الفصل الرابع
كان صابر جالسا في زنزانته، ذات صباح، يفكر في أمر ابنه الذي لم يكن طيفه يفارق خياله، ويتساءل في قرارة نفسه: "أين هو الآن يا تُرى؟ أيكون عاد إلى سوريا مع العائدين بعد أن هدأت الأوضاع واستتب الأمر للوحش عقب قضائه على خصومه السياسيين.. وأسكاته معارضيه.. وأخضاعه الشعب بالحديد والنار.. وبعد أن نجح في تحويل سوريا لمزرعة له ولطائفته...".
وبينما كان على تلك الحال إذ به يسمع صريرَ فتح باب الزنزانة فعاد بخياله إلى واقعه. رنا صابر ببصره نحو الباب ليرى سجينا جديدا يدخل عليهم. سرى الخوف في مهجة الرجل ودبّ الفزع في كيانه وأصيب بالارتباك حين وقعت عيناه على صابر. تمادى السجين الجديد في تفاديه لصابر والإعراض عنه وتجنب الحديث معه، وكان كلما التقيا أشاح الرجل بوجهه بعيدا عنه.
وذات مرة، دنا صابر من الرجل، وابتدره بالسؤال مداعبا ليخفف من خوفه:
أأرعبك منظري إلى هذه الدرجة يا أخي؟
ردّ عليه الرجل بارتباك:
لا.. لا أبدا!
سكت صابر برهة ثم قال بلطف:
على كل حال، اسمي صابر الحموي. أرجو ألاّ تتردد في طلب أي شيء أو أية مساعدة مني إذ أنني أقدم السجناء في هذا العنبر.
شكرا لك يا صابر!
استغرق الرجل في التفكير وجعل يتساءل في قرارة نفسه مندهشا: "أيعقل أنه لم يتعرف عليّ.. وأنه لم يعرفني؟"
فجأة لملم الرجل شعث كلماته المبعثرة وقال مرتبكا:
ألم تعرفني يا صابر؟!
حملق صابر في وجهه مليا ثم ردّ عليه قائلا:
معذرة لم أتشرف بذلك يا أخي.
ولكنني أعرفك جيدا.
ماذا تقول؟! أتمزح؟
لا يا صابر أنا لا أمزح. أنا أعرفك حق المعرفة لأنني سبب وجودك في هذا السجن.
صدقني لم أفهم شيئا!
أتعرف أحدا باسم رضا آغا؟
سرعان ما عادت الذكريات بصابر إلى ما يقارب ربع قرن. ثم أجابه بتجهم:
كيف لا أعرفه؟!
أنا هو رضا آغا.
صاح صابر غاضبا:
ماذا؟! ماذا تقول؟ أنت رضا آغا الذي...
نعم! أنا هو.
ثم أطرق رضا برأسه برهة وأردف قائلا بندم:
أرجو أن تسامحني يا صابر! لقد نلت جزائي العادل.
ثم سكت قليلا وراح يقصّ عليه قصته بلوعة:
لقد عملت مع عصمان الملاح لثلاثة عقود في عصابته المتخصصة في تهريب المخدرات وبيعها غير أنه حين صحا ضميرى، وأردت أن أتوب إلى الله وأترك العمل معه أرسل إلي رجلين لقتلي حتى لا أفضح أمره إذ لدي أسراره. لكنني تمكنت من فتح النار عليهما بمسدسي دفاعا عن نفسي فأرديتهما.
قال صابر بصوت حزين:
على كل حال، هون عليك يا أخي، فلست أنت السبب في سجني يا رضا، بل عصمان الملاح ذلك المجرم هو الذي غدر بي. لن يفلت من العقاب الإلهي فقد وكلت أمره لله، وحتى إن أفلت من عقاب الدنيا فلن يفلت من عقاب الآخرة. فالله يمهل ولا يهمل.
على كل حال، أنني على استعداد للأعترف أمام هئية المحكمة والإدلاء بشهادتي أمامها لأثبت براءتك.
