الفصل الثاني
رحلة العمر
نظمت المدرسة رحلتها إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي... هذا البطل الذي استقبله أهل الشام أجمل استقبال حينما قصدها وهزم الفرنجة في حطين وأعاد القدس لأهلها عربية الوجه واليد واللسان ...
وما زلتُ أذكر ... كيف جئتني قبل يوم من الرحلة ... وحدّثتني عن أشياء كثيرة ...
منها حبك للشاعر الدمشقي نزار قباني وولعك بشعره ... وأذكر حينما سألتك أن تقرأ لي شيئاً مما تحفظه من شعر نزار ... وبدأت شفاهك الخمرية تدندن أجمل الكلمات :
" يبعثرني الحبُّ مثل السحابة ... يلغي مكان الولادة .
يلغي سنين الدراسة ... يلغي الإقامة ... يلغي الديانة ... يلغي الزواج ، الطلاق ، المحاكم ، الشهود .
يسحب مني جواز السفر ...
ويغسل كلّ غبار القبيلة عني ويجعلني :
من رعايا القمر ...
"يفاجئني الحب مثل النبوءة حين أنامْ
ويرسم فوق جبيني ... هلالاً مضيئاً وزوج حمامْ
يقول : تكلم ... فتجري دموعي ولا أستطيع الكلام ...
يقول : تألم ... أجيب : وهل ظلّ في الصدر غير العظام ...
يقول تعلّم ... أجاوب : يا سيدي وشفيعي
أنا منذ عشرين عاماً أحاول تصريف فعل الغرام ...
ولكنني في دروسي جميعاً رسبتُ
فلا في الحروب ربحتُ ... ولا في السلام .
لو لم تكوني أنتِ في حياتي … كنت اخترعتُ امرأة مثلك يا حبيبتي …
لو لم تكوني أنتِ في لوح القدر ... لكنتُ كوّنتكِ يا حبيبتي ...
بصورة من الصور.
كنتُ استعرتُ قطعة من القمر ... وحفنة من صدف البحر ... وأضواء السحر ...
كنتَ استعرتُ البحر والمسافرين والسفر .
كنتُ اخترعتُ الغيم يا حبيبتي
من أجل عينيك ... وأنزلت المطر ...
لو لم تكوني أنتِ في حياتي
ما كان في الأرضِ هواء ... أو مياه ... أو شجر...
ما كان في الأرضِ بشر ..."
تراكَ كنت تقصدني بهذه الكلمات ؟!!
آهٍ من حيرتي وشكي وخوفي ونداءاتي !!!
كنتَ تحدثني بلغة شعراء الجاهلية ... بلغة شعراء هذا العصر ... بلغة شعراء الغزل وبلغة شعراء الفوضى والجنون ...
ولكن أكنتَ تقصد ما تقول ؟!
الله يا عصام ما أروع كلماتك … ما أروع أحاديثك … لكم أود أن أراك كل يوم وكل ليلة ولكن ... يقتلني الانتظار ... يقتلني صمت الأيام ...
وحينما ألتقيك ... يحل شكي مكان إيماني ... أشك أني على قيد الحياة... أشك أنني أنا ...
يا أنا ... أشك أنني يقظة... وأؤمن أنني أحلم ... وأؤمن أني سأصبح بعد لحظات شعوراً ستأخذه الغيبوبة إليك!!!
عدتُ بذاكرتي إلى أول يوم رأيتك فيه ...
إلى أول ما رأت عيناي عينيك ...
وتذكرتُ سطوة الألم التي اعترتني ...
سطوة الألم التي أسكنتك أعماقي دون أن تدري...
سطوة الألم التي جعلتني أذوب فيكَ قبل أن أعرف من أنتَ...
سطوة الألم التي انتزعتِ أناي مني كما تُنتزعُ الروح من الجسدِ لأذوبَ فيك أنت ... في أناك روحاً وجسداً ...
حضرتني هنا عبارة قرأتها يوماً لمريم نور في كتابها (فنجان قوة بألم الإنسان من ركوة مريم نور ) :
" موت الأنا أصعب من موت الجسد "
الأنا التي لم تهدأ بداخلي كل تلك السنين والتي كنتُ أستصعب كثيراً بُعدها عني لحظة واحدة ، ذابت حينما رأيتك أول مرة ...
قضيتُ ليلتي مثقلة بالآلام والمشاعر الغريبة ...
ما الذي جرى لي لأقضي الوقت كله أفكر بحضوركَ الساحر ؟!...
ما الذي جرى لي لأشعر أن الليل يمضي وكأنه ألف ألف ليل ؟!...
أقضيه بالتقلب على فراشي أسائل روحي من أنتَ؟... وكيف أتيتَ بكل هذه المصادفات الغريبة ؟!...
كنتُ في المنزل ... أعيد ما تلته لي شفاهك السحرية من قصائد نزار... وأسأل نفسي : هل كنت تقصدني بتلك الكلمات؟!
ولماذا اخترت هذا الشاعر بالذات ... شاعر المرأة والغزل ؟!
لعلك كنتَ تودّ أن تلمحّ لي ببعض المشاعر التي اعترتك تجاهي ؟!
أتراك الآن شعرت بدفء مشاعري ؟! أتراك؟!!
كيف بدأتُ أحسب حينها كم سنة مرت على عمري قبل أن ألتقيكَ ... ولماذا؟!…
لماذا كل هذه التغيرات التي طرأت عليّ ولم أرك إلا قليلاً ...
انتظرتُ يومها مرور الليل بفارغ الصبر وأسئلة كثيرة تلج على فكري من دون أن ألقى لها جواباً شافياً ... وبدأتُ أتأكد أن ما بداخلي تجاهك ليس إعجاباً فقط يا عصام... وإنما حباً عميقاً عميقاً…
نعم ...
لقد أحببتك يا عصام ... بكل جوارحي ... بكل كياني...
لأول مرة بدأتُ أراقب القمر في دورته ... وأراك فيه ... بسحركَ ... بقامتكَ ... بأناقتك بكل شيء فيك ... من مفرق شعرك حتى أخمص قدميك.
كم ازداد شوقي لك يا عصام وإعجابي بك ...
وكم فكرتُ بسحر كلماتك في تلك الليلة ...
أُرهقتُ كثيراً من ليلي هذا الذي لا ينتهي ... كل لحظة أتساءل فيها متى يطلع النهار يا قمري ؟
أتراك أحببتني ؟…
أحاول بكل جهدي أن أغفو لحظات … يداعب طيفك الغالي جفوني … أغمض عيوني لعلّها تنام ... فيتراءى بين المآقي سحر عينيك وبريقها ...
أحادثك قليلاً ... أسائلك ... أناجيك ... أبوح لطيفك بما يساور قلبي تجاهك ... أكلمه عن تلك المشاعر التي تكاد تنتزع روحي وقلبي من بين ضلوعي ...
أعود وأغمض العيون كي يتسنى لها أن ترتاح قليلاً قبل طلوع الصباح... وأية راحة تلك التي أنشدها وأنت ساكن أفكاري وأعماقي ؟!
أتقلب على جانبي الأيمن … فيترجع في هذا الجانب صدى ضحكاتك الرنانة ...
أكاد أفقد صوابي !!! ...
أعود لجانبي الأيسر ... لأقابل وجهك الملائكي بشفاهك الوردية التي تحادثني عن أشياء لا أعيها ...
أمدُّ يدي أحاول الوصول إليه ... لأدرك أن قدري يسخر مني ... وأن ما أمامي ليس إلاّ أضغاث أحلام ...
أغادر فراشي ... أقف قليلاً على شرفة النافذة ... أراك من خلف السحاب مبتسماً... أعود إلى هذيان الروح التي تناجيك ... أحادثك يا قمري... وأسائلك ... لِمَ شددتني ؟!
كان قلبي ميتاً لسنين خلت، فلماذا أحييته وأيقظتَ فيه الشوق من بعد الموات؟!
أعود لفراشي والدمع يجرّحُ خدّي … أراك بالقرب مني تمسح دمع العين...
أقترب منك أحاول أن أضمك ... فلا ألقى إلا سراباً...
أعود لبكائي واكتئابي ...
ما سرّ تلك المشاعر الدفينة التي أكنها لك ؟... ما سرّ السحر الكامن في عينيك ؟... ما سرُّ اهتزازي واضطرابي كلما رأيتك ؟!
أعود وأحاول بكل جهدي أن أغفو إغفاءة قصيرة لأكتشف حينها أنه قد طلع الصباح...
وهكذا أقضي الليالي ...
وكأن حدسي كان يقول لي مسبقاً أنني سأعيش أروع وأجمل قصة حب معك ...
وكأنني كنتُ أشعر من خلال سطوة الألم التي اعترتني أن حبك سيؤلمني ويبكيني كثيراً...
