الفصل الثالث

3 0 00

الفصل الثالث

رسائل توجيهية

عند الساعة الحادية عشر صباحاً قرع الجرس ففتحت جنة الباب لتجد رسالة عليها طابع غريب ومكتوب عليها تسلم شخصياً بيد السيدة علا. فأخذتها جنة الى حيث كانت السيدة علا تحتسي القهوة وتقرأ الصحفية اليومية في غرفة مكتبها. فأعطت الرسالة للسيدة علا قائلة: لقد وجدت هذه الرسالة امام باب المنزل. اخذتها السيدة علا ونظرت اليها، وبسرعة بديهية قالت: إنها من الندوة، وستصلني عدة رسائل بشأن الرحلة يا جنة إجلبيها لي بسرعة.

إستأذنت جنة منها لتذهب الى السوق لتتبضع حاجيات المنزل. ففتحتت السيدة علا الرسالة وهي تقول في نفسها: لنرى ما بها، أظن المهمة قد بدأت، لا بد إن هذه الرسالة والرحلة لها علاقة بما طلبه السيد مراد عاشور. ثم قرات الرسالة التي كتب بها:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيدة علا المحترمة

تحية طيبة وبعد،

هذه الرسالة وما ستصلك من رسائل قبل الرحلة عبارة عن رسائل توجيهية لتساعدكِ على كيف التصرف في هذه الرحلة. فارجو إتباع التوجيهات بدقة متناهية مع التكتم على الأمر. وهذا هو التوجيه الاول. عليكِ أن تأخدي حقيبة خفيفة كي تساعدكِ على حملها والإتنقال بها من مكان لأخر. لا تأخذي ملابس كثيرة، وخذي معكِ حذاء طبي للمشي ولكافة ظروف الطقس. نتمنى لكِ التوفيق والمتعة.

المرسل

شخص يهتم لأمركِ.

بعد ان قرأت السيدة علا الرسالة قالت: توجيهات مهمة، ولكن ما علاقة الملابس القليلة بجريمة قتل؟ يا إلهي ما هذا الجنون؟ هل يظنني السيد مراد عالمة بالغيب؟ آه حسناً سأتبع هذه التوجيهات لعلي أصل لحل اللغز. عليّ أن أتصل بجنة في السوق لتحضر لي ما أحتاجه.

ثم أخذت الهاتف النقال واتصلت بجنة لتقول لها ما تريد، حذاء طبي للمشي ويا حبذا أن يكون ذو جلد خفيف وقبعة كبيرة من القش. ثم أضافت: جنة، احضري معك بعض الطعام للغذاء، فكما تعلمي الطباخ مريض.

عادت جنة للمنزل حوالي الثالثة بعد الظهراً لتجد السيدة علا في إستقبالها تلومها على تأخرها لأنها تتضور جوعاً، فنسبت جنة تأخرها بسبب الحذاء لأنها لم تعثر عليه بسهولة. اسرعت جنة لتضع ما إشترته من الطعام على الطاولة، فتناولتاه بشهية.

دخلت السيدة علا غرفة الأستراحة لشرب الشاي فتبعتها جنة حاملة ما إشترته من الاغراض التي وصت عليها السيدة علا. فقالت جنة: هذه الحقيبة التي طلبتها وكذلك القبعة والحذاء الذي أخذ من وقتي الكثير لأجده.

اعجبت السيدة علا بالمشتريات وأثنت على ذوق جنة خصوصاً القبعة، فقد كانت جميلة ومكللة بالزهور. ثم قالت جنة: كنت متأكدة انها ستعجبكِ، وهذه هدية مني سيدة علا، ثوبين خفيفين يليقان بالرحلة.

السيدة علا: اوه جنة شكراً لكرمكِ، احبك فعلاً عزيزتي.

إبتسمت جنة وسألتها: ماذا فعلتي في غيابي؟

السيدة علا: ارتحت قليلاً ثم تفقدت حديقتي وسقيت زهوري

كالمعتاد، ثم جلست لإقراء بعض الكتب. وانتِ ماذا فعلتي بعد

الغذاء؟

جنة: ارتحت قليلاً ثم كتبت رسالة لأختي ثم ذهبت الى البريد لأرسلها مع بعض الاغراض التي إشتريتها لها.

