الفصل السابع

12 0 00

الفصل السابع

خالتي عائشة، تمسك قلمها الأحمر، تصحِّح كشاكيل تلميذاتها في زاوية غرفة الجلوس. صارمة الوجه كما هي دائماً. لست أدري كيف تطيقها التلميذات في الفصل. امرأة لا تضحك لا تبكي. صادق وفهد وأنا، نستلقي على ظهورنا في أرضية الغرفة. أذرعنا مثنية تحت رؤوسنا. نسندُ أقدامنا الصغيرة إلى الخزانة الخشبية أسفل جهاز التلفزيون. فوزية على أريكة نصف مستلقية. تينا، في زاويتها عند السُلَّم تجلس على عتبته الأولى. نتابع حلقة من مسلم "على الدنيا السلام"، كانت فوزية قد سجّلتها على شريط فيديو. أحببنا هذا المسلسل التلفزيوني أكثر من أي مسلسل آخر، حبّاً يشوبه اعتزاز، لأن تصويره تم في منطقة السُّرَّة حيث نسكن. كنا، ثلاثتنا، إذا ما سلكنا شارع طارق بن زياد، بين الساحات الترابية مترامية الأطراف، مشياً على الأقدام، نشير إلى مواضع مختلفة منه بحبور؛ هنا كانت حياة الفهد وسعاد عبد الله، بطلتا المسلسل، في مشهد نهاية الحلقة الأخيرة، تجريان هرباً من الفئران، تلوذان بمستشفى المجانين! يقترح فهد اسماً جديداً للشارع عوضاً عن طارق بن زياد. الأولى أن

يكون اسمه شارع طارق عثمان، نسبة إلى مؤلف المسلسل. تقطع فوزية أمنية ابن أخيها: طارق عثمان فلسطيني، ليس كويتياً! يسألها: "وطارق بن زياد.. كويتي؟!". لا تجيب. كنا نجلس ساعات طويلة، نستند إلى سور مدرسة عبد المحسن البحر الابتدائية، المحاذي لشارع طارق بن زياد، مقابل المبنى الأحمر لمستشفى الطب النفسي في المسلسل، ننتظر ظهور إحداهما، محظوظة أو مبروكة، من دون جدوى. نحث الخطى مسرعين إلى بيتهما. ننتظر ساعات لا يخرج منه سوى أصحاب البيت الأصليين، يضحكون كما لو أنهم اعتادوا منظر الأطفال يتحرَّون ظهور الممثلتين أمام البيت. نُدير ظهورنا نمضي نحو مستشفى أبقراط في شارع ابن زياد. نراقب بوابته علَّ واحدة منهما تظهر. لا أحد. نعيد توزيعنا. فهد عند باب بيتهما، صادق عند مستشفى الطب النفسي، وأنا أمام بوابة أبقراط. لم نكن ندري أن التصوير قد تم قبل شهور من أيامنا تلك، وأن المبنى الأحمر، لمستشفى الطبا لنفسي، لم يكن سوى مركز شرطة قيد الإنشاء في منطقة السوق المركزي، وأن بيت سعاد عبد الله وحياة الفهد لا يعدو كونه بيتاً مثل أي بيت من بيوت السُّرَّة، وأن مستشفى أبقراط الذي حسبناه مستشفى تخصصياً لم يكن إلا صالة شيخان الفارسي للأفراح، استُخدمت واجهات المباني الخارجية في المسلسل وحسب. أي سعادة كنا نشعر بها تجاه ما خصنا به هذا العمل التلفزيوني، نحن أبناء السُّرَّة. كنا لا نكف أثناء المتابعة عن الصراخ فجأة إزاء أحد المشاهد: "شوف شوف!"، نشير إلى الساحة الترابية أمام مدرستنا! تنفجر فوزية: "هشششـ!". تطالبنا بالسكوت كي تتابع بهدوء.