لم تعد براءتي تقدم شيئا أو تؤخره فلم يتبق من مدة عقوبتي إلا بضع شهور.
بل أظنها ستغير كثيرا يا صابر. لأنه إذا ثبتت براءتك عندئذ يمكنك الحصول على تعويض مالي كبير تسعين به على قضاء أمرك والقيام بعملية تجميل لما في وجهك من تشوهات. كما أن ذلك من شأنه نفي صفة الإجرام التي قد تلاحقك طيلة حياتك.
وأين لي بالدليل على براءتي.
لدي دليل قاطع على براءتك، وسأعلن عنه في حينه. كما أن المهندس رجب على استعداد للإدلاء بشهادته فهو رجل طيب وقد ساءه كثيرا ما وقع لك.
ومن هو المهندس رجب؟
مهندس مشروع المركب السكني الذي طلبت منه عملا، وكان معه ذلك اليوم عصمان، أتذكره.
هزّ صابر رأسه وقال:
نعم أذكره.
* * * * *
دعا فوزي سالما لتناول العشاء معه في أحد مطاعم المدينة الفاخرة. جلسا على أحد الموائد المطلة على النهر في ليلة من ليالي الصيف الجميلة. لم يتمالك سالم دهشتة من روعة المكان فأرسل العنان لخياله كي يتأمله في دهشة.
قطع فوزي عليه تفكيره قائلا بابتسامة:
الجو جميل هنا أليس كذلك؟
بلى! لم أكن أتصور أن في الأرض أماكن بهذا الجمال وبهذه الروعة.
أشار فوزي إلى جسر جميل معلق تتلألأ أضواؤه وقال:
أتعلم أن ذلك الجسر يربط بين قارتي أوربا وأسيا.
نعم. تركيا من أجمل بلاد الدنيا يا سيدي! ولهذا السبب اخترت البقاء والعيش فيها.
ابتسم فوزي وقال:
لم أكن أعلم أنك رومنسي يا سالم؟
أطرق سالم برأسه خجلا ولم يعقب...
أردف فوزي قائلا:
على فكرة، لم أسمعك يوما تتحدث عن الزواج يا سالم، ألا ترغب في الزواج؟
بلى! الزواج أمنية كل شاب يا أستاذ فوزي، غير أنني أشعر أن الطريق لا يزال أمامي طويلا. كما تعلم يا أستاذ، أن للزواج تكاليفه ونفقاته.
هزّ فوزي رأسه موافقا وقال:
صدقت، ولكن هذه سنة الحياة، والوحدة قاتلة. لقد تزوجت في مثل سنك تقريبا.
أمي أيضا تضغط علي بشدة كي أتزوج من إحدى بنات الجيران.
بلع فوزي ريقه ولاذ بالصمت...
أردف سالم قائلا:
وعلى الرغم من أنني وعدتها بأنني سألبي رغبتها إلا أنني أعلم أن الظروف المادية لا تسمح بذلك.
على فكرة، لم تقل لي: ماذا يعمل والدك؟
تنهد سالم بعمق وأطرق برأسه هنيهة ثم رفعه وقال بأسى:
للأسف، لقد توفي والدي، رحمه الله، منذ كنت رضيعا فأنا لم أره في حياتي إلا في الصورة.
أنا آسف إن كنت قد حركت أشجانك، وذكرتك بأحزانك.
لا.. لا بأس يا أستاذ فوزي!
على كل حال، ارجو أن تعتبرني بمثابة والدك. كما أنني على أتم الاستعداد لمساعدتك ماديا كي تتزوج.
شكرا جزيلا. هذا من لطفك وكرمك.
إنني لا أقول ذلك بدافع العاطفة، إنما أنا جاد يا سالم، فأنا على استعداد أن أمول مشروع زواجك بل أكثر من ذلك، أنني على استعداد لأزوجك ابنتي دلال، فأنا أحببتك من كل قلبي، وأريد أن تستمر علاقتنا إلى الأبد، وما وجدت أفضل من المصاهرة لدوام العشرة.
