مقدمة

9 0 00

كلمة

أنا التاريخ كله، وأحذركم من الآن، الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون!

فؤادة

زُور..

اِبن الزَّرزور..

اِللي عُمره ما كذب ولا حَلَف زُور:

(-1)

إذا ما ألحقت والدتي كلماتها بـ: "والله"، صار الأمرُ إلهيّاً!

كنت في السابعة من عمري عندما اشترى لي والدي درّاجتي الهوائية الأولى، هدية تفوّقي في المدرسة. منعتني والدتي من قيادتها في حوش بيتنا ظهراً، خوفاً عليّ من درجة حرارة تتعدّى، أحياناً، الخمسين مئوية. هذا ما كانت تقوله. ربما هو سبب حقيقي، ولكنه ليس السبب الوحيد.

كانت والدتي قد تغيّرت. لم تعد كما يصفها والدي مناكفاً "ناظرة في المدرسة وفي البيت". صارت قلقة، تنتفضُ كلما ارتطم بابُ الحوش الحديديّ بفعل الرّيح، وتردَّدَ دويّهُ في الشارع. تصرخُ إذا ما أطلق صِبية الحيّ ألعابهم النارية، احتفالاً بفوز فريق كرة قدم، أو لسببٍ آخر، أو لغير سبب. تتسمَّر أمم التلفزيون لساعاتٍ، تترقَّب نشرة الأخبار. تتصل بوالدي عشرات المرَّات في اليوم الواحد. تقضم أظفارها، تغمغم، تمسح دموعها خلسة. هذا هو ما صارت عليه والدتي، منذ تفجيرات المقاهي الشعبية عام 1985، قبل شهرٍ واحدٍ من حصولي على تلك الدرَّاجة.

كان من بين ضحايا التفجيرات جارنا المسنّ. خرج من بيته ولم يعد، تقول والدتي التي بكته كثيراً طيلة أسبوع: مات المسكين.. ترملت حِصَّة، مرضت ابنتها.

كنتُ أتحيّن لحظة استيقاظ والديَّ من قيلولتهما، لأحصل منهما على مفتاح البيت، حتى يتسنى لي الخروج واللعب بدَّراجتي. طرقتُ، ذات ظهيرة، باب غرفتهما الموصد. "ها؟!"، ردَّت والدتي بعد طرقات متكررة. سألتُها: "متى أسوق القاري؟". جاءني صوتها مثقلاً بالنُّعاس: "إذا غابت الشمس". قرَّبتُ شفتيّ إلى ثقب الباب. وعدتها بألا أتجاوز سور الحوش بالدرَّاجة. لم ترد. عدتُ إلى غرفتي، أطلُّ من النافذة على سبب إقامتي الجبرية داخل البيت، تلك المشرقة أبداً وقت لهفتي للخروج. نظرتُ إليها بعينين نصف مغمضتين. لا تتحرك! كنت أعرف بأن الشمس محض حجَّة، وأن والدتي تخشى أن أخرج من البيت أثناء نومها، وأتعرض لحادث مثل جارنا، ولا أعود، رغم أن المقهى الشعبي بعيدٌ ناحية البحر، ولا يمكنني الوصول إليه حتى مع الدرَّاجة. كان خروجي إلى الحوش مرهوناً بأوقات صحوها، حتى تتسنى لها مراقبتي من نافذة غرفتها، ما دمتُ أدورُ حول البيت بدرَّاجتي.

أدرتُ للنافذة ظهري. اقتعدتُ الأرض، أعبث بأغلفة أشرطة الفيديو. لا شيء يستثير اهتمامي بين أفلام كارتون ومسرحيات أطفال أحفظها كاسمي. أهملتُ ميكي ماوس على شاشة التلفزيون الصغيرة. بنيتُ بيوتاً ودهاليز من أغلفة الأشرطة. أمسكتُ بدُمية هولك هوغان المصارع، أدسّها في قلب مدينة الأغلفة قبل أن أهدّها فوق رأسه خراباً. دأبي كلما سئمتُ أو غضبتُ، أن أبني مُدنا لأجل تدميرها على رؤوس دمى المصارعين والحيوانات البلاستيكية. دقائق مرَّت كالساعات. عاودتُ النظر عبر النافذة. كل شيء يتحرَّك في السماء، التي تُقسِمُ والدتي بمن رفعها؛ نتف غيوم وزرازير وحمام، وطائرة ورقية

زرقاء عَلِقَ خيطها في أغصان سِدرة الجيران. وحدها الشمس ثابتة في مكانها. لمحتُ، في حوش الجيران، فهدّاً يحمل كرة بحجم كرة تنس، ينحني يجمعُ حجارة. لعلَّه يتجهَّز للعبة "عنبر" مع صِبية الشارع. في مكان آخر من الحوش يكسر صادق بيضة على غطاء البالوعة الحديدي، يراقب نضوجها ببطء على سطح الحديد الملتهب بحرارة الشمس.

تركتُ غرفتي سالكاً الممر نحو غرفة والديّ. عاودتُ طرق الباب مجدداً: "يُمَّه! متى أسوق القاري؟". تناهى إليَّ صوتها: "أفففف!". ألصقتُ أذني على الباب. تسلل صوتها، عبر الخشب، متوِّجاً مع هدير "الكنديشة"، مكيِّف الهواء الجِنِرال، كأنها محشورة داخل قوقعة. هدَّدَت: "يا ويلك إذا سألت عن القارئ وآنا نايمة". ليتها اكتفت عند تهديدها الأول دونما استطراد: "والله، إللي رفع السما، إذا سألتني عن القاري وآنا نايمة ما تسوقه طول عمرك! اِصبر لّما تغيب الشمس!". مرَّت دقائق أخرى أقف فيها أمام الباب. احتفظتُ بسؤالي داخل فمي خائفاً. أدريها إذا ما أقسمت بالله، صار الأمرُ يخصّه، ولا رجعة لوالدتي فيه.

نفاد صبري، إزاء تلك الثابتة في السماء، دفعني لطرق الباب مرة ثالثة. انطلق صوتها عالياً: "وبعدين!". ازدردتُ ريقي. عاودتُ المحاولة: "يُمَّه!". تلكأتُ قبل أن أسأل: "متى تغيب الشمس؟!". ارتفعت ضحكات والدي من وراء الباب. سمعتُ صرير سريرهما. "ما في نوم!"، سمعتها تغمغم. فتحتْ الباب بعنف، نظرتْ إليّ بعينين متورمتين، وابتسامة زمَّت عليها شفتيها غصباً؛ أنتَ تجيد طرح الأسئلة، قالت، ثمّ مدَّت كفَّها إليَّ بالمفتاح: "خذ".