نتجاهلها ونواصل تعليقاتنا. ولأن أمي حِصَّة ليست معنا، يرتفع صوت خالتي عائشة: "بس!". نخرس. ننتظر بشغف انتقال الأحداث إلى مستشفى الطب النفسي. رغم غضب خالتي عائشة، لا نكتم ضحكنا على نزيلات المستشفى بأشكالهن وإيماءاتهن المضحكة، وعلى منظر محظوظة ومبروكة مقيدتين إلى السرير، تصرخان، أثناء علاجهما بالصعقات الكهربائية. تينا تغالب ضحكاتها. تصرخ بها خالتي عائشة: "اِنتي! على شنو تضحكين؟! قطيعة!". تشير بسبَّابتها إلى الباب آمرة: "المطبخ!". تترك تينا زاويتها، في حين نواصل ضحكنا على مجنونات المسلسل. وحدها فؤادة عبد العزيز، في دور مدرِّسة التاريخ السابقة، بثوبها الأحمر القاني وربطة شعرها سماوية الزرقة، من بين كل نزيلات مستشفى الطب النفسي، تفسد عليّ استمتاعي بمتابعة المسلسل إذا ما انطلق صوتها ذو البحَّة يسبق صورتها. تطوِّق مصيدة فئران برتقالية اللون بذراعها. تسير في الممرات محذرة: "الفئران آتية.. احموا الناس من الطاعون". تُرعبُ المجنونات بظهورها المفاجئ، تستنفر الممرضين، تربكُ الدكتور شَرقان ومدير المستشفى أبا عقيل و.. أنا. صوتها مؤهلٌ ليكون رابع أصوات الرعب القديمة؛ نداءات بائع الصُّرَّة اليمني، ونفير صافرات الإنذار، ونباح كلب الجيران السلوقي. خوفي من فؤادة، متحالفاً مع ما سمعته عن برامج تلفزيون توعوية قديمة تحذر من خطورة القوارض، بات وسواساً قسرياً إزاء الفئران زمن طفولتي. ما عاد ميكي ماوس من الشخصيات الكارتونية المحببة. فقدتُ تعاطفي مع جيري. أصبحتُ أجد لـ توم ما يبرِّر عدوانيته. كنت أحاول أن أواري خوفي من

تلك الشخصية، إلا أن لا شيء يخفى على فوزية التي صارت تُسكتني، إذا ما ناكفتها، تمثيلاً لدور فؤادة. تُفَخِّم صوتها تُضفي عليه بحَّة مخيفة، تبحلق في وجهي: "كتكووووت". تلوِّح بسبَّابتها: "أنا التاريخ كله! وأحذركم من الآن؛ الفئران آتية.. احموا الناس من الطاعون!". كانت قد تعرَّفت طريقاً لا يمكنني مجاراتها فيه.

مرَّت بنا أمي حِصَّة، تاركة غرفتها متجهة إلى المطبخ في حوش البيت. سألت: "وين تينا؟". اكتفينا بالالتفات نحو خالتي عائشة. توقفت أمي حِصَّة قبل الممر المؤدي إلى الخارج تلتفت نحونا: "اهتمّوا بدروسكم أخيَر من التلفزيون". لم نتجاوب معها. أردفتْ: "أجهّز لكم عشا.. لبنة وزيت زيتون وزعتر". استأنفت سيرها إلى المطبخ تنصح بأن نأكل الكثير من الزعتر لنصبح أذكياء مثل الفلسطينيين، ولنحصل على تقدير "مُنتاز!". كنا، في ذلك الوقت، قد آمنا بأسطورتها تلك؛ أسطورة الزعتر، إذ لم نجد مبرِّراً مقنعاً لتفوق التلاميذ الفلسطينيين في مدارسنا وحصولهم على المراتب الأولى دائماً سوى الزعتر الذي يأكلونه كل صباح. أكلنا الكثير منه حتى ملَّته بطوننا من دون فائدة. كنت، في السنة التي اشترى لي فيها والدي الدراجة الهوائية، قد نلتُ المرتبة الأولى في مدرستي، من دون زعتر. متفوقاً على بقية الطلبة، عدا الأخوين الفلسطينيين سامر وحازم بطبيعة الحال، إذ هكذا كنا نُصنِّفها مرتبةً أولى على الكويتيين، مع إيماننا المطلق بأنها مرتبة، في المجمل، لا يدركها إلا تلميذ فلسطيني رضع الزعتر مع حليب أمه.

