الفصل الثالث
دمشق... والبحيرةاللازوردية
كنتُ في المنزل أقرأ كتاب " التكيف وتقنيات الحركة لذوي الإعاقات البصرية " لإيفان هيل وبورفيس بوندر…
وإذ بصوت الهاتف يخترق سكينة أوقاتي ويعكر صفوها...
اتجهتُ متثاقلة ... ورفعتُ السماعة وإذ بصوت مرح أختي يأتيني، وكأن الأرض انشقت لتقدّم لي هذا الصوت هدية :
- كيف حالك ؟ حضّري المنزل … سوف آتي إليك لبضعة أيام...
لا تخافي لن أقاسمك طعامك وغرفتك ... أتيتُ بطعامي الخاص من فرنسا ... و...
- من أين تتحدثين أيتها العفريتة ؟
- أنت قليتها … من تحت الأرض … هيّا جهزي كل شيء وزيني كل الغرف لأنني أنا بجلالة قدري سوف آتي إلى ...
- على رسلك ... كلمة كلمة ... ألم تتغيري بعد ؟
- وما الذي يغيرني ؟ إن هي إلا ساعة وأكون بين يديك...
وضعت سماعة الهاتف مندهشة من حديثها ... هذه هي مرح ... لم ولن تتغير أبداً.
كانوا يسمونها في الجامعة مرح المرحة ... ومرح السريعة ... كانت كل أفعالها هكذا ... تنجز وظائفها بسرعة البرق ... وتقرأ النص بحيث لا تفهم منه حرفاً ... تطلق النكات بسرعة لا تُضاهى ... الواحدة تلو الأخرى...
وكانت آخر نكتة سمعتها منها :
سُئِلَ أعرابي : ما رأيكَ بالزواج المُبَكّر ؟!
فأجاب : في أية ساعة ؟!
كان وجهها ضحوكاً … ما يميزه هي تلك الابتسامة التي لا تفارقها حتى في أحلك الظروف … وتلك الشامة المتربعة على خدها الأيمن … ولكنها كانت بدينة نوعاً ما… إذ كانت تأكل كل ما تقع عليه عيناها … وكل ما تشتهيه شفتاها من طعام ...
قالت لي يوماً ما حينما كنّا في دعوة غداء عند إحدى قريباتنا والتي كانت منهمكة حينها بتحضير الغداء ...
- اقتربي إلى هنا قليلاً ... ( وأشارت إلى بطنها ) ...
دهشتُ لمطلبها ... ولكني سايرتها واقتربت إلى مكان يدها ...
فقالت لي :
- أتسمعين نداء معدتي للطعام ... إلى متى سأظل صابرة هكذا ؟! حقاً لقد صدق من قال إن الجوع كافر !!...
تابعتُ قراءتي في كتاب " التكيف وتقنيات الحركة لذوي الإعاقات البصرية "
«قبل أن يبدأ الطالب (الكفيف) في محاولة تكييف نفسه في بيئة ما، عليه أن يحوز ما يُعرف بمفهوم الذات، وهو ما يُشار إليه بصورة الجسد والوعي والمعرفة بأجزاء الجسم وحركاتها ووظائفها ثم على الطالب معرفة البيئة ذاتها إلى البيئات الأخرى بطريقة وظيفية ... وبذلك فإن التقدم والتطور المنطقي في الإدراك يتجه دوماً من الشيء المحدد إلى الشيء المجرد باتباع هذا التتابع أو التسلسل التقدمي.
هناك جانب آخر يجب أن ينال الاهتمام والتركيز وهو مهارات الحركة المستقلة ، وهذه المهارات بالتحديد هي:
المحافظة على السير في خط مستقيم ، الالتفاف وديناميكية الهيئة " الجسد" وحتى يستطيع الطالب (الكفيف) استخدام مهاراته في التكيف بجدارة عليه أن يكون حذقاً وماهراً في القيام بسلوكيات الحركة الأساسية هذه ...».
طرحتُ الكتاب جانباً ورحتُ أفكر في كيفية إيصال هذه المعلومات لتلاميذي...
ربما يساعدني عصام في ذلك ...
عصام !!!
يا الله كم اشتقتُ إليك ...
لماذا لم تعِ صمتي حينما اعترفتَ لي بحبك ؟!...
لماذا انتزعت مني اعترافي بحبك بهذه السرعة ؟!
يقولون إن الصمت ما بين الحبيبين هو عهدٌ ضمني بين قلبيهما ...
ألم يصلك مني هذا العهد يا عصام ؟!...
ورحتُ أحادث نفسي :
كيف زارني طيفك
كوطنٍ وطأته قدماي
بعد غربة طويلة ...
معجزة أنت
حتى بأحلامي ...
أحلامي التي كنتُ فيها
على صدركَ الدافئ
أموت و أحيا
و أحيا و أموت
توقظني كلمات
قرأتها يوماً
في رائعة الروايات:
" العشق ليس أرجوحة يتجاذبها الممكن و المستحيل "
ولكنكَ
ولكنكَ يا حبيبي
الممكن و المستحيل ...
"العشق ليس أرجوحة
يتجاذبها الممكن و المستحيل " ولكنني..
ولكنني يا حبيبي
الممكن و المستحيل ...
" العشق ليس أرجوحة
يتجاذبها الممكن و المستحيل" ولكننا..
ولكننا يا حبيبي
العشق...
والممكن
والمستحيل!!!
استيقظتُ من هذيان روحي على صوت جرس الباب أسرعتُ إليه وفتحته على عجل و أخذتُ مرح بين ذراعي...
قالت لي ضاحكة :
- على رسلك يا وفاء، فحقيبتي ستسرق إن بقيت هكذا ليوم الغد.
أدخلتُ حقيبتها ثم أغلقتُ الباب ... حدثتني عن زوجها الذي بقي في فرنسا لانشغاله بأعماله ... وحدثتني عن برج ايفيل و قوس النصر و عن مطاعم باريس و فنادقها ... وشوارعها النظيفة ... و لم تنسَ أن تطلق إحدى نكاتها :
- تصوري أنّ الفرنسيين هناك يتحدثون اللغة الفرنسية بطلاقة .
قلتُ لها مازحة :
- أرجو أن لا تكوني قد وجدتِ صعوبة في التفاهم معهم بالفرنسية.
أجابتني ضاحكة :
- بل هم الذين وجدوا صعوبة في التفاهم معي!!!
ضحكنا سويةً ... ودخلنا المطبخ لنحضر الغداء .
لحسن الحظ أنني كنتُ قد احتفظتُ بطبقٍ من الكبسة السعودية ذات المذاق الرائع، وطبق من البامية الشامية ... وكنتُ قد طبختُهما البارحة بحيث تكفيان عدة أشخاص ...
كان فمها لا ينقطع عن الحديث و الطعام في الوقت نفسه ... كنت أحسدها على ذلك..
فاجأني سؤالها :
- هيه... ألم تعشقي بعد ؟
- وما يهمك في الموضوع ؟
- كيف لا يهمني ؟ ألم تقولي لنا في السابق إنك لا تريدين هذا ولا ذاك بحجة دراستك .. والآن وقد أنهيت دراستك ما شاء الله عليكِ واستلمتِ وظيفة مرموقة .. فما الذي بقي غير ابن الحلال ؟!
- ألا تستطيعين الكف عن الكلام لحظة واحدة ؟ يقال : إذا حضر الطعام بطل الكلام!!!
- أما أنا يا وفاء فشعاري لا طعام بلا كلام ...
ضحكتُ على تعليقها ثم سألتها :
- ما رأيكِ في الذهاب إلى دمشق القديمة ؟!
- لقد جئت لأرتاح من عناء الذهاب والإياب يا وفاء … دعينا الآن ننظف الصحون ثم نأخذ قيلولة وبعدها نفكر.
- ومن قال لك إننا سنذهب مباشرة ؟!
- هيا هيا… لا تتهربي من تنظيف الصحون معي .
