(2)

10 0 00

(2)

منذ مدّة و هي تفكّر في تحويل مذكّراتها إلى رِواية, لكنّها و جدت أنّ الأمرَ صعبٌ, و بعد فترة من التّفكير لم تَجد بُدّا من التّجريب كي تَبني صرحا من الآجر المحمّى للكلمات المتراصّة صعودا, فكتبت:

" كم أودّ أن أكون كأغنية عارية تحت الشّمس تهدد النسائمَ المسرودة على ورق الرؤية الحافية, تحصدُ سنابلَها قرويّةُ صاخبةٌ كحبّة قمح. و تنزل أنواء الدّهشة تصحّح الأخطاء و الأسماء و العناوين و الألوان و الخطوط ببلسم الحبر. فأنْ أكتب هو أن أنحت من غيــاب الرّوح تمثــالا في المدى الفســيح, فتحلّق الرّوح بين فتــات الألوان, و تسقط من الأصداء بقايا الكلام الرخاميّ, و يصير حطام الغياب عجينة طيّعة للرؤى الحالمة تنزل رذاذا فوق دخان العدم, فتلد صرخةُ الحضور.

فتحت الضّغط يصير الفحم ألماسا, و وقت الحرب يصير الألم دليلا على الوجود, و كلّما تألمتَ تُحسّ أنّك مازلت حيّا تسكن اللّون الرماديّ يفتح جناحيه لهطول الأزرق المصفّى, فترفّ الرؤى مبشّرة بعالم خفيف لا ثقل له إلاّ في الذّهن, له حفيف لغة الطير و إيقاعٌ خجول و خطوط رفيعة و موادّ خامّة لم يتذوّقها الزّمن, و لم يمتص شكلَها المكانُ,... آه كم وددت أن أختلس من الحياة قناعها الزّائف, و أن أنشره للأمواج تغسله و للنوارس تسكنه, و أن أمرّر الحروفَ من ثُقب الصّمت لألوّن بسمةَ الفجر ".

هكذا غمست قلمها في عطر الكلمات, ارتشفت رشفة من القهوة, و عدّلت نظّارتيها الطبيّتين, كانت على عينيها غيمةُ دموع على وشك أن تمطر لتروي ظمأ الرّوح, و شطبت ما كتبت و هي تسترجع أحداثا لم تسقط من أوراق الذّاكرة.

فـي اللّيلة الموالية و هي تستقبل نسيم الشّام يدخل النّافذة مترنّحا من سكرة الألوان و الطيوب و الأضواء, أخذت قلمها و بدأت تستجمع الذّكرياتِ و تكتب:

... إنّ للمكان ذاكرةً و نبضًا يحرّكهما دبيبُ الزّمان, فبمنطقة " الحارثيّة " و هي إحدى الأحياء الرّاقية " ببغداد " تقع بجانب " الكرخ " و يقطنها سكّان من الطّبقات الرّاقية و المتوسّطة, كانت السّاعة تهدهد وتر الزّمان مشيرة إلى الثّانية بعد الزّوال في يوم العاشر من سبتمبر سنة اثنين و ألفين.

خلف النافذة كانت فتاة في عقدها الثاّلث جالسة بمكتبها بمدرسة " الطالبات المميّزات " الواقعة حذو روضة " الورود " فــي انتظــار السّـائق الّذي سيقلّهــا هي و زميلاتِها المدرّساتِ إلى بيتها الواقع بنفس المنطقة.

و لمّا تأخّر وصولُ سيّارة الأجرة, وقفت ترنو بعينين جميلتين يكحّلهما أسى شفيف إلى تفاصيلَ الحيّ بدوره و حدائقه و سمائه الشّاحبةِ, و كان الأسى في عينيها كراهبة تنحني في صلاة جنائزيّة, طَوَّفَتْ عشتار بخاطرها بعيدا و كأنّه انفجر في داخلها ثغاء أبرص لحَمْل ضيّع القطيع يوم قصفته الذّئاب بأفكار انشطاريّة فجّرت كلّ القيم من حوله حتّى صار الضّمير ناحلا يسكنه كاهن و مريضُ نفسيّ, كانت تحسّ أنّ شيئا بداخلها يتَفتّت كالغبار, و فجأة قطعت زميلتُها تأمّلاتِها و هي تحثّها على المغادرة, فخرجتا, وجدتا سيّارة الأجرة واقفة بباب المدرسة, فركبتا متثاقلتين.