ما الذي يجري لنا نحن بنات حواء حينما نهوى ؟!…
يقال إن الحب بالنسبة للمرأة هو كل حياتها … وإنها حين تحبُّ تقول: لقد اكتمل العالم …
هو تنفسها وظمؤها وماؤها وغذاؤها وروحها وخلجات قلبها ودمها الذي يجري ...
يا كل حياتي ...
لماذا أشعر بأني أكاد أفقد صوابي ... ما الذي يشدني إليك أيها الرجل ؟! ما سر تلك الاضطرابات التي تعتريني كلما رأيتك ؟!
كان الباص يشق طريقه بنا باتجاه مدينة حمص … كان الطريق جميلاً. كنتُ في مقعدي شاردة في تلك المناظر ... وإذ بإحدى المدرسات تقترب مني هي وزميل لها قائلة :
- أين أنتِ شاردة ؟!
- في هذه المناظر الخلابة ...
- اسمي فادية ... مدرّسة في المرحلة الابتدائية ... وهذا زميلي ناجي من فلسطين ... مدرس مادة القومية العربية لتلاميذ المرحلتين الاعدادية والثانوية ...
- أهلاً وسهلاً بكما ...
كانت فادية ذات وجه صبوح وابتسامة مشرقة وقامة هيفاء ... وكان أكثر ما يميزها لون عينيها الخضراوين وشعرها الذهبي الذي يتمايل على كتفيها، ويلهث خلفها كسنابل تُركت بغير حصاد ...
مدّ ناجي يده مسلماً علي ... وحينما لامست يده يدي شعرتُ بقشعريرة سرت بجسدي واهتزت لها أطرافي ...
سحب ناجي يده مضطرباً ... لأكتشف متأخرة أنَّ يده تلك ... اصطناعية!!!
خففت فادية من حراجة الموقف بقولها :
- وهذه يا ناجي المدرِّسة الجديدة وفاء ... والتي تدرّس الشعبة الأولى من تلاميذ الصف الثالث الإعدادي .
قال ناجي :
- أهلاً وسهلاً بكِ يا آنسة وفاء .
- إنه كاتب سياسي أيضاً يا آنسة وفاء . قالت فادية .
قلتُ له :
- من المؤكد أنك تكتب عن فلسطين.
- وعن بغداد يا آنسة وفاء!!!
- بغداد!!!
بغداد الصامدة الآن في وجه الاحتلال الأمريكي ...
بغداد حلمنا بالصمود في وجه الأجنبي ...
بغداد التي وحدت مشاعر كل العرب ...
بغداد... إرثنا الباقي إلى الأبد ...
إرثنا ... أرضنا ... شعبنا بغداد ...
بغداد المجروحة بالآلات المستوردة ...
بخيانات كالوباء تتفشى بين المتآمرين …
بالسحب التي تلد قنابلاً وآهات مجروحة ...
بالغريب الذي جاء ليقتل الحب ... ليقتل البراءة والصدق ... ويمسح ذاكرة العاشقين ويأكل أدمغة العلماء ... ويشلّ ضمائر المدافعين ويحولهم لمتواطئين ينادون بالشرف وهم أبعد ما يكونوا عنه ...
بغداد...
يا عروساً كانت ستزفُّ للعرب ...
فقتلوا عريسها ليلة الزفاف ...
سألتُ الأستاذ ناجي عما يكتبه عن فلسطين فأجابني :
- عن حق العودة يا آنسة .
- حق العودة ؟! وهل تؤمن يا أستاذ ناجي بأن العدو الصهيوني سيترككم تعودون لدياركم ؟
- ولمَ لا ؟ فحق العودة مكفول يا آنسة وفاء ، أولاً بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان...وثانياً لا يسقط حق الفلسطينيين في أرضهم وأملاكهم وديارهم ...
- ولكنهم احتلوا أرضكم وهدموا دياركم يا أستاذ ناجي ... فكيف تتوقع منهم أن يعترفوا بحق العودة ؟!
- الاحتلال أصلاً غير مشروع في القانون الدولي، وحق العودة لا يزول بالاحتلال ، فلا يجوز انتزاع ملكية شخص من قبل سلطة الاحتلال.
- وهل ينطبق ذلك على إخواننا العراقيين الذين خرجوا من ديارهم هرباً من شبح الحرب؟!
- أولاً بغداد لم تسقط ... ثانياً بغداد لن تسقط ... وثالثاَ بغداد لن تسقط ...
إن سقطت بغداد سقط العرب ... وسقطت كرامة العرب ... وسقطت حرية العرب ... وسقط الضمير العربي ... أليس كذلك يا فادية ؟!!
قالت له فادية :
- الله الله يا ناجي ... لقد انسجمتَ أنت والآنسة وفاء ... ونسيتما أنني هنا ...
قلتُ لها :
- اعذرينا يا فادية ... فأنت تعرفين أننا كلنا هنا نحب إخوتنا الفلسطينيين ... وناجي أحدهم .
قال ناجي مبتسماً :
- شكراً لك يا آنسة وفاء ... وفرصة سعيدة .
- فرصة سعيدة يا أستاذ ناجي .
تابعتُ ابتعاد فادية وناجي ... فالتقت عينايَ عينيكَ ... كان في نظرتكَ سؤال لم أدرِ معناه ... ومسحة حزن سررتُ بها ...
علَّكَ بدأت تغار عليّ ؟!
سررتُ جداً وأنا أراكَ تقترب مني قائلاً :
- هل تسمحين لي بالجلوس ؟
- تفضل .
- بقي قرابة الساعة ونصل القلعة...
- أظن ذلك .
- أتعرفين فادية من قبل ؟
أجبتك بابتسامة لم تخف عليك :
- لا ... ولكنها هي التي عرّفتني عن نفسها ...
- وهي التي عرفتك على الأستاذ ناجي ؟
- نعم ... وقد وجدتُ من حديثه أنه مؤمن بحق العودة لدياره... ومؤمن بـ…
- هل راقَ لكِ ؟!
- إنـ...ـه ...شخـ...صيـ... واثقة ... و ... صادقة ... إنه ... !! ... تصور أنه ...
- نعم نعم ... فهو فلسطيني ... وأنت تدركين أننا نحب الفلسطينيين ... أستأذنك يا آنسة وفاء بالانصراف ...
وانصرفتَ عني من دون أن تسألني حتى عن أحوالي وصحتي . وابتعدت شيئاً فشيئاً لأعود وأشرد بك وبتلك المناظر الخلابة ...
رحتُ أتساءل ... لماذا لقاءاتنا هكذا دائماً قصيرة ؟!!! وأحاديثنا كل مرة نبدأها من دون أن نكملها ... وهل ما لمسته منك مجرد فضول لا أكثر ؟!
ما الذي جعلك تنهي الحديث هكذا ؟! لماذا لم تشعرني بقيمة وجودي معك هنا ... وأنت الذي اقترحت علي الذهاب في هذه الرحلة ...
وعندما قلتُ لك أنني لا أعرف أحداً من أساتذة المدرسة ... طمأنتني بأنك موجود... فهمتُ من قصدك أنك ستتكفل بي طيلة فترة الرحلة ...
هل من اللائق أن تتركني هكذا وتمضي ؟!
رأيتُ سيدة تقترب مني باسمة ولكنها بدت كأنها مكشرة وبدا وجهها وكأن تضاريس الأرض قد رسمت عليه..
شعرت وكأنني رأيتُ ذاك الوجه سابقاً، وتلك العينين الجاحظتين.. ولكن أين؟ ومتى؟ لست أدري..
قالت لي باسمة، وظلال عبوسها لا تزال تغلف صفحة وجهها:
ـ كيف حالك؟
ـ الحمد لله!!..
ـ جئت لأسلم على المدرِّسة الجديدة.. اسمي فصيحة على اسم جدتي.. وأنا مديرة المكتبة في المدرسة.
ـ أهلاً وسهلاً .. تشرّفنا..
ـ لقد رأيت الأستاذ عصام يتحدث معك.. إنه شخصية طيبة وودودة.. ولكن احذري صنف الرجال يا آنسة.. إنهم غدارون مكارون. اسأليني أنا عن الرجال.. فزوجي كان يظهر لي الحب الشديد، ولكنه طلقني لسبب تافه.. تصوري أننا تشاجرنا يوماً لأنني تأخرت في إعداد الطعام له.. فبدا يكيل لي الشتائم ويُعَيِّرني بقلة اهتمامي بترتيب المنزل وتحضير الطعام.. وصار يشبهني بكائن غريب متحرك مع أنني والله أتعب في عملي.. والحمد الله أننا لم نكن قد رزقنا بأطفال وإلا لكانت الطامة الكبرى..
ـ الحمد لله..
ابتعدتُ عنها شيئاً فشيئاً هرباً من حديثها الغريب الذي أسرى القشعريرة في جسدي.