* * *

لا تقدح شرراً

لا تكشف سرّاً

فتثير زوابع ليس لها حدٌّ

والراحة تحت يديكَ

ولديك المجدُ..

والحكمة في ظل الصمتِ

والأمل المنشود.. لدى الموتِ!

أحمد مشاري العدواني

الفأر الأول

شَرَرْ

يحدث الآن 12:00 PM

أستعيد وعيي. أشعة الشمس، المتعامدة فوقي، تستحيل فضاء أحمر داخل جفنيّ المطبقين. خيوط سائلة تنزُّ من مفارق شعري الأشعث، تصنع بقعة أسفل مؤخرة رأسي. أفتح عينيّ ببطء قبل أن أطبقهما بشدّة بفعل أشعة الشمس. وخزُ الحصى تحت ظهري.. جفاف ريقي وشفتيّ ومذاق التراب في فمي. شيءٌ يعيدني إلى مشهد أخير يراوح بين حلم ويقظة. ألّم ينبض فوق حاجبي الأيسر. أتحسَّس السائل أسفل رأسي بأطراف أصابعي: "دم؟!". أُقرِّبُ كفِّي إلى وجهي. ظِلُّها المرسوم على وجهي يُبدِّد الفضاء الأحمر. أفتح عينيّ بحرص أعاين لون السائل على أناملي، آملاً ألا يكون أحمر هو الآخر. أطلقُ زفرة ارتياح؛ "عَرَق". أطبقُ جفنيّ.

خدر كتفيّ وتنميل ظهري يشيان بطول مدَّة بقائي على حالي هذه. أمدُّ كفِّي أتحسس جيب دِشْداشَتي الأيمن. هاتفي المحمول وعلبة سجائر فارغة. أتحسَّس الجيب الأيسر. شعور بالطمأنينة ينتابني لوجود مفتاح السيارة. "الصندوق ما له مفتاح"، الأغنية إياها، بأصواتنا.. أطفالاً. ما الذي يستدعيها من أين؟ أنهضُ بصعوبة. أعتدل جالساً. لريقي مذاق غير مألوف. أكاد أبتلع شيئاً ظننته حجراً. أبصقُ دماً بُنِّياً مثل بانٍ خلَّفه الهنود بصاقاً على الأرض يوم كانوا في بلادنا. أسعل. ألفظُ سنّي العالقة في حنجرتي. أصوات

الأطفال في رأسي تخبو وترتفع: "المفتاح عند الحدَّاد". ساقاي ممدودتان على حالهما كأنهما لغيري. الدِشْداشَة مرتفعة إلى ما فوق ركبتيّ. أنظرُ إلى قدميّ، إحداهما بنعل، والأخرى بلا. صورة نعلي المفقودة، مقلوبة في مشهدها الأخير، لا تبارح مخيلتي. أستلُّ نَفَساً عميقاً. أُعبئ رئتيّ هواءٌ نتن الرائحة. أُطلقُ آهةً طويلةً. أهزُّ رأسي. ألتفتُ حولي في الساحة الترابية أتأكد من سلامة ذاكرتي. أجدني مقابل حديقة جمال عبد الناصر. أطلال مطعم ماكدونالدز أمامي. حسناً.. أنا في منطقتي، في الروضة. أهزُّ رأسي مطمئناً. تعاون الأصوات الغناء: "والحدَّاد يَبي فلوس".

سيارتي هناك، كومة خردة على عجلات، بالكاد أتعرَّف هيئتها الجديدة، في مكان ليس ببعيد عن سيارة فهد، في حين لا أجد سيارة صادق. الناس هنا كلٌ يمضي في وجهته دونما اكتراث لي، رغم ساعات أمضيتها خارج وعيي ممدَّداً على الأرض. تتشكل في مخيلتي صور لعادة كانت.. ما عادت. اجتماع الناس حول ضحايا الشجارات أو الحوادث بدافع الفضول أو المساعدة أو التصوير بواسطة كاميرات هواتفهم المحمولة، أما والحالة هذه.. فلا رغبة لأحد بتوريط نفسه بأي شيء. والدتي كانت دائماً تقول: "من خاف سلم!". أما أمي حِصَّة فتكره الخوَّافين. سَلِمَت الأولى. ماتت الأخيرة.

أنظرُ إلى حالي؛ الخوف، الناس برؤوسٍ لا تلتفت. ومع ذلك فإن أحداً في هذه البلاد، رغم الخوف، لم يسلم. أُلصِقُ باطن كفيّ على الأرض المتربة أدفع جسدي للنهوض. أضربُ كفيّ ببعضهما ما إن أنتصبُ واقفاً قبل أن أضرب مؤخرتي بحركة تلقائية أُزيل الغبار

الرمادي عن ثيابي. أضغطُ ركبتي أسكِّنُ ألماً. أعرجُ نحو سيارتي. ألمُ ساقي لا يُحتمل. جوقة الأطفال في رأسي تغني: "والفلوس عند العروس". عروس الخليج. أتلفَّت حولي. لا شيء يشبهها. أهرب من تسمية قديمة. أهرب من كل شيء. أعاود النظر باتجاه سيارتي: "والعروس تَبي عيال". عيال فؤادة ربما! أقول لنفسي. أتوقف. أُحرِّر قدمي من نعلها. أواصل مشيتي العرجاء. أفتحُ باب السيارة. شظايا زجاج النوافذ تكسو المقعد تتلألأ انعكاساً لأشعة الشمس. أجرُّ خطواتي إلى صندوق السيارة الخلفي أفتحه. أبحث عن شيء. أي شيء. الصندوق فارغ إلا من عجلة احتياطية. أنزعُ عنها غطاءها الجلدي السميك قبل أن أعود حيث كنت. أُزيلُ قطع الزجاج الكبيرة من فوق المقعد بحذر. أفرشُ الغطاء الجلدي على ما تبقى من شظايا قبل جلوسي. الزجاج الأمامي للسيارة متماسك رغم تهشمه. خطوط شبكية لا تسمح برؤية ما وراءها. أترجل. أبحث عن حجر أزيل بواسطته الزجاج. في هذا الوطن، في هذا الوقت، الحجارة هي أسهل ما يمكن العثور عليه. لا يُخلِّفُ الهدمُ إلا حجارة لا تصلح للبناء! حجارة كبيرة، أو صغيرة كتلك التي جمعناها صغاراً للعبة الشعبية؛ عنبر، أو التي ننتقيها بعناية، تليق برأس يهودي عند تقمُصنا دور أطفال الحجارة الفلسطينيين، عندما كان اليهودي، بتلقين من أمي حِصَّة، يعني إسرائيلياً. عندما كانت إسرائيل، بتلقينٍ جمعي، عامل كره مشتركاً.