انطلقت السيّارة تذوّب المسافة في كأس الزّمن, انحرفت يسارا في شارع " الكنديّ " الّذي تحفّه محلاّتٌ و مطاعمُ و مناطقُ تجاريّة, كانت عشتار بالجانب الأيمن من السيّارة, و لم تكن لها رغبة في الحديث مع زميلاتها على خلاف العادة, و لمّا وصلت قرب جامع " العادلي " كحّلت عينيها بجمال معماره, ببابه المفتوح على الجهة الشرقية, وقد بُني " بالطابوق " الأصفر المنجور و" الكاشي " الكربلائيّ الأزرق, وبجوار الحرم بالرّكن الجنوبيّ تقوم المنارة الّتـي تعانق غيمة صغيرة هشّة, و واصلت السيّارة المسير حتّى توقّفت قرب دوريّة عسكريّة مقابلة لمقر قيادة " جيش القدس " أمام الإشارة الحمراء, فاستغلّت عشتار تلك اللّحظاتِ في تأمّل " قصر السّلام " الشّامخ وسط حديقته الغنّاء و الشّاسعةِ, تحيطه أسوار كبيرة محصّنة بأبراج مُرَاقبةٍ, و تعلوه قبّةٌ منمنمة تتنفّس زرقةَ السّماء الباهتة, و كانت أمام القصر بحيرة تقمّصت ألوان السّماء و النّخيل و " الطّابوق " المنجور, انطلقت السيّارة مرّة أخرى في اتّجاه اليسار, ظلّت عشتار تتأمّل المكانَ دون ملل, كأنّها تُعَبِّئ صور الأمكنة في حقيبة ذاكرتها, و لقد نظرت بإعجــاب " لساعة بغداد " لأنّهــا رمز لتَحضّر " العراق " و بلــوغه طورا متقدّمــا فــي الرقيّ, و هي منشأة مرتفعة – أنشئت في سنة " أربع و تسعين و تسع مائة و ألف " على يد كوادرَ في هيئة التّصنيع العسكريّ - على شكل برج في أعلاه ساعة تتصفّح أوراق الزّمان, و يحتوي البرج قاعة معدّة كمتحف يسمّى متحف " قائد النّصر ", يحتوي سبع أجنحة تُعْرض فيها الهدايا التي قُدِّمت للرّئــيسِ, و بعد زمن قلــيل مرّت السيّــارة بمنزل طـه ياسين رمضـان الموجود على اليســار, و توقفت مرة أخرى عند تقاطع " ساحة الاحتفــالات الكبرى " بدورها و مســارحها و حدائقهــا, و بعد لحظات أنّ المُحرّك من وقع المسافة و تحرّكت السيّارة منعطفة إلى اليسار مرّة أخرى كأنّها ترسم خرائطَ المكان من جديد في مخيّلة عشتار الّتي لم تع حينها قهقهاتِ زميلاتها و أحاديثَهُنّ.

ففي تلك اللّحظة و هي تُصغي لأفكارِها كانت القهقهاتُ تَخِز روحَها, فمن المؤلم أن يُصرّ الآخرون على قرع باب سمعِك و أنت تغفو وراءه مثقلا بالهموم.

صارت السيّارة في مستوى شارع الزّيتون و عشتار مشدوهة تنظر إلى " حديقة الزّوراء " الكبرى, ذلك المنتزه الكبير المتفرّع إلى مدينة ألعاب و حديقة حيوانات و بحيرة, و قبل الوصول إلى المدخل الثّاني للحديقة توقّفت السيّارة, و نزلت عشتار قبالة منزل والدها الشّيخ أحمد عبد الغنيّ الشّاوي, ألقت نظرة خاطفة على التّمثال البرنزيّ لصدّام و على " نصب الجنديّ المجهول " و نصب السّيفين المتقــاطعين المحمولين بسواعد عراقيّة سمراء, فجأة رأت شبحـا متعثّر الخطواتِ و نحيف البنية, يلبس ثيابا مهلهلة, و قد دنا منها مبتسما ابتسامة جافّة لا ماء فيها كفرع صبّار جفّ, فرقّت لحاله و انشغلت بفتح حقيبتها اليدويّة كي تعطيَه بعض المال, و لمّا رفعت رأسها لم تجد له أثرا, فبقيت في ذهول للحظات, تفكّر في ذلك الرّجل الغريب, ثم شقّت " شارع الزّيتون " بانتباه, و ترجّلت قليلا حتّى و جدت نفسها أمام منزل العائلة.