وقف الباص بنا قبالة البوابة الرئيسية للقلعة ... وأقبلت الشمس ضاحكة لنا تنبئنا بصفاء الطقس وروعته ... وصفت السماء من آثار السحاب إلاّ من قلة تسير ببطء ووقار ... ودغدغ وجوهنا نسيم عليل ...
اتجهنا بأعيننا نحو القلعة ... فهالنا حسن منظرها وبراعة بنائها ... وَسُحِرنا بثبات هذا البناء بعد تلك القرون الطويلة الأمد ... وشدت أفواهنا بآهات الإعجاب ...
وكأن صلاح الدين قد سمع تلك الآهات فأمرنا بدخول القلعة لنرى مشاهداً أكثر إثارة وإبداعاً ...
كان عددنا يقارب العشرة أشخاص...
بدأتُ أشعر بأنفاس عدة قرون مضت... وأعيش لحظات هذا التاريخ العظيم ...
كان جميع الزملاء منشغلين بالمناظر الآسرة ... يتحادثون ويتناقشون حولها ... وكنتُ واجمة شريدة الفكر في هذا الصرح العظيم ...
إلى أن أيقظني من شرودي صوتك يا عصام، الذي باغتني بالسؤال:
- هل أعجبكِ هذا الصرح ؟
- نعم ، بالتأكيد … إنه من الأوابد والصور التي تحتل لنفسها مكاناً عزيزاً في الذاكرة ...
- وهناك بعض الصور التي لا تعشش بذاكرتنا فقط، وإنما تنحفر على جدرانها حتى لا تُمحى آثارها مهما حصل!!!
تجاهلتُ مقصدكَ وسألتك:
- أي نوع من الصور تلك ؟!
أجبتني بثقتك المعتادة :
- صورة إنسان غالٍ علينا مثلاً...
جمد الدم في عروقي ... هل كنتَ تقصدني أنا أم رميتَ هذا الكلام جزافاًً؟!!!
أردتُ المراوغة معك :
- كصورة والد أو أخ عزيز ؟!
قلتَ لي :
- أو غير ذلك أيضاً.
صمتُّ لا أدري بماذا أرد عليك ... كانت أعماقي تناديك لتُوَضِّحَ أكثر ...
كنتُ أكره الكلام المبطّن بالزهور ...
لماذا لا تنثر علي أزهار حديقتك بشكل واضح ؟!…
- ما لكِ تصمتين يا وفاء ؟!
- لا للشيء ... أستمتع بمن ... بما حولي ...
- بمن حولك أم بما حولك ؟!!
صمتُّ ثانية ...
لا أدري لماذا كنتُ أستشعر الضعف في لحظات وجودي معك ...
تلك اللحظات التي كنتَ تملؤها كلاماً وأملؤها صمتاً ودموعاً ...
أيقظني من ورطتي تلك قدوم ناجي نحونا وتحيته لنا وسؤاله لعصام عن أسماء قلعة الحصن السابقة فما كان من عصام إلا أن أجاب وكأنه يقرأ من كتاب:
- قلعة الحصن يا ناجي هي من أعظم القلاع وأشهرها في العالم كله... وهي فريدة بهندستها الرائعة التي تحمل مزيجاً من حضارات الشرق والغرب في تناسق يبرز بوجه خاص تلك المبادلات المهمة في الأسلوب بين الفن في الغرب والفن في المشرق العربي وبخاصة في الأزمنة المتأخرة من العهد الروماني وأوائل العصور الوسطى عندما كان الفن الإسلامي يمارس نفوذه على فنون أوروبا المطلة على البحر المتوسط قاطبةً . وقد حافظت على هيئتها وتماسكها أكثر من أي حصن آخر رغم مضي أكثر من تسعة قرون على إنشائها ورغم ما تعرضت له من هجمات وزلازل ونكبات ... وتدعى قلعة الحصن أيضاً بقلعة الأكراد.
سأله ناجي قائلاً في الوقت الذي اقترب منه جميع الزملاء :
- ومن أين أتى هذا الاسم يا عصام ؟
أجابه عصام :
- حكى منتخب الدين يحيى بن أبي طيّ النجار الحلبي في تأريخه في سبب نسبة حصن الأكراد إلى الأكراد، أن شبل الدولة نصر بن مرداس صاحب حمص ، أسكن فيه قوماً من الأكراد في عام اثنتين وعشرين وأربعمئة ، فنُسِبَ إليهم وكان من قبل يسمى حصن الصفْح .
ولهذه القلعة أسماء كثيرة يا ناجي ، حيث يطلق الغربيون عليها اسم " حصن الفرسان" وتدعى باللغة الفرنسية
Krak (crac) des chavaliers وباللغة الإنكليزية
Castle of the knights
وهي تسمية حديثة أطلقها على القلعة البارون غليوم راي في القرن التاسع عشر ، وقصد بها فرسان القديس يوحنا المعرفون بالأسبتارية . وهؤلاء هم الذين شغلوها وتولوا شؤونها قرابة قرن ونصف قرن من الزمن أي من 537-670هـ/1142-1271م، حتى استردها منهم الملك الظاهر بيبرس.
وهنا سأله الأستاذ عبد المعطي:
- إذاً نسبة إلى هؤلاء الفرسان عرفت القلعة باسم حصن الأسبتار؟
أجابه عصام :
- نعم، وهو اسم أطلقه مؤرخو الحروب الصليبية من الفرنجة المعاصرين لها ، كذلك أورد ذكرها المؤرخون من (البيزنطيين) ومن اللاتين باسم كراتوم أو كاستروم كراتي ، وأطلق عليها البنادقة اسم لوكرات "le crat" وأسماها الفرنجة كراك دومونتريال .
كنتَ تتحدث وكنتُ أسمعك بأذني قلبي ...
أدهشتني ثقافتك الواسعة وإلمامك بكل هذه الأسماء .
وراعني هدوؤك وتفننك في إيصال المعلومات لنا ...
انفض الجميع من حولك ... وبقينا أنا وأنت وحدنا نسير باتجاه بوابة الحصن الرئيسية...
أردتُ أن أقطع الصمت الذي خيمّ علينا ... بادرتك قائلة:
- من أين أتيت بكل تلك المعلومات يا أستاذ عصام ؟!
- من قراءاتي المتواصلة .
سألتك:
- أفهم من ذلك أن هوايتك القراءة ؟
رددت علي غامزاً وأنت تعقد يديك فوق صدرك :
- وسبر أعماق النفس البشرية .
أدهشني جوابك وفاجأني ... تشجعت متسائلة :
- وهل سبر أعماق النفس البشرية هواية أم علم ؟
- هي علم عندما نقرأه وهواية حينما نريد ...
قلتُ لك:
- وهل تمارس هذه الهواية مع جميع من حولك ؟!
أجبتني بتهكم:
- لا ... وإنما حينما أريد فقط ...
أطربني ردك هذا ... وفي الوقت نفسه أقلقني ...
فكل كلامك مبطن ... وكله رموز وإشارات ...
لماذا لا تحادثني بشكل واضح لا لبس فيه ولا غموض؟!!
لماذا لا تعي أن أشعاري كلها كتبتها لعينيك السوداوين ؟ وضجيج اللهفة فيهما ؟
لماذا ؟! لماذا تخفي عني سرّ ما في قلبك الكبير ؟!!
صعدنا جميعاً إلى الباص ليقلنا إلى مطعم نتناول فيه طعام الغداء...
وصلنا بعد حوالي النصف ساعة إلى مطعم متواضع جميل ...
تناولنا غداءنا وسط أحاديث متنوعة ...
اقترب مني الأستاذ عبد المعطي وجلس قربي قائلاً:
ـ كيف حالك يا وفاء؟
ـ الحمد لله.. كل شيء على ما يرام.
ـ هل ثمة شيء تحتاجين إليه؟
ـ لا.. لا.. شكراً لك.
ـ أرجوكِ يا وفاء لا تترددي في طلب أي شيء مني.. فوالدك حينما كان على فراش الموت أوصاني بكِ وتركك أمانة في عنقي..
ـ والله يا أستاذ لستُ بحاجة إلى أي شيء ولله الحمد..
ـ إذاً.. عديني إذا احتجت لشيء أن تطلبيه مني.
ـ أعدك.. وأشكرك من كل قلبي..
ـ لا شكر على واجب يا وفاء..
كان ناجي كالعادة يتحدث عن حق العودة، وقد سمعته يقول لفادية :
- إن وقوف العدو الصهيوني ضد قرار عودة اللاجئين يعتبر وفق كل القوانين والمعاهدات والمواثيق وفي طليعتها ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها وميثاق حقوق الإنسان. خرقاً مستمراً للشرعية الدولية...
