مقدمة

4 0 00

يالله نبتدي

خففت إيبرل ساوندرز من سرعة سيارتها الداتسون الصغيرة حين لاحت لها اللوحة

الخشبية الحمراء من خلال الضباب الرمادي المتجهم لشتاء شمالي

كاليفورنيا،ها قد و صلت إلى المكان الذي تقصده،نظرت إلى الأشجار الكثيفة

التي تشكل سياجاً طبيعياً على حافة طريق اسفلتي ثم وجهت سيارتها نحوه وراحت

تقود بحذر خوفاَ من الحفر الكبيرة المنتشرة على طول الطريق .نظرت إلى ساعتها

ووجدت أنها وصلت قبل ربع ساعة من موعدها مع المدعو غرايغ بوكستر.

كانت إيبرل تعلق على هذه الوظيفة أهمية كبيرة،لذلك تركت لنفسها ما يكفي من

وقت لتقود سيارتها لعشرين ميلاً من السير "لنيفادا"..

وصلت إيبرل بداية المنحنى،حيث تستدير الطريق الداخلية لتوصلها إلى المنزل

الذي تقصده،كان تأثيره واضحا ًإذ علت وجهها ابتسامة بهجة ساعدت على تخفيف تجهم

فمها الجاد.قدّرت أن المنزل مبنى منذ ما يقل عن خمس و عشرين سنة على يد

مهندس معماري مبدع..كان المنزل بمثابة ملاذٍ جبلي في اتساعه المريح المتعدد

المستويات،بخشبه الأحمر الصنوبري و أوراقا الأرز البرية المتساقطة على سقفه.

تابعت إيبرل قيادة سيارتها نحو الطريق الداخلية الممتدة نحو الباب

الأمامي..واتجهت إلى المكان المخصص لوقوف السيارت إلى يمين المنزل،وأوقفت

سيارتها أمام باب مفتوح لكاراج يتسع لثلاثة مواقف حيث تقف سيارة (لينكولن

كونتيتال) بيضاء،و سيارة(بورش) سوداء رشيقة. خرجت إيبرل من سيارتها، وراحت

تمدد ساقيها الطويلتين و تراقب ساعتها في انتظار أن يحين موعدها. مع أنه

كان يوماً متجهماً من أيام كانون الثاني (يناير) ودرجة الحرارة في انخفاض

مستمر و المطر ينذر بالتساقط بين لحظة وأخرى، في انخفاض ،فما من أرض في

كاليفورنيا تبدو مهملة كهذه الأراضي..كانت الشجيرات الشائكة تلتف حول المرج

أمام المنزل ، و تتشابك بعضها ببعض ،و حتى من هذه المسافة كانت تبدو واضحة

كثرة الأغصان الميتة بين تلك الخضراء ،و التي يجب تقليمها .. وتوقفت عيناها

الرماديتان الباردتان الناقدتان على المرجة المهملة التي ارتفع العشب فيها

. لاحظت إيبرل وجود خميلة من الورود الحمراء الكبيرة إلى يسار المنزل .

