الفصل الثاني

5 0 00

الفصل الثاني

ـــ ابتعدي عن ابني

لم يمض اسبوعان على وصول ليزا الى جزيرة اردمونت , حتى بدات تتذوق الراحة والهدوء بفضل هوائها المنعش وسمائها الصافيه التي تعكسها صفحة البحر الهادئ بأبهى وازهى الالوان .

راحت ليز ترقب تغييرات الطقس بلذة فائقة , فالشمس لا تظهر في قرص السماء الا بعد الظهر , تضئ الجبال البعيدة المكسوة بالثلوج بالوان بنفسجية رائعة قبل ان تغيب وراء الأفق ......

كانت ليزا تشعر ان الايام تمر بسرعة نظراً لانشغالها بامور كثيرة لم تكن تتوقعها قبل قدومها الى اردمونت .

يكفي انها كانت تهتم بنزهة كلاب خالتها , فتخرج من اجل ذلك ثلاث مرات في اليوم , مما كان يسمح لها بالتجول في اردمونت وجوارها ,,

هذا عدا اهتمامها بترتيب المنزل وتحضير الطعام .

هذه الامور كانت ليزا تتركها في السابق على عاتق صديقتها ماندي ,

فخالتها السيدة مود روي تنام حتى الثانية عشرة ظهراً , وعليها الاهتمام بترتيب المنزل وتحضير الطعام .

مكوثها في اردمونت سمح لها باكتشاف فن الطبخ .

فكانت تجد لذة في اعداد الطعام , كما كانت تحب التسوق ,

فتنزل كل يوم الى شوارع اردمونت الضيقة لتبتاع حاجياتها ,

وعندما يكون الطقس ممطرا تقود سيارتها .

وذات مرة و هي تقصد سوق الخضار , والمطر يتساقط , دخلت احد المحلات ,

فسمعت المسؤولة عن المحل تتحدث الى احد زبائنها :

" تفضلي يا سيدة موريسون !

هذه اغراضكِ

الطقس سئ اليوم للغاية !!

لدى سماعها اسم السيدة موريسون , التفتت ليزا وارادت مشاهدتها عن كثب ,

لكن السيدة موريسون اكملت حديثها مع المسؤولة عن المحل :

" اجل , الطقس سئ !

وانا مضطرة للعودة سيرا على الاقدام !

تعطلت سيارتي فجاة ووجدت نفسي تحت المطر من دون وسيلة نقل !!

ضحكت السيدة موريسون و اكملت :

" من حسن حظي ان ابني كافان هنا !

" متى عاد كافان ؟".

" نهار امس , وسيمكث معنا بضعة ايام "!

" انكِ بطبيعة الحال سعيدة بعودته ".

" هل عادت ابنتكِ مارجوري ايضاً ؟".

" لا .. مارجوري ما زالت في عملها .

انها مرتاحة حيث تعمل , شكرا لكِ , الى اللقاء ."

سمعت ليزا هذا الحوار و هي تبتاع حاجياتها , فخرجت الى سيارتها بسرعة والمطر لم يتوقف لحظة ,

صعب عليها السير , لكنها لاحظت السيدة موريسون واقفة على الرصيف ,

فاوقفت سيارتها و دعها للصعود :

" " سيدة موريسون , تفضلي ."

" شكرا لكِ يا آنسة , انتِ ابنتة اخت السيدة روي , اليس كذلك ؟".

رايتكِ تنزهين الكلاب , وقد حدثني زوجي عنكِ .

كيف حال السيدة روي ؟".

" احوالها الصحية متقلبه , احيانا تعود اليها العافية والعزيمة كما من قبل .... احيانا تكون ضعيفة ".

"لكنها سعيدة الآن من دون شك بمجيئك الى اردمونت .

لا احد يحل محل العائلة والاقرباء عندما تقوى علينا مصاعب الحياة ."

" انما و يا للاسف , حالتها هذه اصبحت مزمنة ".

اكملت السيدة موريسون حديثها عن العائلة و عن العلاقة التي تربط الاهل ببعضهم البعض ,

وكانت تلاحظ ان ليزا تتبعها بانتباه , فاخذت تسرد عليها احداثاً ووقائع جرت في عائلة موريسون ,

تشهد للعون والمساعدة التي قام بها افراد العائلة في الظروف العصيبة .

مثلا , حدثتها كيف اعان اخ زوجها ابنتها مارجوري عندما اضطرت الى مغادرة اردمونت ,

فأمّن لها عملاً في مدينة غلاسكو .

وصلت السيارة امام " فيلا الشروق "

منزل السيدة موريسون ,

فوجدت ليزا اللحظة مناسبة لتسال رفيقتها السؤال الذي يشغل بالها :

" سيدة موريسون , سمعت انكم سوف تغادرون اردمونت الى مكان آخر ......

هذا يعني انكم وجدتم من يشتري الفيلا ؟".

" اجل , والشاري لا يزاحمه احد ... قدم لنا افضل عرض ,

لكن زوجي جورج لا يرغب كثيرا في كل هذا , لانه يميل الى السيد لامون منذ وقوع حادث ابنتي مارجوري ......

قاطعت السيدة موريسون نفسها للحظة وجيزة , ثم اكملت :

" احاول اقناع جورج بان موافقة السيد لامون لا تتعلق بعرض شراء الفيلا ..

لو ان القرار يعود الىّ شخصياً لما ترددت لحظة واحدة , فالعرض مغرٍ جدا ..

ولا نجد اليوم من يشتري بهذه القيمة ".

" ما هو السعر الذي ترغبون به ؟".

" فرايزر عرض 15 الف استرلينة , و لن اسمح لزوجي بالقبول بسعر ادنى ....

شكراً لمرافقتكِ لي ... بلغي سلامي لخالتك ".

" 15 الف استرلينة ..... رددت ليزا هذا الرقم وهي تعود ادراجها الى منزل خالتها .

قالت لنفسها ان لامون يملك ثروة لا باس بها , تسمح له بمشاريع ضخمة .

ادخلت سيارتها المرآب وركضت تحت رذاذ المطر وهي تفكر ما عساه يكون جرى بين ابنة السيدة موريسون و السيد فرايزر لامون ,

ووعدت نفسها بطرح السؤال على ساندي في اول فرصة ومن اجل ذلك ,

قررت زيارة مصانع نسج آل تويد .

وقفت ليزا امام آلات الحياكة و النسيج و الغزل مشدوهة لجمال الالوان و لجودة القماش , فقالت لساندي :

" من اين لكم هذه الالوان الرائعه ؟ هذا الصباغ في غاية الذوق "

" انها الوان طبيعية , لا صباغ فيها ! هي مزيج خاص من النبات ,

فجذور زهرة السوسن تعطينا هذا الاصفر الباهت ,

بينما زهرة الخلنج تؤمن لنا اللون الاخضر ,

و حزاز الصخر اللون البرتقالي الناعم , "

" من الذي يهتم بعملية النسيج ؟".

" القرويون ,

كل واحد في منزله , والدتي مثلا تحيك هي ايضاً في البيت ,

وبفضلها عدت واطلقت حياكة القماش في اردمونت .

كانت وسائلنا بدائية و صرنا نحسن امكاناتنا و نتطور تدريجياً , حتى اصبحت معاملنا اليوم تحتوي على احدث الآلات وتحتوي ثلاثين عاملا يعملون في بيوتهم و عشرات المبتدئين ".

" هنيئاً لك يا ساندي , قد حققت نجاحاً بارعاً "

" اجل , انما لا يكفي , تنقصنا الدعاية لدخول الاسواق التجارية الكبرى , ولزيادة المبيعات ,

صحيح انني املك القدرة التقنية , لكن ينقصني الحس التجاري ,

اذا رغبتِ في زيارتنا في المنزل سوف ترين الاقمشة التي تحيكها والدتي ,

وفي الوقت نفسه تختارين قطعة تناسبكِ و ترسمين موديلاً لكِ ".

قبلت ليزا دعوة ساندي ورافقته الى منزله .

و يشرف منزل آل لويس على خليج صغير , تزين واجهته نوافذ قديمة عاليه ,

عند دخول ليزا برفقة ساندي , اطلّت على السيدة لويس والدة ساندي وهي تعمل في الحياكة في البهو الكبير الذي استخدمته كمحترف لها .

فنهضت السيدة لاستقبال ليزا :

" انتِ ليزا , اليس كذلك ؟

ساندي اخبرني عنكِ , قال انكِ مصممة ازياء .

لقد وصلتِ في الوقت المناسب ..

مارايكِ لو تلقين نظرة على القماش الذي انهيتُ حياكته منذ لحظة ؟

الا ترين ان الوانه فاقعة ؟

تفحصت ليزا القماش بتمعن .

انه من الوانها المفضلة ,

الاخضر القاتم الممزوج بالاصفر النحاسي , يتداخلان في القماش بشكل منسجم و انيق يدل على رهافة الذوق ...

قالت ليزا :

" انها الوان فاقعة لكنها لو حظيت بيد ماهرة في الخياطة , لبهرت العين واثارت الاعجاب .

بسطت ليزا القماش ثم لفته حول خصرها و اضاف :

" انه يليق بثوبٍ شتائي ."

سارع ساندي بالاجابة , مؤكداً بحماس :

" انتِ على حق , هذه الالوان تناسب لون عينيكِ وبريق شعركِ ,

فتزيدكِ لمعاناً وكانها الشمس مشرقة عليكِ ."

لدى سماعها رأي سادني ازدادت السيدة لويس حيرة و شاءت ان تضيف شيئاً , فتلعثمت ,

لكنها تمالكت نفسها واطرقت قائلة بشئ من الثقة بالنفس :

" لو تقبل الآنسة ليزا و تصمم لهذا القماش موديلا ننشره في مجلات الموضة !

نحن بامس الحاجة الى الدعاية .

كلام السيدة لويس أثر في ليزا عميقاً , فابتسمت وهي تضع القماش على الطاولة :

ــ " بالطبع يمكنني ان ارسم موديلاً , لكن لو تأمنت لنا عارضة ازياء . .......

فتمتم ساندي :

" سارة ... "

سالت ليزا :

" من هي سارة ؟".

" سارة شيزهولم , لم يمضِ وقت طويل على طلاقها من زوجها اللورد كاتهام .

عرفت ليزا فوراً ان سارة من العارضات الشهيرات اللواتي برع اسمهن في دور الالبسة النسائية , فسالت ساندي مجدداً :

" هل تعرفها يا ساندي ؟".

اسرعت السيدة لويس و اجابت :

" تسكن سارة مع اهلها هنا في اردمونت , في منطقة تدعى كردون هول .

طلب والدها من السيد فرايزر لامون المباشرة باصلاح يخته اللذي تعطل في العام الفائت .

وأضاف ساندي بشئ من الكآبة :

" لهذا السبب كانت سارة برفقة السيد لامون على المركب الذي نقلكِ الى اردمونت . "

فتعجبيت السيدة لويس نت هذه الملاحظة وقالت :

" الم تكن سارة تعرف السيد لامون سابقاً ؟".

فأجابها ساندي وقد نفذ صبره :

" هل نسيتِ ان سارة غابت عن اردمونت مدة ثماني سنوات وعادت بعد طلاقها ".

" فعلاً ...... مضى على غيابها ثماني سنوات ...... الوقت يمضي بسرعة ....

ما رايكم لو نشرب الشاي ؟

سيفرح زوجي جورج لو بقيت ليزا معنا .

وهكذا , يمكنكِ طمأنته شخصياً عن خالتك !".

بعد مرور ساعة عند آال لويس , رافق ساندي ليزا حتى سيارتها , ولطقس ممطر .

فاستفادت ليزا من هذه الفرصة القصيرة لتستوضح من هبعض الامور التي دفعتها لزيارته اليوم :

" ساندي , يمكنك الجلوس معي في السيارة لبضع دقائق .

اود محادثتك لبرهة ".

صعد ساندي الى السيارة وجلس بالقرب من ليزا :

" تثيرين فضولي يا ليزا !

ماذا تريدين ان تعرفي بعد ؟ ".

" لماذا غادرت مارجوري ابنة السيد موريسون اردمونت ؟ ولماذا يكره والدها فرايزر لامون الى هذا الحد ؟".

اجاب ساندي بجدية :

" اهنئكِ يا ليزا لفطنتكِ !

عوضاً عن استقصائكِ الاخبار من احدى النسوة ي اردمونت , فضلتِ طرح الاسئلة علىّ ومباشرة .

في الواقع تدور حول هذا الموضوع الكثير من الاقاويل ,

وما اكثر الثرثارين عندما تقع حادثة في القرية ,

فتكثر على الفور التكهنات و الافتراضات ,

فمارجوري لم تترك مناسبة الا واستغلتها ضد فرايزر .

فكل ما في الامر انه لدى عودة فرايزر من تازمانيا كان ابنه جوني لا يزال طفلاً وكان من الطبيعي ان يسعى لتدبير مربية تهتم بطفله نظراً لانشغاله خارج المنزل طول النهار .

فشاءت الظروف ان تستلم مارجوري هذه الوظيفة لانها كانت قد تركت المدرسة و ل تجد عملا بعد ,

فطلبت السيدة موريسون من فرايزر ان يقبل بها كمريبة عنده ".

فسالته ليزا :

" وهل وافق ؟".

" اجل , لكنه ما لبث ان طردها بعد مرور ثلاثة اشهر على وظيفتها ,

وأوكل مهمة الاعتناء بابنه الى امرأة عجوز ".

" لماذا ؟".

" لا احد يعرف بالضبط ما هي الاسباب التي دفعته الى طردها ,

فرايزر لا يبوح باسراره الى احد ".

" وماذا فعلت مارجوري في هذه الاثناء ؟".

" لدى سماع والدها بنبأ طرد ابنته , اتجه على الفور الى منزل فرايزر ليستوضح الامر ,

لكنه عاد خائر القوى , تعباً ,

كأن فرايزر لم يرحمه , بل ندد بتصرفا ابنته الشاذه .

وبعد مرور هذه الحادثة , نشرت مارجوري الخبر في اردمونت زاعمة ان فرايزر حاول التحرش بها فصدته و لهذا السبب اقدم على طرها من وظيفتها ."

" وبالطبع لم تصدق انت اكاذيب مارجوري ؟".

" طبعا لم اصدقها ,

لو كنتِ تعرفين مارجوري و السيد فرايزر لامون لكان رايكِ مطابقاً لرأئي تماماً ."

لم تصادف ليزا حتى الآن السيد فرايزر لامون و الد جوني الذي حدثها على المركب .

ما تعرفه عنه ليس سوى آراء متضاربة , تختلف باختلاف الاشخاص .

فرأي خالتها السيدة مود روي يناقض رأي ساندي لويس ,

وهذا الامر زادها فضولاً ورغبة في التعرف اليه .

فأخذت تتخيله ,

هل هو قاسي الملامح ؟

قوي البنيه ؟ متسلط ؟

لايأبه بآراء الآخرين به ؟

يشق طريقه بدون ان يكترث بأحد ؟

وذات يوم بعد مرور عيد الميلاد وراس السنة , بينما كانت تنزه كلاب خالتها مود , لفت انتباهها عراك محتوم بين صبيين يتصارعان على ا لشاطئ .

وأخذ الكلبان يعويان على الفور ويحاولان الافلات من رسنيهما .

فاقتربت ليزا مع كلبيها وهما في حالة هياج شديد نحو الشاطئ ,

فبان لها عن قرب ثلاثة صبية يتعاركون , اثنان منهما يزاحمان الثالث الاصغر سناُ فيما بينهم وهو يتخبط أرضاً محاولاً عبثاً الافلات منهما ,

وهما ينحيان عليه ويسددان له الضربة تلو الأخرى .

فهرعت ليزا نحوهم , فما كان من الصبيين الأكبر سناً الا ان لاذا بالفرار ,

فاقتربت من الثالث الذي كان ما زال ارضاً ولا يقوى على الحراك ,

وكم كانت دهشتها كبيرة لدى تعرفها الى جوني لامون

فساعدته على ا لوقوف واخذت تمسح من مجهه الرمال التي امتزجت بالعرق المتصبب من جبينه ,

وبانت لها البقع الزرقاء و الخدش حول عنقه وعلى خديه ,

فآلمتها حالته و قالت له وهي تحاول ان تتمالك نفسها من الغيظ :

" من هما هذا الصبيان اللذان اشبعانِكَ ضرباً ؟".

أجابها جوني بعناء :

"دوغلاس بيتغر وجيمي فوكس ".

" ولماذا اعتديا عليك ؟".

" انا الذي اعتديت عليهما , كانا يوقلان كلاماً بذيئاً عن ابي ".

" لكنهما يكبرانِك سناً ولا يمكنك التغلب عليهما ".

" اعرف ذلك , ولكن هذا لم يمنعني من تلقينهما درساً قاسياً لئلا يذيعا بعد اليوم كلاماً كاذباً يضر بأبي ".

و بدأ جوني فجأةً بالبكاء وهو يحاول اخفاء وجهه بيديه الوسختين من جراء العراك .

شعرت ليزا بألم كبير يحتلها ولم تستطع إلا تهدئة خاطره و التخفيف عنه ,

فمسحت له دموعه بمنديلها ورافقته حتى منزله .

فقال لها جوني وهما يتجهان ناحية المزل :

"بالتأكيد وكالعادة والدي غائب عن البيت ".

وأشار باصبعه الى الفيللا الفخمة بجوار مصنع السفن , واضاف جوني بحرارة :

" اسمي جوني و انتِ يا آنسة ما اسمكِ ؟".

" اسمي ليزا ."

" اعتقد ان ابي في مكتبه او في احدى العنابر حول المنزل ....

سيغضب كثيراً عندما يرى انني تعاركت .

هل يزعجك لو امسكت بيدك ؟

فضغطت ليزا على يد جوني بلطف وقالت :

" لا تزعجني ابداً ! "

وفكرت باللهجة القاسية التي ستواجه بها لسيد فرايزر لامون ,

فهي ستلومه على الطريقة التي يعامل بها ابنه .

وبينما كانت تتجه بمعية جوني نحو الفيللا ,

لاحظت في الحوض سفناً في عنبر خاص يحميها من المطر في فصل الشتاء .

ووصلا اخيرا امام بناء خشبي حديث , ففتح جوني الباب و دخلا .

على الجدران امتدت خرائط كثيرة ومختلفة لهياكل سفن , اخذت ليزا تمعن النظر فيها ,

حتى اطلت عليهما امرأة في الاربعين من عمرها تعمل وراء مكتبها على الآلة الكاتبة .

ولدى سماعها خطوات في الداخل , رفعت رأسها نحو الصوت ودهشت وهي تنظر الى جوني :

" عراك جديد اليس كذلك ؟".

اسرعت ليزا واجابت بلهجة متعالية :

" تعارك مع احد صبيان الحي و رافقته الى هنا , هل يمكنني مقابلة السيد لامون ؟".

تغيرت لهجة السكرتيرة وقالت بقسوة :

" السيد لامون مرتبط بموعد عمل هام , لا يمكنني التدخل فوراً .

اتركي جوني هنا , سوف اتولى امره شخصياً ! ".

" ما سأقوله للسيد لامون مهم بقدر اهمية الاجتماع الذي يربطه بأحدهم الآن !."

فجأة علا صوت خلفها وهي تواجه السكرتيرة ,

صوت ملؤه جاذبية مصحوباً بابتسامة خفيفة :

" جانين !

ارجوك استقبلي الآنسة سميث في مكتب آخر , يأوافيها بعد دقائق ! ".

واستدارت ليزا لترى مصدر الصوت و صاحبه , فلم تفلح اذ اختفى بسرعة وراء الباب الذي أطلّ منه ,

ورات من نافذة الغرفة التي تقف فيها رجلاً يبتعد و يتجه الى سيارة فخمة و يتحدث الى سائقها مودعاً .

فسارع جوني و قال لها هامساً :

" من المستحسن ان تلبي مشيئة ابي ".

واضافت السكرتيرة جانين بتعجرف وهي تتصنع الابستامة :

" تفضلي آنسة سميث المكتب الآخر في هذا الاتجاه . "

دخلت ليزا الى المكتب وهي تفكر بالخطوة الجنونية التي اقدمت عليها .

لماذا رافقت جوني الى منزله و الحّت على البقاء لمواجهة و الده السيد لامون ؟ .

لم تقدم يوماً على عمل كهذا ,

وها هي الآن أمام وضع حرج .

فمن الظاهر ان السيد لامون عرفها وخاطبها باسمها اي بدون ان يرى وجهها .

دخوله الى القاعة بهذه الطريقة احرجها خاصة انه لم يوجه الكلام اليها مباشرة .

و لفرط تفكيرها بما جرى في هذه اللحظات كادت تنسى جوني , الذي افلت منها و بدأ يلهو بنماذج السفن الصغيرة , كانه نسي ما جرى له ..

وفجأة فتح الباب وخيّل اليها للحظات انها فقدت صوتها و بدات تشعر بالدهشة و بالتعجب يتغلغل فيها ليحلّ محل غيظها و عدائيتها .

ها هو فرايزر لامون واقف امامها الآن وجهاً لوجه .

كل ما بنته عنه في مخيلتها يعاكس تماماً شخصه .

فهو ليس بهذا الرجل المتسلط المتغطرس ,

ملامح وجهه تدل على الطرافة يخفيها و راء مظهر قاسٍ .

وهو لا يزال في لباس العمل و هندامه هذا يظهر قوة وصلابة جسمه .

قامته متوسطة , لكنه يوفوقها كثيراً في الطول وعمره لا يزيد عن الثلاثين عاماً .

إتكأ على مقبض الباب و سألها بصوت فرح وهو ينظر اليها بعينيه الزرقاوين :

" آنسة سميث هل استطيع ان اخدمكِ بشئ ؟".

وقبل ان تجاوبه ليزا ,

لمح جوني واسرع اليه وحمله بين ذراعيه ليتفحص رأسه .

" اراك قمت بعملٍ جيد ! ماذا حدث لك ؟".

ضربني دوك , تعاركت معه !".

وحاول جوني الامتناع عن البكاء فتدخلت ليزا فوراً لتنقذ الموقف :

"تقاتل جوني وحده ضد اثنين يكبرانه سناً وكان يحاول احدهما ان يرطم رأسه بشدة على الصخر ...

لكنهما لاذا بالفرار فور وصولي ".

امتقع وجه فرايزر و نظر الها باكتئاب :

"آنسة ليزا , لماذا تدخلتً في عراك جوني ؟".

وعادت اليها موجة الغضب , ما عليها الآن الا ان تجيب برباطة جأش ,

فقالت ببردوه :

" كان علىّ ان اتدخل لئلا يتعرض جوني للأذى !".

لم يعلق فرايزر على كلامها بل وجه سؤالا آخر الى جوني :

" من الذي افتعل العراك ؟".

اجابه جوني مرتجفاً :

" انا الذي بدات ,

كانا يقولان كلاما بذيئا عنك فلكمت احدهما ".

انفرجت ا سارير فرايزر و قال بهدوء :

" في دفاعك عني انت تقف موقفا شجاعا ,

لكن اسمع نصيحتي ولا تعرض نفسك بعد اليوم الى اي قتال ان لم تكن انت الأقوى .....

اللذين تعاركت معهما اليوم يفوقانك قوة وكان بامكانهما الحاق الاذى بك .

لا تعيد الكرّة ّ

هيا اذهب الآن الى المنزل و اطلب من السيدة دوبي ان تعد لك حماماً ..

انت بامس الحاجة اليه ... هيا ..... هيا ! ".

انفجر جوني باكياً واحتلّ ليزا شعور بالنفور

وغاب عنها وجهه الوسيم اللطيف و بدا لها سمجاً ,,,

فقال جوني باكياً :

" لا اريد ان اعود الى البيت .... اريد البقاء مع ليزا فهي الطف من السيدة دوبي ."

فصاح به فرايزر مؤنباً :

" هذا غير صحيح ! مدام دوبي لطيفة هي ايضاً !."

" اكرهها ! اكرهاا !

عندما تكون غائباً عن المنزل لا تكف عن توبيخي ."

" صاح به فرايزر من جديد بصرامة :

" هيا عد الى المنزل الآن !

لا اصدق ما تقوله!

هيا... اذ هب ! ".

تردد جوني قليلا في الخروج و استدار الى ليزا وهو يتجه نحو الباب بينما هي لم تفارقه للحظة بنظراتها الحنونة ,

وكان هو ايضاً يبادلها النظرات نفسها , كانه يدعوها للقاء آخر .

هذه المواجهة مع والده احرجت موقفه ,

فهي لا تستطيع الدفاع عنه و مخالفة اوامر فرايزر الذي يبدو قاسياً

اكتفت في الوقت الحاضر بابتسامة عريضة و قالت له :

" هيا جوني اذهب الآن , سنلتقي قريباً , اليوم بعد الظهر ان شئت , ساخرج لنزهة مع الكلاب ".

ابتسم جوني فرحاً وتوقف عن البكاء :

" هل يمكنني مرافقتكِ ؟".

" بكل سرور , متى تشاء ! ".

فصاح فرايزر مقاطعاً :

" جوني , عد الى المنزل ".

خرج جوني راكضاً وهو يحاول الالتفات ناحية ليزا مرة اخيرة ,,,

بغتةً وجه اليها فرايزر الكلام :

" شكراً لتدخلك آنسة ليزا , لكن ارى انه من واجبي ان القن جوني درساً ,

اريده ان يتكل على نفسه , كما اريده ان يعرف ايضاً متى يرفض العراك ".

ادركت ليزا انه فخور بما حدث ,

فيكفيها ان تنظر الى عينيه لترى مدى شعوره بالاعتزاز ,

هذا الامر زادها اقتناعا بالنفور الذي يسود علاقة السيد لامون بخالتها السيدة مود روي .

لكنها لم تفهم لماذا على صبي صغير تحمّل نتائج هذا الشعور بالفخر .

فوجهت اليه الكلام بشئ من اللوم الرصين :

" افهم كلامك سيد لامون , انه علىّ في المرة المقبلة ان اكمل طريقي ولا اتدخل لافسح مجالا لجوني للدفاع عن اسمك و شهرتك .

لكن اسمح لي ان اضيف انك نسيت امراً مهما :

ابنك جوني ما كان يرعض نفسه للأذى لو شعر ان هنالك من يعتني به .....

اما اذا كان باعتقادك انه بوسعه العراك بمفرده وينجح فانت مخطئ ....

فجوني لا يشبهك .

لم تتمالك ليزا نفسها لشدة شعورها بالغضب و الاشمئزاز ,,

ولم تدرك ما قالته الا عندما رات رد فعل فرايزر الذي كتف يديه بغضب مشحون

و اتكأ على الجدار و قال بصوت بعيد :

" انت تعرفينني اذن لهذه الدرجة و هذه اول مرة نتقابل فيها ؟".

" شعرت ليزا بالخجل , وحاولت عدم اظهار ذلك .

..

الواقع انها بنت صورة لشخصيته انطلاقا من الشائعات التي تحاك حوله ,

لكنها لم تقبل الاعتراف بذلك فصمدت وواجهته قائلة :

" أجل !

هذه اول مرة نتقابل فيها ومع ذلك ناديتني باسمي سيد لامون فور دخولك الى المكتب .

اجابها ضاحكاً :

" رأيت كلبكِ في الخارج ... هل نسيتِ انكِ تركتِ كلبيكِ خارجاً ؟

في القرى الصغيرة عادة , تتسرب الاخبار بسرعه البرق .....

سمعت عنك يا آنسة ليزا كما سمعتِ عني ....

لكن من الظاهر انكِ متأثرة بآراء خالتك السيدة مود !؟.

" كثيرون غير خالتي يوجهون اليك النقد ."

قطب فرايزر جبينه و قال فجأة حاولاً ان ينتقل الى موضوع آخر :

" كم ستطول اقامتكِ في اردمونت ؟".

" ريثما تتحسن حالة خالتي الصحية ."

" لا تتفائلي بالخير بشأن خالتك , فهي تشرف على الموت ".

" وما ادراك بصحة خالتي ؟".

سالته ليز بصوت متقطع وهي تحدق في عينيه , ففجأتها صراحته اذ جاب بصوت طبيعي :

" الم يصارحك احد بعد بالحقيقة ؟

الكل في اردومنت يعلم ما اصارحكِ به و على ما يبدو انكِ لم تقابلي الدكتور كلارك ".

" لا لم اره بعد , من الضروري ان يمر بنا غداً ."

" اذن اقبلي مني هذه النصيحة وطالبي الدكتور بالحقيقة ,

من الافضل ان تعلمي حقيقة الامر حتى لو صدمكِ الواقع ,

فالحقيقة تؤلم احياناً و لهذا يمتنع الناس عنها ."

واضاف ببرود :

"ما هو سبب قدومكِ في هذا الوقت و لم يحن بعد موعد الاجازة ؟".

الا يكفيه ما قاله حتى الان , وهو لا يعطي اية قيمة لشعورها بخطورة ما عرفته عن حالة خالتها الصحية .

كل ما يهمه هو متابعة الحديث من اجل الحصول على مزيد من المعلومات ,

كتمت مرة ثانية شعورها بالغضب و اجابته بلهجة عادية :

"كما سبق و قلت لك يا سيد لامون , اتيت الى اردمونت تلبية لدعوة خالتي ,

سمحت لي الظروف بالمجئ لانني وجدت نفسي غير مرتبطة بعمل ,

واذكرك ان خالتي ارسلت بطلبي لانني الوحيدة الباقيه لها ."

" كيف ذلك وانتِ تحملين اسم ليزا سميث و ليس اسم ليزا روي ؟".

" اسمي لزا روي - سميث , فالسيدة مود روي هي خالتي ,

اي ان والدتي تنتمي لعائلة روي و لقد عاشت سابقا في المنزل نفسه الذي تقطنه خالتي اليوم ."

" آه , تذكرت ! والدتكِ كانت ذات شعر احمر مثلكِ تماماً , فأنتِ تشبهينها !".

" شعري ليس احمر !".

" انتِ تميلين الى الون البصلي ... الا تعرفين ان روي بالاسكتلندية تعني " الاصهب ".

.... أي احمر الشعر ,,,

لماذا لم ترافقكِ والدتكِ ؟".

" مضى على وفاتها وقت طويل ......" .

" فهمت ! ".

واضاف ببرود :

" " اذت انتِ الوريثة الوحيدة بعد وفاة خالتكِ ؟ ولهذا السبب اتيتِ الى اردمونت ."

انفجرت ليزا وقالت بغضب :

" لم اكن اعلم قبل المجئ الى منزلك سيد لامون ان حالة خالتي الصحية تدعو للقلق ....

ولستُ ادري لماذا علىّ ان اجيب على اسالتك الوقحة ....

لكن اريدك ان تعل ان سبب قدومي الى اردمونت هو فقط للوقوف الى جانب خالتي ".

فقاطعها لامون ساخراً :

" هذا موقف شريف ونبيل !."

" انت لا تفكر في الاخرين الا تفكيرا سيئاً ."

" نادرا ما يحصل لي العكس .. علمتني الحياة ان العاطفة مضيعة للوقت ."

" اذن الانانية هي سيدة افكارك وتسير كل اعمالك ؟".

" ااذا شئتِ ذلك فليكن ."

تخيل لليزا انها رات في عينيه نظرة هازئة لكنها سرعان ما ادركت انها اخطأت ..

فاضافت :

"افهم من كلامك انك مستعد لاي شئ من اجل الحصول على ما تريده ؟."

فتأملها لامون جيداً قبل ان يجيبها , و تمتم قائلا بدون ان يغيب نظره عنها :

" نعم مسعد لاي شئ !".

ولاول مرة شعرت ليزا بحرج شديد كانها وقعت في فخ

فأرادت الافلات منه والهروب الى الهواء الطلق :

" لا اتعجب الآن بعد مواجهتك يا سيد لامون من سوء علاقتك بخالتي مود ــ واتجهت نحو الباب وهي ترتدي قفازيها وشالها وقبل ان تخرج اعلنت بوضوح :

" سيد لامون اعتقد انه لم يبق لدينا ما نقوله ,

اسعدت مساء .

" انا لدي ما اقوله لكِ يا آنسة سميث قبل انصرافك .....

اتمنى لو تعدلي عن اقتراحك في اصطحاب جوني للنزهة ,

لا تنسي اننا في قرية صغيرة و الاقاويل هنا تنمو بسرعة , وانا في الواقع بغني عنها ..

فتأملته ليزا عن قرب وبان لها جرح ظاهر في صغيه فقالت له بهدوء بالغ :

" لا افهم ماذا تقصد يا سيد لامون ؟".

" بخروجك مع جوني للنزهة ستفتحين مجالا للاقاويل الغادرة بالتكهن ان علاقتك مع جوني ليست سوى حافز تبغين من خلاله التوصل الى وضع آخر .....

قسالت بخجل :

" افهم من ذلك ان اهل القرية سيتهمونني باانني اقيم علاقة سرية مع والد جوني ؟".

" اجل ... وخاصة انكِ ما زلتِ في سن الشباب .....

لو كنتِ في العقد الرابع او الخامس لما تغير شئ ....."

واضاف بضحكة شيطانية :

" وانكِ على قدر لا باس به من الجمال بالرغم من لون شعركِ الاحمر !".

كانت كلمات لامون كافيه لاشعال غضبها من جديد .

وعادت اليها تفاصيل الجلسة الاخيرة مع ساندي حي كلمها عن علاقة مارجوري موريسون بلامون .

فادركت على الفور انه يلمح لهذه الرواية ,

باحثاً ربما عن وجه الشبه بينها و بين تلك الفتاة الطائشة التي وقعت في حب سيدها ,

فاتقدت نيران الغيظ في عينيها وقالت بقساوة :

" انت بهذه الطريقة تحرم ابنك جوني من الصداقة .....

" انتِ هنا آنسة سميث منذ اسابيع فقط و لم يسمح لكِ الوقت بعد لاكتشاف حقيقة الامور في اردمونت ,

لذا اكرر عليكِ طلبي ....

ابتعدي عن ابني جوني ....

لا اريد ان يلومني احد في المساقبل لانني كنت السبب في تشويه سمعتكِ ".

ورن جرس الهاتف في هذه اللحظة فرافقها حتى الباب وعاد ادراجه الى المكتب وسمعته يقول وهو يتحدث على الهاتف :

" سارة ّ هذا انت ؟

صباح الخير !

كنت انتظر مخابرتكِ ...

سأكون في لندن في فترة راس السنة , بلغي والدك هذا الخبر .... يمكننا ان نلتقي .....

وفي هذه الاثناء دوى باب المكتب خلف ليزا الذي يبدو ان لامون رفسه برجله من الداخل ولم تعد تسمع شيئاً ....

وابتعدت والاحمرار يغلف خديها و تسائلت :

هل يا ترى سمعت السكرتيرة التي تعمل في المتكب المجاور حوارها معه ؟

فور عودتها علمت ان السيدة مود تعرضت لنوبة قلبية خفيفة .

فاسرعت بطلب الطبيب بعد ان ساعدت خالتها على ملازمة الفراش .

وكم كانت دهشتها كبيرة عندما صارحها الطبيب بحالة مود الخطيرة مؤكداً بذلك ما قاله فرايزر لامون ....

فلم يبق للسيدة العجوز سوى ايام معدودة وهي تشرف حقا على .....

ولقد اخفت ذلك عنها , فمود تعلم بوضعها الصحي المتدهور ...

كم هي كبيرة هذه السيدة وصلبة !!

انها تضعف تدريجيا وعليها ملازمة فراشها بصورة متواصلة و لو تحسنت .

واضاف الطبيب قبل ان يغادرها :

" ساضع ممرضة في خدمتها "

وفي اليوم التالي وصلت الممرضة التي وعد بها الطبيب ,

امراة شابة ظريفة سمينة بعض الشئ , هادئة و بشوشة بالرغم من تراكم ساعات عملها في هذه المنطقة النائية .