فتَحَت باب السّور كأنّها تفتح كتاب حياتها الملوّن بخطى الطفولة الراقصة على وقع القهقهات البريئة, و مشت في ممرّ مبلّط وسط حديقة فسيحة, أرضها منبسطة زُرِع فيها الياسمينُ و تشكيلات من الأزهار الأوروبيّة, و يحفّها النّخيل السّامق من كلّ جانب, فكلّما دخلت حديقة المنزل يلفح صلصالَ روحِها عطرٌ مبلّل بعرق الفلاّحـين و مخضّب بسحر " الهيل " و معجون بأنفاس والديها, كانت تنتصب داخل الحديقة " فيلا " تتضمّن مستودع سيّارات كبير مغطّى برخام رصاصيّ اللّون, و لماّ فتحت الباب الرئيسيّ في الطّابق الأول, وجدت نفسها أمام نافورة ماء ثُمانية الأضلع, من رخام أبيض و أسود, فداعبت المياه بأناملها الرقيقة, كأنّها تريد أن تتطهّر ممّا علق بخاطرها من هواجس, و في غفلة منها سمعت حركة بطيئة, إذ بوالدتها أمال تتوكّأ على سنين العمر المتساقطة, فأقبلت عليها ابنتُها تقبّل يديها و جبينَها,

و قالت لها:" كيف حالك اليوم أمّاه؟ هل استقرّ ضغطك بعد أن تناولت الدّواء؟ ".

فأجابتها:" الحمد لله أنا بخير يا عزيزتي, أمّا أنت فيبدو على وجهك الإرهاقُ, بنيّتي تعالي لنتناول طعام الغداء معا, ثمّ خذي قسطا من الرّاحة بعدها ".

فرافقتها إلى المطبخ في الطّابق السفليّ الذي يحتوي قاعة للضّيوف و مكتبا و مكتبة و مطبخـا و مخزن مؤن و حمّـامــات على الطّراز الغربيّ, و كان البيت مبلّطا بالرّخام, و أسقفه تحمل نقوشا مغربيّة مطليّة بطلاء ذهبيّ,... دخَلَت المطبخ, فوجدت والدَها يجلس علــى طاولة الطّعام يلبس " الدشداشة " و " الكـــوفيّة " البيضاء و العقال, فقبّلت يديه, و طلبت رضاه, ثم جلسوا جميعا, و تناولوا بعض الطّعام.

بعدها غادرت عشتار المطبخ, و صعدت السّلالم الخشبيّة اللولبيّة لتجد نفسها في الطّابق الثّاني الذي يتكوّن من غرف النّوم و حمّامات و مخزن ملابس, ألقت نظرة على أثاث البيت, و مسحت بيدها بعض الغبار المتراكم فوق مزهريّة لزهور الظلّ التي تحبّها, كان الأثاث من طراز رفيع يعكس ترف العائلة, ففي كلّ زاوية من البيت تجد الفرش من السجّاد الإيرانيّ الفاخر, و لقد زادت التُّحف و اللّوحات الفنيّة البيتَ رونقا, فهو بيت يرفل في النّعـيم و السّعادة, و أفراده يتنعّمون بروابط المحبّة و التكاتف, دخلت غرفتها و استلقت لتأخذ قسطا من الرّاحة حتى غفت.