فقاطعه عصام قائلاً:
- وهذا الوقوف والمنع يرتب مسؤولية مادية ومعنوية على العدو الصهيوني ... وإذا ما قرر الفلسطينيون العودة فإن منعهم بالقوة أو بأية وسيلة أخرى يعتبر ضمناً ، عملاً عدوانياً . لذلك يجب أن يسمح لهم بالعودة في أول فرصة عملية ممكنة، كما حدث في البوسنة والهرسك وكوسوفو وتيمور الشرقية وراوندا ...
فقاطعه الأستاذ عبد المعطي قائلاً :
- وكما سيحدث في بغداد ...
وهنا يجيب عصام بتأن بالغ :
- بغداد لن تسقط يا أستاذ... وستقاوم حتى آخر قطرة من الدم العربي...
بغداد وحدت مشاعر الشعوب العربية من جديد...
قلوبنا مع بغداد ...
أرواحنا تتلاقى مع أرواح إخواننا في بغداد …
بغداد التي تغنى بها الشعراء … ألم تقرأ ما قاله نزار قباني عنها :
مُدِّي بساطي … واملأي أكوابي…
وانسي العتابَ ، فقد نسيتُ عتابي…
عيناكِ يا بغدادُ ، منذ طفولتي
شمسانِ نائمتانِ في أهدابي …
بغدادُ … جئتكِ كالسفينة مُتعَباً
أخفي جراحاتي وَراء ثيابي …
بغدادُ … طرتُ على حرير عباءَةٍ
وعلى ضفائر زينبٍ وربابِ …
وهبطتُ كالعصفور يقصُدُ عُشَّهُ
والفجرُ عُرْسُ مآذِنٍ وقبابِ …
حتى رأيتكِ قطعةً من جوهرٍ
ترتاحُ بين النخلِ والأعنابِ …
حيثُ ألتفتُ ، أرى ملامح موطني
وأشُمُّ في هذا التراب ترابي …
بغدادُ يا هزج الأساور والحُلَى
يا مخزنَ الأضواءِ والأطيابِ …
قبل اللقاء الحُلْو … كنت حبيبتي
وحبيبتي تبقينَ بعد ذَهابي …
ساد صمتُ مطبق علينا بعد ذكر بغداد ...
ومن ذا الذي لا يخشع بل ويركع إجلالاً في محاريب أعتابها ؟!
من ذا الذي لا يطير شوقاً إلى نهلةٍ من مائها أو حفنةٍ من ترابها؟
ثم من ذا الذي لا ينتشي قلبه طرباً لتهليل نواقيسها وتكبير قبابها؟
بغداد التي مزقتها أحقاد وأطماع العدو الجديد … وبعثرتها جحافل الغزو القادم المبطن بحقدٍ كانت تغذيه رؤوس عيونها على البترول العربي في كل مكان …
كان عصام يجلس بقربي ... يقصّ عليّ أشياء كثيرة... عن حياته التي قضاها مستقلاً عن أهله منفرداً بذاته منذ بلوغه الرابعة عشر ... ففي ذلك العمر بدأ بتأمين احتياجاته المادية عاملاً في الصيف لسد مصاريف دراسته... كان يعمل ويطالع في الوقت نفسه كتباً متنوعة ... كُتُباً عن الدين ... وعن السياسة ... والأدب ... والشعر… وكان مولعاً بنزار قباني وأشعاره ...
وحدثني عن هواياته ومنها السباحة والتصوير الضوئي والرسم ...
ولكني كنتُ أود أن أسمع منه شيئاً واحداً لم يشر إليه ولا حتى بكلمة واحدة ...
قلبه ومن ذا الذي يسكنه !!! وهل ثمة حورية تتربع عرشه أم أنه خالٍ…
كان رائعاً بكل شيء … بضحكاته وهمساته …بلفتاته ولفافات تبغه … بنظرة عينيه حينما يتحول حديثه إلي ليسألني عن نفسي … بنبرة صوته الدافئة الحنونة.
ومع كل ذلك كان هادئاً في كل شيء ...
وكنتُ أشعر أنه سيتعبني كثيراً بهدوئه هذا في مشواري معه.
سألني عن مكان مسكني فأجبته :
أسكن في منزل أختي المتزوجة في حي التجارة ... وزوجها يعمل في السلك الدبلوماسي والآن هو في مهمة رسمية في فرنسا وقد أصرت أختي على مرافقته...
سألني بدهشة :
- ألا تقيمين مع والديك إذن؟
قلتُ:
- لا ... فوالدي قد توفاه الله منذ عدة سنوات ... وتزوجت والدتي بعد انفصالها عنه وهي الآن مع زوجها في فرنسا ... مما اضطرني أن أسكن مع أختي ...
قال بحزن :
- آسف ... لأنني أثرت أشجانك وجددت أحزانك، ولأنني نكأت جرحاً قديماً لا أظنه قد اندمل ... وليرحم الله والدك ويسكنه فسيح جنانه ...
سألته بدوري :
- وأنت يا أستاذ عصام ... أين تسكن ؟
أجابني بهدوء :
كنتُ سابقاً أسكن في مدينة اللاذقية ... ولكنني عدتُ أنا وابني محمد منذ سنتين إلى مسقط رأسي دمشق... ونحن نسكن الآن في منطقة دمر و...
تسمّرت عيناي عليك ... وبَدَأَتْ تَحفُرُ في مدى أحاديثك وكلماتك ...
إذاً ... أنت متزوج ولك طفل من زوجك !!!
لماذا تلقيتَ مشاعري برحابة صدر ؟!
لماذا كنت تشعرني بمدى اهتمامك بي وخوفك علي ؟!
كانت عيوني تنظر بارتعاش إلى الكلمات التي كانت تخرج من شفاهك دون أن تدرك الألم الذي تسببه لي ...
ما هذا الدرب الذي رسمتُ عليه كل آمالي وأحلامي ؟!
هو ذا قلبي يخفق متعباً مرهقاً من هذا الحديث…
ظمآن لا ماء يرويه، ولا كلام يؤاسي عذاباته ...
تائهاً بين الممكن والمستحيل ... بين العودة لنقطة البدء أو التوقف في منتصف الطريق ...
يئنّ بصرخة مكتومة ...
يطوف في دمائي...
يتجول في أعماقي ...
يبحث عن مخرج له من سراديب الألم وأنفاق الأحزان ...
يصرخ بلهفة ... يتمرد على كل شيء حوله ...
يقاوم صداع الوجع الزاحف إليه ...
النار تفتك بما تبقى من أشلاء آلامي وجراحي ...
أغلق أسوار قلبي مرتعدة ... وأسد كل الطرقات والمنافذ إليه ...
ذبلت أزهار حبي النضرة التي زرعتها لك منذ التقينا...
- ما بكِ يا وفاء؟ لماذا صمتِّ هكذا؟!
---------------------
- ما سبب هذا الصمت المفاجئ ؟!
---------------------
- وفاء تكلمي أرجوكِ ... ما بك؟!
- لا شيء ... لا شيء يا أستاذ عصام ...
شارفت الساعة على الخامسة بعد الظهر ... انتهينا من غدائنا وعدنا أدراجنا باتجاه دمشق ...
اقترب مني ناجي وسألني إن كان لي حاجة من الأردن...
سألته باستغراب :
- ولماذا ؟!
- لأنني سأسافر لعدة أشهر ...
- ولماذا السفر يا ناجي ؟!
- لي أقارب هناك لم أرهم منذ أمد بعيد ...
- لا أريد منكَ إلاّ الانتباه لنفسك ولصحتك...
- شكراً جزيلاً ... سأهتف لك حالما أعود ..
- ومتى يكون السفر؟
- بعد غدٍ إن شاء الله .
- بالتوفيق يا ناجي ...
عدتُ للمنزل لتسيطر علي سطوة الألم من جديد...
كنتُ أشعر بتمزق في أعماقي يمنعني من الحديث ... كطفل كفيف فقد سمعه ... فلا هو قادر على رؤية ما حوله ... ولا هو قادر على سماع الأحاديث فهو أشبه بالشراع في عرض البحر يتقاذفه الموج وتمزقه الرياح...
دخلتُ غرفتي محملة باليأس ... وشعور بالحقد يملأ كياني تجاه عصام...
لماذا لم يقل لي إنه متزوج ولديه طفل؟!
هل كان يستغل مشاعري كل تلك المدة ؟!
لقد أحببته ... أحببته بكل جوارحي ... جوارحي التي تناديه في كل لحظة ... تنام على همسه و تصحو على صوته ...
لماذا ترك العنان لمشاعري ؟!
آهٍ منكِ أيتها الدنيا الغدارة … لا تعرفين معنى الصدق والبراءة … ذهب الأمان من قلوبنا وحلَّ غدرُ الزمان ...
آهٍ منك أيتها الدنيا الحمقاء ... لا تتركينا ومشاعرنا ... نخاف أن نهوى... نخاف من مصير هوانا منذ البداية ... مصير هواي السائر نحو الهلاك...