حزنت بعض الشيء .... فصحيح أنني أسكن في دمشق .... ولكنني إلى الآن لم أزر معالمها القديمة...
كانت مرح غارقة في نوم عميق بعد أن تناولت وجبة الغداء .. وكنتُ غارقة في التفكير بكَ .... حينما رنّ جرس الهاتف وجاءني صوتك الهادئ:
- كيف حالكِ اليوم ؟!
- على أفضل حال ..
- ماذا تعملين ؟!
- أنتظر معجزة أن يأخذني أحد لزيارة دمشق القديمة..
- وإذا كنت أنا المعجزة ؟
- حقاً تقول !!!
- كوني جاهزة ريثما أحضر لاصطحابك ...
في الثالثة والنصف من بعد ظهر هذا اليوم كنا سوية أنا وعصام نسير في شوارع دمشق القديمة ..
دخلنا في حارة ضيقة ... وخامرني إحساس ما عرفتُ ماهيته .. وغمرني شعور من نوع آخر...
هاأنذا أشعر بامتزاج أحاسيسي برائحة دمشق وعبق ياسمينها .....
كان منظر دمشق ... ويد عصام في يدي يخدر آلامي وينسيني أوجاعي ... يردّ إليّ الروح وينسيني صقيع عمري...
كنتُ أنظر حولي مبهورة بما أراه …
بيوت دمشقية رائعة البنيان، وأزقّة وقناطر آية في الإتقان ... ياسمينة هنا وهناك .... تضمها زنابق دمشقية...
كنتُ أسير في حارات دمشق الضيقة و همس الياسمين وبوح الزنابق ينقر على مسامعي، ويهدهد روحي..
بدأت أقاوم الدوار الذي أصابني من هذا السحر الفطري الذي اجتاح قلبي واستوطن كل جوارحي..
بياض الياسمين وصفاؤه كصفاء سريرتك يا عصام ...
الياسمين الذي يعانق المنازل كما تعانق يداك يديّ ...
وعطر الزنابق يتغلغل أعماقي كما يتغلغل سحر اللحظات التي تكون فيها معي في ذرات روحي ...
يختلط التاريخ هنا بعطر الياسمين كما تختلط أنفاسي بدخان تبغك....
شعرت بظمأ روحي وتعطشها لمعانقة دمشق ... وياسمين دمشق.... وزنابق دمشق.... و روح عصام !!!
وصلنا إلى منزل يقال عنه منزل نظام .....
استأذن عصام من حارس المنزل ودخلنا إليه... وبدأ يشرح لي :
هذا المكان يقال له الإيوان ...كان الدماشقة يجتمعون فيه ليلا أو بعد الغروب كعائلة واحدة، يتسامرون ويتناولون ما لذ وطاب من الطعام والشراب...
وهذه الأبواب الأربعة مخصصة لغرف النساء الأربعة اللاتي تزوجهن صاحب المنزل.. وهذا المكان هو مقصورة الخدم ... أما هذه البحرة التي نجلس على أطرافها فكانت مع تلك الياسمينة الخالدة رفيقتا الشهقة الأولى للصباح...
" الياسمينة الخالدة" ؟!!…
وهل إلاك ياسمينتي الخالدة التي أستظل بها من حرّ همومي وأحزاني؟!
ومن إلاكَ ياسمينتي الخالدة التي تفوح عطراً كلما تمايلَتْ وانثنت ..
وفجأة قطع تأملاتي تلك صوت آذان المغرب.. كنا في تلك اللحظة نجلس سوية على ضفاف البحرة الدمشقية ... ومن حولنا تمر قطط عديدة ...تدور حول الأشجار التي امتزجت رائحتها بصوت الآذان لتضفي علينا إحساساً أغرب من الخيال، وأعذب من كل ما يمكن أن يقال ...
قلتُ له متسائلة:
- وما نوع هذه الشجرة يا عصام ؟
- هذه هي شجرة النارنج .
- وتلك التي بجانبها ؟!
- يقال عنها المجنونة .
- المجنونة بماذا يا عصام ؟... بحبكَ مثلاً !!
- هل أنتِ كذلك ؟!
- كيف تراني ؟!
- أرى أنَّ كلينا مجنونٌ بحب الآخر ... والطيور على أشكالها تقع ...
غرقنا في الضحك… ثم أمسكَ يدي وخرجنا من هذا المنزل الواسع...
وعاد دفء يديه يسري في دمي… ويتفشى تحت جلدي كأنه الزيزفون...
كنا نسير سوية ويده تعانق كتفي ... لتهيم روحي بها أكثر وأكثر... وتسافر معها إلى ما هو أبعد من الخيال ...
عرَّفني على دروب الشام القديمة وعلى طرقاتها... ومعالمها ... وسحرها ...
وأبوابها... ودروبها الضيقة ومنافذها…
قطع تأملاتي تلك ليقول لي :
- اسمعي هذه القصة الشامية :
"اختلفت امرأة وزوجها. فقال لها الناس : روحي لعند واحد رجَّال شيخ شاطر بكتب الحجاب حتى يحبك زوجك. فراحت لعنده. وحكت له قصتها.. قام كتب لها الحجاب. وقال لها : شوفي، بس هادا الحجاب ما بيشتغل إلا إذا عملت اللي بقلك عليه.
استقبلي زوجك. واضحكي له . وخدي منه الغراض اللي حاملها وقولي له: الله يعطيك العافيه وسخني له الميّه ... وحضري أواعيه ...
وخدي أواعيه الوسخة للغسيل. واعدّي له العشاء. الشاي، والزيتون، والجبنة، واللبنة، والمكدوس، وشي أكلة بيحبها، وبعدين شوفي شلون بيشتغل الحجاب ويحبك جوزك...
وأخذ منها مجيدي (وهي عملة عثمانية ذات قيمة كبيرة في ذلك الوقت). وكانت متدينتها من جارتها وما معها غيره.
راحت هالمرة وحطت الحجاب تحت مخدة جوزها . وعملت متل ماقلها الشيخ الشاطر .
أخدت عن جوزها ، وحضّرت له. غسلت له. وضحكت له. ونسته تعب النهار. وحضّرت له العشاء عَ الأربع وعشرين قيراط. ما ناقص شئ .شاي سخن، جبنة، لبنة…
وفي يوم من الأيام ، مد هالرجال إيده لتحت المخدة قام شاف الحجاب . قال لها يا مرا شو هادا ؟ قام فتحه ولقى مكتوب فيه :
يا جوزها يا جوزها إن حبيتها حبيتها . وإن ما حبيتها إن شاء الله عمرك ما تحبها . أنا أخدت المجيدي واشتريت فيها جبنة لولادي . "
ضحكتُ لطرافة هذه القصة ولخفة دم عصام ...
قال لي ثانية :
- اسمعي هذه القصة الشامية أيضاً :
"كان يا ما كان في قديم الزمان . كان وزير أصابه الرشح . فأحبّ الملك زيارته . وعندما سمع الوزير بقدوم الملك ، احتار في أمره . فكيف يكون الرشح حجة للزوم الفراش ؟
فما كان منه إلاّ أن مدَّ إصبعه إلى عينه ، فقلعها ، فلما أصبح الملك في المنزل ، دخل وسلم عليه، وسأله عن حاله. فأخبره أن عينه قد قلعت. فضحك الملك كثيراً ثم قال :
هذا أمر بسيط، ولا يقضي منك الغياب عن الَقصر ، لو أنك كنتَ مصاباً بالّرشح ، لكان لك الحق في البقاء في المنزل ...
- ما رأيكِ يا وفاء ؟
- والله أنك دمشقي متأصّل ...
كنتُ أشعر بحب كل مكان يأخذني إليه في الوقت الذي كان حبي لعصام يكبر أكثر وأكثر ...
فهنا دار الخلافة " دار الخليفة عمر بن عبد العزيز "(رضي الله عنه) وهنا المدرسة الفاطمية ...
