الفصل الرابع
مفارقات
كنتُ أقرأ رواية (أيام معه) لكوليت الخوري والتي أهدانيها ذات يوم عصام ...
إذ كان يدرك مدى إعجابي بقصائد هذه المبدعة وقصصها ...
رحتُ ألتهم كلماتها التهاماً ... وفي الوقت ذاته ... أعقد مقارنة بسيطة بين زياد وعصام... وبين ريم ووفاء ...
كان زياد يشبه عصام في طريقة حبه لريم وفي كبريائه...
فزياد واقعي في الهوى يعشق الحرية ويكره أن تقيده امرأة ... ويرى أنه لا ينبغي أن يقدم لريم حباً جنونياً ...
إنه لم يألف حياة الحب الصادقة من قبل ... فقد كان يعتقد أنه رجل ككل الرجال ... رجل عابر في حياة ريم ...
زياد كان يحب ريم حباً عميقاً ... عميقاً ولكنه لا يصل إلى حافة الجنون...
وعصام كذلك ...
زياد لم يكن يتمسك يوماً بريم إلاّ حين يشعر بجفائها ... ولذلك تكاد عيونه أن تدمع حين تصارحه بأنها ما عادت تحتمل لا مبالاته وقلة اهتمامه...
وكذلك عصام ...
ريم كانت تحب زيادها بجنون ... فجاء حبها ممتزجاً بالرغبة وسطوة الألم ...
كذلك كان حب وفاء لعصام ...
ريم ، حين هاتفها زياد قائلاً:
" ومن أكون أنا ؟ أنا رجل ككل الرجال ... أنا رجل عابر في حياتك " ...
أحست بطعنة خنجر تغتال كبرياءها...
وكذلك كان إحساس وفاء ...
ريم كانت ضعيفة في حبها لزياد، تائهة ... ضائعة ... ربطت مصيرها بيد رجل واحد ... أسلمته مفاتيح قلبها، وذابت في خطوط يديه…
ولذلك أشقتها قلة غيرة هذا الرجل ... وكثيراً ما كانت تردد بينها وبين نفسها :
لا ... لا ... ليست ثقة عمياء تلك التي تجعله غير مبالٍ...
ألستُ جميلة ؟! ألستُ مغرية ؟! ألستُ شابة ؟!
ألستُ زهرة يحوم حول عبيرها الرجال ؟!
هذه الثقة العمياء تثير نقمتي … وتستفز غروري … " وكذلك كانت تقول وفاء ...
ريم أحبت زياد حد العبادة ... وكان حبها تياراً جارفاً، لا يقف في طريقه شيء ...
وقد ضاق زياد به ... وكذلك كان حب وفاء لعصام ...
كنتُ أقرأ هذه الرواية بقلب أترعه الألم ... وأنا أذكر جرحه الأخير لي :
"ستعتذرين والآن حالاً "
عجباً له ... كيف أعتذر قبل أن أعرف ما اقترفت يداي.. قبل أن أسلّم أنني أخطأت ؟!
كيف يريدني أن أعتذر وأنا التي ليس لي في الهوى ذنب؟!
سأهجره … نعم سأهجره … وسأرحل عنه ...
لم أعد أحتمل حباً بارداً تثخنه الجراح ...
سأهرب منك يا عصام ...
سأهرب منك ..!
عدتُ إلى متابعة رواية أيام معه ... وقرأتُ :
"فلماذا لا أهرب من هذه الخلس ؟
ألأنني أخاف المستقبل، وماذا ينتظرني في المستقبل، أنا التي أخاف وأهرب من كل شيء حتى من التفكير في المستقبل ؟
لا ... سأعيش حاضري، حاضري جميل، فلماذا لا أعترف بأنه جميل ؟
سأتمسك باللحظات الجميلة … سأحياها بكاملها … سأعصر ثوانيها كما تُعصر الإسفنجة لآخر قطرة ماء في حناياها وسأصب فيها تأجج ذراتي وروحي ...
فتختلط قوتها بنيراني وتصبح هي وأنا شيئاً واحداً ...
أبداً ...
لن أهرب من زياد ... "
أبداً لن أهرب من عصام ... !
لن أبتعد عنه ...
سأراه غداً ...
سأقول له إنه مخطئ ... إنني مخطئه ... إننا ... !!
لملمتُ أوراقي المبعثرة هنا وهناك ... وأمسكتُ قلمي ... صديقي الذي أهرب إليه كلما استبد بي الألم ...
وبدأتُ أكتب :
أتَذْكُر يا حبيبي حين كنا، نجلس معاً في ذاك المكان... أتذكر كيف نفرت من عينيّ الدموع؟
كانت عبراتها تلهب أعماقي بسؤال لا أعرف له جواباً...
لم أكن أعلم أن كل تلك القسوة تكمن فيك ...
وهانت دموعي عليكَ ... صمتٌ مطبق كان ردك حينها...
صمتٌ مطبق وجراح ...
أتُراكَ لحظتها استنبطت من الصمت أحاديث لا تنتهي؟!…
هل أنت حقاً من أقسم ذات يوم أن لا يؤلمني ؟!
هل أنت حقاً من عاهدني ووعدني بأن لا يفجر براكين حزني، ولا يستدر دموعي؟!
لا ... !
وحق تلك العيون لن أحزن ...
وحق ترياق الشفاه ... لن أحزن ...
أتجرحني وتمضي من دون وداع ...
وتتركني في ليلٍ كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهموم ليبتلي؟؟...
وحق تلك العيون لن أشتكي ...
وحق شهد الشفاه لن ترى دمعة واحدة في مقلتيّ...
لن أسألك لماذا جرحتني ومضيت ... وأنا من ذوبت عمرها شمعة على مذبح حبك… وغاصت في يديك؟!…
بدأتُ أشعر بأن علاقتي مع عصام ستتعبني وترهقني كثيراً … ولا بد من وضع حدٍّ لها …هذا الشعور تسلل إليّ من قسوة مفاجئة صدرت عنه … وكنتُ أخاف أن تستمر هذه القسوة مستقبلاً ...
ومرّ شهر كامل ... يحاول فيه التقرب مني وأنا أتجاهله وأبتعد عنه ...
كنتُ أشعر بتمزق في أعماقي ... فمنذ متى كنتُ أسمح لرجل أن يكلمني بهذه الطريقة ؟!
وليته كان رجلاً كباقي الرجال ...
إنه أغلى إنسان على قلبي ...
تمزقت في صراع بين كبريائي الذي جرحه عصام وحبي الكبير له ....
إنني أنثى يا عصام ... أنثى تحب أن تعشقَ وتُعَشقُ ...
تحب أن تعطي وتأخذ ...
كنتُ مرة في مقهى المدرسة أرتاح من عناء درس وجدتُ صعوبة في إيصال مفاهيمه إلى تلاميذي ...
كان أمامي على الطاولة فنجان من القهوة ...وبين يديّ ديوان لمحمود درويش ، أقرأ فيه وأحادث نفسي في الوقت ذاته :
"أنا امرأة لا أقل ولا أكثر "
أنا امرأة يا عصام يحق لها أن تعشقَ وتُعشَقُ ... يحق لها أن ترغَبَ وتُرغَبُ ...
أنثى متفجرة شوقاً إليك وألماً منك وحباً وهوى ...
" أنا امرأة لا أقل ولا أكثر "
امرأة تهواك بكل جوارحها ونبضات قلبها ...
" أعيش حياتي كما هي خيطاً فخيطاً "
أنا امرأة تحب أن تعيش يومها وحاضرها ... وترغب بمستقبل هادئ معك ، خالٍ من الجراح والأحزان ...
" وأغزل صوفي لألبسه ، لا لأكمل قصة هومير أوشمسه" وألبس الألوان التي تهواها ... أغزل صوفي لألبسه لك ... لا لغيرك ...
أنتقي الألوان التي تعشقها ... وأرتديها لك ... لا لغيرك يا عصام ...
" وأرى ما أرى كما هو في شكله
بَيْدَ أني أُحدّق ما بين حين
وآخر في ظله
لأحس بنبض الخسارة "
أنا التي عشقتك وعشقت آلامك وآمالك وغابت في غياهب ظلك لتستفيق على صدر سرابك وتشعر بالألم والجراح ... ونبض الخسارة ...
" فأكتب غداً
على ورق الأمس : لا صوت
إلاّ الصدى "
وكم حلمت بغدٍ جميل معك ... كم انتظرته مفعماً بالأمل!...
كم هتفت له !!! وكم صليت لأجله !!!
ويأتي الغدُ محملاً بإحباطات متتالية كإحباط عاشق يهتف باسم حبيبته فلا يأتيه إلاّ الصدى !
" أنا امرأة لا أقل ولا أكثر
تُطيّرني زهرة اللوز ،
في شهر آذار من شرفتي ..."
شهر آذار !!!
شهر آذار الذي شهد مولد أصدق كلمة حب وأروعها...
شهر آذار الذي شهد الحب الأكثر إيلاماً ...
شهر آذار الذي الذي نطقت به شفاهك الخمرية لأول مرة كلمة ... أحبكِ...
شهر آذار الذي بدأ خوفك عليّ يكبر فيه ...
شهر آذار الذي التقيتُ فيه بربيع آخر ...
شهر آذار الذي أراد أن يكتب قصة الحب المضمخ بالأسى، ولما تتم فصولا ...
" حنيناً إلى ما يقول البعيد :
المسيني لأورد خيلي ماء الينابيع " ...
إلى ما أقوله لك :
المس يدي ...
لتتفتح أروع الورود ... لتتفجر من بين أصابعك ينابيع الهوى ... فتلمس مقدار حبي وشوقي ولهفة قلبي..
" أبكي بلا سبب واضح، وأحبكَ
أنتَ كما أنتَ ، لا سنداً
أو سدى"
وأبكي ... ولطالما بكيتُ أمام عينيك وبعيداً عنكَ ...
ولطالما انهمرت دموعي ألماً وحزناً ...
أبكي بسبب وبلا سبب...
كم تمنيتُ لو امتدت يدكَ يوماً ومسحت دموعي !!! ...
" ويطلع من كتفي نهارٌ عليك
ويهبط، حين أضمكَ ليلٌ إليكَ "
وكم حمَّلتُ النهار آلام ليلي واشتياقي إليك ...
وكم ضممتكَ حينما هبط الليل واستيقظتُ وبين يدي ظلك !!! ...
أتراكَ شعرتَ يوماً بهذا !!! ...
" ولستُ بهذا ولا ذاك "...
لا ... لستُ بهذا ولا ذاكَ ... وكم كنتَ تدعوني بالقمر...
ولكن القمر يحتاج ليلاً يبعده عن عيون الناس ويحتويه...
" لا ، لستُ شمساً ولا قمراً ...
أنا امرأةٌ ، لا أقل ولا أكثر
فكن أنت قيس الحنين ،
إذا شئتَ "
أسميك قيساً، وأُعلن نفسي في الهوى ليلاك ... وأشهد أنك أنت الوحيد ليس في القلب سواك..
"أما أنا ...
فيعجبني أن أُحبُّ كما أنا
لا صورةً
ملونة في الجريدة ، أو فكرة
ملحنة في القصيدة بين الأيائل ..."
آهٍ يا عصام لو تحبني كما أنا ... امرأة تهواك كما أنتَ ... حالماً ... واعداً ... ساحراً ... يقظاً ... هادئاً ... مفرحاً ... مؤلماً ... جارحاً ... دافئاً... بارداً ...
ولشدّ ما أتمنى أن تدرك ما أنا ...
" أنا من أنا ، مثلما
أنت من أنت "
أنا العاشقة المحبة المفتونة الولهانة المتفجرة شوقاً وحنيناً...
وأنت المحب الفاتن المفجر للشوق والحنين...
" تسكن فيَّ
وأسكن فيك إليك ... ولَكْ ...
أحبّ الوضوح الضروري في لغزنا المشترك"
ولَكَمْ أحبك أن تكون واضحاً معي في كل شيء ...
في حاضرنا ...
وفي مستقبلنا ...
مستقبلنا الذي أخشاه من قبل أن يأتي ...
لَكَمْ أحبكَ واضحاً معي في كل شيء ...
" أنا لك حين أفيض عن الليل
لكنني لستُ أرضاً
ولا سطراً
أنا امرأة ، لا أقل ولا أكثر "
أغلقتُ الديوان ووضعته جانباً وعدتُ إلى شرودي القاتل...
ولم أنتبه إلاّ وصوت عصام يقرأ في الديوان بصوت آسر :
" يجلس الليل حين تكونين ، لَيلُكِ من
لَيْلَكْ...
وليلكِ ... ظلّكِ...
قطعة أرض خرافية للمساواة ما بين
أحلامنا . ما أنا بالمسافر وبالمقيم على
ليلك الليلكي ، أنا هو من كان يوماً
أنا ، كلما عَسعَسَ الليلُ فيك حَدَستُ
بمنزلة القلب ما بين منزلتين : فلا
النفس ترضى ، ولا الروح ترضى . وفي
جسدينا سماء تعانق أرضاً . وكلّكِ
ليلُكِ ... ليلٌ يشع كحبر الكواكب . ليلٌ
على ذمة الليلِ ، يزحف في جسدي
خَدَراً كنعاس الثعالب . ليلٌ ينثُّ غموضاً
مضيئاً على لُغتي ، كلّما اتضح ازددتُ
خوفاً من الغد في قبضة اليد . ليلٌ
يحدّقُ في نفسه آمناً مطمئناً إلى لا
نهاياته ، لا تحفُّ به غير مرآته
وأغاني الرعاة القدامى لصيفِ أباطرةٍ
يمرضون من الحبِّ . ليلٌ ترعرع في شِعرهِ
الجاهلي على نزوات امرئ القيس الآخرين
ووسَّع للحالمين على طريق الحليب إلى قمرٍ
جائع في أقاصي الكلام ..."
- ما رأيك يا وفاء بهذه الكلمات ؟
- ليتك تعيها يا عصام ... ليتك تدرك ما وراءها وتَفْهمُني من خلالها...
- ماذا بكِ يا وفاء ؟! هل من اللائق أن تقابلي ذاك الكلام الجميل بهذه الكلمات المؤلمة ؟
- لماذا تسمي محاولة فهم مشاعري كلمات مؤلمة ؟! لماذا تسمي محاولة احتواء أحاسيسي وأحلامي بالكلمات المؤلمة يا عصام ؟! لماذا لا تريد أن تدرك مقدار ألمي لبعدك عني ؟…
- لا تكلميني بهذه الطريقة يا وفاء، أرجوكِ … فلقد أحبطتني وكسّرت مجاذيفي ...
صدقيني ... لم يصبني أحد بذلك كما فعلتِ أنت ... لم أشعر بالعجز والفشل كما أشعر بهما الآن ...
آتي إليكِ محملاً بأحلى الكلمات ، فأستغرب كلماتك، وأستغرب مواقفكِ وهجومكِ علي... شهرٌ كاملٌ وأنتِ تتجاهلين أحاديثي ومحاولتي إعادة المياه إلى مجاريها !!!
لماذا لم تعد كلماتي مهمة بالنسبة إليكِ ؟!
- لأنكَ يا عصام لم تعد تنتقيها كما كنت تفعل سابقاً … ولم تعد تحتوي أحاسيسي كما كنت تفعل سابقاً … ولم تعد تُشعرني بحبك كما كنت في الماضي ... و...
- لماذا يا وفاء تفسرين كل الأشياء ضدي ؟! لماذا أصبح كياني معكِ ملغياً ؟!
لماذا تهملين حبي ؟ لماذا تشعريني بأنكِ نادمة على هذا الحب ؟! ولماذا أشعر أنكِ تتحدثين معي وتتحدثين عني وكأنني غريب، وكأنني لا أفهم ولا أدركُ كل نبضاتك ... تعيدين وتكررين : لماذا لا تفهم كلامي ؟ ... لماذا أنتَ بعيد عني ؟... لماذا تتجاهلينني وكأنني لم أكن يوماً حبيبكِ ؟... وكأننا غرباء... لماذا تهملين حبي ومشاعري طيلة شهر كامل ...