نظرت إلى ساعتها ووجدت أن عليها الانتظار سبع دقائق أخرى .. ثم عادت النظر

إلى المنزل لترى ما إذا كان أحد قد لاحظ وصولها ، لكنها لم تر أحداً ،

فاستسلمت لفضولها الذي دفعها نحو المرجة المهملة حيث تنمو تلك الورود .لم

تشاهد أبداً خلال ثلاث سنوات عديدة .. يعمد معظم مزارعي الورود إلى تشذيبها

في وقت لا يتجاوز كانون الأول (ديسمبر). وإذا لم تشذب هذه الورود في أسرع

وقت ممكن ،فسيكون وقت تشذيبها قد فات. تفحصت إيبرل غصناَ ثخيناً ينمو في

زاوية..وبالتطلع عن كثب أكثر ،رأت أن الغصن محشور ما بين برعمين نابتين، و

إذا لم يُجرَ له تقليم قريباً ، فقد يموت الغصن كله.على أي حال ليس الأمر من

شأنها ..من ناحية أخرى كيف يمكن لأي إنسان أن يعترض على تفحصها لهذه الورود

وقيامها بتقليم سريع ؟ بالتأكيد ما من أحد لديه غرسة ورد يمكن أن يعتبر

عملها هذا تطفلاً. نظرت بتردد إلى المنزل ، لم تكن مقتنعة بأن ما ستفعله أمر

مناسب ،لكن أزعجتها رؤية الغصن المكسور ،بقدر ما يزعج عظم مكسور ممرضة خبيرة

. أخرجت المقص من الحقيبة القماشية التي تستخدمها لحمل معداتها إضافية إلى

استعمالها كحقيبة يدا. تقدمت لتقوم بعملها غير عائبة بالأشواك التي تغرز في

جينزها وسترتها السميكة..ووجدت ان الغصن في الواقع هو فرع منشق من جذر

الوردة ،ينمو من تحت جذعها ..فقالت تخاطب نفسه : آسفة لكن يجب ان أجتثك

...ركعت واستندت على مرفقها ثم انحنت كي تتمكن من الوصول إلى جذور النبتة

دون التأذي من أشواكها . كانت تفاصيل جسمها بارزة ، و كالعادة حين تقوم

بعملها ،نسيت الوقت و المكان وراحت تنتقل من معالجة غصن إلى آخر، ومن نبتة

إلى أخرى ..وكان بمقدورها أن تستمر هكذا ساعات لولا أن صوتاً عميقاً صدر من

ورائها فجأة : _هذه الأملاك مشهورة بمناظرها الجميلة ..و إذا استمريت

منحنية بهذا الشكل ، فسنضطر لوضع سياج مكهرب لمنع الجمهور ! استدارت إيبرل

برعبٍ لترى صاحب الصوت . فعلق شعرها الأحمر القاتم في شوكة ..حاولت تخليص

شعرها بذعر ، فتسبب ذلك بوخز الشوكة في جلدة رأسها ، وخدشها لطرف

صدغها..حاولت مجدداً تخليص نفسها فعلقت ثيابها بالأشواك و الأغصان الصلبة من

كل صوب . صاح الرجل الذي أثار ذعرها _ اجمدي ياامرأة ! توقفي عن الدوران

ودعيني وساعدك دخل إليها بسرعة و نزع الأشواك عن ثيابها وشعرها ..ثم أمسكها

بيدها و قادها ليوقفها إلى جانبه على المرجة.. و سأل: _هل أنت يخير ؟ يالهي

لقد أذتك الأشواك وجعلت الدماء تسيل ارتجفت يد إيبرل اليمنى وهي تحاول نفض

شعرها و ثيابها ،فقالت بارتباك: _ انا على ما يرام ..لم يحدث شيء. بدأ الرجل

لإيبرل طويلاً جداً .. وهي الفتاة الطويلة التي اعتادت أن تكون على مستوى

العينين مع معظم الرجال..لكنها الآن ، ولكي تنظر إليه ، كان عليها أن ترفع

رأسها لتلتقي بعينيه ..أم أن السبب وقوفه القريب منها ؟ مهما يكن الأمر

،فقد كانت نظرتها إليه قصيرة .. و أحست بالتصلب بسبب الذعر و الألم اللذين

ألحقهما بها . أخذ الرجل يتفرس بها باهتمام وبمرح، كان يرتدي قميصاً صوفياً

باللونين الأسود والأحمر و بنطلون جينز باهت اللون ..كان الحذاء الذي

ينتعله مرتفع الساقين . أخرج الرجل منديلاً نظيفاً من جيبه الخلفي ، و أمسك

فكها بأصابع قوية ليرفع وجهها، بينما تحركت يده الأخرى لتمسح الدم النازف

عن صدغها إلى جانب وحهها .. أحست فجأة بحميمية لم تستطع فهمها فاحمرت و

حاولت تحرير وجهها من بين يديه. قطبت قليلاً ، ثم قالت ببرود: _هذا لا شيْ

حقاً .. أرجوك لا تزعج نفسك ارتد رافعاً يديه في استسلام ساخر ..وقال بصوت

مرحٍ : _أرجو المعذرة.. الأمر فقط أنني أشعر بالمسؤولية عن جرحك . ردت ببرود

: ألا تعتقد أن التسلل من الخلف هكذا يخيف الناس حتى الموت؟ _ أنا آسف

لإخافتك ، أما بالنسبة للتسلل فأظن أن البادىء هو أنت نسيت إيبرل أنه لم

يفترض بها المجىء إلى هنا ، لكنها لم تكن تريد أن تزيد من عجرفة هذا الرجل

، ففي ظروف عادية ، كانت ستعترف بمشاركتها في اللوم الإ إنها الآن ، و

بدافع مجهول في داخلها وجدت أن أفضل دفاع هو الهجوم . _ لم أكن لأفعل هذا

لو لم تكن تلك الورود في حالة مزرية . وإذا كانت العناية بهذه الحديقة جزءاً

من واجبك هنا .. أستطيع أن أفهم سبب إعلان السيد بوكستر عن حاجته لجنائني

جديد . اتسعت عيناه السوداوان الكثيفتا الرموش بدهشة ، وعلت فمه ابتسامة

عريضة : أنت الجنائني ؟ دفع رأسه إلى الوراء مع ضحكة قوية ، و امتعضت

إيبرل من سخريته و أحست باليأس ..لقد اعتادت ان تتلقى ردات فعل مختلفة

لانتقائها هذا النوع من الأعمال ، لكن الغريب الآن أن ردة الفعل الساخرة

هذه آلمتها بصورة أكبر .. كانت تبدو مستخفة بها ، تحط من قدرها أكثر من

ردات الفعل الغاضبة و المزدرية . وكانت تعرف أنه من السخف أن تنزعج من

الآستخفاف لكن بالنسبة لفتاة تفتخر برجاحة عقلها ورزانتها م يكن الأمر سهلاً

. مع تصاعد الضحكة ، لم تستطيع تجنب التحديق مشدوهة بخطوط عنقه القوية ، و

أخذت عيناها تراقبان عرض صدره و كتفيه.. تلاشت ضحكة في النهاية، تاركة

بقايا ابتسامة ساخرة على وجهة الوسيم .. هز رأسه فانزلقت خصلة شعر سوداء

فوق عينيه ، وفي محاولته إرجاعها إلى الخلف ، لاحظت أنه لا يمكن أن يكون

جنائنياً بهاتين اليدين القويتين المعتنى بهما جيدا ، وفكرت بأظافرها

المقصوصة غير اللامعة ..يجب حقاً أن تعيد النظر باستخدام القفازات في عملها

..قال أخيراً مجيبا عن سؤالها: _ لا ..أنا لا أعمل جنائنياً هنا ..والجانئني

الجيد هو فنان جيد ، و أنا لا أجرؤ على هذا الادعاء. وابتسم ابتسامة ساحرة

هدأت من مشاعرها المجروحة فردت بابتسامة ممثالة : _ غفرت لك كل شيْ

_وهذا ما أنا ممتن له .

قالت بلهجة ساخرة : _ حسن إذن .. إذا كنت "لا تجرؤ على

الادعاء" أنك جنائني.. فما هو عملك هنا ؟ هز كتفيه دونما اكتراث: _ قليل من

هذا وذاك . _خدمات عامة؟ _أجل .. هذا بالضبظ ما يعبر عن عملي. سار بها نحو

المنزل .. حين أدركت أنه يتجه إلى الباب الرئيسي توقفت .. وتكونت في فكرها

صورة واضحة عن منظرها المرعب وشعرها المشعث .. نظرت إلى ساعتها لتجد أنها

تخطت موعدها ببضع دقائق ..لقد حدث الكثير خلال سبع دقائق .. وقالت بتعجل: _

لا أريد إبقاء السيد بوكستر منتظراً، لكنني أتساءل إن كان يمكنني ترتيب نفسي

قليلاً؟ نظرت إلى يديها الملطختين بالوحل وإلى ركبتيها المبللتين، وفكرت

بالانطباع الذي ستتركه الآن لدى السيد بوكستر.. متسخة ، مشعثة وتنزف دماً .

بدا لها فجأة أنه من المهم ان ترتدي ثياب العمل لهذه المقابلة كما تفعل

دائماً . سألت بصوت قلق : _ هل السيد بوكستر رجل رسمي جداً؟ ابتسم لها الرجل

الطويل إلى جانبها : _ أوه.. أبداً لماذا . تسألين؟ _ إنه لا يتوقع شخصاً

سميناً بتنورة صوفية وكنزة مماثلة.. كما أعتقد؟ _ ليس بالنسبة لجنائني ، لا

أحب ذلك . تنهدت بارتياح : _ لا بأس إذن . أنا فتاة عاملة، و انظر إلى عملي

بجدية كالرجال تماماً.. ولقد وجدت أن ارتدائي ثياب العمل في لقائى الأول مع رب

عمل جديد هو خطوة صحيحة منذ البداية.. أعتقد أنهم بذلك يدركون أنني أريد أن

يُنظر إلى كأي جنائني آخر.. بالرغم من كوني أنثى.

أدار رأسه قليلاً عنها ،

ورفع قبضة يده المسترخية إلى فمه كمن يكبت ضحكة .. مرة أخرى ..لاحظت إيبرل

تسليته بشيء من الألم.

_ أرباب عملي من الرجال يفهمون أنني جئت إلى حدائقهم لأعمل.. وإذا لم

يتمكنوا من فهم هذا فبإمكاني تصحيح الموقف .. إذا بكل بساطة أترك العمل

وأجد غيره. هز رأسه و كأنه يوافق على كلآمها . وصلآ إلى الباب الأمامي و

أنتظرت لكي يقرع الجرس . بدلآً من ذلك ، أمسكها بذراعها و أدارها لتواجهه..

