(1)
في غرفتها المغلقة أسندت ظهرها على الكرسيّ المتحرّك القريب من النّافذة المفتوحة, و كانت السّتائر الغارقة في الضّوء و الظّلال يحرّكها هواءٌ مُتخثّرٌ بالحنين و ببعض الكلمات المثلّجة في قوالب المجاز الضيّقة على سفر الرّوح, و نور فانوس الغرفة ينوس و يَغرق في هالة وجهِها النّابضِ بحياة يستهويها شكلَ الماء في بداية الخلق, تلفحه نسائمُ الشّرق المعتّقة كشراب النّخيل المصفّى برضاب الشّمس, كان بيدها كرّاس مذكّرات زرقاء, تتصفّحها بيَد محمومة, و تلتهم أسطرها مستغرقة في الذّكريات الحارقة كشمعة ملح تشهق شهقةَ الفناء يذوّبها الزّمنُ السّائح من ألسنة ساعة قديمة.
أدارت اسطوانة أغنية تُراثيّة كان والدها يحبّها كثيرا, و مع كلّ ترنيمة كانت الأغنية تحفر عميقا في الرّوح تفتح بابا للظلّ المسافر, و كأنّ الاسطوانة تدور عكس عقارب السّـاعة في خـاطرها, تطحن زبد المجاز, و تذرّ في الأفواه دقيق الحقـيقة, و هي تقلّب كرّاس مذكّراتها و تقرأ الصفحاتِ الأولى منها, كُتِبت بخطّ أسود يميل إلى اليمين قليلا, تتخلّله بعض الخربشاتِ و الفراغاتِ و رسمٌ لنخلةٍ باسقة كُتِب تحتها:
" .... للنّخيل عيون خضراء, تهدهد تربة " العراق " المخضّبة بحبر التّاريخ, فالنّخل حارس سريّ للحدود و البوّابات, و النّخل أكثر الأشجار صمودا أمام الرّياح, فمهما كانت الريح عاتية, لا يُلقي سعفه المسنون كالحراب في وجه العدوّ, يطعن جسد الرّيح الغازية كي لا تُسرق تُرْبة البلاد, فلن يمرّ الغزاة إلاّ إذا اُعدِمت كتائبُ النّخيل المتمترسة بهامات مزروعة في كل سهل و وعر و رصيف و حديقة, تحرس المكان, و كلّما تقلّبت الفصول ظلّ الجمّار نقيّا صافيا كقلب عشتار تخبّئ هوى البلاد في محارة تحت معجزات العشب ".