- هذه الغربة التي تشعر بها يا عصام من صنع يديك، فيداك أوكتا، وفوك نفخ ... أيُعَقلُ أن أسألك سؤالاً أريد إيضاحاً له فتعتبر ذلك تدخلاً وتجرح وتخدش كما يحلو لك ؟ ألا يحق لي السؤال ؟!
إنكَ لا تفهمني يا عصام ... بل لا تريد حتى فهم أحاسيسي ومشاعري...
- لم أتصور يا وفاء أنكِ تستطيعين أن تكوني بهذه القسوة ...
لم أتصور يوماً أنَّ بإمكان وفاء أن تلغي إحساسي وتهمشه بل وتتهمه بالسطحية. هل تظنين أنني جدار أصم ، لا أسمع ... لا أفهم ... لا أدرك ... لا أحس ... لا أرى ؟!
هل تحسبين صمتي ضعفاً ؟
لماذا تسمعيني اليوم من الكلام ما لا أحتمله، وترمينني باتهامات لا ناقة لي فيها ولا جمل.. لم أكن أتوقع منكِ مثل هذا؟ ومع ذلك أتجاهله ولا أعاتبكِ عليه ... وهاأنتِ تعاتبينني على كل كلمة قلتها ولو منذ حين ، وحينما تعود الأمور لمجراها الطبيعي، أشعر أنكِ لم ترضي كما يجب ولم تنسي الكلام السابق.
وهاأنت اليوم تعيدين الكلام ذاته والمسألة ذاتها وكأننا لم ننهِ المشكلة، وكأننا نجمّع المشاكل لننسى أحلى ما يمكن أن يقال وأجمل ما يمكن أن يعاش...
-أين هو " الأحلى ما يمكن أن يقال والأجمل ما يمكن أن يعاش" يا عصام ؟!
لقد تبدل كل شيء بيننا ... وتغير الحب الكبير الذي جمعنا ... صرنا أنا وأنت بدلاً من أن نعيش الحب كما تقول، نتجاهله ...
الأنثى العاشقة يا عصام كالوردة المتفتحة إن لم تُسقَ بين حين وآخر تذبل وتموت...
وقد بدأتُ أشعر فعلاً بيباس ورود الحبِّ التي زرعتها بداخلي والتي لم تعتنِ بها حتى تكبر وتصبح شجرة يانعة وارفة الظلال، تتفتح لك كل يوم عن زهرة ندية طيبة الشذى...
لم أعد احتمل هذه الأيام القاسية التي نعيشها ... ولستُ نادمة على حبي لك كما تشعر... لكني بدأتُ أشعر أنني أقحمتُ نفسي في تجربة مريرة ... كل أبوابها مغلقة لا بل موصدة ... وكلما حاولتُ فتح باب منها لأدخل عالمك الوردي ، أصطدم بأشواك مزروعة في طريقي إليك ...
إنني محبة يا عصام ... والمحب متطلب متعطش لأحلى الكلام ... للحنان ... للحظات بريئة ... دافئة ... حنونة ...
ليس لأيام وشهور وربما سنين جارحة ومؤلمة ...
- لم أعد أعرف يا وفاء ماذا يجول في خاطركِ من أفكار وظنون... لم أعد أعرف ماذا تضمرين ولا بأي شيء تفكرين؟..
هل أصبح الحديث عن الحب صعباً إلى هذه الدرجة ؟ هل أصبح التفاهم مع من نحب مستعصياً؟ هل الوصول إلى قَدرٍ من التوحد مستحيل ؟ هل أطلب الكثير يا وفاء ؟ هل أطلب الكثير ؟!
هل سيطر الملل على تفكيرك وحياتك وحتى حبك ؟
هل اجتاح التعب قلبك وأحاسيسك ؟ هل أنتِ أنتِ ؟!
أم أن وفاء لم تعد وفائي ؟!
- أي حديث عن الحب هذا الذي تدّعيه … تمطرني بأحلاه في البداية ثم تغمرني بمرارته … تقول إنك ...
- هل أصبح ألمي وحزني يا وفاء مهزلة لكِ ؟ هل أُلغي الإحساس من علاقتنا ؟
في كل مرة أصمت فيها أكون قد كتمتُ كلاماً ورداً على كل ما تقولين...
إن باستطاعتي الرد عليك يا وفاء، ولكني أمتنع أحياناً لأني لا أريد تدمير أزهار الحديقة ، ولأنني أيضاً لا أريد بحوارنا وجد لنا أن أزرع الأشواك وأدوس على الأعشاب لندية...
أتظنين أن لا جواب شاف لديَّ عن كل تساؤلاتكِ واتهاماتكِ وكلامك القاسي ؟
بلى لدي الكثير ، ولكن بعضه قاسٍ، جارح ... مؤلم...
وهذا البعض لا أريدك أن تسمعيه ، مع أنك تسمعيني ما هو أقسى وما هو أكثر تجريحاً وأشد إيلاماً ...
- ألا تعتقد يا عصام أنك بالغت في جدالك هذا وفي اتهاماتك التي لا مبرر لها ؟
- ماذا يا وفاء ؟ هل ذنبي أنني صريح جداً معكِ ؟!
هل ذنبي أنني أصون الحب من الدمار ؟!
هل ذنبي أنني أتحاشى النقاش في مسائل لا طائل من ورائها إلا الكلام الفارغ والإهانات؟ … هل ذنبي أن …
- ماذا يا عصام ؟ هل الحديث في الحب وعنه وعن مشكلاته وصعوباته وحلاوته ونقائه وأزهاره وأشواكه يُعتبر قتلاً له ؟!
أو تصدق نزاراً حين قال:
كلماتنا في الحب تقتل حبنا
إن الحروف تموت حين تقال
- دعينا نؤجل الحديث في هذا الموضوع إلى وقت آخر يا وفاء...
- كما تريد يا عصام ... ولكنك بتأجيلك لمثل هذا الموضوع ستترك آثاره إلى حين...
- إلى اللقاء يا وفاء ...
- إلى اللقاء ...
كنتُ قد تأخرتُ عن درسي ... فجرس المدرسة رنّ منذ برهة من دون أن انتبه له...
حملتُ كتبي وذهبتُ محملة من جديد بسطوة الألم ...
وصلتُ الفصل الدراسي ...
دخلتُ الصف وأنا أكفكف دمعة لم أستطع أن أحبسها طويلاً ...
بغداد …
هانحن آتين إليكِ زرافات ووحدانا لنروي ترابك من دمانا … أرواحنا … أجسادنا … دماؤنا … أبناؤنا فداكِ …
بغداد …
لقد حان موعد الحساب …
حان أن تصبّي فوق جباه الغاشمين العذاب …
حان أن نرفع الأسنة والحراب …وإنّا وإياك على العهد الذي قد رضعناه من المهد كلانا وسنبقى معاً حتى القيامة والحساب …
وهنا التفتّ إلى جهاد مستدركة الإجابة على سؤاله:
- لا قدر الله يا جهاد… لنصلي جميعاًً لبغداد … ولشعب بغداد…
قال الجميع بصوت واحد :
- فليحرس الله بغداد ..
خرجتُ من الصف باتجاه بوابة المدرسة.. حيث قابلت الأستاذ عبد المعطي.. الذي بادرني قائلاً:
ـ هل التقيت المدير؟
أجبته والاستغراب بادٍ في عيوني:
ـ ولماذا؟
ـ لأنه قد رشحك للمشاركة في مؤتمر للمكفوفين.
ـ مؤتمر للمكفوفين!!
ـ نعم.. ألم يصلك الخبر السعيد بعد..
ـ لا.. إلى الآن.. لا وأين سيقام؟
ـ سيقام في فندق شيراتون دمشق.. في قاعة أمية..
ـ ومن سيشارك في هذا الملتقى؟
ـ رئيس جمعية المكفوفين في سوريا، وعدد من المهتمين بهذا المجال.. ورؤساء جمعيات المكفوفين في بعض الدول العربية كمصر والسودان والأردن والسعودية ولبنان، وبعض الدول الأجنبية لفرنسا وتركيا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا..
ـ ومن هي الجهة الراعية لهذا المؤتمر؟
ـ مجلس العالِمْ الإسلامي للإعاقة والتأهيل في السعودية، بإشراف الدكتور محمد بن محمود الطريقي رئيس المؤتمر وبرعاية سمو الأمير سلطان بن عبد العزيز.
ـ لقد أغريتني جداً يا أستاذ للمشاركة في هذا المؤتمر فمتى سيقام بإذن الله؟
ـ أظن خلال شهر من الآن..
ـ سأرى ما يمكن فعله.. وشكراً لك على كل حال.
ـ لا شكر على واجب..
ـ إلى اللقاء..
ـ إلى اللقاء..
كنتُ أشعر وأنا في طريقي إلى المنزل بدوار شديد في رأسي وألم لا يطاق…
وصلتُ المنزل بعد مشقة بالغة ..ودخلتُ غرفتي …
لم أنتبه إلى غياب مرح عن المنزل..
ارتميت على السرير كما أنا .. من دون أن أبدّل ثيابي..
كنتُ منهكة القوى بعد نقاشي الحاد مع عصام …
صرت أفكر ما الذي أوصلنا إلى هنا ؟
دخلتُ في غيبوبة من التساؤلات .. وبدأت أشعر بأن المسافات تطول بيني وبينه … وبأننا إذا ما استمرينا هكذا في نقاشاتنا القادمة فسنقترب من موعد الرحيل والفراق..
لا يا عصام …
لم يحن موعد الرحيل بَعْد .. والبُعْد نار .. وناري شَوْق يتسامى إليك بأوردة صدري… صدري الذي كان واحة لحبك الكبير الآفل .. لعصفور حطّ بروضتي وغنى للزمان ثم تناءى عنه وعني وشدّ الرحال ..
ورحيلي عنك نارٌ وانتحار… وانتحاري على صدرك زلزال وإعصارُ …
كم كنتُ فيما سبق أتأمل سحركَ بصمت … ولم يستهوِكَ صمتي…
ولكم عشقتُ صمتي لأجلك وأجل أن أسمعك …
كم كنتُ أتأمل سحرك بصمتٍ ، وأرى في عينيكَ عالماً كله أشعار …
يا للحنين الذي يكاد يفتك بي ويوردني الهلاك …
يا للحب الآفل الذي ينشر أشرعة الضياع في محيط الفراق…
ويرحل معك ليلي وصباحي … وعطري … وأشجاني…
يا للحب الذي أضاعني سهداً وسهراً …
ويرحل معك نهاري … وأحيا وحيدة في الليل البهيم … كم كان حلواً حين كنت معي تشملني بعطفك وتلم على صدرك شتات أضلعي…
أسكر فيه وأصحو على جنون يديك تداعب وجنتي … وكم كانت نار كفيك تستحيل برداً وسلاماً على فؤادي..
ثم تحولت إلى رمادٍ وجراح !!
اشتدتِ الآلام في رأسي … فأخذت مُسكناً وغططت في نومٍ عميق لم أستيقظ منه حتى الثانية عشرة مساء …
كنتُ أشعر بوهنٍ في جسدي … فلم أستطع النهوض من الفراش …
عدتُ إلى التفكير في عصام وحبي لعصام …
صرتُ أسائل نفسي... ما الذي يمنعني من الانسحاب من حياته؟
ما الذي يشدني إليه ويجعلني أسيرة مقيدة الأفكار والمشاعر؟!..
لماذا لا أستطيع أن آخذ قراري وأنسحب من حياته وأبدأ حياتي بعيدة عنه.. حيث لا أسئلة من دون أجوبة .. ولا أحلام من دون تحقيق؟!
حيث لا إحباطات متكررة ولا آلام ولا جراح ....
كان يعرف كم أهواه ... ويعرف أنني كلما اتخذت قرار الانسحاب عدلت عنه لتمكن حبه من فؤادي، وتغلغله في ثنايا روحي وحنايا جوارحي ...
ولعل هذه كانت نقطة الضعف التي اكتشفها في وبدأ يتعامل معها ببراعة...
كان إحساسي بالألم يتزايد .. وشعرتُ بحاجتي إلى طبيب...
قمتُ متثاقلة أفتش عن مرح ... فلم تطاوعني قواي وغططت ثانية في نوم عميق...
كانت الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً حينما استيقظتُ على يد مرح تهزني قائلة:
- يا إلهي ... حرارتك مرتفعة.
- أين كنتِ البارحة؟
- كنت نائمة عند زميلتي فادية ...
- فادية ؟! ومن هي فادية؟ وماذا تعمل؟!!
- فادية يا وفاء.. مدرسة اللغة الإنكليزية في المدرسة التي تعملين فيها..
- آه.. نعم صحيح .... وما أخبار ناجي إذاً يا مرح ألم تسأليها؟
- لا...
- ناجي مازال في الأردن .... ولا أحد يعلم متى يعودُ...
لا أدري لماذا فكرت بناجي في هذه اللحظات ...ولماذا غمرني الشوق إليه ...
ربما كان ذلك أحد أعراض هذياني..
سألتُ مرح:
- متى يعود زوجك يا مرح؟
- لن يعود الآن … وقد أرسل لي أنه يريد بعض الحاجات من هنا .. لأرسلها إليه فما رأيكِ أن نذهب سوية إلى السوق؟!
- فكرة جيدة … ولكني أحتاج ساعة أحضر فيها نفسي، وأرتدي قناع الأحياء!!...
- وأنا كذلك يا وفاء ..هيا بنا ...
نهضتُ من فراشي بتكاسل مبالغ فيه... ووضعتُ رأسي تحت الماء البارد لعله ينعشني قليلاً ...
شعرت بعدها بقليل من التحسن وبرغبة في احتساء فنجان من القهوة على شرفة المنزل ...
أدارت مرح المذياع وبدأت تقلب محطاته...
كنتُ أنظرُ للأفق البعيد ...
يا الله .. يا لصفاء السماء وروعتها...
جاءني صوت المطرب التركي Ibrahim TATLISES في أغنيته:
- Mavi ….Mavi…
أزرق..أزرق
سماء صافية ... وأغنية رومانسية ... وأنا بينهما فتاة عاشقة ... هائمة ...
حالمة بفضاءات بحيرة زرقاء... لا زوردية...
ورحتُ أذكرُ حنان عصام ..وشوقه وحبه ومداراته لمشاعري... وكيف كان ينتقي الكلمات التي لا تخدش مشاعري...
عقدت مقارنة ثانية...
ولكن هذه المقارنة كانت بين طريقة حبه لي في بداية معرفته بي... وطريقة حبّه لي الآن بعد أن تمكن من مشاعري...
لم يعد عصام يهتم بمشاعري وأحاسيسي كما كان يفعل سابقاً...
لم يعد ينتقي كلماتهُ قبل أن يحدثني كما كان يفعل سابقاً...
لم يعد عصام يختار أجمل الأماكن ويأخذني إليها ولم.. ولم...
أصبح مهملاً لمشاعري وأحاسيسي ورغباتي.. ولم أعد أطيق حبه الجارح الأسر.. المقيد ...
احتسيتُ قهوتي وأنا أفكرُ بحبه لي وحبي لهُ ... محاولة للمرة العاشرة أن أتخذ قراراً بالابتعاد عنه ...
-Mavi ….Mavi…
…………………
أزرق ...أزرق ....
هل كان إبراهيم طاطليسس يشعر بذاك القرار الذي أود اتخاذه .. ليذكرني بين وقت وآخر بزرقة البحيرة وسمائها ؟! وليأخذني أنا التائهة الهائمة… إلى تلك البحيرة وإلى ذكرياتنا أنا وعصام على ضفافها؟!