دنيا غدارة ... نشتري الحب فيها بأغلى ما لدينا ... بقلوبنا ... بأرواحنا... بحياتنا ... نغرس الورد لنجني الأشواك ...
نسقي الحبيب شهد الحب وخمرته ... فيسقينا علقم الهجر وحنظل الفراق ...
آهٍ من هذه الدنيا الغدارة ...
آهٍ من سطوة الألم حينما تكف الفؤاد عن رؤية هواه ...
لا أعلم كيف مرّت ليلتي هذه ... تلك الليلة التي سهوتُ فيها ممزقة القلب جريحة الفؤاد ... أهذي بعمري الضائع في سراب حبي ...
آهٍ من دنيا تغتال الحب في البدء والختام، وتنشب أظفارها في روحه!!
استيقظتُ من هذياني هذا على صوت جرس المنبه مذكراً بموعد العمل...
لم أتناول طعام الإفطار في هذا الصباح ... بل جهزتُ نفسي مباشرة واتجهتُ إلى المدرسة ... مررتُ بجانب مكتبكَ وأنا أنظر إليه خلسة ...
اتجهتَ مباشرة إلي قائلاً :
- وفاء ... لقد قلقتُ عليك كثيراً الليلة الماضية... ما الذي أزعجك في حديثي معكِ ؟!
صدقيني إنني حريص جداً على مشاعرك وأذكر أنني كنتُ كذلك البارحة... فما الذي أزعجكِ في حديثي ؟! هل آلمتكِ بشيء ؟!!...
أردتُ المراوغة معك فقلتُ لك :
ـ أبداً يا أستاذ عصام ... والذي رأيته لم يكن حزن وإنما اندهاش فقط...
ـ اندهاش؟!! من ماذا يا وفاء ؟!
قلتُ لك بتردد :
ـ يعني ... أن تسكن أنت وابنك في دمشق لمدة سنتين تاركاً زوجتك في اللاذقية فهذا أمر يدعو للاستغراب ... أليس كذلك ؟!
ـ ولكني أرملٌ يا وفاء!!!
فاجأني جوابك وصدمني ... فأجبتك على الفور :
ـ آسفة ... لم أكن أعلم بذلك ... ليرحمها الله ويسكنها جنات نعيمه ...
ـ لا عليكِ يا وفاء ... لا عليكِ ...
ـ وهل تترك ابنك وحده في المنزل حينما تخرج إلى العمل ؟
ـ لا … فمحمد في الصف الثالث الإعدادي … وهو طالبكِ يا وفاء … محمد جهاد الفارس.
ـ ماذا ؟!!! …نعم يا وفاء … فجهاد غدا حياتي كلها من بعد وفاة والدته … لقد فقد بصره حينما كنا في زيارة لبغداد مسقط رأس زوجتي إلهام … كان عمره حينذاك لا يتجاوز الخمس سنوات وقد وقع الحادث عندما كنا نسير في العامرية… حيث انفجر لغم أودى بحياة زوجتي وكفّ بصر ابني وأفقده إحدى ساقيه ... ونحن الآن نقيم في منزل والدتي ...آسفة ... آسفة يا أستاذ عصام لأنني عدتُ بكَ إلى تلك الذكرى المؤلمة ... أنا حقاً شديدة الأسف..
-لا عليك ...
لقد سمعتُ أننا سنتقاسم الدروس سوية ... هل هذا صحيح ؟!
- كان هذا صحيحاً … ولكن تلاميذك الأشقياء ذهبوا للسيد المدير وطلبوا منه أن لا يشارككِ أحد في إعطاء الدروس … أتعرفين … إنني أحسدكِ على محبتهم لكِ...
- شكراً لكَ ...
- بالمناسبة يا وفاء ... كيف كان مذاق فنجان القهوة الذي أرسلته إليك مع العم أبو عبده ؟
أجبتك بارتباك واضح :
- ر...ا...ئـ…ع… رائع للغاية …
- حقا؟! لقد علمتُ أنك تحبينها مع سكر قليل ... وقد أخطأتُ وأرسلتها لكِ كما أحبها ... بدون سكر ... فكيف استساغتها شفتاك ؟!
- في الحقيقة يا أستاذ ... في الواقع أنني ... لقد ...
- لقد آن الأوان للذهاب إلى عملنا … فإلى اللقاء يا وفاء.
- إلى اللقاء يا أستاذ عصام ...
قلتَ لي بشيء من العصبية :
- اسمي عصام يا وفاء وليس أستاذ عصام ... فأرجو أن تلغي هذا التكلّف فيما بيننا...
- كما تريد يا أستاذ ... كما تريد يا عصام ...
ودّعتني بابتسامة ساحرة... وتركتني أسيرة لمشاعري...
محمد عصام الفارس ...
محمد جهاد الفارس ... ما قصة هذه الأسماء وما الذي تخبؤه لي من أقدار؟!
محمد جهاد الفارس ... بُترت إحدى ساقيه ؟!
ولكنه يسير بطريقة عادية ... ولا يظهر أنه فقد إحدى ساقيه ...
لعلّه ... لعلّه أجرى عملية جراحية أعادت له قدمه المبتورة ؟!! أو لعله... يضع ساقاً اصطناعية !!!
أو... أو ...
* * *
كان تلاميذي يتسابقون في الدخول إلى الصف وهم يتضاحكون ويتدافعون بعد انتهاء ساعة التربية الرياضية ...إذ كانت لهم ساعتان في الأسبوع ... وكنتُ أطلب منهم التمهل ...
انتظرتهم عدة دقائق حتى يجهزوا تماماً ... ورأيتُ ماهر يخرج من الصف ويقبل نحوي قائلاً :
تستطيعين حضرتك البدء بالدرس فقد جهزنا جميعاً ... ثم ركض باتجاه صفه قبل أن أجيبه ...
يا إلهي ... هل يعقل أنهم يقرأون أفكاري ويبصرونها؟!… سبحان الخالق العظيم …
من بعيد رأيت السيدة فصيحة متجهة نحوي.. تعوذت بالله واستدرت باتجاه الصف.. شعرت بمطرقة وقعت على كتفي.. صرخت من شدة الألم والتفتُّ لأرى السيدة فصحة واضعة يدها على كتفي مكشرة عن أسنانها، بابتسامة مواربة وقالت لي:
ـ ما رأيك بعد أن تنتهي من دروسك أن تشاركيني تناول القهوة؟
ـ من !!؟؟.. أنا !! ولماذا !!؟؟..
ـ ما بكِ وكأن عفريتاً قد ركبك.. أولسنا من مقامك؟!
ـ وكيف لا.. بالـ.. طـ.. بع.. سأتـ.. نا.. ول في مكتبك فنجان القهوة.. من المؤكد.. أنني.. سأسعد به.
قلت ذلك ولا أدري كيف استطعت قوله.. استدرت عنها هاربة من جحوظ عينيها.. وحِدّة لسانها..
استجمعتُ قواي واسترديت أنفاسي ومضيت باتجاه تلاميذي.
دخلتُ إلى الصف ... فجأة تذكرتُ جهاد.. محمد جهاد الفارس.. ورحتُ أفتش بين الوجوه، عن وجهٍ يشبه ذاك الوجه.. عن قسمات تعبّر عن تلك القسمات..
توقفت.. اقتربت.. هو ذا جهاد..
الله أكبر.. كيف لم أنتبه، وهو لا يقل حضوراً عن أبيه..
اقتربت منه أكثر.. ووضعت يدي على كتفه، وطلبتُ منهم أن يضعوا وظائف مادة القراءة على مقاعدهم لأنني سوف أتفقدها ...
رأيتُ ابتسامة ماكرة ترتسم على ثغر ماهر ... يا إلهي ... ماذا يقصد هذا الشقي؟!...
اقتربتُ من جهاد وسألته :
- أين وظيفتك يا جهاد ؟!
أجابني مستغرباً :
- إنها هنا !!!
- أين هنا ؟! ( وغاب عن ذهني أشياء كثيرة ) …
- على المقعد آنستي … ألم تريها ؟! ومدّ يده مفتشاً عن يدي حتى أمسك بها ...
ثم وضعها على المقعد لأتلمس تلك النتوءات الغريبة ... كنتُ لا أرى قبل ذلك إلاّ صفحة بيضاء على مقعد جهاد ... تشبه صفحات كتبه...
هذه هي المرة الثانية التي يغلبني فيها جهاد بتلك النتوءات التي لم أعرفها إلا من خلاله... صدق القائل أن التلميذ قد يعلم أستاذه أحياناً...ربما تأثير مطرقة فصيحة هذه انتقل إلى دماغي وشلّها عن الحركة... وربما حدة لسانها جعلتني أنسى أشياء كثيرة...