"والعيال يَبون حليب.. والحليب عند البقر". تتشكل في مخيلتي صورة بقرة في طرحة زفاف، جافٌّ ضرعها. يبدو أن للكدمة في

رأسي دوراً في هذه الصور والأصوات. أنحني. أمسكُ بحجر مناسب بين التراب الرمادي. أرفعه بيديّ. أهوي به على الزجاج.. مرة تلو أخرى.. هذا جيد، أقول بعدما أفرغ من عملي. أعود إلى مقعدي ثانية. أجدُ شظايا الزجاج الأمامي متناثرة فوق الغطاء الجلدي. أُفلتُ ضحكة في فورة غضبي، هذا سيئ! أسحبُ الغطاء برفق. أنفضه خارج السيارة. أعيده إلى مكانه قبل جلوسي خلف المقود. أنظر إلى واجهة السيارة الخالية من الزجاج أمامي. لا مفرّ من الرائحة! أتحسَّس هاتفي المحمول في جيبي. عشرات اتصالات ورسائل هاتفية من أصدقاء. من والديّ في لندن. أخرى من مجهولين يسألون عن خللٍ في إذاعتنا وتكرار أغنية وطنية واحدة عوضاً عن بثِّ برامجنا اليومية المعتادة. رسالة بريد إلكتروني من الناشر في بيروت: "فرغنا من تصميم غلاف روايتك "إرث النار". أنصح بحذف أربعة فصول. هذا من أجل سلامتك، ومن أجل مصلحة الدار. أنتظر موافقتك لأرسل الرواية إلى المطبعة". بعضنا، خشية منع الرقيب، يصيرُ رقيباً عن طيب خاطر. أُهملُ الرسالة والاتصالات. أُهملني. أُهمِلُ كل شيء. أمسكُ هاتفي المحمول أتصل بصادق: "الجهاز مغلق"، أتصل بفهد. يجيبني الرَّد الآلي: "أنا حالياً غير موجود.. الرجاء ترك رسالة". يُلحقُ جملته المسجلة بأغنية لعبد الكريم عبد القادر: "بيني وبينك غُربةٍ كنَّها الليل، ما عاد يذكرنا مكان التلاقي.. اِرحل مع النسيان ويَرْحَل مع سهيل، ما عاد في قلبي لك اليوم باقي". في كل مرة يترك أغنية لعبد الكريم عبد القادر أعرف مزاجه، مع زوجته، من خلالها. هذه المرة تحيلني الأغنية إلى زمن جدَّته، في شارعنا القديم، وحكاياتها

الشعبية حول نجم سهيل وأساطيره. زمنٌ شَخَصَ فيه بصري نحو السماء البعيدة الصامتة حاضنة الأسرار، مكن الإجابات عن أسئلتي المستعصية. أنتبه إلى صوت الصفّارة يقطع الأغنية. أترك رسالتي بصوت لولا خروجه من حنجرتي لما تعرَّفتُ إليه: "ألو فهد.. أرجو اتصل". أُجري اتصالاً ثالثاً: "ألو أيوب! أي أخبار عن صادق وفهد؟". يجيب سؤالي سؤالاً عما جرى. أجيبه: "ولا شي.. أكلمك بعدين". أُمَنِّي نفسي بإجابة في اتصال رابع: "ألو ضاوي!". يسبقني يسأل: "اِنت وينك؟ عمّتي اتصلت من لندن تسأل عنك! وين فهد وصادق مختفين من الصبح؟!". أجيبه بفم يابس ولسان مُر: "ما أدري وينهم". يطلق زفرة طويلة. يُطمئِن بلازِمته: "يجيب الله مطر". تنشط الأغنية: "والبقر يَبون حشيش. والحشيش يَبي مطر". أرفعُ رأسي إلى السماء الخالية إلا من الشمس، وتبَّاع الجِيَف، نذير الشؤم الأسود يحوم مثل موتٍ مؤجل. يفردُ جناحيه الكبيرين، يُحلّقُ عالياً، يتحرَّى أسباب نزوله، قبل أن يُحطّ على الأرض يجسد العُقاب ورأس البومة ولون الغراب، يستمد حياته من موت الآخرين. ألتفتُ حولي. الناس كجياد العربات كأبقار السواقي. شيء يحجب رؤيتهم عما حولهم. لا ينظرون إلى شيء سوى.. الأمام. أديرُ محرك السيارة. ينطلق صوت الإذاعة فجأة: "الله أكبر.. الله أكبر.. أنتم تستمتعون إلى إذاعة أسود الحق..". صوت غليظ يضغط على مخارج الحروف أثناء الحديث. ينقبض صدري. أنظر إلى الشاشة الإلكترونية الصغيرة في مذياع السيارة. رقم المحطة الإذاعية يذكرني بما كنت تبُّثه من أغانٍ وبرامج منوعة قبل استحالة الحال إلى غيرها. أديرُ مؤشر المذياع أنتقل

بين المحطات. وشوَشة البحث تفضي إلى أصوات جماهير غفيرة تردِّد: "هيهات منا الذلة.. هيهات منا الذلة.. هيهـــ..". أربُ بقبضتي مكبس المذياع أُخرسه. "آااخ!". أُرخي أصابعي، أُحرّكها في الهواء كأني أنفض الألم عن يدي. أضغط موضع الألم بكفِّي الأخرى أُسكِّنه. أستلُّ نفساً عميقاً. أعاود تشغيل المذياع مرة أخرى، أبحث عن محطة رديئة الصوت تبثها مجموعتنا من مقرّ أولاد فؤادة في الجابرية. كفّي ترتجف ككفِّ مدمن يبحث عمّا يسد حاجته لشيء يتعاطاه. تشوشات المذياع تزيدني عصبية. ها هو المؤشر يتوقف عند رقم المحطة. رغم التشويش تلتقط أذناي موسيقى مألوفة. أحبسُ أنفاسي قبل أن أطبق جفنيّ. يصبح الصوت أكثر وضوحاً. تنطلق أغنية قديمة: "هذي بلادٌ تطلب المعالي..". أهزُّ رأسي حسرةً. أطلقُ زفرة طويلة أحاكي الصوت في المذياع: "تُسابِقُ الأيامَ والليالي".