-Mavi ….Mavi…
أزرق ... أزرق ...
أزرق حبي لك يا عصام رغم كل الظروف والجراح...
أزرق سماوي قلبي وأنت به ...
-Mavi ….Mavi…
…………………
أزرق بحر هواك وآسر ...
أزرق بحر عينيك وساحر ...
-Mavi ….Mavi…
…………………
كان هذا المطرب ... مطربي المفضل ... وكنتُ أحب الاستماع إليه في جميع الأوقات...
صباحاً ... ظهراً ... مساءً... فقد كان صوته يبدو وكأنه قادم من أعماق البحار ... وكم كان يشبهك يا عصام ... بوجهه الذي ينضج رجولة... وبذاك الشارب المحلق في سماء البطولة، حتى القامة المربوعة نفسها ...
ولولا لون عينيه الكستنائي... لكان نسخة طبق الأصل عنك ...
كان رأسي قد بدأ بالتحسن على أنغام تلك الأغنية الساحرة حين رن الهاتف قاطعاً سلسلة تأملاتي..
رفعت سماعة الهاتف فجاءني صوت فادية متسائلاً:
- ما بك يا وفاء؟.. لقد قلقنا عليك...
- قليل من الصداع وكثير من الإرهاق ...
- يا إلهي.. صوتك قد تغير جداً.. سلامتك يا وفاء... أتريدين أية مساعدة؟
- لا شكراً لك...
لقد سأل المدير اليوم عنك... والأستاذ عبد المعطي وأبو عبده وكل تلاميذك سألوا عنك يا وفاء ...
(لم يكن اسم عصام بينهم إذاً)
- شكراً لكِ يا فادية.
- وفاء، اسمعي... لقد سأل عنك عصام وكان قلقاً للغاية...
إن أردت أية مساعدة فلا تترددي... نحن أصدقاء... هل ستأتين غداً؟
- هذا رهن بصحتي ومزاجها المتقلب...
- أتمنى لكِ الشفاء العاجل...
- شكراً يا فادية وإلى اللقاء...
- إلى اللقاء يا وفاء...
إذاً... لقد سأل عني عصام...
أتراه شعر بغيابي وقيمة وجودي؟!
جاءني صوتُ مرح كصوت جني انشقت الأرض وأخرجته:
- هيه...ألم تجهزي بعد...إذا استمريتِ بالثرثرة على الهاتف هكذا فلن نتسوق في حياتنا...
- دقائق وأكون جاهزة يا مرح...
استقلينا أنا ومرح باصاً صغيراً للأجرة باتجاه السوق...
جلسنا في الإتجاه المعاكس للسائق...
هزتني مرح قائلة:
- انظري إلى الشاب الجالس قبالتك... إن عينيه تتفرسان في وجهك منذ أن صعدت الباص...
نظرت خلسةً إليه... والتقت عيناي بعينيه...
كانتا سوداوين ولهما نظرات ثاقبة...
يا إلهي...
ما قصتي أنا والعيون السود؟! بل ما قصتي مع اللون الأسود؟!
لا أدري لحظتها لماذا استيقظ غرور الأنثى في داخلي...
فهاهو شاب أنيق جميل المحيا.. وجهه حسن وعيناه صافيتان.. يجلس قبالتي يتأمل وجهي... بل يكاد يلتهمه التهاماً!!!
اصطنعت مع مرح حديثاً عن زوجها...
وبين حين وآخر رحت أسترق النظر إلى الوسيم الجالس قبالتي... لتلتقي كل مرة عيناي بعينيه ...
حتى أنّ مرحاً نهرتني قائلة:
- هيه ... إن هذا لا يصح.. إنك تخترقين شريعة الأنثى..
أعترف أنني لم أستطع مقاومة النظر إلى ذلك الوجه القمري ...فمن ذا الذي يستطيع أن يقف مكتوف اليدين في حرم الجمال .. ثم أليس الله جميلاً ويهوى الجمال ...
كنتُ سعيدة جداً بنظراته واهتمامه بي.....
وكنتُ أتساءل ما الذي أعجبه فيّ؟!
تراه أُعجبَ بلون عيوني الكستنائي ؟! أم بتصفيفة شعري ؟! أم بتلك النمشات الصغيرة التي كانت تنتشر كحبات السمسم في صحن خدي؟!
كان يحمل بين يديه هراوة بيضاء صغيرة تشبه هراوة المدرسين ... إذاً لعله مدرّس مثلي ...
وما الذي يعنيني فيه؟! له شأنه ولي شأني..
إنه مجرد عابر سبيل ينتقل مثلي من محطة لأخرى ...
ربما لون عينيه اللتين تشبهان عيني عصام هو ما شدّني...
يقال ... إن المحب يفتش عن وجه حبيبه في كل الوجوه...
ما الذي يجعلني أتساءل هكذا ؟ ...
بل لماذا أنظر إليه خلسة من وقت لآخر ؟!
ألست عابرة سبيل بالنسبة إليه مثلما هو عابر سبيل بالنسبة إليّ ؟!
لحظات وتُنسى الوجوه … لحظات وتودّع العيون بعضها … وماذا لو أنه أراد التعرف عليّ ومبادلتي أطراف الحديث؟!
لا..لا...
سأقول له حينها إنَّ قلبي مجروح ...لا بل إنه مشغول...
وإنّ حبيبي أجمل منه بمئات المرات ...
سأريه الفرق بينه و بين عصام بكلمات موجزة ...
فهو عابر سبيل ككل الذين مرّوا في حياتي... ما خلا عصام الذي هو كل حياتي ...وهو عمري الآتي ... وبقعة الضوء التي تنير لي ظلماتي...
- هيا بنا ...
وقف ذو العينين السوداوين بتأنّ ... وأمسك بعصاه وسحبها إلى الأعلى... لتصبح أطول وأطول...
استند إليها ... ونزل بمساعدة زميله وعيناه مصوبتان باتجاهٍ واحد ...
يا إلهي ...
إنه كفيف !!!
* * *
وصلنا إلى السوق ... سوق الحميدية ... كان كل من فيه مستعجلاً وكأنه هارب من شيء ما ...
حتى أنك لتشعر بأنّ هناك من يركض وراء الشخص حاملاً عصاً في يده يريد أن يضربه بها ...
وكان الواحد منهم يصدمك من دون أن يعتذر... أو يوقع غرضاً ما من يدك ويتابع سيره من دون أدنى التفافة إليك...
ولكن أجمل ما في سوق الحميدية وفرة بضائعه وجودتها ورخص ثمنها... وكنت تحتار ماذا تختار ... فتشتري ما يلزمك وما لا يلزمك... فالبضاعة الجيدة والرخيصة تغري كل شخص ...
وأنا ما جئتُ لأشتري ... وإنما لأروّح عن نفسي... ومع ذلك اشتريتُ أشياء كثيرة ... فمن يرنا أنا ومرح وبأيدينا كل تلك الأغراض ... يعتقد أننا إما مسافرتين إلى مكان ما ... أو راجعتين منه...
مضى ما يقارب الساعتين ونحن نمتع أنظارنا بالسوق البديع ... عدنا أدراجنا قاصدين المنزل....
في صباح اليوم التالي كنتُ قد تعافيتُ تمامًا إذ إن رحلة السوق قد روَّحت عن نفسي كثيراً ... فجهزت نفسي ويممت شطر المدرسة...
اصطدمتُ بأحد الزملاء ... فرفعتُ وجهي لأعتذر منه... وإذ بوجه عصام يطالعني بمسحة حزنٍ ممزوجةٍ بالألمِ والدهشة...
ابتسم لي بتردد...
فتراقص قلبي لتلك الابتسامة .. ولعل فرح قلبي انعكس على وجهي ليبادرني عصام قائلاً :
- الحمد لله على السلامة يا وفاء ... ما الذي ألمَّ بك؟
فأجبته بآلية مفتعلة :
- قليلٌ من الصداع وكثير من الإرهاق ... ثم اتجهت إلى مكتبي..
تبعني قائلاً :
- لقد قلقتُ كثيراً عليكِ ... لم أستطع النوم ... صدقيني ...
ما بكِ يا وفاء ؟ لماذا هذا الحزن المرسوم على وجهك؟! لماذا هذه الدموع ؟!
امسحيها يا غالية، فأنت لا تعرفين كم أتألم لحزنك ...
ألا تعرفين أنني حينما أراك حزينة .. ينقبض صدري وتسود في وجهي الدنيا؟!
- شكراً لهذه المجاملات يا عصام!
قال لي بنبرة حزن :
- ليست مجاملات يا وفاء...وأنت تعرفين حق المعرفة أنني حينما أرى دمعة حزن تدور في أحداقك أتمنى أن تبتلعني الأرض ، حتى لا أراك حزينة...
أتمنى لو أنني أستطيع ولو بأي شكل أو بأي شيء منع ذلك الحزن من أن يعكر صفو وجهك الصبوح...
أتمنى يا عمري أن لا تحزني أبداً...
أتمنى لو أستطيع تحقيق كل ما في بالكِ وفي بالي ...
في مخيلتكِ وفي مخيلتي ...
أحسُّ بكل لحظة حزن تمرين بها ، وأحس بكل دمعة تجول في أحداقكِ وأشعر بمدى حزنكِ وألمكِ ... وأتمنى في تلك اللحظة أن أفعل أي شيء يسعدكِ ويقدم لكِ الهناء...
- مجرد أمنيات يا عصام !!!
- لا يا وفاء ... ليس مجرد تمنٍّ ، ثقي بي يا غاليتي أنني معك حتى آخر العمر، وأنني معكِ في كل الظروف والأحوال ، ثقي يا عمري أن ألمكِ ألمي وحزنكِ حزني ومعاناتكِ معاناتي ...
لا تحزني يا عمري ... لا تحزني ... وبالمناسبة أريد أن أقول لكِ شيئاً آخراً ...
- ما هو يا عصام؟
- أحبكِ !!!
قالها ومضى ... ومضى قلبي معه ...
قلبي الذي كان يائساً منه ومن حبه ...
لم أكن أدرك يا عمري أنه سيأتي اليوم الذي تحطّم فيه آمالي على صخرة اليأس...
لم أكن أعلم أنه سيأتي الوقت الذي ستعدِمُ فيه آمالي بحبكَ...
لم أكن أعلم أنه سيأتي اليوم الذي أنسى فيه سبب حزني وألمي من حبيب لا تعني له الأحلام والآمال شيئاً ... ولا يعني المستقبل له أي شيء ...
وأي مستقبل هذا الذي أجرؤ على أن أفكر فيه ؟ وهل أجرؤ على ذلك ؟
أحاول الاقتراب منك يا عصام خطوة خطوة ... فتبعدني عنك آلاف الأميال ...
أودُّ أن أكون شمعة تحرق نفسها لأجلك ... فتذيبها بنيران قسوتك من قبل أن تشتعل لك...
أودُّ أن أكون شمساً لتكون لكَ الدفء حين البرد ... فتحولني بيديكَ إلى قرصٍ من الثلج قبل الوصول إليك...
أودُّ أن أكون قمراً ينير لكَ ظلمة الليالي...ولكن القمر يحتاجكَ قربه حتى يكبر معك...
وكلما حاولتُ الاقتراب منكَ بالحب.. بالود.. بالصدق.. بالدمع وبالدم الغالي.. تبعدني عنك بسطوة الألم !!!
أحبكِ..هل قلتها؟!
نعم أذكر أنك قلتها وكررتها مراراً على مسمعي … ولكن ماذا قدّمتَ منها إلاّ سطوة الألم؟!
أحبك...هل سمِعَتْها أذنيّ؟!
نعم… سمعتُها مراراً وتكراراً… ولكن ماذا أخذت منها غير سطوة الألم؟!
تحتاجني زهرة في حديقتك؟غصناً بين أغصانها!! شجرة من أشجارها؟!
كم كانت تلك الزهرة تبكي أمامكَ عطشى لماء يرويها!!!…
كم كان ذاك الغصن يحتاج إليك يا طيري تشدو عليه أعذب الألحان..!!
كم كانت تلك الشجرة تحتاجك جذراً تستند إليه ويشتد به أزرها...
ليتك يا عصام تدرك أنّ هواك بدأ يفتك بالبقية الباقية مني...
وهاأنا ...أداري آلامي وجراحي..وأنتَ أنتَ..لم تعِ بعد سبب دموعي وآلامي...
حان موعد درس النشاط اللاصفي ...
وهنا اخترتُ لهم أغنية فرنسية وغنيتها لهم مراراً وتكراراً ليحفظوها.
Et si tu n’ existais pas
Dis – moi pourquoi j’ existerais ?
Me trainer dans un monde sans toi
Sans espoirs et sans regrets .
Et si tu n’existais pas
J essairais d’inventer l’amour
Comme un peintre qui voit sous ses doigts
naitre les couleurs du jour
Et qui n’en revient pas …
Et si tu n’ existais
je ne serais qu ‘un point de plus
Dans ce monde qui vient et qui va
Je me sentirais perdu
J’aurais besoin de toi
Et si tu n’existais
Dis – moi comment J’existerais?
Je pourrais faire semblant d’être moi
Mais je ne serais pas vrai
Mais si tu n’existais pas
Je crois que Je l’ aurais trouvé
Le secret de la vie , le pour quoi?
Simplement pour te créer
Et pour te regarder…
Et si tu existais pas
Dis – moi pour quoi j’ existerais
Pour trainer dans un monde sans toi
Sans espoirs et sans reg rets
كانت الساعة الحادية عشرة والربع صباحاً حينما كنا نسير سوية أنا وعصام باتجاه الكافيتريا نفسها ...
طلبت منه الذهاب معي لشراء غرض ما قبل الذهاب إلى المطعم ...
قال لي :
- ليس الآن، فلديّ موعد مع صديق تمام الثانية عشر.
لم أشعر بغصّة الألم يوماً كما شعرتها في تلك اللحظة .
كان من المفترض أن يكون هذا اليوم لي أنا وحدي بعد غيابي عنه طوال تلك المدة ...
كنت أشعر برغبة شديدة في البكاء ولكن أنّى يطاوعني الكبرياء؟!
لم أشعر بحاجتي إلى صدره لكي أبكي عليه ألمي كما شعرت في تلك اللحظة...
لم أشعر بأنّ المسافات بيننا قد بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً كشعوري في تلك اللحظة.
غرفتُ في الصمت.. غصّتِ الكلمات في حنجرتي، وذبلت اللغة على شفاهي ولم أكن أريد الدخول معه في جدال أو نقاش.
قال لي:
- ما بك تصمتين هكذا يا وفاء، وكأن على رأسك الطير؟
لم أستطع الإجابة.
كانت الكلمات مسجونةً بين أدمعي تفتش عن مكان تنفجر فيه..
- ما بك يا وفاء ؟
- لاشيء … تستطيع أن تذهب إلى موعدك منذ الآن.
- ماذا تقصدين يا وفاء؟
- لا أقصد أي شيء .. ولكن ليس من اللائق أن تكون على موعد آخر وأنا في أمس الحاجة إليك يا عصام!.
قال لي بشيء من العصبية :
- أنت هكذا دائماً يا وفاء.. تضخمين الأمور وتصطنعين من الشيء الصغير مشكلة كبيرة.
- أنا يا عصام؟ أم استهتارك هو الذي يخلق مثل هذه المشاكل ؟! ...
- هل أنا كذلك يا وفاء ؟ هل أنا كذلك !!! ؟!...
لم أستطع الإجابة ... كان ألمي يطبق على صدري ... كنتُ أشعر برغبة ملحّة في البكاء ، ولكن أين ؟ وكيف ؟
لم أدرك أنني سأكون معه على هامش حياته، وأنا التي لا ترضى عن المتن بديلاً...
لم أكن أدرك أنني في آخر أولوياته ... وأن ثمة ما هو أهم مني في حياته..