وهكذا إنقضت السهرة على أحاديث جانبية بينهما.

وفي صباح اليوم التالي، بينما كانت السيدة علا في حديقتها تتفقد ازهارها وورودها، جاء جارها ليعطيها رسالة وجدها أمام بيتها ملقاة على الأرض. اخذتها السيدة علا بعد أن شكرته على إهتمامه وجلست في الحديقة لتفتحها وتقرأها. وهذا ما جاء في الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيدة علا الموقرة بعد التحية،

هذا التوجيه الثاني، داومي على تناول الخضروات والفواكه الطازجة حتى لا ترهقي نفسكِ خلال هذه الرحلة الشاقة. لا تخرجي في الجو الممطر أو العاصف أو المترب، وخففي من تناول الشاي والمنبهات كما عليكِ أن تبتعدي عن الجلوس بجانب المدخنين حتى تحافظي على صحتكِ.

نتمنى لكِ التوفيق والمتعة

المرسل

شخص يهتم لأمركِ.

انهت قراءة الرسالة وهي متعجبة، فهي فعلاً نصائح مهمة ولكن ما علاقة هذه النصائح بالمهمة التي كلفت بها !!! هزت رأسها وهي تهمس: غداً لناظره قريب. ثم خبأتها حيث كانت الرسالة الأولى، وذهبت لغرفة المكتب طالبة من جنة فنجان من القهوة. جلست تطالع كتب بالقانون والطب الجنائي عندما دخلت جنة بالقهوة قائلة: أراكِ منهمكة هذه الايام بقراءة الكتب المتعلقة بعملكِ القديم.

إبتسمت السيدة علا وقالت: لقد اشتقت لعملي القديم كثيراً، كنت امثل عدالة الحياة في كشف الحقائق الخفية للأحداث والجرائم. فقالت جنة: لا بأس سيدة علا لقد أعطيتي الكثير من جهدكِ لعملكِ، يجب أن ترتاحي الآن.

السيدة علا: نعم وقد جاءت هذه الرحلة لتريحني. ما رأيك يا جنة في تناول الغداء في المطعم ؟

وافقت جنة سريعاً كونها فكرة رائعة خروجهما معاً قبل الرحلة.

وصلتا الى المطعم وأخذ النادل طلبهما، بينما تبدلتا أطراف الحديث. فبادرت جنة بسؤال السيدة علا: هل ستذهبين الى التسوق بعد الغذاء؟

السيدة علا: نعم هناك اشياء اريد شراءها.

جنة: وأنا ايضاً سأشتري بعض الأشياء لأني ساسافر بعدك الى أختي الى حين عودتكِ.

السيدة علا: ذلك حسناً، فأنتِ منذ مدة لم تزوري اختكِ بسببي. جنة: لا يا سيدتي لا تقولي هذا الكلام، فأنا احبك كثيراً وأتمتع بالعيش معك.

السيدة علا: شكرا يا جنة واحبك ايضاً.

جاء النادل ووضع الطعام الساخن على الطاولة ثم انصرف لتقول

السيدة علا: اوه كم احب الطعام الساخن! اني اتضور جوعاً.

فوافقتها جنة على إن منظر الطعام شهي، وقالت: لنبدأ بالأكل حتى نرى إذا كان شهياً.

بعد الإنتهاء من الطعام والإعتراف إنه كان لذيذاً، طلبتا الشاي من النادل ثم أوصته السيدة علا أن يأتي بالفاتورة. جاء النادل بفاتورة وضحكت السيدة علا على المبلغ الباهظ وقالت مداعبة جنة:

لقد أنقذتني النقود التي أرسلها لي اولادي.

قهقهت جنة عالياً: نعم وإلا كنا في قسم الشرطة الآن.

خرجتا من المطعم واستقلتا سيارة الى السوق،الذي أنهك قواهما

بالتبضع، لتجد السيدة علا إن الوقت قد سرقهما في التسوق. نظرت الى مطعم قريب واقترحت على جنة أن تتناولا عشاءهما فيه. كانتا في غاية السعادة والسرور عندما استقلتا سيارة أجرة للعودة للمنزل. وحين دخلتا المنزل إتجهت كل واحدة منهما لغرفتها لترتيب المشتريات في الحقيبة استعداداً للسفر.