لم نكن قد فرغنا من متابعة المسلسل حين دخل عمِّي صالح يحمل صندوقاً كرتونياً أبيض، يحمل حروفاً إنكليزية حمراء HITACHI وضعه

على الأرض وسط غرفة الجلوس. قال مبتهج الوجه: كاميرا فيديو يابانية الصنع. منذ تلك اللحظة أصبحت الكاميرا واحدة من أفراد بيت آل بن يعقوب، تنتصب طيلة الوقت في زاوية غرفة الجلوس، محمولة على قاعدتها المعدنية، مغطاة بعباءة قديمة تحفظها من الغبار. كانت ترعبنا، قبل أن نعتادها، مثل عجوز قصيرة تتشح عباءة تملؤها الثقوب لا تفارق زاويتها. أسميناها في ما بعد: "تمثال أمي حِصَّة"، رغم انزعاج جدَّة فهد من التشبيه: "آنا قصيرة.. لكني مو قزمة!ط.

تهلَّل وجه خالتي عائشة، في صورة ما ألِفتُها عليها، إزاء تدشين مرحلة جديدة تخلِّدُ فيها ذكرياتٍ حيَّة بدلاً منها جامدة في صور الكاميرا الـPolaroid الفورية. تحلقنا حول الكاميرا مثلما تجتمع فئران أمي حِصَّة حول بيضة مكسورة في قفص دجاجاتها. كاميرا كبيرة تُثبَّتُ إلى الكتف، أو إلى حامل معدني ذي ثلاثة قوائم، موصولة بجهاز فيديو VHS وشاحن كهرباء. جاءت أمي حِصَّة يقودها فضولها بسبب ضجيجنا، تتبعها تينا حاملة أطباق العشاء الأسطوري. لم أترك بيت عمِّي صالح ذلك المساء إلا بعدما فرغ من تركيب كاميرته وشحن بطاريتها. وقفنا، في الممر، صفّاً واحداً أمام الكاميرا، بين مزهريتيّ ريش الطاووس، تظهر وراءنا صورة "الريِّس"، على حدِّ تسمية عمِّي صالح. اعتدلنا في وقتنا، فهد وصادق وأنا، أمام عدسة الكاميرا لتجربتها. فرصة لاستعراض مواهب تمثيلية. بدأ ضوء الكاميرا الأحمر يومض. شرعت خالتي عائشة، من وراء الكاميرا، بوجهٍ لا يشبهها، ترِّدد أغنية شعبية قديمة: "وين راح أبوي وين راح أبوي؟". لمعت عينا أمي حِصَّة تنظر إلى كنَّتها بحزن: "الله

يرحمه". توحدت أصواتنا، أمام الكاميرا نجيب خالتي عائشة غناءً: "راح البصرة.. راح البصرة". واصلت أسئلة الأغنية: "اِش يجيب لي، اِش يجيب لي؟ شَرَق ورَق شَرَق ورَق". تبتسمُ وِسع فمها: "وين أحطّه وين أحطّه؟". "في صْنيديقي في صْنيديقي". ارتفعت أصواتاً أكثر بلحن بطيء نكمل الأغنية: "الصندوق ماله مفتاح.. المفتاح عند الحدَّاد". كلمة الحدَّاد تترك أثر استحسان على وجه فهد، رغم أن لا علاقة لحدَّاد الأغنية بمؤيد الحدَّاد اللاعب. تنتهي الأغنية بـ: "المطر عند الله". هزَّت أمي حِصَّة رأسها تجاوباً: "لا إله إلا الله". اقتربت فوزية مقاطعة. تردَّدَت. سألت شقيقها إن كان يسمح لها بالغناء. كاد أن يجيبها لولا أجابتها أمها نيابة عنه مشجعة: "غَنِّي.. غَنِّي يا فوزية". أومأ عمِّي صالح برأسه يفتعل ابتسامة. شرعت أمي حِصَّة تُصفِّق. راحت فوزية، فور اشتعال ضوء الكاميرا الأحمر، تقلد سناء الخراز، فنّانتها الوطنية الأثيرة، تغني للأمير: "لقيناه، يا أحلا أيام العمر.. وعشناه، فرحة على قلوبنا تمر.. جابر أبونا من عمر". زغردت أمي حِصَّة. أدار عمِّي صالح كاميرته باتجاهها يلتقط المشهد. ألقت مِلفعَها على وجهها بحركة سريعة تخفيه عن الكاميرا. قهقه ابنها خلف كاميرته: "تستحين من الكاميرا يُمَّه؟!". استحالت صنماً. لا صوت لا حركة. أدار عدسة الكاميرا، ضاحكاً، إلى حيث كانت أسفل الصورة على الجدار. عادت الحياة لأمي حِصَّة. فوزية تواصل غناءها: "عاش الأمير المفتدى.. وكلنا له فِدى". قاطعها عمِّي صالح بعصبية: "بس.. كافي!". تمتمَ بوجهٍ ممتعض: لو أن البرلمان لا يزال..! ترك جملته مفتوحة على احتمالاتها. استعد فهد شادّاً جسمه، نافخاً