مال إلى الأمام لينظر إلى الجرح جيداً.. فتقلصت معدتها لأن نفاسه الدافئة

على شعرها وخدها .. وقال ممازحاً: _ بالطبع يجب أن تنظفي هذا الجرح الذي

سببته حربك مع الورود سأطلب من السيدة أغريبا أن تهتم بهذا ، ولا تقلقي

لأمر إبقاء السيد بوكستر منتظراً .. فهو ليس مستعداً لاستقبالك الآن ، مثلك

تماماً . _أوه ؟ لابد أن هذا ما خرجت لتقوله لي أصلاً ، أليس كذلك ؟ تجاهل

سؤالها :ادخلي الآن.ولدهشتها ،فتح الباب دون قرع الجرس ودخل المنزل . ولم

يكن لديها الوقت لتستوعب اتساع الردهة التي بدت كقاعة مليئة بنباتات نصف

استوائية تتنعم بالنور البراق المنبعث من السقف ، لأنها سرعان ما قدمت إلى

امرأة متجهمة برزت فجأة من الردهة .تغيرت تعابير الرجل حين ظهرت المرأة

المسنة..وأصبحت تصرفاته باردة متحفظة, ولهجته فاترة متعجرفة وهو يقول : _

هذه الآنسة ساوندرز، سيدة أغريبا.. جاءت من اجل مقابلة العمل لمركز

الجنائني.. تعرضت لحادث بسيط كما ترين. خذيها إلى الحمام وتأكدي أن تحصل على

ماتريد.. حين تصبح مستعدة، أوصليها إلى المكتبة كورت السيدة أغريبا شفتيها

في تعبير عدم الموافقة وهزت رأسها باقتضاب ثم استدارت على عقبيها بسرعة ،

بحيث لم يبق لدى إيبرل سوى فرصة ضئيلة ألقت فيها نظرة خاطفة من فوق كتفها

على الرجل ، قبل أن تهرع خلفها إلى حمام صغير أنيق.. وبصمت أعطتها السيدة

أغريبا علبة لصوق بلاستيكية ، ومنشفة للوجه . ثم أقفلت الباب وتركت إيبرل

تستعد قبل أن توصلها إلى السيد بوكستر . حاولت إيبرل جاهدة وضع اللصوق فوق

الجرح على رأسها لكن ذلك لم ينجح .. ثم لا داع لهذا على أي حال .. رطبت

الدم الجاف فوق خدها وهي تفكر بشكلها المريع الذي ظهرت فيه أمام .. لكن

..ما كام أسمه ؟ واستاءت لفكرت أنها لم تحصل على الوظيفية هنا أولم تلتق

به مجدداً قبل انصرافها من هذا المنزل، فقد لا تعرف اسمه أبداً . ربما تستطيع

سؤال السيدة ! غريبا .. لكنها لن تضعف نفسها أبداً أمام تلك السيدة ! وليس

من عادتها أن تنجرف وراء نزوة عاطفية .. لقد قابلته منذ أقل من ربع ساعة ،

وها هي تهتم لأمره وكأنها تعرفه منذ زمن . سخيفة ! أقرت بصمت ثم راحت تبحث

في حقيبتها عن مشطها وراحت تمرره بخشونة في شعرها الأحمر ، القائم المتوسط

الطول ، ثم جمعت أطرافها إلى الداخل في تسريحة ملتفة كانت على يقين من أنها

أفضل ما يناسب وجهها .. ولم تحاول أن تضع أحمر الشفاه ، فهي على أي حال

جنائنية، وليست عارضة أزياء .. أخذت نفساً عميقاً وفتحت باب الحمام لتجد

السيدة أغريبا تقف منتظرة .. وأشارت المرأة لإيبرل أن تلحق بها . أدخلت

إيبرل إلى غرفة بجدار زجاجي ، تشرف على شرفة كبيرة من الآجرّ تحتوى على أثاث

خارجي من خشب الصنوبر الأحمر . وراءه ، رأت بركة ضمن غرفة سباحة ضخمة ، ومن

خلفها ملعب تنس .. لكن ما جذب نظرها ، كان منظراً ساحر اًلا يعيقه شيء لنهر

"أميركان ريفر" المتدفق بعنف .. واستطاعت إيبرل أن تتخيل منظره الأكثر

جمالآً في الليل . كانت الجدران الباقية للغرفة مغطاة بخزائن من الخشب

الأحمر, أريكة من الجلد بلونٍ عاجي ، طاولات من الكروم و الزجاج ، منضدة

كبيرة لماعة من خشب التيك ، تغطيها على مايبدو خرائط معمارية، سجادة ضخمة

بلون بني وقور . كانت هناك نماذج لمبانٍ منتشرة هنا وهناك على الرفوف، بعضها

مألوف والبعض الآخر غامض لإيبرل وكانت على وشك إلقاء نظرة قريبة عليها حين

أحست بانضمام شخص إليها في الغرفة . استدارت لتقع عيناها على الرجل الذي

قلقت من أن لا تراه مرة أخرى وتهلل قلبها فرحاً كان قد بدل ملابسه و ارتدى

بنطلوناً بلون وبر الجمل ،وكنزة مثلثة الياقة بلون بنى من الصوف الكشمير

فوق قميص حريري رمادي اللون مفتوح الياقة.. واستبدل حذاءه الثقيل بحذاء

فاخر لماع من جلد "الموكاسان". نظرت إيبرل إليه بابتسامة دافئة: _كنت أفكر

للتو بأننا لم نتعارف حتى، أنا إيبرل ساوندرز ..وأنت.. ؟فجأة بدأ كل شيء

يتضح لها ، فتلاشت عن وجهها الآبتسامة وهي تكمل : _لكنك تعرف من انا.. لقد

قدمتني إلى السيدة أغريبا .. ودخلت المنزل دون قرع الجرس . ابتسم بمكر كما

يبتسم صبي صغير ضُبط وهو يقوم بعمل أرعن ، ويعرف ان أمه ستؤنبه . _ أجل ..

أنا غرايغ بوكستر . أحست إيبرل بأطرافها تتجمد .. وامتزج الخجل مع الغضب

من استغفاله لها . لقد اذلها ، وسخر منها سراً وعلانية ، لقد كانت غبية إذ

لم تعرف هويته ، فافضت اليه ببراءة عن

ارتباكها وترددها في مسألة ملائمة ثيابها ..ومما زاد في سخطها أنه كما يبدو

اعتبر المسألة منتهية ،

و راح يتحدث عن المركز الشاغر و الواجبات التي يتطلبها .

_هناك مساحة كبيرة تحتاج للعناية.. ربما أكبر من عمل شخص واحد .. معك كافة

الصلاحيات لا ستخدام أية مساعدة مطلوبة.. سمعت الكلمات متقطعة ،وهي تقف

جامدة تتنازعها مشاعر عنيفة من الحسرة والألم لم تعها منذ سنوات طويلة

..انسابت كلماتها ميتة من بين شفتيها :

_كيف استطعت فعل أمر كهذا ؟اختفت الآبتسامة اللامبالية عن وجهه ، لتحل

مكانها نظرة دهشة مصحوبة بحذر بارد.. بعد لحظة من الصمت المطبق

أبعد

عينيه عنها وقال بأدب مفاجىء: _أرجو عذرك .. بالطبع كنت مخطئاً في خداعك

..لكنني لم أكن أعرف هويتك في البداية حين عرفت كان الوقت قد تأخر .

-وكم كان متأخراً ؟ متأخراً لا ستعادة دور رب العمل الوقور بعد ما تصرفت

وكأنك ابن شوارع ؟

_رويدك آنسة ساوندرز، أنت لست دون ..قاطعته بجرأة :

_ليس لدي شيء أقوله لك أكثر من هذا سيد بوكستر. وتحركت نحو الباب لتخرج مد

يده وأمسك ساعدها بأصابع فولاذية :

_توقفي عن هذه المحاكمة الآعتباطية ..مهلك قليلاً إيبرل ساوندرز: أنت

المتهمة ،الحكم ، والمحكمة ، كلهم في قالب واحد جميل .. أوه ..هأنذا مجدداً

.. أرتكب جرم التعليق على مظهرك . حاولت إيبرل سحب ذراعها منه ، لكنها

لحرجها الشديد ، لم تستطع زحزحتها إنشاً واحداً.. وقالت بلهجة أملت أن تكون

متكبرة مهينة:

_سيد بوكستر ..لا تغتر بنفسك لأنك مجرم .. الواقع أن ملاحظاتك لا تدخل لها

بما نحن فيه . لو جئت إلى هنا كعارضة أزياء ، أو موديل لكن مظهري مختلفاً

..لكن كجنائنية ، لا لزوم لهذا بكل بساطة .. والآن،وكما أخبرتك سابقاً ، ليس

لدي شيء أكثر أقوله ..اذا أرجوك أبعد يديك عني . قام بإحكام قبضته عليها

كرد على ماقالته،فبدأت تخاف منه ..ثم تكلم بصوت بارد كالجليد:

_إن كان ليس لديك ماتقولينه لي ،فأنا لدي الكثير لأقوله آنسة ساوندرز ..

إضافةً إلى أنني لست معتاداً على أن يقرر مرشح للعمل عندي متى ينتهي لقاؤه بي .

