الفصل الأول
الدكتورة علآ
دكتورة علا، امرأة في العقد الستين من العمر، كانت في الماضي طبيبة لحساب الجرائم الجنائية. تزوجت من رجل أعمال توفى بعد أن أنجبت منه ولد وبنت. ابنتها تزوجت وسافرت مع زوجها، أما ابنها فهو متزوج يعيش في منزل مستقل ويعمل مهندس في إحدى الشركات.
تعيش في أقصى المدينة في حي هادئ، في منزل كبير وجميل مع جنة التي تعمل كمرافقة لها. تهوى الزراعة خصوصاً زراعة الازهار النادرة، ولديها حديقة جميلة متنوعة الازهار والأشجار، وتحب أن تتجول في حديقتها عصراً. تقضي وقتها بين المشي في الحديقة والقراءة، تهوى السفر والرحلات. في المساء تجلس لتعود بذاكرتها للماضي وللأيام الجميلة مع زوجها وأصدقاؤهما وأطفالها.
تعترف إن اصدقاء زوجها وأصدقائها لم يكفوا عن السؤال عنها وزيارتها حتى بعد وفاة زوجها، فاغلبهم من رجال وسيدات الاعمال والأطباء والضباط بحكم عملها وعمل زوجها شوقي. أما إبنها فهو يأتي لزيارتها مرة في الأسبوع، وابنتها تزورها مرة في السنة بحكم إنها خارج البلاد.
معروف عنها إنها ذكية جداً وسريعة الانتباه، لديها قدرة على تحليل المواضيع والمسائل المعقدة بحكم عملها في السابق، طيبة القلب وتحب أن تساعد الأخرين حتى ولو كان آخر يوم في حياتها.
نشيطة تنهض في الصباح الباكر لتتناول طعام الإفطار مع مرافقتها جنة، وترتشف القهوة وهي تقراء الصحيفة في حديقتها، ثم تقوم بنزهة بعد طعام الغداء لتسقي الزهور وهي تتحدث مع جنة.
أما كل يوم خميس فتستقبل ابنها الذي يأتي لزيارتها مع زوجته وابنتيه وولده، حيث تقضي معهم وقتاً جميلاً إما في المنزل أو على البحر.
وهي ناشطة إجتماعية بالجمعيات الخيرية وحقوق المرأة والطفل
ومساعدة الأيتام. لكن دائماً ما تهتم بقصص الجرائم التي تكتب في
الصحف وتناقشها مع أصدقائها أو مع ابنها أو جنة، وتأخذ وقتاً كبيراً للتفكير بها وغالباً ما تخرج بحلول ونتائج مذهلة تدهشهم جميعاً وتنال إعجابهم. فتنصحها مرافقتها أن لا ترهق نفسها وكذلك ابنها وأصدقائها، فترد عليهم إنها متعتها وأنها تمثل العدالة.
هكذا كانت تقضي وقتها وأيامها، تفكير جدي في الجرائم، انشغال في الجمعيات، تناقش وتساعد الآخرين وتستفيد من خبراتهم، زيارات، والعناية بحديقتها. تحمد الله على هذه السعادة التي ينعم بها قلبها .
ذات يوم وبينما كانت تقرأ صحيفتها اليومية وترتشف فنجان من القهوة في حديقتها على ضوء الصباح المشرق الجميل، جاءتها جنة حاملة الهاتف قائلة:
- سيدة علا لديك مكالمة هاتفية من السيد مراد عاشور.
- سيد مراد عاشور؟ لم يتصل بي منذ أن كنا في رحلة جزر هاواي، أعطيني سماعة الهاتف.
أخدتها قائلة: صباح الخير سيد عاشور.
فرد قائلاً: صباح الخير سيدة علا، لعلكِ تتسألي عن سبب اتصالي؟ حسناً لن أطيل عليكِ مدعوة السبت القادم الى منزلي صباحاً، ارجو قبول دعوتي لأعلمكِ عن سبب اتصالي بكِ.
ردت سيدة علا قائلة: حسناً وأنا سأكون على الموعد، الى اللقاء.
أغلقت الخط ثم إلتفت لجنة قائلة: سيد مراد دعاني لمقابلته السبت القادم وكأن بصوته حزن يبعث على الفزع والرجاء والغموض. ترى ما به؟ وماذا يريد مني؟
إجابتها وصيفتها جنة: لا تقلقي نفسكِ كثيراً غداً لناظره قريب.
