رأته كيف يقبض على البندقية وإصبعه على الزناد.
-... كي أحمي القصر من الجنود الإنجليز.
لمع وجهه المتوتر تحت ضوء القمر، وبدا شابّاً.
- هل من خدمة أقدمها لك، يا سيدتي؟
بدا عليها التردد، أطلقت الستارة، فسقط الضوء على نهديها.
- لا. افتح عينيك جيدًا كما يطلبه الباشا.
أغلقت النافذة، ولجأت إلى السرير حزينة. لم تزل ترى الحارس بوجهه المتوتر، وقامته الشابة.
تناهى الآن إلى أذن إسماعيل غناء هاجر. كان لها صوت كالبلابل! صوتها والخمر، كان لهما فعل السحر عليه. لم يكن يمكنه مقاومتهما. وضع نفسه في الفراش، واقترب من الجدار بهيئة منكسرة. قفز الكلب عليه لاهثًا، فأغلق إسماعيل له خطمه. انقطع الغناء فجأة، فنزل إسماعيل عن السرير منهكًا، وأخذ جرعة. غادر الحجرة منتفخ الوجه، مشعث الشعر، ووقف أمام باب هاجر. وهو على وشك الدخول، فتحت سارة بابها، فشق الممر ضوء كثيف، مما دفعه إلى الانسحاب إلى حجرته بسرعة. قطعت سارة الممر، ودخلت حجرة ابنتها. خلال ذلك، أفرغ إسماعيل كأسه، وهو يهمهم بتعب وضغينة: أيتها اللعينة! أيتها اللعينة! ارتمى على السرير، ولم يعد يتحرك.
* * *
لم يصمد غطاء القبر طويلاً تحت ضربات إزميلي ماريك وموزارسكي، وضعاه جانبًا، وتراتيل الحاضرين في المحفل تصم الآذان. اجتمعوا في أثوابهم الكهنوتية، وكلهم من أصحاب اللحى السوداء، حول بئر تحيطها جدران عالية مانعة لعيون الفضوليين. وفي زاوية غطيت بكساوٍ منسوجة بخيوط الذهب والفضة، كان جمع من النساء والرجال الذين يضمون أبناء لهم في ريعان الشباب، ويبكون. كانوا يبكون بحرقة، والقمر يومض، وكأنه يبتسم. لم يكن التناقض صفة للطبيعة آنذاك وإنما للفاجعة. هل تسخر الطبيعة من البشر أم أن البشر لا يفهمون كنه الطبيعة؟ كان العبث في تلك اللحظة المصيرية شيئًا لا إرادويًا، شيئًا أقرب إلى اللعب بالروح، لهذا كان ماريك وموزارسكي يقلبان مع تراب القبر كل شيء، المفاهيم والرؤى، ويجعلان من العبث إرادة البشر، وبالتالي التخلص منه، فالخلاص الديني هو هذا، التخلص، التخلص من العبث، والتخلص من التبرير، وذلك لأجل الوصول إلى التخلص مما يوجب التبرير، فيعود الموجود إلى حريته في وجوده الحر الأول.
على أكوام التراب التي أخرجتهما مجرفتا موزارسكي وماريك دون الوصول إلى الرفات، بدأ الحاخام يشك فيما لم يشك فيه أبدًا، فأغمض عينيه، وذهب في صلوات لم تنته إلا على تصاعد نشيج الآباء والأمهات، وهم يرون أبناءهم وبناتهم يلقون في البئر كما ألقى أخوة يوسف يوسف. انسكب الدمع كيلا يجف كما جف في عيني يعقوب بعد أن ذرف من الدمع أقصى ما استطاع عليه. كانت هذه هي الغاية، ألا يتوقف البشر عن البكاء، ألا يتوقفوا عن الخضوع للدمع، لدمعهم هم أنفسهم، ألا يتوقفوا عن الخضوع للفاجعة، لفاجعتهم هم أنفسهم، الفاجعة التي هم صانعوها.
ألقى ماريك وموزارسكي مجرفتيهما يائسين، فأخرج الحاخام مسدسًا صغيرًا من جيبه، وانتحر. كانت الطلقة على الرغم من صغرها مهولة، زلزلت الأرض تحت الأقدام، فسارع بعضهم إلى المجيء، والوقوف على السر الخفي. رموا القتيل في الحفرة، وذهبوا بالصديقين إلى المحفل الذي قرر بالإجماع قذفهما في البئر، وهذا ما وقع بالفعل.
* * *
انطلق صادق بمسز كلارك في سيارته الفورد الجديدة على الطريق القادمة من القدس. ركض القمر على الغيم، واحتدت النسمة.
هتفت مسز كلارك:
- رحلة ممتازة!
سأل المهندس صادق:
- هل أعجبتك سيارتي الجديدة؟
- كثيرًا. أنت سائق ماهر!
- أخذت رخصتي في المغرب على أمل أن أشتري سيارة. جرى ذلك منذ مدة.
- أنت سائق جيد!
دخلا القرية، ومن حولهما لفت أذرع الليل الشجر.
قال المهندس صادق:
- سنشرب الشاي عندي.
قالت مسز كلارك:
- لن أطيل البقاء إذن.
جاءتهما أصداء واهنة لطبل وغناء.
- أتسمع؟
- إنه عرس. منذ الفجر، وهم يطبلون ويغنون.
- متى ستتزوج؟
- لا أفكر في هذا الآن.
- ألم أقل لك؟
- ماذا؟
- سنرحل قريبًا.
أوقف السيارة أمام بيته، واستدار إليها، وقد فاجأه الخبر.
- إن مهمة زوجي على وشك الانتهاء.
خرج من السيارة، وأغلقها بالمفتاح، وراح ينظر إليها من كل جانب. اجتازت مسز كلارك السياج سابقة إياه، والغناء الواهن يروح في الليل. خرج لها المنجم فجأة من بين الأغصان، فأطلقت صرخة أوقفها بيد على فمها. جاء صادق يجري:
- ماذا أصابك؟
عندما راى المنجم، قطب حاجبيه، وشدد من نبرته:
- باسم صهيون، ماذا تفعل هنا؟
قال المنجم بإجلال:
- كنت بانتظارك، يا مولانا.
- أهذا وقته؟
- الأمر يهمك، يا مولانا.
قال المهندس صادق لمسز كلارك:
- اسبقيني وسألحق بك.
مد لها رزمة المفاتيح:
- هذا هو المفتاح.
ذهبت مسز كلارك بخطوات عجلى، وسأل المهندس صادق المنجم دون أن يبارحه عبوسه:
- ماذا تريد؟
أخذ المنجم يبحث في جيبه الداخلي، بحركة مهتمة ومتحيرة. في الأخير، أخرج حزمة من النقود:
- جئت من أجل هذا.
تردد صادق في البداية، وضوء القمر ينعكس على ورق النقد. مد يده، ودفع ورق النقد في جيبه. أعطاه ظهره:
- إلى لقاء قريب.
- يا مولانا...
التفت إليه.
- توقف الدينمو من جديد، يا مولانا.
وهو يرفعه في سلة لم يدر صادق من أين جاء بها. أخذ السلة بسرعة، وقال:
- طيب، سأصلحه. مر عندي غدًا مساءً.
أطلق المنجم ضحكة بدت لصادق شيطانية، وقال مبررًا:
- هذا بسبب الزبائن. كانوا كثيرين!
توقف عن الضحك، ثم:
- كن مطمئنًا، لقد قسمت النقود بالتساوي.
سأله صادق بخشونة:
- هل هناك شيء آخر؟
- لو تصلحه لي في الصباح، يا مولانا، فأنت تعرف أن العمل...
قاطعه:
- حسنًا جدًا، مر غدًا صباحًا.
وسار باتجاه بيته.
- أسعد الله ليلتك، يا مولانا.
انطلق يضحك من جديد، مما دفع المهندس صادق إلى أن يحث الخطى. دخل البيت، وأغلق الباب. سأل مسز كلارك:
- لماذا لم تشعلي المصباح؟
- لم أجد كبريتًا.
بحث في جيبه عن علبة الكبريت، وأشعل المصباح. كانت تستلقي على السرير.
- تعبة؟
- قليلاً.
استندت على مسند السرير.
- ظننته واحدًا منهم.
- ممن؟
- الثوار.
قهقه المهندس صادق:
- أتصدقين تلك الخرافة؟
- هم يتزايدون بكثرة هذه الأيام.
أشعل سيجارة، فانتشر الدخان.
- هذا ما قاله لي زوجي، وهم يترصدوننا.
لم تبارحه هيئته الساخرة:
- هيا! هيا!
لكنها انفعلت:
- لا تستهن بالأمر.
جلس المهندس صادق على حافة السرير، وقال:
- إنهم حفنة من رجال لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين.
- أنت غلطان! هم الذين كانوا وراء مظاهرات القدس والخليل الأخيرة. كانت مظاهرات عنيفة، وقد سقط بعض القتلى.
بقي صامتًا.
- لماذا لا تقول شيئًا؟
- لا علاقة لي بالسياسة.
انفعلت من جديد:
- ولكن... يجب...
تبدت لها بنادق الثوار، ثم تركت نفسها تزلق مطلقة زفرة. بعد لحظة، قالت:
- لولا تدخل الهيئة العربية العليا لتدهورت الأمور كثيرًا.
- قلت لك، يا عزيزتي، لا علاقة لي بالسياسة. يهود، عرب، إنجليز... وماذا أيضًا؟ هذه الهيئة العربية العليا ليست عربية إلا بالإسم، لأن كل أعضائها فلسطينيون. وإذا أردت رأيي، عرب، يهود، إنجليز، كل الأطراف على خطأ. حقًّا إن هجرة اليهود تثير المشاكل، ولكن يجب أن نصل إلى حل بالاتفاق معكم دون اللجوء إلى العنف.
- هذا ما كان يقوله زوجي منذ سنين. اليوم، الوضع تبدل، وتأزم تمامًا. أنا، يا عزيزي...
وضع أصابعه على شفتيها، وابتسم:
- لا سياسة معي.
تراجعت:
- ولكن...
ضغط شفتيها، فقالت:
- كما أردت.
بعد قليل، سألها قلقًا:
- هل صحيح ما قلته لي عن رحيلكم؟
- هذا ما قاله لي زوجي بالأمس.
- ألم يكن مسافرًا بالأمس؟
- عندما عدت إلى البيت وجدته بانتظاري. يحصل أن يسافر ويعود فجأة. لقد غادرنا بعد ظهر اليوم لاستقبال شخصية هامة في مطار القدس بصحبة المندوب السامي.
لم يكن المهندس صادق يسمعها. كان غائبًا.
- إلى أين ستذهبون؟
- لست أدري على التحديد. إلى إحدى محميات الخليج.
- الخليج!
- أجهل أية محمية على التحديد.
أطفأ المهندس صادق سيجارته، وأصغى: كانت الزغاريد تخترق الحجرة على دفعات متماوجة، تارة بحدة، وتارة بوهن.
- تستمر الأعراس حتى الصباح... لقد حضرت أحدها في يوم...
- لماذا لا تأخذونني معكم؟
- معنا؟! إلى الخليج!
- الخليج نقود كثيرة، نقود لا أكثر منها، سأعمل في إحدى شركات البترول.
ندت عنها ضحكات متتالية، فاحتدت نبرته:
- لم لا؟
صمت.
بعد قليل، قال المهندس صادق:
- ولكي نبقى معًا.
انطلقت مسز كلارك تضحك من جديد حتى كاد يغمى عليها. أخذها من خاصرتيها، ونفضها، فتسمرت.
- ماذا قلت؟
- هذه آخر ليلة لنا معًا.
جاءتهما صيحات قوية جدًا من الخارج:
- يا مستر صادق! يا مستر صادق!
هب المهندس صادق إلى النافذة قافزًا، وراح يفحص بعينيه القلقتين الأغصان المعتمة. نصب أبو العبد البندقية، وأطلق، فسقط الغريم. فجأة، توقف الطبل والغناء، وصرخت مسز كلارك. تدلى المهندس صادق بنصفه الأعلى خارج النافذة، وسال الدم من جبهته أسود على الجدار. هرعت مسز كلارك هاربة، وخبط أبو العبد قدمه على الطريق القائمة بين الأشجار على غير هدى.
* * *
عجلت النساء الفضوليات الخروج إلى المصطبة على أثر طلقة الرصاص، وكذلك فعل الرجال المجتمعين في بيت المأمور. كان الهدوء شاملاً، وفجأة، انبعث نقيق الضفادع. كانوا يحدقون كلهم في الليل مبهورين، أربكهم أن يتساقطوا في الليل على مثل هذه الحال، بينما يفتهم لغز الرصاصة. لم تصدق رقية عينيها، كانت وحدها، تركتها النساء إلى الظلام، وها هي تجلس والمصباح في ثوب العرس. كان الباب مشرعًا، والنافذة مشرعة، والصمت خياليّاً. قطعت قرارًا: نهضت بحذر، واقتربت من النافذة. كانت الحقول تترامى على مد النظر، وبين مكان ومكان تترصع بالقمر. دلت قدمها من النافذة، وقفزت. أخذت تركض بأقصى ما أوتيت من قوة.
مجانين أولئك الذين يؤمنون بالمعجزات! عجلت عجوز السابعة والسبعين بالدخول. لقد اختفت رقية! ضربت صدرها، واتجهت بخطواتها البطيئة المتحطمة لتطل من النافذة. هبت الأنسام محركة بعض الأغصان. فجأة، أخذت تصيح عاليًا، فدق الرعب قلوب الكل، وجاءت النساء يجرين:
- ماذا هناك؟ ما لك؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! بسم الله عليك!
ولولت العجوز:
- هربت رقية!
سارعت النساء إلى داخل البيت كي يتأكدن، وعلا صوت الأب من الناحية الأخرى:
- ماذا هناك؟
راحت بعض النساء يلطمن، ويصوتن، فهرع أبو رقية والمأمور وبعض الرجال، والمأمور يسأل بصوته الأجش:
- هل من مكروه؟
ناحت امرأة:
- يا ليلة سوداء!
- أتخرفين، يا امرأة؟
- يا عارك، يا أبا العروس! يا عارك وعار أجدادك!
وقفوا مع النساء وجهًا لوجه مذهولين:
- ما الخبر؟
دقت امرأة صدرها، وصاحت:
- هربت رقية، هذا هو الخبر... هربت رقية!
ودبت على الأربع وهي تصوت.
تهاوى الأب لولا أن أسندته بعض الأيدي. تعلق بذراع المأمور، وقال بصوت هالك:
- انبش الأرض بحثًا عنها، وجدها لي كي أغسل عاري. لن أدافع عن شرفي إلا إذا أسلت دمها كدم النعجة الحلال. جدها لي، يا مأمور المخفر.
صفقت الريح شاربي المأمور، وأوداجه الضخمة ترتج على وقع أقلها كلمة. استدار، واللهب يحرق له الكيان، ونادى على رجاله. جاء إسحق وسائر الرجال، أوقد البعض المشاعل، ثم تفرقوا في البيارات والحقول بحثًا عن رقية.
* * *
وقع حوافر.
كان الجنود الإنجليز ينسحبون إلى مشارف القرية عندما أطلق أبو العبد الرصاص، فانطلق قسم من الفرسان إلى بيت المهندس صادق، وأبو العبد يخبط قدمه في الأرض لاهثًا بين الأشجار. اجتاز ثلاثة منهم السياج إلى النافذة: دم أحمر لوث الليل! سحب جندي جسد المهندس صادق من ياقته: ثقب غائر في الجبين، والوجه لطخة. تركه يسقط، وسارع جميع الفرسان يعدون عبر الأشجار. سمع أبو العبد وقع الحوافر. أية أبالسة! كانوا يجرون في أعقابه منذ عام 36، منذ الحرب العالمية الأولى، بل قبل ذلك، كانوا يريدون قتله! لا، لن يقدروا على قتله، ما دام يتشبث بسلاحه. سينتصب كالصخرة في وجوههم، والسلاح بين يديه، قويّاً على الرغم من سنه. توقف في قلب الشجر، دفع سلاحه على كتفه، وراح يفتح عينيه الشيختين في الليل الثخين. سيرديهم برصاصاته قتلى الواحد تلو الآخر، وسيظفر بالحرية. دمدم: تعالوا! يا أبالسة تعالوا! ضج وقع الحوافر. رآهم، وهم يخرجون من قلب الظلام، وأطلق... فسقط أحد الجنود، ومعه عبء الاحتلال. وعلى الرغم من نصره المبين هذا، حاصرت أبا العبد فوهات النار من كل صوب.
* * *
تعلق ماريك بجدار البئر، وكذلك فعل موزارسكي، والقمر ينعكس عن الماء كما ينعكس عن مرآة.
- أنا لا أعرف العوم، يا ماريك، قال هذا الأخير.
- ماذا سنفعل إذن؟ سأل ماريك.
- اغطس أنت في الماء ربما وجدت منفذًا.
- وإذا لم أجد؟
- ستنفق أنت غرقًا، وسأنفق أنا غرقًا مثلك بما أنني في آخر المطاف سألقي بنفسي في الماء.
وبينما هما بين أخذ ورد، انشق ماء البئر عن وجه ماريشيا، فصاح ماريك بذهول:
- ماريشيا!
ثم انشق ماء البئر عن وجه بولينا، فصاح موزارسكي بذهول أيضًا:
- بولينا!
قالت ماريشيا:
- لا وقت نضيعه...
أضافت بولينا:
- اغطسا من ورائنا.
تردد موزارسكي، وتلعثم، فأوضح ماريك:
- موزارسكي لا يعرف العوم.
صاحت بولينا:
- اقفز، يا موزارسكي.
قفز ماريك، وغطس من وراء ماريشيا، وبولينا تصيح من جديد:
- هيا اقفز، يا موزارسكي، ولا تخف.
أغمض موزارسكي عينيه، وقفز، وهو يصرخ، وغاب عن الأنظار. لحقت بولينا به، وجرته. مضوا بجثث انتفخت، وعلقت بطحالب تتغذى على الجثث. ظلوا يعومون حتى منفذ خرجوا منه، ووجدوا أنفسهم في حمام لا أحد فيه مسكون بظلال الأجساد العارية.
في الخارج، كانت سيارة الفتاتين بانتظارهم، ركبوها، وعاد أربعتهم إلى القدس.
* * *
سأل فلاح بحذر مشوب بالخوف:
- أسمعت؟
- سمعت.
- طلقات رصاص.
- ماذا؟
- طلقات رصاص.
- تقول طلقات رصاص؟
- طلقات رصاص.
- يوم القيامة، يا عبد الستار!
- إلى أين تغذ الخطى؟
- إلى الغدير.
- ورقية؟ ألم تعد تريد البحث عن رقية؟
لكنه ابتعد في الظلام، والآخر يرفع المشعل صائحًا:
- هيه! إلى أين أنت ذاهب؟ انتظر!
جاء صوت من بين الأشجار:
- لماذا تصرخ في الليل؟
ارتاع:
- أين أنتم؟ ذهب وتركني.
لكن الصوت ألح:
- لماذا تصرخ في الليل؟
أجاب جاره:
- ألا تعرف؟ إنها المرة الأولى التي يصرخ فيها في الليل.
ناداه:
- نحن هنا، على شمالك، تعال.
اتجه نحوهم على غير هدى. قال أحدهم:
- لا أثر لرقية. أين تراها ذهبت؟
قال ثان:
- الظلام شديد!
قال ثالث:
- لقد اختفى القمر.
جاء رجل المشعل.
- ها هو، مع مشعله.
سأل رجل المشعل:
- أنتم هنا؟
- تقدم، مع مشعلك.
- لا نبتعد عن بعضنا البعض، لنبق معًا.
ابتعد صوت في الليل:
- الظلام شديد!
أكد صوت آخر، وهو يطلق نفسًا عميقًا:
- الظلام شديد!
صاح صوت ثالث بحامل المشعل:
- لا تذهب إلى الغابة. الظلام شديد!
همهم إسحق: الظلام شديد! ذهب بناظره إلى البعيد: البرتقال الأسود، والحشيش الغامق، وأقدام القرية التي تطأ التراب بحثًا عن رقية. أحقًّا لغسل العار هم يبحثون عن رقية، أم لغسل الشرف والوقوع على النفس، لقاء الأنا، والتشبث بها؟ قبل أن تهرب رقية، كان قد فقدها وحده، أما في الوقت الحاضر، فقد فقدها الجميع. وها هم يعجلون الخطى في الليل الدامس، وهم يبحثون عنها. وها هم يعون في هذا الليل الدامس أن لشروق الشمس قانونًا.
قال أحدهم:
- هل نذهب من هنا؟ هذا عرق مكسور.
- لنذهب.
- افتح عينيك جيدًا، وانظر في كل صوب.