أسندُ جبيني إلى مقود السيارة..

.. أنخرطُ أبكي بمرارة.

وصوت الأطفال يتردَّد داخل رأسي خاتماً:

"والمطر عند الله!"

* * *

يحدث الآن 12:17 PM

أقود سيارتي بوجه ثابت إلى الأمام شأن الناس من حولي، إن لم يكن خوفاً، فلأن شيئاً في الجوار لا يحفِّز على الالتفات. تربة رمادية أحالت البلاد إلى منفضة سجائر عملاقة. دخان حرائق. حجارة بحجوم متفاوتة. كلاب سائبة. ريشٌ أسود. طوابير طويلة أمام فرع مفوضية الاتحاد الأوروبي في الروضة تطلب اللجوء. المتاريس المُعَدَّة من أكياس الرمل على جانبيّ شارع دمشق، والأوساخ المتكدسة منذ فرَّ عمال التنظيف خارج البلاد. كأن يداً ضخمة هوَت على البلاد أحالتها خراباً مثل مدينة الأغلفة التي عبثتُ بها صغيراً. أصدُّ كل تلك المشاهد بعدم الالتفات إليها. ولكن الرائحة! تردُني رسالة نصِّية من والدتي: "شغلت بالنا آنا وأبوك.. أرجوك اتصل". أترك هاتفي المحمول فوق المقعد إلى جانبي. أسلك طريق الدائري الرابع. الروضة عن يساري. أشجار الكونو كاربوس يابسة، خاليةُ الأوراق فوق الرصيف بين الشارعين. أنعطف يميناً نحو مدخل منطقة السُّرَّة. ينقبضُ قلبي. أسترجع قول والدتي: "والله، اِللي رفع السما، ما تدخل السرّة وآنا موجودة!". هي لم تعد موجودة.

مضت سنواتٌ طويلة يا سُرَّة! صرتِ مدينة أشباح. مطعم ماكدونالدز المهجور يشبه شقيقه في الروضة، بزجاج نوافذه المهشَّم، عن يميني إلى الأمام. وإلى يساري بيت حياة الفهد وسعاد عبد الله،

عندما كانتا محظوظة ومبروكة، في مسلسلهما التليفزيوني "على الدنيا السلام". من أين لهذه المنطقة قدرتها على الاحتفاظ بذاكرتها رغم أن كل شيء فيها لا يشبهه في الأمس؟! يستوقفني النُصب الرخامي القديم، جهة اليمين، بالقرب من مطعم البيتزا المحلي، الذي آلَ فرعاً من سلسلة فروع بيتزا هَت، مهجور هو الآخر. زالت الحروف السوداء عن رخام النُصب. أزالتها الشمس. ربما اعتراضاً. ربما شفقة. ربما خوفاً من أن تبقى الحروف في مكان قذر. نبرقُ الذكرى في ظلمة النسيان. أستعيد الكلمات على سطح الرخام الصقيل بخط رقعة، أو ربما نسخ، لستُ أدري: "اللهم ارحم الشهيدين: جاسم محمد المطوَّع وعبد اللطيف عبد الله المنير". لو أنهما، قبل ثلاثين عاماً، علما بما سوف تؤول إليه الأمور، أتراهما يموتان من أجلنا؟ أطرد تفاصيل زمنٍ ما جاء في ذاكرتي إلا وأخذني إليه، يعزلني عن كل شيء عداه، يفتحُ لي نافذة على أمسي، يُريني طفلاً كنته، مسكيناً أشفقُ على حاله أمس، وحاله اليوم. أنتبه إلى صبي صغير، بدِشْداشَةٍ رثَّة وغترة يلفها بإهمال على رأسه، يقتعد كرسياً قرب النصب الرخامي. يبسطُ على الأرض قماشاً يحمل بضاعة، مثل الباعة اليمنيين قبل سنوات طوال. أفتح زجاج نافذتي اليُمنى. ألوِّحُ له بعلبة سجائري الفارغة. يهرعُ إليَّ يحمل أنواعاً. أختارُ واحدة. "ثمان دولارات"، يقول. أسلِّمه أربعمئة ديناراً. يسألني ممتعضاً: "ما عندك دولار؟!". أهزُّ رأسي نافياً أنظر إلى دنانيري المسكينة. "الدينار طايِح حظ!"، يقول وهو يتسلَّم النقود يعدُّها صامتاً. أمضي في قيادتي أتجاوز الشارع الدوَّار عند مفترض الطرق. ناحية اليسار مدرستي

الثانوية القديمة، ثانوية صباح السالم. كنت فخوراً بانتسابي لها. أول ثانوية مقرَّرات في الكويت. كنا كمن يجمع نقاط التميز لصالح منطقتنا. في السُّرَّة.. أول مدرسة ثانوية بنظام المقرَّرات تشبه الجامعة. في السُّرَّة أول سوق مركزي في دورٍ علوي تصعد إليه السيارات في مواقف مفتوحة. في السُّرَّة أول شارع مخصص لرياضة المشي، وأول منطقة ينتهي أحد شوارعها بجسر يربطها بمنطقة أخرى. أنظر إلى مدرستي الثانوية الآن تهزأ بذكريات لا تعترف بها. لا أعرفك يا أنتَ. أنا ثانوية جابر المبارك. لا أسألها كيف صرتِ، لماذا ومتى؟!