فشعرت ليزا بالعزاء لوجودها الى جانب خالتها في هذه المرحلة الحساسة

ووعدت نفسها بالمكوث في اردمونت طالما ان السيدة العجوز بحاجه الى خدماتها

3- بداية التحدي

اتصل ساندي بليز في عيد رأس السنه مطمئنا عن حال السيدة مود وسرّ لمعرفتة ان ليزا ستبقى في اودمونت فترة اطول ودعته لتناول كوبا من الشاي :

- لحسن حظ خالتك انك تركت عملك السابق وأتيت لتستقري في اردمونت قليلا ويمكنني ان اضيف ان من حسن حظي ايضا انك اتخذت هذا القرار 0

- ماذا تقصد يا ساندي ؟

تصرفات ساندي المترددة والخجولة كانت تثير غضب ليزا فهو يعاملها كأنها من مادة البورسلين ويخاف عليها ان تنكسر 0 ارادت من سؤالها هذا ان تبعث فيه الجرأة كي يكون اكثر وضوحا 0 فشعر بالخجل من سؤالها وتمتم قائلا :

- اعني 00ارجوك لا تظني انني ارغمك على البقاء 000طبعا يمكنك ان ترفضي 0

- ساندي! انت تلف وتدور حول موضوع ما 00كيف تريدني ان اقبل او ارفض قبل ان اعرف ما بودك ان تقول ؟

- ما اريد قوله انني بحاجة ماسة اليك 0

- هكذا 00وبهذه السرعة ؟!

- لاتسيئي الظن ! في الواقع انا بحاجة لمواهبك كمصممة ازياء ولذوقك في تنسيق الألوان , الثوب الذي صممته من قماش التويد الذي اهدتك اياه والدتي كان رائعا ! مارأيك لو نعمل معا ؟ انت ترسمين لنا وتصممين الأزياء ونحن نصورها وننشرها في مجلات الموضة 0 بهذه الطريقة نكون قد حصلنا على الدعاية التي نحن بأمس الحاجة اليها وربما تضاعف مبيعنا !

- هل طلبت من ساره ان تعرض لكم بعض الموديلات ؟

- لا لم اكلمها بعد !

- لماذا ؟

تردد ساندي وقال وهو يشيح بنظره عنها :

- لا اظن انها سترضى 000اعني ستوافق على مساعدتنا 00

- ساندي ! اظن انك لاتريد ان تقترح عليها مشروع العمل هذا00الا تحبها ؟

فوجئ ساندي بسؤال ليزا وقام على الفور من مقعده ووضع كوب الشاي جانبا وقال بصوت ملجوم :

- لا اجد مبررا لحديثنا عن ساره ولا علاقة لها بالعرض الذي اقترحه عليك , هل تقبلين مشاركتي في العمل ؟

- لامانع عندي وهذا العمل يستهويني كثيرا 0 لكن يا ساندي ارجوك افهمني , ان لم ننشر الموديلات التي سأصممها في صحف ومجلات الموضة فعملنا لن يلقى صدى ولن نجني ثمرا0 والدتك حدثتني في هذا الموضوع وهي التي اقترحت علي فكرة عرض النماذج ونشرها , واعتقد ان سارة هي الشخص الذي يلزمنا 0

اشاح ساندي بوجهه وتقدم نحو النافذة وشعرت ليزا في هذه اللحظة انه حزين ومتوتر فقالت بهدؤ:

- اظن ان سارة الآن بصحبة فرايزر في لندن 0

فأدار ساندي وجهه نحوها واقترب منها بخطى سريعة :

- من اين اتيت بهذا الخبر ؟

- سمعت فرايزر يكلمها على الهاتف عندما زرته في مكتبه 0

- ولماذا زرته في مكتبه ؟

- رافقت ابنه جوني حتى البيت بعدما انقذته من عراك وقع بينه وبين صبيان في الحي 0

- وبالطبع لم تخف عنه شعورك بالمضايقة من تصرفاته الامبالية تجاه ابنه 0

- كيف عرفت ؟

- التقيت بفرايزر قبل سفره الى لندن لحضور معرض للسفن , لقد اصطحب معه ابنه جوني لأن السيدة دوبي تركت وظيفتها بعدما اخذت نصيبها من الرفسات واللطمات التي انهال عليها جوني في المرة الأخيرة عندما حاولت كعادتها الأعتناء به 0

- وماذا سيفعل هذا الولد المسكين في معرض للسفن ؟

- سيضجر او سيفتعل حماقات , ارجو ان تهتم به ساره كما يجب 0

- كان بأمكاني الأحتفاظ به طوال مدة غياب والده لئلا يضطر الى تعطيل مدرسته 0

فابتسم ساندي معلقا :

- لن يروق لخالتك مود استقبال ابن عدو لدود لها !

فأجابت ليزا بانفعال :

- لم يجد السيد لامون في اردمونت من يهتم بابنه في غيابه ؟ لا افهم هذا الوضع المعقد ! وماذا بشأن والدتك يا ساندي هل هي على علاقة طيبة معه ؟

- امي تحترمه كثيرا وتقدره لكن ابي يخالفها الرأي منذ وقوع حادثة مارجوري موريسون , ثم فرايزر يتجنب طلب المساعدة من احد 0 لو يتزوج لهانت جميع مشاكله 0

- من المعقول ان يتزوج ساره 0000هل تغار منه لأنه سيقابلها في لندن ؟

- لا ! هذا الأمر لايزعجني ابدا , يسرني ان تجد ساره السعادة مع فرايزر او مع سواه 0

فتجرأت ليزا وسألته من جديد :

- من الظاهر انك تحبها ؟

- احببتها فيما مضى وشئت ان تكون لي زوجة , لكنها فضلت السفر الى لندن كي تصبح عارضة ازياء , لم يكن بمقدوري ان اقدم لها شيئا بديلا !

- في أي حال ان لم تطلب منها انت مساعدتنا في مشروعنا الجديد سأتولى هذا الأمر بنفسي , لسارة علاقات هامة بوسعنا الأفادة منها , متى ستعود من لندن ؟

- قريبا – لايهمها كثيرا معرض السفن !

فتمتمت ليزا :

- الا اذا شاءت ان تفتن رجلا 0

كان شهر كانون الثاني (ديسمبر) هذه السنه لطيفا فتسنى للخالة مود النهوض من فراشها قليلا مما زادها عافية ونشاط ولم يغب عنها شئ من امور جرت وتجري من حولها , بل بالعكس , كانت تقف قرب نافذتها كلما سمحت لها حالتها الصحية حيث تراقب ما يحدث في الخارج 0 وفي هذا اليوم كانت منشرحة ومتعافية فجلست الى نافذتها كالعادة وما لبثت ان نادت ليزا بفرح داخلي :

- ليزا ! تعالي وانظري 000يبدو ان السيد لامون لم يباشر بورشة البناء اظنه لم يحصل بعد على رخصة البناء او نفذت امواله 0

- لا اعتقد ذلك ! انه مشغول الآن بتجهيز مناقصة سفن حصل عليها في لندن 0

- ومن اين لك هذه المعلومات ؟

- من جوني , التقيت به لدى خروجه من المدرسة 0

- وهل والده موافق على ذلك ؟

- اعتقد انه يجهل انني التقي بجوني 0

- لكن جوني يعرف تماما ان والده يمنعه من الخروج معك وانت بهذه الطريقة تدفعين الصبي الى الكذب 0

- لا اجد مانعا من خروج جوني معي للنزهة فهو بحاجة للرفقة 0 هذا الصبي حساس للغاية وذكي وبودي ان اعرفه اليك يوما , ليعلم انك لست شريرة الى هذا الحد الذي يتصوره 0

فضحكت مود وقالت بانشراح:

- لماذا يعتقد انني شريرة ؟

- لأنه يظن انك اقنعت جورج موريسون بالعدول عن فكرة بيع الفيلا 0

فتعجبت مود وسـألت :

- من الذي اوحى اليه بهذا ؟

- سمع والده مرة يقول لجورج موريسون انه متأثر بمواقفك ولهذا السبب يرفض عرضه لشراء " فيلا الشروق "000ماذا قلت بالضبط لجورج موريسون ؟

اجابت مود بلهجة واثقة من نفسها :

- قلت له لو انه تجرأ وباع الفيلا لفرايزر لامون لأخبرت الجميع في اردمونت ان ابنته كاذبة ولصة 0

- لصة ؟ كيف يمكنك اثبات ذلك ؟

- طبعا يمكنني اثبات ذلك ! كانت مارجوري تنظف لي المنزل في الماضي فافتقدت بعض الحاجيات كما فقدت بعض النقود , فكلمت والدها الذي استجوبها لكنها نفت التهمة 0

- اذن فأنت تعرفين ان من عادة مارجوري الكذب 0وهل تصدقين ما اشاعته عن فرايزر ؟

- لا اصدق شيئا مما اشاعته 00صحيح انني لا احب فرايزر لكن هذا لا يمنع ان يكون رجلا نزيها وصريحا 0

ما قالته مود اراح ليزا لأنها شعرت ان فرايزر اوحى اليها بالثقة في المرة الأولى عندما قابلته بالرغم من انجرافها قليلا مع مواقف خالتها فقالت مازحة :

- والله 000 ماظننت يوما انه بأمكانك اللجوء الى الأبتزاز !

انزعجت مود وأجابت بسرعة اعتراضية :

- انا لا امنعه من بيع الفيلا لشخص آخر0!

ثم اكملت , وهي تنتقل الى موضوع جديد :

- هل وصلتك اخبار من والدك ؟

- نعم 0 انه مستعد للمجئ عندما تسمح له اشغاله 0

- آه 0 انا اعرفه جيدا 0 سيطلعنا عن مجيئه ساعات قليلة قبل وصوله !

ثم تأملت العجوز اقتراب الشمس من صفحة الماء , وأضافت فجأة :

- اود ان اتعرف الى هذا الصبي 0 لقد فقد امه وجدته ايضا فارقت الحياة 0 ليأت غدا 0!

في اليوم التالي , طلب جوني بنفسه لو يمكنه المجئ فقالت له ليزا :

- بالتأكيد 0 فخالتي راغبة بالتعرف اليك 0

- صحيح ؟

- وألف صحيح ! واذا اعجبتها , ارتك الكنوز التي عندها !

- اية كنوز?

- ذكريات واشياء نادرة من الصين والهند واليابان.

- هل عندها العاب ايضا?

-نعم, لكن اياك ان تطيل الزيارة خالتي عجوز تعبه معرضه دائما للمرض ثم لاتنسى ان السيدة التي تهتم بك قد ينشغل بالها وهي تنتظرك.00

اجابها بجدية وكأنه من الراشدين:

- لامكان لها عندنا لقد غادرتنا .

- حقا ومن الذي يهتم بشؤون البيت والطعام اذا?

- والدي انه طباخ ماهر, وانا اساعده, تبقي مشكلة تنظيف البيت. 00منذ ايام زارتنا سارة لكنها لاتحسن الطهي00 لا اظنها تستطيع ان تصبح اما صالحة الامهات يعرفن تحضير الطعام .!!

ابتسمت ليزا في سرها هذا الصبي الذي عمره سبع سنوات يعرف ماعلى المرأة من واجبات. واضح انه لم يتعلم هذا من والده .

فهو يدير شؤونه بنفسه, اول زياره قام بها جوني لمود جرت بدون صدام.

فأعاد الكرة في اليوم التالي ثم نهار الأثنين حتى أخذ يزورها كل يوم كان يحدث الخالة مطولا ثم تريه كنوزها او يلعبان الورق00

حتى تشعر العجوز بالتعب فيلحق جوني بليزا الى المطبخ وتعطيه اقلام ملونه واوراق كي يرسم ويلون بفرح وحماس كانت ليزا تجهل اذا كان فرايزر على علم بعلاقتها بجوني

لكنها ابت ان تسأل الصبي عن ذلك لئلا يفقد فرحه وفجأه يوم كانا يعملان بحماس كبير حتى انهما نسيا مرور الوقت ادركت ليزا تأخر الصبي عن ساعة عودته الى بيته فهرعت معه الى حوض السفن وهي مستعدة للدفاع عنه من غضب ابيه00عند اقترابها من المنزل رأيا امرآة تغادر سيارتها بعدما اوقفتها في المرأب00 شقراء ,جميلة .انيقه. وممشوقة. تقدمت نحوهما وهي تقول للصبي بصوت حاد ومزعج :

- ماهذا انك متأخر جدا في العودة والدك ذهب يفتش عنك .

- كنت عند ليزا 00والخالة مود اعطتني هذا الفيل الرائع انظري 00 قال هذا وهو يريها فيلا صغيرا من العاج

تجاهلته المرأة ونظرت الي ليزا سائلة اياها بفضول :

- انت ليزا سميث?

- نعم وانت الأنسه سارة 00عارضة الأزياء اليس كذلك ? ضحكت الشقراء وهي تجيب :

- لو لم تعرفيني لكنت غضبت جدا 00السيدة لويس حدثتني عنك يبدو انك مصممة ازياء, ينقصنا الوقت الآن للتكلم عن هذا الموضوع لكني اود لو تصممي لي موديلا خاصا من قماش التويد المحلي00

هل نتناول الغداء سويا نهار الجمعه؟

اجابت ليزا وهي تفكر في ساندي:

- حسنا0

اضافت ساره :

- سيأتي فرايزر نهار الجمعه الى العشاء لديه عمل يربطه بوالدي يتعلق بأمر تصليح اليخت , ربما استطاع مرافقتك 00

هاهو قادم نحونا ستتدبرين الأمر معه 0

نظرت ليزا الى فرايزر الذي كان يتجه صوبهم فأفلت جوني منها في هذه اللحظة وهرع نحو المنزل 00اسرعت ساره بمخاطبته قائله:

- لاتشغل بالك كان جوني بين ايدي امينه بضيافة السيدة مود روي00

وكأنه لم يسمع ماقالته ساره اكمل سيره متجها بعصبية نحو ليزا وبخطى واسعه وقال بحدة :

- الم اطلب منك انسه ليزا ان تتركي هذا الولد وشأنه؟؟

اجابت ليزا بهدؤ بالغ بدون ان تتأثر بلهجة فرايزر القاسية:

- طلب مني جوني التعرف الى خالتي مود 00ولبيت طلبه , كان يأتي كل يوم بعد المدرسة وكل شئ يسير على مايرام بينه وبين خالتي الا اننا اليوم نسينا موعد العودة الى البيت0

هدأ فرايزر قليلا وأجاب متمتما :

- انا الذي اوحيت له برغبة في التعرف الى السيدة مود 00اقتربت منهما سارة بأستياء لأنها وقفت وحيدة جانبا وقالت لفرايزر :

- يجب ان اذهب الآن الآنسة سميث قبلت دعوتي الى العشاء مساء الجمعه هل يمكنك مرافقتها؟

اجاب فرايزر بصوت بارد :

- للأنسة ليزا سيارتها الخاصة ويمكنها ان تهتدي الى منزلك بمفردها 00

لم تحرك ليزا ساكنا بالرغم من رغبتها الشديدة بوضع حدا لوقاحته 0 اما سارة فأجابت بلهجة لامبالية:

-

كما تريد ياسيد فرايزر00 ليزا يمكنك الأستفسار عن منزلي من خالتك لاتبعد "كريدون هول" كثيرا من هنا انا في انتظارك كما اتفقنا نهار الجمعه مساء 00اتمنى ان اكون قد حصلت على قماش التويد تصبحين على خير0

قبل ان تغادر ساره المكان اضافت بصوت مغري وهي تخاطب فرايزر:

- أظن انه ليس من الضروري ان انتظر منك مرافقتي حتى السيارة !!

فوافق فرايزر بحدة :

- ليس من الضروري على الأطلاق0

أضافت ساره وهي تبتعد:

- من الواضح انه ينقصك الكثير من صفات الرجل الجنتلمان 00

- لست بحاجة لمن يؤكد لي هذا00 وامتعض فرايزر وحاول انهاء حديثه مع ساره واظهرت ليزا في هذه اللحظة رغبة بالرحيل فأمسك بها فرايزر قائلا:

- لاترحلي الآن 0 لدي ما سأقوله لك لو تفضلت وقبلت دعوتي الى المنزل 00

- هذا تصرف يخلو من الحكمة سيد فرايزر 0 الاتظن ذلك ؟ لو رآني احد ابناء القرية ادخل منزلك في هذا الساعة لجن جنونه 00

- اريد ان استوضح منك انسه ليزا بعض الأمور لو رفضت دعوتي سأضطر لمعاقبة جوني بشدة00

- لايحق لك سيد فرايزر معاقبة جوني بقسوة ولا اظنك ستجرؤ على ذلك00

- نسيت ان جوني ابني ويحق لي انا ودون سواي السهر عليه وعلى تربيته الا يكفي انه كذب علي طوال هذه المده زاعما انه كان يمضي فترة مابعد الظهر في المدرسه لنشاطات اضافية بينما هو في الواقع بضيافة السيدة روي اريد ان اعرف من علمه اختلاق هذا النوع من الأكاذيب؟ ستقبلين دعوتي ام لا ؟

- حسنا...حسنا..ياسيد فرايزر قبلت 0

واتجها نحو منزل لامون فلمحت ليزا سيارة سارة تبتعد وراء المنعطف وأضافت بهدوء :

- ارجوا الا تقسو على جوني هناك طرق كثيرة لمعاقبة ولد لا تتطلب قسوة ولا ضربا 0

- اعرف 00اعرف00 لكنني فقدت قدرتي على المثابرة بهذا الشكل 0 تفضلي0

وبينما هو يقفل الباب علا صوته في ارجاء المنزل مناديا جوني:

- جوني00 جوني 00لاحاجة بك للأختباء تفضل واشرح لي ماجرى معك0

خلع سترته ورمى بها علي المقعد واضاف وهو يتجه الى المطبخ :

- سنجلس في المطبخ وسأحضر طعام العشاء 00في هذه الأثناء تشرحين لي ماهي الأسباب التي دفعتك لأقناع جوني بزيارة خالتك مود !!

اجابت ليزا بأحتجاج:

- لم أحرضه على زيارتنا 0

ورافقته حتى المطبخ حيث انهمك في تحضير طعام العشاء بينما جلست هي على كرسي تراقبه بدا لها المطبخ في حالة لابأس بها من الترتيب لم تكن تتوقعها وأخذت تراقبه بشغف كيف يضع غطاء المائدة ويحمل الأطباق, ويوزع الملاعق والشوك والسكاكين 00لم ينس شيئا بالفعل ! ابتسمت بهدؤ وقالت له :

- نزلت عند رغبة جوني , فسمحت له بزيارة خالتي 0

اجاب فريزر بلهجة مشككة وهو يحضر قالبا من البيض المخفوق :

--- جوني لايطلب شيئا من اشخاص لاتربطه بهم علاقة حميمه 00فمن الظاهر انه وطد علاقته بك !

- من هذه الناحية انه يشبهك كثيرا , لهذا السبب كان بامكانك الأتصال بي للأهتمام به طوال فترة غيابك في لندن , لكنك لم تفعل 0

- انت سريعة الملاحظة يا آنسة ليزا , صحيح انني لا اطلب المساعدة من احد , خاصة اذا تعلق الأمر بجوني 00

واضاف فريزر بتهكم :

- ماذا تقصدين من تشجيعك لجوني بزيارتكم ؟

اجابت ليزا بغضب :

- لا اقصد شيئا يا سيد فريزر , يؤسفني ان اقول لك انك من فئه الناس الأنانيين الذين يبررون كل الأعمال ويعللونها 000وان كنت تريد ان تعرف السبب الحقيقي لأهتمامي بجوني فاعلم انني بكل وضوح وجدت هذا الصبي بحاجة ماسة الى عناية وأنت لاتهتم به بما فيه الكفاية !

قاطعها فريزر بنظرة مشككة مما زاد توترها وانفعالها فأكملت قائلة :

- انت لاتفهم حقيقة ما اعنيه , ظننت انه يمكنني مد يد المساعدة لجوني بهذه الطريقة , خاصة عندما اكتشفت انه فقد جدته ولا ينتظره احد في المنزل لدى عودته من المدرسة , زيارته لنا لاتزعجنا بل بالعكس , خالتي مود ترتاح له وتعامله كحفيدها !

انهت ليزا كلامها من دون ان تعرف وقع ما قالته على فريزر لأنه كان ما زال منهمكا في تحضير العشء , وفي وضعه هذا فهي لاترى منه سوى كتفيه العريضتين وشعر رأسه المقصوص حديثا 0 استدار على مهل واتجه الى المائدة فوضع الطبق بهدؤ من دون ان يظهر عليه أي انفعال كأنه لم يسمع شيئا على الإطلاق !

من جديد علها تخفف من توتره قبل ان يرى جوني , فقالت له بأدب :

- سيد لامون , مازلت انتظر منك تعليقا على كلامي , اما دعوتني من اجل هذا التوضيح ؟

لكن فرايزر لم يحرك ساكنا بل حافظ على موقفه اللامبالي مما اشعل في ليزا رغبة اقناعه بموقفه الامبالي هذا , وبالتالي التشديد على اهماله لابنه فقالت بجرأة كافية :

- سيد لامون 0 هل فهمت ماهو سبب اهتمامي بجوني ؟

كان سؤال ليزا هذه المره محكما فلم يستطع لامون التظاهر بعدم سماعه فأجاب :

- اخشى ان يتعلق بك جوني فيصعب عليه فيما بعد – أي عندما ترحلين من اردمونت – فراقك 0!

- لا انوي مغادرة اردمونت في الوقت القريب فخالتي مود مازالت بحاجة الي وربما سأعمل في المصنع مع ساندي لويس 0

في هذه اللحظة اقترب جوني من والده وهو مازال يحمل الفيل الصغير بيده , فقال له وهو يشير الى الفيل , كأنه يحاول التخفيف من غيظ والده :

- السيدة مود اعطتني هذا الفيل 00

وأضاف بلطف :

- السيدة مود لطيفة 0ولم تكن على النحو الذي وصفته لي 00اما زلت غاضبا من ليزا ؟

بدت ابتسامة رقيقة على شفتي فرايزر لامون , لكنه اخفاها بسرعة وقال بلهجة قاسية :

- تصرفاتك في المدة الأخيرة اثارت غضبي وانا مستاء منك جدا 000

كان عليك مصارحتي بالحقيقة بدلا من لجوئك الى الكذب 00جوني احذرك , فلن اصفح عنك بهذه السهولة في المرة المقبلة ان عاودت الكرة ! اريد ان اعلم الى اين تذهب لئلا اضيّع وقتي في البحث عنك 0

فأجابه جوني متمتما :

- اجل 00حاضر !

واضاف بعصبية :

- هل يمكن لليزا تناول العشاء معنا ؟

- هل هذا الأمر يفرحك ؟

- نعم ! ليزا طاهية ممتازة اعدت لي قالبا من الحلوى اليوم بعد الظهر 0

اجاب فرايزر بجفاف :

- مضى وقت طويل ولم اذق طعم الحلوى 00انا احسدك فأنت سعيد الحظ !

ثم سأل ليزا :

- هل تحبين مشاركتنا تناول العشاء؟

تمنت ليزا في هذه اللحظة الى جانب جوني وقبول الدعوة , كما تمنت مشاركة فرايزر في تحضير العشاء ومرافقة جوني حتى فراشه كي تروي له حكاية حتى يخلد الى النوم 0 لكن هذا الشعور اقلقها فقالت بصوت خافت :

- شكرا لك لهذه الدعوة لكنني افضل العودة باكرا 0 ستقلق خالتي مود لغيابي 0

- بالطبع !بالطبع !

اجابها فرايزر بلهجة ساخرة وأكمل :

- هذا تصرف لاتنقصه الحكمة 0

ولم يتوقف عند معارضة جوني واحتجاجه على ذهاب ليزا بهذه السرعة , مما اوحى اليها انه ارتاح لعدم قبولها الدعوة فتملكها نوع من الحقد تجاهه بدون ان تفهم حقيقة هذا الشعور وسببه , فتدخل جوني من جديد محاولا انقاذ الموقف :

-ايمكنني زيارة السيدة مود غدا ؟ وعدتني بأنها سوف تعلمني لعبة الدومينو !

صرخ به فرايزر معترضا :

- كلا !

- ولأي سبب ؟

- السيدة مود لاتحبني ولا اريد ان تكون مصدر ازعاج لها !

تدخلت ليزا بلهجة اعتراضية :

- جوني لا يزعج احدا يا سيد لامون 0

- لن يدخل جوني بعد اليوم منزل السيدة مود !

ادركت ليزا انه يتضايق من تدخلها في شؤونه الخاصة , فاتجهت نحو الباب الخارجي ورافقها حتى المدخل وهو يخاطب ابنه الذي بقى في الداخل :

- جوني انتبه لطبق البيض على النار سأرافق الأنسة سميث حتى المدخل 0

اجابت ليزا معلقة بلهجة لامبالية :

- لاتعذب نفسك 0 صفات الرجل الجنتلمان ليست لك 0

- حسنا ! تدبري امرك بنفسك يا انسه ليزا واذا حدث لك مكروه في الظلمة خارجا , فأنت المسؤولة وارجوك الا تعودي ادراجك شاكية 00

اغلق الباب خلفها , واحست ليزا بوقع كلامه اللاسع عليها 0 ففي الواقع الظلمة حالكة وكثيفة في الخارج وتحجب الرؤية وفهمت ماكان يعنيه فحاولت جاهدة هبوط السلم 0 انزلقت رجلها وارتطم كاحلها بالدرجه فصرخت :

- تبا لكبريائي ! هذا هو الثمن ! في المرة المقبلة يا ليزا سميث لاترفضي صفاته الحميدة !

وحاولت الوقوف الأصابة كانت طفيفة وتذكرت كلام سارة عندما نعتته بالرجل الفظ , الخشن , فهو في الواقع لا يتودد للنساء ولا يعاملهن كأنهن مخلوقات ضعيفات , بل بالعكس يعامل المرأة على قدم المساواة اسلوبه يخلو من الأطراء والمواربه ولا يتردد في استعمال القسوة احيانا 0 ربما هذه الناحية من شخصيته تشدها اليه فهي تراه من صنف الرجال النادرين الذين يعتمد اسلوبهم الصراحه والمواجهة الواضحة 0

ولشدة انغماسها في إعادة صور ما جرى بينه وبينها هذا المساء, نسيت آلأم الذي يوخز كاحلها 0

وأخذت ليزا تمشي بعصبية كأنها تسابق الريح فالطقس في الخارج يحمل صقيعا يزيدها حيوية وحماسا 0 فلم تتوقف أفكارها عن الدوران كقفير نحل , وبدأت تشكك في الأسباب التي عرضها عليها عندما وضحت سبب اهتمامها بجوني 0 فعلى ما يبدو يحاول أن يتجنبها ولهذا السبب كان جوابه قاطعا وحازما0 !

في اليوم التالي لم يمحي الليل ما حملة النهار فمع بزوغ الفجر نهضت ليزا ورأسها ملئ بضجيج الأمس وبدأت يومها بزيارة لساندي في المصنع وأخبرته أنها واجهت سارة البارحة قالت ليزا :

- التقينا صدفة ودعتني الي العشاء مساء الجمعة , وأظهرت رغبتها في التعاون معي فهي تريد أن أرسم لها موديلا من قماش التويد الذي تصنعه أنت هه 000 ما رأيك ياساندي 0 اراها فرصة مناسبة لنعرض عليها مشروع العمل سويا من آجل النشره الإعلامية !

فإجاب ساندي بهدؤ مبالغ فيه :

- أتمنى لك النجاح ! والدتي تعد لك قماشا رائعا 0هل ترافقينني إلى المنزل؟

اختارت السيدة لويس لليزا اللون البنفسجي والقماش الذي تتخلله بعض الأزهار الناعمة الرقيقة0 هذا اللون الذي يحمل ألوان صباح الشتاء له عند ليزا صدى تحن إليه وتشتاقه !

أمضت في رفقة السيدة لويس فترة ما قبل الظهر ولدى مغادرتها للمنزل يرافقها ساندي لاحظت عند ألباب فروتان , جذبها صوفهما الناعم وسألت ساندي بفضول:

- فروتان رائعتان! هل تخصان أحد ؟

- ابنة أختي شيلا طلبت مني سترة فحضرت لها هاتين الفروتين 0

اقترحت ليزا بحماس :

- يمكنني أن أصبغهما وأجهز السترة0

- حقا؟ أنت تصممين نماذج للفرو كما للتويد؟

- أجل وبمقدوري أيضا ان اصبغ القطعتين معا وارسم لهما الشكل المطابق0

بدأ ساندي متحمسا للغاية فأسرع قائلا:

- خذي هذه الفروة وأخضعيها لتجاربك وأطلعيني فيما بعد على النتائج!

عادت ليزا الى منزل خالتها ورأسها يضج بالمشاريع الجديدة 0 فمنذ وصولها إلى اردمونت ومكوثها طوال هذه الفترة لم تشعر بالغربة أو بالأنزعاج 0 بل بالعكس حضورها هنا يريحها كثيرا لدرجة أنها تكاد تعتقد أنها ولدت في هذه الجزيرة وعاشت فيها 0 وكأن ساندي احس بشعورها فقال لها يوما أنها قدمت على خطوة سعيدة عندما استقالت من عملها السابق 0 فما كانت تريده أن يتحقق على صعيد مهنتها يحصل الآن بصورة طبيعية 0 لا أحد يعاكسها ويقف حاجزا بين حاجتها إلى الإبداع وبين تمسكها باستقلاليتها 0 إنها اليوم تتمتع بلذة الإنتاج كما يحلو لها0 هذه الأجواء المريحة تدخل الفرح الى قلبها خاصة ان ساندي يدفعها للعمل , يزيدها حماسا ولا يعطلها بل يترك الخيار لها في شتى الميادين , وفي جميع المواقف, وغافلها الوقت وهي في طريق العودة فأحست في حاجة للإسراع كي يتسنى لها الجلوس مع خالتها قرب المدفأة والدردشة معها قليلا قبل أن يسبقها النعاس 0 ولم يدم شعورها هذا بلذة تبادل أطراف الحديث إذ فاجأتها الخالة مود بوجه شاحب قاتم فسألتها بارتياب :

- ماذا جرى؟

كان قلبها يخفق كصنج يرن لخشيتها أن تكون مود قد تعرضت لنوبة قلبية ثانية فأنقذتها مود من قلقها المفاجئ , وقالت وهي تشير بعصبية إلى النافذة:

- انظري ! انظري ! ماذا يجري في الخارج!

أسرعت ليزا الى الشرفة , لاح لها في الجهة المقابله لمنزل خالتها عمال يفرغون حمولة شاحنة ويبدو أنهم يستعدون لورشة بناء 0 فصرخت مود وهي ترفع عصاها عاليا:

- ألم تلتقي بهم وانت في طريقك إلى هنا؟

- لم أنتبه كنت أفكر بأشياء أخرى0

- هاهو فرايزر لامون يستعد للبناء لقد حصل أخيرا على الإجازة0 أضافت مود بعصبية أقوى:

- اتصلت بسكرتيرته لأتأكد من شرعية إجازة البناء هذه فلم أجده في مكتبه 00 يبدو إنه اضطر للذهاب بصورة مستعجلة إلى مدرسة ابنه جوني وأنا بانتظار مخابرة منه !

- اهدأي ياخالتي ارجوك 0 ربما احتجزه أحد لأمر خطير0

- ماذا؟ أنت تدافعين عنه ؟

- لا أبدا لا تخافين لن يتردد في المجيء فهو لا يخافك 0

- نعم لا يخافني ! هذا هو سر قوته, وتفاقم مصيبتي0

ولم تخفي مود تذمرها الشديد من الوضع وتمنت ليزا لو يمضي الوقت بسرعة ويحضر بسرعة لترتاح من شر هذه المواجهة فهي تخشى أن تتعرض خالتها لمكروه لفرط عصبيتها وتوترها0

وبعد مرور ساعة من الوقت قرع ألباب بقوة فهرعت ليزا إلى المدخل : السيد فرايزر لامون عند ألباب0 وبلحظة ألقت نظرة سريعة عليه0 فبدا لها غريب الأطوار في هندام العمل , دخل بخطى واسعة وهو يحمل بيده مظروفا 0 لم يرد على التحية المسائية التي وجهتها اليه 0 واتجه توا نحو الصالون والقى التحية بصوت حميم :

- اسعدت مساء ياسيدة مود 0كيف حالك اليوم؟

- كنت في أحسن حال ياسيد لامون إلى ان ألقيت نظرة إلى الخارج من نافذتي 000 هل حصلت أخيرا على إجازة البناء؟

لم يجب السيد لامون على السؤال , بل اكتفى بتسليمها المظروف استعجلت في فتحه ولم تمض ثوان حتى امتقع وجهها , فطوت الرسالة بسرعة وابعدتها عنها بحركة هجومية صارخة في وجهه:

- ما يجري هنا في هذه القرية يحيرني 0 فمن جهة يدعي المجلس البلدي بتطبيق قانون الحفاظ على البيئة ومن جهة أخرى يسمحون لك ببناء مشغل على أراضي تخص الأملاك العامة!

- المشغل الذي أنا بصدد بنائه يا سيدة روي ليسا أكثر بشاعة عن مصنع أقمشة التويد الذي يحتل قسما كبيرا من أراضي اردمونت واسمحي لي ان اضيف وأضح لك أن الأراضي التي أبغي البناء عليها لا تخص المجلس البلدي إنما هي ملك أجدادي ولم يتطلب مني هذا الأمر جهدا خاصا لإثبات حقي الشرعي في الملكية 0

- لماذا لم يستغل إذا والدك أو جدك هذه الأرض في السابق ؟

- لأنهما لم يكونا في حاجة إلى ذلك 0 كان يكفي لجدي في ذلك الوقت بيع سبع بواخر في السنة لتأمين مدخول العائلة بصورة صحيحة , أما والدي كما تعرفين ياسيدة روي فقد أشرف على الإفلاس في أيامه الأخيرة ولا أتمنى لنفسي مصيرا كمصيره0

واضاف فرايزر بلهجة واثقة:

- نحن في اليوم نعيش في عصر تغيرت فيه الحاجات وأساليب العمل جدي ووالدي لم يرغبا في التوسع أما أنا فمضطر لمجاراة العصر وللتمشي مع السوق المحلي 0 في أيامنا هذه صناعة اليخوت تشهد منافسة قوية لذلك يجب علي التأقلم مع الوضع الجديد وبناء اليخوت من الخشب آي حسب الشكل التقليدي , لم يعد يكفي لتلبية حاجة السوق يخوت اليوم تختلف كثيرا عن السابق وتتكاثر الطلبات حول اليخوت المزججة المصنوعة من ليف الزجاج ولدي الكثير من التوصيات على تسليمها في مواعيدها 0 لذلك ياسيده روي أنا بحاجة ماسة إلى هذا المشغل ! لو تتخلين عن عواطفك الرومانسية وتحكمين عقلك وتنظرين إلى الواقع بوضوح لقبلت عرضي بشراء منزلك 0 ولما كنت اليوم تتحسرين على المنظر الجميل الذي سأحرمك منه خاصة وأنني سأبني حاجزا عاليا سيحجب عنك الرؤية كليا !

بينما كان فرايزر لامون يسترسل في كلامه , حاولت السيدة روي مقاطعته مرارا لكنه لم يفسح لها مجال فكان في كل مرة يحاول منعها برفع صوته عاليا, أخيرا التفت ناحيتها بأدب وقال بابتسامة:

- جاء الآن دورك , تفضلي!

- كان يتوجه فعليك من باب اللياقة أن تترك الكلام للأكبر منك سنا !

- اعتقد أن العكس هو الصحيح ياسيده روي, من باب اللياقة عدم مقاطعة المتكلم أثناء حديثة0

وأضاف فرايزر لامون بآدب:

- تعلقك بهذا المنزل يا سيدة روي هو تعلق عاطفي فقط فما حاجتك لمنزل رطب يلعب فيه الهواء من جميع جهاته 00 وأنت تحتفظين به لشعورك بالفخر وفخرك هذا ليس في محلة!

- أنت الذي يتحدث عن الفخر الذي في غير محلة ياسيد لامون !

فتابع فرايزر غير آبه بتعليقها وبعكسها الحجة عليه:

- لو أقدمت على بيع منزلك في الخريف لكنت اليوم تسكين شقة حديثة ولكانت صحتك في أحسن حال0!

- موضوع شراء منزلي ياسيد لامون انتهينا منه , شرحت لك في السابق أنني سأوصي به إلى احدى قريباتي0 الوريثة الوحيدة لعائلة روي 0 واحب أن انبهك إلى مشروعك بشراء "فيلا الشروق" فلا تعتقد أنك ستنجح في إقناع صاحبها بذلك00جورج موريسون يتقيد عادة بنصائحي000 ولن يبعيك أبدا0!

- لا يزعجني هذا الأمر على الإطلاق! لست بحاجة إلى الفيلا في الوقت الحاضر!

