الفصل الرابع

11 0 00

الفصل الرابع

مثل كلُ يوم جمعة، انطلقتُ إلى حوش بيت عمِّي صالح باكراً، ليسعني الوقتُ لأذهب إلى المسجد تاليا، أحتلُّ مساحةً أسفل عمودٍ ألِفتُ إسناد ظهري إليه، أستمع إلى الخطبة أو أقر القرآن قبل بدئها. سيّارة عمِّي صالح أسفل المظلة، محمَّلة بأصناف الخضار، ما يعني أنهم قد عادوا من الوَفرة للتوّ. انتظرتُ، صباح الأمس، طويلاً كي يصحو فهد بعد ذهاب فوزية إلى غرفتها، ولكنني عدتُ إلى بيتنا من دون أن ألتقيه.

أقعيتُ عند الباب. كان خرطوم الماء يمتدُّ من الصنبور داخل الحوش، يمرُّ أسفل الباب مثل أفعى، يصبُّ ماءه في مجرى بنات كيفان الثلاث. دفعتُ الباب الحديدي بعد إزاحة مزلاجه الأرضي. كعادتها أمي حِصَّة تقتعدُ كرسيّاً خشبياً أسفل سقيفة من جريد النخل، يخترقها جذع السِّدرة، في الحديقة الصغيرة. زرعٌ في حوض ترابي مستطيل، بحجم بركة سباحة متوسطة الحجم، تنتشر فيه عشوائياً بعض الحشائش، عن يمين الداخل إلى الحوش المفروش بلاطٌ أبيض مطعَّم بكتل صخرية سوداء وبنيَّة ورمادية متفاوتة الحجوم والأشكال. يقوم، في جانب الحوش الأيسر، مبنى الملحق حيث الديوانية وحمَّامها

الخارجي والمطبخ. عادةً ما يكون مبنى الملحق، نهارات الجمعة، محجوباً وراء الشراشف وغطاءات الوسائد البيضاء على حبل الغسيل. تنثُّ روائح محبَّبة تُلطِّفُ أسوأ أيام الأسبوع، قبل استئناف الدراسة كلُّ سبت. رأيت أمي حِصَّة، بثوبها الأسود وجَورَبَيها الصوفيَين الثقيلَين، تجلس أسفل السِّدرة على مقعدها الخشبي قصير القوائم، تلقي مِلفعها الأسود على كتفيها كاشفةً شَيبها الأحمر بفعل الحِنَّاء، تُسنِدُ طبقها النحاسي الدائري إلى ركبتيها، تضيِّق عينيها، تُنقّي الرُّز وتزيل عنه الدُوَيبة. تغني بصوتها العجوز مع زقزقة الزرازير: "يا سِدرة العشاق، يا حلوة الأوراق..". لا يُخرجها إلى الحوش، أسفل السقيفة، إلا الشتاء والربيع اللذان يمران بسرعة قبل الصيف الطويل. في الصيف لا تخرج إلا نادراً لريّ سِدرتها الأثيرة بين يوم وآخر. لا تطيل الجلوس أسفل سقيفة جريد النخل، تكتفي بدقائق حانية، كما تقول، مقارنة بكونكريت باردٍ ثقيل دمٍ لا حياة فيها.

التفتُّ إلى قفص الدجاجات خوفاً من فأر عابر يعكر عليّ صفو الصباح، رغم تأكيد أمي حِصَّة أن الفئران لا تجرؤ على الاقتراب من قفص الدجاجات ما لم تكُن إحدى بيضاتها مكسورة، ولا تتخلى الدجاجة عن بيضتها، للفأر، إلا إذا رأت زلالها مهدوراً! جلستُ على الأرض بقربها بعدما قطعتُ أغنيتها أقبل جبينها: "صَبَّحك الله بالخير يُمَّه حِصَّة". دسَّت كفَّها مفرِّقة أصابعها المحنّاة بين حبَّات الرُّز: "صبَّحكَ الله بالنور.. شلون السِّت الناظرة؟". لم تنتظر ردِّي تواصل غناءها: "ملزوم عليه أشتاق، يا سِدرة العشاق". لستُ أدري، وقتها، إن كانت تشير إلى والدتي بمسمَّاها الوظيفي تقديراً أم تهكماً. الذي