في كل صوب، كانوا يخترقون الأشجار، ويوغلون في الطين. غاب القمر مذ غابت، وازدادت كثافة الغيم. إلى متى سيبحثون عنها؟ هل الرصاصات التي انطلقت جواب السؤال؟ والسؤال هذا، هل يعرفون جوابه؟ لا تنتهي الأسئلة في رأس إسحق. وانتهى إلى هذه الحقيقة: لم تعد رقية له. لم يكن غاضبًا. إنها الآن لجميع الفلاحين. حتى ولو وجدها هو، فسوف يجدها لهم. وتبدت له صورة أبي بسمة، وهو يغرق في الطين. لقد قضى عمره، وهو يغطس في الوحل، وقد ذبح عمره، وهو يغطس في الوحل، والآن يقول إسحق لنفسه لا بد أن أبا بسمة في مكان ما من القرية، يسحب قدميه من الوحل بحثًا عن رقية.
- تعال، لندخل هنا.
علق أحد الخفراء:
- المغارة معتمة!
- لدي مشعل، فتعال.
- ادخل أمامي.
ارتسمت خيالات على الجدران.
- رائحة موتى!
- إنها رطوبة الجدران، تقدم.
- ما هذا؟
تسمرت قدماه:
- دم على البرميل!
دفعه بذعر:
- انظر في الداخل.
- أتكون رقية انتحرت؟
اقترب بالمشعل.
عينان ميتتان وفم مفغور.
- يا إلهي!
- من؟ الخضرجي!
سارعا إلى الخروج، وصاحا بالفلاحين:
- قتيل! قتيل!
خطوات خفيفة على الأرض. صاح مأمور المخفر:
- ماذا هنالك؟
- قتلوا الخضرجي!
هبوا إلى داخل المغارة بمشاعلهم.
خيالات.
- هذا صحيح!
- يا إلهي!
- طعنة سكين!
- من القاتل؟
توجه المأمور بالحديث إلى اثنين من رجاله:
- احملاه إلى المخفر، وغدًا سنحقق في الأمر.
قلبا البرميل، وحملاه من يديه وقدميه.
وصل إسحق إلى تخم الغابة، فجاءه حديثها. كان يعرفها جيدًا منذ كان طفلاً، كانت عالمه الغريب، وها هو يدخلها الآن، مدخلاً معه عالمه الآخر. كانت أحاسيسه واحدة، الفرق أنه لم يعد طفلاً. يا رقية! ناداها دون يفتح فمه. هل يمكن أن تكون هنا؟
سأل أحدهم:
- هل تعرف سر الطلقات؟
توقف الآخر، وهو يبدو عليه الذهول:
- دعنا ندخل الغابة.
استمر إسحق يوغل في الغابة. كانت أمه تنهره بحنان: (( إياك أن توغل في الغابة، هناك أشباح وغيلان! )) لكنه أوغل فيها دون أن تعرف، وعرفها شبرًا شبرًا: شجرها وحيوانها. كان صديق كل الأرانب البيضاء، عرفته الطيور وألفته، وشاركها الغناء.
توقف حديث الغابة فجأة، في اللحظة التي دعست فيها قدمه بقعة دم ضاعت منه طفولته البريئة، وانتهت كل علاقة له بعالمه البريء. هذا العالم الحاضر لهو عالم دموي ذو أسنان ماضية تريد قضمه والتهامه. رفع قدمه، وحط بأصابعه على جذع شجرة، فسالت من بين أصابعه قطرات حمراء. يا إلهي! هل يقتلون عالمه؟ هل يذبحون ماضي الطفل الذي كانه؟ هل يتمادون على حاضره بسكاكينهم ليزرعوا فيه الأنصال؟ هب إليها، وهو يعصف كالريح. وجدها ملقاة على طرف المستنقع. أطبق أحدهم على قلبه فكيه وانتزعه. كانت ميتة! كانت الأنصال تخترق جسدها، ونبع أحمر يسيل من شفتيها. يا إلهي! أية كارثة حلت في القرية! رفعها بين ذراعيه، وسارع إليهم، تاركًا من ورائه الغابة.
جاء اثنان أو ثلاثة يعدون، فهز قلوبهم كل هذا العنف، وصاحوا بالآخرين ليتجمعوا. خبط مأمور المخفر قدميه في الأرض، ووقف أمام الجسد المطعون كتمثال الورق. عندما فطن إلى نفسه، أخذ يصيح:
- القاتل! يجب أن نلقي القبض على القاتل!
تشنجت تعابير إسحق، وسارع بحمله إلى بيت رقية، إلى عرس الدم. اجتاز مأمور المخفر الغابة مع بعض الرجال، وبعضهم الآخر تبع إسحق عن كثب حتى المنحدر. سبقه فلاح شاب، وضاع بين النساء.
صوّتت امرأة، وهي ترى إسحق يصعد المنحدر. لطمت أخرى، وهي تولول. كان الأب قد اعتمد على حطامه، وتقدم بوجه نصف ميت. توقف إسحق لحظة أمامه، ورقية بين ذراعيه. الربيع مات! الينابيع الحمراء أعطت حتى جفت. ارتعشت شفتا الأب ويداه، وانطفأ وجهه الشيخ. امتدت بعض الأذرعة حاملة إياها إلى الداخل، وعلت أصوات الموت مصحوبة بالعويل. لطمت امرأة حتى أدمت وجهها، وهي تردد باكية:
- قتلوني، يا رقية... قتلوني!
* * *
قالت لولا وسونيا للأصدقاء الأربعة بعد أن اغتسلوا وبدلوا ثيابهم:
- تعالوا نقدم لكم سارة، نزيلة جديدة في بيت الهوى.
- سارة؟ قال ماريك، يا له من اسم جميل.
ضحكت بنتا الليل:
- وصاحبة الاسم أجمل!
- هذا سيثير الغيرة لدى بولينا، قال موزارسكي.
- اطمئن، يا حبيبي، قالت بولينا، الجمال لا يثير الغيرة لدي بل الإعجاب.
- وأنت أيضًا، يا ماريشيا، سأل ماريك، الجمال لا يثير الغيرة لديك؟
- الجمال يثير الإعجاب لدي، أجابت ماريشيا، وأحيانًا الخوف.
- الخوف! استغربت سونيا ولولا، الخوف لماذا؟
- كل جمال حقيقي يثير الخوف، وضحكت ماريشيا، يكفي النظر إلى ما في عيني ماريك وموزارسكي عندما يتأملان جمالنا أنا وبولينا.
ضحكوا كلهم.
- الخوف عليكما، علقت سونيا ولولا، أما الخوف منكما، فهذا أمر آخر يبدو أن سره في قبره.
ضحكوا كلهم من جديد، وخرجوا إلى القاعة، حيث كانت هنا وهناك بنات الهوى نصف عاريات مع عدد من الزبائن.
- أين سارة؟ سأل الصديقان بتلهف.
- تلك القادمة.
أجابت سونيا ولولا.
بهت أربعتهم لجمالها، ولم يجدوا لجمالها وصفًا: قدسي؟ نوراني؟ ما ورائي؟ كان الجمال في بعده المطلق. سلمت سارة عليهم بخجل، وعلقت على تعليقاتهم في مدح جمالها:
- ربما لأنني لست سارة واحدة، فأنا عدة سارات، وجمالي أكثر من جمال، إنه جمال عدة نساء.
ذهل ماريك وموزارسكي للتعليق الذي قامت به الفتاة، فطلبا شمبانيا، وذهبوا يجلسون كلهم في الصالون الأحمر.
سألت ماريشيا:
- إذا كنتِ عدة نساء في واحدة، فكم هو عمرك؟
ضحكت فتاة العشرين بخجل لا يبارحها، وقالت، وهي تلامس سلسالاً انتهى بنجمة سداسية:
- هل أدهشك إذا ما قلت لك إن عمري أكثر من أربعة آلاف عام؟
ضج الجميع مرددين:
- أربعة آلاف عام!
- أنا زوجة إبراهيم، رمت الفتاة لتزيد من الأمر غموضًا.
- زوجة إبراهيم!
- هل سمعتم عن امرأة عجوز وعاقر تأتي بالأولاد؟ هل سمعتم عن رجل عجوز ويائس يأتي بالأولاد عمره قرن أو يزيد؟ هو أيضًا عدة رجال في واحد، هذا إذا ما لم يكن وهمًا وخرافة.
- أفضل أن يكون عددا من الرجال جمع الناس أعمارهم أو عددًا من القبائل كانت تحمل اسمه عاشت بقدر ما يقال إنه عاش على أن يكون وهمًا أو خرافة، قال موزارسكي.
- وإذا ما كان بالفعل وهمًا أو خرافة؟
جاءت الشمبانيا، ففتح ماريك الزجاجة، وصب أمتع ما في فرنسا من شراب الحب في الكؤوس، وهو يقول:
- وما الفرق في ذلك؟ أن يكون وهمًا أو خرافة أو أعدادًا بالغ الناس في جمعها أو حتى ولو كان فكرة، المهم أن تمشي الفكرة، وهي تمشي.
- ليس إلى الأبد، قالت الرائعة سارة.
- لنشرب نخب سارة عمرها أربعة آلاف عام، قال ماريك، وهو يوزع الكؤوس.
- ليس إلى الأبد لماذا؟ سألت بولينا حائرة.
لم تتردد سارة، أخرجت من بين ثدييها قطعة من الرق مطوية، وكشفت:
- أعطاني إياها أحد الزبائن بعد أن مارس الحب معي، قال لي إنه إبراهيم، بحث عني في كل أرجاء الأرض إلى أن وجدني كي أحبل منه، فآتي له بإسحق ابنًا، آخر إسحق في الوجود بعد أن يأتي أحدهم، ويكشف عن السر الذي في قطعة الرق هذه. عندما أخبرتني لولا وسونيا بقصتكما، قلت أنتما يمكنكما ما لا يمكن غيركما من الناس.
حمل موزارسكي قطعة الرق بيد راجفة، وفتحها، ثم ما لبث أن دفعها إلى ماريك.
- أية لغة هي؟ سأل ماريك، وهو ينفخ عناء.
- الكلدانية، أجابت سارة.
- أنا أفك الكلدانية، قالت ماريشيا، وهي تأخذ الرق من يد حبيبها، ألممت بأصولها في هارفارد.
نفخت ماريشيا بعد أن قرأت، وهي تهز رأسها:
- سري في قبري.
نظر الجميع إلى سارة التي كانت تشرب كأسها على مهل، وتبتسم أجمل ابتسامة في الوجود.
* * *
أسرج إسحق حصانه، وامتطاه، فاتجه الحصان إلى باب الإسطبل. كان يعرف مرمى فارسه، وما هو واجبه. قبض إسحق على مشط الحصاد، وانطلق صوب الغابة.
ابتعدت الأشجار عن طريقه ليسهل عبوره، وشق القمر الغيم ليضيء له الطريق. لم يزل دم الضحية ساخنًا، والقاتل حرًا. هذ الدم الغالي الذي تفجر نبعًا ليخصب حبك، يا إسحق، وقوتك. ضرب الحصان الأرض بحافره، فخفق قلبها، ثم هدأ. كان قلب الأرض يخفق، ثم يهدأ، كلما كان حصان إسحق يضرب بحافره بين أغصان الأشجار. دروب الغابة هذه كان إسحق يعرفها كلها، لكنه لم يعرف إلا الليلة قانون الغاب. وها هو في صدد التغلب عليه، واقتلاعه، لأن القرية في خطر. رأى بعض الرجال مع مشاعلهم، وهم يبحثون بدورهم، عن رقية منذ قليل، أما الآن، فعن قاتل رقية. آه، يا أهل قريتي الطيبين! لماذا ارتكبتم هذا الخطأ؟ أما كان من اللازم أن تبحثوا عن القاتل أولاً فرقية؟ أما كان من اللازم أن تزرعوا أنصالكم في قلب القاتل قبل أن يزرع القاتل نصله في قلب رقية؟ كان الظلام شديدًا، وأنتم تتغطون بطيبتكم الشديدة! أنا... اختلط عليّ الأمر، وأخطأت الحساب.
بدت آخر دروب الغابة الضيقة. انطلق الحصان في الحقول. كان الهواء البارد يبعثر شعر إسحق، وهو ينطلق كسيف الثلج القاطع النقي. وكانت الحوافر الواثقة تقطع الطريق المؤدية إلى البيارات، فانتشر في الهواء عطر البرتقال والمندلينا والتفاح الأحمر. كان عطر جسدها المغتال بين ذراعيه، وكان إسحق يشرق بهذا الأمل: رقية تحيا، لم تمت!
حث إسحق حصانه على العدو أكثر، ليصل اليد التي قتلت، فيزرع في كفها مشط الحصاد. ليحفظ بسمة. كانت غايته في الوقت الحاضر: ألا يقع لبسمة أي سوء. كانت غاية القمر الذي أضاء فجأة. سر الأرض كانت تعرفه الحوافر، فارتفع الصهيل، وشد إسحق على اللجام. كان كلانا ينكر الموت ابن الجريمة، لكن للموت شرفًا تدافع عنه، أنت، يا حصاني! فلتنطلق! انطلق، يا حصاني!
اخترق البيارات، وتنقل بين الأشجار التي كانت أوراقها الرطبة تأتي لتحتكّ بجذعه. أيمكن أن يختفي القاتل دون أن يترك أثرًا؟ أيمكن أن تمحوه الريح، وتطويه الأرض؟ تأمل الأرض جيدًا، وجه رقية والنبع الأحمر السائل من ثغرها. فجأة، وقع على آثار في الطين امتدت حتى أرض أبي سنه، وامّحت ابتداء من هناك. ما أن وصل حتى رأى رجلاً يجري في الظلام إلى السياج. انطلق الحصان، وحفرت الحوافر الأثلام، بينما علا مشط الحصاد أعلى ما يكون في يد إسحق.
- قف!
لقد عرفه.
- قف!
ابن الخواجا.
يا إلهي! كان الدم يرشق صدره وقبضتيه. دار ليختبئ بين شجرات تين عارية كذراع إسحق التي تعلو بالمشط. تبعه إسحق حتى الطريق الترابي، وتمكن من حصاره. استل ابن الخواجا خنجرًا مدمى. وفي اللحظة التي انقض فيها على إسحق، شب الحصان، وهو يصهل. كان إسحق قد زرع مشط الحصاد في عنقه. لقد قتل القاتل. سحب المشط، وعاد إلى بيته. ومن بعيد، علا الصهيل.
بينما كان عدد من الفرسان الإنجليز يقطعون الطريق التراب، وجدوا هنا وهناك جثث بعض الأرانب الذبيحة دون أن يهتموا بها إلى أن صاح بهم قائدهم آمرًا بالوقوف، وهو يرفع يده ذات القفاز. كانت جثة ابن الخواجا تعيق العبور. ترجل اثنان، وتقدما بحذر. اقترب ثالث بحصانه: فارس عربي عجوز من العهد التركي.
- هل هو ميت؟
قلبه على ظهره، وقال:
- مقتول. هل تعرفه؟
قال الآخر:
- لا.
ترجل الفارس العجوز:
- أنا أعرفه. هذا ابن الخواجا داوود.
- ماذا سنفعل به؟
دارت الأحصنة بالقتيل.
- سننقله إلى مزرعتهم. إنها في طريقنا. وسنفتح تحقيقًا.
حمله الرجلان. قال الفارس العجوز:
- انتظرا حتى أصعد، واربطاه من ورائي.
ثم... صاح القائد:
- ها...ه!
مشيرًا بيده إلى الأمام كي يتقدموا.
خرج حارس الخواجا، وفي فمه غليون. وقفوا أمامه دون أن يفوهوا بكلمة. ترجل الفارس العجوز، وسحب الحصان بحمله، ففغر الحارس فاه.
قال الفارس العجوز:
- كنّا ننسحب عندما وجدناه مقتولاً في الطريق الترابي الذي يشق أرض أبي سنه.
ترجل فارس ثان لحمل الجثة.
- ها نحن نودعكم الجثة، وسنفتح تحقيقًا.
والحارس يحدق مذهولاً.
صعدا من جديد، ونبر الفارس الثاني:
- لا تقف مكتوف اليدين، اذهب في طلب من يحمله.
تعالت أكثر من صيحة في الفروسية تعني إلى الأمام بينما هب الحارس يجري إلى الداخل لينقل الخبر إلى الخواجا.
* * *
عزمت بولينا وماريشيا على مرافقة موزارسكي وماريك إلى الحرم الإبراهيمي، وذلك من أجل الحيلولة دون تعرضهما للخطر، فوجدتا أن كل الخليل هناك في محفل النار، يحيط الكل بقبر البطريرك، وهم في حالة من الدروشة والهلوسة لا مثيل لها. رأى الأصدقاء الأربعة عددًا كبيرًا من البنات والصبية في قفص، وهم يرتدون أجمل الحلل. لم يكن يبدو عليهم أي وجل عندما أشعل الشيخ النار في كوم من الحطب كبير، وصوته يعلو بالترتيل والتسبيح. وما هي سوى بضع لحظات حتى اخترق الحجاج جمع من اليهود كان في مقدمتهم بعض الصبية والبنات وسامريّ من السامريين، فثارت ثائرة المسلمين.
قال السامريّ للشيخ:
- نحن هنا مع جدنا وسبب ديننا ووجودنا.
قال الشيخ للسامريّ:
- نحن هنا مع جدنا وسبب ديننا ووجودنا والوجود.
أخذ كل من الرئيسين الروحيين ضربًا في الآخر ولكمًا، وكاد الكثيرون يقضون على القليلين لولا تدخل ماريشيا:
- يا سادة، صاحت ماريشيا من على درجة من سلم المحراب، لنجعل من العقل حكمًا.
- يا سادة، صاحت بولينا من على درجة أوطأ من سلم المحراب، لنجعل من الله شاهدًا.
- يشهد الله أني هنا من أجل طلب رضاه، ليكن القلب حكمًا والله شاهدًا، قال الشيخ.
- يشهد الله أني هنا من أجل طلب رضاه ليكن العقل حكمًا والله شاهدًا، قال السامريّ.
- قبل الاقتتال على جدنا جميعًا من واجب المحفل أن يطفئ النار، ويحرر أبناءنا، قال موزارسكي، والناس تتجمع من حوله.
- نعرف أن رائحة البهائم المشوية لهي من أطيب الروائح، قال ماريك، والحجاج يلتفون به، فلماذا نبدل اليوم عادة عمرها آلاف الأعوام؟
- غلت الحياة، قال الرئيسان الروحيان، ولم يعد بمقدورنا التضحية بالبهائم كل عام، فقلنا نعمل بما لم يعمل به إبراهيم جدنا، فنضحي بأبنائنا مرة واحد نرضي فيها الله العلي القدير إلى يوم الدين.
- وإذا كان إبراهيم خرافة، جلجل صوت ماريشيا الذي استقبله الحجاج بصيحات الاحتجاج.
- وإذا كان إبراهيم فكرة، جلجل صوت بولينا الذي استقبله أعضاء المحفل بصيحات الاستنكار.
- هذا الرق، صاح ماريك، وهو يلوح بالقطعة الأثرية، كتبه إبراهيم بيده، وقال: سري في قبري!
صمت كل من كان في الحرم، وسُمع في الخارج مرور النسيم.
- سنفتح القبر، قال موزارسكي، فإذا كانت فيه رفات إبراهيم كان إبراهيم، وإذا لم تكن فيه رفات إبراهيم، أطفأنا النار، وعاد كل منا إلى بيته.
علت صيحات الاحتجاج والاستنكار من جديد، لكن الشيخ أسكت الجميع بإشارة من يده:
- برفات أو بدون رفات نحن سنضحي بأبنائنا.
وهذا ما قاله السامريّ، قبل أن يضيف:
- وسيكون الوعد.
ضج الحجاج المسلمين، وكادوا يحطمون الكون على رؤوس الحجاج اليهود.
صاحت ماريشيا:
- لا شيء ييرر الاقتتال وكل شيء يبرر التفاهم.
صاحت بولينا:
- إذا كانت هناك رفات كان هناك وعد.
- وإذا لم تكن هناك رفات كانت هناك طريقة أخرى للتفاهم، قال ماريك.
- ولن نضحي أبدًا بأبنائنا، قال موزارسكي.
- إن لم تكن هناك رفات بحثنا في طول البلاد وعرضها عن إثبات آخر للحق تكون فيه هذه الأرض ملكًا لكل اليهود في العالم وكل العرب في العالم وإلا فهي لمن هم فيها الآن ولهم وحدهم، قال ماريك.
استغل ماريك وموزارسكي الصمت المخيم، بينما الكل يقلّب الفكرة على نار هادئة، وأخذا بضرب غطاء قبر البطريرك بإزميليهما. فتحاه، ثم راحا بمجرفتيهما يرفعان ترابه، ورائحة الرطوبة القوية تدفع الكثيرين إلى الاختناق والسعال. نبشا القبر نبشًا حتى كَلّ الحجاج النظر، والدمع يسيل من مآقيهم، واليأس يدك أفئدتهم، وفي لحظة من اللحظات، تناول بعضهم مسدسًا صغيرًا أو موسى صغيرة، وارتكب في حق نفسه ما لا يُرتكب.