وأضاف بعصب بارد:

- ارجوا ان اكون قد أقنعتك ياسيدة روي بأن ورشة عملي شرعية وتتمتع بإجازة قانونية0؟

- للأسف يا سيد لامون !

وأضافت مود بلؤم :

- اطلب منك أن تمنع ابنك من تكرار زياراته لنا, لا أحب مشاهدته فهو يذكرني بوالده وأنت تذكرني بجدك 0 وهذه الذكريات تؤلمني, ألا يكفيني ما فعلته عائلتكم بحياتي؟

أحست مود بتعب مفاجئ مما شغل بال ليزا عليها , لكن فرايزر لم ينهي حديثه معها فأضاف كأن شيئا لم يكن:

- لم اسمح يوما لجوني بزيارتك ياسيده روي , جرى الأمر خارجا عن إرادتي 0 00 تصبحين على خير اتصلي بي اذا عندك من جديد حول عرضي الدائم بشراء منزلك 0

واتجه فرايزر الى المدخل فلحقت به ليزا وخاطبته قائلة :

- أعتذر لما بدر من خالتي أرجو ألا يسئ هذا الأمر إلى جوني ؟!

اجاب فرايزر باقتضاب :

- لا ,سوف يعتاده0

- تماما كما اعتدت أنت المراحل المؤسفة من حياتك000 عندما رحلت والدتك من اردمونت الى غلاسكو بعدما باعت أملاكها00 أو عندما توفيت زوجتك0!

صرخت ليزا بوجهه هذا الاتهام فحل عليه كالصاعقة لكنه لم يحرك ساكنا بل حافظ على جموده مما أدهش ليزا وتعجبت من مقدرته في السيطرة على نفسه 0 لكنها قرأت في عينيه مقدار إهانتها له0

فأضافت محمومة :

- لن يمنعني أحد من رؤية جوني , لا انت ولا 000 حتى خالتي مود!

اجاب فرايزر بصوت بارد :

- لن ترين جوني بعد اليوم00 في أية حال00 إنه في المستشفى!

قالت بصوت متقطع :

- ماذا جرى له ؟ لماذا في المستشفى؟

- حادث في ملعب المدرسة سببه انفعال عنيف!

اجاب فرايزر ببساطة بالغة كأنه يتحدث مثلا عن حالة الطقس بينما أحست ليزا أن الأرض أنزاحت من تحتها0 فأسرعت في إنهاء الحوار قائلة باستسلام:

- متأسفة يا سيد فرايزر لما حصل لجوني 000

ولم تجرؤ على قول المزيد خشية أن يلحظ أنفعالها الشديد, خاصة أن حافظ على رباطة جأشه , لكنها لم تستسلم بسهولة لفكرة عدم ذهابها لزيارة جوني في المستشفى فقررت اغتنام هذه الفرصة والحت عليه قائلة :

- سأزور جوني في المستشفى حتما!

فصرخ فرايزر في وجهها كاسرا وجهه الجليدي الذي حافظ عليه حتى هذه اللحظة:

- لا !

هبط جوابه عليها كالفأس وقالت باستغاثة:

- لماذا فربما يمكنني مساعدته على الشفاء!

- تساعدينه على الشفاء ياآنسة إذا ابتعدت عنه!

أجاب فرايزر بغموض بالغ وعيناه تقدحآن شررا كعادته عندما يضطر لإظهار حقيقة شعوره 0 وارتعشت ليزا لهذه النظرات التي طالما ارتعدت لها واهتزت في أعماقها0

وخرج داويا خلفه الباب بقوة وبقيت وحيدة متجمدة في مكانها كلوح من الثلج0 وأخذت تلجم أنفاسها وتلملم انفعالها محاولة التأمل في رسم احتل جدار المدخل00 وضاع نظرها في البعيد000 البعيد

00المسامحة على التأخير

4. هدنة سلام

انفجرت السيدة روي باكية كسائر المرضى الذين يغلفهم أي خبر مشوش وذلك عندما أخبرتها ليزا بأن جوني لامون في المستشفى بسبب حادث وقع له في المدرسة.

- لو وصلني هذا النبأ قبل حضور فرايزر إلى منزلي، لما تعرضت له بهذه الطريقة العدائية.... كنت أريد معاكسته فقط، لا أعرف أي سلاح استخدم لاخضاعه، هذا فرايزر اللعين...كيف أحطمه؟

لم تجد ليزا جوابًا فهي أيضا تبحث عن نقطة الضعف في شخصيته. خالتها على حق، فرايزر لامون من الرجال الاشداء الذين لا يسهل احباط عزيمتهم. لكن حالة خالتها لم تتحسن فعادة إلى الكلام وبأسف شديد قالت:

- ليزا.... اتصلي بفرايز لامون يوميًا للاطمئنان عن جوني، ماذنب هذا الولد الصغير؟ فكري بطريقة يمكننا بواسطتها مساعدته، أن نرسل له زهورًا أو أي شئ ... لست أدري، لئلا يعتقد أننا تخلينا عنه.

- حسنـًا سأفعل.

- لن يطمئن لي بال ياليزا قبل أن اكتب المنزل باسمك شرعيًا، سأتصل اليوم بالكاتب العدل.. أتعتقدين انه من الألإضل جس نبض فرايزر لامون قبل المباشرة بهذه المعاملة كي نعرف على الأقل ماهي نواياه؟

- سوف أحاول لكنني لن أعدك بشئ، فالسيد لامون يتجنبني ولا أعرف السبب، من الأفضل ان استقصي بعض المعلومات عنه من ساندي!

وبالفعل أمضت ليزا أسبوعًا كاملا تتصل بمكتب فرايزر لامون للاطمئنان عن جوني، وفي كل مرة كانت تجيبها السكرتيرة بتحفظ شديد كأنها تلبي ماطلب منها وتنفذ ارشادات مديرها.

أغاظ هذا الوضع ليزا فهي لا تعرف شيئـًا عن جوني سوى انه "تحسنت حالته" فقررت يومـًا كسر هذا الطوق من العموميات وطلبت من السكرتيرة امكانية زيارة جوني في المستشفى فهي تود ان تحمل إليه بعض قطع الحلوى التي يحبها.

صعقت السكرتيرة لكنها لم تظهر أي انفعال خاص بل على العكس وجدت جوابـًا ملائما ومناسبًا وقالت بلهجة موضوعية:

- اعتذر يا آنسة ليزا لن يمكنني تحقيق رغبتك، إرشادات الطبيب صارمة ، لا أحد يزور جوني على الإطلاق، حتى والده السيد لامون امتنع عنه، جوني بحاجة ماسة إلى الهدوء والراحة.

فهمت ليزا انها لن تفيذ شيئا من مخابرتها الهاتفية لسكرتيرة لامون الآنسة جانين، وقررت الاتصال بالمستشفى مباشرة، يكفيها ماسمعته من جانين..... لاشئ يدعو إلى الطمأنينة والتفاؤل. ومرة أخرى اصطدمت بجدار سميك كيف ستنجح مع فرايزر لامون؟ قالوا لها في المستشفى انه لا يحق لها الاستفسار عن جوني لامون طالما انها ليست من اقربائه. لكنها هذه المرة لم تدع الفشل يحطمها ويحبط من عزيمتها فقررت ركوب السيارة وقطع مسافة 30 كيلومترا حتى المستشفى، وسوف ترى ماسيكون رد فعل السيد لامون؟ يكفيها ان تسأل الطبيب عنه مباشرة وشخصيا وتترك له بعض الحلوى. وبينما يه تستعد للخروج رن جرس هاتفها ، على الخط سارة شيزهولم:

- ألو ليزا؟ اسعدت مساء. أحب تذكيرك بموعد العشاء غدًا وأرجو ان تكوني متفرغة ولم تنسي الدعوة.

- لا أبدًا .. لم أنس ، بالعكس أنا متشوقة جدا لمقابلتك، لدي ما اطلعك عليه.

وكانت تعني الفروتين اللتين اجرت عليهما تجارب الصباغ.

أجابتها سارة بصوت حاد:

- عظيم فرايزر سيكون موجودًا غدًا، أكد لي هذا الأمر اليوم.

- هل طمأنك عن جوني؟

- لا لم يفعل وأنا لم أسأله، أعرف فرايزر جيدًا فلايحب أن يتدخل أحد في شؤونه الشخصية.

- ولماذا هذا التكتم؟

- أظنه يخاف ان تستغل النساء وضعه العائلي ويستعملن جوني وسيلة للوصول إليه.. اعتقد انه على حق، علمته التجارب الماضية ان يكون حذرًا... وهذا ماجرى لي شخصيًا كما حدث لغيري في السابق... لكن هذه المواقف لا توثر فيه على الاطلاق!

وأضافت سارة بلهجة وقحة:

- لم استفسر منك يا آنسة ليزا عما به جوني بالضبط؟

- تعرض لحادث في المدرسة وهو الآن في المستشفى.

فقالت سارة بانشراح ودلال:

- ما هذا النبأ الردئ. فرايزر الأن غارق في أعماله ولن يسمح له وقته لزيارة ابنه في المستشفى أما أنت فأظن انك تزورين جوني لأنك تميلين إليه؟

- صدقت ، في أي حال سوف يطمئنك عنه فرايزر في الغد.

- أه! أنا وفرايزر لدينا أحاديث أخرى نتبادلها، تصبحين على خير!

اقفلت ليزا الخط بعصبية بالغة لأنها شعرت بنوايا سارة السيئة، فهي كانت تلمح إلى رواية مارجوري موريسون، اغضبها هذا الظن الفاسد والخبيث وتمنت لو استطاعت اقفال الخط في وجهها، لكنها انتظرت نهاية الحوار بأدب واعادت السماعة إلى مكانها بهدوء وجلست مستلمة لافكارها. اذا؟ هذا هو الانطباع الذي كونه فرايزر لامون عنها؟ انه يشبهها بمارجوري موريسون ولا شك ان سارة اوحت إليه ذلك بطريقة غير مباشرة! وربما يضحكان منها في جلساتهما الحميمة ويفسران تعاطيها مع جوني كوسيلة للفت انتباه فرايزر إليها....

كلما فكرت ليزا في هذا الامر زاد غضبها، وقررت أخيرًا اللجوء إلى العمل علها تنسى ولو مرحليا هذه الاساءة. فلو بقيت على هذه الحال لدفعها غيظها إلى زيارة لامون في هذه اللحظة بالذات ومصارحته بحقيقة شعورها تجاهه، لأن اتهامه لها هو في غاية السخافة. وهي لم تفكر يومًا بالزواج وخاصة من رجل مثله. ولا تعتبر الرجال طريدة تصطادهم لدخول القفص الذهبي. مفهومها للزواج اسمى وأكبر مما يظنه! فالزواج هو نتيجة حب ويبنى على الاحترام المتبادل! ولم تهدأ الا عندما انهت صب حممها على فرايزر وهي تفكر في ما ستقوله له عندما تراه، وقامت إلى عملها بحماس وبدأت ترسم موديلا للفروتين بعدما نجح الصباغ. وتساءلت وهي تحاول ان تنسى حوارها الهاتفي مع سارة هذا المساء، لماذا تعير اهتمامًا بالغًا لموقف فرايزر منها؟ واستغربت انزعاجها من الصورة الخاطئة التي يكونها عنها. ما همها رأيه بها؟ وتشديده على منعها من رؤية جوني ليس إلا حجة كي يحمي نفسها منها.

وفي الصباح الباكر قصدت ساندي وهي تحمل إليه الفروتين مع الموديل الذي رسمته. فرح ساندي كثيرًا وطلب منها بإلحاح قبول عرضه بالعمل معه في المعمل قائلا بتأكيد:

- لا ينقصنا سوى الخياطة!

- بالفعل ( أجابت ليزا) ويجب ان نسعى لايجادها... سأعرض الفروتين على سارة غدا، أسفة لغيابك عن هذه الدعوة.

- أنا أسف ايضا لغيابي، لكن لأسباب أخرى . في أي حال أنت تتدبرين الأمور بمهارة اعجز عنها شخصيا.

- فرايزر مدعو هو ايضا.

- يرطبه عمل بوالد سارة .. بكل تأكيد سوف يتحدثان عن المركب.

وخيم صمت ثقيل بينهما قطعة ساندي فيما بعد بصوت بطئ لا يخلو من الصدق:

- لست ادري اذا كنت ما ازال أحب سارة. يبدو انها تميل إلى فرايزر لامون في هذه الفترة ، اتمنى لها التوفيق وارجو الا تصاب بخيبة أمل عندما تدرك ان فرايزر من صنف الرجال الذين لايستسلمون بسهولة لمفاتن النساء!

أجابت ليزا بذكاء:

-لاحظت هذه الناحية في شخصيته واسأل نفسي عن السبب.

-لايبوح فرايزر بما يخالجه لأحد.. لم يحدثني يوما عن سبب جفائه مع النساء.. وما أقوله ليس الا استنتاجات شخصية ربما لا علاقه لها بالواقع... ربما وفاة زوجته باكرا كان له الاثر البالغ في تغيير طريقة تعامله مع النساء وهو لايزال يعيش تحت وطأة هذه الصدمة، لأنه باعتقادي كان يحب زوجته وبعدها عنه بهذه السرعة آلمه كثيرا، فتحجر قلبه أو ربما العكس هو الصحيح ، زواجه كان فاشلا ولا يرغب في اعادة الكرة...

-وانت ياساندي .. ماذا ستفعل؟

-سارة شيزهولم لم تعد تناسبني...هنالك الكثير من الحسناوات من حولي...

اكتفت ليزا بسماع ساندي ولم تسجل هذه الملاحظة محاولة عدم التوقف عندها، وودعته قاصدة صديقة حمية لخالتها السيدة رامسي التي قبلت تمضيت السهرة مع مود روي خلال غياب ليزا عنها.

الطقس في الخارج ممطر والضباب الكثيف يغطي قمم الجبال.

-كوني حذرة ولا تسرعي!

قالت السيدة روي وهي تودع ليزا وأضافت:

-منزل سارة شيزهولم يشرف علىتلة عالية، حيث يكثر الضباب عادة، مما يحجب الرؤية خاصة وان المنعطفات خطرة.. لكن السير خفيف في هذه الناحية.

تركت ليزا المنزل باكرا لئلا تضطر إلى قيادة سيارتها بسرعة ، فهي الآن مطمئنة البال فيما يتعلق بخالتها وهي ستمضي سهرتها عند سارة شيزهولم. سيارتها العتيقة تحاول جاهدة صعود الجبل والطقس في الخارج ينذر بهطول أمطار غزيرة. وفجأة لدى وصولها عند منعطف قوي توقف محرك سيارتها محدثا صوتا رهيبا.فتمالكت ليزا نفسها وحاولت الاسراع في ازاحة سيارتها إلى جانب الطريق وخرجت لترفع الغطاء الأمامي حيث ادركت انها تجهل سبب العطل المفاجئ. وبينما هي في حيرة من أمرها، لاحت لها من البعيد سيارة تتقدم في اتجاهها وصوت محركها يقترب تديجيًا فهدأ روعها واخذت تلوح بقوة تنبه لها السائق وسط الضباب الكثيف وأوقف سيارته بمحاذاتها وفتح لها بوابة سيارته ففوجئت لدى رؤيتها فرايزر لامون الذي بادرها بالقول:

-هل من عطل في سيارتك؟

بدا لها أنيقـًا في ثياب السهرة ووسيمًا للغاية فأجابت شارحة:

-تعطل المحرك فجأة..

-نزل لامو من سيارته وألقى نظرة على المحرق ثم أقفل الطاء بحركة قاطعة وقال:

-من المستحسن ان تتركيها الآن حيثما هي.. يمكنك مرافقتي .. تفضلي ‍!

-لحظة لو سمحت ، لدي ما احتاج إليه في سيارتي!

وهرعت إلى المقعد الخلفي حيث وضعت الفروتين والرسوم/ وبينما هي تهم بالخروج لطمت رأسها بسقف سيارتها، وتحت اثر اللطمة حاولت وهي في حالة ضياع ان تمد الرسوم والفروتين إلى فرايزر معتقده انه مازال قربها. لكنها دهشت عندما شاهدته جالسًا أمام مقود سيارته ينظر إليها ببرود فاتجهت نحو سيارته وحاولت فتح الباب فوقعت منها الفروتان وتبعثرت رسومها على الأرض. غضبت غضبا شديدا لعدم محاولته مساعدتها وهي في هذه الحال، وانحنت تلتقط الفروتين بعدها فتحت الباب والقت بهما على المقعد صارخة في وجهه:

-تفضل ضعهما حيث تشاء.

-آسف لما حصل لرسومك.. أرجوا الا تكون اتلفت نهائيا.. بدت لي ذات أهمية.

فأرادت إن تضع اللوم عليه لكنها استسلمت لصمتها ولم تنظر إليه فاكمل قائلا بأدب:

-تنوين عرض رسومك على سارة؟

-نعم !

-أنت مصممة أزياء؟

-نعم !

-هذا ظاهر من أسلوبك في اختيار ملابسك، اعتقد انك تصممينها بنفسك مما يظهر رشاقتك ويبرز أناقتك، تخضع مهنتك للمبدأ نفسه الذي تخضع له مهنة صناعة المراكب.. الهيكلية والتركيب هما عنصران أساسيان لإعطاء الشكل العام وللحفاظ على جمالية الخطوط.

نست ليزا انه يخطط رسوما للمراكب التي يصنعها لذا هو ينظر إلى الأزياء نظرة محترف ويقدر جمالية ثوب معين، وأخذت تجمع رسومها التي لوثتها مياه الطريق وكادت الدموع تنفر من عينيها لشدة حزنها وأسفها، لكنها تمالكت نفسها ولم توجه إليه أية ملاحظة عن تصرفه اللامبالي قالت له ببساطة:

-أيجب أن أقفل سيارتي؟

-كما تشائين.

فتمتمت ليزا وهي تعود إلى سيارتها:

-يا له من فظ!

وتمنت الا تحتاج إليه بعد اليوم، وما ان جلست في سيارته حتى اقلع بسرعة/ حدقت في البعيد وهي ترثي لما جرى لها... ان شاء الحوار أو لم يشأ .. ماهما، الا يكفيها ماحصل لها ؟ وبعد مرور فترة قصرة قطع فرايزر الصمت قائلا:

-من الغريب اننا نعمل في مهنتين متشابهتين، أليس كذلك؟

وكأنه في هذه اللحظة قرأ مايجول في خاطرها ، أدارت رأسها إلى النافذة وغاب نظرها في البعيد . بدأت الطريق تضيق بالأعضاب البرية التي تلمع تحت قطرات المطر. وعاد فرازير إلى الكلام ساخرًا:

-تلازمين الصمت على غير عادتك، ان كنت توفرين الكلام للعشاء، فلن يمكنك تحقيق رغبتك، والدا سارة لن يفسحا لك المجال.. فهما ثرثاران بما فيه الكفاية، وان كنت تنوين العمل مع سارة انصحك بعدم معاكستها في الرأي حتى لو تصرفت فيما بعد حسب اقتراحاتك. تفتقد سارة للحس العملي بالرغم من خيالها الواسع.

-أشكرك على نصائحك ياسيد لامون، سأ؛اول ان اقتدي بها.

-لا أظن بأنك ستفعلين يا آنسة ليزا، انت تتصرفين كما يحلو لك ولن تغيري عاداتك.. لماذا لم تسأليني بعد عن جوني؟

تماسكت ليزا في مقعدها وقالت:

-لا رغبة لي في السؤال عنه!

-حقًا؟ الا يعني لك مرض جوني شئيا خاصا؟ واخيرا اقتنعت ان تظاهرك بالاهتمام بجوني هو لعبة خطرة ومحكوم عليها بالفشل مسبقا.

من حسن حظه انه يتولى قيادة السيارة لولا ذلك لكان نصيبه صفعة قاسية اختصرت فيها موقفها تجاهه . فاكتفت بالاجابة قائلة:

-انت على حق ياسيد لامون، كي اصبح أما لجوني علي بالمقابل ان اتقبل والده، وهذا الامر يفوق طاقتي ومقدرتي على الاحتمال!

-أخ ! أخ ! هذه المرة اصبت الهدف يا آنسة سميث، اعترف انني استحق هذا الجواب.

-هذا لا يكفي ياسيد لامون بل أجد من واجب ان اضيف ان قيادتك للسيارة في الوقت الحاضر وفرت عليك امرا محرجا كنت اتحاشاه فأنت في الواقع تستحق صفعة محكمة على كلامك هذا.. لأنك تدرك تمامًا مدى قلقي على حالة جوني. اتصلت بسكرتيرتك في الأسبوع الفائت، ثلاث مرات ولم أحصل على جواب كاف. وأريدك ان تعلم أيضا ان الزواج لا يشغل بالي أبدًا.

وساد بينهما صمت طويل وكثيف تخللته من جانب ليزا نظرات جانبية نحوه، فبدا لها وجهه قاتما كالمرة الأولى عندما شاهدته في ورشة العمل. وتمنت لو تستطيع فتح باب السيارة والخروج منها!

ولم يمض وقت طويل حتى اجتازت السيارة لافتة على حافة الطريق، تبعتها قافلة من الأشجار المرتفعة بجلال ، واتجهت السيارة نحو قصر ريفي ذي حجارة رمادية حيث توقفت.

تهيأت ليزا للترجل من السيارة ففاجأها لامون قائلا بلهجة لطيفة:

-آنسة ليزا اشكرك على صراحتك وأرجو ان تتقبلي اعتذاري لشكي بصدق نيتك! مارأيك لو ننسى ماحصل بيننا ونبدأ من جديد... من الصفر؟

اضطربت ليزا وقالت بارتباك:

-كما تشاء!

-حسنا هذه من أخبار جوني: سيخرج من المستشفى غدا وحالته الصحية لن تسمح له بالذهاب إلى المدرسة فورا، لذا عليه ملازمة المنزل لاستعادة قواه تدريجيا واخشى الا يخلد للراحة ، سيصعب على تسليته وحجزه في المنزل لو بقى وحيدا.

-أليس باستطاعتك التخفيف من ساعات عملك ولو لمرة واحدة؟

-سوف اضطر لذلك حتما... أنت لاتدركين حقيقة مشاعري تجاه جوني يا آنسة سميث، تحكمين علي فقط من خلال مظهري القاسي. لكن في الواقع أنا لا أتأخر في اتمام مايفرضه علي واجبي تجاه جوني... وأؤذيه كاملا.

-- لم تقصده إلى المستشفى مرة واحدة ، الا ترى انه من واجبك الاطمئنان عنه؟

-لم أزره في المستشفى أنسة سميث، لأنني تقيدت بتعليمات الأطباء، في أي حال كنت أتتبع أخباره كل يوم وأعرف كل شي عنه، وزيارتي له لم تكن لتججدي نفعا لانه كان يخلد إلى النوم بصورة دائمة.

وأضاف فرايزر لامون ببسمة حزينة.

-اعتقدت اننا عقدنا هدنة سلام.

خجلت ليزا لانها وقعت من جديد ضحية تصوراتها السابقةوتصرفت بعدائية في غير محلها.

فحاولت تعويضا عن غلطتها هذه الاعتذار منه بنظرة رقيقة من دون ان تضطر إلى الكلام ، فوجدته يتأملها ولأول مرة شعرت بتيار كهربائي يجري بينهما ويجمعهما من دون ان يلامس احدهما الأخر وحاولت جاهدة ان تقطع هذه اللحظات فتمتمت وهي تتفحص ساعتها:

-هيا بنا تأخرنا.

-خرجت بسرعة من السيارة ودهشت لمنظر القصر الريفي ولخطوطه الهندسية الواضحة التي ترتكز عليها أبراج صغيرة من كل جانب ، وتحيط بها غابة من الأشجار الوارفة تشرف على بحيرة رائعة ، أما هندسة القصر من الداخل فلا تقل جمالا ودقة في التصميم عن الخارج، فالانسجام الواضح بين الشكل الداخلي والخارجي يشيع جوا من الرفاهية والبساطة ، لفت انتباهها مثلا صف من المنحوتات العتيقة تحتل الجدران الحجرية في غرفة الطعام ، كانت السيدة شيزهولم والدة سارة امرأة ذات حركة رشيقة ولطيفة تكرس وقتها لترميم قصرها الريفي وزوجها السيد شيزهولم صناعي جرئ النظرة وكلاهما يحسنان استقبال الضيوف من دون تكلف وببساطة نادرة ، من الضيوف بين الحاضرين هذه الليلة ، السيد بيار وايت الذي بدا عصبيا طوال الوقت. وهو المصور الفوتوغرافي الشهير لمجلات الموضة وصديق قديمة لسارة.

لم تغب ليزا لحظة عن مراقبة الأجواء بالرغم من تبادلها أطراف الحديث مع المدعوين، فلاحظت تصرف سارة الطائش عندما حاولت لمرات متتالية لفت انتباه فرايزر لامون وهي تتعمد مغازلة مصورها الفوتوغرافي الشاب بيار وايت. لكن فرايزر لم يعرها اهتماما بل اكمل حديثه مع والدها من دون أن يحرك ساكنا. فتساءلت ليزا عن امكانية تعاونها الجدي مع سارة وهي تتصرف بكأبة فتاة مراهقة وطقع حبل افكارها صوت السيد شيزهولم محدثا فرازير قائلا بصوت حماسي:

-هذا المركب ياسيد لامون سيكون رائعا للغاية مايزال في حالة جيدة لكنني أعتمد عليك في وضع اللمسات الأخيرة عليه ، وأريده أن يكون أسرع من مركب رونالد.

تدخلت السيدة شيزهولم مفسرة:

-رونالد هو صهري ، وهو صاحب مصنع المشروبات في اردمونت.

عند نهاية العشاء انزوى فرايزر والسيد شيزهولم بعيدا عن المدعوين بينما اعتذرت السيدة شيزهولم ودخلت غرفتها ولم يبق سوى بيار وايت وسارة التي بدت مغتاظة ، بينما اشعل بيار سيكارة بانشراح وهدوء. فقررت ليزا الدخول في الموضوع توا واتجهت إلى سارة وبيار:

-تركت رسومي في السيارة الا تريان الوقت مناسبا كي تتفحصيها الأن؟

اجابت سارة وهي تحاول ان تتمالك نفسها:

سأسبقك أنا وبيار إلى غرفتي حيث أعمل عادة، انها الغرفة الثانية بعد السلم على اليمين، الحقي بنا!

خرجت ليزا إلى السيارة لتأتي برسومها. الطقس في الخارج مازال ممطرا وبينما هي تتجه نحو غرفة سارة بدا لها انها وصلت في وقت غير مناسب اذ كانا سارة وبيار يتشاجران بصوت مرتفع وعندما اطلت في الباب حاول كل منهما اخفاء هذا الجو المشحون فابتعد بيار نحو مقعد جانبي في الغرفة وارتمى عليه بغضب ملجوم ، بينما حاولة سارة اخفاء اضطرابها باستعجالها الاهتمام بالرسوم التي حملتها ليزا، ومالبت ان دهشت لدى رؤيتها الفروتين وابدت اهتماما بالغا وهي تتفحصهما وقالت:

تمنت ليزا لو كان باستطاعتها عرض خدماتها عليه، للسهر على جوني في فترة غيابه لكنها ترددت بخاصة بعد هدنة السلام التي سادت بينه وبنها فهي تخاف ان تقع مجددا في شباكه وتستسلم لسحر شخصيته الفذه ، هو بالحقيقة رجل جذاب خاصة عندما تنفرج اساريره وتكلل وجهه بسمة لطيفة.

بعد ان اوضحت له عدم رغبتها بالزواج تخاف الان الوقوع في حبائل الهوى ان تعددت مقابلاتها له. انما هذا السحر الغريب كما تسميه الخالة مود يجذبها بقوة وشي ما يشدها إليه، ربما قوته الهادئة التي لاتفارقه حتى عندما يثني عليها بالمديح، فكأنه يفعل ذلك بالرغم منه مما يزيد في غرابة شخصيته وفعاليتها.

وعندما يشعر بحاجة إلى أي شئ ويطلبه من الآخرين، تقوى جاذبيته دون أن يفقد شيئا من قوته وسلطته.

لذا قررت ليزا من باب الحذر واليقين عدم التسرع في الإجابة وانتظار مرور الوقت عله يأتيها بحل أفضل .

وصلا إلى حيث أوقفت سيارتها على قارعة الطريق، فترجل فرايزر بعدما اخذ العدة اللازمة وفتح الغطاء الأمامي لسيارتها محاولا إصلاح ماتعطل.

لم يمض وقت طويل على شروعه في ورشة التصلح حتى دار المحرك، وتولى هو بنفسه مهمة وضع السيارة في الاتجاه الملائم لطريق العودة.

دهشت ليزا لدى سماعها محرك سيارتها، واقترب منها فرايزر مودعا:

- كل شي جاهزة يا آنسة سميث، اخشى ان تكوني قد لجأت إلى حيلة سخيفة ليتسنى لك مرافقتي حتى كريدون هول ، تفضلي!

- لست من هذا الطراز ياسيد لامون!

فحدق بها فرايزر مطولا وقال بلهجة ساخرة:

- تزدادين جمالا يا آنسة سميث عندما تخجلين!

فصعدت إلى سيارتها وهي تنظر إليه بكبرياء واستعلاء وشعرت في هذه اللحظة بالتيار الكهربائي نفسه الذي جرى بينهما وهما في طريقهما إلى كريدون هول ، فاستدار فرايزر فجأة إلى سيارته وأقفل بابه بقوة واقتحمت سيارته ستار الليل تاركة ليزا مأخوذة في عالم جديد من الغرابة والحلم!

- نار العاصفة

وفي اليوم التالي اسرعت ليزا تحمل النبأ السار إلى ساندي، المشغل كان مقفلا لعطلة نهاية الأسبوع، لكن ساندي كان حاضرا برفقة إحدى الآنسات، يطوف بها عبر المشغل ويطلعها على آلياته الحديثة، الآنسة تدعى ايتا سكوت وهي خياطة ذات صيتها في غلاسكو واتت إلى اردمونت لتزور أهلها، فدعاها ساندي إلى مشغله وعرض عليها العمل معه.

أجابت الآنسة سكوت:

-العمل في اردمونت يثيرني للغاية، فأنا أحلم منذ زمن طويل بالعودة إلى اردمونت .. لكن الأمر الوحيد الذي اخشاه هو عدم توفر الطلبيات اللازمة.

فاسرعت ليزا بالاجابة بحماس كبير:

-لدى ماتحتاجينه يا آنسة، فرص العمل متوفرة بما فيه الكفاية.

وشرحت ليزا لساندي وللآنسة سكوت، ماجرى معها بالأمس عند سارة شيزهولم، واطلعت الخياطة على الرسوم التي اعدتها لعارضة الأزياء، والتي سيتم نشرها في مجلات الموضة.

-اهنئك يا آنسة ليزا، رسومك في غاية الذوق.

قال ساندي متجاوبا مع حماسها واعجابها:

-هل يمكنك البدء بتنفيذها؟

اجابت اينا سكوت:

-بالطبع!

واضافت بشئ من التردد:

-لكنني لا استطيع المباشرة بالعمل فورا... أنا متأسفة.

قال ساندي مستغربا:

-لماذا؟

-لا يمكنني ترك وظيفتي في غلاسكو دون الآنذار المسبق.. ان فعلت خسرت راتبي.

أجاب ساندي بحماس غير معهود:

-آنسة سكوت ، يمكنك التخلي عن وظيفتك ابتداء من هذه اللحظة .. سأعوض عليك راتبك.

لكن اينا سكوت لم تطمئن لهذا العرض المفاجئ فعاودت الكلام بتردد وحيرة:

-ساندي صحيح انني اثق بك.. لكن هذا لا يكفي...

فقاطعتها ليزا قائلة:

-آنسة سكوت، بامكانك ان تثقي بي أنا أيضا... ان قبلت عرض ساندي، اليوم لن تضطري إلى السفر غدا إلى غلامسكو.. بل تبقين معنا وتباشرين عملك .. أمامك فصلا كاملا من العمل المتواصل.

وأضاف ساندي:

-وأعدك براتب محترم، ان وافقت مري بنا في الغد لتناول الشاي معنا، والآنسة سميث ستوافينا هي أيضا برفقة خالتها السيدة مود روي.

-السيدة روي قريبتك؟ أعرفها جيدا.. اذا .. سافكر بالامر واعطيكما جوابا غدا..

وفي الغد ، عادت الآنسة اينا سكوت وبدأت بتنفيذ الرسوم التي اعدتها ليزا وبسرعة اظهرت عن مهارتها اضافة إلى روحها المرحة، وشخصيتها لاخفيفة الظل وكانت منشرحة للغاية ومرتاحة لعودتها إلى اردمونت مسقط رأسها . وسألتها ليزا:

-كيف تبدو لك اردمونت بعد غيابك الطويل عنها؟

-اجدها أكثر نشاطا وحيوية من الماضي. الفضل يعود لمشغل أقمشة التويد ولورشة البناء التي تقام عند حوض المراكب... فالذين تركوا من قبل سيعودون لتوفر فرص العمل لديهم... هل .. تعرفت إلى السيد فرايزر لامون؟ أخي وأبي يعملان عنده في الورشة، ويخصانه بمحبة فائقة.. ويحاربان الآلسن البغيضة التي تذيع الأخبار الكاذبة عن زوجته..

-عن زوجته؟ ألم تفارق الحياة؟

-هذا مايعتقده البعض، لكن في الواقع ، السيد لامون ، لم يحدث أحدا بهذا الشأن.

-ماقالته اينا سكوت بخصوص السيدة فرايزر، زوجة لامون، أقلق ليزا كثيرا فأحست على الفور بحاجة إلى استراحة فقررت ترك جلسة العمل قليلا مع اينا والذهاب للاطمئنان عن جوني.

أمام باب فرايرز لامون، وقفت ليزا تنتظر بعدما قرعت الجرس، وبعد لحظات قصيرة فتحت لها سيدة في الأربعين من عمرها فبادرتها ليزا بالقول:

-السيد لامون موجود؟

-خرج منذ الصباح، يا آنسة.

-جئت لاطمئن عن جوني.

-جوني مازال نائما... ولا أرغب في ايقاظه.

-لا ارجوك لا أرغب في ازعاج جوني، أعرفك بنفسي: أنا ليزا سميث واسكن في اردمونت.

-أنت قريبة السيدة مود روي؟ نعم أعرفك يا آنسة ، أنا السيدة ديكسون أتولى السهر على جوني، في غياب والده لمدة أسبوع في البرتغال.

- تشرفت بمعرفتك والواقع أنا مسرورة جدا لكونك تتولين أمر جوني، ان احتجت لأي شي أرجوك اتصلي بي أنا وجوني صديقان.

-بكل سرور فغياب بالسيد لامون عن ابنه في هذه الفترة أمر مزعج للغاية ! جوني متأثر جدا لغيابه وأعترف لك يا انسة ليزا ان السه رعلى تربية ولد في غياب الأم امر في غاية الصعوبة . الحقيقة أنا اشفق على جوني كما ارثى لحالة فرايزر...

وعادت ليزا إلى ادراجها ، وكلام السيدة ديكسون يعتمل عميقا في داخلها، لم يسبق لها ان فكرت بوضع فرايزر لامون العائلي، فوضه لا يحسد عليه،خاصة ان جوني ولد حساس للغاية، يتطلب اهتماما متواصلا وفرايزر رجل أعمال طموح لا يهدأ. ربما الأيام القاسية التي مر بها جعلته منيعا لا تطاله الصدمات والمآسي، ألم يترك جوني وهو في مرحلة الاستشفاء؟ حبه للسفر والملاحة، لم يقف حاجزا بينه وبين واجباته كأب ، بل لبى رغبته في السفر وترك جوني وحيدا... كل هذا يمر في بال ليزا ، وهي جالسة في الدار مع خالتها.. أهي تظلمه؟ أم تراها تحكم عليه بالحق؟ سألتها فجأة السيدة روي:

-بماذا تفكرين؟ أراك تخاطبين نفسك... مال الذي يشغل بالك؟

-أسأل نفسي، كيف تجرأ السيد فرايزر لامون ، وترك ابنه جوني وحيدا تحت رعاية السيدة ديكسون.. فهي قالت لي اليوم.. ان جوني منفعل للغاية.