لم أكن أعلم أنني سألتقي يوماً بإنسان كلما احتجتُ إليه ابتعد عني بعمدٍ أو عن غير قصد...
لم يكن يدرك مقدار الآلام التي يسببها لي ... بل كان يعتبر كل ألم أشعر به ... شيئاً بسيطاً للغاية ...
حينما كنتُ أتألم ... كان يعتبر ذلك تضخيماً للأمور ...
وهل هناك يا عصام أضخم من حاجة محب لمحبوبه ؟! والأضخم من ذلك أن لا يكون إلى جانبه وهو في أشد الحاجة إليه !!!
كنتُ أشك في أنه أحبَّ يوماً ... فلو أنه أحبَّ يوماً لما عاملني بتلك القسوة واللامبالاة ... وهل ... هل حقاً أحبني؟!
أيقظني من تأملاتي هذه صوته الدافئ :
- هل آلمتكِ بذلك يا وفاء ؟
تساءلت : ماذا أجيبك ؟
هل أقول لك إنني عدتُ أشعر بسطوة الألم ؟!
هل أصارحك أن جرحي لا يندمل ؟!
كيف لي أن أطمئنَّ على مستقبلي معك يا عصام ؟!
من أين لي أن أدرك إن مرضتُ أو تألمتُ أو لازمتُ الفراش يوماً أنني سأراك إلى جواري تضمد جراحي وتنقع غليلي؟!
صحوت ثانية على صوته الدافئ :
- لماذا لا تجيبيني يا وفاء ؟
- نعم يا عصام ... تألمتُ ...تألمتُ كثيراً ...
- لم لا تقدرين ظروفي يا وفاء ؟!
وهل هذا أوان الظروف يا عصام ؟! لماذا لا تُقدّر أنت ظروف مرضي وتتفهم حاجتي إليك ؟!
إن أية أنثى يا عصام … لكي تُقدّر ظروف الرجل الذي دخل حياتها … حبيباً كان أم زوجاً … يجب أن تجد في حبه لها الراحة والطمأنينة ...
فأنت حين تغدق عليّ المشاعر الدافئة... وحين تكون روحي مشبعة بعطفك وحنانك وحينما أكون بحاجة إليك وألقاك جانبي تنسيني آلامي وأحزاني...
وعندما أحتاج لقطرة ماء منك ترويني فأراك نبعاً ... وعندما تضمني لصدرك... وتنسيني الآلام التي زرعتها بداخلي...
وحينما أركض إليك مليئة بالحب ... محملة بالدفء وتستقبلني بالحب والدفء...
وحينما أشعر بأنك سندي الأوحد في هذه الدنيا ... وحينما تذكُرني في ظروفي الصعبة بدلاً من أن تنساني ...
وعندما تجعلني أطمئن أنك لي رغم كل الظروف ...
هنا يا عصام ...
هنا فقط أستطيع تقدير ظروفك أياً كانت ...
أما عندما تخلق لي ظروفاً صعبة وتقدم لي حباً مؤلماً جارحاً، مزيفاً، أنشغل فيه عن كل شيء...
فبأي حقًّ تطلب مني تقدير تلك الظروف ؟! …
كان عصام صامتاً … منشغل البال … لا أدري بماذا كان يفكر في تلك اللحظات ...
وكنا قد وصلنا إلى المكتبة التي أريد شراء غرضي منها ...
دخلنا سوية ، وسألتُ عن مطلبي فلم أجده ...
ومثلما دخلنا بصمتٍ خرجنا بصمتٍ قطعه عصام قائلاً:
- تعالي نجلس في مكان ما نتحدث قليلاً ...
قلتُ له غاضبة :
- ليس هناك أي داعٍ لذلك ...
- ما معنى هذا ؟!
- لاشيء...
- وفاء !! أرجوكِ اهدئي قليلاً وتعالي نتناول فنجاناً من القهوة في مكاننا المعتاد ...
- لا أريد يا عصام ... لا أريد ... اذهب لموعدك ...
- ما معنى هذا ؟!
هل عدتِ ثانية لتضخيم الأمور ؟! لم أعد أفهمك ... ماذا تقصدين بليس هناكَ أي داعٍ ... ولا شيء ... ولا أريد؟ ماذا يا وفاء ؟!
لم أكن أريد الدخول معه في نقاش حاد … إذ كان ألمي يكفيني ولم يكن عندي استعداد لسماع أي شيء مؤلم منه ...
كنتُ أريد إيجاد مكان ما أو زاوية ما لأرخي لدموعي العنان ... فرضختُ لمطلبه ، وذهبتُ معه إلى مكاننا المعتاد ... وإلى طاولتنا المعتادة ...
جلسنا سوية ... وبدأ حديثه معي :
- وفاء ... إما أنني لا أعرف التعامل معكِ، أو أنّ التعامل معك أصبح صعباً ومعقداً للغاية... !!! ...
كنتُ ما زلتُ متماسكة ... ولكنه بهذا القول جعلني أضع وجهي بين يدي وأغرق في نوبة من البكاء المرير ...
مع كل دمعة كنتُ أشعر بمرارة الحرمان معه ...
مع كل دمعة كنتُ أشعر بأني ما عدتُ أتحمل قساوته، وأننا اقتربنا من النهاية ...
مع كل دمعة كنتُ أعود لأشعر بسطوة الألم تحرقني ... كنتُ أشعر بأن ألمي اليوم هو أقوى من أي ألم شعرتُ به طيلة حياتي ...
فتصور لو أنك مرضتَ يوماً وكان مرضك بسبب الآلام التي يسببها لك المحبوب ... وهو يدرك سبب آلامك ... وفجأة تعافيت وفي اعتقادك أنه سيلقاك بدفئه وحنانه وسيشفي لك بقايا آلامك ... لتُفاجأ بأنه في الوقت الذي يجب أن يكون معك ... إلى جانبك ... ينسيك الأيام الصعبة التي قضيتها على فراشك ، يكون على موعد مسبق مع شخص آخر ... وعندما تحتج على ذلك يتهمك بأن التعامل معك أصبح صعباً للغاية ...
ربما شعر عصام بمدى ألمي ...
شعرتُ بدفء شفتيه على يدي ... وبدفء يديه على كتفي ... وسحر صوته :
- سامحيني يا وفاء ... لم أقصد إيلامك ...
كنتُ حينها أبكي بمرارة ...
يقولون إن الدمع الصادق يريح ...
قال لي ثانية :
- وفاء ... كفي عن البكاء ... أرجوك يا وفاء ... سأبقى معكِ ولن أذهب إلى الموعد المحدد ...
سأبقى معكِ ... ولكن لا أستطيع أن أراكِ حزينة ...
أرجوكِ يا وفاء ... ارفعي رأسكِ وحدثيني ...
كنتُ أسمعه ولا أسمعهُ ... وكنتُ حينها أستنشق رائحة دخانه ... دخانه الذي كنتُ أودُّ أن أؤلف دواوين شعر لما يفعله بي ... وللأثر العميق الآسر الذي يتركه بداخلي ... حضرني قول للشاعر نزار قباني:
«دخن فأنا كامرأة يغريني
رجل في لحظة تدخين، ورمادك ضعه على كفي
نيرانك ليست تؤذيني»
فكيف إذا كان هذا الرجل هو عصام غاية الطلب ومنتهى الأرب؟!!.
رفعتُ رأسي وقلتُ له :
هل أصبح التعامل مع إنسانة تهواكَ إلى حد العبادة صعباً ؟!
هل أصبح التعامل صعباً مع أنثى ترغب فيك كل يوم ... بل كل ساعة... لا بل كل لحظة من لحظات عمرها ؟!
هل أصبح التعامل صعباً مع من تشعل نفسها لأجلك وتقدسك وتحترق كفراشة حول ضوء عينيك؟!
هل أصبح التعامل صعباً مع من قرنتْ عمرها وحياتها وروحها معكَ وبكَ؟!!… أم أنك أنت الذي لا يعرف كيف يُعامَل هذا الصنف من النساء ؟!!
نظر إليَّ بحزن بليغ … والدمع حبيس في عينيه واكتفى بالصمت...
اقتربت الساعة من الثانية عشرة ظهراً ... نهضتُ واقفة وقلتُ له :
- هيا يا عصام اذهب إلى موعدك!!!
- لن أذهب وسأبقى معكِ ...
لم أجبه بشيء وإنما حملتُ أغراضي ومشيتُ ... وحمل لفافة تبغه ومضى ...
* * *
كنتُ في طريقي إلى المنزل تهرب آمالي إليك ...
تتوق إليك أهدابي وأجفاني ...
أتوق لجنون يديكَ ... وكلما شّرقْتُ بالحب إليكَ ... وجدتكَ مغرباً عني...
وشتان يا عصام ما بين مشرِّقٍ ومُغَرِّبِ ...
ما زال صوتكَ يسري في دمي ... وأوردتي ... ويتسرب في أعماق أعماقي..
ومثلما أحببتك ... سأرحل عنك بصمت ...
صمتي الذي لم تدرك معناه يوماً... صمتي الذي كان يجنبنا الكثير من الآلام والمتاعب...
صمتي الذي ما كنتَ لتحاول يوماً فك أسراره الدفينة، وحل رموزه الخبيئة ...
سألملم دفاتر أشعاري ... وأعود وحدي وحزن العذارى يملأ كياني ويغمر وجداني...
كيف لي أن أستمر في هواك وأنا مقيدة بسلاسل من الآلام والدموع والجراح ؟
كنتُ أشعر بقرارة نفسي أنني يوماً ما سأعود وحدي من دنيا الأحلام إلى دنياي ...
كيف لقلبك أن يجرح من كان سيهواه عمراً ؟!!!
من أين أتيتَ بكل تلك القسوة يا عمري ؟! ...
أي حبٍّ هذا الذي رمتني إليه الأقدار ؟ وأي هوى هذا الذي رميتُ نفسي فيه ...
آلامٌ ... وجراح... ودمع... وترحال ... وغربة روح ... وسطوة ألم!!!
وصلتُ المنزل ... قرأتُ أشياء كثيرة وكتبتُ أشياء أكثر...
كانت كلها غائمة الملامح ومن دون معنى واضح ... ولكني كنتُ أريد أن أشغل نفسي بأي شيء أسلوك به ويلهني عنك ...
كانت مرح قد رحلت إلى فرنسا ... وكنتُ أشعر أن وجودها في هذا الوقت بالذات شيء ضروري ...
اختليتُ بنفسي في غرفتي ...
وكثيراً ما كنتُ في جلسات خلوتي أعقد مقارنات بين ما يعجبني بك يا عصام ... وما يؤلمني منك ...
فما يعجبني بك أنك نادر الوجود بشخصيتك الرائعة الهائمة في فضاءات الأحلام ...
وما يؤلمني منك تلك الشخصية الصارمة الحاسمة في لحظات الغضب...
ما يعجبني بك تلك العقدة الساحرة التي تتكون بقدرة الخالق على حاجبيك حينما أعاتبك ...
أكادُ أمطرها قُبَلاً ...
وما يؤلمني منك أنني حينما أعاتبك تحسب عتابي لك خصاماً وتجريحاً...
ما يعجبني بك لفافة التبغ التي تشعلها وتنفث دخانها لساعات حين تصفو ...
وما يؤلمني منك لفافة التبغ التي تشعلها وتنفث دخانها بثوانٍ حين تغضب ... ثم ... تمضي عني وترحل !
ما يعجبني بك كبرياؤك في لحظة الصفو...
وما يؤلمني منكَ غرورك اللامتناهي في لحظات الغضب ...
أعاتبك وأنا أمتلئ حباً ورغبة بك ... وشوقاً وأملاً ... وفرحاً ولهفة ...
فتصمت أو تغضب ... ليملأني صمتك وغضبك ألماً وحزناً ودمعاً وجراحاً ...
ما يعجبني بك تلك الكلمات الرائعة التي تقولها لي بين حين وآخر ... فتردَّ لي الروح، وتعيد إلى قلبي نبضاته ...
وما يؤلمني منك ... تلك الكلمات التي نسيت أن تكتبها لي أو تناسيت... تلك الكلمات التي كانت ملاذاً لي حينما تضيق بي الدنيا... والتي طالما أطربتني بها أول معرفتك بي!!!
ما الذي استجد ؟!
أغرك مني أنك امتلكت حشاشة قلبي واستحوذت وحدك على تفكيري؟ وأنك تربعت على عرش أحلامي وآلامي ملكياً متوجاً بحبي الذي ليس يُسلّم قياده لسواك؟
التقيتك في اليوم التالي بهيبتك المعهودة ولفافة تبغك المعتادة ...
ضممت يدي بين يديك مصافحاً وقلت لي هامساً :
سامحيني يا غالية ... سامحيني يا حبيبة ... فأنتِ تدركينَ كم أحبك !!!
غمرني شعور حينها كنتُ بحاجة إليه منذ زمن بعيد بعيد ...
شعور من فقد شيئاً وبعد بحث طويل وجده فجأة ...
شعور أم فقدت طفلها، وجاء بنفسه إليها وهي تكاد تذوي ألماً لفقدانه، وتطلق آهات الثكالى ...
شعور طفلة يتيمة الأم، فقدت والدها ... والتفتت فجأة لتراه يحضنها بين يديه ويمسح عن عينها دموعها وآلامها؟!…
شعور المحتضر الذي قيل له: "لن تعيش طويلاً ... فالتشخيص لا يُطَمِئنْ" ...
وفجأة ... يعتذر الطبيب المشخص قائلاً :
حدث خطأ ما ... فالتشخيص ليس لك وإنما لشخص سواك ... تستطيع العيش إلى يشاء الله تعالى ...
شعور غريب دافئ لم أستطع له تفسيراً ...
"سامحيني يا حبيبة ... فأنتِ تدركين كم أحبك "...
وآهٍ يا عصام لو أنك تدرك كم أحبكَ !!!
آهٍ لو تدرك أنني أعيش لأجلك !!! وأنني أود أن أكون سماء تُمطرك خمراً وسُكراً ... وأودُّ أن أكون حضناً يقيك برد الشتاء وحرّ الصيف ...
لشدّ ما أتمنى أن أكون الكون بأسره ... أينما اتجهت يا عمري أحتويك بهيامي وغرامي ...
- هيه ... وفاء ... كيف حالك ؟!
نظرتُ إليكَ وكأنك آتٍ من عالم آخر :
- الحمد لله .
ألا تريدين دعوتي لفنجان من القهوة ؟
ترددتُ قبل أن أقول لك :
- لا !!!
سألتني بشيء من العصبية :
- لماذا يا وفاء ؟
- لأنك أنتَ الذي يتوجب عليه أن يدعوني لتناول القهوة ...
نظرتَ إليّ ملياً ، ثم غرقتَ في الضحك وقلتَ بطريقة مسرحية :
- إذاً ... هل تقبلين دعوتي لكِ أيتها الأميرة إلى فنجان من القهوة ؟! وبقبولكِ دعوتي أكون قد تشرفتُ بتحقيق كل آمالي وأمنياتي !!!
أجبتك بشيء من التعالي :
- نعم ... وليكن...
همستَ لي قائلاً :
- أيتها المجنونة ... أحبكِ كما أنتِ وكيفما كنتِ !!!
في مكاننا المعتاد ... أمسكت يدي من جديد وضممتها بين يديك ثم قلت لي:
- هل ما زلت غاضبة مني ؟!
- إلى حدٍّ ما ...
همستَ لي بحنان :
- وكيف السبيل لإرضائك أيتها الحبيبة ؟!
- عصام يا حبيبي ... ألا تدرك أن سؤال الحبيب عن محبوبته واختياره الكلمات الحنونة الصادقة واختياره أيضاً المكان الهادئ للتحدث فيه هو إرضاء لها ؟!
- وفاء ... أنتِ تدركين صعوبة ظروفي ... وتعلمين أني نذرتُ حياتي لجهاد الذي أعتبره كل حياتي بعد رحيل والدته ...