وفي الأخير، همهم الرئيسان الروحيان، وهما لا يتوقفان عن ذرف الدمع السخين:
- وماذا هناك من بديل؟
كانت ماريشيا وبولينا قد أطفأتا نار المحرقة، وجاءتا لتجيبا على السؤال الوجودي:
- سنذهب نحن وصديقانا إلى البحث عن إي أثر لغوليات وداوود في طول البلاد وعرضها، نحن نعرف قليلاً في الآثار، وهما يعرفان كثيرًا في القانون، سيكونان محاميين لكم ضد كل أبطال الأحاجي والخرافات.
* * *
امتدت يد عصبية، وأزاحت اللوز، فبدت أكداس البنادق. نعم، بنادق تمت فبركتها في مصانع يهودية للأسلحة. بنادق ((فاحشة)). قبضت اليد العصبية على إحداها، ودفعتها لأحدهم، وراح الرجل ذو الشعر الغزير والحاجب الكث يوزع البنادق على الرجال الذين كان من بينهم أعضاء من الهاغانا والشرطة اليهود، وحتى من الجنود اليهود المجيشين تحت العلم الإنجليزي. كان الجنديان الأشقران، جنديا ذلك اليوم، هنا، وكان الخواجا داوود يدور حولهم شاحبًا كالديك الهرم، بشعره المنفوش، وربطة عنقه المفتوحة، وقبته الواقفة، وقميصه الخارج من حزامه. كان غامض النظرة وواضح الفكرة. عثروا على ابنه قتيلاً في الطريق الشاقة لأرض أبي سنه، إذن، سيحتل أرض أبي سنه. نهشت شفتيه ابتسامة المهستر، والبنادق الجديدة تبرق في ضوء القناديل. من سيمنعه؟ قانون الأقوى سيطبق! فتح أحد الصناديق، وأخذ يوزع علب وشرائط الرصاص آمرًا: ضحوا لي بكل هذه النعاج، كل هذه النعاج، كل هذه النعاج... تعالت في المستودع أصوات تنذر بالدمار: هناك من يلقم بندقيته، وهناك من يربط حزامه، وهناك من يعقد حذاءه، وهناك من يشحذ خنجره أو موساه. بعد ذلك، انطلق بعضهم ليأتي بالخيل، بينما ركب آخرون الشاحنات. وقبل أن يذهبوا، رفع الخواجا داوود إليهم كلتا يديه مباركًا.
* * *
سقط الغيم ثقيلاً، وصعد من الأرض غبار أسود، فاشتد ظلام القرية حلكة. جاؤوا ببنادقهم من عالم آخر، ودخلوا عالم إسحق ورقية وخالة ميريام والأسطى وأبي بسمة والبحيرة وشجرات الحور. لماذا جاؤوا هذا العالم المطمئن يا ترى؟ أوقفوا عرباتهم، وزحفوا إلى الأكواخ الواقعة قرب السياج الدائر بأرض أبي سنه، دفعوا الأبواب بأقدامهم، وأخرجوا أهلها أنصاف عرايا، ثم...
قتلوهم.
انطلقوا على خيولهم نحو كوخ امرأة أبي سنه، فخرجت هلعة على وقع الحوافر. طرحوها أرضًا، وجروها بالحبل في الأثلام.
ثم... قتلوها.
دب الطفلان على الأرض كدودتين، طاردهما فارس تبعه آخر، ثم سحقت الحوافر صدريهما.
مزق ثالث ثوب لطيفة، وهي تصرخ، وأغمد نصله في نهدها، ثم... قطع نهدها.
رشوا الأكواخ بالبنزين، وأحرقوها. زرعوا أكعابهم في مناكب الأطفال، وطلقاتهم كذلك. سرى الحريق في الحقول، فاحترقت أشجار الزيتون، واحترقت أشجار البرتقال والمندلينا والتفاح الأحمر، واحترقت نبتات الزرع الصغيرة. ولنصرهم الخاطف ذاك، اخترقوا أرض البيك. استولوا على قسم كبير منها، وبنوا المتاريس.
خلال ذلك، كان حارس الباشا إسماعيل يتثاءب تحت شباك سارة، جاء عتبات القصر، وأغفى. استطاع أحد الفلاحين الذين يعملون في أرض البيك النجاة، فركض إلى دار البيك صائحًا، والرعب يدق صدغه:
- الحق، يا بيك! احتل اليهود أرضك!
قام البيك من نومه غاضبًا؛ لأنهم أزعجوه في ساعة متأخرة من الليل. عندما وقف على الحقيقة من فم الفلاح، لبس ثيابه بسرعة، امتطى حصانه، وذهب إلى لقاء الخواجا، لكن الخواجا رفض استقباله. والآن، عن أي حليف سيبحث البيك؟
* * *
لأجل البحث عن آثار داوود وغوليات، اتفق الأصدقاء على أن يذهب ماريك وماريشيا من شمال البلاد إلى نقبها، وأن يسير موزارسكي وبولينا من بحر البلاد إلى نهرها، وعزموا على الالتقاء، بعد أن يجمعوا المعلومات، في القدس، وعلى التحديد، في فندق الملك داوود. في الموعد المحدد، كان أربعتهم في الجناح الخاص بالشخصيات الكبرى، تحت ثريا تضاهي ثريات قصر فيرساي فخامة. أجمعوا كلهم على عدم وجود أي أثر لا لغوليات ولا لداوود، ولكن، ويا للغرابة، وقفوا على الكثير من الأسرار الخطيرة الخاصة بشخصيات الساعة، والتي أهمها تتعلق بثلاث منها، الباشا إسماعيل والخواجا داوود ونائب المندوب السامي مستر كلارك. اكتشف أبناء وارسو المغامرون أن الباشا إسماعيل والفلاح إسحق أخوان من أم واحدة، وأن الخواجا داوود قاتل رقية لا ابنه، وأن مستر كلارك هاتك الصغيرة هاجر وزميلاتها بالمشاركة مع أستاذ الموسيقى صديقه.
ما حصل بعد ذلك متوقع، ولكن ليس على مثل تلك السرعة، إذ بينما كانت سيارة الفتاتين مصفوفة أمام الفندق، وضع حارس الباشا إسماعيل فيها قنبلة موقوتة، كادت تنفجر بالبولنديين الأربعة لولا أن لولا وسونيا وسارة اللواتي جئن للقاء ماريك وموزارسكي وماريشيا وبولينا رأين حارس الباشا إسماعيل، وهو يهرب حالما رأى ضحاياه، وهم يخرجون من الفندق، فأحاطت كل من سارة وسونيا ولولا ببولينا وماريشيا وموزارسكي، واندفعن بعيدًا عن الانفجار الذي أودى بحياتهن. كان تأخر ماريك عن الخروج بسبب ربطه لبريم حذائه هو الذي أنقذه، فأذهله الانفجار، وأذهله أكثر إنقاذ بنات الهوى لأصدقائه. مزقت القنبلة أجساد بعض الجنود الإنجليز وبعض المارة تحت نظر مستر كلارك الذي كان يتابع كل ما جرى من أقصى الشارع، فتحرك رجلان ضخمان من أعوانه بسيارتهما الرولز رويس الضخمة بإشارة منه، وذهبا ليعرضا على ماريك وموزارسكي وماريشيا وبولينا خدماتهما بعد أن أبرزا هوية التحري الرسمية التي لهما.
وهما في الطريق، قال رجلا الإسكوتلانديارد:
- سننقلكما إلى عمان.
أمام تردد الأربعة والمفاجأة التي سببها لهم قرار نقلهم، أوضح الإنجليزيان:
- إنه خير مكان آمن في الظروف الحالية.
وهم في منتصف الطريق إلى عمان، أوقف الرجل التحري السيارة، وطلب من موزارسكي أن يأخذ مكانه. جلس إلى جانب زميله في المقعد الخلفي، والأصدقاء الأربعة، على المقعد الأمامي، لا يفطنون لما يعده لهم الإنجليزيان. نبه موزارسكي الجميع إلى سيارة تتبعهم، فاستداروا، ولم يعرفوا في الرجلين اللذين يستقلانها الجنديين البولنديين، رجلي الخواجا داوود. لم يعلق رجلا الإسكوتلانديارد اللذان وضع كل منهما على رأسه خوذة تقيه من حادث مفترض، ما أن أخذت السيارة تدور مع المنعرجات. ابتسما للرؤوس التي استدارت، وللنظرات المتسائلة، وأول ما بدأت السيارة تشق الحقول المنبسطة، كانت اللحظة الحاسمة. شد كل منهما عنقين من الأعناق الأربعة بسلك، فراحت السيارة تذهب يمنة، وتذهب يسرة، اخترقت الحقول، ومقاومة الأربعة على أشدها، وصعدت على الحجارة، وفجأة انقلبت، وفي الأخير توقفت، والدخان يتصاعد من محركها.
بعد بضع ثوان، خرج ماريك وموزارسكي وماريشيا وبولينا سالمين. كانوا في حالة يرثى لها، لكنهم حاولوا الابتعاد بسرعة عن القتيلين اللذين تركوهما في السيارة قبل أن تنفجر.
* * *
كأن القصر من ورق! تساقط القصر خفيفًا في رماد النهار، وانتظرت سيارة سوداء رسمية على باب القصر وحصان البيك إلى جانبها. جلس إسماعيل من وراء مكتبه، والبيك على الأريكة، وكل منهما في لباسه الغربي.
قال إسماعيل:
- أنا فاهم تمام الفهم. الحالة جد خطيرة. كنت أتوقع أن يلجأ الخواجا إلى العنف، ولكن ليس بهذه السرعة. يجب علينا أن نعيده إلى مواقعه، ونسترجع الأراضي بالقوة. أخذها بالسلاح، فلنسترجعها بالسلاح.
قال البيك:
- إنه يفوقنا قوة، يا باشا.
- لكننا أكثر عددًا. يجب على كل الفلاحين أن يقفوا في وجهه. يجب علينا أن نقف كلنا في وجهه. إذا صمدنا، رفع يديه مستسلمًا.
- برأيي، يا باشا، أن تطلب من الإنجليز العمل على إعادته إلى مواقعه، فإذا عجزوا أو إذا رفض، هو، إذا ماطلوا أو إذا قدموا له الدعم، عند ذلك، سنسترجع الأراضي بالقوة.
- لا أثق بالإنجليز، وهاءنذا أقول لك مقدمًا أن لا فائدة من ذلك. سبق لي أن حملت مستر كلارك تهديداتي، لكنه عزز التعاون مع الخواجا. أتظن أن الإنجليز لم يكونوا على علم بعمليات الخواجا العسكرية هذه؟ سنكون أغبياء لو اعتقدنا العكس، وألبسناهم لباس البراءة. انسحبوا من القرية كي يسلموها إليه، وفوق هذا، أعطوه السلاح.
- الهيئة العربية العليا على استعداد لتقديم يد العون.
- ولا أثق بالهيئة العربية العليا، فهي منقسمة بين هذه العائلة وتلك، وكل عائلة لا تبحث إلا عن مصالحها. سبق أن قدم لنا المفتي، رئيسها الديني، يد العون، ولكن يد عونه كانت للتسكين والتهدئة، ليعطي العدو فرصة يزرع فيها أقدامه في أرضنا.
- إذن؟
- يجب على القرية أن تدافع عن نفسها بنفسها.
لم يستوعب البيك منطقه:
- القرية ضعيفة، يا باشا!
أحدد إسماعيل النظر في عينيه، وسأل:
- هل كنت تعرف هذا قبل اليوم؟
- كنت أعرف هذا منذ طفولتي.
قال إسماعيل بتأن:
- لماذا لم تعمل على تقويتها؟
بقي البيك صامتًا لا يفوه ببنت شفة.
نهض إسماعيل، وبقي واقفًا أمام محدثه:
- سأبلغك نتائج احتجاجاتي لدى لإنجليز، وعلى أي حال يجب أن يتحملوا هم مسؤولياتهم، وأن نتحمل نحن مسؤولياتنا.
نهض البيك:
- نحن في أزمة!
- بل في كارثة!
رافقه حتى الباب.
- سأضع رجالي تحت إمرتك، يا باشا.
- يجب الاستعداد.
- المذبحة التي ارتكبت ضد قريتنا أخافت ناس المدن الذين بدأوا بالهرب.
- يجب ألا نترك، ألا نستسلم.
- الحكام العرب يطلبون من الناس أن يتركوا كل شيء ويرحلوا لتكون لهم الطريق خالية إلى التحرير، وهم يعدون بالانتهاء من اليهود خلال بضعة أيام.
- لا ولا أثق بحكام الهراء هؤلاء! ليس علينا سوى الاعتماد على أنفسنا.
- الناس في كل البلد خائفون بعد المذابح التي ارتكبها الخواجا وباقي الميليشيات الصهيونية. منظمة الإرغون اليهودية الإرهابية تضع المتفجرات في الأسواق، في السينمات، في الفنادق. مذبحة دير ياسين من صنع الإرغون. بطلب الحكام العرب او بعدمه، كل هذه الأفعال لن تعمل إلا على التسريع بأخذ طريق المنفى.
اكتفى الباشا الصغير بإعادة:
- ليس علينا سوى الاعتماد على أنفسنا.
بعد ذلك، رافق الحارس البيك حتى الباب الخارجي.
* * *
من فوق تل مرتفع، نظر أحد الجنديين البولنديين الأشقرين من منظار ما لبث أن أعطاه لزميله، فرأى بولينا وموزارسكي وماريشيا وماريك، وهم يعتمدون على بعضهم البعض، يريدون ترك المكان الذي وقع الحادث فيه إلى الطريق العام. ركب رجلا الخواجا السيارة، وذهبا إلى حمل الأصدقاء الأربعة. والسيارة قربهم، قالا:
- نحن من أتباع الخواجا داوود.
سأل موزارسكي بنبرة ليست ودية:
- انتما اللذان كنتما تتبعاننا؟
قال الأول:
- غبتما عن أنظارنا فجأة، فلم نستطع أن نفعل شيئًا.
سأل الثاني:
- تمام؟
- كدنا نذهب بشربة ماء، قال ماريك.
- اصعدوا، سنذهب بكم إلى مكان آمن.
صعدوا، والأول يقول:
- اليهودي لليهودي في السراء والضراء.
- نعم، هكذا، رمى ماريك غير مهتم سوى بنجاة نفسه.
بعد مسافة ليست قصيرة، اخترقت السيارة طريقًا ضيقة تقوم على هضبة. لم تكن الطريق معبدة، وكانت مغلقة قبل نهايتها. بدا منزل من بعيد، أشار إليه أحد الرجلين، وقال:
- ستقيمون هناك لبعض الوقت ريثما ينهي الخواجا الشغل، فنعيدكم إلى القدس.
- ريثما ينهي الخواجا الشغل، تهكم موزارسكي.
- ريثما ينهي الخواجا الشغل، أعاد الرجل الثاني.
- ريثما ينهي الخواجا الشغل، تهكم ماريك.
- ريثما ينهي الخواجا الشغل، أكد الرجل الأول.
فتحا لهم بابي السيارة، فنزلوا، وساروا من أمامهما على حافة الهضبة، حافة حادة كأنها حافة سيف خيالي معلق في الهواء. التفت ماريك، وهمهم عابسًا باتجاه الرجلين:
- ريثما ينهي الخواجا الشغل.
- ريثما ينهي الخواجا الشغل، ردد الرجلان.
وبعد قليل:
- اليهودي لليهودي في السراء والضراء.
- في السراء والضراء، همهم ماريك.
- في السراء والضراء، أعاد الرجلان.
- في السراء والضراء، عاد ماريك يهمهم بشيء من القرف.
إذا به يتلقى دفعة قوية من قدم الرجل في ظهره أسقطته في الفراغ، أتبعها الرجل بأخرى في ظهر ماريشيا، وكذلك فعل رفيقه بموزارسكي وبولينا. انحنيا من فوق الحد الهائل، ورأيا ماريشيا وبولينا جثتين هامدتين على صخرة، وماريك وموزارسكي جثتين معلقتين على شجرة. مسح كل منهما يده إشارة إلى التخلص من غريم، وقالا:
- ليطمئن بال الخواجا الآن!
ركبا السيارة، وعادا من حيث جاءا.
* * *
خطا إسماعيل خطوتين مفكرًا، أخرج من خزانة قصيرة كأسًا وزجاجة خمر، وابتلع جرعة، ثم غادر الحجرة بعد أن أعاد كل شيء إلى مكانه. قطع الردهة الحمراء، وقبل أن يدلف إلى حجرة الاستقبال التقى الحارس، وهو يتثاءب. قطع تثاؤبه عند وقوعه على الباشا إسماعيل، واعتدل منتصبًا في حالة استعداد.
- أنت نعسان؟
- لا، يا سيدي الباشا.
- اذهب ونم لتقدر على الحراسة هذا المساء.
- أمرك، يا سيدي الباشا. بعد أن أرافق الزوار إلى مكتبك، يا سيدي الباشا.
- سأذهب إليهم بنفسي، يمكنك الذهاب.
لم يتحرك. سار إسماعيل خطوتين، والتفت إليه: لم يزل منتصبًا في حالة استعداد.
- لماذا لم تذهب؟
- سأذهب، يا سيدي الباشا.
ألقى عليه نظرة قبل أن يدخل: بقي في حالة استعداد. عندما دخل إسماعيل، وغاب عن عيني الحارس، تراخى هذا الأخير، وتثاءب بقوة. فطن فجأة، وأوقف تثاؤبه، وهو يتلفت حوله. لم يره أحد: فغر فمه متثائبًا من جديد، دون مبالاة هذه المرة، وأخذ يجر نفسه جرًا إلى الخارج.
دخل إسماعيل، فنهض الرجال الثلاثة واقفين.
- تفضلوا بالجلوس، يا سادة.
ثلاثة إنجليز من كبار موظفي الانتداب: بدلات سوداء، أربطة عنق سوداء، قبعات سوداء، حقائب سوداء، أحذية سوداء. جلسوا، وبقي إسماعيل واقفًا.
قال أحدهم:
- يعتذر مستر كلارك عن عدم استطاعته الاستجابه شخصيًا لدعوتكم، لأنه بمعية شخصية هامة وصلت البلاد مؤخرًا. ومن ناحية أخرى، نظرًا لما وصفتموه بالحالة الخطيرة، كلفنا المندوب السامي نفسه بمقابلتكم بعد أن حملنا للباشا تحياته الودية. نحن في خدمتكم، يا سيدي.
قال إسماعيل بهيئة متعالية:
- كنت قد طلبت منكم سحب قواتكم تمامًا من أراضينا ليشعر الفلاحون بالأمن في بيوتهم، انسحبتم، ولكن الذي حصل أن الخواجا داوود وزمرته قد أخذوا مواقع جنودكم، واحتلوا الأراضي بقوة السلاح.
تقدم منهم:
- إنه إنذاري الأخير: إذا لم يعمل المندوب السامي على عودة الخواجا داوود وزمرته إلى مواقعه، استرجعنا أراضينا بقوة السلاح. يبدو أن هذه هي اللغة الوحيدة التي يُصْغَى إليها هذه الأيام، وتسمح لصاحبها بالاحترام.
- لا داعي للانفعال، يا باشا، خوفًا من تعقيد الأمور. سنحقق في الأمر، ونحن على يقين من أن اتصالاتنا السليمة ستكون مثمرة. إن التعقل والتبصر ضروريان، وما نطلبه منكم أن تعطونا الفرصة لحل المشكل على طريقتنا. كانت ثقتنا عظيمة بوالدكم، رحمه الله، وهي مشاعرنا ذاتها تجاهكم. كانت احتراماتنا عظيمة لوالدكم، وهي نفس احتراماتنا لكم. مبدؤنا التفاوض المتبادل من أجل التفاهم المتبادل.
قال الباشا إسماعيل:
- سأترك لكم الوقت لاتصالاتكم السليمة، ولكن دون إطالة، إلا أن عليكم اعتبار إنذاري قائمًا دومًا.
وأنهى:
- أبلغوا المندوب السامي أن العمال والفلاحين ثائرون لاستلاب أراضيهم، وهو يعلم تمام العلم ماذا تعني هذه الثورة. تستطيعون الانصراف، يا سادتي.
تقدم أمامهم بخطوات سريعة نحو باب مكتبه، وتركهم يقطعون الردهة وحدهم إلى الباب الخارجي، ويركبون السيارة الرسمية السوداء التي أقلتهم إلى القصر دون أن يشيعهم أحد.
* * *
انطلقت هتافات قوية من حناجر العمال والفلاحين، وانصبت جماهيرهم الغاضبة في ساحة القرية. ارتفعت القبضات، واهتزت فوق الرؤوس، بينما علا صوتا الأسطى حسن وإسحق بين هدير الحناجر. لا للاحتلال! نعم للاستقلال! الموت لليهود المجرمين! الموت للإنجليز المستعمرين! الموت للخونة... ولبائعي الأرض! السلاح للشعب! النصر للشعب! والهدير الهائل يتصادى في أنحاء القرية. نزل الجنود الإنجليز من مرتفعات القرية، مع فرسانهم ومشاتهم، وأطلقوا النار، فسقطت الأجساد على الأرض، وجرت السيول الحمراء، وعلى الرغم من كل شيء، استمر هدير الحناجر، وعلى الرغم من كل شيء، استمر عصف الرياح. كانوا عزلاً من غير سلاح، فتعوضوا عن السلاح بالحجارة، وتعوضوا عن السلاح بالفؤوس، من أجل الدفاع عن الأرض والحرية، وبفضل عطر الدم قاوموا.