في المساء جلست السيدة علا في غرفتها على السرير تتأمل ضوء القمر، الذي كان يبدو كقطعة كرستال تلمع وسط فستان اسود، وفكرها مشغول بحديث السيد مراد، وهي تفكر إنه لا بد أن هناك امراً خطيراً لكي يقول لها إنها عدالة الحياة، شيء مريب حتماً
ولن يهدأ بالها إلا إذا عرفته. فمنذ أن توفي زوجها لم تعهده حزين هكذا إلا عندما استنجد بها في قضية صديقه الذي توفي غرقاً في ظروف غامضة، وقد حلت لغز مقتله وكتشفت إن زوجته أعطته سماً في الشاي ثم سحبت الجثة للبحر كي تخفي جريمتها، بعدها تزوجت بحبيبها، لكنها كشفتها وسلمتها للشرطة.
انهكها التعب وهي تفكر فنامت حتى الصباح. في الصباح حضرت نفسها لتحضر إجتماع في أحد الجمعيات تقوم بمشروع تمويل دار الأيتام. بعد انتهاء الإجتماع، تقدمت منها فتاة في أواخر الثلاثينيات، سمراء نحيلة شعرها اسود طويل، عرفت على نفسها على إن اسمها نبيلة وتعمل كحارس شخصي لسيدات المجتمع، وتمنت أن تعمل عندها.
فسألتها السيدة علا: ولماذا تعملي عندي أو تحرسيني؟
اجابتها نبيلة مبتسمة: ليس بالضبط ، ولكني جئت من بلاد بعيدة وقد سمعت عنكِ كثيراً وأحببت أن أصادقكِ وانزل عندكِ في المنزل لبعض الوقت.
ثم أعطتها بطاقتها لتعرف عن شخصها، وبالفعل أخذتها السيدة علا وتفحصتها بدقة، ثم قالت: حسناً تفضلي عندي مرحباً بكِ في أي وقت بمنزلي .
ثم خرجتا للشارع واستقلتا سيارة أجرة. فقالت السيدة نبيلة:
- سنذهب للفندق، فهو قريب من مبنى الجمعية، لجلب أمتعتي ثم نذهب لمنزلكِ.
وافقتها السيدة علا، فانطلقت السيارة ووصلت للفندق خلال عشر دقائق، توقفت السيارة وانطلقت السيدة نبيلة مسرعة الى الداخل لتخرج بعد خمس دقائق وهي تحمل حقيبتها وتدخلها في صندق الخلفي لسيارة الأجرة وتركب بجانب السيدة علا.
فانطلقت السيارة في طريقها للمنزل. وفي الطريق اخذت نبيلة التي كانت تلبس نظارة سوداء تتأمل وجه السيدة علا المليء بالتجاعيد التي رسمها الزمان كلوحة ليحط بصماته عليها وعينيها الغارقتان كبحر الأحزان، ثم ادارت رأسها للشارع لترى المنازل الجميلة بحدائقها المحيطة بها.
وصلت السيارة منزل السيدة علا، ودخلت السيدتان الى المنزل بعد أن صممت نبيلة على دفع الأجرة للسائق.
نادت السيدة علا جنة لتقول لها: هذه ضيفتي، السيدة نبيلة، ستقضي عندنا بعض الوقت أوصليها لغرفة الضيوف يا جنة.
جنة: حسناً، اتبعيني سيدة نبيلة.
فتبعتها السيدة نبيلة وهي تتأمل المنزل ذو الالوان البيضاء الناصعة والأضواء المبهجة والكراسي الذهبية ذات الطراز الملكي مع بيانو كبير في آخر الصالة. صعدت السيدة نبيلة السلم خلف جنة ولاحظت إنه من الرخام الأسود ومسنده كان من الحديد المنحوت بنقش رقيق. ولاحظت الطابق العلوي مكون من أربع غرف توقفت السيدة جنة امام الغرفة الأخيرة وفتحت بابها قائلة: تفضلي بالدخول سيدة نبيلة إنها غرفتكِ. سأطرق عليكِ الباب عند موعد الغذاء.
السيدة نبيلة : حسناً شكراً.
خرجت جنة وأغلقت الباب وراءها، فأخذت نبيلة تتأمل الغرفة ذات اللون الوردي الفاتح، ونافذة مطلة على حديقة المنزل عليها ستائر وردية مطرزة بحبات الكريستال اللامعة، مع سرير ضخم ذو لون ذهبي مزخرف عليه لحاف وردي بنفس لون الستائر ووسادتين بنفس اللون مطرزة بحبات الكريستال اللامعة، مع دولاب بأربع ابواب فيه دروج متعددة بلون السرير. كما كان يوجد طاولة الزينة بمرآة ذهبية وإمامها كرسي ذهبي بزخارف تناسب الغرفة. استلقت نبيلة على السرير بعد أن رتبت ملابسها وأغراضها في الدولاب وهي تفكر في مهمتها الجديدة، منتظرة موعد الغذاء قائلة لنفسها: اتمنى أن لا تكتشف أمري السيدة علا قبل أن يئن الآوان .