أتجاوز الثانوية ولا تتجاوزني ذكريات استفاقت للتوّ من غيبوبتها. عند أحد المنعطفات، في قطعة 3، حيث كنت أسكن، مدرسة متوسطة كان اسمها "النجاح"، ومثل كلِّ شيء في هذه المنطقة، تغيَّر اسم مدرستي إلى مدرسة حمود برغش السعدون، كما تقول اللافتة أعلى سورها. التحقتُ بصفوفها الدراسية عام 1987، قبل حوالي ثلاث وثلاثين سنة. أوقفُ السيارة أمام المدرسة لسبب أجهله. المكان مسرح لحدث سابق. واجهة السيارة أمامي، الخالية من زجاجها، شاشة تعرض صوراً لزمن بعيد. هناك، بالقرب من مبنى محوّل الكهرباء سقطت لي سِنٌّ وبضعة أزرار من قميصي المدرسي الأبيض في مشاجرتي الأولى. أمرِّرُ سبّابتي على أسنان فكي العلوي أحصيها. فراغ جديد اكتسبته بعد حادثة اليوم. أمعن النظر في مبنى محوِّل الكهرباء. حرفا الـF والـH، والكلمات البذيئة، والرسومات الفاضحة التي أَلِفتُها تلميذاً استحالت اليوم حروفاً وبقايا كلمات، اختفى بعضها تحت أصباغ رشٍّ محايدة. أميِّز من بينها حرباً

كلماتية؛ أم المؤمنين رغم أنوف الحاقدين؛ اللعنة على النواصب، الموت للروافض، وهابيّة، مجوس، وكلمات أخرى لم أتبينها. وباللون المحايد، في أماكن متفرقة على جدار مبنى محوِّل الكهرباء، صورٌ لفئران مشطوبةٌ بعلامة X، وتحذيرات بدأت تنتشر مع انطلاق مجموعتنا: "احموا الناس من الطاعون".. "الفئران آتية!".. ممهورة بتوقيع "أولاد فؤادة".

من أين للأماكن القديمة أن تحيي ذكرياتها المخبوءة في ثناياها بمجرد المرور بها؟ زمني الآن خليط! في ذلك اليوم، أثناء طابور الصباح، كنا في ساحة المدرسة، نرتجف من البرد في معاطفنا الكحلية. تتكثَّف أنفسنا نهتفُ للعلم: "تحيا الكويت.. عاش الأمير..". مثل كلِّ يوم. حدث شيٌ مختلفٌ ذلك الصباح. سخر صبيٍّ ضخم من صادق أثناء هتافنا: "تحيا الأمة العربية". يسأله وهل أنت عربي؟! لم أفهم ما الذي كان يعنيه رغم إصراره: أنتم عَجَم! كنا نردِّد الهتاف سوية، أنا وفهد وصادق، مع زملاء الفصل، عَوَض اليمني وعبد الفضيل السوداني وحاتم المصري والفلسطينيين سامر وحازم وبقية التلاميذ. لا أتذكر من صادق سوى صمته واحمرار أذنيه. بعد رنين جرس انتهاء الحصة الأخيرة، بالقرب من المكان الذي أراه الآن، أسفل سور المدرسة، كانت مشاجرتي الأولى. كان ذلك شتاء 1988، وكان يوم ثلاثاء كما لن أنسى. سمعتُ أحدهم يصرخ بآخر: "حديقة الحيوان في العُمَرِيّة.. يا حيوان!". كنت قد تجاوزت البوابة، أسفل اللافتة "النجاح المتوسطة للبنين". التفتُّ إلى مصدر الصوت. الولد الضخم يصرخ بصادق، وصادق، كدأبِه، لا يتكلم

إذا ما انفعل. احمرار أذنيه يشي بما يعتمل في داخله. صبيَّان يمسكان بفهدٍ يعيقانه عن مساعدة صادق بعدما ألاقه الولد الضخم على الأرض. لم أتمالك نفسي إزاء رؤية صادق تركله الأقدام. تردَّدتُ في البدء، ولكن، منظر الدماء على قميصه دفعني لفعل شيء، أي شيء. أزحتُ تردُّدي جانباً. ركضتُ نحوهم. رفعت قبضتي عالياً. أجفلت. أخفضتها. ألقيتُ بجسدي أرضاً فوق صديقي. أحطته بذراعيّ. حلتُ دونه ودون الركلات. تلقيتُ، بدلاً منه، الركلة تلو الأخرى. سقطت سِنّي. فقدتُ وعيي.

صبيحة يوم الأربعاء. في غرفة الأخصائي الاجتماعي المصري، في زمن كان لغير الكويتي وجود في هذا البلد الذي ما عاد فيه وافد عدا قوات حفظ السلام العالمية، تنتشر بقبَّعاتها الزرقاء، حول المنشآت النفطية وبعض المناطق المضطربة، وقوات درع الجزيرة، التابعة لما تبقَّى من دولٍ لم تنشق عن مجلس التعاون الخليجي، تفض اشتباكات الفريقين المتخاصمين، وجماعات متطرفة وفدت إلينا من الخارج بعدما أشرعنا لها أبواب الداخل. أجاب الصبيُّ الضخم مبرِّراً بأن صادقاً قام بشتمِِهِ أولاً، قال له: مكانك ليس في المدرسة، مكانك في العُمَيريّة في حديقة الحيوان! عاجله الأخصائي بالسؤال، ألهذا كسرت ذراعه وأسقطت سِنَّ صديقه؟! لازَمَ الصبي صمته. ارتفع صوت الأخصائي مستنكراً: "عَلَشان حديقة الحيوان؟!". أجاب الصبي مطأطئاً: "لأ". نظر إليه الأخصائي يستفهمه. أوضَحَ الصبي: "أستاذ دسوقي: الحديقة في منطقة العُمريَّة". نوَّه إلى أن اسمها ليس كما يلفظونها هُم استهزاءً؛ العُمَيرية. سأله الأخصائي مَن

يقصد بِـ هُم؟ لم يُجب الصبي. ارتفع صوت الأخصائي فيوجهه يسأله إن كان من سكان العُمَريِّة والعُمَيرية أو أيّاً كان اسمها. هزَّ الصبي رأسه نافياً. مَطَّ الأستاذ دسوقي شفتيه الغليظتين مستغرباً. سأله بنفاد صبر: إذن! بمن كان زميلك يستهزئ؟