وهذا مقام الشهيد الحي محمد مدور وهو من شهداء الـ1945 الذين استشهدوا برصاص الفرنسيين ورشاشتهم في مساء التاسع والعشرين من شهر أيار … فحُمِل إلى حي المزة وهناك بدأ طبيب فرنسي يتعرف على وفاتهم بدسِّ إصبعيه في رقبة المتوفي … وما أن فعل ذلك مع محمد مدور حتى أنَّ لذلك … فتنبّه له الطبيب وحُمل إلى المشفى وقدِّر له أن يعيش.
وهنا يرقد البطل صلاح الدين الأيوبي.
وبينما نحن غارقون في تأملاتنا تعالى صوت آذان العشاء ليقطع حديثنا عن دمشق الساحرة ومعالمها التي لا تشيخ ولا يعروها الكبر.
لم نشعر بالوقت الذي مر مسرعاً ... كانت دمشق الخالدة قد سرقت منا الإحساس بالزمان ... آهٍ يا دمشق لو أنَّ الزمان ينتظرنا قليلاً ونحن في عالم سحرك قبل أن يمضي بنا إلى ما كنا عليه ...
آهٍ يا دمشق ... كلما تطلعت لسحرٍ منك ... تخدرت أوجاعي ... وهمدت نيران آلامي ... تشتعل أشواقي إليكِ يا دمشق كلما فكرتُ بأن الزمان الآسر الذي أقضيه بين أحضانك يمضي بي إلى المجهول ...
كانت الأيام والشهور تمضي ونحن لا نشعر بها ...
وكيف يشعر المحب بالزمن وهو الذي يأمل أن يتسمر عند اللحظة التي غزا فيها الحبّ قلبه ؟!!
كان عصام ينتقي أجمل الأماكن ويأخذني إليها ...
دمشق القديمة ، منزل نظام ، الجامع الأموي ، طريق نهر بردى ...
كان يحادثني أجمل الأحاديث ... وغالباً ما كان يطرب آذاني بقصائد نزار أو بأشعار أخرى...
كان كل موقف معي يعني له قصيدة شعر ... يغمرني بحنانه ودفئه...
أتُراه يبقى هكذا ؟!
أم أنَّ الأيام ستغيره بعد أن تمكَّن من قلبي وأحاسيسي؟!!..
كنتُ أراه ولا أرى في الوجوه الأخرى سواه ...
وكنتُ أسمعه ولا أسمع في الأصوات الأخرى إلا صوته ...
كان بسحره كدمشق ... دافئ كدفئها... ساحرٌ كسحرها ...
حينما تسير عيوني في فضاءات مداه ... تتخدّر أوجاعي ... كما لو أنني أسير في دروب دمشق...
وحينما يحادثني بحنان وصدق ... تغمرني أعذب الألحان وأجمل الأغاني... كما لو أنني أتنفس هواء دمشق...
وحينما يمتزج دخان تبغه بأنفاسي ... تخالطها أعذب العطور ... كما لو أنني قطعة واحدة أنا والياسمين ...
عصام ...
يا عشقي الأوحد ... يا عشقي الدمشقي الأوحد ... ويا حلمي الدمشقي الأوحد...
لا أدري من منكما يشبه الآخر ... أنت يا عصام ... أم دمشق !!!
عصام ...
يا وطني الذي أسكنه ويسكنني ... يا دمشق !!!
* * *
ابتدأت العطلة الانتصافية... وكانت مدتها شهر كامل ... وكما وعدني عصام …أخذني في نزهة إلى الطبيعة التي أعشقها ...
كنا نتحدث في سيارته أحاديثاً شتى …
كنت مرتبكةً بعض الشيء وكان صامداً كل الصمود ...
كانت كلماته مرسومةً موزونةً متناهيةً ... و كانت جملي مرتجلة مبعثرة لا متناهية...
كانت أفكاره واضحة مدروسة لها بداية ولها نهاية... وكانت أفكاري مشتتة غامضة، لا أعرف كيف أبدؤها ولا كيف أنهيها...
لاحت لنا من بعيد أطراف بحيرةٍ لازوردية ...
سألني :
- أتعرفين بحيرة زرزر ؟
أجبته:
- أسمع بها ولكن لم أرها قط ...
قال بنبرة حنان :
سوف ترينها بعد عدة دقائق وستنعمين بهدوئها ولن تنسي هذا اليوم أبداً يا حبيبتي.
إذاً تلك هي بحيرة زرزر ...
ركن عصام سيارته أمام شجرة كبيرة ...ونزل منها... فتبعته ...
أمسك بذراعي وأجلسني تحت تلك الشجرة …شعرتُ حينها بلذة الأمان والاطمئنان…
كيف لا .. وهو الدمشقي الذي يطلع في سمائها قمراً ...
ودمشق التي يتملكني حبها أكثر وأكثر كلما أدخلني عصام في حواريها..
كانت بحيرة زرزر واسعة المدى كدمشق… صافيةً كسماء دمشق … عميقةً كسحر دمشق… ومنعشة كياسمين دمشق..
شعرتُ أنني أمام رجل ليس مثله أحد .. فاجتاحني حنين إليه لا ضفاف له ..
كنتُ مرتبكة جداً.. وكنتُ أشعر بنظراته تلاحقني وتخترق كياني .. وكنتُ أردِّدُ بأعماقي رائعة نجاة الصغيرة:
"لا تنتقد خجلي الشديد
فإنني بسيطة جداً
وأنت …خطير…"
شعرتُ بتمزق في داخلي..رغبتي في أن أضمه إلى صدري ... وبين حيائي وخوفي من المجهول …
فجأة .. خطرت لي فكرة.. قررتُ تنفيذها على الفور ومهما كانت النتائج…
نظرتُ إليه بعمق.. فرأيت في عينيه دفئاً شدني صوبه … أمسكتُ يده .. وقربتها من شفتي وقبلتها وأنا أتمتم:
- تعال معي يا عصام…
هبّ واقفاً مستغرباً.. ودون أن ينبس ببنت شفة تبعني…
سرنا قليلاُ نحو ظلّ شجرة أخرى ..
جعلتُ نفسي وجهاً لوجه معه…
اقتربتُ أكثر منه جامعة كل الحنين الذي ادخرته له وضممته إلى صدري ..
انتفض كالعصفور بين يدي قائلاً:
- وفاء .. لا تتركيني يا وفاء ابقي معي أيتها الغالية.. ولا تتركيني وحيداً...
لم تستطع شفتاي أن تجيبه وإنما أجبته بدمع غزير بلل وجهه الملائكي وقميصه السماوي ...
وبلمحة خاطفة حملني بين يديه وصار يدور بي مناديا بأعلى صوته :
- أحبكِ !!! أحبكِ !!! أحبكِ !!!
كنتُ أضحكُ ودموعي تنهمر مني ...
- أيها الشقي أنزلني !...
- لا... أحبكِ يا مجنونة .. أحبك .. أحبك ...
تعثرت قدمه بحجرة وكدنا نقع سوية.. فتمالك نفسه وأنزلني برفق بعكس ما حملني...
قلتُ له :
- ماذا فعلتَ أيها المجنون؟
- فعلتُ ما يجب أن أفعله منذ ألفي سنة....
أجلسني إلى جواره ...
ولَكَمْ تمنيت أن يقف الزمان عند تلك اللحظات العابقة بعطر البراءة البكر التي لونت أرجاء المكان...
حينما حملني عصام بين ذراعيه ... كانت رائحة عطره تتهادى كالنسيم في ثنايا روحي ...
وآهٍ من عطرك يا عصام....
عطرك يا حبيبي قادم من عالم مسحور ...
يدغدغ مشاعري...يهز كياني ..يكبلني ... يقيّد أنفاسي فلا تألف إلاه .. ولا تستنشق سوى عبيره الممتزج برائحة البحيرة اللازوردية والمختلط بدمي...
لتتعطر أنفاس الهواء ... وتعلن أن كل عطر دون عطرك سراب ..
فحديثك عَبِقٌ وعَطِرُ...
وروحك عنبر وعِطْرُ ....
وهمسك زنبق وعِطرُ ...
ومن ذا الذي يقاوم عطرك ؟!!!