أدريه أنني دائم الإجابة: "أمي زينة". كانت غاضبة من والدتي، منذ سنة، لأنها وبَّخَتْ كنَّتها المعلمة في المدرسة نفسها. تقول إن السِّت الناظرة لما رأت عائشة تضحك مع إحدى المعلِّمات، في أحد ممرَّات المدرسة، صرختْ بها: "اِنتي! على شنو تضحكين؟!". أشارت بسبَّابتها إلى غرفة المعلِّمات آمرة: "على شغلك!".

أمي حِصَّة ترى، في موقف والدتي مع كنَّتها، خيانةً للجيرة. باب الحديث عن والدتي، إذا ما فُتح، لا توصده محاولاتي. كانت والدتي قد قاطعت زيارة بيت آل بن يعقوب منذ هاتفتها العجوز تلومها على صرامتها مع عائشة في المدرسة. "زعلتْ السِّت الناظرة، شالت في قلبها، مع إني سافرت ورجعت من بيت الله، ولا كلَّفت نفسها تزورني وتسلّم عليّ مثل باقي الجارات!".

فتحت فمي إزاء قولها. شطَّ خيالي بعيداً يُصوِّر طائرة تمضي في السماء نحو بيت الله:

- "رحتي بيت الله؟".

أخرجت كفَّها من بين حبَّات الرُّز. تحرِّك ثلاثة أصابع أمام وجهي:

- "ثلاث مرَّات".

ارتفع صوتي أسألها:

- "وشفتي الله؟!".

- تركت طبق الرُّز النحاسي على حِجرها. أسندت ذراعيها إلى رأسها تزجرني:

- "الله ياخذك! راح تطيح علينا السما!".

التصقتُ بقائمة مقعدها الخشبي. أحتمي بذراعيَّ خشية سقوط السماء. تبرأتُ من سؤالي سريعاً:

- "اِنتي تقولين رحتي بيت الله!".

شدَّت أذني حتى كادت تنتزعها:

- "بيت الله يعني الكعبة يا خِبل! استغفر ربّك!".

صرتُ أستغفر وأضغط بكفّي على أذني كأنني أعيد تثبيتها.

ارتفع فجأة، من حوش الجيارن، صوت المذياع بأغنية عراقية لناظم الغزالي. تركت أمي حِصَّة الطبق النحاسي في حِجرها. ضمَّت كفَّيها إلى بعضها، تطُقُّ إصبعيها كما يفعل العراقيون. رفعت صوتها:

- "أغاني في يوم الجمعة يا عجوز الشَّط؟!".

جاء صوت جارتنا العراقية، أمي زينب، ضاحكاً:

- "عند الله السِّعَه يا عجوز النار! مِن الصُبُح وآنه جاي اسمعك تغنين يا سِدرة العشاق.. حلال عليك حرام عليَّه؟!".