_ هذا تصرف إقطاعي منك سيد بوكستر .. لكن توقعاتك لا قيمة لها الآن .. فأن

لن أعمل لك ولو كنت سأموت جوعاً

_أنت تقولين الكثير .. لكن بما أنني الأقوى جسدياً فأنا أنوي أن أرغمك على

سماع ملاحظاتي .. أولاً ، أنت لست برئية تماماً مما حصل ألم تخفى عنى هويتك

الأصلية بعدم إعلامي أنك امرأة ؟ وكيف لي أن أعرف وقد كان خطاب ردك على

الإعلان بتوقيع أ .. ساوندرز؟ قالت ببرود :

_معظم أرباب العمل لن يقبلوا بمقابلتي لمثل هذا العمل لو عملوا مسبقاً أنني

امرأة.. في اللحظات التي كان فيها يفكر بردها ، حاولت مرة أخرى سحب ذراعها

من قبضته وزادت إذلالاً حين لم يبدُ عليه انه لاحظ جهدها .

_أو ليس هذا حكماً عاماً و كبيراً ؟ ألايشبه ذات النوع من الأحكام التي استندت

عليها لاتهام الاخرين ؟

_ دعني أسألك هذا.. لو عرفت أنني امرأة من خطابي، أكنت منحتني فرصة

لمقابلتك ؟ بدأ على وجهه الغاضب بعض التردد.. وكان صوته مفكراً وهو يرد:

_لست أدري حقاً .. والآن لن نعرف هذا أبداً .. أليس كذلك؟ لامست كلماته وتراً

حساساً في أعماقها وأحست بحنان غريب ..هناك الآن أمور كثيرة لن يعرفاها ..

ترك ذراعها ببطء وكأنه محبط لعدم نجاح المقابلة ، أو ربما كان الإحباط

لإيبرل وليس له .. كانت مشاعرها مشوشة دون أن تعلم السبب .. واعتراها إحساس

يشبه الحزن لا الغضب . استدارت نحو الباب.. لكنه قال بصوت مغرٍ: _ أتسمحين

بأن أضيف شيئاً واحداً، آنسة ساوندرز؟ ترددت إيبرل ، وتعمدت أن لا تنظر إليه

مخافة أن تضعف أمامه فتفقد بذلك احترامها لنفسها ثم هزت رأسها على مضض. قال

بوكستر بهدوء:

_أريدك أن تتذكري اعترافي بأن تصرفاتي كانت سيئة وقد طلبت منك العفو..

والآن أطلب منك أن تنسي هذه البداية السيئة.. ربما لا تعلمين أنني اشتريت

هذا المنزل مؤخراً.. والمالك القديم هو الذي أهمل الحدائق

وتركها للخراب . وكما رأيت إنها بحاجة ماسة لجنائني خبير يعتني بها بإخلاص

، وأنا متأكد أنك بهذه الصفات .. بالرغم من أنك أنثى ..ثم ، على أي حال ،

كان هذا ما عزمنا عليه منذ البداية، أليس كذلك؟ أنت كنت تبحثين عن عمل ..

أرجوك قولي إنك ستبقين بالوظيفة . اعترفت لنفسها أن كلاهما قد انجرف في هذا

بشكل خاطىء.. لا.. لم تكن إيبرل متعصبة لجنسها ، لا في حياتها و لا عملها..

فهي مسرورة أنها امرأة ،وتعلمت أن تتسامح مع تعليقات الرجال على أنوثتها

المتناقضة مع عملها ، و التي تتعرض لها دائماً في البداية لكن ما فائدة

التفكير بكل هذا الآن؟ مع ذلك ..ربما هي مدينة بتفسير ما ، إن لم يكن له

فعلى الأقل لا حترامها لنفسها. أخذت نفساً عميقاً و استدارت لتواجهه.. جعلها

الرجاء المنعكس على وجهه تضعف وتملكتها رغبة قوية لإرضائه بالموافقة على

طلبه .. حتى أنها فقدت تقريبا كل سيطرتها .. لكن ،لا..لايجب أن تعرض نفسها

للخداع مرة أخرى .. فلا خير يرتجى أبداً كهذه .

أقدر لك اعتذارك سيد بوكستر .. وأنل كذلك آسفة لأن الأمر لم ينجح بيننا

لكنك جعلتني أشعر أنني بلهاء ولا أعتقد أنك ترغب في استخدام بلهاء. ارتعد

غرايغ بوكستر لكلامها ،وتغيرت قسمات وجهه.. استدار عنها بطريقة فهمت أنها

دليل صرف .. وتمتم بصوت مشدود بدا وكأنه يعنيه لنفسه وليس لها :

_من الواضح جداً أن في الغرفة أبلهاً ..استدارت إيبرل لآخر مرة نحو الباب،

لترى السيدة أغريبا تقف في الداخل .. والله وحده يعلم كم أمضت هنا . كانت

تحمل بين يديها صينية قهوة ، ومايمكن أن يكون "كايك" ..إيبرل لم تره واضحاً

، فالدموع كانت تغشى عينيها ، مارأته أن تعبير وجه السيدة العابس قد اختفى

، ليحل مكانه ابتسامة امتنان و... رضى .

الجــــزء الثاني

: "لا" تعني "لا"

استيقظت إيبرل بكسل في الصياح التالي ، كانت على استعداد لأن تتخلى عن كل

شيء لمجرد البقاء طوال اليوم في السرير .. أحست باكتئاب وملل شديدين ..لكنه

يوم الأحد وهو اليوم الذي تقضيه مع ليز .. رمت الأغطية ، ليز ستاتون، ولا

يمكن لشيء أن يجعلها تخيب أمل الحبيبة وسارت حافية القدمين نحو المطبخ حيث

وجدت برنس يجلس بفخامة وسط الطاولة وينتظر فطوره ، وتعابير وجهه تشير إلى

صبر مكبوت ، تمتمت إيبرل وهي تفتح علبة طعام :

_ عذراً لتأخري في النوم.. ياصاحب المقام الرفيع .وسكبت له حصتها الصباحية .

كان الجوع بادياً على القط الكبير المترهل إذ راح يأكل طعامه بسرعة، وضعت

إيبرل القهوة لتغلي وبيضة لتُسلق، ثم دخلت إلى الغرفة الرئيسية في شقتها ،

وفتحت الستارة الثانية بلون الشوفان التي تغطي الجدار الزجاجي المطل على

حديقتها الخلفية..كانت الشقة في مجمع يحتوي على ست و عشري وحدة سكنية، بنيت

حول مساحة مشتركة في الوسط مع فسحة وبركة سباحة صغيرة.. خلف كل وحدة سكنية،

يوجد حديقة صغيرة ليستخدمها المستأجر كيفما يشاء.. ويسبب صغر المساحة

استخدمت إيبرل حديقتها على الطريقة اليابانية.. بشكل بسيط و أنيق.كانت

إيبرل تفتقد إيان كثيراً وتتمنى لو أنه هنا ليرى الحديقة تتطور، بعد أن

ساعدها في تصميمها منذ ثلاث سنوات.. إيان هيوشو جنائني خالتها مارغريت

ومرشدها المحب في طفولتها. كانت في سن السادسة حين أصبحت يتيمة، فقد مات

والداها في الحريق الذي نشب في فندق في فرنسا عندما كانا يمضيان عطلتهما ،

وهكذا عاشت مع شقيقة أمها.. وكانت الخالة مارغريت لطيفة لكنها كانت أيضاً

امرأة اجتماعية نشيطة لا تهتم بتكوين أسرة وحياة و عائلة بقدر اهتمامها

بمجالس و جمعيات ساكرانتو، والتنظيمات الثقافية.. وهكذا، ألقت مسؤولية

تربية الفتلة على عاتق مدبرات المنزل اللواتي جئن وذهبن حسب نزوات الخالة

ونوبات غضبها.. الوحيد الذي بقي دائماً في حياة إيبرل كان إيان هيوشو، وأمضت

معه معظم أوقاتها حين لم تكن في المدرسة،وأفضت بكل المشاكل الطفولية التي

يفضي بها معظم الأولاد إلى أمهاتهم.. واحتفاظ إيان بوظيفته لا يعني بأنه لم

يتعرض لطرد متكرر كسائر مدبرات المنزل.. لكن حين كانت الخالة تطرده في فورة

غضب كان يقوم بانحناءة صامتة أمامها ثم يعود إلى عمله وكأنها لم تتكلم..