صدره كديك يوشك أن يصيح، يؤدي تحية عسكرية، يحاكي أخبار الجبهة التي يبُثُّها تلفزيون العراق، وقتَ ينقله اللاقط الهوائي آنذاك مشوَّشاً. انطلق بلهجة عراقية أحببناها صغاراً: "أنا المُجَنَّد عطيّة خضيِّر، الفرقة الثامنة.. أُحيِّي سيّدي القائد من معسكر أربيل وأُبشِّره بنصرٍ من الله قريب". انتبهتُ إلى صادق، احمرَّت أذناه، بدأ ينسحب إلى ما وراء الكاميرا بوجه محبط. فغرت أمي حِصَّة فمها إزاء أداء حفيدها. تضحك ممسكة بملفعها متأهبة لتغطية وجهها في أي لحظة تلتفت نحوها عدسة الكاميرا. عمِّي صالح يكتم ضحكاته وراء كاميرته. دفعني الحماس لمقاطعة فهد باللهجة إياها: "أنا المُجَنَّد حمزة أبو المعالي، من الفرقة الثالثة، مدرعة تكريت، أُسَلِّم على أهلي وعشيرتي..". قاطعني عمِّي صالح مؤنباً: "الرَيِّس أول شي!". تداركتُ مصححاً: "أأأ.. أُسلِّم على بطل القادسية سيِّدي رئيس الجمهورية..". لم يستمر المشهد طويلاً. ختمناه بالتلويح عالياً. نضرب الأرض بأقدامنا، على طريقة الهوسة العراقية، مردِّدين: "كلنا جنودك سيِّدي.. كلنا جنودك". ربما هي المرة الوحيدة التي رأيت فيها خالتي عائشة تبتسم ذلك المساء. تنظر إلى الكاميرا الجديدة بحبور. تُؤمِّن حياةً خالدة لمن تحب. انتبه عمِّي صالح إلى غ ياب صادق المفاجئ بعد أن مضى الأخير إلى نهاية الممر خروجاً. صاح به:

- "تعال يا ولد!".

اختفى صادق. لم يحفل بنداءات عمِّي صالح الذي صاح به مُستفِزاً:

- "تعال سلِّم على الخُمَيني!".

انتهى المشهد، في ذاكرتي، بصوت ارتطام باب الحوش الحديدي.

* * *

يحدث الآن 3:10 PM

أتصلُ بضاوي، بعد بثِّ موجز الثالثة، أطمئن إلى وصوله، وهو المكشوف للطائفة الأخرى بمجرد النظر إلى وجهه وقراءة اسمه كاملاً في البطاقة الشخصية. لا يرد على اتصالاتي. لا أدري إلى مَن أوجه قلقي. لن أغفر لنفسي إن أصابه مكروه، وأنا من طلب منه المجيء. لا قدرة لي على الانتظار. أدسُّ قدميَّ بنعليّ الحمّام أزمعُ على ترك المقر ذهاباً إلى الفيحاء أتأكد من وصوله. أنتظر في الممر المصعد. يسبقه اتصال أيوب. كارثة ما أستشعرها بصوته الذي يجيء مضطرباً على غير عادة. كان الانفجار الذي سُمع منذ قليل، في مناطق عدة، رداً على إشعال النيران في مسجد عبد الوهاب الفارس، في منطقة كيفان، الأسبوع الماضي. أستوضحه عن قصده. يجيب بغير يقين: أخبار، أو ربما شائعات، عن نسف أحد المباني في الجابرية. أُكرر كلمة جاءت في جملته مستفهماً: نسف؟! يتردَّد قبل أن يستطرد: البعض يؤكد أنها "حسينية". أُسندُ ظهري إلى الحائط. باب المصعد مشرع. يطبَق بعد ثوان. لا تحملني قدماء على السير. يردفُ بحسرة: يا أخي جماعتكم أولاد كلب! تصعقني الكلمة؛ جماعتنا، وأنا الذي لا جماعة لي عدا التي أسسناها زمن الجهل؛ أولاد فؤادة! أصرخ به لعله يستفيق: أيوب! يلوذُ بِصَمتِه. أرجوه: إلا أنت! هو في حال لم أعهده عليها قط. ليس أيوب الذي أعرف من يحدثني الآن. أرجوه، وحادثة