ضحكت العجوزتان. كان السؤال الذي لم أجد له إجابة عند والدتي وفوزية، يدور في خلدي."يُمَه حِصَّة!". التقطتْ دويبة بين إصبعيها. أطلقتها في الهواء. أجابتني: "خير؟". تردَّدتُ قبل أن ألقي بسؤالي في أي منطقة تقع حديقة الحيوان؟ نظرتْ إلى وجهي. اتسعت المسافة بين عينيها وحاجبيها. بَرطَمَتْ تضرب الهواء بكفِّها. حطَّت حمامة رمادية على سور البيت. انصرفتْ إليها أمي حِصَّة. نَثرَت حبات الرُّز بين الحشائش تحثها على الاقتراب: "تَعْ تَعْ". استجابت الحمامة حطْت على الأرض. نبَّهتني: لا تفزعها. همستُ لها بسؤالي مرَّة أخرى: "ما جاوبتيني! حديقة الحيوان وين؟". انصرفتْ تنظر إلى دجاجاتها حول حوض الماء البلاستيكي، تكرع من مائه قبل أن تشرئب رؤوسها توجِّه مناقيرها إلى السماء تغرغر مغمضة الأعين. تهزُّ أمي حِصَّة رأسها مضيِّقة عينيها تبتسم: "سبحان الله". تمدُّ سبَّابتها باتجاه القفص: "شوف شوف!"، تحثُّني أنظر إلى الدجاجات تناجي ربَّها في السماء، تحمده على سقياها. يكفهر وجهها فجأة: "حتى الدجاج يعرف الله.. ليت ربي يهدي زوجة أبو سامي!". تجاوزتُ قولها أُكرِّر سؤالي: "حديقة الحيوان، يُمَّه حِصَّة، في أي منطقة؟". شزرتني: "ليش تسأل؟". ارتبكتُ. انطلق صوتٌ مألوف لا تكتمل من دونه صباحات الجمعة القديمة مقاطعاً حديثنا: "خاااام.. خاااام". فرَّت الحمامة مخلفة حبَّات رُزٍّ فوق التراب. بائع الصُّرَّة اليمني كعادته، ينطلق صوته بعيداً من أول الشارع، يرتفع كلما اقترب من بيوتنا. ثلاثة أصواب تبثُّ الرعب في نفسي عندما كنت صغيراً؛ صيحات بائع الصُّرَّة، وزعيق صافرات الإنذار التجريبية التي ألِفناها

زمن حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، ونباح الكلب السلوقي الطليق في حوش بيت جارنا أبي سامي، البيت المطل على بيت صادق، بيت زوج الأميركية كما تسميه نسوة الحيّ. وفي المقابل، كان صوت واحد ينسيني أصوات الشارع المخيفة، الصوت المحبب لدى أطفال الحيّ كافّة، بائع المثلجات الفلسطيني الكهل، أبو سامح، وقتَ مروره بعربته ذات الشمسية الحمراء، عصر كل يوم، في شارعنا ينادي: "بَرِّد.. بَرِّد.."، أو إذا ما استقّر بعربته في آخر الشارع. يسند ذقنه إلى كفِّه. يردِّد أغنيته الأثيرة بصوته المتعب: "عَبِّي لي الجرَّة". أو إذا ما راح يتغزَّل بعربةٍ مكَّنته من إلحاق أبنائه الثلاثة بالجامعة. أرهفت أمي حِصَّة سمعها تتحقَّق من نداءات بائع الصُّرَّة. قالت بابتسامة واسعة إن تينا تنتظره منذ أسبوع. أزاحت طبق الرُّز عن ركبتيها تمدُّه إليّ: "امسك". تأمرني بأن أجرّب أن أكون ربّة بيت ولو لمرة واحدة في حياتي. وقفت، بقامتها القصيرة، تنفض ثوبها من بقايا رُزٍّ غير صالحة. اقتربت نداءات بائع الصُّرَّة أكثر: "خااام.. خااااام". جلستُ على الكرسي الخشبي القصير أُسند الطبق النحاسي إلى ركبتيّ. حثَّت أمي حِصَّة خطواتها الثقيلة إلى داخل البيت تنادي: "تينا.. يا تينا". اختفت وراء شراشف حبل الغسيل. خرجت بعد ثوان تتبعها "هندية" بيت عمِّي صالح السيريلانكية ترتدي الدَّرَّاعة المنزلية. معظم خدم المنازل من الهند، وكلمة هندية أو هندي، في حدود وعينا، لم تكن تعني سوى خادمة أو خادم: "هندية بيت أبي سامي الفلبينية، أو هندي بيت العويدل البنغالي". خادمة بيت آل بن يعقوب، كما تسميها خالتي عائشة: "بنت أمي حِصَّة"،