الآن فهمتُ ماذا كان يقصد ماهر بابتسامته ... لقد غلبني هذا الشقي مرة أخرى ...
كان يدرك بذهنه المتقد أن ما أراه بعيني غير ما يلمسه بيديه ... كنتُ وللمرة الثانية أرى صفحة بيضاء في الوقت الذي كان يتلمس كلمات لها معانٍ ...
يا لذكائه الحاد ...
كانوا جميعاً قد أنجزوا وظائفهم بشكل جيد ... وكانت أغلب إجاباتهم صحيحة ...
مررّتُ الدور عليهم مبتدئة بماهر منتهية بوسام ... وصححت لهم أخطاءهم واحداً تلو الآخر ...
وطلبتُ منهم أن يخرجوا دفاترهم وأقلامهم (الخاصة بهم) ليكتبوا موضوع التعبير... وتركت لهم حرية الاختيار ... طالبة منهم التعاون مثنى مثنى... وأن لا يتجاوز موضوعهم الخمسة أسطر ...
اختار زاهر وماهر الكتابة عن الوطن ... واختار أحمد وعبد الرحمن الكتابة عن نعمة البصر ... أما جهاد ووسام فقد أرادا الكتابة عن الأب ...
أعطيتهم مهلة نصف ساعة لإنجاز مهمتهم هذه ...
أخرجوا أقلامهم وأوراقهم الخاصة بهم ... وأخرجتُ قلمي وأوراقي الخاصة بي ...
انهمكوا في كتاباتهم ... وانهمكتُ في كتابتي ... ولكنها كتابة من نوع آخر ...
ربما هي كتابة لك :
كنتُ قبلك بقايا صور ... بقايا كلمات ... وبقايا أشلاء... لملمتَ أشلائي... واجتاحتني أحاسيسك اللامحدودة...
كنتَ كحبات المطر وكنتُ أرضاً قاحلة ظامئة ...
يجتاحني حبك أحياناً كإعصار شتوي ... وأحياناً كحر الصيف وزهر الربيع ...
يهزني كالزلزال من أعماقي، ويعيد تشكيلي على هواه...
وأُبحِرُ في لجة هواك لأغرق حتى الثمالة ... فتنتشلني ذراعاك ... وتحطان بي في جزيرة آمنة دافئة… لكم صوّرتها على شاكلة قلبك..
ويداكَ بالشوق معطرة ... وتروح وتجيء ... وتجيء وتروح ... وفي يدي كتاب ... تتلعثم شفاهي ... وبين يديك لفافة تبغ تحرقها وتحرقني معها...
تكويني ... تهدني ... وتلعثم شفاهي ...
يا لتلك النظرات التي كانت لأرضي المطر ... يا لتلك العيون التي كانت بقلبي البصر… يا لتلك الابتسامة التي ساقني إليها القدر ... قدمت لي افتتاحية قصيدة و ...
تركتُ قلمي على صوت عبد الرحمن :
- آنسة لقد انتهينا أنا وأحمد .
قلتُ له :
- أسمعنا ما كتبتماه يا عبد الرحمن.
قرأ عبد الرحمن بصوت واثق :
- " الوطن ليس فقط تلك الأرض التي نعيش عليها ، وذاك المكان الذي نشغله ... وإنما هو كل شيء نحتمي به ... ونستند إليه ... ونرى الدنيا من خلاله ... "
- هل هذا كل ما كتبتماه يا عبد الله ؟
- نعم يا آنسة ...
- الأسلوب جيد ... وفقكما الله ...
- وأنت يا ماهر ... ماذا كتبت أنت وزاهر ؟
فقرأ ماهر بصوت واثق أيضاً .
- إنّ المبصرين ينظرون إلى السماء فيرونها زرقاء وإلى الطبيعة فيرونها خضراء وإلى الأرض فيرونها ترابية اللون ...
وهنا تابع زاهر ما كان يقرأه زميله :
أما نحن المكفوفين ... فبالرغم من أننا حُرمنا من نعمة البصر ... إلاّ أننا نشعر بصفاء زرقة السماء وروعة اخضرار الطبيعة ... وما زالت رائحة الأرض عالقة في نفوسنا ...
دهشتُ بتلك الكلمات التي صدرت عن شابين لا يتجاوز عمرهما الخمسة عشر عاماً ...
سألني جهاد :
- والآن يا آنسة ... ألم يأتِ دوري أنا ووسام ؟
- اقرأ يا جهاد ...
وبدأ جهاد يقرأ بصوت هادئ كصوت أبيه ولغة سليمة وكلمات واثقة أنشأ يقول:
- " أعتذر يا أبي عن كتابة هذا الموضوع ... لأنني مهما كتبتُ ووصفت فلن أفيكَ حقك ولن أجيد التعبير!!!...
قبلتُ كلماته تلك ضاحكة على مضض ... وأثنيت على كل ما كتبه هؤلاء الأذكياء...
ثم أتممنا دروس هذا اليوم ووظائفه ...
كنا كذلك كل يوم ... كورشة عمل لا تهدأ ... هم بأسئلتهم الذكية وأنا بشرحي المتواصل ...
مرت عدة أشهر ونحن على هذا المنوال ... وكنتُ قد اعتدتُ عليهم وكانوا قد اعتادوا علي ...
وذات يوم كنتُ في مقهى المدرسة أقرأُ مقالاً عن إمكانية تعليم الكلام للطفل الأصم الكفيف ... في مجلة منبر الأقوياء عالم الإعاقة ... وإذ بصوت عصام يباغتني :
- ماذا تقرأين يا وفاء؟
أجبته :
- مقال عن إمكانية تعليم الكلام للطفل الأصم الكفيف...
سألني باستغراب :
- ماذا ؟ وهل يمكن لذلك أن يحدث فعلاً ؟
قلتُ له :
- ولمَ لا ؟!
أعاد سؤالي باهتمام:
- وكيف ذلك ؟!
أجبته :
- لقد كتب الطبيب البريطاني جون بلوار (John Bulwar) مقالة عام 1648م، أعرب فيها عن إمكانية تعليم الكلام للطفل الأصم الكفيف و ...
قاطعني قائلاً :
- هذا كله من الناحية النظرية فقط .
- لا ... فلقد جاء التنفيذ العملي لما يشبه تلك الفكرة في فرنسا ، حيث أنشأت أول مدرسة لتعليم المكفوفين عام (1784) وكان اسمها مؤسسة المعهد الفلكي للمكفوفين ، ذلك على يد فالنتين هاواي (Valentin Haway).
قال مندهشاً :
- عظيم جداً . ولكن على ماذا اعتمدت في عمليتها التعليمية ؟
أجبته :
- اعتمدت في ذلك على نظام أحرف بارزة .
- وكم طالباً كان فيها ؟
- لقد كان أول تلامذة تلك المؤسسة طفل كفيف تم التقاطه من الشارع، وسرعان ما ارتفع العدد ليصل إلى اثني عشر طالباً .
- هذا كلام عظيم يا وفاء . ولكن مدرسة واحدة ماذا تستطيع أن تُقدّم؟
- ومن قال لكَ أنها ظلت وحدها ؟ فقد توالت المدارس ذات الطبيعة المماثلة من بعد ذلك، حيث تحمس الإنكليز وساروا على سنن الفرنسيين، فكانت هناك مدرسة في ليفربول عام (1791م)، وأخرى في بريستول عام (1793م)، وثالثة في لندن عام (1799م)، وكان بالتأكيد لكل مجتمع أو دولة دوافعهم الذاتية الخاصة للتقدم في خدمة قضية الإعاقة عموماً، وتراوحت الأسباب من اقتصادية إلى دينية .
- ها قد تقدمتِ كثيراً في جمع المعلومات عن المكفوفين يا وفاء .
- لقد أصبح ذلك جزءاً من اهتمامي يا عصام ... ولا تستغرب أن تراني يوماً في برنامج خليك بالبيت مع زاهي وهبة .
- بالمناسبة يا وفاء ... لقد اتصل بي البارحة زاهي وهبة وطلب مني أن أكون ضيفه في ذلك البرنامج فرفضتُ أتعلمين لماذا ؟
سألتكَ والابتسامة في وجهي :
- لماذا يا عصام ؟
- لأن يوم الثلاثاء هو اليوم الذي رأيتك فيه لأول مرة ولا أريد أن يراني أحد غيرك فيه يا وفاء !!
صمتُّ لا أدري ما أقول ... وكثيراً ما كان يحرجني صمتي في مثل هذه اللحظات التي من المفترض أن أتكلم فيها ...
أخرجتني من صمتي باقتراحك هذا :
- وفاء ، ما رأيك أن نتناول فنجاناً من القهوة ؟
- ولمَ لا ؟. ولكن قهوة العم أبو عبده ليست ظريفة … فهو إما أن يجعلها خفيفة كالماء أو ثقيلة كالطحينة؟ .