وفي الساعات التالية، كانت تتظاهر وكأن شيئاً لم يحدث.. فحديقتها كانت مهمة

وتعرف أن أيان لا يمكن استبدله. في طفولتها، اعتقدت إيبرل أن خالتها تهتم

بالحديقة لأنها تحب الورود والنباتات. وكانت رغبتها أن ترضي خالتها

بمشاركتها في هذا الحب إضافة إلى تأثير إيان عليها، وهذا ما طور حبها

وموهبتها لفن ومهارة العناية بالحدائق..

وعندما بلغت السابعة عشرة وقاربت التخرج من المدرسة الثانوية، كانت قد

اتخذت قرارها.. أرادت أن تعمل في التصميم بالحدائق. لقد أصبحت في سن

الرابعة والعشرين ولا تزال ذكرى ضحكة الخالة مارغريت، حين سماعها بقرارها،

تتردد في أذنيها. كانت تشعر مجدداً بسريان الألم و الإذلال في أوصالها..

وتذكرت قول الخالة لها : " لطالما كنت فتاة غريبة إيبرل.. لكن لهذا حدود !

لمن الجنون لأي فتاة أن تفكر بعمل من هذا النوع، فكيف إذا كنت فتاة لهل

عائلة مثلك، هذا غير وارد أبداً .. كم أنت سخيفة ! أتظنين أنني منحتك سنوات

من التربية و العناية كي تفني حياتك في خدمة الناس؟ أن تصبحي يداً عاملة

عادية؟ هذا مستحيل! لقد خططت كي تلتحقي بكلية اللغة و التاريخ.. وبعد تخرجك

يمكنك العمل في دار للنشر ، أو في متحف، إلى أن تتزوجي "

لا تنكر إيبرل أن رغبتها في الزواج و تأسيس عائلة هو أمر تطمح إليه كثيراً

عنها فقد اعتقدت أنها شخص غير محبوب ولن تثير إعجاب أي رجل.. وأنها،مثل

خالتها، لن تتزوج أبداً.. اذلك آلمتها ردة فعل خالتها على قرار عملها،

ولكنها كانت تشعر بروابط الالتزام نحوها وعدم نكران جميلها ، فآثرت ان تعمل

كما خططت خالتها و أطاعتها لكن إلى درجة ما .

أخدت إيبرل كل مقرارت علم النبات التي كانت تؤمنها الكلية، إضافة إلى

المقرارت التي تبحث تصميم المناظر الطبيعية. وكانت تتراسل بانتظام مع إيان

الذي أعطاها بالمراسلة الكثير من المعلومات التي تختص بالعمل الذي تحبه،

والذي لا تزال مصممة على القيام به في يوم ما. حين كبرت إيبرل، قامت الخالة

مارغريتا ببيع منزلها في ساكرمنتو وسافرت للعيش في باريس، تاركة إيبرل دون

بيت يأويها.. بقي إيان في خدمة المالكين الإيجار الجدد، وعندما تخرجت إيبرل

لم تجد سوى إيان ملاذاً لها ورفضت دعوة خالتها الفاترة للانظمام إليها في

شقتها الأنيقة في فرنسا.

ساعدها إيان كي تجد الشقة التي تسكنها الآن، واتفق لها مع الإدارة أن تدفع

نصف االإيجار مقابل عنايتها بالحدائق.. عملت إيبرل في الحدائق لسنتين تحت

إشراف إيان، وسرعان ما أصبحت تجني ما يكفي من مال، وراحت توفر ماتسطيع لكي

تلتحق بالكلية وتحصل على درجة في علم الأرض وهندستها، وربما تنشىء شركة

تصميم وعناية بالحدائق .

لكن الأيام الجميلة انتهت بسرعة، إذ تعرض إيان لنوبة قلبية أفقدته حياته ،

كان ذلك منذ أكثر من سنة.. وحزنت إيبرل عليه وعلى نفسها.. فهي الآن وحيدة،

ليس لديها قريب.. وجدت أنه دونا دعم إيان العاطفي وتشجيعه ستخسر الكثير من

طموحها.. ولكم تمنت أن تجد مركزاً كرئيسة للجنائنين في مزرعة ريفية، لتجعل

من تلك الأرض عائلتها، وملاذها في الحياة، كما جعل إيان من عزبة الخالة

ملاذاً له.

جلست دون شهية أمام فطورها ، وراحت تتذكر كلمات الإعلان الذي أجابت عليه،

والذي قادها إلى مقابلة الأمس :" مطلوب جنائني خبير، للعناية و الأشراف على

خمسة فدادين من الأملاك الريفية قرب التلال .. الراتب قابل للمفاوضة.. مع

توفير سكن خاص.. مطلوب رسائل تعريف.. الرد على صندوق بريده".

بالنسبة لإيبرل ، بدا الإعلان لصلواتها. و استأذنت عدداً من زبائنها لتسجيل

أسماءهم كمعرفين عنها، مع رسالة الطلب، والتعريف عن الذات، التي أرسلتها في

اليوم التالي.. الجمعة،تلقت مكالمة من سكرتيرة السيد بوكستر، التي حددت لها

موعداً وأعطتها التعليمات للوصول إلى المزرعة ، والباقي.. معروف .

كانت تعلم أن عرض العمل هذا جيد بالنسبة لها، كذلك لغرايغ بوكستر .. لو

أنها فقط لم تنجذب إليه.. لاستطاعت حين استغفلها أن تضحك للأمر كما فعل

هو.. على أي حال، من لا مشاعر لنا نحوه، لا مشاعر لنا نحوه ، لا يملك سلطة

على إيذائنا..لو أنها لم تكشف هذا له لكانت على الأقل أنقذت ماء وجهها.. لكن

وقد حصل ما حصل فقد جعلته يفهم من غضبها أنها انجذبت إليه.. وبكل تأكيد، لو

فكر بالأنر قليلاً، لأدرك أنه وضع حرج بالنسبة لعلاقة رب العمل بالموظف ،

فهي لن تستطيع استعادة احترامها أو الحافظ على استقلالها في مثل هذه

الظروف.إضافة إلى هذا، سيكون من المؤلم جداً أن تلتقيه كل يوم، وهي تعرف أن

رجلاً مثله لن ينظر إليها سوى نظرته إلى موظف سخيف قليلاً.. فهو يظنها الآن

غبية كما تثبت آخر كلماته لها.

قالت بصوت أجش : "حسناً.. كفاني أحلاماً فارغة" وبدأت بتنظيف صحون الفطور..