غيرةً وتهكُّماً على مبالغة حماتها في معاملة الخادمة معاملة طيبة، اسمها تينا، فتاةٌ أُميَّة سيلانكية جاءت من بلدها هرباً من الحرب الأهلية بين السنهال والتاميل. ما كنت لأدري بأنها لا تقرأ ولا تكتب لولا مكوثها في غرفتها نهاية كل شهر تسجل رسائل صوتية لأهلها على شريط كاسيت. قضت سنوات طويلة في بيت عمِّي صالح كأنها من أفراد العائلة، تشاركهم الطعام على الأرض كل يوم، وتأخذ من الوقت ما تشاء لمتابعة الأفلام الهندية عصر كل جمعة عندما يرتفع صوت أمي حِصَّة منادياً: "تينا! تعالي بسرعة! فيلم لـِ أميتاب باتشان!". نجلس مع تينا نتابع بشغف رغم مبالغات أفلام أميتاب الخارقة. لا يجرؤ أحد على تكليفها بأي عمل تزامناً مع عرض الفيلم. كان ذلك أمراً ملفتاً ما كنت لأراه لولا أن صاحب البيت.. أمي حِصَّة.

أحكمت أمي حِصَّة المِلفَع حول رأسها قبل أن تفتح تينا الباب الحديدي لبائع الصُّرَّة تدعوه للداخل. جلس الرجل أرضاً، بالقرب من الباب الحديدي، يفّك رباط صُرَّته الزرقاء، المُرَقَّعة بقطع قماش من كل الألوان، يفرشها فوق البلاط. تقدَّمت تينا نحوي أسف السِّدرة. مدهون شعرها بزيتِ جوز الهند. نهرتني آمرة بأن أترك لها كرسي "ماما كبير!". تركته لها أهزُّ رأسي مذعناً: "حاضر عمّتي!"، لا ضير في أن تكون، ما دامت في سِنٍّ تؤهلها لذلك. حملتْ الكرسي مسرعة نحو البائع. جلستُ على الأرض المتربة. كدتُ أسندُ ظهري إلى جذع السِّدرة. تردَّدتُ. رفعتُ رأسي أنظر إلى أغصانها من خلال الهوَّة أعلى السقيفة. انتبهت أمي حِصَّة: "لا تخاف! الجن يسكنها

فوق في الغصون". أرحتُ ظهري على الجذع أقوم بدور ربة البيت مرة أولى في حياتي. بين ترقُّبٍ لأي حركة تصدر عن جنِّياتٍ وفيّاتٍ لسدرتهن، وخوف من رجل عجوز حادّ الصوت مكفهر الوجه، وقلق إزاء ظهور محتمل لفأر جائع، كنت دائم الالتفات إلى قفص الدجاج. أتنفس بحذر. شيء من شهيق أطرده قبل أن يملأ رئتيّ، خوفاً من طاعونٍ، حدثتني عنه والدتي، تنقله الفئران إلى البشر. أمي حِصَّة أيضاً أخبرتني، ذات يوم، أنها شهدت زمناً في الكويت، قبل حوالي عشر سنوات من يومنا ذاك، انتشرت فيه حملات التلفزيون التوعوية لمكافحة الفئران والتحذير من خطرها: رأيت بعينيَّ فئراناً تهاجم القطط! قالت لي.

جلست أمي حِصَّة على كرسيِّها تمسك بطرفيّ إصبعيها جزءاً من مِلفَعِها، يحول دون وجهها وعينيّ البائع الذي لا يرفع وجهه عن صُرَّته احتراماً. تسند كفِّها الأخرى إلى وركها كلما انحنت تعاين الأقمشة قبل أن تختار تينا ما تريد. كنت أحاول تجنب النظر إلى وجه البائع ولا أستطيع. أختلس النظر إلى الرجل المسنِّ في حين كنت أُقلِّب حبَّات الرُّز بكفِّي الصغيرة. رجل قصير القامة لولا نفوري منه لشبهته بواحد من الأقزام السبعة المحببين. يعتمر عمامة يمنية. وجهه العابس أسمر مليء بالخطوط الغائرة. له لحية مدببة بيضاء المنبت تتحول إلى اللون الأحمر نزولاً. يرتدي معطفاً ثقيلاً وإزاراً بألوان متداخلة. كنت قد جمعت بعض الدويبة بعدما أزهقتُ أرواحها سَحقاً بين حبَّات الرُّز التالفة في كفِّي الصغيرة. أنتظر عودة أمي حِصَّة لأذكرها بسؤالي. كانت تتحدث مع الرجل فيما تتفحَّص