- لا لا يا وفاء ... أقصد ... أريد أن ... وفاء ... ما رأيك في تناول فنجان القهوة في مقهى هادئ وظريف ...
- و... لكن يا عصام ...أنت تدرك أن ... يعني...
- وفاء ...هناك أشياء كثيرة أود أن أقولها لكِ ...
- قلها الآن .
- هل تتجاهلين رغبتي ؟!
- أبداً والله ... ليكن ما تريده ... ولكن متى ؟! ...
- شكراً لقبولكِ دعوتي ... يقولون خير البرِّ عاجله ...
- أيها المحتال ... ماذا تقصد بذلك ؟
- سأقول لكِ في الطريق ...
سرنا سوية باتجاه بوابة المدرسة وإذا بالأرض تنشق عن عفريت ضخم.. صرخ بوجهي قائلاً:
ـ هيه… لماذا لم تأتِ إلى مكتبي لتتناولي فنجان القهوة الذي دعوتك إليه؟
ـ الحقيقة يا آنسة فصيحة أن الوقت قد سرقني ولم أدرِ كيف…
ـ لا تحاولي التهرب مني… هيا هيا… وبالوقت نفسه نتشرف بطلعتك البهية يا أستاذ عصام..
ـ في الحقيقة إنني مشغول الآن.. فجهاد سبقني إلى المنزل وهو وحده الآن..
أجابته وهي تنقّل عيناها الجاحظتين بيننا:
ـ ام م م م .. جهاد … قلت لي !!!
ـ نستأذنك الآن يا آنسة..
لا أدري كيف خلّصني عصام منها. قلت له:
ـ أف.. إنها سيدة غريبة الأطوار يا عصام…
ـ مسكينة هذه السيدة … رغم تصرفاتها وحدة لسانها فإني أشفق عليها…
ـ تشفق عليها؟!.. وهل هذا منظر سيدة تستدعي الشفقة؟..
ـ نعم… فهي مطلقة وزوجها لم يترك لها شيئاً يعيلها… وهو لا يصرف عليها بما فيه الكفاية… كان الله في عونها.
ـ دعنا من هذا الحديث يا عصام… إن لمجرد تخيلي هذه المرأة يصيبني بالإحباط.
ـ هيا بنا.
لم يكن مقهى وإنما كافيتريا هادئة ذات جو رومانسي ... وكنتُ أعشق الأجواء الرومانسية ...
اختار عصام طاولة وسحب كرسياً قائلاً :
- تفضلي .
ثم سحب كرسيه وجلس قبالتي ...
لأول مرة أرى ملامحه عن كثب ...
وجه ينضح بالرجولة والكبرياء ... عينان ثاقبتان تعلوهما نظرة بريئة طاهرة ... ثغر ترتسم عليه ابتسامة ندية...
سألني ضاحكاً :
- كيف حالكِ ؟
الحمد لله كما تراني ، بأجمل حال ... وأنت كيف حالكَ؟!...
- عليلُ ... سهرٌ دائمٌ وليلٌ طويلُ .
- الله الله ... هذا شعر أم ماذا ؟!
- هذه هي الحقيقة يا وفاء ...
بدأ قلبي يرقص طرباً ... وكنتُ أشعر بالأحمر القاني يصبغ خداي خجلاً ... صمتُّ في انتظار ما سيقوله لي ... وأسئلة كثيرة تتصارع في ذهني ... هل سيبدي إعجابه بي؟! هل سيعترف لي صراحة بحبه؟! هل سيشكو لي قلقه وانشغاله بي ؟! هل ... وهل...
- لماذا صمتِّ يا وفاء ؟
- لا لشيء ...
- وفاء اسمعيني ... أردتُ أن نكون سوية بعيداً عن أعين الناس ... فهناك أشياء لا نستطيع البوح بها إلاّ إذا كناّ مع من ... مع الذي ...
في الحقيقة ... أخافُ عليكِ يا وفاء ... أخاف عليكِ...
- من ماذا ؟!
- من كل شيء ...
- ولكنني لستُ صغيرة يا عصام ...ثم لماذا تخاف عليّ ؟!
- افهميني أرجوك ... إني قلق للغاية هذه الأيام ... وبالكاد تغفو عيناي...
اقتربتُ منه قائلة :
- ولماذا يا عصام ؟
- لأني أحبكِ ! ...
ابتعدتُ للخلف مندهشة من اعترافه المفاجئ السريع ... ويبدو أن شعور الدهشة المفاجئة قد انطبع على وجهي ...
سألني بحزن :
- مالكِ يا وفاء تصمتين هكذا ؟!
لم أستطع الإجابة إلاّ بنظرة عتاب ...
- لماذا لا تجيبيني ؟! إنك مقلّة دائماً في الحديث معي ومتحفّظة جداً وهذا ما يزعجني ويقلقني كثيراً … لقد كنتُ أعزو ذلك إلى وجودنا أمام الملأ … أما الآن فنحن وحدنا يا وفاء … أنتِ وأنا … وفاء وعصام فقط … فلماذا هذا الصمت الرهيب ؟...
ازددتُ صمتاً وقلقاً ...
- وفاء ... لقد اعترفتُ لكِ بحبي ألم تسمعي؟...
- سمعتكَ يا عصام ...
- وأنتِ ؟
- لا أريد أن أجيبك الآن .
- لماذا ؟!…
- لا أريد الكلام في هذا الموضوع يا عصام ...
- وماذا تكلمتِ أنتِ ؟! ... ماذا تكلمتِ ؟!!!!
غرقتُ في صمتي مرة أخرى ...
- هل عدتِ إلى الصمتِ ثانية يا وفاء ؟
- عصام … هل أنتَ متأكد من مشاعركَ نحوي؟!
- وهل أنا طفل صغير أو مراهق يتهافت على أي مائدة ويرتوي من أي نهر ؟!
- ألا ترى أنك تسرعتَ في الإفصاح والتصريح ؟
- ألم يخبركِ حدسكِ الأنثوي ؟! … أجيبيني …
لا تحاولي إخفاء مشاعركِ يا وفاء … لقد لاحظتُ أن الارتباك باد عليك من أول يومٍ قابلتكِ فيه … وكنتُ أراقب نظراتكِ وتلعثم كلماتكِ … ولاحظتُ أنك لم تتحدثي مع أحد غيري في المدرسة … ولم تخفَ عني السعادة الكبرى التي تجتاح عينيك حالما تشاهداني ...
مالكِ صامتة هكذا يا وفاء ؟! أنا لا أحب الصمت يا عزيزتي ... وأعشق جنون الأحاديث ... الصمت يضجرني ويشعرني بالملل ... أعشق كلماتك ... أعشق حديثك ...تكلمي يا وفاء ... قولي أي شيء أرجوكِ ...
خانتني شفتاي ... وكنتُ أدركُ مقدار الألم الذي سببته لكَ ... فنحن معشر النساء حينما نهوى ، نتمنى كلمة من الحبيب أو همسة منه أو لمسة أو حتى نظرة ...
ونتمنى في قرارة أنفسنا أن يأتي اليوم الذي يعترف فيه بحبه لنا... ونبقى ننتظر ذلك اليوم على أحرِّ من الجمر... حتى إذا ما جاء... نكابر... ونتدلل وننكر مشاعرنا ونتنكر لها...
لماذا صمتُّ؟!
لا أدري ...
ربما من الدهشة المفاجئة تلك ... وربما من كثرة شوقي لسماع هذه الكلمة انعقد لساني ... وجفت الكلمات في حلقي …
ما الذي حصل لي لأغرقَ في صمت مفاجئ ؟! … وأنا التي كنتُ أرقص طرباً كلما أطلَّ وجهك مُصَبِّحاً علي ...
ما الذي حصل لي وأنا التي كنتُ أحترق في انتظار اليوم الذي تسمعني فيه هذه الكلمة؟!
ما الذي حصل لي وأنا التي سهرت ليالٍ طويلة تناجيك وتحادث طيفك الغالي ؟!! لماذا غمرني حينها خوف مفاجئ؟! أهو خوف من الغد المجهول..؟!
لماذا كل هذا الصمت ؟!
لا أدري ...
ربما لأنني أحببتك بصمت ... أو ربما غير ذلك ... أو ... أو ...
أتراني صمتُّ بلا سبب ؟!
ما عدتُ أدري ما السبب، لكنني في النهاية ... صمتُّ...
تذكرتُ قولاً لأحلام مستغانمي في باكورة إبداعها ورائعة ثلاثيتها "ذاكرة الجسد ". هذا القول الذي ألّفتُ لك منه ذات يوم قصيدة ما زالت محفورة بذاكرتي:
"العشق ليس أرجوحة يتجاذبها الممكن والمستحيل " ...
أيقظني صوتك من هذيان روحي :
- وفاء !