الوقت يقترب من منتصف النهار وقد حان موعد ذهابها إلى ليز لزيارة بعد ظهر

يوم الأحد . أخرجت "برنس" إلى الخارج ليقوم بجولته الصباحية المعتادة ،

وذهبت إلى الحمام لتغتسل وترتدي ثيابها.. لقد وعدت بأن تصطحبها في زيارة

إلى قلعة"ساتر" اليوم، وهي مكان مفضل للفتاة الصغيرة .. لكنه يوم بارد،

وأملت إيبرل أن تتمكن من إقناع الطفلة بالبقاء في المنزل وقضاء الوقت في

لعب الورق ومشاهدة التلفزيون وخبز البسكويت.. هكذا ارتدت ملابسها وقامت

بتشغيل آلة الرد في هاتفها، ثم وضعت معطفها فوق كتفها وخرجت من الباب

كانت ليز ستاتون تعيش في ضاحية قديمة من ساكرامنتو، ليس بعيداً عن شقة إيبرل

لكنه عالم مختلف تماماً .. يعيش ماكس وفاين ايفنز، والد ليز بالتبني، في كوخ

منطقة نادراً ما تصلها أشعة الشمس.

ما كادت إيبرل توقف السيارة أمام باب المنزل ، حتى انفتح الباب وخرجت ليز

ترقص فرحاً حافية القدمين ودون معطف ، إلى الشرفة الأمامية تلوح لإيبرل،

وابتسامة مشرفة على وجهها الصغير.

_إيبرل..إيبرل.. أنا تقريباً جاهزة! فاين طلبت أن تدخلي. دخلت إيبرل غرفة

الجلوس الصغيرة بأثاثها القديم ورائحة الطهي الطيبة التي تملأ الأرجاء، حيث

استقبلها ماكس إيفنز بعناق حميم وفاين بثرثرة متوترة حين لمحت الخدش الطويل

على خد إيبرل :

_ أنت لا تعتنين أبداً بنفسك! وجه جميل كهذا ويدين.. انظري كيف تسيئين

العناية بهما! قال ماكس مؤنباً:

_ دعيها وشأنها يا امرأة.. ماذا تتوقعين من شخص يقوم بعمل جنائني؟ جهزئي

الطفلة، لايمكن لإيبرل أن تنتظر هنا إلى الأبد. رفعت فاين يديها استسلاماً،

وركزت اهتمامها على إلباس ليز حذاءها ، وأخذت تؤنب الصغيرة بصوتها الحاد

والمرتفع:

_كان يجب أن تكوني جاهزة ومنتظرة منذ زمن، بدلاً من تجربة كل قطعة في خزا

نتك . قال ماكس بخشونة لا معنى لها: اصمتي ياامرأة .. قبل أن تصيبنا جمعياً

بالصمم . كان الزوجان إيفنز في أواسط الستينات كلاهما ضخم الجثة ، وذوا شعر

رمادي.. وهما متزوجان منذ أمد بعيد حتى أنهما أصبحا متشابهين في الذوق

والطباع. وبسبب إخلاصهما لبعضهما، وخبرتهما في تربية عديد من الاولاد ،

اختيرا خصيصاً لتربية ليز.. ولقد كان خياراً جيداً إذ لا أحد يصدق أن هذه

الفتاة المشرفة المبتسمة لدى أسرة إيفنز، هي ذاتها تلك الفتاة الرثة

المتسخة التي جاءت منذ سنة.بعد بضعة أسابيع من وفاة إيان، قرأت إيبرل نداء

إنسانياً من جمعية اسمها " أصدقاء الطفولة " تعنى بالأطفال المشردين وتؤمن

لهم أمر الأقامة مع أشخاص لا يوفرون المكان لهم فحسب، بل الوقت والحب

أيضاً.. وذهبت إيبرل إلى هناك في يوم ممطر بارد كهذا اليوم، وتمعنت في الصور

و قرأت تاريخ كل واحد بدوره، ألى أن أحست أن قلبها يكاد ينفطر.. ولأجل ذكر

إيان هيوشو، اختارت ليز ستاتون لتصادقها، فهي بالإضافة إلى وضعها الأسري

الرهيب، كانت طفلة هادئة تحب المنزل، ضعيفة، غير جذابة، بحيث خشيت إيبرل أن

لا يختارها أحد.

بينما كانت فاين تلبس ليز معطفها، قال ماكس لإيبرل همسًا :

_ جاء مات ليزورنا منذ أيام.. وقال إنه يرى أن الفتاة تتحسن بشكل ممتاز..

لم يروادها أي كابوس منذ شهر كامل. مات مورهيد هو المصلح الاجتماعي الذي

رتب أمر تبني ليز.. وردت عليه إيبرل:

_ الشكر لك ولفاين، ماكس.. قليل من الناس يستطيعون القيام بمثل هذا العطاء

،كما فعلتما. ابتسم لها بمحبة:

_ هيا الآن.. لقد فعلت ما هو أكثر . هزت رأسها:

_لا.. أنتما من وفر لها الغذاء، وأنا لم أفدم سوى اهتمام خاص مرة في الأسبوع .

_ حسناً.. فليكن كما تشائين.. لكن العمل لم ينته بعد، فتاتنا أمامها طريق

طويل .. وهذا ما يؤرقني أغلب الليالي، ولا أستطيع الإفضاء به للمرأة

العجوز.. فتاتنا الآن في السابعة، فماذا سيحل بها حين نشبخ أكثر ولا يصبح

باستطاعتنا العناية بها.. أو حين حدوث الأسوأ.. وترك الجملة عالقة.. قالت

إيبرل بعناد:

_اسمع ..ماكس لايجب أن تقلق على هذا.. أنت تعرف أنني ومات سنعتني بها.

_ هذا ما يقلقني إيبرل.. لقد مرت طفلتنا بمآسٍ كثيرة في سنواتها السبع بما

يكفي لتحطيم رجل.. ولا أظنها ستتحمل مرة أخرى. لم يعد هناك وقت لحوار

منفرد، فقد جهزت ليز أخيراً، وأخذتها إيبرل من يدها بمرح ،ثم تبادلوا

القبلات والتوديع جميعاً وتوجهت الفتاتان نحو السيارة الصغيرة الصفراء

وسرعان ما انطلقتا . سألت إيبرل :

_ لماذا كنت تجربين كل ملابسك حبيبتي؟ هل وجدت صعوبة في إيجاد ما يناسبك؟

كانت إيبرل تتنبه دائماً لمثل هذه الأمور، فالراتب الذي يتقاضاه العجوزان من

الوكالة لأجل ليز لا يكفي أبداً لتأمين احتياجات الفتاة التي تزداد نمواً

يوماً بعد يوم.. وليس لديهما سوى دخل محدود من راتب ماكس التقاعدي ومن

الضمان الاجتماعي. ردت ليز بصوتها الواضح:

_ أوه.. لا.. كنت ألهو فقط. اغتنمت إيبرل الفرصة لتقول:

_ بما أن أن الطقس سيء اليوم.. أترغبين بالذهاب إلى منزلي بدلاً من "القلعة"

؟ نستطيع أن نلعب ما نشاء ونصنع البسكويت.. ونؤجل رحلتناإلى يوم مشمس.