وتدركين أنَّ أمي سيدة متقدمة في العمر ... مما يضطرني للبقاء أطول مدة معها في المنزل ...
ربما شعورك بتقصيري تجاهك والذي لا أجد له أي مبرر مردّه إلى ظروفي تلك ...
فأنا أفضل العيش معكِ تحت سقف واحد ... نتحدث فيه عن أحلامنا وما نود تحقيقه منها ونسعى سوية لبناء مستقبل مشرق وعائلة متماسكة ...
إني أفضل معك كل ذلك على أن نجلس سوية في مثل هذا المكان نتحدث فيه أحاديثاً تشبه أحاديث المراهقين !! ...
لم أشأ أن أردّ عليكَ في هذه اللحظة ، رغم أنّك صدمتني بكلماتك تلك ... بل فضلتُ تأجيل الحديث معك في هذا الموضوع لوقتٍ آخر حتى لا أفسد علينا هناءة هذه الجلسة ... وقلتُ لك :
- كما تشاء يا عصام ...
سألتني:
- ما رأيك بالذهاب إلى بحيرة زرزر؟
- متى يا عصام ؟
- اليوم إن شئتِ ...
- اليوم ؟! لا يا عصام . لنؤجل ذلك إلى الأسبوع القادم ...
- لماذا يا وفاء ؟! … ما الذي يشغلك عني اليوم ؟!
- لا شيء ... لنؤجل الحديث في هذا الموضوع ...
أجبتني بأسى بالغ :
- كما تشائين يا وفاء ... كما تشائين ...
أدركتُ أنني لربما كنتُ قاسية معك في جوابي هذا ... ولكنني أعتقد أنّ عدوى قسوتك قد سرت في عروقي ...
تحدثنا عن أشياء كثيرة ... وكان كل منا يجامل الآخر حتى لا تتسع هوة الألم التي بيننا ...
استأذنتك لأن الوقت قد تأخر ... وخرجنا وكل منا يحمل ألماً بداخله ...
كنتُ أدرك حقيقة ألمك ومداه ... وكان ألمي يشبه ألمك إلى حدٍّ بعيد في عدة نقاط ويختلف عنه كل الاختلاف في نقاط أخرى ...
تألمتَ لأنك كنت تتوقع مني أن أهلل لهذه الرحلة التي طالما ناشدتكَ إياها والتمستها منك ...
ولكنني كنتُ قد وصلتُ إلى مرحلة ، بدأتُ أشعر فيها أنّ كرامتي معك بدأتْ تُذَلُّ ... وأنك لا تذكرني إلاّ حينما يؤثر بك موقف ما ... أو تقرأ عن ألمٍ ما ...
أما أن تحتويني بإرادتك ... فلا ...
أو أن تذكرني وحدك من دون أن أطلب منك ذلك ... ومن دون أن أُجرح بسببك ... أو أتألم وأحزن ... وأقضي أياماً أذرف دمعي دماً ودمي دمعاً ... فلا وألف لا !!!
وكنتُ أدرك بقرارة نفسي أنني أعيش معك مرارة الحرمان ... ولكني ما كنتُ لأجرؤ على البوح بهذا ... وكنتُ أخشى أن أعيش بقية عمري ومرارة الحرمان تلاحقني معك ...
أتُراكَ شعرت بمرارة الحرمان يوماً ؟!!! …
استغربتُ الكثير من عباراتك ...
كنتَ تسمي أحاديث الحب مراهقة ... وكانت تعني الشيء الكثير لي ...
كنتَ تعتبر الحديث عن أحاسيسك تجاهي نوعاً من المراهقة ، في الوقت الذي كانت تعني لي الحب كله ...
كنتَ تعتبر فنجان القهوة معي نوعاً من المراهقة ... في الوقت الذي كان يعني لي الشيء الذي لم تشعره بعد ...
كنتَ تعتبر ضمة يديك ليدي نوعاً من المراهقة ... في الوقت الذي كنتُ أعتبر ذلك علاجاً لكل آلامي ونهاية لأحزاني ...
كنتَ تعتبر احتواء صدرك لي نوعاً من المراهقة ... في الوقت الذي كنتُ أعتبر ذلك البلسم الشافي والدواء المعافي...
كنتَ تعتبر ثورة حبي لك نوعاً من المراهقة ... في الوقت الذي كانت نيراناً تعذبني وتحرقني ...
كنتَ تعتبر إعصار الرغبة في داخلي نحوك نوعاً من المراهقة ... في الوقت الذي كاد هذا الإعصار يفتك بي وأنت تنظر إليه ولا ترأف به ...
مضت عدة أيام ... كان اهتمامك بي يزداد يوماً في إثر يوم...
كيفما التفتُّ ألقى اهتماماً منكَ وأسئلة كثيرة لا أملك الإجابة عنها ...
" من أين أتيتِ ؟ إلى أين ستذهبين ؟! ... ماذا ستفعلين مساءً ؟! كيف هي صحتكِ؟!
وكيف يجري عملكِ ؟! من هذا الذي تحدث معكِ ؟! مع من كنتِ تتحدثين؟… ماذا يريد فلان منكِ ؟...
أسئلة لم أعتد عليها من قبل ... لدرجة أنني بدأتُ أضيق ذرعاً بهذا الاهتمام المفاجئ...
أتراكَ بدأت تغار علي ... هذه الغيرة التي كنتُ أفتقدها فيك ... ؟!!!
أم أنكَ بدأتَ تشعر أنكَ ربما ستفقدني يوماً ... والفقدان شيء لم تعتد عليه يوماً ؟
فاجأتني ذات يومٍ بقولك ثانية :
- وفاء ... ما رأيكِ بالذهاب إلى بحيرة زرزر غداً ؟
كان ذلك من الأشياء البسيطة التي كنتُ أتمناها معك ...
ترددتُ كثيراً قبل أن أوافقك الرأي ...
رأيتُ ابتسامة مشرقة على وجهك وأنت تسألني:
- إلى الغد يا وفاء ؟!
- إلى الغد يا عصام ...
لم يغمض ليَ جفنٌ تلك الليلة...
كنتُ أفكر في الغدِ الآتي ...وأعود بذاكرتي لأول رحلة لي مع عصام ... حينما أغدقني حبَّا... وملأني دفئاً...
تضاربت أفكاري وتشابكت مشاعري من دون أن أستطيع التحكم بها ...
حزن... وفرح ... وشوق وتمنٍ ورغبةٍ وأمل بالغد الآتي ..
لم تفارق عيناي عقارب الساعة ...وكانتا بين لحظة وأخرى تراقبان أفُولَ الليل وشروق الشمس بفارغ الصبر ...
سهوتُ قليلاً في هذه الليلة واستيقظتُ قلقةً وجلةً...
ماذا لو قال لي عصام : لقد ألغَيتُ الرحلة بسبب ظرف طارئ من دون أن أقتنع بهذا التبرير...
تُرى كيف كانت مشاعرُ عصام تلك الليلة؟!
انتقيت اللون الذي يعشقه لألبسه… اللون الأخضر...
كنتُ أريد أن أعبّر له بهذا اللون عن سندس مشاعري التي أختزنها له واخضرار حبي والمسكن الذي بنيته له في مرج قلبي ...
وأردت في الوقت ذاته إيصال رسالة له عن طريق هذا اللون "هاك يا عصام أنا وقلبي أرض لك ولحبك"
أتراه سيفهم مقصدي ؟!!
التقينا في الموعد المحدد … فوجئت بقميصه السماوي الذي أعشقه … قرأت من خلاله رسالة مبطنة:
"وفاء.. إن تأخرنا يوما عن البحيرة اللازوردية ..فها أنا ذا كلي لك بحيرة لازوردية...
همس لي مبتسما:
- هل تأخرتُ؟
- لا.. بل أتيتَ في الوقت المناسب ..
رغم فرحي بلقائنا هذا ..إلا ّأنني لم أكن قد صفوتُ تجاهه بعد …
لم يتحدث كثيراً في طريقنا إلى البحيرة .. وإنما أنا التي كنتُ أشكو له ما فعلته قسوته بي .. وما خلَّفته من آلام …
كثيراً ما كان يلجأ إلى الصمت ويتمترس خلفه ليتقي سهام كلامي وعتابي… وأحياناً… كان يمسك يدي ويقبلها…
قطع صمته الطويل بقوله:
- أشعر بكل آلامكِ التي تحدثتِ عنها والتي صمتِّ عنها …
ولكن ماذا أستطيع أن أفعل ؟ !فأنتِ تدركين أنه ما باليد حيلة!!!
أغضبني جوابه .. وكدتُ أقول له:
لماذا جعلتَ قلبي يتعلق بكَ إن لم تكن باليد حيلة؟!!
لماذا ربطتني بك طيلة تلك المدة وأنت تعرف أنه ما باليد حيلة ؟!
لماذا جعلتني أكاد أموت شوقاً إليك في كل لحظة وأنت تدرك انه ما باليد حيلة ؟!
لماذا لا تتركني أرى حياتي بعيداً عنك طالما أنه ما اليد حيلة ؟!
لماذا جعلتني أهجر عالمي كله لأعيش في قوقعتك في برجك العاجي وصومعتك التي فصّلتها على مقاسك ورضيتُ بذلك و ألف سؤال يطعن قلبي… ألف سؤال يذبح صدري …
هل حقاً أحببتني؟!
وإن كنتَ كذلك يا عصام … فلماذا تؤلمني بشكلٍ مستمر؟! وترمي الكلمات جزافاً من دون مراعاة مشاعري؟!
بل لماذا لم تخطُ خطوة واحدة يا عصام ؟
خطوة واحدة تشعرني فيها أنك فعلت شيئا لأجلي؟!!
إن كنت تحبني حقاً و تريد لنا مستقبلا مشرقا .. فلماذا لا تتحدث عن هذا المستقبل؟!
أنت لا تحبني يا عصام !!
أنت تحب نفسك فقط …
تريد فتاة تملأ حياتك حباً و شوقاً و رغبةً و دفئاً وعطاءً وصدقاً، وحينما تسألك بعض حقوقها تقول لها :
ما باليد حيلة، لتزيدها إحباطا ويأساً من حبٍّ بلا أمل…
كدت أقول له كل ذلك …ولكن عادت اللغة لتخونني … ولم أعد أدركُ ما أريد قوله له …
شعرتُ بيده الدافئة تمسك ثانية بيدي... لأنسى كل ما أردتُ أن أقول له...
قال لي متألماً :
- ما ليدكِ ترتجف يا وفاء ؟! وتبكينَ أيضاً...
لمَ كل هذه الدموع ؟!!
ما بكِ يا وفاء ؟.. نحن ذاهبون لننسى أحزاننا وآلامنا.. لا لندمع ونتألم...
صمتُّ ولم أجبه بشيء ...فقد انشغلتُ بمنظر البحيرة التي لاحت لنا من بعيد ...
كانت مجرد نظرة إليها تنسيني كل آلامي ، وتذكرني فقط بعصام الدافئ...
أخذ عصام مناحٍ عدة ... حتى استطاع أن يختار المكان الأنسب ليركن سيارته ...
نزلنا سوية ... سار باتجاه صخرة ضخمة مطلة على المياه الصافية ...
وضع إحدى قدميه عليها وأسند الأخرى إلى الأرض...
أخرج لفافة تبغ وأشعلها وكأنه نسي العالم ومَنْ حوله في هذه اللحظات...
كانت صورته ساحرة ... ما زالت مطبوعة في ذاكرتي أستعيدها في لحظات الشوق إليه ..
التفت نحوي واقترب مني ممسكا بيدي وأخذني إلى تلك الصخرة قائلا:
ـ انظري وتأملي عظمة الخالق فيما خلق...
كان عصام يتأمل ما حوله وأنا أتأمله واقفا على تلك الصخرة ممسكا لفافة التبغ بيده.. وصفاء الماء أمامه... والخضرة من حوله ... والسحاب يغطي السماء ....
كان منظراً لا يمكن للزمان أن يمحوه من ذاكرتي… كالكلمات الجميلة التي تبقى معنا في الذاكرة… ككلمات أحلام مستغانمي التي قفزت إلى ذهني في هذه اللحظة:
«تفاجئك ألفة الأمكنة، فتستأنف حياة بدأتها في كتاب. كأنك موجود لاستئناف حياة الآخرين..
تدخله كبطل في رواية. تفتحه كما تفتح كتاباً مكتوباً على طريقة برايل، متلمساً كل شيء فيه، لتتأكد من أن الأشياء حقيقية، أو بالأحرى لتتأكد أنك تعيش لحظة حقيقية».
عانق كتفي بيده قائلا:
- "أحبك يا مجنونة"...
كنت مازلتُ تحت تأثير سطوة الألم ...
ألم الحرمان وألم الجرح الذي خلّفه في داخلي ...
لم أستطع التحدث إليه أو بالأحرى لم أشأ ذلك ...
كنت أتمنى أن أكون في هذا المكان منذ زمن بعيد بعيد ... ولكن بظروف أفضل..
لم أرغب أن يأتي بي إلى هنا لحاجتي إلى ذلك فقط ... وإنما كنت أرغب بأن يشعرني بحاجته أيضاً إلى أن يكون معي هنا ورغبته في ذلك ...
كنت يائسة منه ومن حبّه...
عانق وجهي بيديه قائلا :
- ما بك يا غالية منذ اللحظة الأولى من هذا الصباح وأنتِ لست على ما يرام وكأنك لست معي... ما بك يا وفاء؟
شكوت له كل ما ألَمَّ بي وخوفي من مستقبلي معه ان كان هناك مستقبل معه...
وشكوت له إهماله لمشاعري ولحاجتي إليه وقلة اكتراثه بما آلت إليه حالتي بسببه وسبب حبي الكبير له...
نظر إلي مليا قبل أن يجيبني :
- أرجوكِ يا وفاء كفيّ عن ذلك ولا تضغطي علي اكثر من هذا ...
كدتُ أقول له:
"وأنت ألمَ تضغط على قلبي حينما ربطتَ مصيره بمصير مجهول؟!
ألم تضغط على روحي حينما جعلتها هائمة في فضاء حبك من دون أن تحتويها !!!
ألم تضغط على صدري حينما ملأته دموعا وجراحاً وآلاماً؟!
كل هذه المدة التي جمعتنا معاً وأنا أتألم بسببك … وأنت لا تشعر بي ..
كل هذه المدة وأنا أتمنى أن أعامل كأنثى تهوى بصدق وتعشق بصدق وتتشوق إليك كل لحظة ...
سنة كاملة ... بل أكثر وأنت تذبح أشواقي وآمالي بك...
سنة كاملة ... بل أكثر ... وأنتَ تخدش فيها كرامتي وأنوثتي كلّما عبّرت لك عن شوقي إليك ...
سنة كاملة ... بل أكثر ... لم تفكر فيها بحلٍ للآلام التي زرعتها في داخلي وسقيتها بدموعي ...
لا تريد أن تريحني بأن تقربني منكَ ... ولا تريد لي الراحة بالابتعاد عنك ومحاولة نسيانك... أقصد محاولة الانتحار ...
ألا تسمي ذلك ضغطاً نفسياً وجسدياً ... كنتُ أخاف فعلاً أن أُصاب باضطرابات نفسية بسببك ...
لطالما استيقظتُ ليلاً، لأبكي ألمي ... وأبكي وحدتي ويأسي وبعدك عني، وبعدي عنك...
أتُراكَ بكيتَ يوماً بسببي ؟!…
كدتُ أقول له كل ذلك … لكنني لم أشعر إلاّ ولساني يقول له :
- عصام يا حبيبي ... لا أستطيع الاستغناء عنك ... لا أستطيع !!!
كان هذا اليوم من الأيام القليلة التي شعرتُ فيها بحنان عصام وحبه لي.