نعم… ليت الزمان يقف وأنا بين يديك …أكاد أطير فرحاً… تكاد الأرض لا تتسع لي على براحها ...
كم كنتُ أحلم بأن ألمس حنانك ...وهاأنت تُحمّلني الحنان ....
كم كنت أحلم بأن أتلمس دفئك ...وهاأنت تغمرني دفئاً....
كم كنت أتمنى أن أدخل أعماقك ولو للحظة... وهاأنت تشعرني أنني تغلغلت في أعماقك ...
كم كنت أحلم بكلمة .."أحبكِ" ... تهمسها لي و نحن سوية ولو لمرة واحدة ... وهاأنت تحملني بين ذراعيك منادياً بأعلى صوتكَ .. (أحبكِ00 أحبكِ 00 أحبكِ)...
قلتَ لي حينها :
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ
فأجبتك:
وكل أمنية من دونك يا عصام
يُصاغُ فيها بيديّ الكفنُ
نظرتَ إليَّ نظرةَ حَمّلتها كل معاني الحب وقلت لي :
- أتمم قول الشاعر :
أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ ………………
فقلتُ لك :
- أيا جارة لو تعلمين بحالي ؟!
جلسنا قرابة الساعة نتحدث عن كل ما يخطر في بالنا .. ونحن نحتسي القهوة التي حضَّرتُها في المنزل، وجلبتها لك ...
اخترق حميمية لقائنا صوت مباغت :
- صورة يا أستاذ ؟
- لا..شكراً لك .
- صورة جميلة إن أحببتما ؟
- أشكرك.
تأخر بي الوقتُ .. فطلبتُ من عصام أن نعود إلى دمشق ..
كما تشائين ..
مضت بنا السيارة تشق طريقها و عيوننا تودع أطراف البحيرة اللازوردية ...
كان الصمت يطبق علينا ... لكأن أحاديث البحيرة كانت تغمرنا في هذه اللحظات ..
أوصلني إلى منزلي وتواعدنا على اللقاء في اليوم التالي.
دخلتُ المنزل ... لا يوجد أي أثر لمرح ..
فتحتُ باب غرفتي .. ووجدت ورقة موضوعة على باب الخزانة ...
«ذهبت لزيارة إحدى صديقاتي .. وربما أنام عندها».
لا أدري لماذا سررت لذلك ..
ربما لأنني كنت بحاجة لأن أختلي بنفسي وأفكر بك وبحبك وبهذا اليوم الهارب من الجنة ...
لماذا اشتقت إليك بهذه السرعة .. ومنذ قليل تودعنا، ألأنك المثال الخالص للكمال الرجولي، أم لأنك منتهى أملي في الصدق والوفاء..
أيها الأثير لدي .. كيف لا تشفع لي عندما ترى صفحات نيران الشوق تطويني ...
وأنا من رأى خلود روحه في جنتك منذ أن أحبك ...
وكمثل الرضيع الذي لا يحتاج إلى من يهديه إلى ثدي أمه .. كذلك أنا ..
فلستُ بحاجة إلى من يهديني لديناك العطرة وسمائك الصافية التي كنت فيها بلبلي الشادي ... ولكم أتوق إلى وجود سرمدي معك ..
يطويني ويبعثر أجزائي كما تبعثر الريح بقايا السحاب..
وأعود بذاكرتي إلى تلك اللحظات الجميلة ... حينما كنا نسرق من العصافير تغريدها ومن الفراشات رفرفتها ومن الهواء نسيمه ..
يأخذني إليك احتضار الهوى المولود تلك اللحظة … يأخذك إليّ عبير الهوى الذي سكنك من ألفي سنة مضت ...
أهمس لك بكلمات لا أعيها …
تهمس لي بكلمات أتشوق لحروفها …
تلهبني مشاعري تجاهك ...
يقطع صفو مشاعرنا صوت قادم من الغيب :
- صورة يا أستاذ ؟
- لا شكراً لك ......
ويذهب صاحب الصوت مثقلاً بالحزن على بضعة ليرات لم يستطع أن يجنيها في هذا اليوم...
ونعود نحن مثقلين بصمت الحب الصارخ ...
يأخذنا الهوى إلى دنيا الخيال الواسعة .. يخرجنا من هذه الدنيا ..!
صوت وقع حوافر خيل وراءنا .. كأنّ الخيل ترقص طربا لألحان فؤادينا...
يبتعد الصوت شيئا فشيئا ..
نقترب أكثر فأكثر من سحر الهوى ...
متيّمٌ هو الزمان بنا ... يأخذنا إلى "يوم من الجنة " .
تهرب من بين أيدينا الثواني ... الدقائق ... الساعات...
هو ذا الحب ... صمت ... وصور جميلة .. وبحيرة عميقة ... عميقة.. لازوردية ...
يا لروعة عصام ... يا لرقة عصام ..
لم ألتقِ يوما بإنسان مكتمل الرجولة والصفات كما التقيتُ بعصام ..
لم يصادفني يوماً رجلٌ معطاء.. صادقٌ .. واعد.. محب .. مليء بالدهشة والمفاجآت مثل عصام ...
عصام الذي بدَّل حياتي الشائكة بالحياة الوردية ...
عصام الذي أنساني آلامي وأحزاني وبدَّلها ببريق عينيه...
عصام الذي أحيا قلبي الذي كان على شفا حفرة ...
بماذا أفديك يا عصام ؟وماذا أعطيك؟
ما كنتُ أحسب أني سأحيا من جديد ....وأولد ثانية ً بين عينيك الملائكية... ولم أكن أعلم أني سأفتش يوماً عن قلبي لأجده ضائعاً في مدى عينيك ...
وما أروع ما أبدعته يد القدر ...
ويطلّ وجهك على ليل آلامي كالقمر ... يختبئ حيناً بين الغمائم ... وأحياناً يستقل المطر.
كنت تومئ إليّ كغصنٍ أخضر يداعب زهرته الندية ... كفارسٍ من جزيرة مجهولة...
خذني حبيبي لقلبك .. هدية لصدرك.. فقد فاض الشوق في أعماقي إليك..
ألا يا عمري.. ارفق بقلب محبة متيمة... ليست تملك إلاّ هواك ...
كنا قد تواعدنا على اللقاء في هذا اليوم ...
اليوم الذي تجملتُ وتعطرتُ ووقفتُ كثيراً أمام المرآة حتى ملَّت مني ...
اليوم الذي ابتدأت أتساءل فيه :
هذا اللون يحبه عصام ؟… نعم .. ولكن النوع لا يعجبه .. فلن ألبسه…
وهذا النوع يحبه عصام ويعجبه … كما يروق له الأزرق السماوي .. إذاً سألبسه..
انتقيتُ النوع واللون بعد جهد جهيد..و لبستُ أجمل ما عندي... حتى أحمر الشفاه .. تسريحة الشعر ... صرت أكيفّها كما يريد ... ومضيت مسرعة إليه.
التقيتُ به في المكان والزمان المحددين .. جالساً بهيبته ولفافة التبغ بيده اليمنى، سانداً رأسه بيده الأخرى ...
ابتسم حالما شاهدني ..
طبعتُ قبلة على يده وجلست جانبه..
بادرني قائلا ً:
-أكتبتِ شيئاً البارحة ؟!
-ليس بعد يا عصام...
قال لي مازحاً :
- وهل تنتظرين مني أن آتي لك بدفتر و أقلام ؟
-"لتكتب ، لا يكفي أن يهديك أحد دفتراً وأقلاماً...."
- كيف كان شعورك البارحة ؟
- عالم من الخيال والروعة والدهشة والمفاجآت... وأنتَ ؟
- أنا؟! كنتُ سعيداً للغاية .. كادت تضيق بي الدنيا لفرط سعادتي ...
كدتُ أطير معكِ في السماء .. يا أول النساء وآخر النساء ...
ولكن .... أريد أن.. وفاء.. أردتُ أن أسألك إن..