* * *
عاد إسماعيل إلى الطاولة القصيرة، وتناول سيجارة. سحب نفسًا سريعًا، ثم آخر، وخرج. بدت سارة كالتمثال في الردهة الحمراء، وفجأة، دبت فيها الحياة، وسارت باتجاهه.
- هل ذهب زوارك؟
سحب نفسًا سريعًا.
- ذهبوا.
توقفت قربه:
- أنت ماضٍ حتى النهاية؟
أنعم فيها النظر:
- ماذا تقصدين؟
قال سارة:
- عندما كان الخواجا داوود يلتقي أباك كان يغدو كالذبابة!
- أنا ماضٍ حتى النهاية.
- وهل ستكون لك، هذه النهاية؟
سحب نفسًا سريعًا، ثم سحق السيجارة في منفضة. انتظرت جوابه، لكنه بقي صامتًا.
- لأنك وحدك؟
- البيك معي.
- الأخ العدو.
- نحن على حافة الهاوية!
أنّت، وانعطفت على نفسها، وهو يغرق في التفكير:
- لم يكن الفلاحون على ثقة بأبي.
- لكنها كارثة للجميع!
- لهذا السبب أيضًا.
- يجب عليك أن تفعل شيئًا، على أي حال.
- فكرت أن أوزع أراضيّ فيما بينهم.
- أنت مجنون!
- لا.
صب لنفسه خمرًا، وبسرعة أخذ جرعة.
- هكذا سيدافعون عن أراضيهم.
ضحكت:
- أية دعابة!
أجاب بهدوء:
- في المحنة لا أجد حلاً.
- أنت مسالم منذ نعومة أظافرك.
- ليس هذا هو السبب.
- ربما أردت اللجوء إلى كوخ مهجور على طرف البحر.
- أحب البحر كثيرًا.
اقترحت سارة فجأة:
- لنرحل.
قفز عليها بسُعر:
- أنت مجنونة!
- نعم.
وهو يغلي من الغضب:
- لا تفكري في هذا أبدًا.
قالت:
- فلم يبق لي أي شيء.
جاءت هاجر، وهي تجذب الكلب من طوقه، وتقفز على الدرج معه. نظرا إليها، والكلب يجذبها، يريد لقاء سيده:
- انتظر، يا سهم! قليل من الصبر!
قفز على صدر إسماعيل، وإسماعيل يداعبه من عنقه، ويلاطفه. هبط الكلب مفتتنًا في اللحظة التي سألت فيها سارة ابنتها:
- إلى أين أنت ذاهبة به؟
أجابت هاجر بنعومة:
- إلى الحديقة. يجب أن يتنفس بعض الهواء. هل تسمح، يا باشا؟
- هل تعرفين الحديقة؟ الحديقة كبيرة، منتزه.
- لا.
قالت سارة:
- لم تخرج هاجر منذ وصولها.
قال إسماعيل لهاجر:
- سنذهب إلى الحديقة معًا؟
ردت بحمية:
- هذا أحب ما عليّ، يا باشا.
استدار إسماعيل نحو سارة:
- ليس من أجل الكلب فقط، بل من أجلها أيضًا، ومن أجلي. سنتنفس بعض الهواء.
قالت سارة:
- نزهة طيبة، يا باشا!
فتح لهاجر يده، فرمت فيها أصابعها. جذبت الكلب من طوقه، وخرج ثلاثتهم. أما سارة، فقد اتجهت إلى الحجرة التي تلزم مرجانة الفراش فيها.
- سيدتي!
تحاملت مرجانة على نفسها محاولة النهوض، فزلق الغطاء كاشفًا عن نهديها.
- ابق كما أنت.
ربتت سارة على كتفها بأطراف أصابعها، وباغتها وجوم مفاجئ. كانت مرجانة نصف عارية.
- كيف حالك؟
- أحسن، يا سيدتي.
جسَّت جبينها.
- لم تزل لديك بعض الحرارة.
- أنت وحدك، يا سيدتي، لا أحد يقوم على خدمتك.
- بلى، هل تأخذين الدواء بانتظام؟
- نعم، يا سيدتي.
- ستلازمين الفراش حتى تبرئي.
ندت عن مرجانة تأوهة، وسارة تداوم النظر إليها بوجوم، ثم استدارت نحو مدفأة الحطب:
- لماذا لم تشعليها؟
نهضت لتدفع حطبة بقدمها.
- لا أشعر بالبرد، لكنني أشعلها في المساء.
- يجب أن تعرقي. العرق يعجل بالشفاء.
- أمرك، يا سيدتي.
اقتربت سارة من النافذة: كانت الورود تملأ الحديقة، وفي الحديقة، كانت هاجر تطلق ضحكاتها العذاب، وتجري، بينما يتبعها الكلب، ويقفز بين ذراعيها. كانت نشوى رغم الغيم في السماء، وأشرعة الضباب في عيني إسماعيل.
- لماذا لا تلعب معنا؟
- لا رغبة لي في ذلك.
- أنت لست سعيدًا؟
ابتسم.
- تعال. هل آتي لآخذك؟
جاءت هاجر كنسمة المساء، وجذبته من ذراعيه.
- سنذهب إلى طرف الحديقة الآخر. هل نركض؟
كان مسحورًا، فلم يجب. أضافت:
- سنركض، واحد... اثنان... ثلاثة...
انطلق ثلاثتهم في عاصفة الورود، وعلت ضحكاتهم حتى براعم الأشجار.
* * *
حرك النسيم أغصان الشجرة، ففتح ماريك وموزارسكي عينيهما، وتمكنا من النزول بصعوبة. بكيا موت ماريشيا وبولينا، وتركا الجسدان الحبيبان وليمة للصقور. أقلتهما شاحنة إلى العقبة، ومن العقبة أبحرا إلى غرب جزيرة العرب. كان كل من قابلاه خلال بحثهما عن آثار غوليات وداوود يقول لهما: اذهبا إلى غرب جزيرة العرب، في غرب جزيرة العرب كل الآثار، في غرب جزيرة العرب كل الأسرار.
مضيا برعاة لا رأفة لهم، يفتحون صدور حملانهم الهزيلة، ويقتلعون طحالها وأكبادها وقلوبها، ويأكلونها نيئة. ومضيا بقبائل تنام وتنهض على المخدر إبرًا أو مسحوقًا أو تبغًا، يسيل من أنوف المدمنين الدم، ومن أفواههم الزبد، ومن فروجهم النفط، ويموتون دون أن يصلي عليهم أحد. كانوا يموتون كالكلاب، ويلقى بأجسادهم في المزابل. ومضيا ببرابرة من رجال الأمن، جراذين بين أيدي نسائهم، اللواتي ينزلن بهم أعظم العقوبات، ويعاملنهم بغطرسة وعنجهية. كن يذللنهم، وللتعويض عن ذلك، كان يستبد بهم الشذوذ، فيفعلون في كل من يقع فريسة بين أيديهم. ألقوا القبض على الصديقين بتهمة التجسس، وبدأوا بتعذيبهما تعذيب الهرعين، وفعلوا فيهما. لم يجرؤوا على قتلهما، فهما يبقيان بولنديين وليس حشرتين سعوديتين. رموهما في إحدى الطرق التجارية القديمة المندثرة التي قادتهما إلى ما بدل كل معتقد لديهما وخفف كل معاناة.
كانت آثار فلسطين الحقيقية كلها هناك، وآثار مصر الحقيقية، وآثار العراق الحقيقية، وآثار الجنة الحقيقية، وآثار الجحيم الحقيقية، وآثار كل ما جاء في التاريخ القديم الحقيقية، وآثار كل القصص الحقيقية، وآثار كل الحكايات الحقيقية، وآثار كل الأساطير الحقيقية. كان المرء هناك في قلب الماضي، وكان كل شيء ميت في السرد يعود إلى الحياة. كان المرء هناك في قلب الخيال، إذا كان من الممكن تسمية ذلك الخيال خيالاً وكل هذه الحقيقة التي لا تصدق.
قبل أن يفتحا قبور الأنبياء الثلاثة ليقفا على سرها، هبت الريح بسيل ماء عظيم أحمر يفصل مصر جزيرة العرب عن سيناء حزيرة العرب، ودفعت الماء في جَزْرٍ أبدى للسيل بطنه، فقطعه الصديقان كما قطع موسى البحر بشعبه. كانت بقايا الأهرامات لم تزل شاهدًا من خلفهما، وبقايا المعابد من أمامهما.
أشار بعض البدو المتوحدين إلى جبال السراة، وقالوا هذه سارة، وإلى وادي عدنة، وقالو هذه جنة عدن. استداروا باتجاه صحراء النفود، وقالوا هذه جهنم. وقبل أن يدلّوا الصديقين على سور القدس، قالوا عن بئر هذا إسحق، وعن المطر القليل هذا إبراهيم. ينكح المطر الجبل، فيفيض البئر، كانت تلك الصورة الشعرية لكل حكاية البشرية.
- إذن لن نجد رفات إبراهيم في قبر إبراهيم، قال ماريك وموزارسكي.
- بلى، أكد أبناء الصحراء، فقد صار هناك إبراهيم، الإبراهيم الأول قبل ملايين غيره، بعد أن صارت الحكاية.
فتحا قبر البطريرك، ووقفا على سره، كانت رفاته هناك. وكذلك فعلا بقبر يعقوب، ووقفا على سره، كانت رفاته هناك. أما المسيح، فلم تكن رفاته هناك. كانت هناك بقايا سور القدس، وكان هناك قبر المسيح، ولم تكن رفات المسيح هناك. كشف البدو المتوحدون سر الأسرار، فقالوا:
- جاء الكهنة الهنود، وقالوا عن المسيح هذا ولدنا الذي كرهناه في حياته لكثرة ما أتعبنا بأسئلته، وأحببناه في مماته لكثرة ما أراحنا برسالته. فتحوا قبره، وأخذوا رفاته، رفات المسيح في الهند.
* * *
قال الأسطى حسن:
- رغم قمع الإنجليز، فإن قريتنا ما زالت صامدة. وأعلمك أننا وضعنا يدنا على الشخصية الهامة التي وصلت البلاد منذ يومين، واستطاع مستر كلارك الإفلات بأعجوبة.
تلهب وجه إسحق، ولم يفه بكلمة. قال الأسطى حسن:
- أنا متفائل. سيكون النصر حليفنا.
سأله ببشاشة:
- وأنت؟
قال إسحق:
- يجب علينا مهاجمة الخواجا.
- جئتك من أجل هذا.
- يجب تكريس كل قوانا للتغلب عليه.
- ولاقتلاعه.
- يجب العمل بسرعة قبل فوات الأوان.
قال الأسطى حسن بابتسامة خفيفة:
- قررنا أن نتركك تذهب هذا المساء لإحضار السلاح.
أشرق وجه إسحق بالنور.
- هل أذكرك بالتعليمات من جديد؟
- أحفظها عن ظهر قلب.
- هل وجدت الرفيقة؟
- وجدت.
- هل تثق بها؟
- نعم، أثق بها.
- حسنًا. وجودها إلى جانبك يبعد انتباه دوريات الليل. سأذهب.
سأله إسحق:
- متى نبدأ التحرك؟
- مع هبوط الليل.
شيعه بناظره حتى اللحظة التي قطع فيها أرض عواد، واختفى وراء الأشجار البعيدة.
* * *
طرح الأسطى حسن عليهم السلام، فردوا بصوت واحد. أخذ مجلسًا على التراب تحت شجرة الزيتون، وقال بصوت عال:
- حانت ساعتكم، يا جماعة.
فتح ابن السيد عينيه وأذنيه بانتباه، وهو يتقدم برأسه.
- قررنا أن نبدأ عملياتنا ضد الخواجا وزمرته هذه الليلة.
ظلوا صامتين.
- سنتسلل إلى مستودعات الذخيرة، وسنقوم بنسفها.
فتحوا أعينهم، وقلوبهم تضرب. تناول الأسطى حسن غصنًا يابسًا على مقربة منه، وتابع:
- سيأتيني ابن السيد عند منتصف الليل كي ينقل معي الديناميت، بينما أنت، يا كنعان، وأنت، يا ميشيل، ستنتظران مقدمنا على التل الشمالي، هنا، تحت شجرة الزيتون هذه.
نظر في عيونهم للحظة ليرى إذا ما كان أحدهم يريد استفسارًا، ولكنهم لم ينبسوا بكلمة. نهض الأسطى حسن، وهو يحتفظ بالغصن اليابس في يده دومًا:
- يجب ألا نبقى طويلاً معًا. السلام عليكم.
وذهب مثلما جاء.
* * *
قال ابن السيد للخواجا، وهو يرتعش من الخوف:
- سيكون لقائي بالأسطى من أجل نقل الديناميت عند منتصف الليل، وبعد ذلك، سنذهب إلى لقاء الآخرين على التل الشمالي.
نبر الخواجا:
- هؤلاء الإنجليز، أبناء الكلب! لم يفتحوا عيونهم جيدًا، فتركوا السلاح يتسرب إلى يدي الأسطى والمخربين أشباهه. حقّاً، هم شددوا إجراءات الحظر والتفتيش، لكن ذلك لم يكن كافيًا.
سكت قليلاً، وسأله:
- أتعرف من أين أتى الأسطى حسن بالديناميت؟
راح السيد يصب عرقًا، وهو يواصل الارتعاش:
- لا أعرف. من الثوار، على التأكيد.
- كلهم سواء، كلهم واحد. ولكن، المصدر الرئيسي، وكيف؟ أنت لا تعرف طبعًا، يا صغيري.
أوقف ابن السيد ارتعاشه، وقال:
- أطلب اللجوء إلى مزرعتك، يا خواجا.
- لماذا؟
ابتلع ريقه بصعوبة:
- سيكتشفون أمري، هذه المرة.
أجاب الخواجا:
- سنفكر في ذلك فيما بعد. أما هذا المساء، فاعمل على الذهاب إلى موعدك مع الأسطى.
مسح عرقه بأصابع راجفة، وتمتم بين شفتين منقبضتين:
- طيب.
طبطب الخواجا على ظهره:
- أنت مخلص لنا، يا ابن السيد، ولسوف نكافئك أحسن مكافأة.
وصرفه.
* * *
كان الليل المتساقط شديد الحلكة، مما سهل التفاف إسحق وبسمة من حول الصخور، وتجنب الفرسان الإنجليز الذين أشعلوا نارًا، وضعوا فوقها إبريقًا، وتغطى اثنان أو ثلاثة منهم بالبطانيات.
كان على إسحق وبسمة أن يذهبا إلى الهضبة الأخرى، وها هي ذي معه، رفيقته بسمة، في ثوب القرية، وشبشب المطاط. كانت النسمة رطبة، والطبيعة العظيمة هادئة. فكر إسحق في المهمة التي كلف بها، في سلاح الحرية، في القرية، وقال لنفسه: حتى ولو بدت الطبيعة عظيمة... فهي تخر طائعة لإرادة الإنسان. التفت إلى بسمة، وابتسم في الليل، وابتسمت بسمة في الليل بدورها، مما بعث في قلبه الثقة بنجاح المهمة.
* * *
تجاوزت ساعته منتصف الليل، فتسلل القلق إلى قلب الأسطى حسن، وراح في ذهاب وإياب: لم يأت ابن السيد بعد! ربما حصل له مكروه! لم يحدث أن تأخر أبدًا من قبل! لم يكن من الممكن تأجيل العملية. ثم، كان ميشيل وكنعان بانتظاره. نظر إلى ساعته من جديد. منتصف الليل وثلاثون دقيقة. تقدم من البئر بخطوات عجلى، وسحب الدلو: صندوق مليء بالمتفجرات، وآخر بالقنابل اليدوية. حملهما، وشق الحقول إلى شجرة الزيتون. لم يكن أحد هناك.
أطل الأسطى حسن من فوق التل الشمالي، فخرجوا بأسلحتهم من بطن الليل، وألقوا القبض عليه. رأى ميشيل وكنعان، وهي تشد فمهما ويديهما من الوراء حبال ليفية، فسقط عليه الأمر كالصاعقة: لم يتوقع أبدًا خيانة ابن السيد.
* * *
فجأة، ارتجفت سارة، وصاحت في وجه إسماعيل:
- هل هو الخمر الذي يبعدك عني؟ هل هو الذي يمدك بالقوة على مقاومتي؟
تهدجت، وأنّت:
- أحبك! أضحي بروحي لك!
قفزت نحوه جاذبة من ذراعه:
- اذبحني، شنع بي، أنا عبدتك! افعل بي ما تشاء!
غطت يده بالقبلات، ثم خرت على قدميه. زحف بكأسه حتى حافة السرير مثقل الرأس والجسد، كقطعة إسفنج نقعت في النبيذ. سعل ببطء، وقال لها بصوت منهك:
- عودي إلى فراشك.
رمت سارة شعرها إلى الوراء، وتقدمت من إسماعيل ببطء. وقفت قبالته، وقد أعياها التوسل. لم تكن تريد الذهاب، فقفز، وصاح بأعلى صوته:
- عودي إلى فراشك.
وأطبق فمه بعياء.
انسحبت ببطء، وغادرت الحجرة. رفع الكأس بين أصابعه المشلولة، وأخذ جرعة صغيرة. كأنما نزلت به فاجعة. ضاقت عيناه الحمراوان ليمنع دموعه، وأزاح رأسه بصعوبة. جاء صورة أمه زاحفًا، وهمهم: اخرجي من قبرك وتعالي. تعالى لإنقاذي. أنا ولدك الوحيد، وأنت أمي الوحيدة! لكن غناء هاجر قطع تأمله:
وعدتني أن تعود
فأتى الليل على بابي
وحدي أسهر في الليل
تعالوا يا أحبابي!
سمرته الكلمات. كانت سارة تروح وتجيء في حجرتها، وهي تمزق منديلها. تروح وتجيء. أخرجت خمرًا وكأسًا ونارًا وسجائر. ابتلعت الخمر للمرة الأولى بقرف واشمئزاز، وكذلك الدخان. تابعت عيناها الغيمة حتى السقف، وابتعد الليل كثيرًا. أصبحت نشوى! تدخن، وتشرب، وتفكر في جسدها الجميل المهمل، وفي انتقامه منها. كانت بحاجة إلى جسد يعذبها متعة. فجأة، غدت على هذه الفكرة دميمة. اتجهت نحو النافذة، فتحتها، واسترقت النظر: كان الحارس جامدًا كالعارضة. أخفت نفسها وراء الستارة بسرعة، ودفعت خشب النافذة بقوة، فرفع الحارس رأسه.
سألته بهيئة متعالية:
- ماذا تفعل هنا دومًا؟
بدا صوت الحارس محزنًا:
- أقوم بالحراسة، يا سيدتي.
تصنعت الدهشة:
- بعد انسحاب الجنود الإنجليز؟!
- أوامر الباشا إسماعيل، يا سيدتي، خوفًا من أن يأتي اليهود، ويحتلوا القصر.
بقيت تنظر إليه، وقد غابت قليلاً.
- هل من خدمة أقدمها لك، يا سيدتي؟
ردت بحدة:
- لا.
ثم أردفت في الحال:
- بلى. اصعد إلى حجرتي.
صعد الحارس إلى الحجرة مبهوتًا، وفي ذات الوقت مبهورًا. كانت تنتظره، وهي تستلقي، نصف عارية. هل يحلم؟ هل أصابها الجنون؟ هل أصابه الجنون؟ ماذا يفعل هنا؟ ها هي ذي سيدة القصر تستلقي في مخدعها الوثير، نصف عارية، مستعدة لاستقباله! أنزل بندقيته عن كتفه، وهو يفغر كالأبله فمه، وترك طاقيته تزلق عن رأسه. تعرى، واقترب ببطء، ثم بسرعة، وقهر الساق التي تقهره.
* * *
وصل إسحق وبسمة إلى الهضبة. كان الليل يترامى على مساحات شاسعة معشبة، وكانت الصخور رطبة تحت قطرات الندى. تمكنا من الوصول دون خطر بعد أن تسلقا الدروب الوعرة، وبقيت بسمة صامتة طوال الوقت، صامدة طوال الوقت، تجيبه إذا سأل، ولا تفوه ببنت شفة. كانت تأنس إلى أنفاسه، فتطمئن، أمسك بذراعها عدة مرات ليساعدها على التسلق.
غاب إسحق قليلاً ثم عاد قربها بعد أن راد المكان، فوجدها تقف كالشجرة. قال لها:
- من المفترض أن يأتي أحدهم إلينا.
- هل هو الوقت؟
- لقد تأخرنا قليلاً.
- لو أتى لانتظرنا.
- أكيد أنه في الطريق.
- أكيد.
- سننتظر.