اشرقت شمس الصباح فاستقيظت السيدة علا من نومها لتبدأ كعادتها في عمل ما تفعله يومياً، أي بعد الإفطار تتجه الى حديقتها. قالت السيدة علا لجنة: إن الطقس جميل اليوم مناسب لزراعة زهور الاوركيدا.

نسيت الوقت وهي في حديقتها تزرع بكل حب وعطاء عندما آتى العم عبده اليها برسالة وجدها أمام باب المنزل. اخذتها وجلست لتقرأها. وكان مفادها...

بسم الله الرحمن الرحيم

السيدة علا المحترمة

تحية طيبة وبعد،

التوجيه الثالث والأخير. سوف تقابلين الكثير من المشتركين في الرحلة، اقتربي منهم لعلك تجدين ما يحل لغز الجريمة، ولكن كوني حذرة، ستتلقين دعوة من شخص ما ارجو تلبيتها، وكوني حذرة قدر المستطاع، هناك مَن سيحميك من أي خطر أو مكروه.

اتمنى لكِ التوفيق والمتعة بهذه الرحلة.

المرسل

شخص يهتم لأمركِ.

اكملت السيدة علا قراءة الرسالة قائلة: إنه أهم توجيه، سأعمل به جيداً. ثم خبأتها حيث الرسالتين السابقتين وعادت لحديقتها لتكمل زراعة الزهور.

مر الوقت سريعاً فرأت جنة قادمة نحوها، قالت لها: يا له من يوم متعب لقد زرعت الزهور، وسيتابعها العم عبده والعم صالح بعد سفري.

قالت جنة للسيدة علا: هل غداً ستخبرين اولادك بأمر سفركِ؟ السيدة علا: بالتأكيد، سأتصل بابنتي غداً صباحاً ثم اتصل بابني بعد الظهر بعد أن يكون قد انهى عمله.

جنة: جيد، وهل ستخبرينهم عن مدتها؟

السيدة علا: هذا ضروري يا جنة، وأنتِ هل ستخبري اختكِ انكِ قادمة إليها بعد غد؟

جنة: بالتأكيد سأتصل بها غداً المغرب عندما اشتري تذكرة القطار. هل كل إغراضك جاهزة سيدة علا ؟

السيدة علا :نعم كل شيء مرتب.

جنة: وأنا ايضاً جهزت كل شيء، سأسافر بعد سفرك بساعتين.

السيدة علا: هل لديك ثمن التذكرة يا جنة؟

جنة: لا تهتمي لذلك سأدبر نفسي.

السيدة علا وهي تعطي جنة ثمن التذكرة: خذي يا جنة هذه ثمن التذكرة.

جنة: لا، لا، لا لن أخذها منكِ سيدتي.

السيدة علا: لِمَ لا يا جنة، احبكِ واعتبرك كابنة لي.

جنة: شكراً سيدتي أنتِ تكرمينني كثيراً، ومن النادر في هذا الوقت أن نجد سيدة مجتمع مثلكِ في التواضع ونبل الأخلاق.

السيدة علا مبتسمة: من تواضع لله رفعه، وقد علمتني الحياة إن التكبر لا يجدي نفعاً لصاحبه.

جنة مبتسمة: صحيح، أشكرك على كل شيء، لا تنسي أخذ دواءكِ قبل النوم.

غادرت جنة غرفة السيدة علا الى غرفتها وجلست على السرير وهي في غاية الفرح لأن السيدة علا اعطتها المال لشراء التذكرة ولم تدعها تشتريها من مالها الخاص. ثم قالت: كم هي طيبة السيدة علا، أحبها كثيراً. وضعت جنة المال في حقيبتها, ورتبت آخر اغراضها في حقيبة سفرها ثم اطفات النور ونامت وهي تدعو للسيدة علا.

اشرق يوم جديد، وبدأت مهمة السيدة علا لأخبار ولديها عن السفرة. عندما قالت لها جنة:هل ستتصلين بابنتك الآن سيدة علا؟ إنه الوقت المناسب لديها في تلك البلاد.