قبّل رأسي قائلاً:
- وهل تتصورين أنني أستطيع الاستغناء عنكِ ؟
أنا يا وفاء حينما أحببتكِ… كان في نيتي أن أعيش ثانية..
أن أحيا .. ولكن حبكِ جعل عمري قصيدة .. ترنيمة .. لحناً خالداً..
فلم تعد فكرة العيش تكفي، إذ لا بد من التحليق في آفاق الزمن الهارب…
- لماذا يا عصام نجعل الزمن يهرب منا؟ لماذا لا نهرب نحن إليه؟
- افهميني يا حبيبة… وإياكِ أن تتصوري أنني لم أقرأ أفكاركِ اليوم … فوجهك مرآة لكل ما بداخلك… أقرؤك ككتاب مفتوح أمامي …
أنت تعتقدين بأنني أحيا هادئاً لا شوق في داخلي ولا حب ... وليتك تدركين أنك بداخلي كل النساء، كل الأزمنة … وأنك الممكن والمستحيل ...
عجبت لتصوركِ أنني لا أشتاق إليكِ وأنتِ الدفء الذي لا ينتهي .. وأنتِ الشوق الذي لا يهدأ، والعواصف التي لا تريد السكنى إلا في فؤادي...
ـ هل حقاً ما تقوله يا عصام؟! هل حقا ما تقول؟
لماذا إذاً تحيا معي حياة هامشية بدل من أن تكون حياتك مليئة مثل حياتي بالحب والأشواق التي لا تنتهي؟!!!
شعرتُ أن قولي صدمه قبل أن يجيبني متألماً :
_ أنا يا وفاء ؟!أنا أحيا معكِ حياة هامشية ؟ لا يا حبيبتي ...
فكيف أحيا حياة هامشية وحبك بركان مشتعل يقذف السلام والحب ؟!!!
حبكِ نهرٌ أبدي خالد يروي روحي ويتغلغل في أعماقي ويحولني إلى غابة استوائية تهيم فيها أسراب الحمائم والعصافير...
كيف أحيا هادئاً وأنتِ في قلبي قصيدة عصماء لم تنظم بلحن؟!…
تجولين في أوردتي وشراييني ..إن نظرتُ في المرآة أرى وجهكِ...
إن لمستُ يدي أحس بكِ إن تحدثتُ سمعت صوتكِ مع صوتي..
وإن غفوتُ فأنتِ كل أحلامي وأنت أرضي وسمائي...
فكيف أحيا يا عمري مجهولاً وأنتِ التي أعدت لي قلبي بعد أن غسلته بماء وردكِ وجففت أحزانه واعتنيتِ به كأم تعتني بطفلها...
كنتُ أسمعكَ وأنا أذوب في دوامة من العشق معك...
تلك الكلمات التي غَسَلَت عيوني فرأيت الجنة وقد تنزّلت على الأرض...
ماذا أقول لك والكلمات الآن ليس لها أي معنى بعدما شعرتُ بتلك اللحظاتِ بسطوة الحب ؟!!
اقتربتُ منك أكثر وعانقت يداي وجهك الطافح بالرجولة......
قلتُ لك والدموع تغطي وجهي بأكمله :
- "أحبكَ يا عصام.....أحبك...!!"
وكنتُ أسمعكَ ولا أسمعكَ .
- "وفاء... يا وردة بيضاء نقية يا نجمة ساحرة فضية... يا دفئا حنونا، يا سحرا عبقرياً، يا ألقاً خالداً يا كلّ العمر... ويا عمر العمر..
آه يا وفاء كم أحبك.. آه كم أشتاق إليك.. وكم أغار عليك.. «أغار عليك من نفسي، ومني ومنك.. ومن زمانك والمكان..».
أيتها المحبة المعطاءة… ألف أحبكِ لا تكفي.. عمري كله بساعاته ودقائقه وثوانيه يحبك.
لم أدرِكم مضى علينا من الوقت..
كانت الساعات تمضي وكأنها دقائق معدودة..
وأي زمن هذا الذي يشعر به عاشقان ذابا في فضاءات الحب وأطيافه؟.
حتى وأنا في المنزل.. كنتُ مازلتُ أشعر بأنك معي..
بقربي.. تناجيني ... تناديني ...
يلامس هواك شغاف قلبي .. يدغدغ حبك عبرات عيوني ...
يأخذني الحنين إليك كسحابة هاجرت من السماء السابعة لسماء حبك ... ويعيدني محملة بالأمطار ...
أمطاراً ... تهطل من غمامات عيوني ...
ترى .. ماذا يخبئ لنا الغد ؟!.
أتراك تبقى أنت، أنت بحبك هذا ؟ أم أنك ستعود لقسوتك وجراحك؟
ما يدريني؟!
ذهبت للمطبخ وأعددت فنجاناً من القهوة وجلست على شرفة نافذتي أفكر بك..
رن جرس الهاتف.. وكان الصوت مفاجأة لي:
- كيف حالك يا وفاء ؟
- ناجي !! أين أنت ؟
- هنا في دمشق ..
- حمداً لله على السلامة.. ولكن متى وصلت ؟
- وصلتُ البارحة مساء .. وأحببت أن تكوني أول من أسمع صوتها
دهشتُ لقوله..
سألته:
- كيف حالك يا ناجي؟!!
- الحمد لله بألف خير… اسمعي… الأسبوع القادم في يوم الثلاثاء لدي محاضرة في المركز الفلسطيني حول " كيفية مواجهة العدو الصهيوني للانتفاضة الباسلة في فلسطين... أتمنى حضوركِ...
- لله درّكَ يا ناجي ..ألا تتعب من المحاضرات؟
ألا تتعب من الحديث عن القضية الفلسطينية؟
تنام على وسادة القضية..وتصحو على ذكر القضية...
غذاؤك هو القضية..وإن عطشت,فالحديث عن القضية يرويكَ...
إن تحدثتَ فمحور حديثك هو القضية وإن صمتَّ.. تصمت لتفكر في القضية...
ألا تتعب من ذلك يا رجل ؟!
- وهل يتعب الجسد من الروح يا وفاء ؟
القضية الفلسطينية هي روحي...هي مائي وغذائي..
هي متنفسي..
هي نهاري وليلي...
- حسناً يا ناجي...سأذهب إلى محاضرتك وسأقترح على عصام أن يحضرها معي...
- شكراً لك يا وفاء وإلى يوم الثلاثاء...
- إلى اللقاء يا ناجي....
عدت إلى فنجان قهوتي ... وعادت أفكاري إليك ...
لم يكن حلماً.. ولا طيفاً .. ولا فكرة عاشق مشتاق للذي يهواه...
الدفء ... والبرد ... و النار... و المطر... و... الهوى !!!
لا ... لم يكن حلماً ...
سحر الكلام مازال يشدو في عروقي ... لعروقي ... دفء الهوى مازال يقتلني ويحييني.. ويجرحني ويشفيني ...
هي ذي عيناك ... هو ذا شعرك اللؤلؤي ... هي ذي الخدود الوردية ...
وتلك هي عروش اليدين ...
آه يا عصام ...
كم سرنا سوية في موكب الهوى غير آبهين بظلم القدر...
هو ذا هواك ينثر عبيره في القلب وفي الفِكر... وهو ذا الحب يتدثر بين الشمس والقمر.. وهي ذي دموع الهوى...
لا ... لم يكن حلماً في الكرى .. ولا فكرة بلهاء شاردة... إنه يوم ... من أجمل أيام العمر !!!
كنا أنا وعصام نستمع إلى المحاضرة التي يلقيها ناجي...
كانت القاعة تغص بالحضور... وكان ناجي بارعاً في تحليل الأمور والقضايا السياسية والعسكرية التي تخص فلسطين...
كانت ملامح وجهه تدل على صدق عواطفه وهو يقول:
- إنَّ الحديث عن شؤون القضية الفلسطينية وشجونها لا يمكن أن يكون في ساعة أو ساعتين... فكل نقطة من نقاط المشكلة تحتاج إلى أيام وشهور...
فخلافات العرب مع العرب...وخلافات العرب مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي وإهمال العرب للقضية الفلسطينية وتقاعسهم عنها.. ومكر اليهود ومؤامراتهم المتواصلة وخداعهم للعرب والعالم...
وهانحن اليوم أو بالأحرى ـ الفلسطينيون اليوم ـ يحصدون ثمار هذا المكر وهذا التقاعس وهذا الإهمال الذي انعكس على كافة مناحي القضية... وبشكل خاص على الفلسطينيين داخل فلسطين...
أما ممارسات الكيان الصهيوني ضد أهلنا فنحن نراها كل يوم ونسمعها من وسائل الإعلام العربية ولكن المؤسف في الموضوع أن المجتمع الغربي لا يرى ولا يسمع شيئاً من هذه الأخبار..
في حين تصوّر الوسائل الإعلامية للكيان الصهيوني ما تريده وما تراه مناسباً لها وتعرفنه على العالم كما يحلو لها ويخدم مصالحها.. وضعف إعلامنا وسذاجته يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية في ذلك...
إضافة إلى أنه موجه للمواطن العربي وليس الغربي ...
حينما أنهى ناجي محاضرته تلك وسط تصفيق الجمهور الحاد وإعجابه...
اقترب منا بعد أن انفض المعجبون من حوله وسألنا مازحاً:
ـ هل أخذتما قسطاً وافراً من النوم أثناء إلقاء محاضرتي؟
ضحك عصام لدماثته وظرفه وقال له :
ـ بل كنتَ رائعاً في كل كلمة...
اقتربت السيدة فصيحة من ناجي مصفقة له وبدأت تتفاصح قائلة:
ـ ما هذه المحاضرة الرائعة يا أستاذ؟
ـ شكراً لكِ..
ـ ولكنكَ نسيت التحدث عن الجانب الاقتصادي للقضية الفلسطينية والآثار السلبية التي تركها العدو الصهيوني على الحياة الاجتماعية.. كما نسيت التطرق إلى الناحية العسكرية.. فهذا العدو الماكر يفوقنا كثيراً من حيث طائراته ودباباته ومدرعاته، والمساعدات التي تأتيه و..
ـ أعدكِ أنني في المرة القادمة سأتطرق إلى هذه المواضيع.. وشكراً لحضوركم..
هزَّ ناجي رأسه مودّعاً بابتسامته المشرقة... وغادر القاعة...
التفت عصام إلي قائلاً:
ـ ما رأيك بنصف ساعة في مقهى المركز نتناول فيها القهوة ونتحدث قليلاً؟!…
* * *
الفصل الخامس والأخير
سطوة الألم
جلسنا أنا وعصام في مقهى المركز وقد فاجأني بطلبه هذا...
قال لي :
- أريد أن اقترح عليك اقتراحاً يا وفاء...
سألته:
- وما هو يا عصام ؟
- لا أدري من أين أبدأ...
- من النهاية أن أحببت...
- اسمعي يا وفاء...
أنت تدركين أنه ليس لي منزل مستقل... فأنا أسكن في منزل مستأجر مع والدتي وطفلي...
فما رأيك بأن نتعاون معاً لمدة ثلاث سنوات نجمع فيها مبلغاً من المال وبذلك نوفر الدفعة الأولى للمنزل و..
سألته باستغراب:
- هل أنتَ مجدٌ في قولك يا عصام ؟
- ولِمْ لا ...
- هل تعني ما تقول ؟
معنى ذلك أنني سأبقى أعيش حالات الانتظار وألمه كل هذه المدة ؟
ألم تفكر بي يا عصام…ألم تفكر بمدى ما سيسبب لي ذلك من آلام وجراح؟
- ألديك حل آخر ؟ بل هل يوجد حلٌ آخر؟
- دعني أسافر..
- إلى أين؟ ولماذا ؟!!
- إلى الخارج .. أعمل بتخصصي لمدة سنة وأعود بثمن المنزل!..
- أتتصورين أني أستطيع تقبل فكرة بعدك عني سنة كاملة؟
هل جننتِ ..؟
- عصام .. لا أستطيع الانتظار ثلاث سنوات .. مرّت سنة ونصف ونحن...
- ولكننا معاً... نتقاسم الحلوة والمرة...
- عصام!!! هذا يعني أنني انتظرتك أكثر من أربع سنوات!!
- ليس لديّ حلٌّ آخر …
- قلتُ لك أسافر …
- وهل تتصورين أنني أقبل سفركِ وأنا جالس في مكاني هنا ؟!ولمَ لا أسافر أنا؟
- أنت لا تستطيع ذلك .. فلديكَ ظروف تمنعك من السفر… والدتك ستبقى وحيدة وابنك سيفتقدك كثيراً ولن يطيق البعد عنك …
عصام … ثلاث سنوات من الانتظار لجمع المال ستهدنا... ثمّ أنسيتَ بقية تقسيط المنزل!!! وفرشه …
وفاتورة الماء والكهرباء … ثم أنا لا أقبل أن يعيش ابني إلاّ بأفضل شكل ممكن …
- ومن قال لكِ أننا سنأتي بطفل في وقت وجيز …لا أستطيع تقبل فكرة أن يكون لي طفل آخر إلاّ بعد زواجنا بعدة سنوات …
لم أستطع الرد عليه …
لم أكن أعرف أنه قاسٍ إلى هذا الحد … ألا يعرف مقدار حاجتي له ولقربه ؟!! بماذا أردّ عليه ؟..
بل ماذا أفعل وأنا في منتصف الطريق … لا أدري أأعود إليه أم أهجره؟!.. أأنسى حبي له، وأهجر حبه لي وأبقى وحدي أواسي وحدتي وآلامي ؟! أم أسافر وأبتعد عنه من دون عودة ؟!
أأعطي نفسي فرصة لأفكر في حلولٍ أخرى بعيداً عنه؟!
ألا يشعر برغبتي الشديدة به وحاجتي لقربه .. ولولدٍ منه يشبهه يذكّرني به كلما نظرتُ إليه ؟!!
حضرني هنا قول لأحلام مستغانمي في روايتها "عابر سرير " :
"بل أدري خسارة أن أتحسس بطني بحثاً عنك كلّ مرة، ولا أفهم ألاّ تكون تسرّبت إليّ… لا بدّ أن تكونَ امرأة لتدركَ فجيعة بطن لم يحبل ممّن أحبّ.وحدها المرأة تدرك ذلك !!!"
هل انعدمت الأحاسيس بالرّغبة لديه؟!
بدأتُ أستوعب أنه ليس بحاجة إلي ..وإنّما هو بحاجةٍ لتغيير نمطَ حياته… وتساقطت الأقنعة وبدأت الظلمة تزول وينقشع الضباب لأدرك أنني لم ولن أشكّل له في أفقه يوما أي شيء يُذكَر….
وهنا… قررتُ الانسحاب من حياته …
أيقظني صوته من التناقضات التي بدأت تفتك بي:
ـ لماذا صمتّ يا وفاء ؟!
ـ أنا لا أريد أن أعيش في قوقعتك يا عصام … ولا أريد أن أقضي بقية عمري معك لنجمع مالاً ونسدّد ديونا …
هناك الكثير من الحلول ولكنك لا تشاؤها…
وإنني على استعداد للمشاركة بكل ما أملك من المال يا عصام وكل ما أستطيع أن أقدّّمه ولكن ليس على مدى ثلاث سنوات!!!
إنك بذلك تقتلني ثم لماذا تريد أن تحرمني من طفل منك؟!!!
إنك تدمرني يا عصام …تقتلني وتدمرني!!!
ـ أدمركِ ؟!! ما هذا الهراء ؟!! ما هذا الهذيان ؟!!
ـ أصدق ما في الحب يا عصام … حينما يصل المرء بحبه إلى مرحلة الهذيان…
إنني أنثى … محبة عاشقة مفتونة بك…
من حقي أن أتواصل معك .... من حقيّ كمحبة أن أراك بقربي وتراني بقربك... لي حاجات نفسية ومعنوية لا تفكر بها أبداً...
ـ وأنا يا وفاء ...
ألست بحاجة إليك !!!