وربما نأخذ معنا طعاماً أيضاً. أدارت ليز وجهها بثقة نحو إيبرل:

_ وأنا كذلك حبيبتي. حين وصلت باب الشقة و جدتا "برنس" مبللاً وجالساً أمام

الباب ، كان يلف ذنبه حول قائمتيه الأماميتين.. انحنت لبز لتحمله ودخلت به

إلى المنزل وهي تقول:

_ سأكون أنا الأم و"برنس" الطفل.. وأنت ماذا ستكونين إيبرل؟ ليست المرة

الأولى التي تلاحظ فيها إيبرل أن ليز لا تعطي أهمية لدور الأب في حياتها،

وهذا أمر مفهوم.. وفكرت أنه من الأفضل تجنب لعبة العائلة ، واقترحت تمثيل

أدوار السيرك ، الأمر الذي لاقى موافقة متحمسة من الطفلة . هاكذا اختارت

إيبرل دور المهرج.. ورسمت بأحمر الشفاه دوائر كبيرة على كل خد وعلى مقدمة

أنفها. ولونت جبينه بطلاء الأحذية السائل .. ولأنها لم تجد شيئاً ترسم به

نصف الهلال الأبيض حول فمها، استبدلته بفم ليلكي، مسخدمة أنبوباً كاملاً من

ظلال العيون.. تحولت ليز إلى بهلونية باستخدام بلوزة بيضاء ضيقة لإيبرل،

وإن كانت واسعة قليلاً وطلبت أن تضع بنفسها الماكياج.. ولم تشاهد إيبرل يوماً

بهرجة توضع على وجه بمثل هذا الإسراف. فرحت الفتاتان كثيراً بلعب دوري

المهرج والبهلون، وأخيراً جاء دور تحضير الحلوى وهذا ما كان ينتظره يرنس

الذي كان طيلة الوقت الفائت مغمض العينين، لكن الآن، الأمر بات يعنيه

كثيراً، فانتقل إلى مركزه المعروف في وسط طاولة الطعام مستمتعا بانتهاء

أوقات الجنون والانتقال إلى ماهو أكثر تسلية وإفادة، إعداد البسكويت

بالشوكولا، الحلوى المفضلة لديه.

كانت إيبرل تضع أول صينية عجين في الفرن، بينما ليز تقف فوق كرسي لتتمكن من

سكب المزيد من العجين في صوانٍ أخرى، وفجأة قرع جرس الباب. كانت إيبرل تهم

بالذهاب حين قفزت ليز من مكانها وخرجت من المطبخ وهي تركض.. ولحقتها

إيبرل.. حين وصلت غرفة الجلوس، وقفت مسمرة لرؤية غرايغ بوكستر يسد الباب

ويتحدث إلى الطفلة التي رمت برأسها إلى الوراء لتنظر إليه. همست إيبرل:

أوه.. لا.. مع إدراكها للمنظر المحرج الذي تبدو فيه، خرجت آهة خفيفة من بين

شفتيها الليلكيتين، وبوضوح مخيف،لمحت عينيه البنيتين الدافئتين تنفتحان

واسعتين وفمه يلتوي ثم تعلوه ابتسامة هادئة.. وقفت ليز تنقل نظراتها من

أحدهما إلى الآخر، ثم ركضت لتلف ذراعيها حول ساقي إيبرل، ونظرت إليها

بتقطيبة صغيرة على وجهها.. وهمست..

_من هذا الرجل إيبرل؟ انحنت إيبرل تلف ذراعها حول الفتاة وتطمئنها:

_ لابأس عزيزتي.. إنه رجل أعرفه. لماذا لا تعودين لإكمال وضع البسكويت في

الصينية ؟ لاتفتحي الفرن بنفسك.. أتسمعين؟ بهزة رأس صغيرة ونظرة شك للغريب

الضخم، عادت ليز راكضة إلى المطبخ. في رغبة منها لأن تصرف النظر عن مظهرها

السخيف جمعت إيبرل كل شجاعتها، وقالت بلهجة باردة مهذبة:

_ لدي انطباع بأن مامن شيء آخر نقوله لبعضنا.. كان يجدر بك أن تتصل هاتفياً

لترى ما إذا كانت زيارتك مناسبة.. لكن من الواضح أن مشاعر الناس ليست في

لائحة أولوياتك، أليس كذلك؟ أخفض عينيه وكأنه أخرج من هجومها:_ أنا آسف

آنسة ساوندرز، إنني مدين لك باعتذار آخر.. لكن الواقع أنني اتصلت، وتركت

رسالة على آلة الرد الهاتفية.

_ أوه.. ونظرت نحو الهاتف مقطبة، وكأنه تآمر ضدها.. فأكمل: _ هل أسمعك

الرسالة الآن؟ أم تفضلين سماعها بنفسك لتتأكدي من قولي الحقيقة.. أعرف أنك

لا تثقين بصدقي. اعترفت إيبرل بصوت محبط:

_ لاتكن سخيفا.. أنا لم أتهمك بالكذب .. كنت أنوي الاستماع إلى الرسائل في

المساء.. بعد أن أعيد ليز إلى منزلها.

قال باهتمام: _ أوه.. الصغيرة إذن ليست لك؟ صاحت: بالطبع لا.. رفع باستغراب

حاجباً أسوداً ناعماً وتسأءل:_ ولماذا.."بالطبع لا "؟ يخيل لي بأنك ستكونين

أماً رائعة. لا أذكر متى رأيت صورة حقيقة للحياة البيتية السعيدة كالتي

أريتني إياها اليوم.. لعب أدوار السيرك ، تحضير البسكويت، منزل دافىء حميم

في يوم بارد ممطر.. امتلأت بالغضب لإحساسها بأنه يسخر منها ، فهزت

كتفيها وقاطعته بصوت متعالٍ:

_ أنا لم أراك شيئاً سيد بوكستر.. لقد تطفلت على بيت لم تدع إليه .. أرجوك

قل ما جئت لأجله ثم ارحل. استطاعت أن تدرك من خلال النظرة التي استقرت في

عينيه وتعابير وجهه المتجهمة أن كلماتها

اصابته في الصميم وأنها حققت انتقاماً لعدم اكتراثه بمشاعر الآخرين. حين

تكلم ، كان صوته بارداً كالصوت ذاته الذي يكلم فيه السيدة أغريبا.

_ جئت أسألك إذا كان بإمكانك إعادة التفكير والقبول بالعمل كرئيسة

للجنائنيين في أملاكي .. لكنني أرى الآن أنك لن تفعلي .. لذلك سأغير طلبي و

ماإذا كنت مستعدة فقط للعناية بالورود.. لقد أعطيتني الانطباع بأنها تحتاج

إلى العناية فوراً.. على أي حال لقد بدأت بهذا.. أليس كذلك؟ نظرت إليه بتفرس

لترى إن كان يسخر منها مجدداً.. لكنها لم تجد ملامح السخرية بادية على وجهه

ولا أثراً للدفء في عينيه السوداوين..

فقالت بتصلب : _ لا سيد بوكستر..أنا لا أهتم أبداً بالعمل لديك سواءً أكان

الأمر دائماً أم مؤقتاً. هز كتفيه العرضين دون اكتراث ، وهز رأسه وكأنه كان

يتوقع ردها .. استدار نحو الباب رافعاً معطفه الواقي من المطر إلى عنقه ،

ولاحظت إيبرل أنه أفسد تسريحة بضع خصلات من شعره الأسود.. قال بابتسامة

ساخرة: _ رد أنثوي مثالي.. لكنه غريب إن صدر عن لسان جنائنية تنظر إلى

عملها بجدية.

_ مذا تعني بهذا بالضبط؟ _ قال : تميل النساء دائماً إلى ردات فعل هيستيرية

حول أمور تافهة إنهن يفكرن بعاطفتهن بدلاً من عقولهن! كم من الرجال برإيك

يمكن أن يغضبوا لأمر تافه مثل.. سوء التفاهم البسيط الذي حدث بيننا يوم أمس

؟ لعنت إيبرل نفسها بغضب لظنها أنها كانت فظة معه أكثر من اللزوم.. تصوروا

الجرأة والواقحة! حاولت أن تفتح فمها لترد عليه ولكنها أحست أنه ينتظر

متربصاً بها، وكأن في الأمر تسلية له، فقالت لنفسها : مهلك.. لقد استغفلت

نفسك بما يكفي .. ولن أسمح بإظهار نوع آخر من الهيستيريا حول أمر تافه كما

يدعي .. فابتسمت بخفة :

_ لا أعتقد أنك محق سيد بوكستر .. أنا واثقة أن قليلً من الرجال سيتصرفون

مثلك.. ففي البداية "سوء التفاهم" حول هويتك الصحيحة ما كان ليحدث، لأنك لو

أبديت تلك الملاحظة "الظريفة" حول.. وقفتي.. لرجل، لتكفل بإبقائك أسبوعاً

كاملاً دون وعي. بسرعة كبيرة ، انقلبت تعابير وجهه إلى المتعة والمرح..