- حسناً أعطني الهاتف النقال.

فأعطتها جنة الهاتف النقال واتصلت السيدة علا بإبنتها لتخبرها عن الرحلة ومدتها. ففرحت إبنتها بذلك وتمنت لها رحلة موفقة على أن تهتم بصحتها جيداً. ثم قالت لوالدتها: إن احتجتي الى أي شيء اخبريني يا ماما.

السيدة علا: لا تقلقي حبيبتي لدي كل شيء من فضل الله وفضلكما أنتِ وأخاكِ، فقط اريد دعواتكِ لي.

الابنه: وأنا ايضاً اريد دعواتك يا ماما، الى اللقاء قريباً إن شاء الله.

اغلقت السيدة علا الخط، ثم التفتت الى جنة قائلة: لما لا تشتري التذكرة الآن يا جنة بدلاً من المغرب؟ أخاف أن تباع ولا تجدي تذكرة متوفرة.

جنة: معكِ حق سيدتي، سأذهب الآن.

السيدة علا: سآتي معكِ.

خرجتا واستقلتا سيارة أجرة للذهاب لمكان بيع التذاكر. وهناك اشترت جنة تذكرة سفر بالقطار ونقدته ثمنها. ثم إتجهت الى حيث السيدة علا جالسة بانتظارها، وما أن رأتها حتى سألت: كم ثمن التذكرة؟

جنة: أربع مائة.

السيدة علا: لا بأس ثمنها معقول، هل تحتاجين شيئاً من السوق؟ جنة: لا، لا لقد اشتريت وجهزت كل شيء ولا احتاج لأي شيء. السيدة علا: حسنا لنشتري طعام الغداء ثم نعود للمنزل.

جنة: هيا بنا.

خرجت كل من السيدتان من مكتب بيع التذاكر، واستقلتا سيارة الأجرة للمطعم حيث اشترت السيدة علا الغذاء ثم إنطلقتا عائدتين الى المنزل. بعد الغذاء ذكرت السيدة علا جنة كي تتصل بإختها لتعلمها بمجيئها، قائلة: انها الرابعة عصراً ما رأيك يا جنة أن تتصلي بأختك الآن ؟

جنة: فكرة رائعة.

السيدة علا: خذي هاتفي النقال وتكلمي.

اخذت جنة الهاتف واتصلت بأختها لتعلمها، فما كان من أختها إلا أن أعربت عن سعادتها بذلك. ثم سألت جنة عن السيدة علا، فقالت جنة لها إن السيدة ستقوم برحلة لفترة ابتداء من الغد لمشاهدة الآثار التاريخية .

الاخت: هذا رائع لأن هذا معناه انكِ ستبقي عندي فترة لا بأس بها، آه كم أنا سعيدة يا إختي وبانتظركِ غداً على أحر من الجمر.

اغلقت جنة الخط والتفتت للسيدة علا قائلة: لقد فرحت اختي كثيراً بقدومي. اتصلي بابنك سيدة علا الآن.

اخذت السيدة علا الهاتف واتصلت على ابنها.

الابن : أهلاً يا امي كيف حالكِ؟

السيدة علا: بخير وكيف حالك أنت وعائلتك؟

الابن: بخير.

السيدة علا: ساذهب غداً في رحلة سياحية داخلية لمشاهدة الآثار التاريخية.

الابن: ومن أين لكِ بثمنها يا امي؟

السيدة علا: لقد أهداني إياها صديقاً قديماً لي ولوالدك.

الابن: جميل وكم مدتها؟

السيدة علا: أسابيع قليلة.

الابن : حسناً، انتبهي لنفسكِ امي وإن احتجتي أي شيء اخبريني واتصلي بي دائماً طوال الرحلة لأطمئن عليكِ.

السيدة علا: شكراً بني، لا تقلق سأفعل، الى اللقاء.

اغلقت السيدة علا الخط ثم قالت لجنة: الحمد لله يا جنة لقد سارت الامور بخير.

جنة : الحمد لله.

السيدة علا: سأشتاق اليكِ يا جنة.

جنة: وانا ايضاً سيدة علا سأشتاق اليكِ ولكن سأطمئن عليكِ بين حين والآخر.