بضاعته. أمسَكَت بقطعة. سألته عن ثمنها. قبل أن يجيبها يحدِّدُ ثَمَناً، أجابته: "غالي!". ضحك الرجل. سألته أن يخفضَّ لها الثمن. اعتذر. راحت تُثني عليه وعلى بلاده: "اليمن أصل العرب"، وعلى ذلك يجب أن يكون كريماً معها. رضخ لطلبها ضاحكاً. أعاد لفَّ صرته بعد أن نقدته أمي حِصَّة ثمن "الخامات" التي اشترتها تينا من أجل أن تخيط أثواب الـ"ساري" لدى سليم الخيَّاط في مُجمَّع الأنبعي. التفت إليّ البائع يبتسم ابتسامة سَمِحة لم أتخيلها تلعو وجهه. انصرف مستأنفاً نداءاته قبل اختفائها آخر الشارع: "خااام.. خاااااام". أفسحتُ مجالاً لـ تينا تعيد الكرسي الخشبي إلى مكانه. جلست أمي حِصَّة تمدُّ يديها نحوي لأناولها طبق الرُّز بعد أن أسقطت مِلفَعَها على كتفيها. تنظر إلى أغصان الشجرة من خلال هوَّة السقيفة فوقها: "السلام عليكم". لم يرد الجن تحيتها. أردفتْ: "سكِّنهم مساكنهم". ابتلعتُ ريقي أناولها طبق الرُّز. بسطتُ كفّي أريها حصيلة الدور الذي مارسته. نظرت إلى مجزرة الدويبة في كفّي. هزّت رأسها مؤنبة: "ما تخاف الله!".

الذي لا تدريه أمي حِصَّة هو أنني كنت أخاف الشيطان وفقاً لصورته الشريرة، بِقرنَيه وذيله المدبَّب ورمحه ذي الرؤوس الثلاثة، في الوقت الذي يمثل لي الله الخير بكل صوره، أحمل له مشاعر جمَّة ليس الخوف من بينها. دسَّت أصابعها تفرِّق حبات الرُّز. استطردتْ: "هذه روح". التقطت بين إصبعيها دويبة. أفلتتها على الأرض الترابية متعمدة. قلت لها واثقاً: سوف تموت بعيداً عن الرُّز على أي حال. أجابت: "ربّك ما ينسى عبيده". نظرتُ إلى مصائد الفئران، تحمل

شعار وزارة الصحة، تنصبها حول قفص دجاجاتها. سألتها ماذا عن الفئران.. لا رَبَّ لها؟! ألقت ملفعها على رأسها بغير إحكام قبل أن تستقيم واقفة تحمل طبقها النحاسي. جرَّت خطاها نحو المطبخ المطل على الحوش دونما اهتمام لسؤالي. انسلَّت من بين شراشف حبل الغسيل. سمعتها حانقة: "عيال اليوم.. لسان يلوط الآذان!". تبعتها إلى المطبخ وقد أقعى قطٌ بُنيٍّ هزيل عند بابه، يهزُّ ما تبقَّى له من ذيل مقطوع. نظرتْ إليه: هذا فهد ينتظر الغداء! ضَحِكتْ، على قطٌّ يشبه حفيدها، قبل أن تطرده: "تِتْ تِتْ!". سبقتها عند باب المطبخ: "أمي حِصَّة.. أمي حِصَّة!". أجابت منزعجة: "خير؟"، من دون أن تلتفت. عدتُ أسأل: لم تجيبيني! حديقة الحيوان. قاطعتني ضاحكة: "الخِبل ما ينسى سالفته!". أزعجني وصفها لي خِبْلا في وقت كنت فيه، لدى والدتي، أشد الأولاد ذكاء وفطنة. كنت على عتبة المطبخ أقف. تينا تزيل القشور عن ثلاث سمكات مثلجة تتزاحم فوقها أسراب الذباب:" كِشْ كِشْ"، تطردها أمي حِصَّة. ناولتْ تينا طبق الرُّز وكأنني غير موجود. قالت إنني أريد أن أسولف، وهي لا وقت لديها للسوالف. هي تعرف أنني أنتظر الإجابة. أرادت أن تتسلّى بفضولي كعادتها. أجابتني سؤالاً:

- "جاوبني اِنت بالأول.. ليش تسأل؟".

أردتُ أن أثير فضولها أستعجل ردَّها:

- "أجاوبك بشرط تجاوبيني بالأول!".

سألتني حازمة:

- "نلعب؟!".

أجبتها بنفاد صبر:

- "عشان أروح حديقة الحيوان".

هزّت رأسها تفتعل اهتماماً. سألت بعدما ركَّزت نظرتها في عينيّ مباشرة:

- "وليش تروح حديقة الحيوان؟".

شعرتُ أن الأمر سوف يطول أكثر مما ينبغي، وقد تملكني الفضول لسماع إجابتها. أتوق لمعرفة اسم المنطقة، بإحدى الطريقتين، على لسانها. ليموت سؤالي فور ولادة جوابه. أجبتها كاظماً غيظي:

- "عشان أشوف القرود!".

تهلل وجهها المجعَّد:

- "أصيل يا ولد.. صِلة الرحم واجبة!".

* * *

يحدث الآن 12:43 PM

أديرُ محرِّك سيارتي، أغادر حيّنا القديم. بيت العم صالح ورائي. أتجه إلى مقرّ تجمعنا في الجابرية لربما وجدتهما هناك. أتجاوز شارع علي بن أبي طالب نحو جسر الجابرية. كان في ما مضى الشارع الوحيد في الكويت الذي يحمل اسمه، قبل أن تتكاثر الشوارع حاملة الاسم ذاته، شارع علي بن أبي طالب، إياه، في السُّرَّة، تلحق اسمه في اللافتة عبارة "رضي الله عنه".. غيره في مناطق أخرى، الرميثية والدسمة والقرين، يُلحق الاسم في اللافتات بـ: "عليه السلام". مناطق كثيرة ما عدنا نعرف أسماءها بعد تسميتها من قبل السكّان بأسماء جديدة، وكأن الأسماء حكرٌ على طرف دون الآخر. لم يتوقف الأمر عند، عليّ، الاسم، راح البعض يطلق أسماء على شوارعه، يتداوله نكاية بآخرين.. شارع يزيد بن معاوية وشارع ابن تيمية وشارع أبي لؤلؤة.

أدركُ الجسر بين منطقتي السُّرَّة والجابرية. فوق نهر البَين، كما يُسمي الأهالي امتداد الطريق أسفل الجسر، بين المنطقتين، بعدما طفح الشارع بمياه المجاري منذ سنوات. تجمعت فيه الأوساخ، تطفو على سطحه، مخلفة رائحة نفاذة تزكم الأنوف. تحطُّ تبَّاعة الجِيَف على ضفّتيه تشرب من مائه. يقال، إن كل أولئك الذين اختفوا أو تمت تصفيتهم، منذ اندلاع مصيبتنا، يستقرون في قاع نهر البَين. أُهدئ