- ما بِكَ يا عصام.. مالكَ تتلكأ هكذا ؟ تكلم يا حبيبي!
- لا شيء يا وفاء سوى أنني أردتُ أن أسألك .. هل ضممتِ قبلي من أحد ؟!...
- ماذا؟!!
ماذا يا عصام ؟! وكيف تجرؤ على مثل هذا؟!! ولماذا؟!!
إلامَ ترمي يا عصام ؟...
- ماذا دهاكِ يا وفاء ؟ لماذا كل هذا الغضب ؟!
- أتدرك ما الذي بقلبي قد فعلت؟ وأي جرح ذاك الذي على جداره قد نقشت؟!
- وفاء...لم أقصد أن ...
- ألأنني أحببتك بلا حدود يا عصام؟ ألأنني وهبتك ماضيّ النقي ورهنت مستقبلي في يديك؟؟!!!
- أصبحتِِ عصبية كثيراً يا وفاء.. وما عدتُ أتحمل ذلك.
عدتُ بكرسيّ إلى الخلف ممتلئة بالدهشة مما يقول ..فأنا أحيطه بحبي ورغبتي.. ودفئي وغيرتي وهو يسمي ذلك كله "عصبية" ؟!
يا لسخرية القدر.. أُعطي البنفسج والرياحين فيعطيني الخنجر وغلغلة السكين!!..
رباه ...أنا في وادٍ وهو في وادٍ ...
وقفتُ قائلة له:
- لم أعد أحتمل هذا الجو المشحون يا عصام. سأرحل...
رفع رأسه قائلاً ببرود:
- ستندمين إن رحلتِ يا وفاء....
نظرتُ إليه بتحدٍّ بالغ ومضيتُ...ولكنَّ دموعي كانت أقوى مني...
اتخذت زاوية وأجهشتُ بالبكاء ...
شعرتُ بذراعه تمسكني قائلاً وهو يشير إلى داخل المقهى:
- هيا!
رضختُ له وجريت أتبعه.
عانق كتفي وشدني إليه قائلا:
- أيتها المجنونة لم أقصد إيلامك البتة.
قلت له:
- ألم أكن لك مثلما أردت مني أن أكون ؟ بحبي وجنوني.. بعشقي وكبريائي.. بثورتي وهدوئي.. وبكل شيء كل شيء.. كل شيء..
هل تكون مكافأتي سؤالك القاسي؟ أغرّكَ مني أن حبك قاتلي؟ أم أغرتك تنهدات روحي وبوحي؟
اسمعني يا عصام وخُذ عني ما أقول:
إنني أنثى" ذاكرة الجسد"
إنني أنثى" فوضى الحواس"
إنني الأنثى" لوليتا"
إنني الأنثى" آنّا كارنينا"
إنني الأنثى" بوبيا نيرون"
إنني الأنثى" سميراميس منوتس "
وفي الوقت ذاته أنا …
"ممتاز محل شاهجهان"
"شهرزاد شهريار "
أنثى" أيام معه "
وأنثى أمانيكَ…
أغرّك صمتي والضعف الذي رأيته في عيوني ؟!
هل كنت تتوقع مني الضعف والسكوت أمام السؤال؟
لا يا عصام....
فالحب ضعف مليء بثورات الجنون..... والحب سهم ليس يرجع، وبركانٌ حنون؟ …. الحب أن تكون ولا تكون؟
- لم أقصد إيلامكِ يا وفاء....أقسم أنني لم أقصد وكان سؤالي بريئاً...
- سؤال بريء يا عصام؟ سؤال بريء… كيف تقول أنَّ ....
- وفاء... لنؤجل الحديث في هذا الموضوع إلى المرة القادمة....
- لا يا عصام.. فما الذي يدرينا إن كان هناك مرة قادمة ؟!…
سألني بنبرة حزن:
- ماذا تقصدين يا وفاء ؟!
أردتُ أن أجيبه فخانتني بلاغتي وتجمد على شفتيّ الكلام..
شعرت بيده الحانية وشعرت بقبلة دافئة على يدي....
تنَهَّدَ طويلا قبل أن يقول لي :
- قد تدركين يا وفاء بعد حين معنى وصورة أثّرا في قلبي..
قد تدركين بعد حين أن ثمة أمراً حصل..
قد تدركين أن السنين شجرة أثمرت...وأنك الحلم الجميل..وأنك الدفء والأثير… وأنك العشق الخطير...
فلماذا نتألم ونحزن ونجعل اليأس يسود علاقتنا؟!
- من الذي جعل اليأس يسود علاقتنا يا عصام؟ أنا أم أنت؟!…
- لو تدركين كم أهواكِ يا وفاء لعذرتني في كل شيء.. فأنت الوحيدة التي تغتسلين في أحداقي..
تتغلغلين في أعماقي... وتسجلين اسمك الشفاف فوق جبيني وعلى جبهة سنيني… يا من تنسجين عباءة من ذهب.. لرجل هام عشقا.. وذاب وجداً...
- غريبة طباعك يا عصام.. منذ قليل كنت تجرحني.. وهاأنت الآن تداويني...
يا الله كم أنت متناقض يا رجل!!!...
- للتناقض يا سيدتي معنى واحد....
للتناقض يا مولاتي تفسير واحد....
فأنا حين لا أكون معك.. أكون متناقضا..
وأنا حين لا أشعر بك.. أكون متناقضا..
وحين تمشين معي في دروب الشام العتيقة..
وحين تتوحد يدي ويدك تحت يا سمينة دمشقية...
وحين يصدح الآذان في باحة دار شرقية...
وتجلسين كسنونوة على ضفاف بحرة شامية.. والكباد والنارنج والأكي دنيا.. والمجنونة والمشاعر الجنونية.. وحين نقف على أعتاب تاريخ القصيدة الجميلة الأزلية ... وحين تبهرين بدمشق وسمائها وبقططها البرية ...
وحين ... وحين ...
حين لا أحبكِ يا وفاء ... أكون متناقضاً ...
وحين لا أشعر بألمكِ ... أكون متناقضاً ...
وحين لا أحب الشام في عينيكِ العسليتين ... أكون متناقضاً...
- كم أنتَ رائع يا عصام ومحب وقاسٍ وحنون ومتناقض ... و...
- بالمناسبة يا وفاء... !
ماذا يا عصام ؟!
- أحبكِ ...
رغم كل كلامكَ الدافئ ... ورغم كل الحنين الذي أترعتني به ... ورغم كل الحب الذي حاوطتني به ... إلاّ أن شيئاً ما قد انكسر بيننا ...
كنتُ أتألم وأنا أراك لا تهتم كثيراً لأقوالكَ الجارحة قبل أن تلفظها...
وكنتُ أستغرب أقوالك وأفعالك ...
أأقول لك الوداع ؟!
حبيبي عذراً … لا تلُمْ قلباً صادقاً قد عاش في زمن الخداعْ … نحن هنا … في مكاننا وفي زماننا … حينما يستقر الهوى يقال لنا : قد حان الوداعْ...
نحبُّ ؟! … نعم …
نعشق؟! … نعم ..
لكنَّ الهوى في زماننا لا يُشترى ...بل يُباع ...
اعذرني حبيبي ...يا فتنة الأماني إن قلتُ الوداع ... أيّ عمرٍ هذا الذي نهوى به؟
أي زمن هذا الذي نعشق به؟!!
مركبي بعدك صار بغير شراع ...
أذرفْتَ يوماً على قلبي الدموع ؟! بعد أن أطفأتَ كل الشموع ؟!
ويحٌ لهذه الدنيا !!!
تذري من لآلئ أعيننا أدمعاً سكاّبة ... وتأخذ من القلب الهائم ... كل أحبابه ... ويح لهذه الدنيا !!!
مرَّ زمن وأنا أشعر بغربة تجاهك ...
كنتَ تغيظني بتناقضاتك ...
دفؤك وأنت معي ...
وبرودة أعصابكَ حينما كنت تشاهد غيركَ يحاول التقرب مني ...