اقترب من حجر، وجلس.
- لماذا تظلين واقفة؟
جلست أمامه، بصمت، وخفضت عينيها.
- تشعرين بالبرد؟
نفت بهزة من رأسها.
لكن إسحق أكد:
- أنت تشعرين بالبرد.
مد حطته إليها:
- لفي كتفيك.
رمته بنظرة حنان، وتناولت الحطة. قال لها:
- هذه من حياكة الأسطى.
ابتسمت.
خطوات. اتجه إسحق نحوها تتبعه بسمة. توقفت الخطوات. انزرع رجل يتقلد سلاحًا بين الصخور. كان يرتدي ملابس ثخينة، طلب بحذر:
- كلمة السر.
قال إسحق:
- ثلاث تفاحات في سلة.
اقترب الرجل منهما، وقال باطمئنان:
- أهلاً وسهلاً! هل صادفتكما صعوبات في الطريق؟
كان أسمر الوجه، شديد السمرة، وكانت بسمته فضية.
- أخذنا طريقًا وعرة، فلم نصادف أية دورية.
- أنتما تعبان ما في شك.
سارع إسحق إلى القول:
- لا، نحن لا نشعر بـ...
توقف فجأة ناظرًا إلى بسمة، فابتسمت:
- نحن لا نشعر بأي تعب.
ذهبا مع الرجل الذي أكد:
- أنتما تعبان.
تأملهما قليلاً قبل أن يضيف:
- ستظفران ببعض الراحة.
أخذوا طريقًا تنعطف فوق الهضبة دون أن ينبسوا بكلمة واحدة، إلى أن وصلوا إحدى الصخور التي لاحت عليها بعض البنادق المتلألئة. رفع الثائر يده، وصاح:
- هذا أنا.
اقتربوا من آخر يقف على الصخرة، وهو يلف رأسه وعنقه بوشاح صوفي. نزل اثنان آخران، وقلّبا النظر في وجهي إسحق وبسمة. وما أن اجتازوا الصخرة قليلاً حتى طالعهم المعسكر: خيمات هنا وهناك غطيت بالأغصان، موقد مطفأ علق فوقه بواسطة عيدان ثلاثة قدر أسود، بعض الخيول والبغال، بعض براميل الماء، بعض أكياس الرمل، وثوار يتمددون على الحشائش. وقف بهما الرجل أمام خيمة، وقال:
- ستنام الأخت تحت خيمة النساء.
ما أن أنهى جملته حتى خرجت من الخيمة امرأة ذات جديلتين ترتدي ثوبًا طويلاً أسود. قال الرجل:
- هذه معلمتنا عائشة. جئتك بضيفة.
رحبت عائشة بحرارة:
- أهلاً وسهلاً!
أضاف الرجل:
- بفضلها حولتني من رجل أمي وجاهل إلى آخر يعرف القراءة والكتابة.
أطلقت عائشة ضحكة مديدة.
وبسمة تنحني لتدخل الخيمة، تبادلت مع إسحق ابتسامة سخية، والرجل يقول لهذا الأخير:
- أنت، تعال معي... ستظفران ببعض الراحة، وغدًا ستنقلان السلاح.
استعاد إسحق ابتسامة بسمة الألقة، وهو يسير قرب الرجل والبندقية. وهنا، أحس إحساسًا حقيقيًا بكونه بين ذويه.
* * *
سارت السيارة السوداء الرسمية في ساحة القرية، باتجاه الزقاق المؤدي إلى المصبنة. كانت أزقة القرية رمادية لا قدم فيها، وكان الطقس باردًا. على باب المصبنة، وقفت سيارة إسماعيل المكشوفة، وجلس زغلول على العتبة. كان أحدهم ينقل قِرَبَ الزيت من المعصرة إلى المصبنة، وعندما توقفت السيارة السوداء الرسمية وقف زغلول. هبط أحد الرجال الإنجليز الثلاثة الذين كانوا في زيارة إسماعيل بالأمس، بطاقمه الأسود ورباط عنقه الأسود وقبعته السوداء ومحفظته السوداء، واتجه بصحبة زغلول إلى المكتب: اثنان أو ثلاثة يطبخون الصابون، والنار قوية في الفرن. رمى الرجل النار بنظرة قبل أن يدخل، فبهره لونها الأحمر.
وهو يتقدم من إسماعيل، قال:
- للباشا تحيات المندوب السامي الودية، وبالمناسبة، اعتذارات مستر كلارك لعدم تمكنه من الحضور؛ فهو يستعد للرحيل نهائيّاً إلى الخليج.
كان الرجل يتكلم بنبرة مجامَلَة مفرطة. أخذ مجلسًا، دون أن يفكر الباشا إسماعيل في التحرك.
- ما أحمله من أخبار ممتاز، يا باشا! أنهينا انسحاب قواتنا، ليس فقط من القرية، ولكن من مشارفها، طبقًا لأوامركم. بالنسبة للاتصالات التي قمنا بها، قررنا أن يقف الخواجا داوود عند المواقع التي وصل إليها، بانتظار أن تحلوا المشكل فيما بينكم سلميّاً. أبلغناه أنه حتى ولو انسحبت قواتنا، فإنها جاهزة للتدخل عند الطلقة القادمة. الحل الوحيد والمعقول أن تلتقوا في أقرب فرصة، هكذا تضعون حدًا لحالة العداء هذه التي انفجرت فجأة، وستعود الأمور إلى مجراها الطبيعي. هذا ما يراه السيد المندوب السامي من حل مناسب وواقعي.
أعاد إسماعيل ببسمة متهكمة:
- مناسب وواقعي!
- لا فائدة من شحن جو الحرب هذا.
نبر إسماعيل:
- يجب أن ينسحب الخواجا خلال الأربع والعشرين ساعة القادمة. إنه إنذاري الأخير.
نهض مبعوث المندوب السامي، وهو يقول:
- سأنقل موقفكم إلى المندوب السامي.
- وبلهجة مشددة.
- حسنًا، يا سيدي.
وخرج.
* * *
قال مأمور المخفر:
- اطمئن، يا سيدي الباشا إسماعيل، سنلحق بالخواجا هزيمة ساحقة. سوف أعد رجالي، وسنزحف بأسلحتنا، ما أن تأمروا بذلك، لتحرير الأرض. سنحطم الخواجا برمش عين! أنا، يا سيدي الباشا إسماعيل، ذو خبرة عسكرية عريقة، شهد لي بها أبوكم الباشا إبراهيم، رحمه الله وطيب ثراه. كنت جنديّاً شجاعًا في صفوف الجيش التركي تخشى صولته الأعداء، اطمئن، يا سيدي الباشا إسماعيل، سنسحق المعتدين.
* * *
قال المختار:
- سأهيء نفسية الناس ليتبعكم الجميع، يا سيدي الباشا إسماعيل، أنا خادمكم المخلص. ولسوف يلتف كل الفلاحين من حولكم، فجميعهم يستنكرون هذا الاعتداء الجبان. كنت أعرف أن هذا الخواجا رجل طماع وشرير.
* * *
قال شيخ الجامع:
- ستكون حربًا مقدسة على الأعداء، وسنقيم الصلوات من أجل النصر المبارك. نصرك الله، يا سيدي الباشا إسماعيل، نصرًا مبينًا، وسدد خطاك! وسامحك الله، يا سيدي القاضي! فلو لم تختف فجأة، لشاركتني مهمة الدعوة والتبشير بالجهاد الأعظم.
* * *
قال البيك:
- وصلتني كمية من الأسلحة المصرية، صحيح فاسدة وغير قابلة للاستعمال، ولكن سيبعث لنا بعض معارفي في شرق الأردن والعراق عددًا من المتطوعين البواسل. ستمتد الحرب على كل شبر من تراب الوطن، وستكون حربًا عربية قومية.
* * *
قال كاتب الباشا إسماعيل:
- هرب مأمور الخزنة، وفي حوزته ألف ليرة. إنه لعمل شائن، شائن، يا سيدي الباشا إسماعيل، خاصة في هذا الزمن الصعب! سأتولى، إن أمرتم، مسؤولية الخزنة إضافة إلى مسئولياتي الأخرى، وليكن الباشا إسماعيل مطمئنًا، سأتصل بتجار السلاح من أجل صفقة جديرة بحرب مشرفة.
* * *
أحضر القهوجي فنجان قهوة للسيد لطفي، وضع الفنجان، فرماه السيد لطفي بنظرة عاجلة، وسأل:
- ما لك زعلان، يا أبا الملاك؟
لكن الآخر ابتعد بعصبية.
- يا أبا الملاك!
توقف.
- ما لك زعلان؟
تدخل صاحب المقهى:
- أهذا سؤال يسأل، يا سيد لطفي؟ نحن في الخراء حتى عنقنا!
كانت المقهى فارغة على التقريب، وكان هناك اثنان يلعبان النرد في طرف، وأربعة صامتون في طرف آخر. نام أبو الكسيح في القش، واختفت شلة الصعاليك. بقي السيد لطفي يحاصر القهوجي بالسؤال:
- أسألك أنت، يا أبا الملاك، ما لك زعلان؟
احتد القهوجي:
- أما سمعت ما قاله المعلم لك؟ نحن في الخراء حتى عنقنا!
شرب السيد لطفي قهوته، وأطلق نفسًا عميقًا، ثم راح يردد:
- باعونا، يا أبا الملاك! باعونا!
تدخل صاحب المقهى من جديد:
- من تقصد، يا سيد لطفي؟
- أقصد الكبار والصغار، السادة الكبار الذين قبضوا، والعبيد الصغار الذين هربوا.
واهتاج:
- الذين باعوا أراضيهم لأجانب اليهود وهربوا! الذين باعوها للقرود كي ينفذوا بأرواحهم سالمين! أفهمت عم أتكلم؟
تثاءب القهوجي، وقال:
- كلنا يعرف القصة.
تقدم فلاح من السيد لطفي:
- كلنا يعرف القصة، سلم الله فمك، يا أبا الملاك!
أحنى السيد لطفي عنقه، وقال للفلاح ساخرًا:
- أنت أيضًا، ستخاف يومًا، عندما تشعر بالخطر.
اضطرب الفلاح:
- أنا!
وراح يدلي بالأيمان المغلظة:
- أقسم بالله العظيم أني لم أفكر في هذا يومًا واحدًا، ولن أفكر فيه أبدًا حتى والرصاص يخترقني. أنا أعبد أرضي، وأنا صادق.
استمر السيد لطفي ساخرًا:
- اليهود ليسوا الإنجليز. جاؤوا ليقتلعوك، ويزرعوا أنفسهم مكانك. هذا هو هدفهم الجهنمي.
قال الفلاح بإصرار:
- أنا لن يقتلعوني، يا عم! الأرض أرضي، وسأبقى هنا ما بقيت حيّاً!
أمسك السيد لطفي بآخر كلماته:
- هذا إذا ما بقيت حيّاً.
والفلاح بتحد:
- فليأتوا إذن لقتلي!
أجاب السيد لطفي:
- إذا بقيت في خراك، أتوا لسحقك كالذبابة!
ثم أعطاه ظهره دون أن يهتم بمشاعره. شرب قهوته، ولحوس شفتيه، ثم قال كمن يحدث نفسه:
- كنا متساهلين منذ البداية!
استشاط الفلاح: أما الذين باعوا الأرض، فهم جبناء!
وافقه السيد لطفي بجفاف، وهو يعطيه ظهره دومًا:
- سلم الله فمك! جبناء... جبناء وخونة!
دخل المختار بصحبة السمسار وشيخ الجامع، فدار الحديث حول الذين هربوا، والذين بقوا، الذين باعوا، والذين رفضوا، عن الجهاد الأعظم، ومعركة التحرير والشرف. وبينما هم مندمجون في لغوهم، انتحى السيد لطفي بالسمسار جانبًا، وقال له:
- كلام في سرك، يا سيدي السمسار.
- في بئر عميق، يا سيد لطفي.
- الحال عسير وأنا في عسر!
- هذا واضح.
- وأنا فلاح أبًا عن جد. الأرض التي ألقاها أفلحها، وأجعلها خضراء بالزرع.
- فلاح أصيل وابن أصيل!
- أراضي الله واسعة، ودنيا العرب واسعة.
- آه ما أوسعها من دنيا!
- أقول... أرض على ضفاف بردى فيها النعيم.
- آه يا أرض الشام! يا دوحة من الجنان!
- ما رأيك؟
- في ماذا؟
التفت يمنة، والتفت يسرة، وخفض صوته:
- كلام في سرك دومًا، يا سيدي السمسار.
- قلت لك في بئر عميق، يا سيدي السيد لطفي.
- ما رأيك لو بعت الأرض؟
أبطأ في الرد قليلاً، وهو يجري حساباته، ثم:
- أرضك غالية وأنت أغلى، يا سيد لطفي.
- سقيتها بالعرق، وبنيت فيها السلاسل.
- سنجد من يدفع للغالي الثمن الغالي.
- بسرعة.
- مستعجل على فراقنا، يا سيد لطفي؟
- الفراق صعب، لكنني سأعود ما أن تحررنا الجيوش العربية.
- أية جيوش عربية، يا سيد لطفي؟ لا سلاح عندها ولا إرادة وقياداتها كلهم خونة.
- خونة أم غير خونة، قال لنا الرؤساء العرب روحوا، إذن سأروح. هم قالوا لأسبوع، لكنني أنا، طوال عمري حذر ابن محاذر.
- أمرك، يا سيد لطفي.
- ثم، هنا أو هناك... أينما حللت، أنا فلاح.
- نعم مقامك أينما حللت.
- المثل يقول: ابعد عن الشر وغنِّ له.
- وأي شر! وأي شر!
- أوكلك بالأمر، عساك أن تحله بسرعة.
- توكل على الله، يا سيد لطفي.
- أرضي غالية.
- والثمن غال.
- كلام في سرك.
- في بئر عميق.
* * *
سأحفظك من الشر، وأحميك... يا أرضي! سأبعد عنك العار، وأرويك... يا أرضي! عهدي معك أن أبقى وفيًا لك. لا يفنى عهدي معك. عهدي معك أن أبقى حبك... يا أرضي! وإذا حاولوا سحتك من عيني، سحت من عيونهم نور العين. وإذا حاولوا سحتك من قلبي، سحت من قلوبهم خفق القلب. وإذا حاولوا سحتك من دمي، سحت من دمائهم لون الدم. وإذا حاولوا سحتك من رئتيّ، غرست في حلوقهم سكيني، وتنفستك، يا حبي، وشققت أثلامك في لحمي.
رفع أبو بسمة فأسه وأهواها. كان يحفر خندقًا حول الأرض. ترقط جبينه الكهل بالعرق. وكان فلاحون آخرون يحفرون الخنادق حول أراضيهم المجاورة. نصب أبو بسمة قامته، مسح بكمه العرق عن جبينه، وراح ينظر إلى متاريس العدو في الطرف الآخر. ارتعش جفناه، تغضنا، ثم انبسطا. يجب أن يحفر كي يدافع عن الأرض، ويحميها. رفع الفأس، وأهواها.
* * *
جذبت صفوريا ستارة الخيش، أطلت يمنة، وأطلت يسرة. عندما لم تجد عابرًا واحدًا في الطريق، اختطفت القدم صوب إحدى التناكيات القريبة. كان أربعة أطفال شبه عرايا يجلسون على العتبة، ويعجنون الطين. في الداخل، كان أربعة أطفال شبه عرايا هم أيضًا يدورون بأم السعد: بعضهم يصيح، وبعضهم يضحك، وبعضهم يركض. كانت المرأة ترضع طفلاً لم يتجاوز العام. شكت صفوريا:
- حمام، يا خالة أم السعد! حمام!
أطلقت أم السعد صيحة مجلجلة أسكتت الجميع ما عدا واحد لم يتوقف عن الصياح، فالتقطت إحدى فردتي قبقابها، وقذفته بها:
- اخرس، يا عفريت!
لكنها لم تصبه. ضاعف الطفل صياحه، وقلده الكل، فشكت أم السعد:
- ماذا أفعل؟ أراد طه أن أبذر له كل هذا النسل!
ونبرت بحقد:
- فلتسعد حيث أنت في سجنك، يا طه، يا ابن الكلب!
جلست صفوريا قربها على الأرض:
- هدئي روعك. ستفرج.
لكن غضبها انفجر، وهاجمت أحد الأطفال:
- أوقف بكاءك وإلا فصصتك من زامورة رقبتك!
أوقف الصغير بكاءه دفعة واحدة، وبقي ينشق. عندما أنهمكت أم السعد بالحديث مع صفوريا، انفجر الطفل باكيًا من جديد.
لاحظت صفوريا:
- لقد هزلت كثيرًا، يا أم السعد!
- نعم، لقد هزلت كثيرًا!
قبضت على ثديها الطليق، وعصرته بين أصابعها بعصبية، وهي تقول:
- انظري! هاءنذا أعصره بكل قواي، ولا قطرة واحدة!
قلبت الرضيع، والحلمة في فمه، وصاحت:
- وهذا اللعين الذي يمتص دمي!
انفجر الرضيع باكيًا، فأخذت تهزه، وتشتم، وصفوريا تعمل على تهدئة الأم وابنها. قالت صفوريا:
- سيعود طه عما قريب، ليقيت الأطفال.
كشفت المرأة صدرها، رفعت رأسها إلى السماء، وأخذت ترسل الدعوات:
- إلهي يقطع رزقك، يا من قطعت رزقي! إلهي يذبح قلبك، يا من ذبحت قلبي! إلهي ألحق به أشد مكروهك، يا من كنت السبب! إلهي...
أطبقت فمها، وبدت أكثر هزالاً وبشاعة. حدقت في صفوريا:
- أتظنينني أؤمن أن إلهًا هناك؟
شهقت صفوريا:
- أستغفر الله العظيم، يا خالة أم السعد!
لكن الأخرى تابعت:
- إذا كان إله هناك، فليأت لنجدتي!
وصفوريا تستغفر وتستغفر. خلعت أم السعد خاتم الزواج، ورمته للفتاة:
- خذي، ولكن اعملي على إخراج طه من السجن. إنه خاتم زواج تعس، هذا كل ما أملك.
دست صفوريا الخاتم بين ثدييها، وقالت:
- اطمئني، الوعد أكيد. المصاغ مقابل إطلاق سراح المعتقلين، وها نحن قد جمعنا لكاتب الباشا بعضه.
علا صوت كاتب الباشا بين ضجيج الأولاد:
- يا صفوريا! يا صفوريا!
قالت صفوريا:
- ها هو.
ونهضت بعجلة. قذفت أم السعد بفردة قبقابها الثانية طفلاً آخر، وهي تشتم.
كان حماره يقف هناك، وكان كاتب الباشا يتقوس قرب باب صفوريا محاولاً رفع الستارة. عندما سمع خطواتها تأتي من ورائه، اعتدل، وتنحنح. أخفت صفوريا نفسها من وراء الستار، وفتحت عليه عينيها.
سأل كاتب الباشا:
- هل جهزت كل شيء؟
- جهزت كل شيء.
- إذن ما لك واقفة كالصنم؟ أسرعي بإعطائي المال والمصاغ، فالأمر عاجل.
بقيت لثوان تحدق في الشوك الذي يجتاح وجهه الماكر، ثم خفضت الستارة، واختفت. جذب حماره من رسنه، وتفقد الزقاق البائس بضيق. لم يزل أولاد أم السعد يعجنون الطين أمام بابهم.
رفعت صفوريا الستارة، وقدمت له أوراق النقد.
- هذا إيجار الأرض.
أخذ يعد أوراق النقد، وهو يلحس إصبعه، ويجعل نظراته تزلق في كل اتجاه. بعد أن انتهى، تنحنح، وانتظر.
قالت صفوريا:
- وهذا ما استطعت جمعه من أجل إطلاق سراح المعتقلين.
- هات!
حاول انتزاع ما أسال لعابه من مصاغ، ولكنها شدت يدها على صدرها، فضرب كاتب الباشا قدمه في الأرض، وهتف:
- ما هذه الألاعيب؟!
قالت صفوريا:
- من يضمن لي أنك ستفي بوعدك؟
اختلج:
- كلمة الشرف! الثقة، يا صفوريا! أم ما زلت غاضبة مني؟ نسيناها أيام زمان، نحن أبناء اليوم.
رجاها بدلع:
- هات، يا شيخة... هات!
وهي ترى أصابعه المفتوحة قرب صدرها، استولى عليها الشك، لم تكن تثق به، لكنها أعطته المصاغ:
- خذ.
تلقف الجواهر، وهو يطلق لهثات قصيرة، وبعد أن عاين القطع الذهبية، دفعها في جيب بنطاله، ثم امتطى الحمار، دون أن يفوه بكلمة واحدة.
* * *
اختطف ابن السيد قدمه، وهو ينظر خلفه. تحركت الأشجار في البيارة، فضاعف من سرعته. انبثق فلاحان من بين الأشجار، وتبعاه. عندما التفت، لم يجد أحدًا. اختفى الرجلان، لكن ابن السيد داوم على المشي بسرعة، وكذلك الفلاحان.