-لاتقلقي... فالسيدة ديكسون رصينة وستعتني بجوني كما يجب. حان الوقت لفرايزر كي يجد عروسا... فوضعه أصبح لا يطاق!

قالت ليزا بشئ من الإلحاح:

-ربما لم يجد بعد المرأة التي تناسبه.

-الأمر ليس كما تتصورين ياعزيزتي ليزا، كثيرات يطمحن للوصول إلى إلى هذا الهدف: الاهتمام بولد في مقابل العيش بأمان وراحة، وهذا مايلائم جوني أيضا بالطبع.

-ربما أنت على حق. لكن اليوم الفتيات يتزوجن بدافع الحب....

-هذا لا يمنع ان يكون الزواج المبني على المنطق هو صالح ايضا...

-لماذا ... لم تتزوجي أنت ياخالتي؟

سألت ليزا بفضول.

-بكل بساطة... لأن الرجل الذي أحببت.. فضل أمرآة أخرى...

-كيف ذلك؟ ظننت انك في ذلك الوقت... كنت مخطوبة له؟

-نعم! نعم! كنت خطيبته، خطيبة جون لامون....والد أب فرايزر، أي ، جد فرايزر... أترين لماذا لا أستطيع تحمل حضور فرايزر لامون؟ فهو شبيه بجده. ملامحه كملامح جده بالضبط!

ومضت عطلة الأسبوع بهناء ، مر خلالها آل لويس في زيارة لليزا وخالتها وتناولوا الشاي معا فاغتنمت ليزا هذه الزيارة لتقوم بنزهة مع ساندي.

-تبدو خالتك في وضع أفضل من السابق ( أشار ساندي) بالرغم من حالتها الصحية المتدهورة!

-حضوري معها ، يريحها للغاية! اضافة إلى ماعلمته منذ وقت قليل.. فهي مسرورة لعدول فرايزر لامون عن شراء " فيلا الشروق" من آل موريسون، استاءل لماذا غير رأيه؟ كل ماعرفته منه أنه في الوقت الحاضر، ليس بحاجة لشراء الفيللا، تكفيه الورشة التي باشر بها...

-فرايزر يهدف لتوسيع مؤسسته وليس كما يزعم الأهالي هنا بأنه يريد امتلاك أراضي اردمونت قاطبة، فهو يبغي المساعدة ياليزا، لاتفسحي مجالا لنقمة خالتك مود للتأثير عليك، لامون بحاجة إلى أصدقاء حوله.

سألت ليزا بتعجب:

-ما الذي يوحي إليك بهذا؟

-يخيل إلي انه يعاني من الوحدة ويفتقد لعائلة ولمساندة شريكة جميلة!

-لمساندة شريكتين جميليتين مثلك.... لاتنسي اينا سكوت!

قال ساندي بامتعاض:

-لا ، لم أنسها لنعد إلى فرايزر... يعجبني صموده ومثابرته على العمل ... بالرغم من وحدته القاسية... أنا محظوظ لوجودك إلى جانبي هل سيطول عملنا معا؟

سؤال ساندي الأخير ازعج ليزا قليلا، وخافت أن يقصد به حياة مشتركة فيما بعد، ففضلت عدم الإجابة ، والاكتفاء باختصار النزهة، وتغيير الموضوع:

-أنا واينا اصبحنا جاهزتين للقياس الأول.. هل ندعو سارة إلى المشغل غدا من أجل ذلك؟

-لا حاجة لذلك، طالما أن سارة ذهبت إلى البرتغال برفقة والدها.

تمتمت ليزا باستغراب:

-إلى البرتغال وفرايزر هناك أيضا....

-بالضبط! سيكون لجوني أما من أجمل الأمهات، وفي أقرب وقت ممكن!

-وهذا الأمر الا يعني لك شيئا؟

أجاب ساندي ضاحكا:

-على الاطلاق، في كل حال يكفيني حضورك، وحضور اينا أيضا إلى جانبي.

وعلى هذا النحو مضى نهار الأحد، وفي اليوم التالي ذهبت ليزا لزيارة جوني ، وقد بدأ الطقس يتحسن مع مجئ فصل الربيع، فبادرها جوني بلهجة عاتبة:

-الهذا الحين ارجأت زيارتك لي؟ كيف تدعين اذا انك صديقتي؟

-اشغالي الكثيرة معتني من المجئ باكرا.. لكنني مازلت اعتبر نفسي صديقة لك!

يبدو جوني في حالة جيدة ومن الظاهر انه اعتاد السيدة ديكسون ويتعامل معها بمودة . لم يأت على ذكر اقامته في المستشفى كما لم يذكر غياب والده عنه في هذه الفترة، بل تابع حديثه مع ليزا كأن شيئا لم يكن.

-حدثني والدي عن انشغالك في المدة الآخيرة... لكني قسرت غيابك إلى خوفك منه، أرجو الا يكون تفسيري صحيحا فوالدي رجل طيب، يكفي ان تتعرفي إليه عن كثب!

ابتسمت ليزا بهدوء، ووعدت جوني بالعودة غدا مع العاب تأتي بها لتسليته، وفي الغد وفت ليزا بوعدها، وهكذا أخذت زياراتها لجوني تتوالى حتى اصبحت يومية، وفي احدى المرات واجهتها السيدة ديكسون باضطراب غير معهود:

-آنسة ليزا.. بلغتني سكرتيرة السيد لامون، انه أجل عودته حتى بعد اليوم، فابنتي مريضة ، ويجب ان تخضع لعملية جراحية في اقرب وقت ممكن.

-هل اتصلت بجانين لتحل محلك؟

-سيتعذر عليها المجئ بسبب اولادها ، وجوني لا يستهويها!

-اذا ... لاتقلقي يا سيدة ديكسون، سأهتم بجوني شخصيا ريثما يعود والده من السفر.

-شكرا جزيلا ياآنسة سميث، أنا سعيدة لهذا الحل، فجوني يرتاح اليك، ولن تطول مدة اقامته في البيت، طبيبه يقول انه ابتداء من نهار الاثنين يمكنه معاودة دروسه.

وبدأت ليزا تهتم بجوني بصورة دائمة، فكانت تمر إلى مدرسته وترافقه حتى المنزل، وتعود مسرعة لتمضي فترة مابعد الظهر مع خالتها:

-من الأفضل أن يأتي جوني إلى هنا، وينام عندنا!

قالت مود مرة لليزا، فأجابتها ليزا باستغراب:

-لماذا ينام عندنا؟ أرى أنه من الأفضل ان ابقى معه.. وأمضي الليل في منزله..

-ليزا... امتثلي لنصيحتي، دعي جوني يأتي إلى هنا، فأنا لا أطيق المكوث وحدي، ولا أريد أن تثار حولك الاشاعات في اردمونت.

عملت ليزا بنصيحة خالتها واتت بجوني إلى منزلها كي يمضي بعض الوقت خلال غياب والده في البرتغال... خصصت له غرفة في الطابق العلوي، قرب غرفتها مباشرة، وكان جوني مسرورا للغاية فساعد ليزا على ترتيب حاجياته وألعابه الخاصة، وازداد فرحة عندما علم أن الغرفة التي خصته بها ليزا كانت غرفتها في السابق.

وفي اليوم التالي تغير الطقس فجأة، وبدأت الريح تعصف بقوة فتعذر على جوني النوم لخوفه من العاصفة فطلب من ليزا المكوث معه في غرفته ريما يهدأ الطقس وأخذت تقص عليه فصولا من طفولتها، كما انشدت له أغنية كانت والدتها تنشدها لها عندما يصعب عليها النوم.

وغفا جوني على صوت ليزا، بينما العاصفة في الخارج تصفر وتزمجر، وظل الطقس على هذا النحو طيلة النهار التالي، قال جوني بقلق كبير:

-لا أثر للشمس على الإطلاق!

-السماء ملبدة بالغيوم، لاتقلق، سيعود والدك سالما.

أجابت ليزا بصوت رقيق:

-كنت أفضل لو أبي معنا، بدلا من أن يكون في عرض البحر.

أدركت ليزا على الفور قلق جوني بشأن والده فلجأت إلى كتب القصص التي بحوزتها، واخذت تقرأ له القصة تلو الأخرى لعلها تخفف من قلقه.

وفي الليل استفاقت مذعورة وقلبها يخفق بقوة اذ سمعت جوني في الغرفة المجاورة يصرخ بخوف شديد، فهرعت إليه.

-حلمت حلما مزعجا.. رأيت والدي يصارع الأمواج وقد تعرض لحادث غرق.

قال جوني باكيا وهو يحاول ضبط انفاسه، فقالت ليزا مهدئة بصوت حنون:

-نحلم عادة عكس مايجري في الواقع.

وأضافت بطيبة قصوى:

-لاتقلق يا جوني بشأن والدك، فهو بكل تأكيد في مأمن وربما لجأ إلى أحد المرافئ ليتقي العاصفة.

وجلست بقربه تواسيه، تغني له حينا واحيانا تقرأ له قصة من كتابها. ماذا تفعل ليطمئن هذا الولد ويهدأ له بال؟ والعاصفة تزداد قوة في الخارج، والطقس لا ينذر بشمس قريبة، اخذت بيده بين يديها وضمته إلى صدرها بحنان , ومضى وقت طويل وهي على هذا النحو وعندما ادركت انه استسلم للنوم من جديد، قامت على مهل لتعود إلى غرفتها ففاجأها جوني بصوته الرقيق قائلا:

-ليزا ارجوك لاترحلي!

ابتسمت بهدوء وعادت لتجلس إلى جانبه واغمضت عيناها برفق، واخذت الأفكار تتوالى إلى رأسها ... جوني في حالة ارتباك شديدة، وهي ايضا فالعاصفة تقوى باستمرار، وعليها ان واسي هذا الولد وتخفف من ارتباكه ومن يواسيها هي وخفف عنها؟ هي ايضا مشغولة البال، تخشى ان يكون فرايزر قد تعرض لحادث ما تماما كما جرى في الماضي لوالده. واغمضت عيناها بقوة داعية للسماء أن يكون فرايزر بخير.

امضت الليل بالقرب من جوني ، واستفاقت في اليوم التالي بعدما جمد البرد أطرافها، فالقت نظرة اطمئنان على جوني ، وهرعت إلى النافذة ، لا يزال الوقت باكرا ولا ضجة في الخارج والهدوء يسود كل مكان، ولا أثر للهواء وللعواصف والسماء تبشر بفجر جديد هادئ. ازاحت الستائر لتتتمتع بمنظر البيوت والتلال، بعد ليل صاخب، فلاح لها البحر البعيد بصفحته الزرقاء التي تعكس سماء صافية، وفجأة اتجه نظرها إلى المرفأ فانتبهت للشراع العالي، الذي ينتصب عاليا برغم الليل الهائج وأدركت أن المركب الجاثم هناك هو البشارة السعيدة التي انتظرتها طوال الليل.

فهرعت إلى غرفتها ترتدي ثيابها بسرعة وقلبها يخفق كما لم يخفق من قبل، ولم تعرف كيف خرجت من منزلها إلى الشارع، ووجنتها تعبقان بالحرارة.

قادتها قدماها عبر الأرصفة، وبخفة فائقة قطعت المسافة دون أن تشعر بتعب، ولأول مرة توقفت لدى سماعها زقزقة عصفور الصباح في الحقل، وأدركت انها تمر في أجمل لحظات حياتها، وكأن الدنيا تحتفل بعيد لا مثيل له، فلم تشأ ان تعكر صفو أفكارها، بتحليلات معقدة بل تركت نفسها تستسلم لاحساسها بدون استشارة عقلها، ومرت في بالها ابيات شعر من قصيدة حب كانت قد حفظتها في السابق:

-قلبي يخفق ويغني فهو عاشق متيم!

هل هذا صحيح؟ هل هي عاشقة فعلا؟ ام خرجت بهذه السرعة لتطمئن فقط على عودة فرايزر بالسلامة، ولتحمل الخبر السار إلى جوني.

لن تفسر هذا الشعور بشكل آخر ولن تحمله المزيد من المعاني، هي الآن هنا ، في هذه الساعة المبكرة من الصباح من أجل جوني وهي أكيدة من شعورها.

ولكن، لماذا خرجت بهذه السرعة؟ ألم يكن بامكانها الانتظار حتلى حلول النهار وتناول الفطور على مهل مع جوني، ثم المجئ إلى منزل فرايزر للاطمئنان عنه؟

وحاولت ضبط انفاسها للتخفيف من خفقان قلبها وعندما هدأت قليلا دخلت إلى المنزل بواسطة المفتاح الذي تركته لها السيدة ديكسون.

في المدخل شعرت ليزا بهدوء ثقيل يسيطر على الجو فألقت نظرة خاطفة على المطبخ ، م تجد أحدا ثم اتجهت إلى الدار، لا أحد أيضا. شئ ما يقول ان فرايزر هنا قادتها خطاها إلى غرف النوم دون ان تحدث جلبة لعله كان نائما، ولاح لها من البعيد وهي تقترب ناحية غرفة فرايزر رأسه المكسو بشعره الكستنائي، المبعثر على الوسادة وقد ارتمى عليها بثيابه، ودون شك بعدما عاد ليلة أمس تعبا مرهقا من الملاحة.

اطمأنت لدى مشاهدته يغوص في النوم وعادت ادراجها بخبفة لكن خطاها احدثت صوتا على الارض الخشبية فاستدار فرايزر في فراشه وجمدت ليزا آملة في أن يعود ويخلد إلى النوم لكن ذهب رجاؤها سدى، لأن فرايزر قال دون ان يتحرك:

-حوني؟ هذا أنت؟

وعاد صوت فرايزر التعب ، ليقول:

-جوني ! تعال!

تمتمت ليزا بصوت خافت وهي تحاول السيطرة على اضطرابها:

-هذه انا .. ليزا.

فجأة قفز فرايزر من مكانه، كأنه لم يكن فيحالة تعب شديد واتجه إلى ليزا الواقفة إلى الباب فبانت لها لحيته، انها المرة الأولى التي تراه والشعر يكسو وجنته ، فهو يبدو تماما كالملاحين بشعره المنسدل على جبينه، مما يخفف من قسوته المعهودة ، ويضفي عليه طراوة خاصة. لكنها مالبثت ان سمعت صوته وخاب ظنها فهو عندما يخاطبها ، يتسلح بسطوته ويستعمل صوتا باردا جامدا كالحجر، قال فرايزر باستغراب شديد:

-ماذا تفعلين هنا؟

ولم تندهش للهجة العدائية، بل أجابت برباطة جأش:

-رأيت المركب في المرفأ.. وجئت لاطمئن عن عودتك سالما معافى!

فتعجب فرايزر وقال:

-ولماذا هذا القلق المفاجئ؟

-لأن جوني، في ضيافتي وهو ينام عندنا منذ.....

فقاطعها فرايزر بحنق:

-بأية مناسبة دعوت جوني ليحل ضيفا عندكم؟ ولماذا يستحق هذا الشرف لينعم بضيافتكم؟ آنسة ليزا... هل اختطفت جوني مرة ثانية؟

أجابت ليزا وهي تحاول ضبط أعصابها:

-اضطرت السيدة ديكسون للغياب، ابنتها مريضة ويلزمها عملية جراحية... فعرضت خدماتي يا سيد فرايزر ريثما تعود من سفرك، لم أجد طريقة أخرى للتصرف في ظرف كهذا .. لو كان بمقدوري اللحاق بك، لاستأذنتك أمر اعتنائي بجوني.

-أنا مدين لك بخدمة... لكن الأمر الغريب هو اقتناع خالتك باستضافة ابني تحت سقفها؟

-هي التي اقترحت علي دعوة جوني إلى بيتها اذ ارادت تجنب مكوثي هنا ولو لليلة واحدة.

-حسنا فعلت.. خاصة وانني عدت عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.

-ولم تفتقد جوني في غرفته؟

-اعتقدت انه في الداخل، لدى مشاهدتي باب غرفته مقفلا . لم أشا ازعاجة . كيف أصبح؟

-اخافته العاصفة ليلة أمس ولم ينم جيدا وحلم حلما مزعجا، ورأك تصارع الأمواج لكن الان في أحسن حال، هل ترافقني لتسكن روعه؟

-أكون جاهزا بعد عشرين دقيقة.

-قال فرايزر فجأة بصوت منفعل وخرج من الغرفة واتجهت ليزا إلى الدار بعد أن اقفلت الباب خلفها. وماهي الا دقائق معدودة حتى لحق بها فرايزر وانطلقا إلى منزل الخالة مود، ولاحظت ليزا أنه لم يضيع وقته في حلق ذقنه ، بل أكتفى بتبديل ثيابه ووافاها مسرعا، جذبها من جديد لحيته الناشئة فقالت له:

-رما لن يستهويك جوني بلحيتك.

-لا ! لن تزعجه لحيتي، اعتاد جوني رؤيتي على هذا النحو، أين هو الأن؟

واقتادته ليزا حتى غرفة جوني في الطابق العلوي، وهي تفكر انها تجهل كل شي عن ماضي هذا الرجل، وشعرت بموجة من الغيرة تجري في دمها لم تجد لها تفسيرا.

استقبل جوني والده بفرح كبير وارتمى بين ذراعيه، فسحبت ليزا ستائر النوافذ كي تدخل اشعة الشمس إلى الغرفة، وخرجت. كان فرايزر يحدث ابنه بصوت شجي ويداعبه، فارتاحت ليزا لانفعال جوني ولعودة البسمة إليه، وخرجت كي تحضر طعام الفطور، وهي تحاول ان تضع برنامجا لنهارها، فهي مرتبطة بموعد مع عارضة الازياء سارة شزهولم ان لم تنس هذه الاخيرة موعد قياسها الأول لجلسة العمل الأولى، وافاها فرايزر إلى المطبخ وهي منهمكة في إعداد طعام الفطور. قالت ليزا بأدب:

-الفطور جاهز.

-أليست هذه طريقة لاجتذاب قلبي المتحجر؟

-لا على الاطلاق ! اتصرف حسب أدب الضيافة. في أي حال عن أي قلب تتحدث ياسيد فرايزر، يبدو انك رجل من دون قلب أو انك تغشنا، تضع قناعا مزيفا وخلفه تخفي وجهك الحقيقي... لكنك فشلت في اخفائه حتى انك تبعث النفور في من يعاشرك، وتحبط عزيمة المتعاملين معك، ادعوك لتناول طعام الفطور: قهوة، بيض، مربى، هذا كل مافي الأمر!

أجاب فرايزر ضاحكا:

-كفى! قليلا من الشاي يكفيني... فطورك شهي يا آنسية، لكنني أفضل كوبا من الشاي... أقبل دعوتك هذه لأنني تأكدت من حسن نيتك.

وجلس فرايزر حول المائدة وقال بسخرية:

-أنت عصبية كخالتك، هل هذا الشبه في الطباع وراثة أم انك تطبعت خلال إقامتك هنا؟

-وراثة... لا تفوق ما ورثته أنت من مقدرة على الهزء من الناس بصورة دائمة. هل سيتبعك جوني؟

قالت ليزا بصوت هادئ لأنها فهمت نواياه فهو يحاول اغاظتها واثارة حنقها، فحافظت على رباط جأشها وافشلت خطته. أجابها وهو يباشر بتناول طعام الفطور:

-طلبت من جوني العودة إلى النوم، فهو بحاجة إلى الراحة، خاصة أنه امضى ليلة مزعجة أمس.

-لم يكن سفرك سهلا بالطبع، العافصفة قوية للغاية ولقد نلنا نصيبنا الكافي منها هنا !

-لقد عرفت أسوأ من ذلك ، لكن من حسن حظنا هذه المرة اننا استطعنا الاقتراب من الشاطئ عندما اشتدت العاصفة، فكنا هكذا في مأمن وبوضع أفضل.

-هل كان الطفس في ليشبونة سيئا ايضا؟

-كلا... لكنني اضطررت إلى البقاء في ليشبونة مدة أطول لاصلح المركب، ولأن هاري وسارة رغبا في اقامة سهرة مع أصدقائهما قبل الابحار.

وأضاف فرايزر بشئ من الانزعاج:

-تذكرني سارة بهولي.

سألت ليزا باستغراب:

-هولي؟

-والدة جوني سابقا، كانت تحب السهرات والحفلات الراقصة....

أنه يتكلم عن وجته بصيغة الماضي، اذا... السيدة هولي توفيت، ولامجال بعد اليوم لاثارة شكوكها حول هذا الأمر، وأرادت ليزا أن تطيل جلستها مع فرايزر لأنها شعرت انه وللمرة الأولى يتحدث عن نفسه، فسألته بلطف بالغ:

-هل يشبه جوني والدته؟

-أجل.. بطرق مختلفة، الوجه والبشرة متشابهان، ثم هنالك الخوف من العاصفة والبحر.

وكأن هذه الناحية من شخصية جوني تزعجه، فهو يريده ربما أكثر صلابة، تجرأت ليزا وسألته السؤال الذي طالما انتظرت الفرصة لتطرحه:

-هل كنت تحب السيدة هولي كثيرا؟

فوجئ فرايزر من سؤالها ولاح على وجهه استياء حاول اخفاءه وقال بقساوة وسخرية:

-سؤال تطرحه النساء عامة... أما جوابي هفو انني لست أدري.

-هذا غير ممكن! ألم تكن السيدة هولي زوجتك؟ ألم تتزوجها بدافع الحب، كما يفترض أن يكون الزواج عادة؟

ألحت ليزا وانتظرت الجواب. فأجاب فرايزر بلهجة مشككة:

سمعت بهذا القانون: الزواج المبني على العاطفة أو الحب. لكن لم يكن لدي الوقت الكافي للتأكد من عواطفي. عندما التقيت هولي للمرة الأولى كانت فتاة مرحة ، ظريفة ، وهي ابنة وحيدة لعائلة ميسورة. وكنت أنا وحيدا وغريبا، وهي التي رغبت في الزواج، فوافقت. كانت هذه غلطتي الأولى . اذ رفض أهلها فيما بعد استقبالنا في منزلهما.

-لماذا؟

-لم يصرح أحد منهما عن رأيه. لكنني فسرت هذا بأنهما لا يعتبرانني زوجا صالحا لابنتهما، فلست بالنسبة إليهما سوى مغترب بسيط يحاول شق طريقه في صناعة المراكب في مدينة هوبار وفي هذه الحال ، لم أكن اليق بالطبع بابنة وحيدة تنتمي لعائلة غنية.

وعاد فرايزر لتناول طعام الفطور فبدا وجهه لليزا وقد خدرته الهموم نتيجة عزمه المتواصل وسعيه الدائب لتحسين وضعه . ولم تغب عنهما هذه المسحة من الفكاهة السوداء المأساوية التي احتلت هي أيضا قسما من وجهه والتي لاتظهر الا عندما يحاول اخفاء المه. فمهما كانت الاوضاع التي مر بها في تسمانيا، أو أوضاعه في ازدمونت اليوم، حيث يسعى جاهدا لانجاح مؤسسته، فهو يبقى هذا الرجل المقدام الشجاع الذي تفتخر به جميع النساء دون استثناء.

وعادت ليزا إلى الكلام مشيرة إلى زواجه السابق، فقالت:

-ربما اعتقد أهل زوجتك ، انك من صنف الرجال الين يطمعون في مال زوجاتهم.

فرمقها فرايزر بنظرة ملؤها الدهاء وأجاب ببساطة موافقا:

-من المحتمل أن يكون كذلك.

-وماذا جرى فيما بعد...

-موقفهما من زواجنا، اثر كثيرا على صحة هولي، وكانت غلطتنا الثانية، مولد جوني، فلم تحتمل آلام الولادة ، ولم يمض شهر حتى توفيت تاركة ثروتها واملاكها لابننا.

-أمر محزن للغاية!

-قالت ليزا مصعوقة لحفاظه على رباطة جأشه، فلم يظهر عليه أي انفعال على الاطلاق بل أكمل ببرود:

-نعم.. امر محزن لجوني أكثر مما هو محزن لي، فجوني لم يعرف معنى ا لأمومة!

أجابت ليزا بنفور:

-تريدني أن اعتقد انك لاتبالي بحضور زوجة إلى جانبك؟

-ماذا تقصدين؟ بالضبط؟

-أعبر فقط عن استيائي ورفضي.

-استياؤك مني أنا؟ وماذا ترفضين؟

-استاء من حجبك الدائم لحقيقة مشاعرك، فأنت لا تبوح أبدا بأنك أحببت زوجتك يوما، وأرفض تظاهرك بعدم اكتراثك لحاجتك الماسة للزواج من جديد كي يكون لجوني أما تعتني به، عزة نفسك غير المعقولة تمنعك من الظهور على شكلك الصحيح... انك تخاف ان تثير الشفقة في من حولك.

فاصفر وجه فرايزر فجأة ونظر إلى ليزا نظرة ملؤها الحقد.. خيل إليها في هذه اللحظة انه يتمنى صفعها بقوة ، لكنه لم يفعل، بل اكتفى بالاجابة بصوت بارد:

-عليك ان تصوني كلامك يا آنسة سميث... وإلا وجدت نفسي مضطرا للعودة إلى رأي السابق، بأنك تريدين ان تكوني أما لجوني، بالرغم من نكرانك لهذا الاتهام.

وذهلت ليزا لردة الفعل التي اثارتها عن غير قصد لدى فرايزر، وشعرت بثقل كبير يملأ صدرها فأضاف فرايزر بجفاف:

-شكرا للفطور ولاهتمامك بجوني أثناء سفري، أكون شاكرا لك ايضا ان اصطحبته اليوم إلى المدرسة، فلدي مايشغلني طوال النهار على المركب.

اطلبي من جوني ان يوافيني إلى ورشة العمل فور انتهاء اليوم الدراسي.

وخرج فرايزر دون ان يفسح لها مجالا للكلام. لحقت به مسرعة لكنه أقفل الباب بقوة ، دون أن يلتفت إلى الوراء ففتحت الباب ونادته بأعلى صوتها:

-فرايزر....

كانت متأكدة أنه سمع هتافها، لكنه لم يتوقف، بل اكمل سيره مسرعا، وهو يعبر نفس الطريق الذي اجتازته هي بفرح كبير عند بزوغ الفجر.

وقفت عند الباب تراه يبتعد، والشمس توسطت السماء تلقي بشعاعها الذهبي على الجزر وتضفي عليها لونا قرمزيا رائعا.

مضت فترة الصباح كوميض البرق، وها هي ليزا تستعد الأن لمواجهة ما يتوجب عليها القيام به: موعدها مع سارة شيزهولم من أجل القياس الأول للرسوم التي وضعتها هي ونفذتها الخياطة ايتا سكوت. وأتت سارة في الموعد المحدد، وتمنت ليزا ، لو تغير سارة مرة طباعها ولا تأتي على ذكر رحلتها مع فرايزر لامون.

لكن أملها خاب بالطبع، فلم يمض وقت طويل على مجي سارة ، حتى بدأت بسرد الأحداث مفصلة طوال جلسة القياس ولمدة ساعة كاملة.

حاولت ليزا خلالها أن تتكلم في موضوع أخر، لكن سارة على مايبدو الحت على ذكر الرحلة المدهشة والجو المثير الذي امضته على المركب برفقة فرايزر، وأخيرا خلعت الثوب الأخير وقالت وهي تتثاءب كقطة:

-أهذا كل شي اليوم؟ حسنا.. يبقى لي بعض الوقت لاهرع إلى المرفأ يجب أن أتأكد أن المركب مازال هناك.

واتجهت إلى الباب بعدما اجرت بعض التعديلات على زينتها وقالت وهي في عجلة من أمرها:

-كنت أتمنى أن اعبر البحر للمرة الثانية.

-ظننت ان الملاحة لاتستهويك؟

-صحيح.. لكنني مستعدة لتحمل أي شي من أجل تمضية بعض الوقت برفقة فرايزر. لكنه هذه المرة رفض اصطحابي معه متعذرا انه لا يحب رفقة النساء على المركب بل يفضل ان الاقيه في المرفأ وأنا أشع نضارة وبكامل أناقتي، فوافقت بالطبع لأن استقبال المسافرين أمر مثير للغاية فكيف لو كان المسافر فرايزر بالذات؟

قالت ليزا بلؤم شديد دهشت له:

-من المؤسف حقا انك لم تتكني من استقباله ليلة امس عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل!

أجابت سارة بدلال:

-يقع اللوم على فرايزر لأنه اخبرني انه سيصل بعد الظهر. في أي حال، أنا ذاهبة الأن لألقي عليه التحية تعويضا عن مافاتني في الصباح.

وخرجت سارة وتبعها صمت ثقيل ساد بين ليزا واينا سكوت وتذكرت ليزا بحزن بالغ كيف ركضت في الصباح الباكر لملاقاة فرايزر على المرفأ، لكنها افسدت هذا اللقاء، وأثارت بينها وبينه جوا من العدائية ، هل هذه طريقة لاستقبال الأبطال؟

وقطعت اينا سكوت حبل تفكيرها قائلة:

- أهذه اذا سارة شيزهولم؟ لا يسعني القول انها اثارت في الدهشة.

- انها عارضة أزياء ممتازة.

- بكل تأكيد ممتازة . لكنه تراءى لي أنها بالغت في وصف رحلتها مع فرايزر على المركب إلى البرتغال.

- اينا ! تعدينني انك لن ترددي ماسمعته اليوم من سارة، فالسيد فرايزر لامون ، يشكو مافيه الكفاية من الاشاعات التي تحاك حوله.

- اطمئني يا آنسة ليزا، لن أفوه بكلمة، فليس من عادي أن أردد الأقوال المبالغ فيها.

اتظنين ان سارة لم تنقل الينا الوقائع كما جرت بالضبط؟

-آنسة ليزا.. لاتقعي ضحية سذاجتك، سارة شيزهولم تعمدت التشديد على بعض التفاصيل لاثارة غيرتك، وهذا ماتفعله السناء عادة في وضع كهذا... لكن باعتقادي ان فرايزر لامون لم يعاملها بشكل خاص كما تدعي...

وفي طريق العودة ، ابحرت ليزا في بحر هائج من الأفكار كانت تتجاذبها وتتقاذفها كالأمواج.

انهت جلسة عملها مع ايتا سكوت واتجهت إلى المنزل ورأسها مليء بالصور المتناقضة، هل اينا سكوت على حق؟ هل تعمدت سارة فعلا اثارة غيرتها؟ وادركت انها للمرة الأولى تمر بحالة كهذه.. ارهقتها هذه التحاليل... ان كان في نية سارة حقا اثارة غيرتها، فهي قد نجحت تماما.

الامر اغاضها بالفعل عندما عرفت ان سارة امضت وقتا ممتعا برفقة فرايزر على المركب.. ولماذا تنوي سارة اشعال غيرتها، هي ليزا، الفتاة القوية الأكيدة من نفسها؟

هل تلاقي سارة فيها خصما؟ ما الذي دفعها للتفكير على هذا النحو مع العلم انها لم تظهر لسارة يوما اهتمامها بفرايزر لامون؟ هل تشكل هي ليزا سميث خطرا على سارة شيزهولم؟ ما الذي أوى لسارة بهذه العداوة؟

هل أكيدة أنها لم تظهر يوما عن اعجابها بشخص فرايزر؟ وبينما هي سابحة في بحر من التفكير لاح لها في البعيد ظل شخصين، فعرت منهما سارة من شعرها الاشقر، لا شك انها برفقة فرايزر تزور مشغله الجديد.

ابطأت ليزا في سيرها واخذت تتأمل الأزهار اليانعة التي نبتت على حافة الطريق ، وهي تحاول ضبط افكارها والسيطرة عليها، اصحيح ان لاشي يربطها بفرايزر؟ كيف تفسر اذا هذا التيار الكهربائي الذي سرى في شرايينها يوم كانت ترافقه في سيارته إلى منزل سارة؟ وكيف تفسر قلقها عليه ليلة العاصفة واندفاعها نحوه عندما رأت المركب في المرفأ؟ وكيف تفسر حوارها العدائي معه، ولهجته القاسية معها؟ اليست هذه طريقة بعض العشاق في الكلام وهي في الواقع تخفي حبا جارفا؟ لا ! غير صحيح! انها ليست مولعة بفرايزر لامون، كيف تحب رجلا مثله؟ ألم ينكر أمامها يوما حبه لزوجته السابقة؟ ووعدت نفسها أن تصارع عواطفها هذه ، لأنها تدل على تصرف مراهق، غير جدير بشابه مثلها مستقلة وحرة.

وفي اليوم انهمكت بأمور كثيرة، فارتاحت لانشغالها طوال النهار، ولم يسنح لها الوقت ، للعودة إلى تحاليلها، وإلى طرح الأسئلة حول نفسها وحول علاقتها بفرايزر، كما فعلت في الأمس هاهي اليوم تواجه فجرا جديدا اذ وصلتها برقية من والدها يخبرها فيها انه قادمإلى اردمونت لتمضية فترة نهار الاسبوع برفقتها،علقت خالتها على وصول البرقية بطرافة:

-لم يتغير والدك أبدا. فهو كعادته يبلغ عن موعد قدومه في آخر لحظة. لهذا السبب يجب ان تغادري اردمونت نهار الجمعة مساء، لتكوني في المطار في الموعد المحدد. اطلبي من ايزابيل ان تحضر لتسهر معي اثناء غيابك.

-لن اتمكن من الذهاب نهار الجمعة مساء، فأنا مرتبطة بموعد مع بيار وايت، المصور الفوتوغرافي الذي يعمل مع سارة لمصلحة مجلات الموضة. وعدته بالمجئ مع اينا لحضور جلسة التصوير.

-اذا كان الطقس ممطرا فلن تتم جلسة التصوير هذه في أي حال، ليتدبروا أمرهم بانفسهم لمرة واحدة دون مساعدتك، لاحظت ان ساندي في المدة الأخيرة بالغ في الاتكال عليك.

-اتكاله علي لا يزعجني ابدا. تعاوني مع يريحني. خاصة انه يقدر كثيرا ما اقوم به.

-حسنا أرجو الا يطمح ساندي من خلال تعاونك مع إلى وضع افضل!

فسألتها ليزا باستغراب شديد:

-ماذا تقصدين بوضع أفضل؟

-ربما اعتقد ساندي بأنك مغرمة به.

-بالطبع لا.. ما الذي أوحى إليك بذلك؟

-تصرفك في المدة الأخيرة، فأنت تذكرينني بوالدتك عندما التقت بفرانك والدك.

الملاحظة الأخيرة التي ابدتها السيدة مود روي اقلقت ليزا، وشعرت باضطراب غريب ينتابها فجأة. فاتجهت إلى النافذة لتخفي انزعاجها حيث رأت فرايزر في ورشة العمل، يعطي ارشاداته للعمال لدى رؤيته اشتعلت وجنتاها وشعرت بنارهما تلهب وجهها فاخفته بيديها محاول التخفيف من حرارته وتمتمت باستغراب:

-ما الذي بدر مني يشير إلى تصرفي الغريب؟

-مافعلته الأن بالضبط، قمت من مقعدك فجأة واتجهت إلى النافذة دون سبب ظاهر.. ثم خروجك بسرعة من المنزل باكرا عند الساعة الخامسة صباحا، لاتنكري انك فعلت ذلك، هذه الاشارات تدل على وضع غير طبيعي، واحيانا تبدأين الكلام ولا تكملينه.. الاترين معي، ان هذه الدلائل، هي دلائل الحب؟

قالت ليزا بصوت خافت وهي تتكئ على النافذة:

-صحيح ان والدتي كانت تتصرف على هذا النحو؟

-تماما بالطريقة نفسها... فأنت ورثت عنها حبك للعطاء دون حدود أما انا فاختلف كثيرا عنكما.. ارجو الا يستغل الرجل الذي تحبينه هذه الناحية فيك.

لمحت ليزا في الخارج جوني يقترب من والده ويدعوه إلى لاسير خارج ورشة العمل ثم ابتعدا على مهل، وليزا تراقبهما من نافذتها، فسألت خالتها بصوت خافت:

-باعتقادك ان والدي، استغل هذه الناحية في شخصية أمي؟

انها تحب والدها كثيرا ، وتربطها به علاقة مميزة ولاتحتمل أن يوجه احدهم النقد إليه ، فأجابت خالتها بلهجة لطيفة:

-لم أقصد اتهام والد بأي شي... اردت فقط تحذيرك من صنف الرجال الأنانيين.