عقدت المفاجأة لسان سالم وطفق يبحث عن كلمة مناسبة يردّ بها على هذا العرض السخيّ الذي لم يدر بخلده قط.
تدارك سالم نفسه وقال متلعثما:
هذا شرف عظيم أن أكون صهرك يا سيد فوزي، ولكن...
ليس ثمة لكن... ما رأيك أن تزورنا مساء الجمعة في "الفيلا" لتتعرف على دلال أولا قبل أن تتخذ قرارك.
أجابه مرتبكا:
بكل سرور يا سيد فوزي!
* * * * *
وفي اليوم التالي التقى سالم بصديقه محسن بطلب منه بعد انقطاع عنه دام لأسابيع.
ابتدره محسن معاتبا:
يبدو أن العمل أنساك بأن لك أصدقاء!
معك حق يا محسن، لقد انهمكت في العمل. أرجو المعذرة.
لا بأس يا سالم. مالأمر الذي أردت أن تستشيرني فيه؟
تنهد سالم بعمق ثم قال بلوعة:
إنني بحاجة لمساعدتك فقد ارتبك فكري.. ولم أعد أفهم ما يدور حولي!
ما الأمر؟
لقد فاجأني السيد فوزي، مدير الشركة، التي أعمل بها بعرض ابنته علي للزواج.
صاح محسن مندهشا:
ألف مبروك! قلت لك من زمان: أنك محظوظ يا سالم!
على رسلك يا رجل! انتظر قليلا قبل أن تحكم على الأمر.
أين تكمن المشكلة يا سالم؟
لست مطمئنا لهذا الزواج.
من أية ناحية؟
أجاب مرتبكا:
لا أدري! ولكن أحسّ أن في الأمر غموضا. ثم انني وعدت أمي بالزواج من جارتنا.
أرى أنها فرصة جيدة لك، ولا أظن أن والدتك ستمانع. ولكن هل رأيت الفتاة؟
ليس بعد، سأذهب غدا لرؤيتها.
لا تتسرع يا سالم في الرفض، فالفرصة لا تتكرر.. وأهم شيء أن تكون الفتاة ذات خلق.
وكيف أعرف أنها كذلك؟ كما تعلم أنه ليس لي أقارب في هذه المدينة.
لا بأس، سأتيك بمعلومات عنها وعن أسرتها إن شئت.
هذه ستكون لي خدمة كبيرة.
أتعرف أين تسكن أسرتها؟
وما إن دله على عنوانها حتى قال:
من حسن الحظ أنني أعرف المكان جيدا فلدي أقرباء يقطنون في الحي. امنحني بضعة أيام فقط.
شكرا لك يا محسن!
هزّ سالم رأسه وقال متسائلا:
وماذا عنك أنت يا محسن؟ هل وجدت عملا؟
تنهد محسن بعمق وقال:
الحصول على عمل هذه الأيام ليس بالأمر الهين. ومع ذلك لم أيأس بعد. لقد تقدمت بطلبات لعدة شركات وأنتظر الردّ.
سكت سالم برهة ثم قال:
على كل حال.. أعدك أن أغتنم الفرصة المناسبة لأتكلم مع السيد فوزي بشأنك.
مرّ سالم على معمل لبيع الحلويات الفاخرة مساء الجمعة واشترى علبة "شكولاتة" فيما كان في طريقه إلى بيت المدير حسب الموعد... رحّب السيد فوزي به ترحيبا حافلا، وأجلسه في غرفة الضيوف الفاخرة، وأخذ يتجاذب معه أطراف الحديث.
فجأة دلفت دلال وبيدها سفرة القهوة. رنا سالم إليها ببصره وراح يقارن بينها وبين الصورة التي في ذهنه بيد أنها مختلفة تماما. قطعت دلال عليه تفكيره حين ألقت عليه التحية ثم قدمت له فنجان القهوة ثم وضعت السفرة فوق الطاولة وانصرفت.