بدت لابن السيد مزرعة الخواجا داوود، فأخذ يركض. ركض الفلاحان قليلاً من ورائه، ثم توقفا. اجتاز ابن السيد مواقع العدو، فكمنا بانتظاره.
قاومت الشمس السحاب، وفي النهاية، استسلمت الشمس للسحاب.
سقط الليل.
من بعيد، جاء وقع خطوات خافت.
نهض الفلاحان بحذر، فرأيا شبح ابن السيد عائدًا من مزرعة الخواجا داوود، ورأيا رجالاً مسلحين، وهم في ذهاب وإياب، من وراء المواقع. كان من اللازم أن يتركاه يعبر. اختفى الفلاحان خلف الأشجار، وسمعا الخطوات المذعورة، وهي تدب على الأرض. مر أمامهما، فتبعاه، ثم انقضا عليه. كمماه، وعقدا يديه، وتحت تهديد مسدس صغير، صعدا به إلى الجبل.
* * *
ها هما يعودان بالسلاح، إسحق وبسمة. قطعا منتصف الطريق الوعرة، وكل منهما يسحب بغلاً ضخمًا يحمل بعض الصناديق. غطاهما الليل، وجعل الصمت لخطواتهما صدى. سيصلون مع الفجر. سيجمع الأسطى الفلاحين، وسيوزع عليهم السلاح الذي اشتروه بعرق سواعدهم ليدافعوا عن القرية. بعضهم باع محاصيله، وبعضهم باع حلى نسائه. ((كمية الأسلحة لا شيء بالمقارنة مع ما يملكه الخواجا داوود من عتاد، لكن إرادة الفلاحين من حديد للاحتفاظ بأرضهم واسترداد الحرية))، هذا ما كان إسحق يفكر فيه. كان همه الوحيد الوصول بسرعة. بقيت بسمة صامتة، كانت تفكر كما يفكر إسحق، وتقول لنفسها: يجب الوصول بسرعة. وعلى حين غرة، رفع إسحق يده، وأمرها بالوقوف. اقتربت بعض الأشباح من بعيد، فصعد إسحق وبسمة بالبغلين سفحًا صخريًّا بصعوبة، وكمنا من وراء الصخور. رأيا ابن السيد مكممًا معقود اليدين، وعرفا الرجلين الآخرين.
تدحرجت الحجارة مع إسحق، وإذا به أمامهم:
- إسحق!
لم يقل إسحق شيئًا. كانت تطحنه الدهشة على رؤية ابن السيد في تلك الحال.
أوضح أحد الفلاحين:
- باع الأسطى والآخرين، وها نحن نأخذه إلى الثوار ليحاكم.
مادت به الأرض: ابن السيد يبيع الأسطى! ما هو مصير الأسطى؟ لكنه بقي معقود اللسان لاستغرابه وغضبه.
تدحرجت الحجارة مع بسمة إلى أن وقفت قربهم. في الأخير، نطق إسحق:
- أين الأسطى الآن؟
- في أيدي الخواجا.
خفض ابن السيد رأسه، وهو يتوقع أن يلكمه إسحق. سأل أحد الفلاحين:
- هل الطريق خطرة؟
بقي إسحق يعقد بين حاجبيه، ويتأوه:
- اسلكا هذه الطريق الوعرة، إنها الأقل صعوبة.
أحس ابن السيد بالهوان تحت نظرة إسحق الذي قفز يتسلق الرابية. دق أحد الفلاحين ابن السيد في خاصرته، فاندفع إلى الأمام. نزل إسحق بالبغلين، فصعدت بسمة حتى منتصف الرابية حيث توقف أحد البغلين، وسحبته من رسنه. عندما اقتربت من إسحق، سألته:
- أليس هذا ابن السيد؟
هز إسحق رأسه.
- ألم يكن يعمل لكم؟
فتح عينين واسعتين:
- أكاد ألا أصدق!
أضاف بتأن: لقد باع الأسطى.
أزاح عينيه، وراح يسبر أغوار الليل:
- كان أشد الناس به ثقةً والتصاقًا.
* * *
قنديل معلق على شجرة، وعلى الحشائش فراء، وعلى الفراء هاجر، والكلب على مقربة منها. كانت تميل إلى جانب، وهي تداعب بأصابعها الحشائش، وكان الكلب لا يتحرك. كان إسماعيل يجلس على كرسي، وهو يرنو إليها... وكالكلب كان لا يتحرك. كانت النسمة باردة، وهما في ثياب الصوف، وكانت الأشجار في الحديقة تهتز مع الأنسام، والغيم يزداد كثافة. رفعت عينيها نحوه، وابتسمت. بقي صامتًا، وهو يرنو دومًا إليها، والجذوة الصفراء للقنديل تكسو وجهها.
* * *
كانت تلك كأسها الرابعة أو الخامسة، أطفأت سارة سيجارة، وأشعلت أخرى. نفختها بعصبية، ونهضت: في فوضي كان شعرها، دون عاشق، دون رُقاد، تائهة. كسرت سيجارتها في الصحن، وأشعلت الشمعدان. صعدت إلى حجرة إسماعيل المفتوحة على دفتيها دون أن تجده. ازدادت هيئتها بشاعة. عادت تهبط الدرج إلى حجرتها. جرعت كأسًا، وأخذت تروح وتجيء، وهي تغذ الخطى. أشعلت سيجارة ما لبثت أن سحقتها، ثم اتجهت إلى النافذة. دفعت خشبها بقوة، وبحثت عن الحارس بعينيها، فلم يكن هناك.
أحست بالجنون لها دنيا ومتاعًا.
هرعت تجري إلى الباب الخارجي، وأخذت تبحث عن الحارس. كان الليل شديد العتمة، والنسمة شديدة البرودة. طار ثوبها الشفيف، وهبت بها شهوة مدمرة. عادت إلى القصر، وهي تضرب الباب بقوة. تعالى صدى هائل في القصر، ففقدت رشدها، وراحت تعدو بين الأعمدة. أين يمكنه أن يذهب، هذا الحارس الخنزيز؟ ألم تعجبه مضاجعتها؟! أبطأت الخطى حتى جمدت. التفتت إلى الناحية التي توجد فيها حجرة مرجانة، وجعلت بابها يسيل بهدوء. مليون خيال أحمر: كانت ألسنة اللهب تفرقع في المدفأة. عندما دخلت، رأت مرجانة تنام عارية، وهي تدير ظهرها. يا إلهي! أهذه هي جهنم الآخرة أم جهنم الدنيا بكل ما فيها من عربدة ولذة وجنون؟ زحفت حتى رأسها، وراحت تتأمل جسدها الأسود الذي استرق لون النحاس. تبدلت صورة سارة تمامًا، وغدت امرأة مجنونة بالنار والنحاس، مجنونة برائحة الكافور والدمار. ذهبت إلى الناحية الأخرى للسرير، وسحبت أصابعها على ورك الخادمة، ثم على خصرها، ثم على نهدها، واقتربت بشفتيها لتقطف من شفتيها القبلات الولهى.
* * *
خلال ذلك، كان إسماعيل يداوم على الرُّنُوِّ إليها، وهي تبتسم، حتى غشى الدمع عينيه، لكنهما بقيا على حالهما حتى انطفأ القنديل.
* * *
ترك إسماعيل رأسه يسقط، وهو يطلق أنينًا مختنقًا. تحامل على نفسه، ورفع رأسًا منهكًا بين الظلال. سقطت الكأس من يده، وتحطمت، فنهض مثقلاً، مشعث الشعر، مكشوف الصدر. جاء البوفيه، وأخرج غليونًا صغيرًا حشاه بالحشيش، وراح يشربه بشراهة، وهو يسعل، حتى تخدر. قبل أن يتمدد، رفع عينين ذابلتين إلى صورة أمه التي تترنح ابتسامتها المحتضرة على طرف شفتيها.
* * *
اندفع الحصان الأبيض بعربة اللوكس الصغيرة، والحارس يسوطه بقوة، بينما كتل من الرماد تتساقط من منفضة النهار. قطع الطريق الخارجية الدائرة بالقرية، ثم وصل إلى القصر. فتح الحارس الباب لمستر كلارك، ورافقه إلى الداخل. تركه في قاعة الانتظار، وسارع إلى حجرة إسماعيل. نقر الباب نقرتين، ثم نقرتين، فقفز إسماعيل من السرير، وهو يفرك عينيه. طلب إليه الدخول، وهو يتثاءب.
هتف الحارس:
- مستر كلارك هنا كما أمرتم، يا سيدي الباشا إسماعيل.
دفع إسماعيل عنه اللحاف، ونهض خائرًا:
- هنا؟
وتثاءب من جديد.
- نعم، يا سيدي الباشا إسماعيل.
- يجب أن أرتدي ثيابي.
ذهب بقدم ثقيلة إلى ستار من المخمل الأحمر.
- هل أطلب منه الانتظار، يا سيدي الباشا إسماعيل؟
جذب الستار، وهو يبذل جهدًا، فبانت المغسلة:
- لا، دعه يصعد.
- حاضر، يا سيدي الباشا إسماعيل.
غسل إسماعيل وجهه، ومسحه. ترك شعره مشعثًا، وارتدى روبه بلا مبالاة. فجأة، نظر إلى نفسه في المرآة، فاقترب بوجهه من وجهه مذهولاً. يا إلهي! كانت التجاعيد تحفر وجهه في كل نواحيه، وكانت الدوائر الداكنة تحيط بعينيه اللتين لمسهما بحذر. قلب في ذقنه النظر، ثم رفع ظهره المنحني وعنقه. لا، لن يحاول خداع نفسه، حقًا كان يحس بالشيخوخة. ترك كتفيه يتساقطان، وألقى نظرة رعب على صورته. طرق الحارس الباب، فجر نفسه حتى الكرسي التي في الصدر، وهو يلهث. اختلجت شفتاه، وهتف بتعب:
- ادخل.
فتح الحارس الباب، وانحنى في فُتحته، دون أن يترك قبضته:
- مستر كلارك، يا سيدي الباشا إسماعيل.
اندفع مستر كلارك صوب إسماعيل بكثير من الضجيج:
- يسعدني، يا باشا، أن تستقبلني في حجرتك، هذا شرف عظيم لي، ويسعدني كذلك أن تبعث بعربتك الخاصة للمجيء بي إلى هنا.
بعد أن سلم على إسماعيل بحرارة، جلس على الكرسي المقابل، وأضاف:
- ويا للمصادفة! كنت مزمعًا على المجيء لألقي عليك تحيتي الأخيرة، ولأودعك وداعي الأخير، فقد حزمت حقائبي، وسأرحل بين لحظة وأخرى.
سأل إسماعيل مثقل اللسان غير منتبه تقريبًا:
- هل تريد أن تشرب كأسًا؟
فاجأ مستر كلارك السؤال. أجاب، وهو يغدق بسماته:
- لا، يا باشا.
أشار إسماعيل بيد مثقلة إلى البوفيه:
- سنشرب مع هذا نخبك.
ابتسم مستر كلارك نصف ابتسامة، وإسماعيل يقول بصوت جسيم:
- الخمر والكؤوس هناك، أعد لنا ما نشرب.
نظر مستر كلارك إلى حيث أشار الباشا، ونهض. أخرج كأسين طويلين، وحمل زجاجة موضوعة على البوفيه منذ ليلة البارحة.
قال إسماعيل:
- هذه فارغة.
أمالها مستر كلارك ليتأكد من كونها فارغة، وأعادها إلى مكانها. سحب من البوفيه زجاجة ممتلئة إلى نصفها، وصب المائع الأحمر في الكأسين. قال مستر كلارك، وهو يقدم لإسماعيل الكأس:
- هذا شرف عظيم لي، يا باشا.
تناولها إسماعيل، رفعها إلى أعلى ما يكون، وحدق في مضيفه:
- سنشرب نخبك، يا مستر كلارك، للاحتفاء بانتهاء مهمتك.
قال مستر كلارك:
- نخب صحتك ونخب سعادتك، يا باشا.
وقرعا كأسيهما.
أخذ إسماعيل جرعة، وضغط أسنانه، ثم فتح فمه، وأمال رأسه إلى جانب.
قال مستر كلارك:
- هذه لحظة لن أنساها أبدًا.
- لحظة الاحتفاء بانتهاء مهمتك.
أمال رأسه إلى الجانب الآخر. علق مستر كلارك:
- لقد كانت مهمة صعبة.
قال إسماعيل وهو يحافظ على رأسه مائلاً:
- إلا أن هناك إجراءين اثنين بقيا دون أن تنجزهما.
- ما هما، يا باشا؟
استقام إسماعيل برأسه:
- انسحاب الخواجا داوود من الأراضي التي احتلها، ووقف هجرة اليهود في الحال، هؤلاء الأجانب الآتين من كافة أنحاء العالم ليغزوا بلدنا.
ابتسم مستر كلارك ابتسامة واسعة، ووضع كأسه:
- لم يعد هذان الإجراءان من صلاحياتي.
صاح إسماعيل:
- بلى!
وهو يخبط ذراع الكرسي.
اقترب برأسه أقرب ما يكون من وجه محدثه، وقال:
- هدف كل مهمتك كان هذا، وها أنت الآن ترفع يدك!
استند مستر كلارك على ظهر الكرسي، وقال عابسًا:
- أنا لا أفهم ما تقوله، يا باشا.
ضغط إسماعيل أسنانه، وهو يزيد من نبرته حدة:
- أنت تفهم جيدًا، يا مستر كلارك. أنت تفهم جيدًا ما أقول. سيسمح لكم تهويد فلسطين بإخضاع كل العالم العربي، وإلى الأبد.
بقي ينحني عليه لفترة، وهو يتفحص سحنة مستر كلارك المتبدلة. لم يجد هذا الأخير شيئًا آخر يقوله غير:
- هؤلاء المساكين من المهاجرين اليهود يهربون من الفاجعة التي عاشوها مع النازيين، أقارب للخواجا داوود عانوا عبر التاريخ، وذبحهم الألمان.
- هذا لا يبرر البتة تبديل فاجعة بأخرى.
قال ما يقوله الخواجا دائمًا:
- كانوا هنا، يا باشا، منذ ألفي عام.
- ونحن، نحن هنا دومًا. الزمان يبدأ بنا، وتعجز عن عده الأعوام.
بعد قليل، أضاف الباشا إسماعيل:
- ليس لدينا أي مشكل مع الخواجا داوود، نحن نعيش بسلام معه، حتى اليوم الذي بدأ فيه يعمل سياسة ويملأ رأسه بكل هذه الأفكار المظلمة.
أخيرًا، قال نائب المندوب السامي دون لف أو دوران:
- صهيون، عالية، أرض مقدسة، أرض موعودة، أنا أعرف، كل هذا هلوسة ولا يمت إلى المنطق بصلة، يا باشا، ولكن... ليس هذا سوى رأيي الشخصي.
- رأيك الشخصي!
- ربما كان بإمكاني أن أفعل شيئًا قبل رحيلي.
عند تلك اللحظة بالذات، اعتدل إسماعيل. ذهب إلى المرآة، ونظر إلى مستر كلارك من ظهره.
- ماذا بإمكانك أن تفعل؟
- اقترح ما تريده.
ابتسم إسماعيل بسخرية:
- جميل أن أسمع منك هذا! من يسمعك يعتقد أنك ستعمل على ما أود اقتراحه.
وثب مستر كلارك:
- كنت طوال إقامتي هنا من أشد المخلصين للباشا والدك.
- لا شك في ذلك، يا مستر كلارك.
دون أن تفارقه ابتسامته الساخرة.
- أنت لا تثق بي؟
امحت ابتسامة إسماعيل، تشنج، ونظر إلى محدثه:
- إنه إنذاري الأخير. يجب أن ينسحب الخواجا داوود في أقرب الآجال، وأن يتوقف توافد أصدقائه. أكلفك بهذين الإجراءين الأخيرين، وسأنتظر جوابك حتى الساعة السادسة.
نظر إلى ساعة جدارية عتيقة تجاوز عقربها منتصف النهار:
- حتى الساعة السادسة، هذا المساء.
نهض مستر كلارك بسحنة غامضة:
- سأبذل قصارى جهدي، يا باشا.
- حتى الساعة السادسة، هذا المساء.
- انتظر رسولاً من طرفي.
- وإلا، تصرفت باسم المصلحة الوطنية. إنه إنذاري الأخير.
غادر مستر كلارك الحجرة.
* * *
عندما رافق الحارس مستر كلارك، كان رقاص الساعة الضخمة في القاعة الحمراء يبتعد بعقربها الكبير خمس دقائق عن منتصف النهار: وأخذ الوقت يمضي، ساعة بعد ساعة، إلى أن أنهى عقرب الدقائق دورة الساعة الخامسة، والقرعات الصاخبة تدوي في أرجاء القصر.
نزل إسماعيل الدرج بتؤدة، كان شعره المفروق مبلولاً، وكان تفصيل بذلته كلاسيكيًا. كان يبدو منهكًا، ووجهه مغلقًا من وراء الصمت. دخل الردهة الحمراء مع آخر قرعة، رفع نظره إلى ميناء الساعة، وجلس مراقبًا زحف العقرب.
الساعة السادسة، وهو دومًا جالس في مكانه دون أن يبذل أدنى حركة. سيكون رسول مستر كلارك هنا، حسب الاتفاق، بين لحظة وأخرى.
الساعة السادسة وعشر دقائق. نهض ليأخذ كأس نبيذ، وعاد يجلس في مكانه. الساعة السادسة وعشرون دقيقة.
* * *
انطلق عيار ناري، فسقط أحد الفلاحين الذين يعملون في الأرض صريعًا. سارع البعض بفؤوسهم إليه، لكن عيارات نارية أخرى أردت آخرين. تراجع بعض الفلاحين، وزحف بعضهم لسحب القتلى.
* * *
هبط إسحق المنحدر، وهو يجري، وتركت بسمة الطاحون، وهي تسارع الذهاب إلى حيث يحفر أبوها الخندق. ضرب طائر جناحيه من الغضب في الغروب، ودنا الليل.
* * *
الساعة السابعة وعشرون دقيقة.
* * *
رفع مأمور المخفر بندقيته، وصاح برجاله صيحة مجلجلة: كانوا بين عشرين إلى ثلاثين رجلاً من بينهم زقاقيو المقهى، وكانوا يزحفون بقنابيزهم الملوثة أو سراويلهم الفضفاضة، وهم يسحبون شباشبهم المقطعة أو بساطيرهم الضخمة المفغورة الأفواه. كان هناك من هو حافي القدمين، ومن هو مغطى العينين بحطته الساحلة. كانت شفاههم غليظة، ووجوههم ملتهبة ومقطبة. امتدت أصابعهم، وطق كل منهم الزناد طقته الأولى. تقدمهم مأمور المخفر بشاربيه المديدين وطربوشه القاتم. كان يربط صدره وخصره بأحزمة الرصاص. فقط دورة صغيرة، يا مأمور! كنت جنديّاً شجاعًا تخشى صولته الأعداء في صفوف الجيش التركي! قلدك ضابطك ميدالية فضية! فقط دورة صغيرة! ظهرت له بنادق الأعداء ما وراء المتاريس من حول المستعمرة، فأبطأت خطوات الغضنفر، وترك رجاله يتقدمون إلى أن وصلوا حدّاً أمرهم الوقوف عنده، وأمرهم الوقوف في صف واحد، وإشهار بنادقهم استعدادًا للهجوم. ثم... أعطى بصيحة واحدة مجلجلة إشارة الهجوم. ركضوا باتجاه المتاريس، فزخ الرصاص عليهم كالمطر، رصاص الجيش الإنجليزي والهاغانا. سقط بعضهم، وترنح بعضهم. صاح المأمور بهم كي يتقدموا، بينما هو نفسه يتقهقر، فزخ الرصاص عليهم كالمطر من جديد، وانفجرت القنابل. دبت النار في الأرض، وفي الشجر، وفي العمود الفقري. تمكن البعض من إطلاق الرصاص على المتاريس، وقذف بعض القنابل، ولكن.. كان الهرب من المستحيل، فهجوم العدو كان عنيفًا. أعطى القائد ساقيه للريح هو وثلاثة آخرون، فزخ الرصاص أقوى ما يكون. أصيبوا في ظهورهم، فسقطوا بدورهم. انتشرت بعض الحرائق، وتصاعد بعض الدخان، وأزت بعض الرصاصات الطائشة.
* * *
الساعة الثامنة وثمانون دقيقة.
* * *
أمال جذعه إلى الأمام، وهو يدفن رأسه في كفيه معتمدًا بكوعيه على ساقيه. كان عقرب الدقائق يزحف نحو الهزيمة، وكانت الأشياء من حوله تقطع مع معناها العريق لتغدو بلا معنى. كذلك الضوء، وظله المنكسر على السجادة. كان كل من يراه يظن أنه لم يعد حيًا، معتمدًا على عصا سليمان، ريثما ينهشها العُث ليسقط سقطته الأخيرة. أخذ عقرب الهزيمة يتحرك، وإسماعيل لا يتحرك. كان يريد أن تلحق الهزيمة به دون حراك ليكون عيشها أقل عسرًا! وكان يعلم أن الهزيمة بالنسبة له من حيث العسر هي المنتهى، نهاية كل شيء. لكنه هو، كان بلا بداية. أبوه، وأبوه وحده من كان قادرًا على صنع النهاية. وها هو اليوم منطوٍ على نفسه، تجاوزته بداية الأحداث، كما تجاوزته نهايتها.