الصباح، بصوَرها وأصواتها، لا تبارح مخيلتي: لا تكرر ما جرى لنا فجر اليوم أرجوك! يطلق زفرة حرَّى: أستغفر الله. يسألني كمن تنبَّه من غفلة: أنت، حتى الآن، لم تخبرني بما جرى فجر اليوم! أجيبه: بعدين. لا يصرُّ على سماع إجابة كأنه يخشاها. يسأل: هل يستدعي الأمر قلقاً ينتابني الآن؟ أُنهي مكالمتنا: لا تقلق.

أقطع الممر عائداً إلى الشقة لا ألوي على شيء سوى الذهاب إلى مكان الانفجار. نصحني أيوب بأن أستعين بمعداته في المخزن لأبرِّر وجودي في مكان الحادثة. أعثر، بينها، على كاميرا صغيرة تفي بالغرض، وزوج أحذية استخدمته رغم مقاسه الذي لا يناسبني، وقميص بلا أكمام يحمل في ظهره شعار جريدة "الراي". أي سخرية هذه! كنت أستخدم مايكروفون فهد قبل قليل، أجدني الآن في ثياب أيوب! أعود إلى جهاز الإرسال أعتذر للمستمعين عن مواصلة بث البرامج على أن نعاود بَثَّها لاحقاً. أقوم بتشغيل أغانٍ لست أؤمن بجدواها.

في الممر، لا أكاد أكبس زر المصعد ثانية حتى يكشف بابه عن ضاوي بوجه باسم، تسبقه رائحة دهن العود. يحمل مصباحاً يدوياً وحزمة شموع وقِدرَ طعام وفندوس تمر. أتناسى إصراري على بقائه في البيت. يكاد يتجاوز باب المصعد لولا أنني أقبلُ عليه أعانقه. يطبق المصعد بابه على كتفينا: هوِّن عليك يا وَجُل! يقول وهو يحاول ألا يُسقِط الأغراض من يديه. أسأله عن القِدر. يكتفي يُذكِّر: اليوم الخميس. هو صائم كدأبه أيام الاثنين والخميس. يسألني عن فهد

وصادق. أهزُّ رأسي: لا خبر. يتفرَّس ملامحي ثم ينظر إلى ساعة معصمه: هل تخفي شيئاً؟ لا أُحير جواباً. أنا غير متأكد. يبتسم: "يجيب الله مطر". يرِّن هاتفه ينبهه إلى رسالة. يقرؤها. يمتقع وجهه. يمدُّ يده أمام وجهي يريني شاشة الهاتف: في انضمامك إلى جماعة مشبوهة، غير جماعتك، خروج عن الملِّة. أستفهمه. يجيب: هذا بسبب تأييد شبكة الملاحدة. أسأله: يؤيدون من؟ يُطمئِن: لا عليك. يُغلِّف إحباطه بابتسامة وهو يكبسُ أزرار هاتفه. لا أتردَّد أنظر إلى شاشة الهاتف بين يديه أقرأ ردَّه على المرسل: المِلَّة ليست بيت أبيك تطردني منها وقتما تشاء! أمسكُ بهاتفه قبل أن يرسل الرد. لا أواري شعوري: تمهَّل! يضحك وهو يدفعني يواصل سيره إلى المقرّ: من يرتدي قميص أيوب عليه أن يتحلى بصبره وبرود أعصابه.

لو أنه سمع صوت أيوب في مكالمته قبل قليل!

* * *

رواية "إرث النار" الفأر الأول: شَرَز