وفي اليوم التالي، ابلغت ليزا ساندي اعتذارها عن حضور جلسة التصوير في منزل سارة شيزهولم، فوافق على الذهاب بدلا عنها ، قائلا:

-أفعل أي شي لأجلك، السنا شركاء؟ ومن واجبي ان اتقاسم معك واجبات العمل.

-لكننا لم نصبح شركاء بعد.

-بالفعل! غير انني اتمنى ان تأخذي قرارا في أقرب وقت. تعرفين ان تعاونك معي يريحني للغاية، لولا اندفاعك وحيويتك لما تجرأت على أخذ المبادرات الشجاعة.

وابتسم ساندي في خجل موحيا لليزا بحاجته الماسة اليها، وشعرت أنه يعاني من فقدان الثقة بنفسه، فتمنت لو باستطاعتها احياء الشجاعة فيه دائما. تابع ساندي حواره معها ، مشيرا بالحاح إلى أهمية حضور ليزا إلى جانبه فقال:

-قبل قدومك إلى اردمونت يا آنسة ليزا، كنت أعيش في جو يائس، فقدت الأمال بكل شي بعد فشلي على الصعيد العاطفي والمهني، وأنت أحدثت تغييرا هاما جدا في حياتي.

-صحيح؟

قالت ليزا بارتباك وهي تسأل نفسها ، كيف سينتهي حوارها مع ساندي وبأية طريقة وكيف ستجد منفذا للدخول في موضوع أخر. وكأن السماء استجابت لطلبها فدخلت في هذه اللحظة الخياطة ايتا سكوت بخطى رشيقة وهي تحمل معها ثوبا من قماش التويد، قالت وهي تعرض الثوب على ساندي وليزا:

-هذا الثوب جاهزة أحببت ان اعرضه عليكما قبل الآخرين.

ونظرت اينا إلى كل من ساندي وليزا نظرات فضولية كأنها شعرت بتوتر الجو بينهما، فأجابت ليزا على الفور:

-رائع جدا، سيكون قطعة فنية نادرة على جسم سارة.

-أعد الثواني لأرى هذا الثوب على سارة.... في أي ساعة علي أن أجهز نفسي غدا لموعد جلسة التصوير؟

شرحت لها ليزا انها ستضطر للغياب غدا، لكن ساندي سيحل محلها، ففرحت اينا لهذا الخبر وقالت بانشراح:

-شرف كبير لي أن يرافقني مدير مصنع أقمشة التويد في اردمونت، في زيارتي الأولى إلى آل شيزهولم، كم أنا محظوظة بالفعل!

اغتنمت ليزا فرصة حضور اينا مع ساندي ، وتسللت خارج الغرفة، شاكرة حظها هي ايضا، لانسحابها في الوقت المناسب فلقد وفرت عليها اينا حوارا خطيرا ودقيقا كان قد باشره ساندي لويس

6- رحيل الخالة

قامت ليزا باكرا للذهاب إلى المطار . الطقس بدا مائلا إلى الحرارة والدفء , مع اقتراب شهر آذار ( مارس ) لكن الهواء البارد مازال يصفر بقوة عبر الجزر والتلال .

وصلت الطائرة في موعدها المحدد , وهرعت ليزا لملاقاة والدها عبر الممر الذي يفصل المسافرين عن غرفة الاستقبال . لم يتغير السيد سميث كثيرا , فهو مازال قوي البنية , صلب العود بالرغم من الشيب الذي كسا جزءا ممن شعره , ومازلت قامته الطويلة في جامايكا فزادته جاذبية ورجولة .

لدى رؤيته ليزا , تلوح له أسرع نحوها , وحضنها بذراعيه القويتين .

ثم اتجها إلى المركب الذي سينقلهما إلى الجزيرة . كانت الرؤية حسنة , والجبال المكسوة بالثلوج تظهر في البعيد جليلة , فتزيد المنظر روعة وسحرا .

وكان فرانك , والد ليزا , متحمسا للغاية فلم يتوقف عن الكلام طوال الرحلة , أنما أخبرها الكثير عن رحلته وسفره عبر البلدان التي زارها أخيرا فأطلعته هي بدورها عن قلقها على صحة خالتها مود التي بدأت تتدهور في المدة الأخيرة , كما أطلعته على مدى التوتر الذي تعاني منه السيدة المريضة من جراء قلقها المزمن على منزلها .

سألها والدها :

- ولماذا تقلق مود على منزلها ؟

- ستعرف السبب لدى وصولنا !

لم يطلب السيد فرانك مزيدا من الإيضاح , بل اكتفى بمشاهدة المناظر التي تحيط بالجزيرة من كل صوب , وفجأة صعق لرؤية ورشة البناء التي تقام بمحاذاة بيت الخالة مود , فصاح مدهوشا :

- يا ألهي ... يبدو أن المالك حوض السفن ,بدأ ورشة توسيع المساحة على قدم وساق ..ويبدو أنه يهتم أيضا بتصليح السفن وترميمها . انظري إلى المركب الذي يتم بناءه الآن ... من يدير هذه المؤسسة اليوم ؟

- رجل يدعى لامون .

- مازالت العائلة نفسها هي التي تدير الشؤون هذه المؤسسة بالطبع . ليس شارل لامون الذي يتولى أدارتها , أذكر أنه توفي منذ عشرين سنة .

كان رجلا طيبا , خدوما , لكنه فشل في عمله , نتيجة قلة مراسه في هذا الحقل . كنا نستأجر – والدتك وأنا – مركبا منه لنزهة عبر الجزيرة وكان له ولد شجاع مميز لا يخاف شيئا على الإطلاق . ويهوى الملاحة بشكل خاص !

- ومازال حتى اليوم يعشق الملاحة لا سوها ... هذا هو الشخص , " اللامون " الذي نحن بصدده , ستخبرك خالتي المزيد عنه !

وفي المساء جلست العائلة قرب المدفأة , وأمضت الخالة ود طوال السهرة تخبر صهرها , السيد فرانك سميث , عن القلق الكبير الذي يسببه لها فرايزر لامون , لقيامه بورشة بناء بمحاذاة منزلها . وأضافت :

- لست أدري ماذا يخطط الآن ؟ كأنه يهيئ لعبة جديدة , كلعبة الفأر والهر .

- أفهم قلقك يا مود على منزلك . حسنا , سأذهب لمقابلة السيد لامون في القريب العاجل , لكنني أخشى أن تكون قد تأخرنا , فهو باشر في توسيع مساحته , ولن يمكننا , ربما , تعطيل مشروع تطوره .

فأجابت السيدة مود بحنق بالغ :

- هل تسمي هذه المشاغل المقيتة تطورا ؟

- صحيح , إن المشاغل التي بناها تشوه المناظر الطبيعية التي تحيط بالجزيرة . لكن لا خيار له , فهو مضطر لمجارة العصر , وشخصيا أجد هذا الرجل شجاعا , لأنه عاد إلى اردمونت ليحي فيها مؤسسته في وقت أصبحت معه صناعة السفن والمراكب ذات شأن , فهو بهذه الطريقة يؤدي خدمة للأملاك العامة , ولأهل الجزيرة , مفسحا في المجال للعمل .

- ليفعل ما يريده , لكن ليس على حساب راحتي . لقد شوه علي المنظر الذي اعتدته منذ سنوات طفولتي وبدأ يحفر أساساته في محيط منزلي , حتى اضطرت ليزا أخيرا للجوء إلى فكرة شراء المنزل المجاور لتمنعه من التوسع أكثر !

فسأل السيد سميث بصوت لعوب :

- حقا ؟ ومن أين لليزا المبلغ الكافي لشراء المنزل المجاور ؟

أجابت ليزا بوضوح :

- كنت سأقترضه منك .

- أنت أيضا , تحاربين هذا " اللامون " ؟

تمتت ليزا بارتباك ظاهر :

- أنا ....... أنا ..........

ولم تتمكن من الإجابة على سؤال والدها الذي رمقها بنظرة مداعبة . لعوب , وخالتها , حدقت بها بإهتمام , فثارها بالطبع , أمر ارتباك قريبتها , وأدركت ليزا في الحين , أنه لن يمكنها البوح بحقيقة مشاعرها تجاه فرايزر , لا لوالدها , لا لخالتها , فامتقع وجهها وقالت بعصبية :

- سأحض الشاي .

مجيء والدها إلى اردمونت أدخل الفرح و الطمأنينة إلى قلبها . فهو بالرغم من أسئلته الكثيرة التي لا مفر منها , وبالرغم من إدراكه المفاجئ لبعض الأمور يتمتع بروح هادئة كريمة , ولديه نظرة متسامحة ومتساهلة في الحياة , وكل شيء يبدو له جديرا بالاهتمام , رافقته ليزا , إلى مصنع أقمشة التويد , حي عرفته بساندي لويس , وبالخياطة أينا سكوت .

وبينما كان ساندي يتبدل أطراف الحديث مع والدها جرى الحوار التالي بينها وبين أينا , فقالت هذه الأخيرة , بحماس بالغ :

- كانت سارة على حق , فمنزلها هو فعلا المكان المناسب لأخذ الصور الفوتوغرافية . كانت جلسة التصوير ممتازة وستكون الصور كذلك بالطبع , مر بنا السيد لامون , يرافقه ابنه . ودخل علينا ونحن منهمكات في العمل .... فبدأ مهتما للغاية لما يجري ... آنسة ليزا .... كان العمل مدهشا ... وهو في غاية الرقة اللطافة ... يكفي أن تعاشره عن قرب !

- من هو ؟ السيد لامون ؟.

- نعم فهمت الآن لماذا سارة معجبة بالسيد لامون , فهو بالتأكيد , محط أنظار جميع النساء , لتميزه عن سواه , بقوة داخلية خاصة !

- أنت بالطبع , لست من بين اللواتي يعجبن به ؟

- لا أبدا ... ليس السيد فرايزر من الصنف الذي يجذبني . فأنا أحب الرجل الرقيق , الذي يعاملني بحذر ,كأنني جوهرة ثمينة .... حتى لو لم أكن كذلك فعلا . بالأمس كنت سعيدة لغاية لأنني حظيت بالمعاملة التي أرغب بها .

وأدركت ليزا أن أينا , دون شك مولعة بساندي , لاحظت ذك لبريق الحب في عينيها , وفي صوتها , وتمنيت لو أن ساندي يحسن معاملتها , دون أن يدخل الألم إلى قلبها , لأنها رقيقة المشاعر , حساسة:

وإذا بساندي يطل عليهما , ويكلمهما عن فكرة راودته بخصوص صدور الصور في مجلات الموضة . فهو يرى أنه من المستحسن أن يرافق الصور كراس خاص من مصنع الأقمشة . سألت ليزا على الفور :

- وهل سترضى سارة أن تعرض لنا المعاطف الجلدية أيضا ؟

أجاب ساندي بتوتر :

- لست أدري فهي لم تعدنا بشيء أكيد , لانهماكها طوال الوقت بمغازلة المصور ولم تكف بهذا التصرف الأرعن بل عندما أطل علينا فرايزر , تصرفت كالحمقاء .

سألت ليزا بابتسامة خفيفة :

- وكيف تصرف فرايزر ؟

- كان غير مبال بها ... حتى أن جوني زاد من الطين بله فرفس سارة , عندما انتبه لغيابك .

استغربت ليزا من تصرفات جوني على هذا النحو , فسألت بفضول :

- لماذا تصرف جوني كذلك ؟

- في أي حال أنا أوافقه على ما فعل ... قالت سارة ما تستحقه , خاصة أنها أبدأت رأيا خاطئا عنك .

- وماذا قالت بالضبط ؟

- حماقات ! تدعي أنك تهتمين بجوني لإغواء والده . طبعا لم يوافقها أحد في الرأي .... وأخيرا وبخ فرايزر ابنه , وخرجا معا ... أينا وأنا خرجنا لنأخذ الشاي .

وأضاف ساندي بخجل :

- أدعوكما أنت ووالدك لنزهة نهار الأحد , هل توافقين ؟ لدي شيء هام أود أن أصارحك به !

شعرت ليزا بخطورة الموقف , ورددت في قلبها " لدي شيء هام " .....

وما هو هذا الشيء الهام الذي يستوجب حضورها نهار الأحد ؟ وأحست كأنها عصفور يدافع عن حريته , وابتسمت لأنها لأول مرة تسمع ساندي يقول "أينا وأنا " وكم بدت لها هذه العلاقة طبيعية , لكن على ما يبدو أن ساندي لا يعيرها انتباها خاصا , فتسلحت بذكائها وواجهته ببساطة :

- لماذا ننتظر نهار الأحد ؟ لم لا يكون الآن ؟

أجاب ساندي بحيرة :

- لا أريد أن أصارحك بحضور آخرين لربما سمعنا أحدهم . ليزا ... ما أود أن أقوله لك .. هو في غاية الجدية بالنسبة إلي ... وأرجو أن يكون كذلك بالنسبة إليك أنت أيضا .

وفي طريق العودة إلى المنزل , استقلت ليزا سيارتها , لكن والدها تولى القيادة . فلم تستطع أن تبعد عنها ما قاله ساندي بل تذكرت ما نوهت إليه خالتها مود منذ أيام , عندما أشارت إلى علاقة العمل التي تربطها بساندي والتي ستوحي له بالطموح إلى "وضع أفضل " . هل يا ترى يريد مصارحتها بهذا "الوضع الأفضل " . أي الزواج ؟ فهو يظن نفسه مغرما بها لأنها مدت له يد المساعدة , ويعتقد بالتالي أن لا بديل لها في مصنعه . وبينما هي سارحة في أفكارها كعادتها تحلل , وتحكم على أحداث اليوم , خاطبها والدها قائلا بعفويته المعهودة :

- ساندي رجل لطيف ... لو يجد المساعدة اللازمة له , لحقق نجاحا كبيرا على صعيد عمله .

- ومن برأيك هو الشخص الذي يناسبه .

- ربما تلك الفتاة السمراء التي كانت في المصنع .

- - تقصد أينا ؟

- نعم . طبعا إلا إذا كنت ترغبين أنت بالزواج منه .

- لا , أبد ... فأنا لا أتزوج إلا بدافع الحب .

فقال السيد فران مداعبا :

- ولم تجدي بعد الشخص الذي يناسبك . أعرف الصفات التي تحبينها في الرجل , فأنت تريدينه قويا عاشقا , لينجح في إسعادك .

وأضاف والد ليزا بشيء من الجدية :

- الحب شرط أساسي لزواج سعيد . فأنت لم تخطئي في هذا المجال , لكن احذري ميولك الاستقلالية , فلربما حجبت عنك الرجل الذي بلائمك عندما يأتي في الوقت المناسب .

وفجأة لاح لهما جوني على بعد مئة متر وهو يتمشى على قارعة الطريق فقالت ليزا بدهشة :

- هذا جوني لامون ؟

أوقف السيد فرانك السيارة جانبا وفتح الباب لجوني بلطف فلبى جوني الدعوة فرحا وقال :

-آنسة ليزا ... أحمل معي شيئا خاصا لك . تفضلي هذا ما رسمته اليوم في المدرسة من أجلك .

- شكرا لك ياجوني . أين كنت ؟ أرجو ألا تكون قد أثرت عراكا آخر .لماذا ثيابك منبوشة على هذا النحو ؟

فابتسم جوني وأجاب :

- كلا , لم أتعارك مع أحد هذه المرة ,أنما تمرغت على العشب أنا وصديق لي يدعى جايمي يعمل والده في الورشة عند أبي

استدار فرانك على مقعده الأمامي , ليلقي نظرة خاطفة إلى جوني , ومد يده على سبيل التعارف , قائلا :

- سررت للقائي بك , فأنا أعرف والدك منذ كان صغيرا .

تجاوب جوني مع فرانك , فمد يده مصافحا وقال بفضول :

- كم كان لأبي من العمر عندما عرفته ؟ فأنا اليوم بلغت السابعة .

- كان في الحادية عشر من عمره أو ربما في العاشرة .

- هل ذهبت اليوم لزيارته ؟

- لا لم أفعل بعد , لكنني سأزوره قريبا . أحب أن أرى المركب في مرحلة ترميمها .

- لو تأتي معي الآن , فسأريك كل شيء ؟ وأنت ليزا لو ترافقيننا !

فرفضت ليزا عرض جوني الحماسي والعفوي بهدوء , مجيبة :

- لا ليس الآن ... في وقت آخر أرافقك ... يمكنك الذهاب مع أبي . و أشكرك مرة ثانية للرسم الذي حملته لي ...أزهار النرجس التي لونتها جميلة .

وصلت بهم السيارة إلى حوض السفن , فترجل منها جوني يرافقه السيد فرانك . قال جوني وهو يبتعد :

- دعي خالتك مود ترى رسمي !

وأقلعت ليزا بسيارتها متجهة إلى المنزل . لم تشأ مرافقة والدها وجوني إلى حوض السفن , لأنها تخاف اولا أن ترى فرايزر مجددا وثانية لأنها تعرف أن والدها يود محادثته على إنفراد . وأمضت طوال المسافة التي تفصلها عن بيت خالتها وهي تقنع نفسها أن ما تشعر به تجاه فرايزر وبحضوره خاصة ليس إلا حالة عابرة , مجرد إعجاب بسيط , طبيعي , يزول مع زوال فصل الربيع ... وفي هذه الأثناء فهي تفضل أن تتقيد بالحذر والتعقل . إنما الأمر الوحيد الذي يقلقها هو المحافظة على صداقتها لجوني , دون أن يتذمر والده وبعد ساعات عاد فرانك سميث منشرا ودخل توا إلى غرفة الخالة مود ليطلعها على نتيجة زيارته لفرايزر لامون .

- في الواقع يا عزيزتي مود لا أفهم لماذا تبغضين فرايزر لامون ؟ وجدته ذكيا متعقلا , طموحا ويعرف تماما ماذا يريد , وإلى أين سيؤدي به اندفاعه وحماسه , فهو ليس بحاجة لمن يقويه ويشجعه .

أجابت مود بلهجة قاسية :

- بالعكس !إنه بحاجة لمن يردعه , ويضع حدا لأطماعه في امتلاك أرضي اردمونت .

- لست من رأيك فأنا أعتقد أنه بحاجة لمساحة معينه تسمح له بتوسيع مؤسسته . وعندما يحصل عليها , لن يطلب المزيد !

وحاول فرانك أن يوفر على نفسه مشقة الجدال مع لخالة مود ول موضوع فرايزر لامون , فأشعل غليونه ويبدأ بحشوه من تبغه الخاص .

لكن الخالة مود ,لم تكف بما سمعته من فرانك ولأنها لم تقتنع بالطبع , عادت لتثير الموضوع من جديد

فسألت فرانك بتذمر :

- لا أستغرب أبدا دفاعك عنه , إنما أحب أن أعرف ماذا قال لك بالضبط ؟

- أطلعني على أسلوبه في العمل : فهو يستعمل مادة الزجاج , أنه يعتمد على الأسلوب التقليدي في بناء المراكب . أحد المراكب التي يعمل عليها حاليا , سيشترك في السباق لعبور المحيط الهادئ . إذا أحرز نجاحا , وفاز بالسباق , يكون قد أطلق أسم المؤسسة إطلاقه ممتازة !

- كل هذا الذي تخبرني به لا ينفعني شيئا ... ما هو موقفه الآن من أملاكي وبيتي ؟

تنهد السيد سميث بأسف وأجاب :

- لم أفاتحه بعد بهذا الموضوع . لم أجد الوقت مناسبا للدخول في بحث كهذا ... فقد بدأ منزعجا عدما كشفت له عن هويتي .

وألقى السيد سميث نظرة خاطفة على ليزا فاحمرت وجنتاها دون سبب ظاهر .

وأضاف السيد سميث بلهجة مقنعة :

- لا تقلقي يا مود , سأزوره ثانية . ابنه جوني لا مثيل له في اللطف والذكاء لكنه بحاجة ماسة إلى أم تعتني به .

فأجابت مود بقسوة بالغة :

- هنالك الكثير من أمثاله يتولون أمر الإعتناء بأولادهم !

- صحيح ! لكن فرايزر يبدو تعبا من هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه .

فسألت ليزا باندفاع :

- لماذا ؟

- لاحظت أنه بدأ يفقد صبره في التعامل مع جوني .... ربما هذا يعود لهمومه الكثيرة .

وفي الأسبوع التالي زار فرانك مشغل لامون فرايزر , فكان مندهش للطريفة التي يجري فيها العمل . فرايزر يمضي ساعات طويلة يراقب بدقة وباهتمام , عملية التنفيذ.

وفي اليوم التالي , التقت ليزا بسارة في مصنع الأقمشة , ولم تكف هذه الأخيرة عن ذكر علاقتها الحميمة بعائلة لامون , وكانت تتكلم بلهجة منفعلة , ومضطربة , مما دعا ليزا للتساؤل عن السبب . ولم يطل تساؤلها , فكان تعليق أينا على تصرف سارة بعد رحيلها كافيا , إذا قالت أينا :

- سارة منفعلة للغاية اليوم , لأنها أدركت في جلسة التصوير السابقة في منزلها , أن جوني يميل إليك أنت , وهذا يهدد سعيها للزواج من فرايزر ... فإذا كرهها جوني , ستفعل جميع خططها .

ابتسمت ليزا وأجابت بهدوء :

- ما لنا ولها .... ولهذه الحماقات ... أنا لم أرى عائلة لامون منذ وقت طويل .

لكن بالواقع هل كانت ليزا تقول الحقيقة , هل مضى وقت طويل على غيابها عن عائلة لامون ؟ لا يسعها أن تقول لأينا أنها كانت تجد دوما الفرص المناسبة لتلتقي بفرايزر , سواء راقبته من نافذتها , أم خرجت لتنزه كلابها . وفي أحدى المرات تجرأت ومرت بمحاذاة ورشة البناء فلمحته يخاطب العمال على المركب وكأنه شعر بحضورها فاستدار فجأة في مكانه مستغربا , ولكنه ما لبث أن عاد إلى حديثه .

وكأن الدنيا فجأة هبطت بكل ما فيها على رأسها , وأحست بثقل رهيب يطن في صدرها , ويجري في عروقه ووعدت نفسها بأنها لن تعيد الكرة ثانية , ولن تسمح لعواطفها الجياشة أن تخونها , , وتعرضها للتجربة .

وأخيرا ... حان الموعد مع ساندي , موعد الشيء المهم . الذي يرغب مصارحتها به , فكان كل همها في هذا النهار هو كيف تمنعه من البوح بأسراره . لذا شرعت تحدثه عن علاقة سارة شيزهولم بفرايزر لامون .

وكانت من وقت لآخر تلقي نظرة خاطفة إليه فتراه سابحا في أفكاره كأنه لا يسمع وعيناه تحدقان بالتلال البعيدة وقالت :

- لا شك أن سارة لا تحسن التعامل مع جوني .

انتفض ساندي فجأة وقال بانفعال :

- لو نتحدث في موضوع آخر ... هناك بعض المارة غيرنا يتقدمون ناحيتنا .

استدارت ليزا في مكانها , لتستطلع هوية المارة , فبان لها فرايزر في البعيد يتنزه برفقة سارة , وجوني يعدو حولهما . ويلهي نفسه برمي الحصى في البحر . ولدى مشاهدته ليزا وساندي يتقدمان نحوهم هرع جوني نحو ليزا , وهو يقفز فرحا , وبدأ يعرض عليها أنواع الأصداف التي جمعها على الشاطئ . وعندما اقترب منهما فرايزر وسارة , ألقى فرايزر السلام بصوت بارد وأكمل سيره , بينما توقفت سارة لترغم جوني على متابعة النزهة بصحبتهما هي ووالده , فقالت بصوت مصطنع :

- جوني حبيبي , أرجوك لا تزعج الآنسة ليزا بهذه الحماقات . فهي تتنزه برفقة السيد لويس ... تعال واتبعني .

أجاب جوني بتذمر :

- من قال لك أن أصدافي تزعجها ؟ فهي لا تزعجها أبدا .

تأثرت ليزا لجواب جوني الذي كاد أن يشرف على البكاء , لانزعاجه من ملاحظة سارة الخاطئة . وقالت بتأثر أعمق :

- أنت على حق يا جوني , أصدافك لا تزعجني أبدا , بالعكس .

فألحت سارة عليه لمرافقتها :

- هيا جوني , ولا تتأخر !

اغتاظ جوني , وأجاب بحنق :

- لا لن ألحق بكما ... أريد أن أبقى مع ليزا .

تدخل ساندي بلهجة لطيفة :

- لا يمكنك متابعة النزهة معنا ,فنحن نسير بالاتجاه المعاكس .

أجابت سارة ساندي بسخط :

- عليكما أذن أن تغيرا اتجاهكما , فتحل المشكلة , ويكون جوني راضيا .

- حسنا ! هل من مانع لديك يا ليزا ؟

ابتسمت ليزا موافقة وقالت :

- لا أبدا يمكنكما السير أمامنا , وجوني وأنا سنتبعكما على مهل .

ومشى ساندي إلى جانب سارة , بينما أصبح فرايزر في المقدمة , وجوني وليزا يسيران في المؤخرة , ارتاحت ليزا لهذا الحل , إذا وفرت على نفسها مرة ثانية , مشقة الاستماع إلى ساندي وابتهج جوني أيضا , لحضوره معها وقال مبتسما :

ها أنني ربحتك لي وحدي ! سنفيد من هذه الفرصة نبحث عن السراطين سويا .

أقنعته ليزا أن الوقت لن يسمح لهما بذلك , وفي موعد آخر سيقومان بنزهة أخرى باكرا . وفي طريق العودة إلى المنزل , كان فرايزر ينتظرهما وحيدا أمام بيت ساندي لويس ويبدو علية الغضب و الانفعال الشديد :

- تأخرتما في العودة .........

لم تشأ ليزا أن تعكر جو هذه المناسبة التي جمعتهما ثانية , فقررت أن تظهر لطفها , وتخبئ انفعالها , فقالت بهدوء :

- أين ساندي وسارة ؟

- يدعوك ساندي لتناول الشاي في منزله . وهو ينتظرك مع سارة هناك .

سأل جوني بحماس بالغ :

- ونحن يا أبي , هل ستوافقهما أيضا ؟

- كلا ! رفضت دعوة ساندي , بسبب تصرفك السيئ بعد ظهر اليوم .

ألتمعت دمعتان على وجنتي جوني , واكتفى بالاحتفاظ بالصمت .

فقالت ليزا برقة بالغة :

- لو نذهب معا , فالسيد لويس وزوجته , سيفرحان لقدومنا , ولحضورك أنت وجوني خصوصا .

أجاب فرايزر بلهجة ساخرة وجافة :

- لا أوافقك الرأي يا آنسة ليزا , في أي حال لا أعتقد أن السيد لويس سيكون راضيا لزيارتنا له .. فأنا أذهب حيث يكون قدومي مرغوبا .

تصبحين على خير يا آنسة . تعال جوني ... هيا !

تردد جوني في اللحاق بوالده وألقى نظرة استغاثة وأمل إلى ليزا فازداد فرايزر غيظا وانفجر صارخا :

- جوني , تعال!

أطرقت ليزا بحنان :

- اتبعه ... جوني ... هيا .. لا تتركه يعود إلى المنزل وحيدا .

وخضع جوني لمشيئة والده مستسلما , فودع ليزا بحزن ومشى . تمنت في هذه اللحظة لو بإمكانها مرافقتهما . بدلا من تلبية دعوة ساندي إلى الشاي .

وأسرعت في سيرها وهي تتساءل لماذا تخلت سارة عن فرايزر بسهولة خلال النزهة بعد ظهر اليوم على الشاطئ , ورافقت ساندي حتى المنزل ؟ ألهذا بدأ فرايزر متوترا ومنفعلا ؟

وانضمت ليزا إلى ساندي وسارة وصورة جوني لا تفارقها . كانت الجلسة عند ساندي , مزعجة للغاية نظرا لما أبدت سارة عدائية تجاهها , وهذا الأمر أدخل الحزن إلى قلبها . وفكرت بالرجوع إلى المدينة مع والدها حين يحين موعد رحيله , لربما بهذه الطريقة تفسح في المجال لها للاختلاء بفرايزر , وللتقرب من جوني . لكن لماذا تعود دائما هذه التساؤلات إلى فكرها ؟ سارة وفرايزر ؟ ساندي ؟و أينا؟ وهي ؟ ما هذه السلسلة من الوجوه ؟ وكيف تترك هي اردمونت من أجل إرضاء سارة ؟ أنها تريد البقاء في اردمونت .

ولم يمض وقت طويل , على زيارتها الأخيرة لساندي حتى تعرضت الخالة مود لنوبة قلبية خطرة استوجبت حضورها هي ووالدها إلى جانب السيدة المريضة .

ومضى شهر آذار ( مارس ) على هذا النحو . ولم يفكر أحد منهما مغادرة اردمونت على الإطلاق . الخالة مود تلازم فراشها ليلا ونهارا , وليزا ووالدها يتناوبان السهر عليها , حتى شعر كل منهما , بحاجة ماسة إلى الراحة , بعد التعب والتوتر الذي سببته حالة مود المتدهورة , والطقس في الخارج لا يساعد على الخروج لتنزه . فهو ممطر والسماء ملبدة بالغيوم , والهواء يعصف من كل جانب .

وفي يوم ممطر , عاصف , جلست ليزا مع والدها في الدار الصغير يستمعان إلى مقطوعة موسيقية لعلهما يسترخيان . ولم يمض على جلوسهما مدة طويلة حتى قرع الباب , بعصبية . فهرع فرانك باستغراب كبير وهو يتمتم :

- من هذا المجنون الذي خرج في يوم عاصف وممطر كهذا ؟

وعاد بعد دقائق وهو يحضن ولد بين ذراعيه . فذعرت ليزا لدى مشاهدتها جوني يرتدي معطفا مبللا , والدموع تكرج على وجنتيه . وهو ما زال في ثياب النوم .

قال والدها بدهشة كبيرة :

- هذا الوالد يريد مقابلتك ... لديه ما يقوله لك !

هرعت ليزا إلى جوني وسألته بلطف :

- جوني ! ماذا جرى ؟ أخبرني ؟

فأجابها جوني باكيا :

- ...... تركت البيت !

وجلست إلى جانبه تهدئ من روعه بينما اهتم فرانك بتغيير ملابسه المبللة , وتبديلها بثياب جافة وأسرعت ليزا بتحضير كوب من الحليب , حملته إليه عند المدفأة , وسألته بحنان :

- هل عاقبك والدك على أمر ما ؟

أجابها جوني :

- لا !

- إذن , لماذا هربت من المنزل ؟

- كي أعاقبه !

- تعاقبه ؟ وماذا فعل ؟

- يريد السفر من جديد , وسيغيب لمدة أسبوع كامل .

وكان جوني يرتجف حزنا , وليزا تحاول أن تخفي قلقها عليه , فسألته بلطف :

- ألا تريده أن يسافر ؟

- لا ! أنا أكره البحر ... وأريده أن يفع شيئا آخر .

تدخل السيد فرانك بهدوء :

- لكن البحر مهنته , فكيف تريده أن يغير مهنته وهو يصمم المراكب والسفن ويعشق الملاحة ... هذا باب رزقه الوحيد الذي يسمح له الاعتناء بك والسهر على تربيتك ... لن يفعل شيئا آخر حتى يرضيك فقط .

نظر إليه جوني , محاولا فهم معنى هذا الذي قاله والذي بدأ له كخطاب يتلوه الواعظون .

- لا أرفض السفر معه , إنما هو الذي لا يرغب في اصطحابي .

وأضاف وهو يجهش بالبكاء :

- حجته الوحيدة , هي المدرسة , فهو يقول أنه يجب علي الاهتمام بدروسي , ومن أجل ذلك سيجد من يسهر علي في غيابه , طلبت ليزا لهذا الغرض ... فغضب مني وأرسلني إلى الفراش ... ولهذا السبب تركت البيت .

أجابه فرانك بقساوة مخففة :

- لم تذهب بعيدا ... اطمئن .....

احتمى جوني بليزا شارحا بخجل :

- كان الطقس ممطرا وعاصفا , فأخافني الهواء ... وجئت لأرى ليزا ...

ابتسمت له ليزا مشجعة :

- أحسنت يا جوني .

وعادت إليها في هذه اللحظة كلمات ساندي , عندما أشار أن فرايزر بحاجة إلى أصدقاء من حوله أكثر من أي وقت مضى ... وتصورته الآن في المنزل وحده من دون جوني ... ماذا سيفعل ؟ فقالت لجوني بهدوء دون أن تقسو عليه :

- ألا ترى أنه يجب علينا الاتصال هاتفيا بوالدك لتعلمه بوجودك هنا , لربما قلق عليك .

واتجه فرانك إلى الهاتف بينما أكمل جوني حواره مع ليزا , مفسرا لها الأسباب التي دفعنه ليحقد على والده وقال بصوت مرتجف :

- أعرف أنه سيغضب كثيرا لخروجي من البيت في هذه الساعة , لست أدري ماذا طرأ عليه ؟ فمنذ عودته من البرتغال وهو يتصرف بعصبية ...

أنني أسأل نفسي أحيانا إن كان مازال يحبني ؟ ولعله يتمنى غيابي لأن حضوري يزعجه .

- لا يا جوني , لا تقل ذلك ... أنا متأكدة إنك مخطئ .

واستغربت ليزا ثقتها الكبيرة بنفسها . وأضافت :

- ربما هناك ما يجعله سريع الانفعال .

لم يجاوب جوني , بل غاب نظره في النار المشتعلة في المدفأة , وأخذ يصف أشكالها لليزا , ولم يشعر بمرور الوقت , حتى فتح الباب فجأة عليهما , ودخل فرايزر , بينما توارى فرانك عن الأنظار .

وقف فرايزر في وسط الغرفة , وهو يلهث من التعب كأنه قطع المسافة جريا , وجهه شاحب اللون وعيناه تقدحان شررا . قال وهو ينظر إلى جوني متجاهلا حضور ليزا تماما :

- جوني , لماذا خرجت من المنزل ؟

- لأزرع في قلبك الخوف !

وانفجر جوني باكيا وارتمى بين أحضان والده . فضحك فرايزر بهدوء , وأجاب ببساطة :

- لقد نجحت في إثارة خوفي عليك .

وجلس فرايزر على مقعد خشبي صغير , وهو يخاطب جوني برقة :

- هيا , أشرح لي الآن , سبب تصرفك هذا ؟

- لأنك لم ترض أن أبقى مع ليزا أثناء غيابك , وأنت تعلم جيدا , أنني عندما أكون بصحبتها أحتمل أكثر فكرة سفرك .

نظر فرايزر إلى ليزا نظرة مشككة فأجابته بصوت خافت يحمل التأكيد :

- لماذا لم تقترح علي البقاء مع جوني ؟

أجاب هامسا وهو يحدق في عينيها :

- أنت تعرفين السبب .

ثم أخذ يتفحص وجهها بلهفة , فشعرت وللمرة الثانية وكأنه يلامسها .

فشعرت ليزا بدوار غريب وكأن غشاء حجب عنها وضوح الرؤية تلاشت أوصالها والتجأت إلى أقرب مقعد وجدته أمامها , وإذا بها جالسة مباشرة بالقرب منه ويكاد وجهها يلامس وجهه فأسندت ظهرها إلى كرسيها مبتعدة عنه قدر الإمكان وقالت بصوت مضطرب :

- أعتقد إنك تخشى أن تكون مدينا لي بهذه الخدمة .

أجابها فرايزر بشيء من الغموض , وهو يشيح بنظره عنها :

- أجل , هذا ليس سوى جزء من الحقيقة .

- إلى أين أنت مضطر إلى السفر ؟

- أريد الاشتراك في مؤتمر مجهزي السفن ويجب أن أمر بشريك لي في هولندا .

- وهل سيطول غيابك ؟

- عشرة أيام .

- ألا تقلق على جوني ؟

فأجابها فرايزر بعصبية مفاجئة :

- أنت تجهلين مدى قلقي عليه .

- ومع هذا لم تعدل عن سفرك ؟

- كنت على وشك أن أفعل هذه المرة , نظرا لردة فعل جوني العنيفة , مع العلم أنني لو بقيت ,

لخسرت الكثير على الصعيد العملي ...

- أنت مستعد لأي شيء كي لا تضطر إلى طلب مساعدتي .