فهذا الأستاذ أكرم قد أبدى لكَ إعجابه بي ... ولكنك لم تحرك ساكناً... ولم تشعرني حتى بلحظة غيرة علي ...
ما الذي جرى لكَ ؟!!
وهذا الأستاذ سالم ... كنتَ تراه دائماً يحادثني ويكلمني ... وكنتَ تدرك بقرارة نفسك أنه معجب بي ...
وأذكر أنه في أحد الأيام صارحتك برغبة قريب لي أرادني أن أكون زوجة لابن صديقه المقيم في ألمانيا ... فماذا كان ردّكَ ؟ لم تحرك ساكناً ولم تُبِد شعوراً بالغيرة ...
كنتُ أشكوك في كل مرة لأختي مرح ... وكانت تستغرب هدوء أعصابك... ولطالما نصحتني بالابتعاد عنك ... ولكن حبك كان قد تجذر في قلبي ... واستوطنه.
أذكر مرة حديثاً دار بيني وبينها حولك ... قالت لي:
- اسمعيني يا وفاء ... حبكِ هذا لعصام لا أمل منه إذا بقيتِ هكذا دون أن تسأليه عن نهاية هذا الحب .
قلتُ لها :
- ولكنك يا مرح ، تدركين أن الخوض في هذا الموضوع ربما يزعجه!!...
أجابتني بهدوء :
- ارحمي نفسك قليلاً يا وفاء ... هل أنتِ سعيدة وأنتِ تنعمين هكذا بجراحكِ؟!...
ثم لماذا تفكرين دائماً بمشاعره ولا تنظرين لنفسك وآلامها مرة واحدة؟!...
أجبتها بتهكم :
- ومن قال لكِ إنني لا تهمني آلامي ؟! ثم إنَّ المحبَّ يذوب في الطرف الآخر ... فلا يهمه إلاّ المحبوب ... و ...
قاطعتني قائلة :
- هذا إقرار لا شعوري منكِ بأنّ عصام لا يحبكِ !!
سألتها والدهشة في عيوني:
- لماذا تتهمين عصام بذلك يا مرح ؟!
عقدت حاجبيها قائلة :
- أنتِ قلتِ إنّ المحب لا يهمه إلاّ حبيبه ... أي مشاعره وآلامه ...
فلماذا لا يداري عصام مشاعركِ وآلامكِ ؟!
ثمَّ لقد مرّ زمن ليس بالقصير على لقائكما يا وفاء … لماذا لم يخطُ خطوة واحدة لأجلكِ؟!…
كانت مرح تضرب على الوتر الحساس من دون أن تدري؛ فأسقط في يدي ورحت أحتال لذلاته الأعذار:
- ربما كان السبب في ذلك هو عدم امتلاكه منزلاً خاصاً به … فأنتِ تعلمين أنه يسكن مع والدته وابنه جهاد في منزل مستأجر … ولربما كان محرجاً من طرح موضوع السكن معهم ...
أو ربما هو لا يريد أن يجرح ابنه بجلب امرأة تحل محل والدته ...
- إذاً يا وفاء وبما أنه لا يريد أن يجلب امرأة أخرى لمنزله ... فلماذا اعترف لكِ بحبه... هل نهاية الحب إلاّ الارتباط المقدَّس ؟!
قلتُ لها منزعجة من هذا التبرير :
- عصام ليس من النوع الذي يَعِدُ ولا يفي ... وهو لا يحب أن يبني لي قصوراً من الأحلام لأستيقظ على حطام الأوهام ... إنها مسألة وقت فقط ! ...
قالت لي بتحدٍّ بالغ :
- إذاً لماذا شكَّكَ بكِ حينما كنتِ تهدينه أروع عربون محبة ووفاء!!؟؟
يا لسذاجتك!!!
لا أدري يا وفاء لماذا حينما تتمنع الأنثى عن الرجل يهجرها ... وحينما يحتويه صدرها يشكك بها ...
وحينما نستفسر عن ذلك يقال لنا إنه رجل شرقي ...
وكأن الرجل الشرقي قد جُبِلَ على غير ما جبل عليه الآخرون ...
يشكك بالمرأة التي يهواها ... يقيّدها ... يُغيِّر من عاداتها وتقاليدها... وتفني عمرها لأجله ولا يرضى !!
ما الذي يرضي الرجل الشرقي ؟
تراه يحاول جاهداً سبر أعماق محبوبته لمعرفة من قابلت ومن أحبت قبله بذريعة أنه متحضر وأن هذا شيء عادي بالنسبة له ...
والفتاة الشرقية ضعيفة بطبعها ... لا تلبث أن تصدقه وتسرد كل ماضيها ... حتى إذا فُتح هذا الكتاب المغلق أمامه ... هجرها ... وانتقل لغيرها ...
أما هي ... فمن الواجب أن تسمعه يتحدث عن مغامراته مع كل النساء اللاتي قابلهنَّ ... ومن الواجب أن تنصت إليه وهو يتفاخر بماضيه ... بذريعة أنه الرجل ويحق له كل شيء ... فيحلل لنفسه ما يحرمه على أنثاه ...
ترينه يخدش أنوثتها وهو يغرد بتلك المغامرات ... وهي صامتة تزدرد غصات غيرتها وألمها وجراحها ...
وبعد كل ذلك ... من الواجب عليها أن تسامحه وأن تغفر له كل ماضيه... فما يهمها الآن حاضرهُ ليس ماضيه ... حاضره الذي يعيشه معها...
أما هو ... فطبيعته لا تسمح له بالتسامح ... لأن ذلك عار عليه ...
- لماذا تجلدين مسامعي بهذه المحاضرة الرهيبة يا مرح؟!
- لأنكِ لم تختبري الرجل كما اختبرته أنا يا وفاء ... فصعب كثيراً على المرأة أن تشعر بالغيرة على الرجل الذي تهواه وتحيطه بدفء مشاعرها وصدقها ووفائها ... والأصعب من ذلك إذا اصطدمت هذه المشاعر مع رجل لا يغار أو يغار ولا يظهر غيرته ...
ويا ويل المرأة الممتلئة رغبة تجاه الرجل الذي تهواه...
ويا ويل قلبها إذا كان هذا الرجل لا يشعر برغبتها ...
المرأة الشرقية مظلومة ... مهدورة حقوقها ... ينادون بمساواتها مع الرجل ... ونرى الرجل يقف على المنبر صائحاً بأعلى صوته :
"أنا مع مساواة المرأة بالرجل " ... ويهمس لنفسه سراً:
" ولكن ابتعدوا عن أمي وأختي وحبيبتي وزوجتي " !
هكذا كانت مرح.. تلقي الكلام على عواهنه وتطلق العنان لسخرياتها المرة.. ولكنها في أحايين كثيرة تؤوب إلى جديتها فتراها منصتة إليك بآذان صاغية ... تخفف آلامك ... تضمد جراحك ... وحينما تعطي ... تعطي بلا حدود ... ولا تسأل جزاءاً أو شكوراً ...
من يحادثها يعتقد أنها لا تعرف من الدنيا سوى الضحك والمرح ... ومن يغوص في أعماقها ... يدرك صدقها وإخلاصها ...
كان عصام قد تركني وحدي بعد مجادلة بيننا أدت إلى خصام ...
كنتُ أذكر سبب المشكلة وأنا مع تلاميذي في درس الحساب...
وحينما كان الأستاذ عبد المعطي يحضر معنا الدرس بصفته مرشداً تربوياً بالإضافة إلى كونه مدرساً.
كان قد طلب مني حضور ربع ساعة من هذا الدرس، ليقف على المشكلات التربوية والتعليمية التي تعترض المكفوفين كتلاميذ وكمستقبلين للرسالة التعليمية.
كان معجباً مثلي بهؤلاء التلاميذ.. بل أكثر مني بحكم قدم وجوده في هذه المدرسة.
قال لي هامساً:
ـ هل تعرفين أني أحسدك على هؤلاء التلاميذ؟!
نقرت على الطاولة وأن أقول له:
ـ اضرب على الخشب يا أستاذ وقل ما شاء الله..