- ماذا يا عصام؟
- أحبكِ...
- وأنا سعيدة جداً بحبك لي ...
- وأنتِ؟
- وهل من الضروري أن أقولها لك ؟!
- ما رأيكِ ؟
- ألا يعبر لك ما شاهدته من ارتباكي وتلعثم كلماتي أمامك والمشاعر التي أظهرها لك عن هذه الكلمة ؟
- بلى ... ولكن ليطمئنّ قلبي !!!
- عصام ... ألم تدعني لتناول القهوة ؟
- نعم.
- فأين هي ؟ بالله عليك عجل بها فقد جف ريقي..
طلب عصام فنجانين من القهوة … كان يحبها دون سكر … وكنتُ أعشقها مع السكر … لا أدري كيف يستطيع ارتشافها هكذا ...
جاء فنجان القهوة ... رشف عصام أول رشفة منه وأشعل لفافة تبغ وغرق في صمت أليم ...
- مالكَ يا عصام ؟
هل أزعجكَ حديثي ؟
---------------------
- عصام ! مالكَ يا عصام ؟ ! هل أزعجك حديثي ؟!
- نعم .
- أكان قاسياً ؟...
- جداً...
- ولكن يا عصام ألا ترى معي أنك استعجلت البوح بمشاعرك ؟!…
- وهل نحن الذين نتحكم بمشاعرنا يا وفاء ؟! ثم ألم تتوقعي هذه الكلمة؟! ألم تشعري بها ؟!
---------------------
- أجيـبي !
- ربما ... ولكن ليس الآن ! ...
- وما الفرق بين الآن وبعد عشر سنوات ؟ أنا شخصياً أشعر أنني قد أحببتكِ منذ ألفي عام ...
شعرتُ للحظة أنني ربما بعنادي هذا سأخسر عصام ... فقررت البوح له بما دفنته طيلة تلك الأيام ...
- بلى يا عصام ... وأنا أيضاً ... أحبكَ ...
وهنا عضَّ عصام على شفتيه ونظر إليّ نظرة لم أفهم معناها ...
- ما بكَ يا عصام ؟ ... أليس هذا ما تريده ؟ ألم ترق لك كلمة أحبك؟!...
- بلى ... ولكنها مقتضبة ...
- وماذا تريد مني ؟ ! أن أصرخ بأعلى صوتي "أحبكَ"؟!
قال مازحاً :
- ولِمَ لا ؟...
- أصرخ يا عصام والله ...
- تعمليها يا مجنونة ...
مرّ في هذه اللحظة عجوز يحمل بيديه مجموعة من الورود ... وبدون أية مقدمات قدَّم لنا وردتين ...
فقال له عصام :
- ليس الآن يا عماه .
- لماذا يا بني ؟
- لأنها لم تهوني بعد ...
- الورد يا بني ليس بالضرورة للمحبين ... فهو يُقدَّم للصديقة والأخت والأم و...
- هاتِ واحدة...
دفع عصام ثمنها وقدمها لي
سألته :
- ماذا يعني لم تحبني بعد يا عصام ؟
ضحكَ ملياً ولم يجبني ...
- ماذا قصدتَ يا عصام بذلك ؟
- أليس هذا صحيحاً ؟
- ولكني اعترفتُ لك بحبي !!! ...
- لم يعجبني اعترافكِ هذا...
- أأصرخ " أحبكَ" ؟
- لا يا مجنونة ... لا .
تحادثنا لمدة ساعة أخرى ...
حدثني عن نفسه وعن عشقه لأغاني عبد الحليم حافظ ... وعن طفولته وكم كان يعاقبه والده لشقاوته ... وعن عائلته ... وعن جهاد الذي أرسله إلىالخارج... وكيف شُخصت إصابته ورُكِّب له طرف اصطناعي مكان ساقه اليسرى...
طلب عصام فنجانين آخرين من القهوة ...
أمسك فنجانه بين يديه والبخار يتصاعد منه ... ودخان تبغه يتصاعد من فمه ... ليمتزج بخار قهوته مع دخان تبغه ... فيطول مداهما دوائر.. دوائر ... وتتغلغل رائحتهما بأنفاسي …
أمسكتُ فنجاني وحاولتُ أن أرتشف منه رشفة ... ولكن هيهات هيهات... فالدفء الذي غمر أنفاسي شلّ حركتي ...
ويتسرب دخان تبغك إلى أعماقي ... يجتاح عواطفي ومشاعري بلا استئذان ... يتمدد بشراييني يصبح نَفَسُكَ جزءاً من أنفاسي ... فأعود لصومعتي محملة بأعذب الكلمات... وأروع العبارات ... يا من تغلغلتَ في مسامات روحي وسكنت شغاف قلبي ...
أيها الشادي في ليل غربتي ... أي قمر أهديتني، وأية سماء قد لونت لي؟!
مرت سنون كنت أحسبها سنين حزنٍ لأنك لم تكن فيها...
فأي قدر ذاك الذي جعلك تبزغ في سماواتها وتسكب فيها نسغ السعادة؟!! …
ودونما استئذان تسربت إلى أعماقي ... بضحكتك الرنانة ...
بروعة أحاسيسك ...
أدركُ ... ويالروعة ما أدركه ... كيف اقتحمتَ أعماقي ... وتغلغلت في شراييني ... شراييني التي بدأت تنبض باسمك ... بأجمل اسم سمعته في عمري ...
وما أدراك ما عمري ؟؟!!!
عمري أغنية تتغنى بك ... ولك ... لوجهك الصبوح ... لعينيك اللوزتيين ... لشفاهك الخمرية ... لشعرك الليلي ... وجيدك الأغيد !!! ...
عمري أنشودة سفر ... ترحل منك وإليك عبر نسائم الصباح ، تطير لوجنتيك ، وتلثم صوتك الآتي في هدأة الليل عبر الأثير المنساب شلال شوق دافئ...
وما أدراك ما ليلي من دونك؟؟!!!
ليلي ؟
ما ليلي إن لم تكن فيه القمر والنجوم ؟!...
ليلي من دونك ... من دون سماع صوتك ... صحراء موحشة ... صحراء مقفرة ... سماء ضبابية ... أرض قاحلة ...
وحينما يأتيني صوتك الملائكي بعد ليل طويل ... موحش ... تتحول صحرائي إلى غوطة غناّء ... تنتظم في جيدها حبات المطر عقداً من اللؤلؤ السماوي المبارك…
وأنا الظامئة إلى حضرتك المدلهة في انتظارك ...
ماذا أسميك؟!!
ربيع عمري الآتي ؟!
أم هدية العمر الذي رحل ؟!…
ماذا أسميك يا ربيع عمري؟! يا أجمل الهدايا ؟!
أنت يا من اقتحم الحشا ...
أتراكَ شعرت بروحي كيف تصبو إليك ؟!
أتراكَ لمست روحي في تلك اللحظة التي عانَقَتْ فيها روحك ؟!...
وآهٍ من روحك...
آهٍ من مساءات صوتك وهمسك ...
وأي همس ذاك الذي يتلاعب بآفاق نفسي ؟! ويدغدغ ما تبقى من سنين عمري ؟!
وأي عمر هذا الذي أعيشه بعيداً عنك ؟!
آهٍ مما يفعله صوتك بي... فكيف أنت حين اللقاء ؟!
آهٍ من نار بعدك … التي يشتد أوارها فلا يخمده غير اللقاء !!!
تسائلني عيناك إن كنتُ أجيد السباحة !!!؟ …
وأنا يا عمري … أنا يا كل عمري قادرة على العوم في أطول الأنهار !!!
وأعمق البحار ... وأوسع المحيطات ...
وأبحر ... وأبحر ... وأبحر ... وأعوم وحدي ...
لكنني ... ... ؟!!!
أغرق في ... ...
بحر عينيك !!!
ما الذي جرى لي بعد اعترافك بحبي ؟!
أي هذيان هذا الذي استوطن فكري وشغل روحي ...
أتراك تحبني بالمقدار الذي أحبك فيه ؟!!
أنظر للسماء … ليلية داكنة … والقمر بدرٌ يتضرّج سحره بأحلامي ... يسترجع ما خزنته في قلبي منذ ساعات من ذكريات آسرة ...
لم تستطع عبراتي أن تبقى سجينة بين قضبان عيوني...
كسَّرَتِ الأقفال وانتزعت القضبان وانهمرت كالشلال ... بللت وجهي كما يبلل المطر تراب الأرض ...
حاولت النوم قليلاً ... الضوء في الغرفة يقلق عيوني...
ما أصعب التأرجح بين الممكن والمستحيل ...
بين الحب الصادق والخوف من المجهول ...
بين المشاعر الدافئة وصقيع الليالي ...
تحاملتُ على نفسي ... أطفأتُ النور ... وغرقتُ في نوم عميق ... عميق ...
* * *