غض فرايزر طرفه عنها , وتدخل جوني في هذه اللحظة , بعدما تابع حوارهما بشغف كبير وقال بحماس لوالده :

- إذن ؟ سأبقى مع ليزا أثناء غيابك ؟

- لماذا لا تسأل ليزا مباشرة ؟

وأشار إلى معطف جوني قائلا بجديه :

- هيا أرتدي معطفك حان وقت عودتنا إلى المنزل .

فوجئت ليزا لقراره السريع , وارتعدت لمرور هذه اللحظات الحميمة بينهما كالبرق , وأدركت أنه مازال يرفض ما يعتبره معروفا , فأطرقت بسخرية لطيفة :

- سيد لامون , أنت لا تسهل الأمور ..متى سترحل ؟

- نهار الجمعة .

وجهت عندئذ كلامها لجوني , الذي كان ينظر إليها راجيا قبولها وقالت له :

- جوني ! مر بي نهار الجمعة لدى خروجك من المدرسة , سأكون بانتظارك .

أضاف فرايزر بتعجب:

- هل أنت متأكدة يا آنسة ليزا من ذلك ؟ هل سيكون لديك الوقت الكافي للاهتمام بجوني وخالتك مريضة ؟

- سيمكث والدي معي فترة أطول ليمد لي يد المساعدة .

- إذن ! يا بني أنت حصلت على ما تريده بالضبط ! وأرجو ألا تعيد ما فعلته هذا المساء ... هيا بنا .

انفرجت أسارير جوني وعاد البريق إلى عينيه معلنا عن ارتياحه لاستعادة ثقته بدنيا الراشدين .

رافقتهما ليزا حتى الباب , ولم تستطع عدم التعليق على جواب فرايزر لجوني وسألته بذكاء :

- وأنت يا سيد لامون , ألم تحصل بعد على ما تريده ؟

- ليس بالتمام 1 ما أريده يا آنسة ليزا يتطلب وقتا ... أمنياتي تفوق أمنيات جوني .

وخرجا معا , وهما يضحكان ... وبقيت ليزا تسمع خطواتهما تبتعد تدريجيا . وكما في كل مرة , جلست تحلل معنى كلامه الأخير , فماذا يقصد بأمنياتي تفوق أمنيات جوني ؟ لربما كان يقصد طموحه لتطوير حوض السفن ومؤسسته ؟ أو بكل بساطه يعني زواجه من سارة ؟ طبعا , هذا لعائلة شيزهولم لن يرفضوه .

عادت إليها هذه اللحظة الشيقة التي جمعتهما معا قرب المدفأة , وهو ينظر إليها بعينيه اللتين تقدحان شررا , ويتفحص وجهها بإمعان وبشوق . لكنها سرعان ما طردت هذه الأفكار من رأسها , محاوله إقناع نفسها , إنها وقعت مجددا ضحية تصورتها . لكن كيف ستنسى هذا المساء , الذي أشعل فيها رغبة لا توصف ؟ هل هي مرغمة على البوح بحبها له بالرغم من كل شيء ؟

ودخل عليها والدها في هذه اللحظة , وقال بخطورة :

- ليزا , اتصلي بالطبيب بسرعة , خالتك في أقسى حالات المرض !

الجمعة صباحا , مع طلوع فجر جديد ماتت السيدة مود روي , تاركة منزلها لقريبتها ليزا روي سميث , موصية لها بالامتناع عن بيعه طالما هي على قيد الحياة , وإن اضطرت أن تبيع يوما فلتفعل , شرط ألا يكون الشاري من عائلة لامون . وبعد أن اهتمت ليزا بمراسم الدفن لجأت إلى غرفتها ترتاح من تعب النهار , وهي تعيد قراءة الوصية أمام والدها . وقال السيد فرانك معلقا :

- أسأل نفسي , لماذا كانت مود تكره عائلة لامون إلى هذا الحد ؟

- كانت تربطها علاقة بجون لامون , جد فرايزر لامون , وكانا في مرحلة الخطوبة , عندما شككت هي بحبه لها , زاعمة أنه مرتبط بامرأة أخرى .

وحسب الأقاويل التي سمعتها يزعمون أنه لم يحاول تبرير موقفه , كما هي لم ترجع عن شكوكها . ففسخا الخطوبة وكانت النهاية بينهما .

- هذا دليل على فقدان الثقة بينهما ... في أي حال ... أعتقد أن هذا المنزل سيشكل لك هما من ناحية الاعتناء به , ألا ترين أنه من الأفضل لك أن تعرضيه للإيجار ؟

- لا أفكر بالرحيل عن اردمونت . وجدت مكان عملي هنا . وسأرتاح لبقائي . سأعمل مع ساندي في مصنع أقمشة التويد , وإن شكل لي المنزل هما من ناحية إدارية , سأعرض بعض غرفه لإيجار خلال فترة الصيف .

- هذا حل رائع ! في أي حال , أنا سأعود إلى لندن ! لن أمكث في منزل هو بمثابة مجرى دائم للهواء , ويطل على ورشة البناء , وتحيط بع العنابر من كل جهة ... سأعود إلى منزلي بكل سرور .

وودعت ليزا والدها , وعادت إلى منزلها بهدوء .. أيام جديدة بانتظارها .. والدها عاد إلى لندن , خالتها ودعت الدنيا وفي اليوم نفسه سافر فرايزر متوجها إلى مؤتمر مجهزي السفن . إنها الآن لوحدها .....

وجوني ينتظرها , و معا ينتظران عودة فرايزر . تذكرت كلمات جوني الرقيقة , عندما علم بخبر وفاة الخالة مود :

- كم من المؤسف أن تموت السيدة مود في شهر نيسان ( إبريل ) .

كان جوني على حق ! فالطبيعة في هذا الشهر تستيقظ من سباتها العميق , لتستقبل ما امتنعت عنه طوال فصل الشتاء . فتغطي الأرض أجمل الألوان وتخرج الزهور من غيابها الطويل لتطل بأوراقها الطرية وببراعمها النقية .

كل شيء يدعو للجمال وللتأمل في هذا الشهر . البحر الهادئ والنائم كالسكون , تلمع صفحته تحت الشمس البهية , وتعكس ظلال التلال المغلفة بأشعة فضية تتهادى بنعومة على صدر البحر الواسع ! كل هذا يدعوها للبقاء في اردمونت . وكأنها لأول مرة أدركت لماذا عاد فرايزر إلى هنا بعد غيابه الطويل .

وبدأت ليزا تعتاد حياتها في اردمونت . في النهار التالي , قصدت مصنع ساندي , تباشر عملها . استقبلتها أينا بالترحاب , ووجهها يبشر ببشرى سعيدة , فقد ارتفعت عدد الطلبات على الأقمشة بعد صدور الصور في مجلات الموضة . وكان فرح ساندي عظيما , فلم يتمالك نفسه أمام ليزا بل قال مسرورا :

- سنضطر لزيادة عدد الموظفين , فلطلبات تتكاثر علينا ويلزمنا من يهتم بالخياطة , ومن يدير شؤون الإدارة , ومن يهتم بالمبيع , ومن يتوكل بمساعدتك في كل ما تقومين به , ومن يهتم بالعلاقات العامة ... ليزا أنا مدين لك بالكثير .. أرجو أن توافقي على مشاركتي في إدارة مصنع التويد .

- لا تقلق يا ساندي , يمكننا العمل معا , حتى لو لم نكن شركاء !

- لا أقبل بهذا الحل . فأنت تستحقين أكثر من هذا بكثير ... اقترح أن نناقش هذا الموضوع مع عائلتي ... ماذا لو تأتين هذا المساء ونتناول طعام العشاء , ثم نبحث في هذا الأمر ... في البيت أفضل ... هنا الجو مشحون بالعمل .

- لا أستطيع في المساء أن أترك المنزل , فأنا أهتم بجوني لامون . لماذا لا تزورني في منزلي ؟

أظهر ساندي شيئا من الارتباك وقال بتردد :

- أفضل ألا أفعل .... فلا أريد أن تثار حولك الأقاويل .

- ساندي ! ماذا دهاك ؟ ألم تزرني من قبل ؟

- صحيح ! لكن الوضع يختلف الآن عن السابق , فأنت اليوم تعيشين وحدك .

- ساندي ! لا تكن سخيفا أرجوك ! أعتقد أنه من الطبيعي حدا أن يزور رجل امرأة شريكة له في العمل , دون أن تثار حولهم الشكوك ويكونا عرضة للألسن البغيضة .

- هذا ممكن في المدينة , أنا هنا , في الجزيرة , فهذا مستحيل !

- لو كنت رجلا , لما أتيت لزيارتي لكوني شريكا لك ؟

- أجل . هذا صحيح .

- إذن اعتبرني مساوية لك , وعاملني كشريك ز

- يصعب علي هذا الأمر !

- يجب أن تقبل بهذا الوضع وإلا رفضت التعاون معك .

++++++++++++++++++++

7 - ينقصني الحب

بدأت ليزا حياة جديدة بعد وفاة خالتها مود . إنها الآن تعيش تماما , كما كانت تمنى في الماضي , لا قيود تقيدها , بل حرية تامة في التصرف . وهي تعلم اليوم أمام وضعها الحياتي الجديد أن ثمن هذه الاستقلالية هو وحدتها , التي طالما سعت إليها . لكن يا ترى هل هي حقا سعيدة ؟ لماذا هذا الشعور بالنقص , حيال حياتها وتطورها كامرأة ؟ ماذا ينقصها لتنمو بفرح وتتكامل ؟ ألا يكفيها حاليا أن ترعى أمور جوني أثناء غياب والده ؟ فهي تمضي عطلة نهاية الأسبوع برفقته , ويتنزهان عبر الجزيرة , ويعملان في الحديقة طوال النهار ! صحيح أنها تشتاق أحيانا إلى حضور خالتها مود في منزلها الريفي الكبير , لكن اشتياقها لمود ليس سوى فترة عابرة طبيعية , لكنها تشعر بفراغ أعمق وأعنف . وبما لحاجتها الماسة إلى حضور رجل في حياتها أم أنه الحب وحده كفيل بتأمين التوازن , والانسجام في حياتها .

لو لم يكن الحب هو الجواب على أسئلتها الكثيرة حول علاقتها بفرايزر , فكيف تفسر إذن شعورها بالوحدة في غيابه , بالرغم من حضور جوني معها ؟ كيف تفسر انتظارها القلق له ؟ كيف تواجه واقعها المرير وهي تحاول جاهدة أن تبعد عنها هذه التطورات المؤلمة ؟ ما معنى شوقها , وتخيلها للقائها المقبل به , متمنية أن تزول بينهما جميع الحواجز التي فرقتهما في السابق ؟ أنا على صعيد عملها , فهي لا تشكو من مشكلة معينة , بل بالعكس فالأمور تسير على أحسن حال . زارها ساندي في الأسبوع المنصرم , وعرض عليها رسميا القبول بتعاونها معه في المصنع . كان شديد الانفعال , ولم يمكث أكثر من ساعة . دار حديثهما حول شروط تعاونها الجديد . لم تكن تنتظر حديثا آخر , وأسعدها أن تكون الأشياء جرت على هذا النحو , فالظاهر أن ساندي أرجأ , ما كان يريد البوح به إلى موحد آخر , وعندما رافقته حتى الباب مودعة , كان القمر بدرا والسماء صافية . انحنى ساندي وخطف منها عناقا حارا ولشدة استغرابها لم تشعر بحاجة إلى أن تبادله العناق , بل سمعته يتمتم بخجل :

- هذا تعبيري الصادق عن فرحي لبداية شراكتنا في العمل , متمنيا أن نطمح إلى شراكة أفضل ! تصبحين على خير آنسة ليزا !

وغاب ساندي تحت ضوء القمر الشحيح , ووقفت هي في مكانها , تستعيد ما حدث باستغراب كبير , ولم يمر عليها لحظات وجيزة , حتى دوى صوت خلفها انتشلها فجأة من غيبوبتها :

- شيء مثير جدا .

التفتت إلى الصوت بهلع شديد , وكم كانت دهشتها كبيرة , عندما رأت فرايزر لامون يخرج من العتمة ويتجه نحوها بخطى رشيقة , فسألته بذهول :

- أنت ؟ ماذا تفعل هنا ؟

أجابها بسخرية :

- وصلني خبر وفاة خالتك وجئت معزيا .. لم أشعر بالحاجة إلى قرع الجرس , فالباب كان مفتوحا , مما سمح لي أن أكون شاهدا اضطراريا لعناق مؤثر للغاية .

- ساندي وأنا أصبحنا شريكين في العمل وما شاهدته يا سيد لامون , ليس إلا تتويجا لشراكه حديثة العهد .

فأضاف بتكهم :

- أسلوب خاص ومميز لعقد شراكة جديدة .

- لم أكن أنتظرك قبل نهار غد .

أجاب بجفاف :

- قادتني سارة من غلاسكو إلى هنا ... في سيارتها .

- إذن سافرت بصحبتها ؟

- ماذا تقصدين ؟

- لا شيء بالتحديد , إنما اعتقدت أنها سافرت إلى مكان آخر مكان ....

قاطعها فرايزر بلؤم وقوة :

- آنسة ليزا , لا سبب لهذه التساؤلات ..... التخمينات ... فأنا لم أر سارة منذ عشرة أيام ... اطمئني.......... التقيت بها صدفة في المطار , وعرضت علي أن ترافقني في سيارتها حتى اردمونت , وهي التي أخبرتني عن وفاة خالتك ..... أنا متأسف لما حدث .. تعازي الحارة ..... بالطبع , أنت ستشتاقين إليها ....

- أجل .

أجابت ليزا ببساطة , وخيم بينهما السكوت طويل , يتخلله هدير وصوت الطيور المحلقة فوق الماء , ولم تتجرأ ليزا في هذا اللقاء , الذي طالما انتظرته , أن ترفع نظرها نحوه وتتأمله . فجأة قطع فرايزر جو السكينة وقال لها بصوت رقيق :

- في المرة الماضية عرضت علي تناول الفطور .... هل سمحت ودعوتني هذا المساء إلى العشاء , فأنا أتضور جوعا ... ثم لدي ما أقوله لك !

أجابت ليزا بتردد :

- أتريد أن تأكل في هذه الساعة ؟

- لا طعام لدي في المنزل , أتريدني أن أنام بدن عشاء ... بعد سفر طويل !

لم تستطيع ليزا , رفض هذا الطلب ووجدت نفسها مضطرة للسماح له بالدخول , في هذه الساعة المتأخرة من الليل , كانت مرتبكة للغاية , نظرا للتغير المفاجئ الذي حل به , فهو يكلمها بلطف . وفكرت أن دعوة فرايزر إلى العشاء , تختلف كثيرا عن دعوة ساندي , وأحست بانسجام بالغ بينها وبينه , لم تشعر به خلال زيارة ساندي . توجها إلى المطبخ , وبدأت تعد له الطعام . لم تجد سوى بعض الأجبان وقليل من البسكويت , بينما فرايزر فتش في أرجاء المطبخ , وعثر على زجاجة معتقة من الشراب , كان قد تخلى عنها والدها فدعاها , بكل بساطة إلى الجلوس ومشاطرته طعام العشاء سألته بارتياح :

- قلت أن لديك ما تقوله لي .

- من يملك هذا المنزل ؟

- أنا ! لم تخدعك خالتي رحمها الله , عندما أخبرتك أنها تنوي أن تكتب منزلها باسمي .

- حسنا , أتقبلين عرضي لشراء هذا البيت مع الأراضي التي تحيط به ؟

- كلا ! في أي حال , لا أستطيع أن أخالف الوصية .. فأحد بنودها ينص على امتناعي عن بيع المنزل لعائلة لامون.

قطب فرايزر جبينه مستغربا وقال بهدوء :

- في هذه الحال ... يمكنك أن تباشري أنت شخصيا بورشة بناء .

- لست أدري ! لم أستفهم عن هذه الإمكانية .

وعاد فرايزر إلى المعهود , وبدأ عليه أنه يفكر بأمر بالغ الأهمية . ثم لاحت على وجهه بسمة رقيقة , شعت كالشمس الشارقة , وقال ببساطة

- أرجو ألا يكون جوني قد أرهقك !

ارتاحت ليزا لسؤاله عن جوني , فهي لا تريد أن تتحدث بأمور معقدة , خاصة عن ملكيتها لمنزل خالتها , وأخذت تقص عليه ما فعلته هي وجوني أثناء غيابه . فعلق فرايزر قائلا :

- أنا مسرور جدا .. لأن جوني أمضى وقتا ممتعا !

- إنه يشعر بالأمان هنا .. فأنت تغيب يا سيد لامون وقتا طويلا ويجد جوني نفسه تحت رعاية أشخاص لا يعرفهم ..ز ولقد عرف عددا مختلفا من المربيات .. مما أدى إلى شعوره بفقدان حياة الأسرة المستقرة ... لو كانت له أم لما تألم إلى هذا الحد لغيابك عنه .

اشتعل فرايزر لامون غضبا وصاح :

- أعرف هذا يا آنسة ليزا ... فأنت لا تقولين شيئا جديدا .. ألا تفهمين أنه يصعب علي أن ألعب دور الأب والأم على السواء؟ وإن كنت لجأت إلى المربيات فلأنني لم أجد حلا أفضل ... ومع هذا أعاني ما فيه الكفاية من استخدام مربية , فهي أما لا تتفق مع جوني وإما جوني لا يتفق معها أو أنها لا تتحملني !

أجابت ليزا نعومة :

- لماذا لا تتزوج سيد فرايزر ؟

- أتزوج من ؟ فالمرأة يجب أن تعجب جوني أولا ... وإلا ستكون حياتنا معا , سلسلة من العذاب .

وخيم شمت ثقيل بينهما , لجأ خلاله فرايزر إلى تأمل كأس المشروب الذي بين يديه بحزن بالغ وفكرت ليزا في هذه اللحظة بسارة شيزهولم ... فهي ليست الشخص الذي يناسبه , نظرا لعداوة جوني لها ... وعادت لتسأله من جديد :

- أليس الحب شرطا أساسيا لزواجك ؟

أجاب فرايزر ببرودة :

- يكفي أن احترم المرأة التي ستكون زوجتي ... وبالمقابل .. تتقبل هي غيابي المتكرر عن المنزل .

صدم جواب فرايزر ليزا , لأنها أدركت أنه يبحث عن زواج منطقي , يسعى من خلاله لتحسين وضعه العائلي , كي يتسنى له الانصراف إلى عمله باطمئنان . بالرغم من خيبة أملها , لم تتردد لتسأله بفضول .

- أفهم أنه لا مانع لديك إذن من أن تتمتع زوجنك باستقلاليتها وبحرية في التصرف ؟

فأجاب مؤكدا :

- لا مانع لدي على الإطلاق إنما هذا الذي أتمناه حقا فأنا أحترم كثيرا حريتي . ولا أعاكس حرية الأخرين , أو أحرمهم منها ... إضافة إلى ذلك ....فالمرأة الضعيفة والمستسلمة لمشيئة رجلها , لا تهمني , ولا احتملها أبدا !

- ليست كل النساء من صنف واحد !

أجابت ليزا معلقة وهي تفكر بهولي المسكينة التي اصطدمت بطبعه العنيد . انتبهت فجأة لنظراته الحادة التي تراقبها بانتباه بالغ . فكتف يديه , تاركا كأسه جانبا وأخذ ينظر إليها بإمعان . أحست بنار متقدة تشعل وجنتيها , وسمعته يقول بصوت ساخر لئيم :

- بصراحة , أنت الشخص الذي يناسبني حقا ... فأنت استقلالية بطبعك , ولست تلك المرأة المستسلمة التي لا أطيقها ... إضافة إلى علاقتك الممتازة بجوني ... لو لم تصارحيني يا آنسة ليزا , بعدم رغبتك في الزواج لكنت تقدمت وطلبت يدك في الحال , من أجل سعادة جوني .

لم تجد جوابا مناسبا بل زاد اضطرابها وشعرت كأن الدنيا انقلبت رأسها دفعة واحدة , وأخذ قلبها يخفق بسرعة , فتمالكت نفسها وقالت بصوت مرتفع :

- أفهم يا سيد لامون , أنك تتكلم عن زواج منطقي ؟

أجاب بهدوء:

- لا يخلو أي زواج , مهما كانت دوافعه , من المنطق , وأرى هذا الزواج ناجحا للغاية لأنه سيسعد جوني .

- ولماذا هذا الزواج ناجح بالنسبة إليك ؟

سألت ليزا بغضب شديد , وعينها تقدحان شررا بينما فرايزر حافظ على هدوئه , وأجاب ببساطة بالغة :

- أكون مطمئن البال !

- وأنا ؟ ألم تحسب لشعوري حسابا ؟

- في أي حال , أنت ما زلت تتمسكين باستقلاليتك , واعتقد أن القرار يعود إليك شخصيا ... أليس كذلك ؟

ووقف فرايزر مستعدا للرحيل , فأحست ليزا بشعور غريب يحتلها ويدفعها للاحتفاظ به وقتا أطول . ولزعزعة ثقته بما يعتقده حقائق ثابتة , فهرعت إليه , وانتصبت أمامه بعنفوان قائلة :

- من أجل جوني يا سيد لامون .. أنا مستعدة لأي شيء .

أجابها بحيرة بالغة :

- ماذا تقصدين يا آنسة ليزا ؟

- أريدك أن تعرف أنني مستعدة للزواج منك , إذا تقدمت وطلبت يدي .

وصمت فرايزر للحظات , ثم أنفجر ضاحكا , كأنه لم يصدق ما سمعته أذناه , وقال مبتسما بلطف :

- أنت سريعة في تبديل مواقفك .

- لست بأسرع منك . كنت أعتقد أنك تتجنب النساء اللواتي تربطهن بجوني علاقة طيبة .

- هذا صحيح ! لكنني لاحظت أنك مخلصة في دفاعك عن اتهاماتي لك .

وفجأة مال صوته إلى القسوة وأضاف بجدية :

- آنسة سميث , أتقدم وأطلب يدك بإلحاح , لأنني مضطر للسفر في القريب العاجل . ما رأيك لو نحدد موعد لزفافنا في بداية هذا الشهر ويقتصر الاحتفال على حفلة صغيرة , متواضعة وبسيطة , ويكون موعد زواجنا , في النهار الذي سأرحل فيه مساء .

ووافقت ليزا وكأنها في حلم . ورافقته حتى الباب , ووجدت نفسها في المكان نفسه الذي وقفت تودع ساندي لساعات مضت ... ورائحة زهر الياسمين تفوح بعطرها وتملأ الأرض سحرا وطراوة .

بادرها فرايزر بلهجة هازئة :

- هذا اتفاق لشراكة ثانية , تعقدينها هذا المساء نفسه , لكنني لن أتوج هذا الاتفاق كسواي .. أيمكنك أن ترسلي لي جوني غدا صباحا , قبل ذهابه إلى المدرسة ؟

- لو تمر بنا غدا وتتناول طعام الفطور سويا .

اقترحت ليزا بعفوية مطلقة , وتمنت لو أنه تصرف كساندي , وتساءلت ما سبب هذا التمني , ألم تقبل بزواج مبني على المنطق ؟ فهو يريدها لمصلحة ابنه , ولن تعد نفسها بأكثر من هذا ...

ابتسم فرايزر وهو يبتعد مودعا وقال وهو ينظر إليها للمرة الأخيرة :

- حسنا موافق . سأمر غدا لطعام الفطور .

وغاب في عتمة الليل الذي خرج منها منذ ساعات وانتشلها من غيبوبة , ليضعها أمام حلم آخر لم تكن تتوقعه . ولم يغمض لها جفن في هذه الليلة , بل أمضت الوقت تقيس غرفتها ذهابا وإيابا .. وتحاول أن تقنع نفسها بالعدول عن فكرة الاتصال بفرايزر هاتفيا لتبلغه رجوعها عن قبولها بالزواج منه , كأنها لم ترض بتسرعها على هذا النحو فهي لم تعطي لنفسها مجالا للتفكير بل تصرفت بوحي انفعالها , كأنها تتحداه . ماذا يخبئ لها هذا الزواج من مفاجآت ؟ وخيل إليها أن فرايزر لامون استعمل جوني كطعم وأوقعها في الفخ بسهولة !

ماذا سيكون موقف سارة شيزهولم منها ؟ سوف تكرهها بالتأكيد . ولن يمكنها تحمل هذه العدائية التي سببها زواجها منه . سوف يفاجئ الجميع هذا القران , بالطبع . ولن يمكنها الاهتمام بجوني , بدون أن ترتبط بفرايزر شرعيا . قررت أن تصارحه في الغد بعدولها عن الزواج . وفي اليوم التالي استفاقت ليزا باكرا , وبدأت بتحضير طعام الفطور .

كان جوني يلعب في الصالون , عندما قرع الباب , فهرع ليفتحه , وصاح فرحا لدى رؤية والده . أما ليزا فزاد ارتباكها , وحاولت السيطرة على اضطرابها . دخل إليها جوني منشرحا , وأخذ يدها بين يديه قائلا :

- ليزا صحيح ما يزعمه والدي , إنك ستكونين أما لي ؟

ونظرت ليزا إلى فرايزر , الذي لحق بجوني على مهل , وأجابت بلهجة غامضة :

- طالما أن والدك يقول ذلك .... فهو إذن صحيح .. أليس كذلك ؟

وبدأ جوني يرقص فرحا في أرجاء المطبخ وهو يصيح :

- سأخبر صديقي جيم , ومعلمتي بالمدرسة .... سأخبر الجميع , لدي أم حقيقية الآن .

ونظرت ليزا ناحية فرايزر نظرة عتب , ستعرف كل اردمونت غدا أنها ستصبح زوجة لفرايزر لامون . بادلها نظراتها الحادة بضحكة عريضة , وجوني لا يهدأ يروح ويجيء كمن أصيب بلوثة . ثم سأل والده :

- لو كانت السيدة مود على قيد الحياة , هل كان سرها نبأ زواج ليزا ؟

أجابه فرايزر ببساطة بالغة :

- بكل تأكيد , فهي كانت على وشك الزواج من جدي , فيما مضى .

وسأل ليزا فجأة :

- أين فرانك ؟

- في لندن , استلمت منه رسالة في الأمس .

- أحب أن تبلغيه خبر زواجنا , يهمني كثيرا الحصول على موافقته .

فوجئت ليزا لتصرفه التقليدي وتذكرت موقف أهل زوجته السابقة , هولي , من زواجهما , وفهمت حقيقة مشاعره في موقف كهذا . فأجابت بهدوء :

- حسنا سأفعل !

وهكذا انتهت زيارة فرايزر لها في الصباح , وخرج مع جوني , وتوجهت هي نحو مصنع أقمشة التويد , وهي تفكر بأنها لن تنسى أن ترسل برقية لوالدها , تلبية لرغبة فرايزر . وعندما وصلت إلى المصنع , همست لساندي خبر زفافها من لامون , فامتقع وجهه , وقام من مقعدة على مهل , ,تمشى إلى النافذة ببطء , وقال بصوت خافت :

- لم تخبريني بشيء مساء الأمس .

- لم أكن أعرف بعد , وصل فرايزر بعد رحيلك بلحظات .

- أما كنت تتوقعين حدوث أمر كهذا ؟ في أي حال , عليك بالتفكير مليا , قبل الإجابة , فهذا قرار خطير , يتطلب وعيا كافيا .

ولم تجد جوبا لتشرح له الظروف التي حملتها على التسرع في القرار بدون تردد , وأمام انفعال ساندي واضطرابه , لم تشعر بحاجة إلى مزيد من التفسير فاكتفت بسؤاله ببساطة :

- أما زلت عند عرضك لي , أي أترضى أن أكون شريكة لك في المصنع ؟

- لست أدري . فأنت اليوم تواجهين وضعا اجتماعيا جديدا وأخشى أن تلهيك واجباتك المنزلية عن العمل .

- لست من رأيك في هذا الموضوع . فزواجنا لم يتم , لو لم نتفق سابقا على احترام حرية تصرف كل واحد منا ... وإلا لم يرى هذا الزواج النور .

استغرب ساندي هذا التعليق وقال مشككا :

- يبدو لي أنكما تقدمان على تأسيس شركة , بدلا من تأسيس عائلة .

- سمها كما تشاء . ستكون شراكتنا شركة بين طرفين متعادلين واعتبر هذه الناحية , شرطا أساسيا للزواج .

- ولا تحسبين , للعواطف , والحب , حسابا ؟

- ألا تحب زوجتك , إلا إذا بقيت في المنزل تنتظر عودتك , وتحضر لك وجبة الطعام ؟

وأضافت , لدى رؤيتها ساندي مرتبكا :

- اعذرني يا ساندي , أنا متأسفة ! لدينا وجهات نظر مختلفة ! فأنا لا أشعر بالسعادة داخل قفص ذهبي , وهذا لا يلائم طبيعتي المستقلة .

فأجاب ساندي بجفاف :

- لا داعي للاعتذار , وأتمنى لك أياما سعيدة , وأعتقد أن جوني سيفرح بك كثيرا ... لكنني بالواقع , فوجئت بهذا النبأ لأنني اعتقدت أن فرايزر على علاقة بسارة ...

أجابته ليزا بلطف :

- ربما حان دورك الآن , لإحياء الأمل من جديد .

- ربما .

وأضاف بحزن :

- ما رأيك بهذه النماذج من القماش ؟

صحيح الحقيقة تجرح دائما , ولم تشأ ليزا أن تترك فيه أثرا عميقا .

فانكبت على عملها محاولة أن تنسى حوارها معه . وبعد ساعات , دخلت إلى الغرفة حيث تعمل أينا , وبادرتها هذه الأخيرة بصوت يفيض بحيوية :

- ما هذا التكتم يا آنسة ؟ الماء تجري من تحت أقدامنا , ونحن آخر من يعلم ! فهمت الآن سبب عداوة سارة لك . هل حددتما موعد للزفاف ؟

- في بداية شهر أيار / مايو على ما أظن .

- وبهذه السرعة ؟

- حاجة جوني إلى أم تقوى علينا !

- أيكون هذا هو الدافع الوحيد لزواجكما ؟

وأضافت بذكاء , وهي تحاول أن تستقرئ ما تخبئه ليزا :

- لا تحاولي أن تقنعيني بأن هذا الزواج يخلو من الحب , ويرتكز فقط على المنطق ؟

- ولم لا ؟

- هذا مستحيل . بل غريب ولا يخطر ببال !

وبعد برهة , أضافت أينا بغرابة :

- ساندي حزين اليوم , لم يخرج من مكتبه طوال النهار , أنا متأسفة من أجله !

- لكنني ما زلت عند رأيي .. سأكون شريكة له في المصنع .

- ليس هذا هو السبب الحقيقي لحزنه ... فهو مغرم بك ... وللمرة الثانية , يفشل على صعيد الحب...

و أغر ووقت عيناي أينا بالدموع , ولم تكمل حوارها مع ليزا !

فشعرت ليزا بضيق من جراء تسببها التلقائي بيأس ساندي واستسلامه للحزن . وعادت إلى منزلها سيرا على الأقدام وهي تعلل النفس بغد أفضل ... ما عساها تفعل لساندي كب تساعده على الخروج من محنته ؟

هل تصرفها العفوي والبسيط والمباشر والواضح معه هو الذي شجعه للمضي في إحياء الأمل حول علاقتهما ؟

وما إن هدأت أفكارها , حتى ناداها صوت تألفه , فالتفتت لترى جوني يركض نحوها , وشعره يتطاير في الهواء , وما أن أصبح على مقربة منها حتى سألها بإلحاح :

- ليزا ... ستصبحين أمي , أليس كذلك ؟

- أجل ... يا جوني .... أجل ...

- على الأقل .. لم تغيري رأيك .. حسنا !

وأضاف بحماس :

- ليزا .. لن يرتاح لي بال إلا إذا أقسمت بأنك لن تتراجعي عن قرارك .

- أعدك أنني لن أتراجع.

- هل ستأتين هذا المساء وتعدين لنا طعام العشاء ؟

- لم يحن الوقت بعد لذلك , سأهتم بهذا الأمر , عندما نقيم نهائيا معا ... هذا لا يمنع أن يتولى والدك من وقت لآخر عملية الطهي .. فهو طباخ ماهر !

- لكن والدة جيم , تهتم بتحضير الطعام بصورة مستمرة .

- جوني ! سأكون أما لك هذا صحيح . لكن هذا لا يعني أنني سأتصرف تماما كما تتصرف والدة جيم .. فأنا لدي حياتي العملية أيضا , وسأهتم بك , وبالطهي , عندما تسنح لي الفرصة بذلك .. وفي أوقات انشغالي يتولى والدك السهرعليك !

أجاب جوني بجدية :

- فهمت ما تقصدين .. المهم أن تكوني معنا في أغلب الأحيان , في أي حال أنت أجمل من والدة جيم , فهي لا تملك عينين كعينيك اللتين بلون البحيرة عند سفح الجبل , عندما تعكس الشمس أشعتها ....

سألته ليزا بدهشة كبيرة , فردد كلامه بارتباك وأضاف بحيرة :

- سمعت هذا التشبيه من أبي عندما سألته يوما عن لون عينيك .

فأجابني بلون البحيرة عند سفح الجبل عندما تعكس الشمس أشعتها الذهبية وتمتزج بلون البحيرة الأخضر , وشعرها بلون ورق الخريف ....

ليزا , ألا تحبين هذه التعابير ؟

- بالطبع .. أحبها !

ارتعدت لدى سماعها ما ردده جوني بطيبة فائقة , وأدركت مرة أخرى أن فرايزر أخفى عنها شعوره الحقيقي , بل أنه عبر عن العكس فقال لها في لقائهما الأول , إنها تشبه والدتها بشعرها الأحمر . وفي ذلك اليوم نفرت من لهجته الساخرة .

ربما هي التي اعتقدت أنه يسخر منها ! وجوني يؤكد الآن انطباعها الخاطئ .

واشتاقت فجأة له وتمنت لو يحضر الآن ليتناقشان معا في طريقة إعداد الزفاف . لكنه لم يحرك ساكنا وبقي بعيدا لمدة يومين واعتبرت ليزا أنه محق في التزامه تجنب معاشرتها . ألا يرتكز زفافهما على المنطق وعلى المصلحة المشتركة ؟

استلامها برقية من والدها سنح لها فرصة الذهاب لملاقاته وتبليغه محتواها , يقول فرانك :

- أحر التهاني . أنا مسرور للغاية . أبارك هذا الزواج بمحبة !

وتعجبت ليزا للهجة فرانك الفرحة , فهي لم تتعوده سريع التأثير , فهو من النوع الذي يكتم مشاعره في وضع كهذا ...

ألهذا الحد نال فرايزر لامون إعجابه ؟ وابتسمت وهي تسير بخطى رشيقة نحو ورشة العمل حيث يعمل فرايزر . وتذكرت الفترة التي أمضاها فرانك في اردمونت .. الطقس شتاء , ومطر غزير , الهواء يلفح بشدة عبر الجزيرة , ويحرك بقوة كل ساكن ,

كأنه لا يطيق الجمود , فتهتز الأشرعة في الحوض , ونوافذ البيوت , والورق المتطاير يجن جنونه .

وما إن وصلت ليزا إلى مقربة من الورشة حتى لاحظت انكباب الجميع على العمل باندفاع , كأنهم خلية نحل نشيطة ..ز وفتشت عن فرايزر بين الجميع الذي يعمل على المركب فبان لها بقامته الممشوقة يراقب الأعمال .

توقفت هي بدورها , تراقب بفضول كبير وبإعجاب الخطوط الهندسية , المتناسقة , التي تشكل هيكل المركب . وإلى جانب هذا المركب الذي يعملون عليه , مركب آخر , جاهز , تضيئه يافطة , كتب عليها بأحرف براقة "مادريكال " أي : "الغزلية " وهذا عنوان قصيدة غنائية . وفجأة توجه الجميع إلى المركب الجديد ,

وراحوا يعدونه للإبحار , فرافقهم فرايزر , ووقف جانبا يتأمل بدهشة كطفل ما صنعته يداه .... وأخذ المركب الجديد يهبط ببطء حتى لامس صفحة الماء , و بجلال , محدثا ارتجاجا رائعا , ما أجمل هذه اللحظة ....

فهي تختصر ولادة هذا المركب , حتى انطلاقه وكم هو سعيد الآن فرايزر أما م انجازه هذا !

لم تتمالك ليزا فرحها فاتجهت نحوه , وقالت بحماس كبير :

- أنه مدهش !