اما السيدة علا فقد كانت تجلس في غرفتها تفكر بنبيلة وتتسائل في
نفسها عن هدفها في الطلب المبيت في بيتها وما هو غرضها من ذلك؟ عليها أن تصبر وتنتظر موعد الغذاء لتتحدث معها وتتعرف عليها اكثر علها تكتشف أمرها الغامض.
دخلت السيدة جنة عليها قائلة: سيدة علا ماذا تريدي على مائدة الغذاء من مأكولات؟
السيدة علا: أي شيء يا جنة.
ثم سألتها جنة: لماذا أنتِ قلقة سيدتي؟
السيدة علا: أنا قلقة بشأن السيدة نبيلة.
جنة: لا تقلقي ليس هناك أي شيء بها يدعوا للقلق، سأعلمك بموعد الغذاء حين يجهز.
هزت السيدة علا رأسها، فخرجت جنة لتحضير المائدة بمساعدة الطباخ العم صالح ومقدم الطعام العم عبده.
دقت الساعة الثانية ظهراً وحان موعد الغذاء، فقامت جنة بإعلام السيدة علا بموعد الغذاء, فنزلت لغرفة الطعام، بينما ذهبت جنة لغرفة نبيلة لتعلمها بموعد الغذاء.
نزلت نبيلة متوجهة لغرفة الطعام التي كانت تطل على استراحة وبدورها تطل على الحديقة. انبهرت بغرفة الطعام التي تحتوي على طاولة كبيرة ذات اللون البني الداكن وستة كراسي بذات اللون ودولاب كبير ذو واجهة زجاجية يحتوي على مجموعة من الاطباق البيضاء الفاخرة والكؤوس الزجاجية المذهبة، وطقم من الأكواب الفاخرة وأدوات الطعام المذهبة. على الحائط ساعة ضخمة بذات اللون البني ايضاً. وعلى الطاولة فرش ابيض عليه أطباق متنوعة من الطعام الشهي.
بادرت السيدة علا بالقول: تفضلي بالجلوس سيدة نبيلة.
فابتسمت نبيلة وجلست وهي تشكرها على كرم ضيافتها. تناولتا الغذاء بصمت وكلاهما تنظر للأخرى خفيتاً. ثم دعت السيدة علا نبيلة لتناول الشاي في الاستراحة.
عندما جلستا إفتتحت الحديث نبيلة قائلة: كما قلت لكِ اعمل كحارس شخصي لسيدات المجتمع، وقد جئت هنا لمهمة صغيرة ألا وهي التبرع لجمعيات الأيتام. وقد سمعت عنكِ الكثير وعن زوجكِ، وكونك تعملي في نفس الجمعية التي تبرعت لها، انتهزت الفرصة وتعرفت عليكِ لأني أحب أن أتعرف على شخصيات مثلكِ، كما إني لا اعرف أحد هنا أثق به لذلك طلبت منكِ استضافتي.
اقتنعت السيدة علا بكلام نبيلة، فابتسمت لها قائلة: أهلاً بكِ في أي وقت.
ثم اضافت نبيلة قائلة: شكراً لضيافتكِ لي دون أن يكون هناك سابق معرفة بيننا، سأسافر بعد غد الاثنين لأن ما أتيت لأجله قد انجزته.
السيدة علا: أهلاً بكِ وأتمنى لكِ التوفيق.
مر اليومين سريعاً قضتها نبيلة بالتقرب من السيدة علا والتحدث معها بشتى المواضيع، ترافقها حيث ذهبت، وتراقب حركاتها وتصرفاتها بكل دقة وحذر. كانت كثيرة الأسئلة لِجنة عن الحياة اليومية للسيدة علا، وجنة تجيبها عن جميع تساؤلاتها. لكنها كانت تستغرب إن نبيلة كانت تدون جميع الأجوبة والملاحظات في مفكرة صغيرة، فاخبرت السيدة علا ذلك. لكن السيدة علا اجابتها إنها لم تعد قلقة بشأنها. عندما حان موعد السفر، ودعت السيدتان بعضهما البعض بعد أن شكرت نبيلة مرة أخرى السيدة علا كثيراً على إستضافتها.
عادت السيدة علا تفكر بموضوع السيد مراد عاشور قائلة لِجنة: كم أنا متلهفة أن يأتي يوم السبت بفارغ الصبر.
فردت السيدة جنة مبتسمة: لعله خير.
السيدة علا: لا أظن ذلك، لكن أتعلمي يا جنة إن نبيلة رغم غموضها إلا إني أحببتها.
فأجابت جنة: نعم إنها طيبة، عمتِ مساءً سيدتي.
ردت عليها: تصبحي على خير جنة.