في ذلك اليوم كان المساء مشنوقا في آخر حزمة نور مترجرجة في قاع قدح الظّلام يعلك الزّمن, و السّاعة تشير إلى التّاسعة, و كان الشّيخ أحمد في حديقة بيته, يملأ رئتيه بالهواء ليطرد إحساسه بالضّيق, و في الآن نفسه يعتنــي بالأزهار, يسقـيهـــا, و يزيل عنهــا بعض الأعشاب الطفيليّة, و يدلّلها, و يبثّ لها لواعجَ صدرِه, في حين ذهبت زوجتَه أمال لتأخذ قسطا من الرّاحة في غرفتها, و أمّا عشتار دخلت المطبخ و هي ترفل في جلباب من القطن بلون أخضر فاتح لتعدّ أكلة خفيفة, و لمّا انهمكت بإعداد الطّعام و كان باب المطبخ الخارجيّ مفتوحا على مصراعيه, سمعت والدَها ينادي باسمها:

" افتحي الباب الرئيسيّ لقد جاء خالك لزيارتنا ".

فتســارع نبض قلبها كرفرفة عصفـــور صغير يتـــوق للطّيران بعـــيدا, و أجابته:" أيّ واحد من أخوالي ".

قال لها والدها:" خالك صدّام, هيّا افتحي بسرعة ".

فلم تعد تعي ما تفعل من شدّة الفرح, و إذ بخالها يدخل من باب المطبخ رفقة والدها مبتسما ابتسامة خفيفة و هو يقول:" هذا بيتي لا فرق إن دخلت من باب المطبخ أو من الباب الرئيسيّ ".

فتسمّرت عشتار لحظة تنظر إلى هامته المهيبة و طلعته البهيّة, ثمّ هرعت إليه, و عانقته طويلا حتى قال لها والدها ممازحا:" دعي خالك أتعبته يا بنت ".

فردّ صدّام:" لا عليك هذا من فرط شوقها لي ".

و توجّهوا جميعا إلى قاعة الجلوس, و ذهبت عشتارُ مسرعة تخبر أمّها بالأمر, فنزلت السّلالم و على محيّـاها علاماتُ الفرح بـارزة كالوشم في وجهها القرويّ, عندها وقف صدّام لاستقبـال أخته و هو يقول:" هلا هلا بأختي العود ".

فهرعت أمال إلى حضنه, تعانقه, و تقبّله, و دموعها تنهمر شوقا, فهو محبّب إلى قلبها, و شاركته أحلام الطّفولة و أحلام النّضال و عديد المغامرات, ثمّ جلسوا.

كان الشّيخ أحمد و زوجته على أريكة, و صدّام يجلس قبالتهم واضعا ساقا فوق ساق, و قد التفت إلى طاولة بالقرب منه عليها صورتُه, نظر إليها طويلا و هو يتمتم:" الحياة دول ", ثمّ ألقى بصَرَه على لوحة لرسّام عراقيّ مشهور معلّقة قبالته للشّيخ أحمد و هو يترجّل الحصان و يلبس اللّبـاس التقليديّ و على رأسه " الكوفيّة " البيضاء و العقال و توشّت خلفية اللّوحة بتفاصيلَ قرية " الحويجة ", عندها ابتسمت أمال و قطعت تأمّلاته قائلة:" أهلا بالغالي ".

حينها دخلت عشتار المطبخ ثانية لتحضر علبة " الشكولا ", فعلمت أنّها نفذت, لذلك خرجت مسرعة إلى بيت أخيها الملاصق لبيت الأهل, كان هنالك حارسان من الحرس الخاصّ يقفان بالحديقة, فمرّت و لم تعبأ بهمـا, و طرقت باب بيت أخـيها, لم يكن سيف موجودا, استقبلتها الخـادمة " الزبيريّة " فطلبت منها علبة " الشكولا ", و عادت مسرعة.

نثرت حبّاتِ المربّى و الحلوى على خالها تعبيرا عن الترحيب و هو يبتسم في سعادة قائلا:" حيّاكم الله, كيف حالكم عساكم بخير ", ثمّ أمسك عشتار من يدها وأجلسها بجانبه.

فردّ الشّيخ أحمد:" الحمد لله, نشكره على نعمه ".

و دار بينهم حديث متنوّع, و بقي صدّام قرابة ساعة من الزّمن ببيت أخته, و لم يكن بوسعه البقاء أكثر, لأنّه يخشى غدر الأطراف الاستخباراتيّة أو الميليشيات الإيرانية التي بدأت تتسرّب عبر حدود البلاد لتنفيذ التصفيات الجسديّة و إرباك الأمن, فكان حذرا, يكثر من التحرّك من مكان إلى آخر في فترات زمنيّة متقاربة, مما جعلت الخيال الشعبيّ ينسج روايات عن وجود أكثر من شبيه له.