خلف مقود سيارتي، اليوم، أمام سور مدرستي قديمة البناء جديدة الاسم، لا أزال أتذكّر، أُردِّد، من دون وعي، كالصدى، إجابة الصبي الضخم: "عُمَر.. عُمَر". لم أكن، في تلك السِّن، أدرك أن المعنى هو ثاني خلفاء النبي. أهزُّ رأسي، الآن، أطرد ذكرياتي أمقت استرجاعها. أديرُ مقوَد السيارة تاركاً جزءاً من ذكرياتي، في مكانها، بالقرب من سور المدرسة الذي نسيتُ داخله كل دروسي القديمة، حيث بقي الدرس الوحيد عصيّاً على النسيان. درس تلقيته في الباحة الخارجية لمدرستي فاق تأثيره كل المناهج التي تعلمتها في فصول الدراسة داخلها. أستعين بالنظر إلى اللافتة أعلى باب المدرسة. أوافقها. مدرسة حمود برغش السعدون. هذه ليست مدرستي القديمة. ليست النجاح. إن شيئاً مما كنت أسترجعه للتوِّ لم يكن. أنا واهم. أريد أن أكون واهماً. ألتفتُ حولي. تتكاثر البيوت على جانبيّ الطريق. ما عادت المنطقة تشبهها وقت كنت أسكنها. قبل سنوات كنا، صادق وفهد وأنا، نقطع السكك الضيِّقة والساحات الترابية ذهاباً وإياباً إلى المدرسة مشياً على الأقدام. لم تكن هذه الرائحة الكريهة موجودة. اختفت السكك بين بيوت يسابق واحدها الآخر أيهما يبلغ السماء قبلاً، والمساحات الفضاء والملاعب الترابية لكرة القدم التي أحفظ تفاصيلها، مثل وجهي،

استحالت إلى مبانٍ تجثم على صدر المنطقة. البيوت ذات الطابع أو الطابقين أصبحت ذات ثلاثة وأربعة وخمسة. بيوت ضيِّقة بلا أحواش. على هذا الرصيف كنا نجري، نلتفت إلى الوراء، بعدما استعدتُ وعيي، هرباً من الصبية، أو خوفاً من أن يلحقوا بنا، مخلفين وراءنا، على أرض الشجار، فوق الرصيف البارد، أجزاء منا.. سِنّاً ودماءً.. وكرامة.

لو أنني لم أترك منطقتنا القديمة، لربما صنعتُ فيها ذكريات أجمل. لي سنوات لم أزر خلالها حيّنا القديم. منذ تركنا بيتنا وأنا أتحاشى المرور هنا؛ خوفاً من أن ألوِّث صورة جميلة أحملها في داخلي لمصنع طفولتي، صورة جميلة لماضٍ بغيض. تمنيت لو أنني أبقيت على قطيعتي مع السُّرَّة، خروجاً بلا عود، كمن انقطع به حبل السُّرَّة. كنت قد عاهدت نفسي، منذ انتقالي وأسرتي إلى الروضة، ألا أدخل منطقتي القديمة أبداً، وألا أزور شارعنا حزناً على مكان أحببته، لم يعد لي فيه بيت، وغيرة على بيتنا من أناس اشتروه من والدي، والتزاماً بقَسَم والدتي بألا أدخل المنطقة. في هذه الزاوية، عند المنعطف المؤدي إلى حيِّنا القديم، كان محل الجزار السوري عدنان، ركناً مطلاً على الشارع مستأجراً في بيت العويدل. وهناك، على مبعدة شارع، في مجمَّع الأنبعي، يوم كان اسمه.. مجمَّع الأنبعي، في هذا المبنى الكبير المتهالك دكاكين عدّة تطل على الشارع، المطعم الهندي وصاحبه شاكر البُهري، مطعم الشاورما، حيث يدير جابر المصري سيخه أمام النار كما عودنا، يوم لحم ويوم دجاج، أو يوم "لحمة" ويوم "فِراخ"، يحضِّر أشهى سندويتشات معكرونة

بالكاتشب. يلومنا إن تجاوزنا مطعمه مُضياً إلى مطعم شاكر: "كِدَه بَرضُه تِشتروا من الواد الهندي الوِسِخ وتسيبو العربي؟!"، قاطعْنا شاكراً منذ ذلك العتب، ليس إيماناً بقذارة المطعم الهندي، بل تضامنا مع جابر العربي. بين المطعمين، شاكر وجابر، الهندي والعربي، كان البقّال الإيراني حيدر، والخياط والحلاّق الباكستانيّان سَليم ومُشتاق، ومكتبة البدور وصاحبها الكويتي العجوز العم بو فوَّاز، وجهة صغار الحيّ لشراء مجلتيّ "الرياضي" و"العربي"، وقصص المغامرين الخمسة، وروايات إحسان عبد القدُّوس المحرَّمة، رغم لوم البعض لصاحب المكتبة: "ما يجوز تبيع الخرابيط لبناتنا!". يكتفي بالرد دائماً: "الحكومة ما تمنع!". وهنا، في هذا البيت، على ما أظن، كان محل غسيل وكيّ الملابس، دُكَّان مستأجر في بيت قديم. استحال المحل اليوم إلى مرآب سيارات في بيت ضخم جديد يعلوه القرميد. لا أثر للمحل ولا عتباته الثلاث ذات البقع البنية التي يبصقها عَلامين البنجابي كأنها ماء صدئ. اسمه عَلامين، رغم اكتشافنا، بعد سنوات، أنه علي أمين! ولكنه بلهجته ينطقها على النحو الذي ألِفناه. لا أزال أتذكره بلون بشرته الأبنوسي وشعره الأشيب وجسده النحيل وإزاره المهترئ، وباسم قديم يشبهه، اختاره بنفسه، ولا يجيبنا إن ناديناه بغيره. عَلامين الذي كانت حروفه تعتلي باب المحل في لافتة كبيرة. "عَلامين لغسل وكيّ الملابس". محظوظٌ فَرَضَ اسماً يشاءه. رحل. تركنا في بلاد تمسخ كل شيء باستبدال اسمه فور اكتسابه ذاكرة وهوية. مؤسف كل أولئك غادروا. يالشارعنا القديم المسكين! ما بالك لا تُشبهك؟! هنا، في رأس الشارع كان بيت