طفق سالم يتساءل في قرارة نفسه "أهذه هي؟! إنها تبدو مختلفة تماما عن أوصاف الفتاة التي رسم صورتها أبوها في مخيلتي ببراعة، و...".
قطع فوزي عليه تفكيره قائلا:
تصور يا سالم، على الرغم من أنني طلبت منها بإلحاح شديد الجلوس معنا سوى أنها رفضت.
عاد سالم من شروده ورنا ببصره إلى فوزي ثم قال مجاملا إياه:
الخجل صفة طيبة للمرأة، يا أستاذ فوزي.
أحسنت! إنها خجولة جدا.
وما هي إلا لحظات حتى دخلت أمها الغرفة يسبقها عطرها الغابق. ابتسم زوجها حين رآها تلج الغرفة وأشار إليها وقال:
هذه سوسن زوجتي.
ثم أشار إليه وتوجه بالحديث إليها قائلا:
هذا هو سالم جاء لخطبة دلال!
هزّت سوسن رأسها وقالت بتكلف:
أتشرف بمعرفتك يا سالم. لقد شوقني فوزي لرؤيتك والتعرف عليك من كثرة ما يتحدث عنك.
الشرف لي يا خانم!
ابتسم فوزي وقال:
سالم صار من العائلة يا سوسن.
هزّ سالم رأسه ورد عليها بابتسامة إذ عقد الارتباك لسانه ولم يعقب.
ما لبث أن انقلب سالم إلى بيته. كان طوال الطريق يحدث نفسه: "لا أدري كيف أنني لم أحسّ بشيء يجذبني نحوها؟؟ أو ما يرغبني في الزواج منها؟؟ على كل حال، علي أن أتريث وأفكر في الأمر مليا قبل أن أورط نفسي".
* * * * *
كانت رحيل في زيارة لبيت وفاء حيث لم تكن السعادة تسعها وهي تجلس إلى جانب أمّها. كانت طوال الوقت تنظر إلى وفاء وتراقب تحركاتها وتصرفاتها. لم تتوقف عن الحديث عن سالم وتفوقه ونجاحه وكيف أنه تحصّل على عمل في أهم الشركات التركية دون أقرانه.
ثم بادرت أمَّ وفاء قائلة لها:
ما شاء الله صارت وفاء صبية، وأظن أنها أصبحت جاهزة للزواج. أليس كذلك؟
صدقت. لا أخفيك أنني لا أدري ماذا أفعل عندما تتزوج؟ فكما ترين يا أوخية، أنني أعتمد عليها في كل شيء.
ما شاء الله.. إنها حاذقة وذكية!
إنها تقوم بكل أعباء البيت من: طهي، وغسيل، وترتيب، كما أنها تهتم بأخوتها الصغار.
ابتسمت رحيل وقالت:
لا أخفيك يا أمّ وفاء أنني أحبها كثيرا ومعجبة بها ولذلك تحدثت مع سالم، ابني، بشأنها وقد وعدني بأنه حين يعود من اسطنبول سيتقدم لخطبتها رسميا.
هزّت أمّ وفاء رأسها وقالت بخجل:
أهلا وسهلا بكم، ولكن...
ليس ثمة لكن.. لا نريد أن نستبق الأحداث، فقط أردت أن أبلغك بما ننوي فعله كي يكون لديك علم.
ثم رنت رحيل إلى وفاء ببصرها حين رأتها تدخل عليهما وبيدها سفرة الشاي، وقالت لها مبتسمة:
تعالي يا حبيبتي. اجلسي بجانبي.
آسفة يا خالة رحيل! لدي أعمال كثيرة عليّ إنجازها، كما أنني أريد أن أجهز نفسي للامتحانات النهائية.
اجلسي خمس دقائق فقط.
حاضر!
وما إن جلست وفاء حتى بادرتها رحيل قائلة:
كيف حالك يا وفاء؟ وكيف أنت والدراسة؟
الحمد لله بخير يا خالة! أحتاج لدعواتك فامتحانات السنة النهائية على الأبواب.