أجابني ضاحكاً بعد أن دق على الخشب عدة مرات:
ـ ما شاء الله.. ما شاء الله..
كان كل منهم قد وضع المعداد الحسابي الخاص به على طاولته ...
كنتُ أتفقد ذلك المعداد المستطيل الشكل والمكون من /13/ عموداً متوازياً في كل منها خمس خرزات تتحرك بسهولة إلى الأعلى والأسفل ، كما تقسم أفقياً إلى جزئين، الجزء العلوي وفيه خرزة واحدة في كل عمود والجزء السفلي وفيه أربع خرزات في كل عمود أيضاً ، وفي أسفل كل جزء نقاط بارزة تعمل كفواصل في قراءة الارقام الحسابية ...
وكان الأستاذ عبد المعطي يمر عليهم واحداً تلو الآخر.. يشاهد بأم عينيه المراحل التي ينجز بها التلاميذ وظائفهم المدرسية.. كان يتحدث مع هذا حيناً، ويساعد ذاك حيناً آخراً..
أنهى مهمته بأقل من ربع ساعة، ثم استأذن من الجميع وغادر القاعة.
طلبتُ من التلاميذ أن يتابعوا حلهم للتمارين..
كنتُ أتفقد كل ذلك بينما كان التلاميذ يحلون تمريناً عن الكسور العشرية، وفي الوقت نفسه رحتُ أستعيد تفاصيل آخر لقاء مع عصام ...
هناك على الطاولة نفسها ... تشابكت أيدينا وتعانقت عيوننا ... كنتُ أهمس لعصام بمدى حبي الكبير له ومدى افتتاني بقامته ورجولته...
اقتربتُ أكثر منه ومددتُ يدي أضعها على خدّه ...
خدَّه الذي طالما أسكرني وسحرني ...
كان سعيداً بي وبيدي ... وكانت أحاديثنا حينها تأخذ مناحٍ عديدة...إلى أن أشار عصام إلى أن الوقت قد آن للرحيل ...
سألته مستغربة :
- أليس من المبكر أن نفترق ؟
- يجب أن أذهب لعملي المسائي باكراً لأستطيع الخروج باكراً...
- لماذا؟
- لماذا؟! ... لي صديق قد توفي والده منذ فترة قصيرة ولم أذهب إليه معزياً بعد ...
سأذهب أنا وزملائي مساء لنسهر عنده ...
- ياللغرابة ... ستسهر أنت وزملاؤك عند صديق توفي والده منذ فترة قصيرة ؟ هذه والله نادرة يا عصام !!...
- وما الضرر في ذلك يا وفاء ؟
- أنا أعرف أنك في مثل هذا اليوم تسهر أنت وزملاؤك عند أحدهم لا عند زميل لم يلتئم جرح قلبه بعد !!!
- اليوم سوف نذهب جميعاً لنقدم العزاء لزميلنا هذا ...
ولقد تأخر بنا الوقت يا وفاء ... ويجب أن أرحل الآن!!..
ابتسمتُ مودعة بالرغم عني ورحتُ إلى المنزل وألف سؤال يدور في رأسي ...
لماذا أنهى عصام حديثنا هكذا فجأة ؟! ولماذا اعتذر قبل أوان الرحيل ؟! لماذا سيذهب إلى عمله باكراً ؟ ولماذا يحاول أن يخفي عني أشياء ... وأشياء؟!!!
لا أعرفه إلاّ صادقاً مخلصاً ... فلماذا اضطرب حينما بادرته بسؤالي؟!!
شعرتُ بانقباض في صدري ... وكنتُ أراقب عقارب الساعة وهي تدور...
عجباً!!! منذ متى كان يستهويني هذا المنظر ؟!...
نمتُ قلقة ... وجلة ...
أفكار تأخذني ... وأخرى تعيدني ...
لم أكن مقتنعة بتبريرات عصام كلها ... وأحسستُ أنه كان يخفي عني شيئاً فظيعاً ولكني لم أكن قادرة على استجلاء كنهه وتحديد ماهيته...
ليت ... ليت غداً آتٍ اليوم أو ليتنا اليوم في غدٍ!! ليقول لي إن كل ما أحسه أوهام ... وأضغاث أحلام ...
التقينا صباحاً على باب المدرسة ، قلتُ له مضطربة :
- أين كنت مساء البارحة يا عصام ؟
قال مستغرباً :
- كنتُ ساهراً عند ابن عمي !
- ماذا ؟ ! عند ابن عمك !!!
- نعم … فالبارحة كان دوره في استضافة الساهرين...
- ألم تقل لي إنك ستسهر عند صديق توفي والده ؟
- أأنا قلتُ ذلك ؟
- نعم!
- أنا قلتُ ذلك ؟؟!!
- نعم يا عصام ... أنت قلت ذلك !!!
وفجأة ... ضرب جبينه قائلاً :
- تذكرتُ ... لقد أُلغيت هذه السهرة فذهبتُ أسهر عند ابن عمي ...
تغيرت ملامح وجهي حينها ... كدتُ أبكي ... كدتُ أصرخ في وجهه:
لماذا لم تقل لي الحقيقة منذ البداية ؟
وانصرفتُ وسط دهشته واستغرابه ...
إذاً ... لقد كذب عليّ عصام بشأن البارحة ...
هل... هل كان يرشف قهوته ... أم يتناول عشاءه ... أم يسهر مع إحداهنّ ؟! ...
لا ... لا أظن ذلك ...
إذاً لماذا تلعثم حينما سألته ؟! … ولماذا أنكر أقواله وغيّرها؟! ...
كنتُ أشعر منذ فترة أن عصام قد تغير معي ...هل سبب ذلك أنني ضممته لصدري؟!
وكنتُ أشعر أحياناً بجفاء فيه ... وبأنه ما عاد يشعر بسحر كلماتي... وكثيراً ما كنتُ أشعر أيضاً بأنه ليس معي ... هل هذا يفسر عدم غيرته ؟!
هل اختطفته مني إحداهنّ ؟! أم أن ذلك كله محض أحلام لا أساس لها… ولكن أليس من شيم العشاق أن يحاصروا محبوباتهم بالحب والغيرة والرغبة؟!..
منذ فترة طويلة لم يشعرني عصام بذلك...
في طريقي إلى الصف اصطدمتُ به ... قال متسائلاً :
- ما بكِ يا وفاء ؟ ماذا دهاك ؟!
يا إلهي ... لماذا وجهك شاحبٌ هكذا ؟! ...
صارحته بما يدور في مخيلتي ببضع كلمات فقال غاضباً :
- هراء ... هراء ... كل ما تتخيلينه هراء ... بالتأكيد فقدتِ عقلكِ ... أنتِ مجنونة... مجنونة ...
- عصام ... أنا ...
- اسمعي ... لن أناقشك الآن ... سنجتمع في المكان نفسه اليوم ، الساعة الثانية عشرة ظهراً ...
قال هذه الكلمات ومضى ...
وكالعادة حينما يغضب ... يرمي بسهام كلماته ... أو يصمت صمتاً مطبقاً ويرحل...
وأبقى وحدي أتجرع ألمي ... أتجرع وحدتي ... تحرقني دموعي...
يطبق على صدري جبل من الأحزان والآلام ...
يجرحني ويمضي ... أو يصمت ويمضي ...
لماذا يفعل بي هكذا ؟ ألستُ محبوبته؟!
ربما ... ربما لديه مشكلات خاصة تؤثر على علاقته بي ...
أليست تربية طفله جهاد والبحث عن مستقبل مشرق له همّ بحد ذاته؟!
أليس غياب زوجته ورحيلها قبل الأوان يجعله يتخبط في ذكرياته معها وبالتالي يؤثر على أية علاقة جديدة يريد أن يبنيها ؟...
استيقظتُ من تساؤلاتي تلك على صوت وسام قائلاً :
- آنسة ... لقد أنهيتُ تمرين الحساب .
- وما جوابك يا وسام ...