كان طوال ذلك الوقت القصير يتجاذب أطراف الحديث مع أفراد العائلة ساردا بعض الذّكريات في قرية " الحويجة " أيّام الصّبا, و كانت القهقهات تقطع حديثهم في كلّ مرّة مرفرفة في أرجاء البيت, و قد تداول في تلك الأثناء بعض الأمور العائليّة العالقة, و تسلّم من الشيخ أحمد بعض الوثائقَ تُثبت براءة الدكتور فارس زوج ابنة الشيخ أحمد الذي اتّهم بالاختلاس, فألقى عليها نظرة خاطفة و قال له:" سأطّلع عليها و أبتّ في الأمر مع الدّوائر المختصّة, و إنّي حقّا أودّ الاعتذار لكم عمّا وقع على غيث من ظلم تسبّبتُ فيه, و قد التمستُ عودتَه لمقاعد الجامعة ".

فغيث هو ابن الشيخ أحمد كان طالبا محبوبا ذا أخلاق عالية, يدرس بالفصل الثّالث في " جامعة بغداد للعلوم " قسمَ الحسابات, حدثت له مشكلةٌ يوم زاره صديقُه مروان و قام بينه و بين " سكريتير " العميدة شجارٌ بخصوص بطاقة الهويّة, و رفع هذا الأخير الأمر لرئيسته منى الجبوري, و هي امرأة صارمة و مزاجيّة وعصبيّة, كانت عضوا متقدّمة في الحزب الحاكم لذلك كثيرا ما استغلّت هذا النّفوذ, و قد أعدّت اثر هذه الحادثة تقريرا رفعته للرّئيس, و غالطته بشأن تفاصيلَ المشكل, فأشار عليهم بفصله من الجامعة, لكن عندما توضّح له الأمر عمل على إعادته إلى مقاعد الدّراسة, و أعاد له اعتباره أمام زملائه و إطار الجامعة, و هذا الحدث البسيط أرادت دوائرُ أجنيّة استغلالَه لتشويه صورة الرّئيس و فكِّ الرّوابطَ العائليّةِ بينه و بين أفراد أسرته المقرَّبة, فلقد عجّلت صحيفةُ " الصاندي تايمز البريطانيّة " بعرض مبلغ ماليّ مفتوح على غيث كي يُدلي لها بتصريحاتِه حول تفاصيلَ الحادثة لدعم حملةٍ أطلقت للتّرويج لفكرة دكتاتوريّة النّظام العراقيّ الحاكم, و طمأنوه أنّه سيحصل على اللّجوء السياسيّ إن تعرّض لأيّ مضايقاتٍ من طرف السّلطات بعد الإدلاء بتصريحاته, لكنّه رفض رفضا قاطعا التّعامل مع هذه الصحيفة, و كشف التّاريخ بعدها أنّ العميدة كانت لها علاقاتٌ مشبوهة مع أطراف المعارضة الّذين جاؤوا إلى العراق على ظهور الدبّابات الأمريكيّة, و أنّ عنكبوت العدوّ كان ينسج أحبولة للنّظام.

استأذن صدّام من أخته و بقيّة أفراد الأسرة قصد المغـادرة, فودّعته عشتار, وعانقته " أمال " و قبّلته بحرقة و كأنّها لن تراه مرّة أخرى, فهدّأ من روعها بتأثّر, ثمّ غادر, و قد رافقه الشّيخ أحمد باتّجاه السيّارة, و قبل أن يودّعه قال له:" يا أبا عدي, انّ عبد الكريم قاسم لمّا استفتاه الشّعب بإجماع قام بعفوٍ عن كلّ المساجين, و بما أنّ الشّعب العراقيّ اليوم استفتاك بإجماع فلتصدر عفوا على المساجين ".

فأومأ صدّام برأسه تعبيرا عن الموافقة و ودّعه و غادر.

في اليوم الموالي يوم الأحد على السّاعة الحادية عشر صباحا, طالع الشّيخ أحمد بيانا جمهوريّا فيه إعفاء على جميع المساجين على أن لا يغادر المتّهمون بجرائم القتل إلا مقابل دفع ديات لأهالي المقتولين و بموافقة منهم.