سرعة السيارة. ألمحُ زحاماً في مقدمة يُنبئ بوجود حادث سير أو نقطة امن، يسمونها هكذا، رغم أنها تمنح الخوف وحده. لم يكن حادثاً، هذا ما أتبيَّنه عند اقترابي من الجسر. أرتبك. أتراهم عاودوا حظر العبور؟ ماذا عن الهدنة في يومها الثاني؟! مع اقترابي أكثر ألمحُ العلم الأسود، يؤكد حدسي، يرتفع بين مُلثَّمين يحملون بنادق. يتكئون إلى أكياس رمل يقيمون حاجزاً حديدياً يعترض الشارع بين إطارين يشتعلان ينفثان دخاناً أسود. الرائحة النتنة تزداد كلما اقتربت من الجسر. غريب أنني كلما شكوت من رائحة المياه العفنة يجيبني الأصدقاء: "أنت واهم!". وحده أيوب، من بين أولاد فؤادة، يضيقُ بالرائحة مثلي. أُكمِّمُ فمي وأنفي بكفِّي أواصل قيادة السيارة متمهلاً. أُخرجُ من تحت المقعد قطعة ورقية مربوطة بشريطة أحتفظ بها لوقت الحاجة. صورة قلب أحمر يتوسطه اسم زوجة النبي، كُتِبَ أسفله: "أم المؤمنين رغم أنوف الحاقدين". أرفعُ يديّ ممسكاً بالشريطة أنوي عقدها حول مرآة الزجاج الأمامي. نسيتُ أنني أزحت الزجاج بحجر ظهيرة اليوم! أخفي الورقة مجدداً أسفل المقعد وأستخرج بدلاً منها رزمة منشورات دعوية كُتِبَ عليها: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة، و..". أديرُ مؤشر المذياع على إذاعة أسود الحق. هي الطريقة الوحيدة التي تجنبني الوقوع في مشاكل مع حياد اسمي الذي يصعب معه تحديد طائفة يفترض أن أنتمي إليها. أفتحُ زجاج النافذة أناول رجلاً بلا لثام، يمسك بندقية، بطاقتي الشخصية: "الله بالخير". يتفحص بياناتي في البطاقة قبل أن يجيب: "وعليكم السلام ورحمة الله

وبركاته". يتفرَّس ملامحي يُمَسِّدُ لحيته الكثة. عابس الوجه. يشير بسلاحه إلى كفِّي، يسألني لماذا أكمِّم مداخل الهواء في وجهي. أبرِّر بأن الرائحة تؤذيني. يلتفت كمن يبحث عن شيء. ينظر إلى الإطارات المشتعلة. يشير إلى الواجهة الخالية من زجاجها يسألني عن السبب. أهزُّ رأسي أفتعل أسفاً: "أولاد الحرام.. كسَّروها". يبدي اهتماماً لما أقول. يتفحَّص سيارتي من الداخل. تقع عيناه على رزمة الأوراق. يسأل لصالح من أعمل؟ بودِّي لو أجيبه نحن أولاد فؤادة، ولكن.. أنظر ناحية نافذة السقف. أشيرُ بسبّابتي إلى السماء. يهزُّ رأسه مستلطفاً إجابتي. يستدير حول سيارتي يتفحصها. أنتهز فرصة ابتعاده. أرفعُ صوت الإذاعة أكثر. يعود يناولني الرخصة مبتسماً ابتسامة لم تغير شيئاً في وجهه. يحذرني: لا أنصحك بدخول الجابرية في هذا الوقت. أنظر إليه مستفهماً. يوضِّح: الرافضة يتربصون بنا. هي واحدة من كلمات يستخدمونها وصفاً لأعدائهم، رافضة؛ أولئك الذين يرفضون الترّضي على صحب النبي وزوجته عائشة، في حين ترى الجماعة الأخرى أنها رافضة للباطل منحازة للحق. أومئ للرجل برأسي أشير بسبَّابتي إلى السماء: ربك لا ينسى عبيده. أُكمل إجابتي في سرِّي ناظراً في وجه الرجل: لو كنتَ أمي حِصَّة، وأكون أنا دويبة! يسأل: معك سلاح؟ أهزُّ رأسي: "الحافظ الله". يمطُّ شفتيه قبل أن يستدير يصرخ بأحدهم: "اِفتح.. اِفتح..". أقطع الجسر حتى منتصفه. أحبُّ هذا المكان الوسط رغم زنخ المياه في الأسفل وعفونة رائحتها. برزخ بين جحيمين. مكان وحيد أجدني فيه بعد إعلان السُّرَّة والجابرية منطقتين تعادي إحداهما الأخرى. أخفِّفُ سرعة