- الإجابة هي : 1/6
-من كانت إجابته كإجابة وسام فليرفع يده ؟!
رفع أحمد وماهر وعبد الرحمن أيديهم بينما صححُت التمرين لزاهر الذي حله بشكل خاطئ … وتابعنا دروسنا المعتادة … إلى أن انتهى دوامي في المدرسة ...
وخرجت من الصف باتجاه مكتبة المدرسة.. لأستعير كتاباً عن أهمية التنقل والحركة عند الكفيف.
استقبلتني فصيحة استقبال الفاتحين.. وهللت لدخولي طارحة على مسمعي كلمات تنضح استغراباً لقبول دعوتها لي..
ترددت قليلاً قبل أن أقول لها:
ـ ولكنني يا سيدتي، جئت لأستعير كتاباً عن..
ـ ماذا؟! ألن تتناولي معي فنجاناً من القهوة؟!
ـ في المرة القادمة إن شاء الله .. لأنني..
قالت لي بتكشيرتها المعهودة.. هذه المكتبة أمامك.. خذي ما شئت منها..
بحثت عن مرادي.. وحينما وجدته خطفته من على رف المكتبة وخرجت مسرعة وكأنني هاربة من شيء لم أصدق أنني تخلصت منه.
الثانية عشر تماماً ... كنتُ أنتظر عصام بفارغ الصبر...
وكعادته ، بقده الممشوق ووجهه الممتلئ رجولة وكبرياء وعينيه الناعستين مدَّ يده مصافحاً:
- كيف حالكِ؟
- لا بأس. الحمد لله .
سحب كرسيه وجلس إلى جواري ... كان هادئاً على عكس البارحة...
قال لي بهدوء :
- أأبدأ أنا أم تبدأين؟
قلتُ له :
- كما تشاء .
- فلتبدأي أنتِ إذن.
شرحتُ له مدى ألمي ... وأعدتُ على مسامعه كيف قال لي إنه ذاهب إلى عند صديقه هو وزملائه ... ثم حينما سألته غيرّ ما قاله لي وأجابني أنه كان عند ابن عمه و ... و...
طلبتُ منه تفسيراً مقنعاً لما حصل ... كانت تعابير وجهه تتبدل عند كل جملة أقولها... فيعقد حاجبيه وتقدح عيناه بالشرر..
استوقفني فجأة قائلاً:
- اسمعي ... أولاً أنا لم أعتد على أن يسألني أحد عن وجهتي ... وأين كنتُ ومتى وصلتُ؟ … ولا أحب ذلك …
ثانياً … أنا لا أسمح لأحد أن يُنصِّب نفسه قيّماً على سلوكي...
- عصام ... أردتُ أن ...
- وفاء ! حديثكِ ليس له إلاّ معنىً واحد ... وهو أنكِ تشككين بي ... وأنا أريد وضع حدًّ لهذه الدوامة معكِ . ولن أستمر في الحديث إلاّ إذا سحبتِ كلماتكِ واعتذرتِ حالاً ... وهذا كل ما لدي من كلام يا وفاء ...
قلتُ له يائسة :
- وأنا أيضاً يا عصام ... ليس لدي أي كلام .
- أنذهب ؟
- مثلما تريد ! ...
سار معي بضعة خطوات خارج المقهى ...
كان صمته وبرودة أعصابه يغيظانني ...
قلتُ له :
- أنت هكذا في كل مرة تجرحني وتمضي ... لا تُقدّر غيرتي عليك ولا تضحيتي لأجلك ... لا تُقدِّر حبي الكبير لك وخوفي عليك...
لم ألقَ عنده أي رد ... وإنما استمر في صمته المطبق...
ودّعني عند مفترق الطريق ومضى ...
ومضت معه عيوني الدامعة ...
أردتُ أن أركض وراءه وأقول له إنني أحبه ... إنني ما عدتُ أطيق صمته ... إنني أعبده ...إنني لا أريد الاستمرار معه ... ولا أستطيع الابتعاد عنه ... وإنني سأرحل عنه ... وإنني ... وإنني ...
لكنه مضى ... ولم يبقِ لي حتى خياله ...
لم يُبقِ لي سوى الحزن والدمع و ... سطوة الألم ...
فَعَذِّبْنِي حبيبي وزِدْ في عذابي ... واملأ الكأس من مرِّ الشراب ... دعني حبيبي لحزني واكتئابي ... فلقد أضعتُ في هواك شبابي ...
لظى الشوق في أعماقي ... والصقيع يفتك به ...
فعذبني حبيبي وزد في شجوني ... زد في شتات عيوني... فما أشقاني وأنت كحلم غريب ... كالسراب ...
أفق حبيبي من خمرة الحب التي سقيتنيها وافهمني ...
لا !! ... لن تفهمني ...
ففي أعماقي سطوة ألمٍ ... لن تستطيع يوماً فكَّ أسرارها الدفينة ...
أوقفتُ سيارة أجرة واستقليتها باتجاه المنزل ...
كانت دموعي تنهمر كالمطر في أواخر أيام شباط ...
لم أصدق أنني وصلتُ سليمة للمنزل ... فتحتُ باب غرفتي وارتميتُ على سريري ...
" لن أستمر في الحديث معكِ إلاّ إذا سحبتِ كلماتكِ واعتذرتِ حالاً "
ما هذا التعسف ؟ ما هذا الأسلوب الفظ؟
ألم تدرك يا عصام أنك جرحتني في صميمي ... وفي كبريائي ؟!
عجبتُ كيف لم تكترث للآلام التي زرعتها في داخلي ... وعجبتُ لصمتك حينما كنتُ أحتاج دفئك ...
عجبتُ لهدوئك حينما كنتُ أحتاج لضجيج كلماتك ...
وضعتُ رأسي على فراشي ورحتُ في دوامة حزني وألمي أتساءل :
لماذا لم يدافع عصام عن نفسه ولو بكلمة ؟! ...
لماذا لم يقل لي أنني الوحيدة التي يهواها ؟!
لماذا لم يشعرني ويؤكد لي أن ما أشعر به أوهام بأوهام؟!! ...
ما سرُّ هذا الغضب المفاجئ ؟!! ...
ربما ... ربما فقدان زوجته ما زال مؤثراً به ...
ربما ... ربما لستُ كزوجته بحنانها ... ودفئها ... ومعالجتها للأمور ببساطة ... ربما يفتقد تصرفات حانية كان يراها في زوجته ...
ربما ... وحيدهُ يشتت له ذهنه بتربيته ...
ولكني أعرفه جباراً وصامداً ... فلماذا يعاملني بهذه القسوة ؟! فمهما كانت ظروفه فبأي حق يقسو عليّ هكذا ويجرحني ثم يمضي عني تاركاً دمائي تغلي وقلبي يحترق فيها؟!
ألا يعرف مقدار حبي له؟! ألا يعرف مقدار اشتياقي له؟!
يا لقسوتك يا عصام !!!
كان بسلوكه هذا وتصرفه القاسي معي يزيد من شكوكي وتساؤلاتي ... ولكني ما عدتُ أجرؤ على الحديث معه في هذا الموضوع ... بل لقد نسيته... إذ حلَّ مكانه ألم آخر ... عبارته التي رماها دونما وعي منه :
-"ستعتذرين الآن حالاً " ...
نعم يا عصام ... إنني أعتذر لك ...
أعتذر عن قلبي الذي أودعته أمانة بين أيديك ولكنك لم تصن الأمانة...
أعتذر أن أعطيتُ لنفسي الحق بأن أعبّر عن تساؤلاتي ومشاعري ولكنك أوصدت الباب دونها ...
أعتذر عن الحب الكبير الذي أحمله لك بين جنبات فؤادي ... ولكنك تبادله بالإهانة والقسوة ...
اعتذر أني فكرتُ يوماً بأنّ لي الحق أن أُعبِّر عن حقوقي ... ولكنك لم تكن عادلاً أبداً... وأعتذر عن أشياء كثيرة لا أجرؤ على البوح بها ... وأعتذر !!! وأعتذر !!!