فوجئ فرايزر لدى سماعه صوتها , إذا يبدو أنه لم يسمع وقع خطاها .

- أنه يخص رونالد غو شقيق زوج السيدة شيزهولم .

أجاب فرايزر بفظاظة , فنظرت إليه ليزا وللمرة الأولى بإمعان , وراقبت لون عينيه , الذي يميل إلى لون البحر عندما تشتد زرقته , في الأيام المشمسة , فهما لا تقلان سحرا وغرابة عما يحمله البحر من أسرار دفينة !

بادلها فرايزر النظرات بالحدة نفسها . فشعرت بالخجل , وقال بصوت لعوب :

- ليزا ماذا تريدين ؟ هناك مركبان في انتظاري لأطلقهما ليس لدي وقت لأكرسه لك .

- أليس من الخطورة أن تطلقهما اليوم في هذا النهار الممطر العاصف ؟

أرادت أن تشاركه في هموم عمله بدون أن تفرض نفسها عليه وترغمه على الاهتمام بها , فأجاب فرايزر مفسرا بصبر :

- لا خيار لي , يجب أن أطلقهما اليوم لأتأكد من جودتهما .... فأنا مشغول للغاية , وتزداد الطلبات ويجب أن أنهي قسما منها قبل انتهاء الشهر . لم تجاوبيني بعد , لماذا أتيت وماذا تريدين ؟

أعطته البرقية , التي حملتها إليه , والتي كانت حافزا لمرورها به , محاولة أن تنسى فظاظته وخشونته . وأدركت أن عليها من اليوم وصاعدا , أن تعتاد طالما أنها قبلت بهذا الزواج الذي يخلو من الحب .

ولا حاجة بها أن تشعر بالألم , أو بالحرج , أو أن تطالبه بقليل من اللطف أو اللباقة , لكنها لم تطلب الكثير , كانت تكتفي , ببسمة رقيقة بعد غيابه عنها . أعاد إليها البرقية معلقا :

- هذا لطف من والدك أن يبدي رأيه بهذه السرعة , أمامنا ثلاث أسابيع لإعداد مراسم الزفاف , وأجد هذه الفترة كافية .

وأضاف بسخرية :

- هل تعرفين أحدا ما زال يعارض بعد هذا الزواج ؟

- لا أحد . لو رفض أبي , هل كنت عدلت عن هذا الزواج ؟

- وأنت , ما كنت فعلت لو رفض والدك ؟

- لم تجيبني عن سؤالي .. هذا ليس بجواب .

- لا تنتظري مني في الوقت الحاضر جوابا آخر... أيمكنك الاهتمام بعشاء جوني .... فلن أعود باكرا هذا المساء .

- وليس من واجبي أيضا أن أرافقه حتى الفراش ؟

- يكون من دواعي سروري لو فعلت .

وعاد فرايزر إلى عمله , وأخذت ليزا طريق العودة إلى البيت وهي تفكر بهذا الدور الذي فرض عليها أن تلعبه حتى النهاية .... دور المرأة المطيعة .

وهي في الواقع تسخر من هذه المواقف .... لكنها لم ترفض هذا الزواج , وكان باستطاعتها أن تفعل ... لماذا ؟

استقبلها جوني بالترحاب وارتمى بين أحضانها بفرح , وألح عليها بمرافقته حتى منزله لتناول العشاء فقبلت على مضض .

كان المنزل في حالة يرثى لها من الفوضى . كل شيء يدل على الإهمال , ولم تعرف من أين تبدأ لتعيد إلى المكان رونقه . انتبه جوني لذهولها وقال معلقا :

- الحال في الطابق العلوي أسوء بكثير من هنا !

فسألته باستغراب :

- كم مضى من الوقت على غياب الخادمة التي تهتم بالتنظيف البيت ؟

- إنها مريضة ... وأبي لا يملك الوقت الكافي للاهتمام بالمنزل .

- حسنا , أمامنا ساعتان من العمل القاسي !

وخلعت ليزا معطفها وبدأت عملية التنظيف والترتيب , وعندما أشرفت على الانتهاء حضرت العشاء لجوني , ورافقته حتى فراشه , كما فعلت في السابق عندما اشتدت العاصفة وبقيت إلى جانبه تغني له , كما تذكرت تلك

الليلة عندما عادت من النزهة وجوني يرافقها . وكم تمنت ألا تلبي دعوة ساندي لتناول الشاي وتمسك بيد جوني وتمشي بجوار فرايزر حتى منزلهما ... هاهي اليوم تفعل تماما ما تمنته فيما مضى ...

واشتد عليها التعب , وارتمت على الديوان في الصالون , لتستعيد شيئا من الراحة , قبل خلودها إلى النوم . أدركت للمرة الأولى , لماذا كانت تعرض دائما فكرة الزواج .

فهي تكره الواجبات المنزلية التي ترهق المرأة ولا تترك لها متسعا من الوقت لانصرافها إلى شؤون أخرى تصقل شخصيتها و تطورها , الحب وحده , يحررها من هذه العبودية , ويخفف عليها هذا العبء . الحب وحده ... رددت ليزا ... وغابت في نوم عميق , على غفلة منها ...

في عرض البحر , مركب ذو أشرعة بيضاء . يشق الأمواج , تحت سماء زرقاء صافية ... وهي ممدة على سطحه , تنعم بالدفء الشمس وحرارتها .

فجأة يدوي خلفها صوت فرايزر , كما عهدته , فظا , خشنا , ويملي عليها أمرا . فتلبي بصمت ثم تنهال عليها أوامره , وهي تسرع لتنفيذها , حتى يرهقها التعب . فتنظر ناحيته لتستجدي عطفا وعرفانا بالجميل , ثم تظهر لها سارة , بأناقتها , وهي تبتسم ساخرة منها , فينحني

فرايزر نحوها , ويقبلها , بينما وقفت هي ليزا , كمن حكم عليه بالإعدام ... وهو البريء ....

- فرايزر أنت هنا ؟

انتفضت ليزا مذعورة ... وهي تحاول أن تبعد عنها هذا الحلم المزعج .... وخيل إليها أنها سمعت صوت سارة ... أهي في حلم ؟ أم هو الواقع ؟ واتجهت إلى المدخل , بعد أن أعادت تصفيف شعرها وأشعلت الضوء .

هاهي سارة حقيقة تقف أمامها الآن بأناقتها المعهودة وعيناها تقدحان شررا تماما كما في الحلم . استعادت ليزا قواها وقالت بصوت طبيعي :

- السيد لامون , لم يأت بعد .... أتحبين انتظار عودته ... تفضلي .

فأجابت سارة بصوت بارد :

- هذا الذي أنوي عمله فعلا !

وأضافت وهي ما تزال تتمشى في عرض الصالون :

- لدي ما أقوله لك . كنت في زيارة ساندي , وأخرني إنك تستعدين للزواج من فرايزر لامون , على ما يبدو أن هذا الخبر أزعجه للغاية ! هل تنوين بالفعل الزواج من فرايزر ؟

- نعم .

- حسنا ! فأنا لم أخطئ إذن في حكمي عليك , فأنت كسواك من اللواتي زعمن الاهتمام بجوني , من أجل الوصول إلى والده , لكنك تصرفت بذكاء وببراعة عندما أعلنت أن هذا الزواج لا يهمك بقدر ما يهمك الاعتناء بجوني...

لدي ما أضيفه يا آنسة ليزا في هذا الخصوص . لا أعتقد أن فرايزر تقدم للزواج منك من أجل قلقه الدائم على ولده ... في أي حال فهو تصرف على هذا النحو من وحي ما نصحته به ...

فانتفضت ليزا غاضبة وسألت بجفاف :

- لم أفهم قصدك بعد من هذه الزيارة ؟

أشاحت سارة بنظرها , وأضافت :

- عندما رافقت فرايزر من غلاسكو إلى اردمونت بسيارتي أطلعته على وفاة خالتك مود , ولفتت انتباهه , لكونك الآن , المالك الوحيد لمنزل السيدة الراحلة ومن مصلحته أن يعرض عليك شراءه مع الأراضي التي تحيط به ... هل فعل ؟

فترددت ليزا وقالت :

- نعم ...

- لكنني أخبرته عن عدم مقدرتي بيع المنزل , نظرا لما أوردته خالتي في الوصية ... فخاب ظنه ...

ابتسمت سارة ولاح بريق شيطاني في عينيها وأضافت بنشوة :

- وعندئذ تقدم وطلب يدك للزواج ؟

لم تجب ليزا . بقيت برهة , تحاول أن تعيد في مخيلتها تفاصيل ما حدث ذلك المساء بينها وبين فرايزر لامون ... أهي اتي تقدمت أولا وطرحت فكرة الزواج , أم هو الذي فعل ؟ ولم تصل إلى نتيجة , نظرا لارتباكها في هذه اللحظة أمام سارة , التي شوشت عليها أفكارها , وقلبت كل شيء رأسا على عقب ... فأجابتها وكأنها في غيبوبة :

- لست أدري ... أعتقد أن الأمر سار على هذا النحو !

- .... هذا هو القصد من زيارتي لك في هذه الساعة ... لأحذرك من دوافع فرايزر الحقيقية , فهو يريد الزواج منك للحصول على أملاكك , عندئذ , لن يمنعه أحد من التوسع والبناء ....

خرجت هذه العبارات من فم سارة , كأنها ألسنة من نار تحرق بدون رحمة !

*********************

مع تمنياتي بالتمتع 8--العد العكسى...

لم تمضى ساعة من الوقت حتى عادت ليزا أدراجها إلى منزلها الريفي الكئيب فهي وحدها منذ وفاته خالتها وتزداد عليها وحشة هذا البيت عندما تضطرب وتتألم ..بعد زيارة سارة لها في منزل فريزر لامون استسلمت

للبكاء وانزوت في المطبخ خائرة القوى كأنها طفله أضاعت والديها.

ولأول مره شعرت بيأس كبير يحتلها هي التي لم تمر بحزن كهذا منذ سنوات طويلة.لماذا هذا البكاء ؟؟؟؟

ألهذه الدرجة اثر فيها كلام سارة؟؟فأبت إن تترك نواها تخونها وقامت تحضر إبريقا من الشاي علها تستعيد القليل من عافيتها

انها حقا تواجه مصيرا مجهولا لربما سارة على حق فيما حملته إليها.. فرايزر لامون يود الزواج منها من اجل الحصول على أملاكها .وشكرت الله لتمكنها من السيطرة على أعصابها إمام سارة ولم تنفجر في البكاء إلا لدى وصولها إلى منزلها..

فكيف استطاعت أن تجيب سارة بهدوء كأنها لم تطن كرامتها في الصميم.؟؟؟وتعود إليها هذه اللحظة بألم:

--- ما تقولينه يا انسه سارة ليس بجديد أو بمجهول على فانا متا كده تماما من الدوافع التي سببت هذا الزواج

واعتقد أن هذا الأمر يعنيني شخصيا إنا وفرايزر ولا يعنى أحدكما لا أنت ولا ساندي.

وأضافت بشطاره عندما أصيبت سارة بذهول لدى سماعها جوابها :

----إذا كنت ترغبين بالبقاء وانتظار فريزر كي يعود فأرجوك افعلي إما إنا فيجب أن أعود إلى منزلي ولا استطيع بسب بجوني ولكن لو تبقين معه لوافقني الوضع .فرايزر لن يتأخر فى العودة بلغيه من فضلك أن عشاءه جاهز في الفرن...!!!!!

وهرعت إلى منزلها ملجأها الوحيد وهى تحمل في عينيها الدموع وفى قلبها الرضي على مواجهتها النبيلة مع سارة .

لكن وحدها تعرف مدى الالم الذي سببته هذه المواجه فهي من جديد تشك في فريزر .

الم تعقد معه هدنة سلام؟؟؟وكيف تسق به هو الذي صرح لها في السابق انه مستعد لاى شيء من اجل الحصول على مايهدف إليه ربما ستضطر إلى مصارحته بحقيقة مشاعرها وتطلب منه توضيحا وفجاه تدفقت المياه من الغلاية فقامت لتحضر الشاي وفكرت بسارة التي تركتها في منزل فرايزر وتمنت أن تكون بقيت إلى

جانب جونى فرايزر لا يجب أن يترك ابنه وحيدا وعادت الدموع يغطى وجهها فسكبت لنفسها كوبا من الشاي ى

شرابها المفضل في حالات اضطرابها وحزنها

--- ليـــــــزا ......

دوى صوت فريزر خلفها وتعرفت إلى لهجته الحاسمة فها هو واقف في المدخل في هذا الوقت وسألته

بسذاجة:

---- كيـــــف دخلـــــــت ؟

----من البـــاب ... بالطـــبع حـسب العــــــــادة فعندما لم يفتح لي احد اضطررت الدخول بمفردي ...هل تعمدت عدم استقبالي ؟؟

----لا لـــــــــــم اقصـد لـم اسـمع جــترس البـاب

وخيل إليه انها طفله في لحظة محاكمه على ذنب اقترفته ... فحاولت إن تختبىء وجهها لئلا يرى اثر الدموع ..

هرعت إلى الداخل ولجأت إلى الخزانة تجلب منها كوب شاي وهى تسأله :

--- أتحب أن تشاركني الشاي ؟؟

----بكل سرور

رافقها حتى المطبخ فهدا بعض اضطرابها لدى اتخاذه مقعدا انه لها الآن تستطيع أن تراه وتبوح له بما يؤلمها بقدر ما تشاء

وسمعته يقول بلطف غير معهود:

----جئـت أشكــرك لأنك ارتبت البيت ونطفتيه لقد أهملته بالفعل لوقتا طويلا............................

----كـــان بإمكانك أن تخبرني أن الخادمة مريضه لكنت خففت قليلا من الفوضى وتجنبت مشقة العمل المتراكم

---لم اقصد يوما أن اطلب منك القيام بهذه الأعمـــال...في اى حال ..نحن لم نتزوج بعد؟؟؟

---هل افـــهم من كلامـــــــــك انه على فيمــا بعد زفافنــا القيــام باعمال كهذه؟؟؟؟؟

ابتسم فرايزر بهدوء وبدا عليه الاهتمام بما يجرى بينهما من حديث واخذ يتأملها بينما هي استعادت قليل من عافيتها وبدأت تعود إليها اللذة في العيش ...وسمعته يقول وهو يحدق في عينيها:

-لن أتدخل في شئونك المنزلية ...

وأضاف بجديه:

--ماذا أخبرتك سارة؟؟؟

--حسنا يبدو انها انتظرت عودتك ولم تترك جونى وحيدا...فعلت كما طلبت منها

وأضافت :

أ---تركت جونى وحيدا؟؟؟؟

----لاباس ,لن يتعرض لسوء أثناء غيابي عنه جئت لأفهم منك عما قالته سارة .

---يبدو انك متاثره مما سمعته منها فاثأر الدموع بادية عل وجهك.

----أبكــــــــــــى ؟؟هذا ليـــس صحيحا...!!

--وكيف تفســرين احـــمرارا عينيك؟؟

--أنا لا ابــكـى ابـــدا ...ولــيس هناك احمرار في عيني...!

وقامت الى المرأه ووجهها حزين عادت إلى إبريق الشاي تسكب لنفسها المزيد من شرابها المفضل

فلاحظ فرايزر اضطرابها وقال بلطف:

---انسه ليزا ...انتى تسكبين لنفسك ماء ساخن لقد نسيت أن تضعي أكياس الشاي في الإبريق...

تفضلي واجلسي سأهتم إنا بالباقي

تركت نفسها تنهار على مقعدها وهى تخبئ وجهها بيديها بينما قام فرايزر من مكانه ليحضر الشاي وخاطبها قائلا:

---أحب تناول الشاي بعد نقعه فتره صغيره سيكون جاهزا بعد حين....احفظى هذا الشيء للأيام الاتيه

---لن يكون هناك أيام أتيه

ورفعت بصرها تنظر إليه بيأس وهو كعادته يحمل وجهه شيئا من التعب الممزوج بالفكاهة وحب التنكيد وقال مداعبا:

---أرى أن سارة قالت لك مافبه الكفايه:

--نعم

---ستطلعينى على ما قالته ... أم سترغمينني على اللجوء إلى العنف ........

ارتعدت أمام لهجته القاسية . لم يمسها حتى الآن ولن تدعه يفعل ..فهي لاستطيع أن تتصور لو يمسها حتى الآن

ولن تدعه يفعل فهي لاستطيع أن تتصور لو فعل كيف سيكون رد فعلها

أجابت على الفور:

----قالت لي انك تريد الزواج منى من اجل الحصول على املاكى ..هل هذا صحيح؟؟؟

وأجاب بهدوء وببساطه :

---صحيح بعض الشيء لا أنكر أن هذا الاحتمال راودني هل من فارق ؟

----بالطبع وبكل تأكيد فأنت تستغلني حتى النهاية يا سيد فريزر ولا تبوح أبدا بحقيقة دوافعك أنا لااحب أن يخدعني أحد

----دوافعي كثيرة ,يا انسه ليزا....وأنت لا تعرفين الا القليل منها ...انتقيت السبب الذي بلائمك وهو ضرورة حضورك إلى جانب جونى

حافظ فرايزر على هدوئه بينما اشتعلت ليزا غضبا كبركان يهىء انفجارا

فاهتم هو بسكب الشاي مع الحليب بدقه ومهارة, أخذت تراقب حركة يديه وهى تسال نفسها هل تستطيع يديه القويتان تطويع قلبها الموحش.....؟؟؟؟

سألها بأدب :

---هل لديك كعكا ؟؟عشائي كان لذيذا للغاية لكنى ما زلت اشعر بالجوع

جلبت له بعض الكعك وعادت لتسكب الشاي وتستمع إليه

--إذن سارة أتت لمضايقتك ؟؟يبدو أن شيئا ما اثأر سخطها

---خبر زواجنا ...فهي مرت بساندي الذي يبدو حانقا أيضا

---كانت تساورني شكوك حول اهتمام ساندي بك....وهذا من احد دوافعي التي اضطرتني إلى طلب يدك بهذه السرعة.

أضافت ليزا بتأنيب :

---ولا تنسى وفاة خالتى ايضا

---هذا صحيح ,أما زلت تعتقدين اننى أريد الزواج منك طمعا في أملاكك

----لا لم اعتقد هذا أبدا فانا اعلم ان زواجنا لن يغير شيئا من البنود التى تنصصها الوصية ...وليس بإمكانك ارغامى على البناء في الاراضى التي املكها .

ابـــتسم فرايزر بهدوء وهو يسكب مزيدا من الشاى :

---هذا عين الصواب .وهذه هي الحقيقة بأكملها .طالما انك تعرفين هذا الأمر ما سبب حزنك وبكائك إذن؟؟؟

اضطربت ليزا بــــشده ..في الواقع سبب حزنــها وبكاءها يكمن في موضــع أخر ..ولم تجد منفذا للتهرب من الجواب

فقالت بخجل :

---لا أحب إن يغشني احد ..!!

---حقا؟؟

---هذه الناحية تهمنى كثيرا.

أجابت ليزا بإلحاح ,وهى تعلم انها ليست مقتنعة تماما بان فريزر يغشها... فسألها بلهجة مشككة :

---إذن ؟؟ ستعدلين عن الزواج لانى لم أبح لك بحقيقة مشاعري؟؟

أجابته بصوت مرتجف :

---نعم فانا لم اعد اقوي على الاحتمال

--- ستنخلين عن جونى لمجرد إصغائك لأكاذيب أمراه غيورة

انتفضت ليزا غاضبه وقالت بانفعال شديد وهى تضع كوب الشاي جانبا :

----أنت رجل شيطاني يا سيد لامون حسنا لن أتخلى عن جونى إرضاء لسارة

----يسعدني كثيرا قرارك هذا..انقذتنى من وضع حرج كان سيضعني أمام جونى مطالبا بتوضيح ما طرا على

قرارنا بالزواج إذن بوسعنا أن نكمل ما اتفقنا عليه ؟؟؟؟

وتمتمت ليزا وهى تشيح بنظرها عنه:

---كما اتفقنا .

وأضاف :هل تعرفين أن سارة غضبت عندما علمت إن ساندي مغرم بك

---هو يظن نفسه كذلك

---هذا لا يكفى لإقناع سارة بالعكس هذا سبب في استعجالي في طلب الزواج منك معتقدا بهذه ألطريقه فسح المجال إمام ساندي وسارة ليلتقيا من جديد....لكن سارة تعتقد أن الوقت محي آثار الماضي والذي مضى مضى ..

وهذا ما آثار سخطها

---غريب أمرنا كلانا تصرف انطلاقا من الدوافع نفسها فانا أيضا وافقت على الزواج من اجل أن يجتمع شمل سارة وساندي من جديد

وتوقفت ليزا فجاه عن الكلام مكتشفه انها هي أيضا تملك أسبابها الشخصية للقبول بالزواج فعلق فرايزر مبتسما :

----إذن نحن متفقان...يجب أن أتركك الآن سامر بك غد لنذهب معا إلى مجلس البلدية في كيل بريد.

ودار فرايزر حول الطاولة وانحنى ناحيتها على غفلة فارتعدت من الدهشة وسمعته يتمتم :

---أظن انه حان الوقت لتتوج شراكتنا

استدارت ليزا مكانها راجيه من السماء الا يقدم على الخطوة التي تمنتها ألليله الماضية لأنه ا ن فعل سوف يكتشف حقيقة المشاعر التي بداخلها والتي تحاول منذ زمن أن تدفنها عميقا ...

فقالت له راجيه :

----فريزر أرجوك لا تدعني أكرهك .

وكأنه لم يسمع رجاؤها فاقترب منها وأرغمها أن ترفع راسهاوتنظر إليه وقال مبتسما:

----أنا مستعد لتحمل عواقب عملى الجريء...!!!

ولم تشعر بالزمن من حولها وكان كل شيء استحال زبدا وغيما أو حلما في اليقظة ,وعندما استفاقت من غيبوبتها

سمعت صوته في المدخل وهو يقفل الباب من خلفه قائلا بصوت منسجم:

----تصبحين على خير ليزا أتمنى لك أحلاما سعيدة والى اللقاء في الغد؟؟

وبدأ العد العكسي بالنسبة لليزا فأمضت ليله هادئة ونامت نوما عميقا لم تنمه منذ زمن طويل.....

في اليوم التالي عندما وصل فرايزر في الصباح استقبلته بوجه بشوش ورافقته إلى مدرسة جونى ثم توجها إلى مجلس البلدية حيث سيتم إعلان خطوبتهما .!!!مضى كل شىء بسرعة لدى خروجهما من مجلس البلدية التقى فرايزر بأحد الأصدقاء فدعاهما لمرافقتهما في السيارة حتى اردمونت مما زاد في الطينة بله فلم يتسنى لهم الاختلاء للحظه واحده بعد إتمام معاملات الخطوبة

وأقلعت بهم السيارة لتقف أمام مصنع الاقمشه حيث ترجلت ليزا بدا لها هذا النهار لم يكن مختلفا عن سواه

بالنسبة لفرا يزر فهو مشغول عنها بأمور كثيرة ولا يدرك حقيقة مشاعرها .

وها هي تعود إلى عملها كسائر أيام الأسبوع

لم يكن الجو في المصنع مريحا نظرا لمزاج ساندي المعكر ،فلم يخرج من مكتبه طيلة ساعات العمل بينما حافظت أينا على صمتها خلافا للعادة كأنها تلوم ليزا باطنيا على زواجها من فرايزر ولسببها في حزن ساندي

هل اقترفت ذنبا لا يغفر ؟؟؟؟!!لما هذا الجو المشحون من حولها ؟؟!!!

وحده والدها عبر عن سروره بينما أينا حملتها هموم الدنيا لإقدامها على هذه الخطوة وساندي لم يفرح عندما أزفت إليه الخبر، وسارة تكرهها حتى الموت !!!

الكل يبدو منزعجا من هذا الزواج لأنه نتيجة مصالح مشتركه بينها وبين فرايزر......

لو كان العكس هو الذي جرى اى انها وفريزار عبرا عن حبهما وتنزها حول الجزيرة ،يدا بيد ،لكان الجميع ممنونا مرتاحا ولكانت التهاني انهالت عليهم من كل صوب

غريب أمر الناس فهي لا تستطيع إلا أن تأخذ هذه المواقف بعين الاعتبار.كيف تتجاهلها وكل فرد في اردمونت يشكل أسره صغيره وهى بحاجه لكل واحد منهم

بالرغم من الذي جرى لا تنكر حزنها الكبير العميق على ساندي لأنه يعانى من فشله في الحب وهى تأسف لإنهاء علاقته بسارة على هذا النحو؟؟؟؟؟................

وبينما تعود أدراجها إلى منزلها فكرت بطريقه تعيد بها الثقة إلى ساندي وقررت من اجل ذلك الاتصال بسارة

تلقت السيدة شيرهولم والدة سارة الاتصال الهاتفي ودعتها إلى تناول العشاء ، فهي بحاجه إليها كي تصمم لها موديلا لثوب تنوى المباشرة في خياطته فرحت ليزا لهذه المناسبة وشكرت السيدة شيزهولم وتوجهت

على الفور إلى منزل سارة في كريدرن هول

انها المرة الثانية التي تقود فيها سيارتها باتجاه كريدون هول ، وتذكرت المرة الأولى وعندما تعطلت فجاه

واضطربت لركب سيارة فرايزر .

كان الطقس حينذاك غائما وممطرا ، ولم يكن بوسعها مراقبة الجبال والهضاب والوديان التي تلف كويدون هول أوقفت سيارتها جانبا وترجلت منها فالطقسٍ اليوم مشمس والرؤية حسنه وجلست إلى حافة الطريق تمعن النظر في الألوان الرييعيه التي تتهادى عند سفح الجبل .

لاح لها في البعيد فلاح يعمل في الحقل باله كهربائية ويقلب الأرض وكأنه لوحه زيتيه يطبق روعة الألوان البهية التي تعكسها البحيرة عند أسفل الجبل.وأدركت ليزا حاجتها ألماسه إلى هدوء إلى هدوء الطبيعة وجمالها في نهار مشمس كهذا وشعرت بلذة المشاركة في عودة الحياة مع قدوم فصل الربيع .

ثم عادت إليها اللحظة التي انحنى فيها فريزر غليها وعانقها بسرعة وهو يهم بالخروج من منزلها في ذلك النهار

ولم تأخذ الأمر بجديه فقد بدا انه يقلد ساندي بشيء من السخرية وخاب ظنها مره أخرى

هل كانت تحلم بعناق يحمل العطف والحنان والتقدير ؟؟؟!!أين هذه المشاعر من قلب فريزر ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وأكملت طريقها إلى كزيدون هول فمن المستحسن أن لا تستعيد هذه الذكرى خير لها الآن الاستسلام للواقع ...!!!

استقبلتها السيدة شيرهولم بلطفها المعهود،وطافت بها في أرجاء البيت الريفي الذي لم يتسنى لها زيارته في المرة الأولى،وطوال زيارة سارة لكريدون هول لم تظهر سارة بل بقيت في غرفتها لا شك انها ماتزال تضمر لها مشاعر سلبيه!

وعندما قررت ليزا العودة ،والسيدة ماغى والدة سارة ترافقها حتى الباب أقفلت سارة الباب الخلفي وهى ترتدي ثوبا رائعا منى القماش الجيد الصنع وتحمل بيدها شراب الليمون المعصور ،فبادرت بالقول فجاه .وبصوت حزين وهى تنظر إلى ليزا نظره عدائيه:.

----ماذا تفعلين في منزلي انسه سميث ؟؟

أسرعت السيدة ماغى شيرهولم بالاجابه محاولة التخفيف من توتر الجو الذي احدثته سارة بقدومها وقالت بلطف وهى تعد مشروبا ..

---جاءت ليزا لتزورنا واغتنمت فرصة غيابك لأصرف معها بعض الوقت ..يا انسه ليزا نخب زواجك من السيد فرا يزر تفضلي !!تقبلي منى أحر التهاني .!

وشربت السيدة ماغى نخب العروسين وأكملت وهى تنظر تارة إلى سارة التي جلست بلا مبالاة على المقعد ووطررا إلى ليزا التي مازالت واقفة في حيره من أمرها ...:

---سنتناول الغذاء في الشرفة على أن اذهب فيما بعدف انا مرتبطة بموعد مع احد المرضى في المستشفى

ومضى الوقت أثناء تناول طعام الغذاء والسيدة شيرهولم تطلع ليزا على نشاطاتها في اردمونت وعلى الإعمال

الخيرية التي تقوم بها فيها باستمرار ،إلى جانب اهتماماتها بمنزلها الريفي .

ولم تظهر سارة عن عداواتها الحقيقية والفعلية لليزا الاعند غياب والدتها فقالت في شراسة وهى تحدق في عيني

ليزا كنمر برى ......:

----إذا كان القصد من زيارتك يا انسه ليزا هو طلبك من لأعمل عارضه أزياء للنماذج التي تصممينها فأنت تضيعين وقتك ،لا أريد بعد اليوم أن اشترك في عمل يكون فيه فرا زير وأنت ولا حتى ساندي لويس

---لم أتى إلى هنا بهذا الصدد.

وأدركت ليزا أن سارة تتصرف كابنة عشر سنوات مدللـــــــــــــه وحل صمت طويل بينهما قطعه ليزا بهدوء

---أراك تعاملين ساندي بقسوة وأنت تخطئين في تصرفك هذا ، فهو لم يقصد يوما إيذاءك بالرغم من انفصالكما منذ سنوات إما فيما يتعلق بى شخصيا فأحب أن أوضح لك أنى لم اسع يوما إلى التقرب منه كي يحبني وبعكس ماتعتقدين ساندي ليس مغرما بى

----كيف تجرؤ ين على هذا القول ؟؟فهو لا يكف عن الرديدد بأنك خيبت أماله بزواجك من فرايزر .

----لا ليس هذا الذي خيب أماله السبب الحقيقي هو أسفه البالغ لانهيار الصورة التي كونها عن شخصي

.فكان باعتقاده اننى سأكون الزوجة المثالية التي ستقف إلى جانبه تدفعه إلى الإمام تقرر عوضا عنه في شتى الأمور.....

وفى الوقت نفسه انه بحاجه إلى شريكة حياه تقليديه تقوم بدور المرأة المربية.... التي تسهر على راحته وسلامته ساندي يعيش في تناقض مستمر وهذا أمر لا شك فيه!!!

وفجاه تغيرت ملامح سارة من أمراه شرسه مفترسه تواجه عدوا لدودا إلى طفله ساذجة فضوليه وكان ليزا ألقت إليها موعظة،وهدأت من توترها فقالت سارة باستغراب ؟؟:

----لقد أصبت الهدف تماما ! هذا التناقض بالذات الذي يعيشه ساندي جذبني نحوه بقوه ،لكنني عندما لاحظت عدم اكتراثه بى حقدت عليه وقررت مغازلة فرايزر لإثارة غيرته ،وهذا لا يعنى اننى لست معجبة بفرايزر أيضا ....لكن ما النتيجة لقد خسرت الاثنين معا ؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!

---بالطبع فأنت لا تتحملين إهمال رجل لك أليس كذلك ؟؟؟

---نعم .

وقفزت سارة من مكانها وكأنها شعرت بالحياة تجرى في عروقها وأخذت تروح وتجيء في الغرفة بعصبيه وهى تحدث نفسها بصوت عالي :

---أظن اننى أتصرف بحماقة منذ سنوات طويلة ، أية حمقاء أنا ؟؟

لماذا لا أتقيد بنصائح ببار الذي يردد على مسامعي باستمرار انه على أن أحسن تصرفي....فهو يعرفني حق المعرفة !وكان دائما على حق فيما يقوله نحن نعمل سويا منذ زمن ويكفى أن يمضى الساعات في التقاط الصور لي .

وأخذت سارة تخبر ليزا عن علاقتها بالمصور وكيف يرعاها ويصون مصالحها ويسهر عليها .وختمت حديثها

بضحكه عاليه وهى تقول :

----لو عرفت امى بشأنه لجن جنونها ؟!!!!!!!!!!!!!!

----يبدو أن إتمام بيار بك لا يضايقك ،فأنت تفضلين تصرفه هذا على موقف أخر لامبال .

فأجابت سارة وهى ترفع حاجبيها موافقة :

----اجل !افضل تصرفه هذا على تصرف فريزر االلامبالى واسالك أنت كيف تستطيعين احتمال طبع فرايزر هذا؟

---حان وقت عودتي

أرادت ليزا إن تختم حوارها مع سارة بدون ن تدخل في التفاصيل ،انها لا تريد أن تشرح لها ارتياحها لنوع العلاقة التي تربطها بفرازير والتي تفضلها كثيرا عن علاقتها بساندي لأنها تشعر بنفسها على قدم المساواة

مع فرايزر بينما مع ساندي فالوضع مختلف تماما

فأجابت سارة باندفاع :

----بهذه السرعة أليس الوقت باكرا ؟؟؟نحن بدأنا الآن حقا في التفاهم هذه أول مره اشعر بحضور صديقه بجانبي ....ولم يكن لي اصدقاء طيلة عمري ...اطلب منك المعز ره يا ليزا أنى كلمتك في السابق بشكل عدائي ،

فلم اعد أطيق مشاهدة كل من فرايزر وساندي ،فهما يلاحقانك بدون أيه اشاره منك،بينما أنا اعمل ما في وسعى للفت انتباههما ،أردت الانتقام من بشكل **** ومسكين ...هذا لا يمنعني الآن من اعرض عليك من جديد موافقتي على العمل معك كعارضة أزياء

----حسنا بشرط واحد فقط أن يكون بيار وليت هو المصور لأنه على ما يبدو ينجح في التقاط أفضل ما تعطينه نتيجة قسوته عليك.وابتسمت سارة لتعليق

ليزا وأضافت بطراوة:

---أنت تصيبين دائما الهدف بنعومة ،حسنا اتفقنا...وشكرا على زيارتك. .

وهكذا انتهت على خير زيارتها لسارة وأرادت الآن أن تعمل ما في وسعها ان تحل مشكلة ساندي الذي يعانى آلاما بالغة لفرط حزنه وأسفه وخافت ليزا أن تؤدى به إلى حاله من اليأس فقررت التدخل فورا وخاصة أن جو العمل في المصنع أصبح لا يطاق

اغتنمت مره فرصة تدخله في عملها بطريقه أزعجتها للغاية لفرط تمسكه بقانون الآداب فانفجرت في وجهه قائلة :

---إذا كنت تنوى مثابرة العمل على هذا النحو....فانا سأستقيل حتما ! اسمعني جيدا يا ساندي أنت تخنقني بملاحظاتك الدقيقة وتخنق بالتالي مقدرتي على العطاء ليس بوسعي أن احتمل المزيد بعد اليوم

----كيف ستفعلين هذا وتزداد علينا الطلبات يوما بعد يوم ؟

----لن أتوقف عن العمل معك ، ولكنى أفضل ألا أكون شريكه لك ..

أريد أن استعيد حريتي في العمل فلو بقيت على هذا النحو سأختنق لا محال .لا يمكنني أن ارسم وأنت تقف بجانبي

نظرا إليها ساندي نظره طويلة كأنه اكتشف أمرا للوهلة الأولى وقال بهدوء مفكرا

حسنا كما تشائين فانا مخطئ لاعتقادي انه بوسعي التقرب منك ..واسأل نفسى الان كيف سيفعل فرازيرمعك؟؟؟؟؟؟

----لا تقلق نفسك بشان فرايزر ، فهو خبير بما فيه الكفاية لكن ليس هذا هو الموضوع الذي أود بحثه معك فالذي اربد أن أقوله لكلا يتعلق أبى وبفرايزر أبدا إنما يتعلق بك شخصيا وارغب في مصارحتك الآن وعلى الفور ..

لاحظت انك بدلا من اهتمامك بشخص قريب منك جد يعمل معك وهو في غاية اللطف والرقة وأنا متا كده من إخلاصه واندفاعه فأنت تضيع الوقت سدى في التحسر على مستقبلك ،بينما الشخص الذي أنا في صدد الاشاره إليه

لو أعطيت له الفرصة لا ظهر على مقدرته في مشاطرتك هموم المصنع وإدارته لكونه يملك الخصائص الازمه من حس التدبير إلى روح معطاءة حنونة ،تصلح زوجه وشريكه حياه وعمل على السواء لكن وضعها الحالي لا يسمح لها بالتعبير عن مشاعرها ،فهي تعتبرك صعب المنال كونك رئيسها أرجوك يا ساندي فكر قليلا بما أطلعك عليه ولا تهد هذا الحب بسبب باسك وفشلك ،كما أرجوك أيضا أن تنتظر إلى بمنظار الواقع ، وان تراني على حقيقتي فانا لست الشخص الذي يناسبك وأسفه لخيبة الأمل التي سببتها لك اننى مجرد إنسان له حسناته وسيئاته

ولست بشخص كامل الأوصاف ولا عبده رهن الاشاره تحت الطلب.