سيارتي. ألتفتُ إلى اليسار، نحو حارة المشاة في جانب الجسر، أتذكرني هنا صغيراً تحت أشعة الشمس، أمضي بصحبة فهد عبوراً إلى الجابرية في رحلة مضنية من أجل مؤسسة الحَشَّاش للفيديو. في هذا المكان كانت ترتفع ألواح كبيرة تحمل شعار "كي لا ننسى"، انتشرت في 1991، قبل تسعٍ وعشرين سنة، واستمرَّت لسنوات. يبدو أنها كثيرة تلك الأشياء التي لم تُنسَ، وكثيرة تلك الذكريات التي نصنعها اليوم، نصدِّرها للغد، إن كان هناك غد، ولا أظننا ننساها.. ذاكرتي التافهة ترهقني! ألتفتُ، هرباً من داخل رأسي إلى خارجه. أنظر ناحية اليمين. أوقف سيارتي تجاوباً مع صراخ صبيَّة، أسفل الجسر، تثني ساقيها تجلس على ضفة النهر البَين تحملق فيه. تضمُ كفَّيها إلى بعضهما. تصرخ: "يُبه! يبه الله يخليك رد عليّ.. يُبه تسمعني؟". تنطلق أعيرة نارية في الهواء. تهرب الصبيَّة، بشعرها المنكوش وحقيبة تحملها على كتفيها، متعثرة بثوبها الأسود.

أرى من منتصف الجسر، نقطة أمنية قبل آخره، ترتفع منها الأعلام الخضراء هذه المرة. أُواري رزمة الأوراق أسفل المقعد. أدسُّ إصبعي بخاتم عقيق أحمله دائماً في درج السيارة. أديرُ مؤشر المذياع على محطة أخرى، تنطلق منها أصوات جماعية نُنشِد، على إيقاع منتظم للطم الصدور، أنشودة للإمام الحسين. أضغط بقدمي مداس الوقود حتى آخره قبل أن أكبس الفرامل بقوّة، متعمداً أن تصدر العجلات صوتاً عالياً على الإسفلت. يتحلَّق حولي ثلاثة فتيان ملثّمون يشهرون أسلحتهم نحوي: "اِنزل.. اِنزل!". أترجل بسرعة أتلفت إلى الوراء في هلع مفتعل: كاد أولاد الحرام أن يمسكوا بي

في الطرف الآخر من الجسر! يخفضون أسلحتهم. يبادر قائدهم: الله يلعنهم نواصب أنجاس.. لا بأس، هدئ من روعك. يلتفت إلى آخر: أحضر له ماء. يطلب مني أن أستريح في مقعدي. أسرح في كلمته، نواصب، أستعيد كلماتٍ تكررها إذاعتهم عمَّن يناصب العداء لآل البيت. يناولني قنينة الماء. أرفع رأسي أعبُّ منها على عجالة بلا افتعال للظمأ. أشعر بنزول الماء في جوفي بارداً. أخفضُ رأسي. ينتابني دوار. يسألني الفتى إن كنت على ما يرام. أعزو سوء حالي لرائحة المكان. يزيح لِثامه يتشمَّم الهواء. يسألني مستغرباً: رائحة ماذا؟ أتجاوز سؤاله. أختلق عذراً. أرجوه أن يسمح لي بالمرور: أنا ذاهب لزيارة مريض في مستشفى مبارك بالجابرية. يفسح لي طريقاً جانبية. يلوِّح مودعاً: "الله ومحمد وعلي ويّاك".

أمضي أقطع الطريق وحيداً.

* * *

رواية "إرث النار" الفأر الأول: شَرَز