* * *
قرعت الساعة معلنة التاسعة مساءً، ثم العاشرة مساءً، فالحادية عشرة، وأخذ دبيب العقرب يزداد ارتفاعًا، وهو يزداد اقترابًا من منتصف الليل، ولم يأت رسول مستر كلارك.
* * *
أخيرًا، دبت في أصابعه حركة الديدان، فرفع رأسًا مكتئبًا، ووجدها، هي، تقف من أمامه. سارة. كأس بيدها، شائهة، مقطبة، محفورة. ظن إسماعيل نفسه في كابوس أزاله صوت سارة مع ذلك:
- هل تنام؟
همهم مهلكًا بالنعاس:
- لا أريد النوم.
- لا تريد أم لا تستطيع؟
افترت شفتاها عن بسمة باهتة، وظن للحظة أنها تترنح:
- كل مهزوم يقول ما تقول.
سألها دون أدنى سخط:
- هل أنت ثملى؟
خطت خطوة، وكأنها تعثرت به:
- أنت من علمني الشرب. إنه لذيذ!
استند إسماعيل بظهره على الكرسي، وبدا عليه أنه مريض جدًا.
- هل تأخذ كأسًا؟
تحامل على نفسه ليقف، ونبر:
- هل أنت معتوهة؟
ضحكت بخفوت، ثم بسعر:
- إنها كأس انتصاري!
استدار:
- لن أستمع إلى ترهاتك.
قطعت ضحكتها، وهي تؤرجح الكأس:
- عندما وصلني الخبر قلت لنفسي كل شيء انتهى بالنسبة لك، وبالنسبة لي كل شيء يبدأ. إنه يوم ميلادي الجديد. كم أنا سعيدة!
استشاط:
- أنت معتوهة!
- وسأظفر بك.
قهقهت، فسارع إليها، ونفضها من خاصرتيها. قطعت قهقهتها، فجأة... وتراجعت، منكسرة انكسار امرأة ثكلى. همهمت بشفتين حامزتين:
- أعرف. يا لي من امرأة بائسة!
فتحت شفتاها ببؤس، وشربت كأسها:
- أليس هذا ما تفكر فيه؟
- أنا لا أفكر في شيء على الإطلاق.
- صحيح... لا شيء يبقى بعد الهزيمة.
اقتربت من الخزانة، وتناولت كأسًا له:
- اشرب، إذا كنت ظامئًا.
- لست ظامئًا، لكنني سأشرب.
جرع الكأس دفعة واحدة.
- أتريد أخرى؟
هز رأسه، وهو يضغط أسنانه. ملأت كأسها وكأسه.
- هل أنت تعيس؟
فكر، وسأل:
- ما معنى السعادة؟
- أن تكسب الحرب مثلاً.
- لماذا لا تقولين أن أحول دون وقوعها؟
- وإن وقعت؟
ذهب إلى الرقاص، ووقف أمامه. خفض رأسه، وقال:
- طوال حياتي، كان يهتف بي صوت، في داخلي، لم أعرف أبًدا ما يريد.
- هل كان صوت أمك؟
رماها بنظرة حانقة، دون أن يبذل أية حركة، دون أن يقول أية كلمة.
- لا أفهم ما تعني.
- ليس هذا غريبًا.
- لا يهمني ما تعني.
- إنه يوم ميلادك الجديد!
- ألا تصدق؟
- كثيرًا ما تلد الهزيمة الهزيمة.
جرعت كأسها، وزحفت خلفه. أحاطته بذراعيها، وأنامت خدها على ظهره. همهمت:
- أو الانتصار.
ابتلع ريقه، وأعاد موافقًا:
- أو الانتصار.
- أما أنت، فلم يعد بمقدورك تحقيق لا الهزيمة ولا الانتصار.
انزرعت أمامه بوجه معنف، وقبضت عليه من ذراعيه:
- أليس كذلك؟
ثم تركته، تعبة، كهلة:
- إنني شقية، فاعذرني!
- قلت إنك سعيدة منذ قليل.
- إنني شقية!
شربت كأسها، وهي تفنى أكثر فأكثر، ووضعتها جانبًا:
- إنني شقية! وميلادي الجديد كذبة!
- لماذا لا تنتحرين؟
- لا أستطيع.
- لا تستطيعين أم لا تريدين؟
ابتهلت باكية:
- هلا ساعدتني.
أعطاها ظهره، وذهب إلى المدفأة:
- لا نار في المدفأة.
لكن إسماعيل بقي يحدد فيها النظر دون أن يفوه بكلمة. انفجرت صارخة:
- أنت جبان!
صمتت فجأة، ومسحت دموعها. أعطته ظهرها، وذهبت، منهكة. جرع إسماعيل كأسه دفعة واحدة، وخفض رأسه معتمدًا على المدفأة.
* * *
منتصف الليل.
* * *
بينما القرعات الأربع والعشرون لمنتصف الليل تدوي، كان الرجل الإنجليزي ذو القبعة السوداء وربطة العنق السوداء والبذلة السوداء والمحفظة السوداء ينذر إسماعيل (( إنذاره الأخير )):
- تبعًا لخرقكم أوامر الأمن العسكرية، ولرفضكم كل محاولاتنا السياسية التي تعرفونها، والتي كانت كلها فعالة، ولغلطتكم، يا باشا، لم يعد بإمكاننا أن نقدم لكم يد العون، ولا أن نعينكم على معالجة ما بينكم وبين الخواجا من سوء فهم. لقد كان لجوؤكم إلى السلاح لحل المشكل عملاً انتحاريًا، وزيادة على ذلك، لم نكن على علم بالأمر. لهذا لسنا مسئولين عن النتائج بمجملها، ولا عن الوضع الجديد. لقد كلفني الخواجا – أنا شخصيًا- أن أطلب منكم تسليم القصر خلال ثمان وأربعين ساعة، وسيسهر على نقلكم إلى البلد العربي الذي تختارونه. وقبل أن أترككم، يا سعادة الباشا، أرفع لفخامتكم تحيات المندوب السامي ومستر كلارك الودية.
* * *
دخل عليها حجرتها، فوجدها تستلقي على السرير، وهي تدخن. عندما رأته، افترت شفتاها الباهتتان. كان ذلك مطلبها منذ زمن بعيد، أن يدخل عليها حجرتها. وقف على بعد مترين منها، وهي تذوب في الدخان، وهي تزفر نفخاتها الأخيرة. كان الضوء ضعيفًا، أصفر بالقوة. وكانت الظلال باهتة كشفتيها، تطوف بالكآبة. أطفأت سيجارتها، وفكرت فيه. لماذا هو هنا؟ وماذا يفعل الآن؟ خلع إسماعيل كل ثيابه، وتقدم منها ببطء. ضاجعها، وضاجعته. عندما انتهى، انقض على عنقها، وخنقها.
نهض، والعرق يصب منه، خائر القوى. ارتدى ثيابه، وجرها إلى الخارج نحو الحصان الأبيض، والعربة اللوكس الصغيرة. رماها في الداخل، وأخذ مكان الحوذي. سار الحصان بتؤدة شديدة، وإسماعيل يشم الليل. لقد قتلها. لقد قام بفعل ما، كان القتل. لقد قتلها بالفعل. والنتيجة؟ كانت لا تهمه النتيجة، بما أنه أضاع كل شيء. عاد يراها، وهي تقاوم كالسمكة، عندما انغرست أصابعه في عنقها. عاد يرى عينيها المنفجرتين، ولسانها المتدلي، واللحم الميت الذي زلق تحته.
صفرت الريح من حول إسماعيل، وسقطت الغيوم الكثيفة حتى الأرض. راح يستمع إلى وقع الحوافر على الطريق، وكأنها كانت نزهة الحصان! وها هو يقطع الطريق على هينته، والعربة تتبع، وإسماعيل يتبع، والبقية التي لا يملك سرها ولا مفتاحها تتبع أيضًا من جهة ما من جهات القرية.
اخترق الحصان زقاقًا طويلاً لا ينتهي، ورغم ذلك، لم يحث الحصان على الإسراع. تركه يتقدم ببطء، ببطء شديد. رفع رأسه مرات إلى سقوف البيوت العتيقة، ونظر إلى النوافذ والأبواب. لم يعد يهتاج، وهو يلامس بجسده جسد الليل، كالماضي. انتهى خوفه من الظلام، ربما صار يخاف النجوم الآن. رفع رأسه مرات إلى السماء السوداء، لم تكن كواكب هناك، ولا نجوم.
أوقف الحصان أمام المصبنة، وفتح البوابة على مصراعيها. أشعل قنديلاً في الداخل، وعاد ينقل الجثة التي وضعها قرب الفرن. ملأ الفرن بالحطب، وأشعله، وهو يصب الزيت. صعدت النار، وتأججت، وفرقعت.
رمى سارة في الجحيم.
راقب احتراق فريسته جزءًا بعد جزء، ورأى كيف ذابت العينان والشعر والجبين، وكيف شويت عظام الصدر والحوض والفخذين، كيف تكسرت في النار، وهو، كان يغذي النار بالحطب، وهو يقلب ما تبقى من أصابع بملقط. وشيئًا فشيئًا، خبت النار، ثم انطفأت. لم يبق سوى الرماد والدخان.
أعاد غلق المصبنة، وعاد به الحصان ببطء إلى القصر. كان بإمكانه أن يلمس الغيوم لشدة ما كانت واطئة. خرج من الأزقة، ووصل إلى الطريق الترابي، فالقصر، وهو غائب تمامًا. صعد الدرج ببطء، وفتح على هاجر الباب. تأملها بوجهه المحتضر، وهي نائمة، فحزرت حضوره، وفتحت عينيها. بقيت لحظات، وهي ترنو إليه. ثم خرجت من السرير، ورمت بنفسها بين ذراعيه.
* * *
شق البرق الدجنة، ورعدت السماء. رفع إسحق بندقية أمسكها من كشحها، ودفعها بين ذراعي أحد الفلاحين. كانت هناك كمية من السلاح موضوعة على بعض الأعواد، والفلاحون والعمال يحيطون بها: كان كل واحد يريد بندقية. دفع بندقية أخرى بين ذراعي أحد العمال، بينما أضاء القرية نور أبيض شديد الوهج، ثم تفجرت الرعود على التوالي. سيصب الرصاص والمطر، من أجل القمح، وسنحميك، يا قريتي. تناولوا السلاح من إسحق، ومن بسمة الذخيرة. بدا شعر بسمة أشبه بأجنحة الحمام الأسود، والضوء في عيناها بضوء أمل العنّاب. الأرض حبيبتك، يا بسمة! هي أمك! الأرض روحك وجسدك... من أجلها توزعين الطلقات والأضواء. نعم... سندافع عن الأرض، وسنقاوم.
هرع أهل القرية بأسلحتهم صوب الخنادق، وأضاءت بعض الوجوه قبل أن ينفجر الرعد.
* * *
انطرح كلاهما على السرير عاريًا، وهاجر تحدد بصرها إلى السقف، وتهمس:
- كان البحر متلاطمًا وقت الغروب... وكان يحترق شيئًا فشيئًا بلونه الأحمر، عندما كنا نستلقي على الرمل. كان أكبر مني بقليل، علمني الهرب من سور الحديقة إلى شاطئ البحر بعد أن توقفت عن الذهاب إلى بيت أستاذ الموسيقى مع زميلاتي. كان يسكن مع أمه، بوابة المدرسة، وهو وحده من سمحت له الراهبات بملاعبتنا. كنت أحبه، وكان يحبني، وكنا نلعب في الرمل عاريين... وكنا نتعانق في الرمل عاريين...
* * *
تألقت عيونهم، وصوبوا بنادقهم، وأهل القرية على أهبة في كل لحظة للانقضاض على الأعداء.
* * *
وعلى حين غرة، ضحكت هاجر، وهي تجلس عارية على حافة السرير. صبغ إسماعيل لها شفتيها، ونثر شعر الليل الذي لها، وراح يتأملها بهيام، وهو يقرفص في روبه الأحمر. كان نهداها صغيرين، وكتفاها نحيلين. زلقت بين ذراعيه، وقبلته. عندما نجح في التخلص منها، رمى بنفسه على كتفيها، منهكًا، ثم قام ليأخذ كأسًا. رمت عليها قميص الليل، وقالت:
- سأغني لك.
وعَدَتني أن تعود
فأتى الليل على بابي
وحدي أسهر في الليل
تعالوا يا أحبابي
* * *
دوى الرعد والطلقات. اخترقت طلقات أهل القرية الليل، فاشتعل، ومزقت قلب العدو. البنادق تعرف أمنيات الرجال. تحقق رغباتهم إذا كانت نبيلة، ومن أجل الفقير. تخيب آمالهم إذا كانت عدوانية، ومن أجل اقتلاع الفقير. كانت البنادق في الأيادي الترابية كالفؤوس، لها معنى الإخلاص والتضحية بالنفس من أجل الأرض... من أجل شجر البرتقال، والزيتون، والبحيرة، والمنحدر... وشجرات الحور: القرية تدافع عن القرية، وها هو إسحق يطلق منقضّاً كالنمر على الفريسة، ليحقق آمال الأسطى، فيشعر أنه قوي، وأنه شجاع، وأنه يحب دومًا رقية. فجأة، أشارت بسمة إليه: تسلل أحد الأعداء بين أغصان الشجر ليقذف قنبلة، إلا أن إسحق قوّسه في قلبه، فانفجرت القنبلة بعيدًا عن الخنادق. لم تبتسم بسمة، كانت مشغولة بعمل أشياء أخرى غير ما اعتادت عليه. وفي عمق الخنادق، كان أبو بسمة يقف، وهو يطلق الرصاص، وصفوريا تقف، وهي تطلق الرصاص، ونساء أخريات يقفن، وهن يطلقن الرصاص. دقت القلوب بعنف، وتفجرت من الغضب: أيحرقون زرعنا وشجرنا؟ أيحرقون أرضنا وأحلامنا وعضلات الرجال؟ لن تموت القرية طالما القرية تدافع عن القرية.
* * *
قلب إسماعيل رأسه، وحمحم. زحف على الأربع، وهاجر على ظهره تحثه على التقدم. دفعت قدميها في خاصرتيه، ثم انحنت شادة إياه من شعره، وإسماعيل يواصل قلب رأسه، وحمحمته. كانت على الأرض كأس اقترب منها، قرّب شفتيه، وامتص السائل، وهي لا تتوقف عن دفع قدميها في خاصرتيه ليتقدم، ووخزه في ظهره. شبّ محتجًا، وحمحم. دلى لسانه في الكأس، ولعق. أمام إلحاح البنت، عاد يزحف، وهو يقلب رأسه تباعًا، بحركة بطيئة أولاً، ثم أسرع، فأسرع، وهو يحمحم في كل مرة. انتهى به المقام إلى النهيق، والرغوة تسيل من فمه.
كاد يغشى عليها من كثرة الضحك لدرجة أنها كانت على وشك السقوط عن ظهره. انقطعت أنفاس إسماعيل، وبدأت الأشياء تدور في رأسه. تصبب العرق من سالفيه، وتلبد شعره. توقف عدة مرات، ونهق عدة مرات. دفع كلبه الباب، ووجد نفسه وجهًا لوجه معه. أخذ كل منهما يحدق في عيني الآخر، وبدا أن كليهما منهك وعلى وشك السقوط. في الأخير، لم تتمالك هاجر نفسها عن النوم على ظهره لكثرة ما ضحكت، ثم عن التدحرج على الأرض. تلوت، ولفت إسماعيل من عنقه، وهي تلهث. أنّ الكلب على مشهد سيده، ولعق له ذقنه، قلب إسماعيل رأسه زاعقًا: لا!
فنظرت هاجر إليه مستغربة. تركها تزلق على السجادة، وسارع إلى الباب، وهو يأمر الكلب بالخروج، لكنه أبى، والتصق بهاجر التي أخذته بين ذراعيها. كانت حائرة: لم تفهم غضبه من الكلب. قفز إسماعيل عليه، وجذبه من عنقه، والكلب يقاوم، وينبح في وجه سيده كالمسعور. ومن الغضب، أقفل إسماعيل للكلب خطمه بكل قواه، ونشبت معركة صغيرة. في النهاية، تمكن من إخراجه، وأقفل الباب، وهو يستبسل ضد القفل، منهكًا، كمن يبذل آخر أنفاسه. أخذ الكلب يخدش بمخالبه الباب من التهيج، ثم اختفى في أحد ممرات القصر. حاول إسماعيل التحكم بنفسه، فاتجه نحو البوفيه. أخرج غليونه، وحشاه بالحشيش، وامتصه بوحشية. عاد إلى هاجر، وانطرح جنبها. جرع الكأس، وتركها تتدحرج حتى قدم الطاولة. امتص الحشيش على دفعتين، ونظر إليها: كجنية البحر نصفها الأسفل سمكة بألف لون، ونصفها الأعلى هذه الهاجر اللذيذة التي خلبت لبه. زمجرت الأمواج، وهي تلطم الصخور. جذبها بأصابعه المنهكة إلى صدره، وعانقها.
* * *
وعلى الهضبة، دارت محكمة الثورة. تراكم الضباب كالقطن، وعلت البنادق. جلس ابن السيد كالأرنب المنسحق أمام أعضاء المحكمة الثلاثة، والندى يبلل الجباه والجبل العالي. انتظر الفلاحان اللذان ألقيا القبض على ابن السيد إعلان الحكم، وهما ينظران إلى القنديل الموضوع على طاولة خشبية. كان الأمل يترعرع في الجباه كلما لفظ أحد أعضاء المحكمة كلمة الثورة، وكانت النبتات تنمو في شقوق الصخر حيث تعلو البنادق. حانت ساعة الحكم! أصغى كل من كان في المعسكر:
- إن جريمة ابن السيد خيانة الثورة، وهي خيانة عظمى في حق الوطن والشعب، لقد قررت محكمة الثورة إعدام ابن السيد في الحال.
نصبوا مشنقة.
* * *
ألم تزل تطربك أنغام البيانو، يا باشا؟ والخمر؟ ألم يزل يسكرك أم يذلك؟ وعالم الحشاشين؟ أهذه هي نهاية عالمك الذي أنت في صدد عيشه اليوم؟ أهذه هي النهاية الأبدية؟
كانت الظلال كثيفة في الحجرة بسبب الدخان، وهاجر تعزف له مقطوعة من الموسيقى الكلاسيكية على البيانو. أسند ظهره على قدم السرير لئلا يقع، وغدا شيخًا. نظرت هاجر إليه، فأبدى ابتسامة غامضة منكسرة. انحلت ابتسامة أمه، وامّحت في الدخان. كل شيء ليس سوى وهم في هذه الحجرة، إذن ما نفع حقيقتك، يا باشا؟ كل شيء بلا قيمة، وأنت تبذل أنفاس المحتضر الأخيرة! ربما هاجر وحدها القادرة على الإفلات من عالمك، رغم جسدها الملوث بطفولة عابثة. وإذا حصل وأفلتت من يدك؟ فهل ستعرف طريقًا قويمة؟ هل ستعرف وسطًا جديدًا؟ ولكن ما نفع السؤال، وأنتم ملعونون كلكم، صغارًا وكبارًا، ملعونون على الأرض، ملعونون كلكم؟ وعلى الرغم من ذلك، لن يدعها إسماعيل تفلت من يديه، وإذا حاولت الهرب، أنشب مخالبه في عنقها حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة.
جاءت طرقات على الباب، ولا أحد يصغي في الموسيقى والدخان. تردد الحارس قبل أن يفتح، ضجت الموسيقى، ولم يقع على أحد في الدخان. خطا خطوتين، فتوقفت هاجر عن العزف، وبان الباشا إسماعيل ملقى عند قدم السرير. حاول فتح عينيه بعياء شديد، وحاول النهوض، لكنه فشل. قال الحارس:
- المختار وشيخ الجامع والسمسار يرغبون في التحدث إليك عن أمر خطير، يا سيدي الباشا إسماعيل.
أخيرًا استطاع إسماعيل الوقوف على قدميه الخائرتين، ذهب إليه، وهو يصطدم بكرسي.
- قلت لهم إنه لمن المحال رؤيتك في وقت كهذا، لكنهم أصروا على مقابلتك.
فتح فمه بصعوبة، ولم يمكنه النطق.
- ماذا عليّ أن أقول لهم، يا سيدي؟ هم يدّعون أن الهزيمة سببها رئيس المخفر الذي لم يحسن الدفاع عن القرية، والذي هو بطبيعته جبان! هل أدعهم يدخلون، يا سيدي؟
فتح إسماعيل فمه من جديد، وهمهم بصوت أبح:
- لا أريد أن أرى أحدًا.