"الزَّلَمات" كما كنا نُسميه صغاراً. ليس غريباً ألا يكون موجوداً، فقد شهدنا اختفاء أهله زمن الخيبة. بيتٌ بائس يسكنه، في ما مضى، الشقيقان أبو طه وأبو نائل، مع زوجتيهما وعدد كبير جداً من الأبناء، وحده البيت القادر على تشكيل فريق كرة قدم من دون الحاجة إلى آخرين. كانوا يشاركوننا اللعب في ساحات السُّرَّة الترابية. نغلبهم تارة، يغلبوننا أخرى. منذ وُجِدنا وبيتهم في رأس الشارع، عائلة فلسطينية هاجرت من جِنين. شهدنا هجرتهم، أو تهجيرهم من الكويت لاحقاً.. ولكن! عدا ذلك البيت، أين بقية الخليط الذي لوَّنَ شارعنا القديم؟ وكيف لفهد وعائلته أن يحتملوا البقاء في هذا الشارع من دون روحه؟! أتوقف عند بيت فهد، لم يعد على هيئته التي أعرف، لم أكن لأتوقف أمامه لولا أمسَكَت نخلاته الثلاث عينيّ، اِخلاصة وسعمرانة وبرحيَّة، أو بنات كيفان كما تسميها صاحبة البيت العجوز، نسبة إلى منطقة كيفان التي أحضروا منها النخلات، حيث كانوا يسكنون بيتاً قديماً، قبل انتقالهم إلى بيتهم هذا. تحاذي بنات كيفان السور في مساحة صغيرة، خارج البيت، كانت مزروعة يوماً ما ثيِّلا يغطي كامل المساحة. ماتت نخلتان، سمعرانة في المنتصف وبرحيَّة عن يسارها تجاه بيت صادق. طالهما الجفاف مثل أشياء كثيرة، يَبِسَ سعفهما وقوَّسَ الإهمال جذعيهما. وفي تبدو اِخلاصة ميتة هي الأخرى، ألمحُ الأخضر يلوِّن سعفاً نابتاً في رأسها. يبدو الأخضر في رأس اِخلاصة نشازاً ودوداً بين صُفرة لحقت ببقية السعف المائل على الجذع. وراء سعمرانة، عند الباب الأسود الحديدي، أرى اللوح المعدني العتيق، مثبتاً إلى سور تقشَّر

دهانه، بقيت حروفه مرئية رغم الصدأ والغبار: "منزل صالح آل بن يعقوب". وحده فهد وأسرته لم يتركوا بيتهم، الذي بقي والبيت اللصيق له، عن يساره، لم يتغيَّرا، بالطابوق الجيري ترابي اللون العتيق، والسِّدرة العجوز المائلة، مَسْكَن الجن، تخترق سور البيت الجانبي المشترك. تضرب جذورها في عمق الأرض، تنحني، تلقي بجزء من ظلالها في بيت فهد، وجزء آخر في بيت صادق المهجور. البيتان قطعة من الأمس لم تُمسّ، بانوراما خرساء تجمع أزماناً في زمن مسخ. لم يتغيَّر شيء، لولا نوافذ بيت فهد التي استسلمت لقضبان الألمنيوم، وسوره الذي ازداد ارتفاعاً، وما حلَّ بنخلاته الثلاث. هنا، في بيت قريب من البيتين، يلاصق بيت آل بن يعقوب، عن يمينه، بالقرب من اِخلاصة، لم يعد موجوداً الآن، أعني، لم يعد باقياً على شكله القديم وناسِهِ الأوَّلين، ركلتُ الباب قبل سنوات طويلة. أطبقته وأسندتُ ظهري إليه لِئلا يدفعه صبيةٌ خشيتُ أن يلحقوا بنا. حرَّرتُ كتفيّ من ثقل حقيبتي المدرسية. أخذتُ أنادي بأعلى صوتي: "يُمَّه.. يُمَّه!". كانت قد عادت من عملها للتوّ. شهقت إزاء ما رأت؛ هيئتي المتربة وقميصي المفتوح وفمي الدامي. مسحتُ فمي بظهر كفّي لاهثاً: "يُمَّه.. اِحنا شِيعة والا سنَّة؟".

* * *

يحدث الآن 12:31 PM

أترك سيارتي محاذاة بيت فهد. أترجَّل حافي القدمين نحو بابه الصدئ. باب متآكل في مثل عمري فهل أكون؟ ها أنا أمام البيت، يختل بي الزمن. أمر غريب. كيف نمرُّ، في زمن حاضر، مكاناً تركناه في زمن بعيد، تتوارى السنوات بين الزمنين، نعود صغاراً كيوم تركناه. أنتبه إلى ما يستفزُّ حاسة الشمِّ لديّ. للماضي رائحة! ووحدها الروائح قادرة على الوفاء للمكان زمن التخلي. أتُراها الخالة عائشة قد غسلت حوش منزلها صباح اليوم كما كانت والدة زوجها تفعل؟ هي لم تفعل، مثل أمي حِصَّة، قط. أتراها ما زالت تحارب النسيان بكاميرتها الـPolaroid الفورية تُخلِّدُ صور الفانين؟ أو توثِّق كلُّ مناسبة بكاميرا الفيديو الـHITACHI القديمة. تنتقم من موتٍ سَلَبَ والدها، بحادث سير في البصرة، قبل ولادتها، من دون أن يترك لها صورة عدا واحدة في أوراقه الثبوتية، شاباً لا يشبهه كبيراً؟ أتراها لا تزال تردِّد أغنية شعبية قديمة: "وين راح أبوي.. وين راح أبوي؟ راح البصرة.. راح البصرة!". أهي ساخطة على كل شيء كما كانت، أم أنها تخلَّت عن مزاجها القديم بعد نيلها ما كانت تصبو إليه طيلة سنوات؛ في أن يكون لها بيتها الخاص؟ ها هو البيت وقد آل إليها بعد رحيل أمي حِصَّة. لا رائحة لقفص الدجاجات القديم. أتذكر قولها: "أستحي أستقبل ضيوفي في بيت يربي الدجاج!". ما عادت تخجل

الآن بعد اختفاء الدجاجات وصاحبتها. حسنٌ أنها لم تقتلع السِّدرة العجوز، ربما صدقت أمي حِصَّة: "الجن يحرس مسكنه". ربما استجاب الله إلى دعائها كلما مرَّت قرب شجرتها: "سَكَّنهم مساكنهم". الجِنُّ أوفى للمكان منا لا شك! الرائحة هنا ماءٌ مشبَّعٌ بغبار، وتربة مبتلة، وثمار نبقٍ طازجة، رغم مضي خمسة شهور على موسمها! كيف للرائحة أن؟ أودُّ لو أتجاوز هذا السور الذي ما عدت أرى ما يخفي وراءه. استلُّ نَفَساً عميقاً. روائح قديمة محببة تقاوم النتن الساكن مثل غيمة كثيفة أبت أن تبرح مكانها. لا أميز روائح حقيقية وأخرى تنثُّها الذاكرة. الأكيد أن سَمَكا يُطهى في مطبخ آل بن يعقوب. هذا الزفر، والقطط الكثيرة حول البيت، يذكّراني باتصال فهد بأمه قبيل فجر اليوم: "يُمَّه.. مِشتهي مطَبَّق سمك".