وبينما كانت ليزا تعبر عما شغل فكرها وقلبها لمدة طويلة ،كانسا ندى يمر بلحظات صعبه جدا وتتبدل قسمات وجهه ،وتعابيرهكذا تعرض دفعه واحده التيار كهربائي فتح أمامه منفذ جديدا .

وقررت ليزا عدم التراجع هذه المرة بخاصة عندما لاحظت أن سحنة الحزن التى كانت تلازمه باستمرار بدأت تخف تدريجيا ،وأجابها مبتسما بهدوء بالغ :

----لاتاسفى ياليزا على شيء ! فانا مجرد إنسان أيضا له لحظات ضعف كما له لحظات قوه ،وأدرك تماما نواقصي واخطائى ، لكن الذي حصل هو اننى لم اعرف مجابهة عودة سارة إلى اردمونت ، واخافنى هذا

الأمر كثيرا فلجأت إلى لقرب شخص إلى وكنت أنت البديل ....كان على أن إن أعطى نفسي مهله قبل

الاحتماء بك..

أما بخصوص اينا ،فهل تعتقدين انك على صواب بشأنها ؟

فابتسمت ليزا وقالت وهى تودعه :

---أرجوك ياساندى لا تكن خجولا إلى هذا الحد .يمكنك التأكد من اقوالى ،والخجل بعد اليوم لن ينفعك وبشيء

وليس هناك أساليب كثيرة للتحقق من صحة رايى .!!

وخرجت ليزا من مصنع ساندي وهى تشعر بسعادة فائقة لقد أعادت أواصر الصداقة بينها وبين ساندي وسارة ،كما أشـــارت لكــل منهما عن الشخص المناسب الذي ينــاسبه كشريك للحيــاة الزوجية وفــــى العمل .

ولعبت دورا مهما في حياة كل منهما كالســـاحرة الـتــــي غــيرت التـــي تغير المواقف وتقلب الأوضاع رأسـا على عقب!

9- البحر الغادر

[color="Purple"]اشرف شهر نيسان (ابريل) على الانتهاء كحلم في ليلة صيف. مضى وهو يحمل معه شمسه الناعمه,وامطاره النديه. كل شئ يتبدل مع شهر ايار(مايو). وتنعم الطبيعه بأشجار مثمره وازهار ملونه يزيدها زقزقة العصافير جمال ورقه.

ومع قدوم شهر ايار(مايو) تكثر الحركة في جزيرة اردمونت. وحدها ليزا تدرك اليوم ما اهمية هذه الحركة فمنذ اعلانها خطوبتها على فرايزر لامون وهي تعد الايام والساعات التي تفصلها عن موعد اعلان زفافها.

ومع عودة الحركة الى الجزيره عادت السفن الى الاحواض وعاد هواة الملاحة والابحار الى ممارسة هوايتهم وعاد فرايزرالى انكبابه الدائم على العمل ليلا نهارا ليلبي حاجات الوافدين عليه. كل هذه البشائر تشير بقدوم فصل الصيف ومضى فصل الشتاء مع امطاره الغزيره وعواصفه الشديده.

بالرغم من هذه الحركه,ليزا مازالت تشعر بالوحده نظرا لانشغال فرايزر عنها وهي لا تراه الا قليلا في المساء وتتولى امر الاعتناء بجوني بينما يقضي فرايزر وقته في الورشه ويعود في المساء منهك القوى وتعود كل ليله الى منزل خالتها حزينه تسهر على اتمام ثوب زفافها الذي صممته بنفسها.

لكن لماذا هذا السؤال اليوم ؟ الم تقبل بهذا الزواج حتى لو بدا لها فرايزر بعيدا وغير مهتم. اليس لديها ما يشغلها هي ايضا؟ خاصة وان الطلبات تزداد عليها وكلها تتطلب منها جهدا. لكنها بالرغم من ادراكها لهذا الوضع وتفهمها لمسبباته كانت تفضل لو تجمعها الظروف بفرايزرذات مساء ويتناولان معا طعام العشاء فهو لم يوجه اليها مرة واحده كلمة شكر كما انه لم يحاول حجزها للدردشه بعد نهار انهك قواهما في العمل....

كل شيئ جاهز لحفل الزفاف ستقف لها اينا اشبينه بينما يقف ساندي اشبينا لفرايزر ومع هذا يبدو لها الامر غريبا كأنها تسير نحو المجهول ولا تعرف حتى من هو هذا الرجل الذي سيكون زوجا لها لفرط بعده عنها فيخيل اليها احيانا انه ربما نسي موعد زفافهما فتحاول ابعاد هذه الصورة القاتمه التي تزيدها لوعة وحزنا وتنصرف الى اهتماماتها اليوميه علها تخفف من وطأه هذا البعد الجاف.

خرجت تتمشى نحو الحوض عشية زفافها بينما كان فرايزر يشرف على انزال مركب هاري شبزهولم في الماء. لقد سنحت لها الفرصة في السابق حضور مشهد كهذا وككل المراكب التي ينجزها فرايزر بدا مركب هاري بهي الطلعة انيق المظهر ولم تمر الا ثواني حتى انزلق على السكة المعدة خصيصا له وطفا على وجه الماء راشا من حوله سيلا من الزبد. كانت فرحة فرايزر عظيمة فاستدار اليها قائلا بزهو:" واخيرا سيمكننا ان نتزوج! انه المركب الذي شغلني عنك" انزعجت ليزا لهذا التعليق الذي احدث بلبله بين العمال وابتعدت بهدوء نحو الطريق العام فلحق بها فرايزر مسرعا وصاح مداعبا:"انسيت اننا سنتزوج في وقت قريب؟"

" لا لم انسى لكني اعتقدت انك ربما...انت الذي...."

قاطعها فرايزر بلهجة هادئة وجديه:" لقد ساورتك بعض الشكوك؟ وانتابك القلق؟"

" لا! ليس بالفعل لكني افكر بجوني فهو لم يرك منذو اسابيع, لو تمضي هذا المساء برفقته لاسعده قدومك الى المنزل باكرا"

" هذا ما انوي فعله"

" في اي ساعة نلتقي غدا؟"

" في العاشرة في مركز البلديه فأنا مرتبط بموعد في الساعة الحادية عشرة والنصف ,علي ان اقود مركبا الى ايرلندا لو تحضرين برفقة ايتا وانا آتي برفقة ساندي".

وافترقا كل في طريقه كأن شيئ لم يكن وكادت الدموع تنفر من عينيها لشدة حزنها لم تشهد يوما زواجا موضوعيا كهذا مجرد من الاحاسيس.

في اليوم التالي استفاقت ليزا على زقزقة العصافير الطقس جميل والشمس في السماء تصطع, انه موعد اعلان زفافها على فريزر لامون. قامت من فراشها وبحركة اليه ارتدت ثوبها الازرق الذي اعدته لهذه المناسبه ووقفت امام المرآه تنظر الى نفسها فبدت لها صورتها انيقة وخاصة جدا. لم يبقى لها سوى الطرحة وقفزها الابيض الذي ينسجم مع لون حقيبة يدها وبينما هي تنهي زينتها انتبهت الى انها تفتقد الى باقة زهر واجهشت بالبكاء كيف ستواجه زواجا كهذا ولم يفكر بها احد في هذا اليوم بالذات حاملا باقة زهر.

وصلت اينا باكرا ورافقتها حتى مركز البلدية بالسياره كان فرايزر بنتظارهما برفقة ساندي وبدا لها انيقا في لباسه الرسمي ولفرط دهشتها ناولها فجأه باقة صغيرة من زهر البنفسج فلم تجرؤ على مواجهته واكتفت قائلة بصوت خافت: "من اين اتيت به؟"

"من حديقتي, لم يكن لدي الوقت الكافي لابتاع باقة تليق بهذه المناسبة فحاولت ان اعوض بأي طريقة فقمت باكرا وقطفتها من تحت السياج لم يأت موعدها بعد لذا هي طرية ناعمة.

شكرته بلطف وشكلتها بثوبها..... ثم توجه الجميع الى الصالة التي ستجري بها مراسم الزفاف. ولم تمضي ساعة حتى كانوا في اردمونت. ترجل ساندي واينا امام المصنع. هي وفرايزر اتجها ناحية الحوض, حيث ينتظر المركب عودة فرايزر. لا شيئ يربطها بهذا الرجل الذي بجانبها الان سوى خاتم في اصبعه وباقة بنفسج قدمها اليها منذ لحظات.

" انا مرتاح للغاية..... سأرحل هذه المره وبالي مطمئن من ناحية جوني....كان يرغب في تعطيل مدرسته من اجل ان يحضر مراسم الزفاف فرفضت محاولا اقناعه ان هذا الامر لا يتعلق الا بك وبي دون سوانا."

"وكيف واجه رفضك؟"

"باستياء بالغ فهو يعتقد انك ملكه الخاص. لقد حان الوقت لتوضيحي له بعض الامور قبل ان يصبح الوضع مزعجا للغاية"

" بالنسبة لمن سيكون الوضع مزعجا؟"

ترجل فرايزر من السيارة وتوجه ناحية المركب وقال مبتسما:

" لديك متسع من الوقت لتفكري بالنسبة لمن سيكون الوضع مزعجا. سأعود نهار الخميس اذا لم تتدهور حالة الطقس ونحن مدعوون لرحلة بحريه يقيمها هاري على مركبه."

لحقت به حتى المركب وهو يبتعد عنها, وصاحت بأعلى صوتها:

" مدعوون...لماذا؟ اي رحله؟ وما الذي تقوله؟"

" هاري شيزهولم يدعونا لرحلة بحريه على مركبه الجديد, يريد عرضه على معارفه واصدقائه, لا احد سواه يفكر بأمر كهذا....الم اخبرك سابقا؟

اخذ المركب يبتعد عن المرفأ تدريجيا وصاحت ليزا بأعلى صوتها:

" انت لا تخبرني شيئا على الاطلاق"

ورأته يبتسم قبل ان يتوارى داخل حجرة المركب. عادت ادراجها الى المنزل واخذت تحضر غرفتها للنوم ففاجأها جوني بتدخله وقال معترضا:" لماذا تهيئين غرفة منفصله؟ والدة صديقي جيم تقاسم والده الغرفة نفسها وجيم يؤكد لي ان جميع الامهات يفعلن مثلها.

" اعرف هذا جوني... ولكن كما ترى والدك غائب, وافضل ان انتظر عودته.

ولم تشأ ليزا الدخول في التفاصيل فهي تخشى ان ينقل جوني ما يجري في المنزل الى صديقه جيم وبالتالي ينتشر الخبر في الجزيرة كافه. فاكتفت في الوقت الحاضر بتجهيز غرفتها تاركة هذا الموضوع الى الايام المقبله.

استفاقت في الغد وهي عازمة على جلب سريرها من منزلها فلم تنم طوال الليل نظرا لرداءة السرير وقررت انها لن تقاسم فرايزر غرفته متى عاد على عكس ما يعتقده جوني. لم يسمح لها الوقت في التفكير في هذا الوضع الغير لائق اذ اتتها باكرا السيده شيزهولم لتستشيرها في موضوع الدعوة التي يعدها زوجها على متن المركب. وكم كانت دهشة السيده شيزهولم كبيره عندما علمت بغياب فرايزر فقالت مصعوقة:" لم يمضي على زواجكم الا ليلة واحده وفرايزر سافر وحيدا من اجل العمل؟ لماذا لم تذهبا سوية لتمضية شهر العسل؟"

ولم تجد ليزا جوابا مقنعا فقد احرجها السؤال للغاية وبدأت تنبش الاعذار محاولة بذلك اقناع زائرتها بضرورة غياب زوجها عنها في اليوم التالي لزفافها واضافت بارتباك ان حاجة جوني الماسة اليها في الوقت الحاضر حالت دون مرافقتها له. فلم تقتنع السيده شيزهولم بهذه الحجج واجابت ببساطه:

"فيما يتعلق بجوني كان بمقدوري الاعتناء به كما يجب فأنا احب الاولاد واسف على تأخر ابنتي ساره في الزواج. انها الان في لندن وقد سافرت من اجل دعوة المصور الفتوغرافي بيار لحظور الحفلة التي نقيمها على مركبنا,يبدو انها تميل كثيرا الى هذا المصور...لكني غير مرتاحة لهذا الشاب ووالدها يشاطرني الرأي نفسه,ما رأيك انت يا ليزا مع العلم انني اتمنى ان تكون ساره قد لاقت اخيرا سعادتها مع الرجل الذي تريد.

فأجابت ليزا بحذر شديد:

"اعتقد انه هو الرجل الذي يناسبها"

"هي اذا تسير في الطريق الصحيح! هل ترافقينني الى المركب؟ انا بحاجة ماسه الى ارشاداتك وتعليماتك."

واضافت السيده شيزهولم بسرور بالغ:

"ما رأيك بوجبة العشاء التي سأعدها ليوم السبت...فأنا افكر بتحضير سمك السلمون للمناسبة مع شرائح من اللحم البارد والسلطة والفواكة المتنوعة. زوجي هاري سيحتفل بمرور اربعين عام على ممارستة الملاحه وسيحتفل ايضا بمناسبة استلامه مركبه وتدشينه...مارأيك بلائحة الطعام هذه؟"

وامضت ليزا فترة غياب فرايزر عنها وهي تساعد السيدة شيزهولم في تحضير حفلة العشاء ولم تشعر بالوقت يمضي لانشغالها في انجاح هذه المناسبة. وحان موعد عودة فرايزر من ايرلندا ومع اقتراب ساعات قدومه شعرت بثقل اللحظات التي تفصلها عنه. الطقس بالخارج ينذر بعاصفة قويه,هذه العاصفة التي تعيده دائما من اسفاره.

اتعبها الانتظار وحوالي الساعة العاشرة لجأت الى فراشها منهكة القوىلكنها لم تعرف طعما للنوم,عيناها مفتوحتان في عتمة الغرفه تحدقان في الفراغ وتتمنيان له عودة سالمه. ولم تمضي لحظات على وضعها هذا حتى سمعت قرقعة الباب وخطوات في المدخل واخذت تنصت بانتباه بالغ انه الان يخلع حذاءه ويشعل الضوء ثم يقترب الى غرفتها ويفتح الباب بهدوء يتنفس في ارجاء الغرفة وهي جامدة في سريرها لا تقو على الحراك لكنه لم يلبث ان عاد ادراجه فتنفست الصعداء مدركة انها حبست انفاسها طوال الفترة التي دخل فيها فرايزر الى غرفتها لكنها في الوقت نفسه شعرت بخيبة امل لم تكن تتوقعها فهي الان تسمعه يحضر طعام العشاء في المطبخ وهي جادة كمن اصيب بنوبة عنيفه.

في اليوم التالي نزلت من غرفتها باكرا ولم تجده لقد خرج في الصباح وعاد مع جوني لتناول طعام الافطارواخذت تسترق النظر اليه وهو منكب على الطعام. لم يتغير فيه شيئ مازال قاسي الملامح قليل الكلام حتى انه لم يجاوب على اسئلة جوني حول رحلته الاخيرة. حضوره معهما في المطبخ لم يبدد جو الوحدة التي خيمت على المنزل طوال فترة غيابه. ولم تعرف ليزا سبب تكتمه هذا. واسفت لانتظارها اياه بشغف وشوق. وعند انتهاءه من تناول طعام الافطار صعد الى غرفته وبدل ملابسه, بينما خرج جوني الى المدرسة واغتنمت فرصة غياب جوني وقالت له وهو يستعد للخروج:

" اريد نقل سريري من منزل خالتي الى هنا هل يمكنك مساعدتي."

"تدبري هذا الامر بمفردك...هذا سريرك اليس كذلك؟"

" طبعا...انه سريري...لكن هذا لا يعني انه بمقدوري حمله بنفسي!"

لم هذا البرود وهذه النظرات القاسية؟ لم تفهم ليزا معنى تصرفه المفاجئ هذا....وتساءلت اين هو الرجل الذي قدم اليها باقة من البنفسج منذ ايام؟ وسمعته يقول بغضب:

"اذا كنت بحاجة لمساعدة فاطلبي العون من احد عمالي لكنهم لن يتمكنوا من تلبية طلبك قبل الاسبوع المقبل فلدينا عمل كثير."

وخرج بخطى واسعة محدثا صوتا قويا وهو يغلق الباب خلفه. مكثت ليزا في فراغ المنزل تحاور نفسها وحيرتها مام طبعه الحاد وتصرفاته الشاذه التي لم تجد لها تفسير بعد. الا يحق لها ان تطلب مساعدته في امر ما؟ ام هي هنا فقط للاعتناء بجوني ؟ وامضت طوال النهار وهي تعد نفسها بالصبر, وفي المساء لم يتغير شيئ بل حافظ على برودته المعهوده واكتفى بتناول طعام العشاء ولم يفتح فمه الا ليطلعها على موعد الحفلة التي يقيمها آل شيزهولم على مركبهم ثم توارى في مكتبه طيلة السهره بينما مكثت هي وحدها تسأل نفسها عن سبب بعده هذا .

في اليوم التالي كان البحر هادئا فارتاحت لتحسن الطقس واستبشرت خيرا وتوجهت مع جوني وفرايزر الى المركب حيث كانت بانتظارهم عائلة شيزهولم. اسعدتها رؤية ساره وماغي وهاري فانظمت اليهم كانها تحتمي بهم وتجد الامان الى جانبهم بينما انشغل فرايزر في امر توصيل المدعوين الى المركب بواسطة زورق صغير وبعد وقت قليل اجتمع اكثر من اربعين شخصا على المركب. وسرت ليزا كثيرا لمشاهدتها ساره برفقة بيار وشاب اخر عرفت انه احد الاقرباء واضافت ببسمة رقيقه:

"ابن عمي جورج اضعه بين يديك للاعتناء به فهو غريب عن اردمونت ويشعر بالغرابة بيننا "

كانت ليزا تراقب بدهشة تحركات الجموع على متن المركب وسط البحر وقد ادار الجميع المحركات نظرا لهبوب العاصفه وطوال هذه الفتره لم يفارقها ابن عم ساره لحظه بل كان يقف الى جانبها يشاطرها بهجة الرحلة وروعة المناظر التي تحيط بهم من كل صوب خاصة وان الشاطئ الصخري يزيد المنظر رهبة وجمالا .

تقدم منها جورج وهي سارحة في الافق البعيد وقال بثقة:

"تعلمت قيادة المراب على متن مركب شراعي يخص والد ساره.... واكمل جورج حديثه معها متنقلا من موضوع الى اخر دون توقف واستفسر عن مسقط رأسها والمكان الذي امضت فيه مرحلة المراهقة وزاده الحديث معها حماسا لدى اكتشافه ان ليزا من المنطقه نفسها التي ينتمي اليها ولم يتركها لحظه بل كان يرافقها اينما اتجهت على متن لمركب ابدا جوني استياءه من هذا الوضع بحركات صبيانيه سببت له متاعب من قبل والده الذي لم يفارقه بنظراته العاتبه محاولا ردعه عن هذه التصرفات الغير لائقه وكأنه كان يؤنب ليزا ويلقي اللوم عليها لانصرافها عن مراقبة جوني واهتمامها برفقة جورج.ماذا كان يعمل فرايزر لامون وما كان شغله الشاغل في هذه الاثناء؟ لماذا لا يهتم هو بجوني بدلا من القاء اللوم عليها؟ فبدلا من ان يتجاذب اطراف الحديث مع المدعوين او يتبادل النكات مع ساره كان بامكانه مراقبة جوني هو ايضا ليتسنى لها ولو لمرة واحده التفرغ لاحد سواه . وكأن الطقس حاور حزنها وتوازى مع المها فانقلب فجأه الى غائم وتغيرت السماء من ازرق فاتح الى رمادي وانعكست الوانها على صفحة مياه البحر فتعكرت وهاجت الامواج منذرة بعاصفة شديده وفجأه تنبهت ليزا لغياب جوني فراحت تبحث عنه حتى وجدته يلعب بحبل علقه على كتفه وهو يقلد صيادي السمك ووقف على حافة المركب في وضع لم تطمئن اليه فأسرعت ليزا محاولة تحذيره من خطورة وقفته في هذا المكان لكن القدر كان اسرع منها اذ هوى جوني عن سطح المركب! يالهول الحادثه! هي التي كانت تحاول تفادي امر كهذا هاهي الان تواجه ماكانت تخشاه! ولم تتمالك نفسها لدى سماعها صوته ينادي:

"بابا! بابا!"

قذفته موجة عالية بعيدا وغاب وجهه عن صفحة الماء فأسرعت ليزا بخلع حذائها وارتمت خلفه محاولة انقاذه تتقاذفها الامواج الهائجه وما زاد في الامر صعوبة هو تغير الطقس المفاجئ اذ بدأت تهطل الامطار بغزاره فشعرت بالبرد يأكل جسمها وينخر عظامها وجوني مازال على بعد ثلاثة امتار منها وما ان قربت منه بعد عناء شديد وتمسكت به حتى غابت عن الوعي بعدما احست ان شيئا ما لطم رأسها قاضيا بالتالي على اخر انفاسها .

استفاقت ليزا على مهل وسط مجموعة تحيط بها واصوات هامسة :

"ها هي تستعيد وعيها!"

واحست بألم شديد في رأسها فهي تتنفس بصعوبه بالغة ولم تقو على الكلام واخذت تستعيد تدريجيا تفلصيل الحادثه وبان لها ان فرايزر بين الوجوه المحدقة بها والى جانبه وقفت ساره تنظر اليها نظرات قلقه وقد ابتل شعرها ولم ترى جوني فذعرت وصرخت بصوت متقطع:

"اين جوني؟"

اقترب منها فرايزر وقال بحنان :

"اطمئني جوني بخير السيدة شيزهولم اصطحبته الى منزلها ."

" ما الذي هوى على رأسي وانا في عرض البحر؟"

" عوامه القى بها احد المدعوين بصورة مستعجله فأصابتك,الحمدلله على سلامتك ستعود السيده شيزهولم بعد لحظات لاصطحابك الى منزلها يجب ان تلازمي الفراش فأنت محمومه!"

واضافت ساره باهتمام :" ستهتم بك كما يلزم"

" لماذا انت مبللة الرأس؟"

يألت ليزا بفضول, واجابت ساره ببسمه ناعمه:

" لست بأسوأ حال منك....فالطقس الممطر افسد كل شيئ....مسكين والدي لم تنجح حفلته. هاهو يعود بعد اصطحابه جوني.... هيا! هل يمكنك الوقوف والسير حتى السياره؟"

" افضل ان احملها حتى السياره"

قال فرايزر متدخلا واضاف:

" شكرا لك ساره"

" ان تحملها وتنقلها الى السياره هذا امر طبيعي,فلن تسمح للظروف ان تفقدك زوجتك بعد مضي اسبوع على زواجكما. ساخرج لأعلن للجميع ان كل شي~ على مايرام "

" ايمكنك حملي حقا؟ انا ثقيلة الوزن"

قالت ليزا بضعف ولم تفاجئها هذه المرة لهجة فرايزر القاسيه اذ قال بخشونه:

" لا تتعبي نفسك بالكلام وافعلي ما اطلبه منك"

وكادت ان تنفجر بالبكاء لفرط فظاظته فبعد حادثة الغرق التي تعرضت لها مازال يحافظ على وجهه القاسي البارد . حملها ومشى بها حتى الباب واضاف ليزيد من المها:

" ارجوك يا ليزا لا تكرري ما حدث اليوم"

فتمتمت:" خفت على جوني...."

" لا تخافي عليه من الان فصاعدا فهو يجيد السباحة ولم يكن وحيدا,كنا جميعا على المركب وزوارق الانقاذ متوفره كان يجدر بك عدم التسرع والرمي بنفسك في الماء فالحادثة لم تكن على هذه الدرجة من الخطوره كي تستجوب اقدامك على عمل كهذا."

ولم تستطع ليزا الاستماع الى المزيد من التهم فأدارت وجهها محاولة ان تخبئ دموعها وتمنت لو كان بامكانها الوقوف والسير حتى السياره. واستسلمت لنوم عميق في احى غرف الضيوف في منزل ساره الريفي بعد ان عاينها الطبيب وطمأنها ان حالتها الصحية لا تدعو للقلق. فبعد ساعات من النوم استفاقت وسط عتمة شديده ولم تسمع اي صوت من حولها فارتعدت لشعورها بالوحدة واخذت كعادتها تعذب نفسها بطرح الاسئله: اين هو فرايزر يا ترى؟ لماذا لا يكون الى جانبها؟ هل عاد الى المركب؟ اخذت تبحث عن مصدر الضوء علها تريح نفسها من كابوس التوتر والقلق. وارتاحت قليلا عندما تمكنت من مشاهدة الغرفة التي اعطيت لها .

وبان لها وجهها الشاحب في المرآه وشعرها المبعثر وعيناها التعبتان فأدركت انها في حالة يرثى لها. حاولت الوقوف علها تصلح من هندامها,ففتح الباب في هذه اللحظه ودخل عليها فرايزر بعد ان بدل ملابسه ,لاشك انه ذهب الى اردمونت.قال وهو يقترب نحوها:

" كيف حالك الان؟"

"على احسن حال لذا قررت مغادرة الفراش"

" لن تغادري فراشك بهذه السرعة هذه ارشادات الطبيب. هل ترغبين بتناول الطعام؟"

لم تجبه بل اكتفت بهز رأسها نفياً هذا الرجل لا ينفك عن اثارة دهشتها واستغرابها فهو لا يفكر الا بالامور الماديه لم يقل كلمة ناعمة تخفف عنها كل همه هو ان تسير الامور كما يجب. واضاف وهو مازال واقفا كالجدار:

" اعدت ماغي طعاما لذيذا سأحضره لك"

وعندما هم بالخروج من غرفتها عادت اليها الهموم والافكار فأسرعت لتسأله علها ترغمه على البقاء الى جانبها :

" كيف هي حال جوني؟"

"انه ينام كالحمل الوديع كل شيئ سار على ما يرام اطمئني"

وخرج بعصبيه وبقيت في فراشها فريسة الاوهام والشكوك. ما سرهذا الرجل؟ لم هذه العصبيه وهذه الانفعالات التي تلسع كالنار؟ لم تره يوما الا لحظات قصيره منشرحا وحنوناؤعلى الرغم من ان شعورها يخبرها بأنه يخبئ دوما حقيقة عواطفه. وحاولت الجلوس علها تخفف من وطأة حزنها لكنها احست بدوار خفيف وبضعف في كل اطراف جسمها وعادت الى جلستها السابقه وهي تتمسك باطراف السرير. دخل فرايزر عليها وهو يحمل اليها طبقا على صينيه

" لماذا خرجت من سريرك؟"

قال بعصبيه وهو ينظر اليها محاولا اخفاء شعور لم تستطع تحديده

اجابت بتردد:

" حاولت الجلوس قليلا لتناول الطعام"

" الافضل لو تبقين في فراشك بدون حراك سأجهز لك طاولة صغيره تضعينها في سريرك"

واخذ يعد لها مكانا مناسبا يمكنها من تناول الطعام في سريرها فصرخت بوجهه:

" انت تعاملني كما لو كنت عاجزه!"

" انت اليوم كذلك"

وعندما انهى تجهيزه لفراشها ناولها الصينيه فأخذت تأكل بشهية وهو يراقبها بامعان. سألته:

" كم الساعة الان؟"

" الثامنة والنصف مساء...."

" هل انتهت الحفلة؟"

" نعم عاد هاري الى اردمونت بعدما رحل الجميع وطلبت مني ماغي المكوث هنا هذه الليله لابقى الى جانبك والى جانب جوني"

اسدل ستائر الغرفه وقام الى النافذه ملقيا نظره الى الخارج ثم اقترب نحوها واخذ منها الصينيه وهو ينظر اليها بتمعن:

" عادت اليك العافية وفارقتك حالة الذعر!"

ثم اقترب من سريرها على مهل وجلس على طرفه بينما حاولت هي الهرب بنظراتها ناحية الرسوم المعلقة في الغرفة واخذت تتأملها بامعان فعلق فرايزر بسخرية:

" هذه الرسوم تستحق الاهتمام بالفعل لكنني اجد الوقت غير مناسب لانشغالك بها.....هل انت بخير؟"

" نعم"

" ليزا لا تكذبي علي, ماالذي...يشغل بالك؟

قاطعته بلطف وبأدب يتخلله بعض الحزن:

" هل يقتضي علي الواجب ان اقاسمك افكاري ومشاعري وبالتالي مشاطرتك غرفة النوم هذا المساء؟"

اجابها فرايزر بمراره:

" ليس عليك مشاطرتي غرفة النوم ولا اي شيئ اخر كان تصرفك منذ اسبوع خير دليل على انتقائك غرفة مستقله, واخترت غرفة الضيوف مكانا لك لا تقلقي ارجوك سوف انام في غرفة جوني فهي واسعة بما فيه الكفايه"

لم تنتظر ليزا جوابا كهذا فهي اكتشفت في الماضي مدى خيبة الامل التي سببتها له ذاك المساء عندما عاد من سفره في ايرلندا اذا لم تمر هذه الحادثة بدون ان تترك اثرا بالغا فيه والا لما صارحها الان بصورة غير مباشرة بمقدار الحزن الذي يعيش فيه منذ ان اصبحا زوجين كانت هذه اللحظه كافية لتضع حدا لشكوكها فابتسمت بهدوء ونظرت اليه بينما كان يحاول ان يلهي نفسه بالنظر الى الرسوم التي تؤلف بساطا رائعا يغطي ارض الغرفة. كان عليها ان تصارحه فقالت بهدوء بالغ وعيناها تشعان فرحا:

" هذه الرسوم تستحق التوقف عندها لكنني اعتقد ان الوقت غير ملائم لانشغالك بها...."

قاطعها فرايزر بضحكة عريضة وقال:

" صحيح! افضل النظر اليك..."

" لاحظت ذلك"

" هنا ازيد سببا آخر لاقدامي على الزواج منك وهو مقدار الفرح الذي يتركه عندي حضورك دائما امامي والى جانبي!"

" ولماذا انتظرت كل هذا الوقت لتبوح بهذا الامر؟"

" لم اجد هذا السبب كافيا لاقناعك بفكرة الزواج"

" الديك المزيد من الاسباب؟"

" نعم! لكن لم يحن الوقت لاطلعك عليها يجب ان اعيد الصينية الى المطبخ"

" ارجوك ابق معي بعد! اخبرني بكل شيئ الان "

وتمسكت به ليزا محاولة ارغامه على البقاء فأمسك بيدها وضمها الى صدره بانفعال وتمتم قائلا:

"احتاج الى مزيد من التشجيع فأنت تعرفين مدى تعلقي بكرامتي واحترامي لذاتي."

ولم تخف عن ليزا في هذه اللحظات الايام الاليمة التي مر بها والتي تركت فيه اثار بالغة فهو على حق عندما يتعلق الامر بحس الكرامة المرهف الذي يتميز به نتيجة الاحداث العاصفه التي حطمته وفهمت على الفور انه عليها القيام بالخطوة الاولى وفي الواقع ليس عليها الا اطلاعه على حقيقة مشاعرها فقالت بحراره:

" ارجوك ابقى بجانبي قأنا بأمس الحاجة اليك اعرف انك لا تميل الى النساء الضعيفات الاراده ولكنني هذا المساء لا استطيع الاستغناء عنك فوجودك الى جانبي هو اثمن شيئ عندي !"

عاد فرايزر ادراجه بعدما اتجه الى الباب وجلس قربها :

" ليزا هل انت جاده فيما تقولينه؟ هل فكرت بعواقب ما بحت به الان؟"

ابتسمت ليزا والدموع تكلل عينيها فجذبته نحوها وهي تحاول ضمه الى صدرها ثم قالت له همسا:

" اتحمل مسؤولية كلامي ولا اخشى العواقب! فأنا احبك!"

ولم تقل المزيد بل اكتفت بهذا المقدار علها تشجعه على البوح بدوره بما يشغل باله فأضافت:

" لم تمس كرامتك بأذى هل انت مسرور؟"

فضحك واجاب هامسا:

"شكرا لك ......لقيامك بالخطوة الاولى."

" ولم هذا الشكر"

" لولا بوحك بحبك لي لما تجرأت وبحت لك بدري عن حقيقة شعوري تجاهك.الحب هو الذي كان السبب الرئيسي لاقدامي على الزواج منك...وقعت في الفخ بالرغم مني"

" هل هذا صحيح ومتى كان ذلك؟"

" امن الضروري اعودة للماضي؟"

" نعم من الضروري جدا خاصة انك بارع في اعطاء صوره مخالفة عنك. لم اكن اتصور ابدا انك تميل الي!"

" شعرت بميل نحوك من اللحظة الاولى التي شاهدتك فيها في مكتبي. لكني رفضت مصارحة نفسي ولهذا السبب كنت اتجنبك لئلا يخونني قلبي وابوح بحبي...في اي حال انك تضاهينني مقدرة في كتمان عواطفك!"

" صحيح اعتقدت انك تميل الى ساره لكنك تتردد في طلب يدها كونها لا تتفق مع جوني."

" وانا كنت اخشى وجود ساندي الى جانبك فعندما شهدت ذلك المساء القبلة التي بادلك اياها قررت على الفور مفاتحتك بموضوع الزواج مهما كلفني الامر فوجدت نفسي استعمل جوني وسيلة لاقناعك...ابوح اليك هذا الامر بكل تواضع"

حافظت ليزا على الصمت لتغرق في دفئ كلامه فكم انتظرت سماع ما يقوله وكم هو يعرفها حقيقة. وحده استطاع الوصول اليها ووحده فهم معالم شخصيتها وتعلقها المستميت باستقلاليتها في الحياة المشتركه ووحده نجح في ترويض قلبها المتعطش دائما لتحقبق الذات فقالت بصوت كله ثقه:

" ظننت انني كشفت حقيقة امرك عندما قدمت لي باقة البنفسج لكن عودتك من ايرلندا بدلت ظنوني واعادت الي الشكوك من جديد فعدت الى تفكيري السابق وهو انك لا تميل الي انما اقدمت على هذا الزواج فقط لحاجتك لمن يعتني بجوني."

" كيف لا اميل اليك واصبت بخيبة امل كبيره لدى عودتي من ايرلندا عندما وجتك تنامين في غرفة الضيوف؟"

" اخترت غرفة الضيوف لانك لم تهتم لهذا الامر على الاطلاق واحب ان اسرد عليك مسلسل تصرفاتك الامباليه فأنت اليوم مثلا امضيت طوال الوقت بصحبة سارة على المركب حتى انك كنت تلومني بمحاولتي انقاذ جوني!"

" ها انك تخطئين للمرة الثانية في تقديرك لبعض الامور فأنا لم اوجه اليك اللوم لمحاولتك انقاذ جوني انما لتسرعك في التصرف فأنت تعرضين نفسك للغرق ونحن نقدم على شهر العسل واحب ان الفت انتباهك لتمضيتك معظم الوقت الى جانب جورج ابن عم ساره فلقد كان مفتونا بك!"

" وهل ينتظرني فعلا شهر عسل؟"

عندئذ قام فرايزر وتوجه الى الباب وهو يحمل الصينية وقال بصوت لعوب :

""بكل تأكيد... لقد حضت كل شيئ قبل سفري الى ايرلندا يمكننا المباشرة غدا بشهر عسلنا يا حبيبتي هذا اذا سمحت لك صحتك بذلك ...الم اخبرك بأنني جهزت زورقا لهذه المناسبه؟"

" لا تتفائل بي فأنا اجهل الملاحة!"

" سوف تتعلمين بسرعة!"

"ماذا لو هبت علينا عاصفة ونحن في عرض البحر؟اخبرتني ساره انك في هذه الظروف لا تطيق صحبة النساء"

"يتوقف الامر على اي نوع من النساء سيكون الى جانبي"

*** تمت بحمد الله ***

قامت بكتابتها الاخت... Fairey Angel