لوح بيده في وجهه طاردًا، لكن الحارس لم يتحرك من مكانه.
- يخوض الفلاحون معارك طاحنة في البلد.
أعطاه إسماعيل ظهره، وسار منكسرًا. خطوة، خطوتان. انقصف كالغصن، وهو يتشبث بالكرسي، ويعتمد برأسه عليه لئلا يقع.
- أنت مصمم على عدم استقبالهم، يا سيدي؟
حرك الباشا رأسه يمنة ويسرة بأقصى جهد وأقصى ألم. عندما أعاد الحارس إغلاق الباب، زلق إسماعيل ببطء، واعتمد على ركبتيه، وهو يعتمد برأسه على الكرسي دومًا، جاذبًا إياه. لهثت هاجر، وهي تحاول رفعه. أبلغ الحارس الزوار رفض الباشا اللقاء بهم، فأصروا على ذلك. وفي النهاية، أذعنوا للأمر، وغادروا متذمرين.
* * *
والحارس لم يزل يقف على العتبات الخارجية للقصر، وصل البيك على حصانه. كان الليل يشتعل من وراء السور، ثم ينطفئ مع الانفجارات. وكانت الطلقات ترد تباعًا، ثم تنقطع فجأة. وضع البيك قدمه على الأرض، والحارس لا يبذل أية حركة.
- أريد لقاء الباشا حالاً.
أجاب الحارس بجفاف:
- الباشا لا يستقبل أحدًا.
ربط البيك حصانه بعمود، وقال بفظاظة:
- المسألة خطيرة وهامة!
خفض الحارس رأسه بلا انتباه، ودلى شفتيه، مما جعل البيك يهتاج:
- كما أقول لك، يا هذا!
أعطاه الحارس ظهره، والبيك يتبع من ورائه. كانت ردهات القصر معتمة، وأضواء خافتة تتسلل من بين الأعمدة.
- انتظرني هنا، سأذهب لإعلامه، لكنه سيرفض حتمًا استقبالك.
نبر البيك:
- عجل، يا هذا، ولا تكثر الكلام.
حدجه الحارس بنفور، وقطع الأعمدة نحو الدرج. طرق الباب، ففتحت هاجر. دخل الحارس مترددًا، وبحث عن سيده بين الظلال. كان الباشا الصغير ينام في السرير، وهو يدير ظهره. اقترب الحارس، وقال بصوت منخفض ومتهيب:
- البيك هنا، يا سيدي الباشا إسماعيل، وهو يلح على مقابلتك من أجل مسألة خطيرة وهامة.
انقلب إسماعيل على ظهره ببطء وهدوء شديدين، فارتعب الحارس على رؤيته: كان سيده على وشك الموت.
- هل أدعه يصعد...
وإسماعيل يرفض بحركة من رأسه.
-... أم أطلب إليه العودة غدًا صباحًا؟
وإسماعيل يرفض بذات الحركة الضعيفة.
قال الحارس طائعًا:
- أمرك، يا سيدي!
شد البندقية التي على كتفه، وأدار ظهره، لكن صوت إسماعيل الأبح أوقفه.
- نعم، يا سيدي؟
اعتدل إسماعيل على السرير، واعتمد بكوعه على الجانب، وهو يئن بصعوبة. تحسس باحثًا عن علبة دواء حتى وجدها على طاولة الليل. أخذ ثلاث حبات، وأحضرت هاجر كأس ماء.
قال:
- دعه يصعد.
- تحت أمرك.
اعتمد إسماعيل على ظهر السرير، وتطلع إلى هاجر. طلب منها، وهو يبدو منهكًا أكثر فأكثر:
- اذهبي إلى حجرتك.
فخرجت هاجر غير راضية.
أعلن الحارس:
- البيك، يا سيدي.
تقدم البيك بقدم خفيفة، وسلم على إسماعيل الذي ترك يده تسقط على الغطاء بحركة ملأى بالعياء، والبيك يقول:
- آسف لإزعاجك، يا باشا، في هذه الساعة المتأخرة، لكنني أحمل لك أنباء خطيرة.
نظر إليه بانتباه دون أن يفوه بكلمة.
- وصلت رجال الخواجا بعض المعدات الحربية الثقيلة من غجر الكوسوفو، وهم يستعدون لشن هجوم كاسح على العمال والفلاحين من أجل احتلال القرية.
توقف ليرى رد الفعل لدى إسماعيل، ثم أضاف:
- والقرية على وشك السقوط بين لحظة وأخرى.
سارع الذهاب إلى النافذة، سحب الستارة، وفتحها، فتناهت إلى أذني الباشا أصوات الطلقات والقنابل.
- اسمع، يا باشا، إنهم يشددون الهجوم.
وائتلقت أضواء حمراء في الليل.
عاد يغلق النافذة دون أن يقفل الستارة، فابتعدت أصوات المتفجرات، بينما ومضت الأضواء الحمراء بين حين وآخر.
- إنهم على مقربة من القصر.
مضى البيك إلى طرف السرير الآخر، وانتظر جواب إسماعيل، لكن إسماعيل لم يقل شيئًا. كان له نفس ضعيف، وتعابير كما لو كانت لميت.
- ماذا قلت، يا باشا؟
أشاح إسماعيل رأسه إلى الناحية الأخرى، بدا عليه الاستسلام، وفتك به الخذلان. قال البيك بحماس غريب جدًا في لحظة كهذه:
- جئت من أجل إنقاذك. يجب الهرب. انتهى كل شيء. لم تكن غلطتي. كل ذلك بسبب الأسلحة المصرية الفاسدة!
نظر إسماعيل إليه، وابتسامة محررة من الوهم على شفتيه.
- هناك اقتراح مغر ينتهي أجله من حيث المبدأ خلال ساعة: المال مقابل إخلاء القصر. وإلا أضعت، يا باشا، فرصة ثمينة لن تعوض، وسلمت عنقك لحبل المشنقة بمحض اختيارك.
أراد إسماعيل أن يقهقه، لكنه لم ينجح في إعادة تشكيل ابتسامته الشاحبة: إذن هذا هو اقتراحك، يا بيك! هذا هو!
استحثه البيك على البت في الأمر والخروج بقرار:
- ماذا قلت، يا باشا؟ يجب أن تقرر الآن. القضية جد حساسة، والوقت يمضي من أجل لا شيء. هل تسمع؟ القصف يشتد، والطلقات تزداد!
أسقط في يده، فأطلق نفسًا مضطربًا:
- لقد قمت بواجبي، أردت إنقاذك، يبدو أنه لمن المحال!
وكأنه يقع على نظرة إسماعيل المنطفئة للمرة الأولى، شُحذت تعابيره، لم يفكر لحظة واحدة أنه السقوط الحقيقي! خرج، وهو يحمل خيبته، والحجرة تتلون أكثر بالومضات الناجمة عن الانفجارات.
* * *
تتابعت الطلقات، وكسى الوميض الأحمر، وميض القنابل، القرية بثوب النار. وشيئًا فشيئًا، هبت الريح الآتية من الروابي حتى بوابة القصر التي دفعتها، ثم أغلقتها بعنف. وصل غضب الريح إلى قباب القصر، وأرادت الريح هدمها. ومن الرعب، استقام إسماعيل بنصفه الأعلى، ونادى هاجر، لكنها لم تجب. تحامل على حطامه، وخرج من السرير، وهو يدب بقدم منهكة إلى حجرتها، فلم يجد أحدًا فيها. كان قميصها ملقى على المخدة، والستارة ممزقه بمخالب الإعصار. ترنح كالجمل الخائر، وهو يعتمد على العمود الحجري، وصرخ باسمها من أعلى الدرج. لا جواب إلا من حشرجة البوابة. راح يبحث عنها كالمعتوه في الردهات، وفي حجرة مرجانة، وفي القبو. كان الموت في كل مكان، والعتمة الباردة. فكر للحظة في معنى ما هو بصدد فعله، وأقر في طويته أن لا فائدة من كل هذا. ومع ذلك، عاند، فقط بدافع جنون الساعة الأخيرة. خرج من البوابة المشرعة، وتركها بين أصابع الريح. جر نفسه إلى الحقول، وهو يزرع قدميه في التراب، بينما الريح تنفح وجهه، والريح تنفح مجده، دافعة إياه في الهاوية.
* * *
من بعيد، سمع الهيثم وقعًا لحوافر: كان حصان البيك يعدو في الليل فارًا من حقل الألغام، وكان الهيثم ينتظره على الطريق الترابية المؤدية إلى مسكنه قرب سيارتين. وضع الخادم الأسود آخر حقيبة في صندوق السيارة، وأقفله بغضب. صعدت كل عائلة البيك، وتهيأت للهرب. ساق كل من الهيثم والبيك سيارة، وغادرا القرية باتجاه نهر الأردن. تركوه، لأنه أراد البقاء. وقف الخادم الأسود قرب الحصان، وتابع بعينيه أولئك الأسياد الذين يهربون في لحظة جسيمة. سحب الحصان من لجامه، وسار به إلى الإسطبل.
* * *
ذلك النغم العظيم الهادر في الأعالي كان نغم البنادق، وكان إسحق سعيدًا، وهو يعزف على البندقية. كان يحس بالشمس تشرق في أعماقه، وكان التراب يكسوه، فلم تعد بسمة تفرق بينه وبين بشرة الأرض. كانت الأرض تصنع نبضهم كالقلب، وكانت تفجر دمهم كالنبع. اشتد ساعد أبي بسمة الشيخ، وهو يطويه على ساعد التراب. كان حريق هائل من حولهم، وهم يضيئون، وهم صامدون. لهث العدو تعبًا تحت طلقات القرويين، والقرية تقاوم، لأن القرية تشتعل بالأمل، وبحب الرجال. اليوم عيد القتال، وغدًا، سيطفئون الحرائق التي دمرت الشجر، سيزرعون شجرًا جديدًا. غدًا أيضًا ستقلب المعاول الردم، وتنقش الصخر. غدًا، ستجدهم الأرض ليحموها بأذرعهم، مثلما يحمونها اليوم رغم قصف العدو، ونار المدافع، رغم دمار الأكواخ وهدم السلاسل.
* * *
اكتسح حريق هائل أكواخ فلاحي وادي عربة بعد أن حطمتها القنابل، ودوى عويل طفل. كان عليهم أن يختاروا بين المذبحة أو المنفى، ومن يعاند منهم ذبحته ميليشيا الإرغون اليهودية رغم العلم الأبيض، ومن كان محظوظًا بعض الشيء طرده الخواجا. أن تكون يهودي في بلد يهودي هذا هو الحل النهائي، فأهلاً وسهلاً إلى التطهير العرقي بالوسائل الأكثر بربرية! كانت حقيقة المشروع كله أن يتقاسم البلد اليهود مع اليهود، وما بقي للفلسطينيين أن يتقاسموا الصحراء مع العقارب والأفاعي، خصمهم الحقيقي. جرّت قافلة من شيوخ الفلاحين والنساء والأطفال القدم بصعوبة، تبعتها بعض الدواب الهائمة.
* * *
ولم يتوقف الدم عن الانسكاب.
* * *
انبثق صراخ تحت أنصال الحريق، ثم سقط الصمت. ابتلعته النار، وفي الحال، مزق الليل صخب مرعب. وهو، كان يواصل السير بين الأوراق المهتزة. انزاحت الأغصان، وظهر وجه إسماعيل المحتضر. انفجرت قنبلة قوية على مقربة، فقفز إلى جانب، وهو يواري رأسه في التراب. عند ذلك، نزل الكلب درج القصر بسرعة، واجتاز البوابة المشرعة للريح. تمايل إسماعيل في الدخان، وتمزق روبه الأحمر. لا فائدة! واصل جر قدمه في الحقول.
* * *
توالت الانفجارات دون انقطاع، وارتج الكوخ ارتجاجًا قويًّا لقذيفة قريبة. تلوت أوروبا، وهي تسعل في الفراش، وتبصق دمًا. لم تحتمل خالة ميريام، أمها، رؤية وجهها الصغير المعذب المضنى بالسل، ولا سماع سعالها الحاد الخادش كالأظافر. خرجت، وسارت هائمة في الحقول. كانوا يموتون من أجل الحقول. تعثرت خالة ميريام بالموت، فأخذت تبكي، وتشتم، لكن القنابل غطت على صوتها. تأملت بركة الدم هذه، والقلب المفتوح على الأرض ذاك، ثم توقف كل شيء إلى الأبد هناك. كانت شحنة من الطلقات قد مزقت صدرها.
* * *
رغم الموت الآتي من الغرب، فإن البحيرة كانت تسطع بنورها الأبدي. ذهب إسماعيل إلى ضفافها، وهو يملأه الذهول، دون أن يدرك ماذا تعني بحيرة النور. لم يعرف أبدًا ماذا تعني أرض إسحق لإسحق، وماذا يمثل المنحدر الذي صعدته رقية، ولا خبز الطابون. لم يعرف أبدًا حب إسحق لشجرات الحور. الآن وهو بصدد الغرق في البحيرة، هل يدرك ما عجز دومًا عن إدراكه؟ هل يعرف الآن أية علاقة تربط إسحق بالماء؟ هل يعرف حقيقته والماء يغطي الآن كتفيه، فعنقه، فرأسه؟ هل يسقط الآن في أعماق الماء بحثًا عن عالم النقاء؟ بقبقت أنفاسه المحتضرة على السطح، وهي ترفع الموج الموجع، وجاء نفس الريح من فوق الروابي.
* * *
لقد تم التنفيذ.
لم يزل جسد ابن السيد يتشنج على حبل المشنقة، ومن حوله حركة غير عادية. كان الثوار يستعدون للهبوط إلى القرية، من أجل أن يدعموا الرجال. بعضهم أخذ الدروب الوعرة مشيًا على الأقدام، وبعضهم امتطى الأسرجة، والخيول تصهل على حرارة فرسانها.
* * *
دكت الحوافر الصخر، ووثبت في الوادي. احتفت السماء بمقدمهم، فأضاء الكون نور أبيض شديد الوهج، تبعه قصف الرعد.
* * *
انتفضت البحيرة، وهي تلفظ من أعماقها جثة إسماعيل المنتفخة التي طفت على السطح.
* * *
هرع الكلب في النار كالمجنون، وهو ينبح بحثًا عن سيده، عبثًا يبحث عن سيده.
* * *
نعم، كل هذا نسخة مطابقة لما كان في جزيرة العرب، كانت الحقيقة هناك، وعلى الحقيقة أن تكون هنا. اندثر ما اندثر، وباد ما باد، ولكنني لم أزل موجودًا، بأحلامي مهما كانت شرسة، بإنسانيتي مهما كانت بربرية، وبسلطتي التي يجب عليّ أن أركّبها عنصرًا عنصرًا كنوع من لعب الورق المعقد، سلطتي أنا لأنني أنا هنا والآن، أو سلطة غيري، فلا بد من أن يوجد أحد غيري... ومثلي. نصب آدم مردخاي مسدسه نحو قلبي ماريك وموزارسكي، وأطلق: على الحقيقة أن تكون حقيقتي. وفي اللحظة نفسها، جاءت ريح صرصر من أعماق الصحراء، وراحت تهب، فتثور الرمال، وتسقط أعمدتها عليه.
* * *
علت أصداء الحوافر، وتجاوبت من كل الجهات. ها هم يأتون. في الطريق. مع الفجر. بالبنادق والغيوم. سيصب الرصاص والمطر. من أجل القمح. سيأتون كلما هبت الريح من أعالي الروابي. روابي القدس والجليل. سيأتون بالريح والمطر. وهم يرفعون إلى أعلى البنادق. وهم يرفعون إلى أعلى الجباه. سيأتون من كل صوب. من كل الطرق. كالشمس. سيأتون دومًا.
29 شباط 1973 / باريس
تمت التنقيحات والإضافات يوم الأربعاء 12 يناير 2011 / باريس
أعمال أفنان القاسم
المجموعات القصصية
1) الأعشاش المهدومة 1969
2) الذئاب والزيتون 1974
3) الاغتراب 1976
4) حلمحقيقي 1981
5) كتب وأسفار 1988
6) الخيول حزينة دومًا 1995
الأعمال الروائية
7) الكناري 1967
8) القمر الهاتك 1969
9) اسكندر الجفناوي 1970
10) العجوز 1971
11) النقيض 1972
12) الباشا 1973
13) الشوارع 1974
14) المسار 1975
15) العصافير لا تموت من الجليد 1978
16) مدام حرب 1979
17) تراجيديات 1987
18) موسى وجولييت 1990
19) أربعون يوما بانتظار الرئيس 1991
20) لؤلؤة الاسكندرية 1993
21) شارع الغاردنز 1994
22) باريس 1994
23) مدام ميرابيل 1995
24) الحياة والمغامرات الغريبة لجون روبنسون 1995
25) أبو بكر الآشي 1996
26) ماري تذهب إلى حي بيلفيل 1999
27) بيروت تل أبيب 2000
28) بستان الشلالات 2001
29) فندق شارون 2003
30) عساكر 2003
31) وصول غودو 2010
32) الشيخ والحاسوب 2011
الأعمال المسرحية النثرية
33) مأساة الثريا 1976
34) سقوط جوبتر 1977
35) ابنة روما 1978
الأعمال الشعرية
36) أنفاس (مجموعة قصائد أولى – ثلاثة أجزاء) 1966
37) العاصيات (مسرحية شعرية) 1967
38) المواطئ المحرمة (مسرحية شعرية) 1968
39) فلسطين الشر (مسرحية شعرية) 2001
40) الأخرق (مسرحية شعرية) 2002
41) غرافيتي (مجموعة قصائد فرنسية) 2009
42) غرب (ملحمة فرنسية) 2010
43) البرابرة (مجموعة قصائد أخيرة) 2008 – 2010
الدراسات
44) البنية الروائية لمصير الشعب الفلسطيني عند غسان كنفاني 1975
45) البطل السلبي في القصة العربية المعاصرة عبد الرحمن مجيد الربيعي
نموذجًا (جزءان) 1983
46) موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح 1984
47) البنية الشعرية والبنية الملحمية عند محمود درويش 1984
48) نصوص خاضعة للبنيوية 1985 – 1995
49) دفاعًا عن الشعب الفلسطيني 2004
50) خطتي للسلام 2004
الباشا أول رواية عن النكبة في الأدبين الفلسطيني والعربي، وأول رواية عن المحرقة في الأدب العالمي بمقاربة جديدة ورؤية جديدة، وهي كثلاثية محفوظ يمكن اعتبارها من كلاسيكيات الأدب العربي، وحتى من كلاسيكيات الأدب العالمي لما فيها من رجوع دائم غير مباشر إلى تولستوي ودوستويفسكي ومارغريت ميتشيل وغيرهم، وعلى الأخص فيسكونتي في غروب الآلهة. إنها رواية أولئك الذين أسقطوا (وكذلك الذين سلبوا) فلسطين سنة 48، تحكي عن لحظة غروبهم التاريخية تلك، إلى جانب لحظات أخرى نضالية لم تزل تشرق خالدة رغم كل ما جرى من أجل طمس معالمها ومحوها. القرية (وكذلك الغيتو) أهم بطل من أبطال الرواية، إنها القرية (( النموذج )) التي استوحاها أفنان القاسم من تكون الأحداث وتشكلها، وترك الحلم ليكون فضاءها الأوحد رغم الكارثة وربما بسببها. هذا وقد نقح الكاتب (( نسخة بغداد )) المشوهة – عندما احتج أفنان القاسم على عدم مراجعة وتصويب الرواية بعد طباعتها أجابه مسئول ذلك الوقت إن المسألة حضارية!!! - كي يقدم للقارئ في الطبعة الثانية للباشا هذه نصّاً ممتعًا خاليًا من الأخطاء. ولنذكر أن راديو بغداد قد قام بتمثيل هذه الرواية وبثها على حلقات، كما أن المسرح الكندي في الكيبيك قد قام بعرض مقتطفات منها بعد ترجمتها إلى الفرنسية، وفي باريس يعتبرها بعض رموز الخضر مطابقة لموقفها السياسي، وبعض المستعربين، خاصة البروفسور محمد أركون، الوجه الآخر، الوجه الفقيد لأدب المهجر.
* أفنان القاسم من مواليد يافا 1944 عائلته من برقة قضاء نابلس له خمسون عملاً بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحية ومجموعة شعرية ودراسة أدبية أو سياسية تم نشر معظمها في عواصم العالم العربي وتُرجم منها اثنان وثلاثون كتابًا إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والروسية والعبرية، دكتور دولة ودكتور حلقة ثالثة من جامعة السوربون ودكتور فخري من جامعة برلين، أستاذ متقاعد عمل سابقًا في جامعة السوربون ومعهد العلوم السياسية في باريس والمدرسة المركزية الفرنسية وجامعة مراكش وجامعة الزيتونة في عمان والجامعة الأردنية، تُدرّس بعض أعماله في إفريقيا السوداء وفي الكيبيك وفي إسبانيا وفي فرنسا...