ـ أية حاجة تلك ؟!!! أنت الذي تطلب مني الانتظار لمدة ثلاث سنوات!!!..
وهل حاجاتنا تُقضى بانتظار كهذا ؟!!!. المرء الذي يشعر بحاجته لآخر لا يحطمه … ولا يدمر حبّه ويخنقه بيديه...
ـ لا أبداً يا وفاء ...
ليس السبب الذي تتألمين منه هو حاجتكِ لي ... ورغبتك بقربي .. لقد رأيتُ الآن أشياء لم أرها من قبل يا وفاء ...
استأذنكِ ... أريد أن أغسل وجهي من حرّ الصيف ...
غبتَ لدقائق معدودة ... كنتُ غارقةً فيها في دموعِ يأسي في الوقت الّذي شعرت به بدمعتك ...
خرجنا سويّةً وكلٌ منا في رأسه ألف سؤال !!!!!...
* * *
لم أعد أفهم عصام ولم أعد أفهم طبيعته كرجل ... وعممته على كل الرجال.. فكلهم على شاكلته..
كل رجل أصادفه في طريقي... في الشارع...في أي مكان.. أشعر بأنه لا يفتش إلاّ عن راحته.. ولا يريد لأنثاه إلاّ أن تعيش تحت رحمته... وفي كنف رعايته..
ثلاث سنوات سأعيشها تحت رحمتك... مقيدة بك.. خائفة من الآتي... ومن أي ظرف طارئ...
ثلاث سنوات سأعيشها خائفة من المجهول... خائفة منك... وخائفة عليك... لا يا عصام... لست أنا الأنثى التي تفتش عنها ...
لم أعد تلك البسيطة الساذجة التي كانت ترضى معك بأنصاف الحلول ...
تدمّرني عباراتك القاتلة:
- "ما بك يا وفاء ؟!.. هل حطّمتُ معنوياتكِ ؟!
- لا... بل حطمتني كلياَ يا عصام !!!
- وماذا تريدين أن أفعل لك؟!!….أأفرش لكِ البحر طحيناً ؟!...
وتقتلني برودة أعصابك وطريقة حلك للأمور :
"- ما الذي يجبرني يا عصام على الانتظار ثلاث سنوات؟!
- تعرفين ما الذي يجبرك على ذلك!!!"
أهكذا يجيب المحب العاشق الولهان؟!
إذاً فقد كنت تستغل ضعفي وحبي الشديد لك!!!…
لم أشأ العودة إلي المنزل بعد ذلك… وإنما سرتُ كالتائهة في شوارع دمشق..
أكلم نفسي وأضرب أخماساً بأسداس..
أهديتكَ يا زهرة عمري حب الأرض للأمطار ... وما رضيتَ ... أهديتك يا قبلة روحي حب العاشق للأقمار... وما رضيتَ ... أهديتك يا مهجة روحي، حبّ الفراشة للأزهار وما رضيتَ ...
أهديتك يا زهرة عمري كل عمري !!!... وما رضيتَ... تريد؟!! .
كنتَ مهجة عمري كلّه … كنتَ حبّ عمري كله وكنت ملاك عمري كله وكنتَ كلّ شيء… كل شيء..
كنتُ الوهم في بعض عمرك !!! وكنتُ الكذبة التي لم يصدقها سواي!!
فماذا بعد من قلبي فماذا بعد تريد؟!
أردتني يا قرة عيني … قصة حب رائعة … وطريقاً منتهاه قلبك… فكنتُ قصة حب لا تنتهي... وطريقاً لا تختصر...
أردتُ أشياء بسيطة ... بسيطة... وما رضيتَ...
وأردتَ أشياء .. وأشياء... وأشياء ...
جارح في مطالبك كنتَ ...
قاسٍ في مطالبك كنتَ... وما رضيتُ ... فما رضيتَ..
فماذا بعد من مواجعٍ وجوارح تريد؟!
يبكيك عصفور هوانا الجريح… تبكيكَ فراشات شوقي الذبيح...
قل لي بالله عليك !!!.. هل انتهى تغريد العصفور؟ !! بل كيف تقاوم الفراشات شوقها للأزهار؟!!!..
بنيتَ لي قصراً من الأوهام … فتناثرت على صدري بقايا رماله وتكسرت على صخور الحقيقة أمواجه...
وبنيتُ لك كوخاً من الحبّ .. فما حرّكته الرياح ... ولا هدّته الأعاصير..
لا يا عمري !!..لا!!..
احترمتُ كلّ ما يرضيك وما رضيتَ.. وفنيت نفسي لأجلكَ وما رضيتَ...
لا يا عمري !!! لا !!!!
وحملت لك بيديَّ هديتين .. قلبي في كفٍّ وعمري في كفٍّ ... وما رضيتَ !!!
وحمَّلتني يا عمري هموم عمري ...
مواجعك بكفٍّ...وجراحي بكفٍّ... ورضيتُ ...
فما رضيتَ ...
فما الذي تخبئه لي بعد من مواجعٍ وجراح ؟!!! وما عاد لديَّ شيءٌ يرضيكَ ؟!!!
وأنت الذي لا شيء يرضيكَ ؟!!!
لم أكن من معشر النساء اللواتي يطلبن الحب من الرجال...
وإنما كنتُ تلك الفتاة التي تريد أن يشعرها من اختارته من العالم أجمع بحاجته لحبها ودفئها ... وبأنها كل ما يملكه في هذا الكون الفسيح...
لمَ لا تريد فهمي وفهم مشاعري ودوافعي ؟!
ألأنَّ مشاعرك ودوافعك كرجل تختلف عن مشاعري ودوافعي كأنثى ؟!
لا لا ...
لم أعد أحتمل لا مبالاتك بأحاسيسي ...
ثلاث سنوات تريدني أن أعيشها بانتظار ...
انتظار أن تكون بقربي ...
انتظار أن نعيش تحت سقف واحد ... نتقاسم أتراحنا وأفراحنا سوية ... انتظار أن يتحرك ابنك بأحشائي ...
أواه من حبيب أهداني في بداية حبه لي بحيرة دافئة لازوردية ...
وفي النهاية فجَّر من عيني بحراََ من دموع اليأس تصطخب فيه أمواج أحزاني ...
وتعصف به رياح سطوة الألم....
لِمَ تزرع بي شعور امرأة في المنفى تنتظر مرور سنينها حتى تخلص من الأسرِ؟!
الحب ليس قيداً يضعه الرجل في يد محبوبته ...
الحب ليس قضباناً من حديد يحاصر بها الرجل محبوبته ... الحب ليس عبودية ودموعاً وأحزناً وآلاماً ... الحب ليس خضوعاً لانتظار مرير ...
الحب معجزة إلهية يهديها الله لقلبين صادقين ...
أتُراكَ كنتَ صادقاً بحبك لي ؟! أشكُّ في ذلك ..
لِمَ قيدتني بهذا الحب وأنت تدرك منذ البداية أنه من المحال أن نعيش سوية ...
لِمَ قيدتني بحبك وأنت تدرك تماماً ماهية ظروف المعيشة ونحن لا نملك كسرات خبز منها؟! … أكنتَ بذلك تحاول أن تبعدني عنك ؟! أعتقد !!!
آهٍ من عذابات الروح التي تضمنا حين ينبذنا الحبيب !!
لم أدرك كيف وصلتُ إلى المنزل ...
ولم أدرك كم كانت الساعة ...
كم من الوقت قضيته وأنا أهذي بحبكَ !!!
هل حقاً هذا هو الحل النهائي الذي لا يوجد غيره؟!!
يقولون إن الحب يصنع المعجزات ...
ولكني رأيتُ أن الحبّ معجزة وكلّ ما فيها مستحيل ...
استيقظتُ صباحاً على صوتِ رنين الهاتف ..
كان في الطرف المقابل السيد مدير المدرسة:
- صباح الخير...هل أيقظتك؟!
- صباح الخير يا أستاذ...
- مبروك... لقد كُرِّمتِ من قبل الجمعية العامة لرعاية المكفوفين...وذلك لما غرستهِ في نفوس تلاميذنا الأعزاء، ولجهدك المبذول في هذا المجال...
ستتسلمين شهادة التقدير في اليوم الأول من الشهر القادم في مقر الجمعية حيث يُعقد مؤتمرها هناك وحيثُ يكرّم بعض الزملاء وأنتِ في طليعتهم...
ـ أشكركم على هذه الثقة...
ـ تستحقين ذلك.. لا تنسي في السادسة من مساء الأول من الشهر القادم...
ـ شكراً لك...
السادسة من مساء الأول من شهر تموز...
كان كل تلاميذي حاضرين... والأساتذة أيضاً..
كان الأستاذ عبد المعطي مرتدياً طقماً كحلي اللون .. لأول مرة أراه فيه.. وكان يحمل في يده سبحة زرقاء ...أما شعره فقد صفف لأول مرة على الطريقة الفرنسية ...
اخترتُ مكاناً قريباً منه وجلستُ ساهمة بعض الشيء...
وكانت السيدة فصيحة تجلس إلى جواره وقد ارتدت ثوباً أسوداً، يشف عن ذراعين كأنهما جذعا نخيل.. وكانت كعادتها تكشر عن أنيابها معتقدة أنها تبتسم ابتسامة تشف عن أسنان لامعة.. وكانت تتحدث هامسة مع الأستاذ عبد المعطي.. كم كانا يليقان لبعضهما؟؟.
همهمات من هنا وهناك ... وصخب...وأصوات متمازجة... وتصفيق جمهور...
لم أكن أسمع بأذني وإنما كنتُ أرى بعينيّ ...
كنتُ أفكر بكَ وبما آلت إليه علاقتنا...
هل حقاً افترقنا ؟!
"- وفاء عبد الحي ..."
هل حقاً أنت الذي أقسم لي يوماً أن لا يهجرني مهما كانتِ الأسبابُ ؟!
"- وفاء عبد الحي ..."
هل حقاً أنت الذي ابتدع لي قصة حبٍّ كانت الأكثر عذوبة والأكثر عذاباً؟!
"وفاء عبد الحي !!!"
هزني عصام من ورائي قائلاً :
- ألا تسمعين اسمكِ يا وفاء...هيا إلى المنصة ...
مشيتُ متثاقلة...
كنتُ أرى ابتسامات من هنا و هناك...
هاهو جهاد وأحمد ...
هو ذا ناجي يرفع لي يديه ويبتسم ...
وهو ذا الأستاذ عبد المعطي يصفق بفرح ...
وهاأنا ذا أتسلم شهادة التقدير من رئيس الجمعية الذي كنتُ أشعر بأنه يتحدث إلي... ربما كان يشكرني...
هززتُ له رأسي.. ومددتُ يدي مصافحة... وتسلمتُ الشهادة...
شعرتُ بألمٍ في صدري...لم أدرِ ما سببه...
عدتُ إلى مقعدي شاردة عن كل ما حولي ...
جلستُ قليلاً أتلقى التهاني من الزملاء...
ثم ذهبتُ إلى منزلي... وكالعادة سرح عقلي في تفكير عميق عميق...لم أستيقظ منه إلاّ حينما هرعتُ يوماً... وفي الصباح الباكر إلى المكان الذي كان لي فيه أحلى ذكريات عمري...
* * *
البحيرة اللازوردية... ولا شيء إلاّ البحيرة اللازوردية...
هذا كل ما طُبعَ بذاكرتي على مدار السنة ونصف السنة...
لم أدركُ يوماً يا فؤادي أنك تحمل بين طيات قلبك قسوة لا حدود لها...
كيف لعاشقة مثلي أن تغامر بعمرها وتنتظر الفرج الذي يأتي ولا يأتي...
أي حب هذا الذي ادّعيتَهُ ؟!
هل الحب انتظار وسطوة ألم؟!
هل حقاً أنت هو الذي جعلني أبحث بداخله عن نقاء أحلامي وعن أحلام النقاء ...
ليقتل في النهاية مشاعر كادت أن تودي بي !!!
أي انتظار تريدني أن أعيشه وأنا التي عاشت معك فترات أحلام ...كلها انتظار ؟!
أي سنين انتظار تريدني أن أعدك بها وأنا أكره لحظات الانتظار !!!
ماذا تتوقع من قلب طحنت مشاعره الجبارة بقسوتك وأنانيتك ؟!!!
جعلتني أبحث بين الوجوه عن أي وجه ينسيني حبك والآلام التي سببتها لي ...
لا... ليس حباً صادقاً ما تشعرني به ... وإنما تملك لأجمل سنين عمري...
ثلاث سنين بأيامها ولياليها ...
أيامها التي سأقضيها أجمع فيها آلامي وأحزاني ودموعي، لأنثرها وحيدة على فراش ليالي هذي السنين ... أرغب حضورك ... أرغب قربك... أرغب ضمّة لصدرك...
وفي الوقت نفسه تحضرني رغبة بالانتحار ...
ما الذي قدمته لي طيلة هذه المدة إلاّ الدمار؟!
دمار لمشاعري … دمار لحبّي … دمار لرغبتي وشوقي إليك ؟!…
حوّلتني من أنثى تشتعل شوقاً إلى شمعه متهالكة ...
ليتني احتفظتُ بمشاعري تلك وحبّي اللامتناهي لرجل غيرك ...
رجل يشعرني بأني كل ما يملكه في هذه الدنيا ... رجل يفتش عن أسلوب مريح ليستطيع العيش معي... رجل يعي رغبتي به وشوقي إليه كأنثى وحبي الكبير له... لا رجل يذل رغبتي و يهين شوقي إليه ... لا رجل مهمل لأحاسيسي ومحطم لكبريائي ...
أصبحتُ أشعر بالذل كلما حدثتك عن مدى شوقي إليك... أصبحتُ أشعر بإهانة كلما فُتِحَ موضوع مستقبلنا سوية ...
هل هذا ما كنتَ تخطط له !!!
أن تعيش تحت مظلة حبي لك طيلة هذه المدة ...ثم تقترح اقتراحاً يستحيل الوصول إلى حل له !!!...
أي نوع من الرجال أنت ؟! أحقاً خُدِعتُ بك؟
أذكر يوماً حينما كنا معاً في إحدى اللحظات السعيدة التي تنضح عذوبة وسكراً، أنك قلت لي:
- يوماً ما ... سأجعلك تبكين من سكر أحاديث الحب ولهفته ... قلت لك بتحدّ بالغ :
- لن تستطع فعل ذلك يا عصام ..
سألتني :
- أتراهنين ؟!
أجبتكَ:
- بالتأكيد.
وهاأنا ذا... تُغرقني دموعي في لحظات سُكْرِ يأسي وألمي و هذياني ... لأخسر معك رهاني ...
لا يا عصام...
لَمْ تدرك بعد يا حبيبي شعور الأنثى المحطّمِ كبرياؤها والمحطمة آمالها وأمانيها على صخرة اليأس .....
لم تدرك بعد قيمة عمر الأنثى المحبة الصادقة وهو يمضي بعيداً عمن يحب... حتى لو كان هذا العمر مجرّد ساعات أو ليالٍ قصار...
مَرّ أسبوعان على غيابكَ القاتل... كل يومٍ يمضي وكأنه ألف سنة ...
وماذا فعلتَ بهذه الأيام التي ابتعدنا فيها إلاّ زيادة لسطوة الألم؟!
هل حقاً لم يكن هناكَ الوقت المناسب لتطمئن علي؟!!..
تدهشني تبريراتك وعباراتك المنمقة...
هل أنتَ الذي وعدني يوماً أن لا يزعجني بشيء وإذ به يغرس نصال الألم في داخلي !!؟!..
ماذا تتحدث الآن عني بعد أن هجرتني ؟!
ماذا تتحدث عني بعد تجنيك على قلبٍ لم يهو سواك ؟! و بَعْدَ هذه الجراح العميقة التي غرستها بروحي ؟!
تقتلني جروح الروح...