وراء هذا السور كانت لنا حياة تضج بالحياة. ياه! وحدها ذاكرة الطفولة موشومة في الوجدان وكل ذكرى عداها عابرة. أُحِسُّ بي، أمام سور البيت، طفلاً في عاشرته. كان السور أوطأ من هذا الذي أراه الآن بكثير. نصفه أو أقل. لون جديد بشيء بجِدَّة الجزء العلوي منه، يشهد على تحوّل زمنٍ بين الـ ما قبل والـ ما بعد. صباحات أيام الجمعة، الشتوية منها بالذات، كانت أقصى ما نتمناه نحن الثلاثة، صادق وفهد وأنا. كان حوش بيت العم صالح، والد فهد، جنتنا الصغيرة. بودّي أن أدفع الباب، ولكن، الخوف.. تبّاً لسطوته. في سنوات بعيدة كنا أُقعي، في دور مكرور، أمد كفّي الصغيرتين داخل الشِّق الأفقي أسفل الباب، أعالج المزلاج الحديدي المثبَّت في ثقبٍ أرضي. أنتصبُ واقفاً. أدفعُ الباب على مصراعيه بكل سهولة. اليوم،

ترى كم مزلاج وقفل وسلسلة وراء هذا الباب؟ بسبَّابة مرتعشة أضغط مكبس الجرس. يتناهى إليّ صوت صرير الباب الداخلي، يتبعه صوت خطوات أشبه بصوت احتكاك مكنسة سعف على الأرض. لولا وفاء أمي حِصَّة، جدة فهد لأبيه، لقلت إنها من يجرُّ خطواته خلف هذا السور، لكنها رحلت مخلفة وراءها بيتها العتيق وسِدرتها الأثيرة و.. نحن. يتوقف صوت الخطوات. في الشِّق الأفقي أسفل الباب جزء من ظِلِّ مضطرب يشي بوجود أحد ما. أطرق الباب الحديدي بيدي. "منهو؟"، يبادرني صوت خالتي عائشة، من وراء الباب، واهِناً مرتبكاً خلال طرقاتي. أسألها بصوت لا يشبه صوت طفل العاشرة الذي خلتني لا أزاله: "خالتي أم فهد؟ هذا آنا..". وكأنني أفتح أبواب الجحيم بلفظ اسمي: "خالتك؟! تخلخلت عظامك يا ولد السُّوّْ.. ما جانا منكم إلا الشقا وحرقة القلب..". لعنات وسباب تختمها بسؤال كالسؤال الذي ساقني إلى بيتها: "وين فهد.. وين راح ولدي.. وين راح ولدي؟". أبتلع سؤالي أبحث عن جواب كنت أنتظره منها. تقول إنه كان في طريقه إلى البيت في الرابعة فجراً ولكنه لم يعد. أسألها متجاوزاً: "وين عمِّي صالح؟". أنصتُ إلى خطواتها الثقيلة تكنس بلاط الحوش مبتعدة: "عمك صالح؟ الله لا يصلح لك حال.. ولا يزيدك مال... تستأنف وصلة اللعنات قافية: ".. ولا يبارك لك عيال.. يا زرع الشر يا أسود الفال". كان صوتها مرتفعاً. ليس هناك من يردعها بعد رحيل أمي حِصَّة: صوتك يا عايشة! أنتِ في البيت، وفَري صراخك للبنات في المدرسة! يختفي صوتها مع ارتطام الباب الداخلي. يعود السكون، وتبقى الروائح وألأصوات القديمة تزيل عن

أذنيّ ما علق بهما من لعنات. أدير ظهري للبيت أنوي الذهاب إلى مكان لستُ أدريه. الباب الداخلي يعاود صريره. أرهفُ السمع. ما أعود أميّز بين صرير الباب ونحيب خالتي عائشة في الداخل. يرتفع صوتها: "قلبي قارصني يا صالح!". يقلقني أن أستشعر حزناً في صوت هذه المرأة، وها أنا الآن أستمع إلى نحيبها! ماذا يخبئ الوقت لفهد، وما الذي يدفع أمه إلى البكاء على هذا النحو؟ أتذكرها إذا ما أقلقها شيء تخبرنا بأن قلبها يقرصها، وما قرصها قلبها ساعة غلا وكشفت الساعة التي تليها عن مصيبة. لطالما استغربتْ أمي صدق حدس زوجة ابنها صالح. خلعت عليها لقباً: "الساحرة!".

يُفتح الباب الحديدي كاشفاً عن عمِّي صالح هزيلاً بالكاد أتعرَّفه. لُغده الممتلئ صار كيساً جلدياً مهترئاً. أنفه المعقوف يبدو أكبر مع ضمور وجهه. شاخ كثيراً. يبدو أكبر من سنواته السبعين. بات صورة عن أمه حِصَّة رحمها الله، ما تركت له الأيام شعرة سوداء في جانبي رأسه الأصلع أو لحيته القصيرة لتذكره بشبابه. يقف أمامي ذابلاً بدِشْداشَتِه المنزلية المقلَّمة الواسعة. لا ينظر إلى عينيّ. يسدِّد نظرته إلى قدميّ العاريتين. أندفع نحوه لأقبِّل جبينه. يمدُّ كفِّه مبسوطة أمام صدري يقول: "مكانك!". يتفرَّس ملامحي. لعل آثار الكدمات صورت له مصير ابنه. يُسدِّدُ سبَّابته نحو وجهي يهزُّ رأسه: "هذا ثمركم يا زرع السبخة.. هذا زرعكم يا عيال فؤادة!". ألوذ بصمتي. يردف قبل أن يطبق بابه: "لو راح فهد.. دمه وضياع عياله في رقبتك".

* * *

رواية "إرث النار" الفأر الأول: شَرَز