ورغماً عنها، أحست إيبرل بالبهجة لسماع ضحكته القوية.. وقال بإعجاب :

_ أنت قوة يحسب حسابها آنسة ساوندرز.. اقد كسبت نقطة. _ إيبرل؟ سمعت صوت

الصغيرة الضعيف، فاستدارت لترى ليز تتكلم من وراء زواية المطبخ.

_ لقد انطلق جرس ساعة التوقيت في الفرن. _ سأكون معك فوراً عزيزتي. ثم

استدارت إلى الرجل المبتسم:_ حسناً.. إذا كان هذا كل شيء. أشار إلى المطبخ :

_ لا تدعي البسكويت يحترق.. سأنتظر إن لم يكن من إزعاج في هذا؟ وقفت لحظة

مترددة بين ذهابها إلى ليز والسماح له بالبقاء في شقتها، ثم استدارت واتجهت

نحو المطبخ.. غسلت وجهها ومسحته بمنديل ورقي.. ثم تنهدت:_ أوه..الأمر ميؤوس

منه!

نقلت البسكويت بسرعة من الفرن إلى رف المغسل ، بينما ليز تدور حولها وتقف

في طريقها ، وهي تضع الصينية الثانية:_ إبقي هنا صغيرتي، وانتظري ساعة

التوقيت مجدداً.. سأعود بسرعة .

عادت إلى غرفة الجلوس وأحست بداخلها أنها مسرورة، لقد التقيا منذ دقائق فقط

وهاهما غاضبان بمرارة من بعضهما.. وهذا يدل على.. لكن لا شيء تغير حقاً

سيخرج الآن وستكون النهاية بينهما. وجدته يقف قرب النافذة ينظر إلى الخارج

مراقباً حديقتها الخلفية..قال: يالها من حديقة رائعة ساحرة.. هل عملت

عليها؟أم أنها مع الشقة؟

_ لا.. إنها من تصميمي بمساعدة صديق. كانت الحديقة في غاية الجمال والذوق،

شجيرات ثلاثة من صنوبر" الموغو" المشذبة بذوق وفن تحتل الزاوية اليسرى منها،

مع صخور صغيرة رمادية في الجانب الآخر.. باقات من النرجس البري تزهر

ببهجة.. مساحة مغطاء بالعشب الأخضر،بالأضافة إلى أشجار الكاميليا اللماعة

العابقة بورود زهرية اللون.

قال غرايغ وهو ينظر إليها مفكراً: _أنت فعلاً فنانة.. ابتسمت بتواضع،

وتمتمت::_ لطف منك قول هذا .. هز رأسه قليلاً وكأنه يعود إلى الحاضر ، ثم

استدار عن النافذة:_حسناً.. لقد أخذت الكثير من وقتك. اتجه نحو الباب وهمّ

بفتحه ، لكنه لم يفعل، استدار نحوها مجدداً وبدت ابتسامة ساحرة على شفتيه،

ثم قال:_ أعتقد أنني قادر بنفسي الاعتناء بتلك الورود.. ألا تعتقدين؟ إنها

مسألة تشذيب قدم أو ما يقارب من ارتفاعها.. أليس كذلك؟ ارتعدت لمنظر القطع

الذي سيقوم به، فصاحت:_ لا تجرؤ أن تفعل هذا ! ثم تذكرت أنها وروده ول‎ا

تخصها..فتراجعت:_ أعني.. أعتقد أن عملك هذا سيضرها أكثر من تركها كما هي

ألايمكنك استخدام شخص آخر لهذه المهمة؟ قال:_ يبدو أنني مضطرا لهذا.. لكن قد

يستغرق الأمر وقتاً طويلاً. لقد سأجد الشخص المناسب من بينهم، لذلك ألغيت

الإعلان.. وبالطبع كنت على حق. فقد وجدت شخصاً مناسباً تماماً .. لكن يبدو

أنني مضطر لإعادة الإعلان والعودة إلى ذلك الروتين مجدداً . وقد تمر أسابيع

قبل أن أحل المشكلة .. وفي هذا الوقت ، فد تموت الورود من الإهمال .. لقد

أخبرتني هذا بنفسك إن كنت تذكرين. كانت على وشك الرد حين دخلت ليز بخجل

طبقاً من البسكويت المحلى .. نظرت إلى الرجل الغريب وقالت:

_ لقد أخرجتها بنفسي من الصينية. قال غرايغ رداً على عرض الصغيرة الواضح دون

كلام : _ سأحب تناول بسكويتة يكل تأكيد .. في الواقع كنت أتمنى أن تقدميها

لي . تناول بسكويتة من الطبق، وبدأ كأنه لم يلاحظ أنها كسرت ووقع فتات إلى

السجادة ، حيث قفز برنس من تحت المقعد يلتهمها كأسد متربص . قضم السيد

بوكستر البسكويتة مفكراً وعيناه نحو السماء ، ولاحظت إيبرل أنه متذوق خبير..

أما ليز فراحت تنظر إليه بترقب وفم مبتسم، حين ابتلعها نظر إليها وقال بوقار :

_ اتعرفين.. هذه تبدو من أفضل أنواع البسكويت الذي تذوقته في حياتي؟ ابتسمت

ليز فأخذ يدها وطبع قبلة عليها:

_ والأكثر من هذا .. أنا لم ألتق قط بخبازة أجمل وأكثر سحراً. أطلقت ليز

ضحكة وركضت نحو إيبرل لتخبىء وجهها في تنورتها.. نظرت عيناه إليها وأحست به

يداعبها.. وتمتم:

_ إنها تحبك كثيراً

_

وأنا أحبها أيضاً كثيراً.أحست إيبرل بالحمرة تعلو خديها ، فانتزعت نظرها عن

عينيه.. فتنحنح قائلاٌ :

_ أجل .. لقد أخذت مايكفي من وقتك.. أم أنني قلت هذا سابقاً؟ سأذهب الآن ..

على الأرجح لن أستطيع العناية بالورود قبل أيام ، لذا إذا غيرت رأيك اتصلي

بي, ضحكت إيبرل بنعومة:

_ وكأنك تعني هذا حقاً.. أقصد تشذيب الورود.

_ أنا أعني هذا.. بعد يوم أوأثنين. وأشار بيده بحركة عنيفة:

_ سأقطع رؤوسها.. أوه على فكرة لم أسجل رقم هاتفي في الإعلان، لكن إذا قررت

الاتصال ستجدين الرقم مسجلاً على آلة الرد في هاتفك. وخرج بابتسامة نغرية.

حين أقفل الباب خلفه، استدارت إيبرل لترى تعبير الرضى مرتسماً على وجه ليز..

بعد لحظات من الصمت قالت الصغيرة :

_ هل سمعت ما قاله عن البسكويت؟ ابتسمت إيبرل: _أجل.. وماذا عن الأشياء

الأخرى التي قالها؟ ألم أقل لك دوماً إنك طفلة جميلة؟ ابتسمت ليز

بشيطنة.... وأدارت عينيها الزرقاوين الصافيتين نحو إيبرل، ثم قالت بلهجة

تفسيرية لتصحيح كلامها:

_ لا..إيبرل.. حين قال هذا.. لم يكن يعنيني حقاً.. بل كان يعنيك أنت.