أي سبب هذا الذي جعلك تقطع الصلة بمن وهبتك عمرها!!؟
أي شيء ذاك الذي جعلك تحصي عليّ ما لم آتِ به ؟!
أية قطيعة تلك التي عنونتَ بها أجمل أيام كان من الممكن أن نعيشها ؟!
تصفو لي يوماً وتكدر لي شهراً … وتمتلئ سخطاً وصداً ...
أي ذنب اقترفتهُ يداي حتى تعاقبني بتلك القطيعة وهذا الإقصاء والجفاء؟!
آه من حياتي التي قضيتُ معظمها آلام و أحزان وفقدان بفقدان ... سنة واحدة كان عمري حينما فقدتُ حنان الأم... أمي التي انفصلت عن أبي وأخذت أختي مرح معها وتركتني أنا الطفلة التي لا زالت تحبو... وحيدة مع أبي لأنتقل معه إلى منزل جدي والده ... هناك حيث ذقتُ مرارة الألم من زوجة عمي التي أزعجها وجودنا في المنزل معها ...
وهناك كبرتُ وكبر الألم معي ... وكبر الحزنُ ...
وكم ذقتُ العذاب على يدي تلك المرأة ذات القلب الخالي من الرحمة.
كانت لا تتركني آخذ القسط الكافي من النوم بحجة أنه يجب عليّ أن أساعدها في أعمال المنزل ... وطالما استغلت غياب والدي لتذيقني أمرّ العذاب ...
أذكر يوماً كيف صفعتني على خدي لأنني اعتذرتُ عن العمل معها بسبب وعكة صحية ألمّت بي ولم أكن قد تجاوزتُ الثامنة من عمري بعد ... لكنها لم تصدقني واعتبرت ذلك حجة كي أتهرب من مساعدتها فما كان منها إلا أن صفعتني على خدي الأيمن صفعةً ما زال ألمها يسري بأوصالي كلما ذكرتُ ذلك اليوم ...
ومن يومها انتقلتُ أنا ووالدي إلى منزل استأجره كي يجنبني قسوة تلك المرأة التي كنتُ أشك أنها أخته ...
في ذلك الوقت كان يتردد علينا صديق للعائلة يعمل موجهاً تربوياً في إحدى المدارس والذي طلب من والدي أن أنتقل من مدرستي إلى المدرسة التي يعمل بها حتى أكون في رعايته ...
وانتقلتُ إلى هناك ... وكم كنتُ أتألم حينما تتحدث زميلاتي عن أمهاتهنّ وكيف تتعبنَ وتتضحينَ لأجلهنَّ في الوقت الذي كنتُ أتألم لغياب والدتي وبعدها عني ...
ونلتُ شهادة الابتدائية ... وكان عمري حينذاك عشر سنوات ...
وقضيتُ الصيف نصفه في مدينة اللاذقية أنا ووالدي حيث استأجر شاليهاً ... ونصفه الآخر في بيروت عاصمة الجمال ... وكان كل همه أن يخفف يتمي ووحدتي ...
وكم كان حنوناً ... وكم كان صديقاً ... ولم يبخل عليّ حينها بشيء ...
كان كالأم التي تحتوي هموم وآهات ابنها ... وتضمه بحنان لصدرها ...
انتهت العطلة الصيفية لأبدأ دراستي في المرحلة الإعدادية ... وكنتُ حينها أحاول جاهدةً أن أقنع والدي أن يستغني عن المرأة التي كانت تأتي كل يوم لتنظف المنزل ... إذ أحببتُ أن أفعل ذلك بعد انتهائي من دوام المدرسة ...وبدأتُ أتعلم الطبخ من كتاب اشتريته ... وكثيراً ما كان يمنعني والدي من ذلك ... ولكني كنتُ قد مللتُ المطاعم والأكل الجاهز ... ورضخ أخيراً لطلبي ... وكم كنتُ أفاجئه بهاتف أطلب منه أن يرسل لي سائق الشركة لأرسل له وجبة الغداء حينما كان يعلمني مسبقاً أنه سيتأخر في عمله ...
وكثيراً ما كنتُ أحرق الوجبة أو أحرق يدي قبل أن أتعلم جيداً ... ولم أتقن ذلك إلا حينما وصلتُ للصف التاسع ... حينما تعرفتُ على زميلة أصبحت الصديقة المقربة ... والتي طالما دعتني لمنزلها والذي تعلمتُ فيه ومن والدتها كل ما يخص الأعمال المنزلية ... وكانت تعاملني كما تعامل ابنتها مها ... لم تبخل عليّ برأي أو نصيحة ...وكنتُ أحب مها أشد الحب وتعلقتُ بها حتى أصبحت كأختي ... وصارت جزءاً من كياني ... وصرتُ جزءاً منها ... نذهب للمدرسة سوية ونجلس على المقعد نفسه ونغادر المدرسة سوية ... وكثيراً ما كانت تأتي لمنزلي لندرس ونحل واجباتنا المدرسية سوية ... وطالما أفصحتُ لها في رغبتي أن تكون أمي كأمها بجانبي تواسي آلامي وتمسح دمعتي وتعينني في وحدتي ... وكم كانت رائعة حينما تقول مواسية لي :
_ أمي هي أمك يا وفاء ... ونحن عائلة واحدة ...
باختصار كانت مها تلك الأخت التي احتوت آلامي ... وكأنها توامي.
كنا قد تعاهدنا أن نكون من المتفوقين ونهدي تفوقنا لوالدي ووالدها ووالدتها اللذين طالما تعبوا لأجلنا ...
كنا في سباق مع الزمان ومع بعضنا ... من منا يا ترى ستهدي أولاً تفوقها لأهلها ؟... مضت أولى أيام الامتحان على خير ما يرام ...
وجاء موعد امتحان مادة الرياضيات ...
استيقظتُ صباحاً ... وجهزتُ نفسي في انتظار صديقتي لنذهب سوية للامتحان ...
لأول مرة تتأخر مها عن الموعد ...
اقترب موعد الامتحان ولم تأتِ بعد ...
اتصلتُ بها مراراً ...
لم يرد أحد عليّ ...
حملتُ نفسي وذهبتُ لمنزلها ... فلم يعد لدينا الوقت الكافي ...
كان الباب مفتوحاً ... اقتربتُ منه شيئاً فشيئاً ... صوتُ قرآن ... دخلتُ وجلة ... خائفة ... وعرفتُ حينها أن مها قضت ليلاً في جلطة دماغية ... لم يستطع جسدها النحيل أن يتحملها ... ولم تستطع سنواتها الأربع عشرة أن تقاومها ... ولم أستطع تصديق الخبر ...فوقعتُ أرضاً ... ورحتُ في غيبوبة طويلة ...
استيقظتُ في المشفى على وجه والدي يبتسم رغماً عنه محاولاً تخفيف وطأة الألم ووقع المفاجأة عليّ ... وكان بجانبه الموجه التربوي الأستاذ عبد المعطي.
سألتُ والدي :
_ أين مها؟ هل حقاً انتهت حياتها!!! أحقاً لم يعد لي أختاً !!! أين مها يا أبي ؟!..
قال لي محاولاً تخفيف ألمي:
_ هذا قضاء الله يا وفاء ... اعتبريني مها صديقتك كما أنا والدك يا حبيبتي ...
لم أستطع أن أرد عليه ... إذ عدتُ لغيبوبتي من جديد ...
كان وفاة مها بالنسبة لي مصاباً أليماً وصدمةً كبيرةً جعلتني أنزوي لنفسي وأخاف من تكوين صداقات أخرى ...
وكان جرحاً عميقاً لم يلتئم رغم وصولي للشهادة الثانوية ... وكنتُ كلما ذهبتُ إلى المدرسة أو عدتُ منها أو درستُ للامتحان أذكرها ...
وكم أدمعت عيوني وأنا أحضر لامتحان الشهادة الثانوية وحدي ... لو كانت مها معي لكنا درسنا سوية ...
صحيح أنني نجحتُ في امتحان الثانوية وبتفوق ... لكني لم أشعر بالسعادة كغيري... فما زال الجرح عميقاً... عميقاً... عميقاً .
ذهبتُ إلى شركة الألبسة النسائية التي يملكها والدي لأبشره بنجاحي وتفوقي...
رأيته في مكتبه مع الأستاذ عبد المعطي ... وكانت الدموع تنسكب من عينيه ...
جفلتُ ... وسألته عن سبب ذلك ...
صمت صمتاً أخافني وهزني من الأعماق ... سألني عن النتيجة فأجبته على مضض ...
ابتسم قائلاً:
_ أتمنى أن تستمري في تفوقك هذا يا ابنتي ...
وما هي إلا أيام حتى فقدته ... فقدتُ أبي الذي كان سندي الوحيد في هذه الدنيا ... فقدتُ الحب والدفء والأمان ... فقدتُ الطيبة والصدق ... ولم أصدق بادئ الأمر... ولكني رأيتُ هذا الوجه القمري قد فقد رونقه وبردت أوصال جسده وغاب عن الحياة ...
قيل لي أنه كان في اجتماع مع مرؤوسيه ... وإذ به يعتذر فجأة عن إتمامه ... ويقف وكأنه يودعهم ... ثم يفقد نبض قلبه ... لأفقد معه نبض حياتي ...
في المشفى ... وحينما كنتُ أتلقى العلاج من صدمة عمري الثانية ... أخبرني الأستاذ عبد المعطي أنّ والدي كان يشكو من القلب وكان يعلم أن أيامه معدودة ... لكنه لم يشأ أن يخبرني خوفاً على صحتي ومشاعري ... وطلب مني أن أعتبره كوالدي الذي أوصاه بذلك ...
لم يكن عمري قد تجاوز الثامنة عشر عاماً حينما كنتُ أتلقى الحزن تلو الآخر والصدمة تلو الأخرى...
وها أنا قد أنهيتُ دراستي الجامعية في منزل أختي مرح التي كانت تكبرني بثلاث سنوات والتي عادت فور سماعها بنبأ وفاة والدي ونقلت دراستها الجامعية إلى دمشق لتكون قريبة مني وكانت في السنة الثالثة وكنتُ في السنة الأولى... وأسكنتني معها في المنزل الذي اشتراه لها زوجها... ولكنها كانت تسافر إليه في إجازة نصف السنة والإجازة الصيفية قبل أن يعود إلى دمشق ولكنه مع ذلك كان عمله يتطلب السفر ...
واليوم وقد تجاوزتُ الأربعة وعشرين عاماً قُدِّرَ لي أن أعيشها بحرمان ما بعده حرمان ... قدر لي أن أفقد أمي منذ الصغر ... ثمّ أفقد أعز صديقاتي ... ثمّ أفقد أبي صدر الأمان ... ثمّ أفقد حبي ...
أسبوعان لم تسأل فيهما عن الجرح الذي غرسته في قلبي..
أسبوعان .. لم تسأل فيهما عن الدمع الذي خلّفته في عيوني …
أسبوعان لم تسأل فيهما حتى عن صحتي….
أذنبي معك أنني أحببتك حد الألم وأن حبك سيدي؟!!
لا!!
بل ذنبي أنني أحببتك لدرجة سطوة الألم!!!
فهشمّي يا صخور السطوة قلبي كما يحلو لك … وأطلقي عليّ رصاصة الرحمة يا أحزان البعاد ……. وانغرسي بصدري يا أشواك الفراق… وأدمي الروح والقلب … والجسد !!!
وأسدل ستارتك على قلبي أيها الظلام القادم من غياهب الحبيب...
مرّ أسبوعان آخران على غيابك…
أي حلمٍ هذا الذي راودني معك ؟! أيا حزنٍ العذارى!!!
أيّ وهمٍ هذا الذي استيقظت منه؟! أيا دمع السهارى !!
أهذي وحدي … أهذي كالسكارى!!
أواه يا حلمي الذي تناثرت أشلاؤه فوق يدي !!! أفلت شمسي من قبل الشروق، وصرت زبيباً في زمان الحصرم..
ماذا تقول اليوم عن حبٍّ وُلِدَ على أطراف البحيرة اللازوردية ونُحِرَ على أطياف أحلامي الوردية…
فهناك وُلِدَ الصباح … وهناك بزغت شمس الهوى … أنت … وأنا … والبحيرة اللازوردية….
وهناك اتحدت أرواحنا … ورحتُ في غيبوبة عشقي لك…
أواهٍ من ذيّاك الهوى …حينما كان الحلم يعبر أسوار قلبي … ويخترق شعورك حرمة أسراري الدفينة …
هناك…. ألف لفافة تبغٍ أشعلتها …
وهناك… ألف كأس خمرٍ تجرعتُها...
وكل ما حفر بذاكرتي من ذاك اليوم ... بقايا أحلام وردية ... أذكر منها طيفك وعشقك اللانهائي... وأنا وغيبوبتي الأبدية... وصفاء البحيرة اللازوردية...
مضى شهر وأنت لا تسأل عني... فأي هوى ذاك الذي ما برح يفتك بي!!! أية مقصلة تلك التي رميتُ بكَ يا قلبي إليها!!!
أواه من حلمٍ دغدغ من عمري سنيناً وأحرق الباقي ... أية قافية تلكَ التي أسكنتك بها دواويني وأشعاري ؟!!.. وأي جرحٍ ذاك الذي خلّفَته لي قصائدي وأفكاري!
يا ويل ذاكَ القلب الذي كنتَ فيه الماء للشجر!!!!...
يا ويح فؤادك الذي سرق من عمري حباتِ المطر....
أواه من حلم ... زرعتُ فيه في البداية كل ما أملك من بذار الحب والعطاء ...لأقطف الهباء الذي كان كل ما جنيته من زرعي ...
يا حبيباً غرستُ بفؤاده نعمة الحب واقتلع من أعماقي جذور حبي ...
أسمع صدى ضحكاتك الوردية و الدمع يملأ أحداقي … وأراك ساهراً مغرماً بليالي القمر.. وقد أتعبني سُهدي وسهري …
أي قلب ذاك الذي ركعت له يا قلبي !!! وقدمتَ له طقوسَ العبادة … فأعادكَ وحيداً … تحمل آلامكَ بيدٍ… وبيدك الأخرى حملت القربان…
آه من لياليّ التي ضاعت على حدِّ سيفكَ الجارح…
ومن عَبرات كلما غفت عيوني لحظة أحرقتها بحنين الشوق للقُبل...
تقول يا قلبي إنك أهديته قصة حبك معه… لو قرأها لسال دمعه أنهاراً من شدة الولع…
لكنهُ أبى حتى أن يراك وأنت الذي أريته نور الشمس وضوء القمر!!!
آه من جارحات السنين التي سأنتظرها لحين الموعد … أو أبقى وحدي فيها …
يا حلم عمري الذي أبى أن يستكين في هدب الجفون…
آهِ يا اخضرار أحلامي الذي داس الحبيب على عشبه… فمات العشب… وذبل الزهر…
كنتُ ما أزال على ضفاف بحيرة زرزر ...أستعيد ذكريات حبي معك...
غربت شمس الأصيل ... وتوسط القمر كبد السماء ...
لم أكن قد تناولتُ في هذا اليوم إلاّ عدة فناجين من القهوة ...
تحاملتُ على نفسي ... وقمتُ عن مقعدي الذي حَجَزتْه آلامي طيلة هذا اليوم... وتناثرت عليه بقايا جراحي...
هو ذا حبي مصلوب على أوردتي التي كانت تنزف لك آخر قطرة عشق أبدية ...
وهل حقاً أينما وُجِدَ الحب وجد الألم ؟!…
عدتُ متثاقلة … تائهة … لا أدري بمن أو بماذا أفكر...
ثم سِرْتُ... وسرت... من دون أن أدري إلى أين المسير.؟!!
وأنا شهيدة الحب وشاهدته..
وأنا التي ضيعها الحب، فتاهت في دروبه….
انتهـــت
6- كانون الثاني- 2004