(4)

9 0 00

(4)

رتّبت عشتار قبل أيّام الغزو الأمريكيّ بأسبوع رحلة مدرسيّة إلى برج صدّام, و هو برج سياحيّ مرتفع يقع في منطقة " اليرموك " غرب " بغداد ", تسبح في قمّته عبــارة " الله أكبر " في بحر الغيــوم, و يُوجد في البرج " المطعمُ الدَوّار " أو المتحرّك, و هو مكان ترفهيّ رائق, لمّا تكون جالسا فيه ترتشفُ في فنجان قهوتك سحر " بغداد " و هي ترفل في أبهى حللها عبر إطلالة باهرة من الزّجاج, و طابقُ البرج العلويّ يدور بك دون أن تشعر بدورانه, فتتصفّح في كل مرّة صفحةً من ألبوم صور " بغداد " و أنت جالس في مكانك.

التقطت عشتار يومها عدّة صور لها مع الطالبات و زميلاتها, فلقد راودها إحساس أنّها لن تتكرّر تلك اللّحظات المختلسة من طاحونة الزّمن الدوّارة تطحن ظلّ الأرض, ثم جلست لبعض الوقت مع زميلتها نوال, تشربان القهوة, و تتجاذبان أطراف الحديث, فنوال فتاة شيعيّة من " العمارة " أهلها من الناصريّة الكرام, و كانتا تحسّان بأنّ الأيّام القادمة ستكون عصيبة, لذلك همست نوال لعشتار قائلة: " يا عزيزتي, إن حصل مكروه,... و حصل ما ينغّص عنّا حياتنا في الأيّام القادمة, فانّ بيتي مفتوح لك و لكل أفراد عائلتك, و أنا و أهلي مستعدّون لتقديم أيّ خدمة ".

فردّت عشتار:" أعلم مقدار صداقتنا, أنا لا اطلب شيئا, فقط إن فرّقتنا السّبل تذكّري دوما أن لك صديقةً تحبّك اسمها عشتار ".

أمسكت نوال بيد عشتار و قد اغرورقت عيناها بالدّموع و قالت لها:" إنّي أشعر بإحساس غريب لا تفسير له ".

قالت عشتار:" و أنا أيضا أحسّ إحساسا لم أحسّه من قبل إلاّ أيّام اجتياح قواتنا للكويت ".

قالت نوال:" يا صديقتي, هل عندك معلومات عن ملابسات تلك الفترة ".

قالت عشتار:" يا عزيزتي, الأمر لم يكن مخطّطا له, فعلاقة العراق بالكويت كانت علاقة أخوّة, و تاريخ البلدين اتّسم بالتّعاون و حسن الجوار, فلقد كانت الأميرة الشاعرة سعاد الصّباح تزورنا دوما كأنّها بين أهلها, و قد خصّص لها صدّام هي و أسرتها قصرا في " المنصور " بشارع الأميرات, يقع بجانب " مقرّ المخابرات", فالشعب العراقيّ كان و لا زال دوما يحبّ و يجلّ الشعب الكويتيّ "

قالت نوال:" إذن ما الذي عكّر صفو الجوّ الأخويّ؟ ".

فردّت عشتار:" اللّعبة السياسيّة القميئة هي السبب, لقد تراكمت الديون أيّامها لدول الخليج على العراق, وعملت الكويت على تخفيض سعر النفط, و لما تمّ تداول الأمر بين الحكومة " العراقية " و الحكومة " الكويتيّة " لم يبد حكّام الكويت تفهّما لما يمرّ به العراق من صعوبات جمّة, بل بدأت الكويت بالمطالبة بديونها, و هذا قد أثار حفيظة صدّام, و رأى أنّ الأمرَ غيرُ بريء و فيه تآمر مُبيّت على أمن العراق القوميّ, و لقد حدث أمر عقّد الوضع أكثر, و اعتبره صدّام اهانة كبرى, و يحمل رسالة عدائيّة تجاه بلادنا, إذ أنّ أثناء القمّة التي عُقدت بالسعوديّة برعاية الملك فهد, و قد حضرها ممثّلا عن " الكويت " وليّ العهد سعد الصّباح و ممثلا عن " العراق " نائب الرّئيس عزّت إبراهيم الدّوري, و أثناء نقاش دار بينهما رماه سعد الصّباح بالصّحون متوعدا بأن يعمل على أن تصل العملةُ العراقيّة إلى الحضيض حتى تخرج الماجدة العراقيّة إلى الشارع تبيع نفسها بثمن زهيد, فحزّ ذلك في نفس صدّام لمّا سمع ردّة فعل سعد الصّباح و من ورائه حكومة " الكويت ", فاتّصل على الفور بجابر الصّباح, و قال له بصريح العبارة:" سأجيئك اليوم ", فقال له جابر بسخريّة:" مرحبا بك ", و لم يكن يتصوّر أنّ صدّام سيفعلها دون تردّد, و يفاجئه بالاجتياح, لذلك ذُهل العاهل الكويتيّ لمّا علم أنّ الجيش العراقيّ دخل الكويت, و أنّ عمليّة الاجتياح لن تحتاج أكثر من سويعات, فترك الكويت دون أن يدافع عنها, و ترك شعبه يلاقي مصيره "

تنهّدت نوال و ردّدت:" هذه الأرض كانت دوما مطمعا لأنياب اللّيل ينهش أجساد أحلامنا الهشّة, عاشت " بغداد " هبة الله ".

ربّتت عشتار على كتفها و قالت لها:" أ تعلمين صديقتي؟... قبل فترة اجتياح " الكويت " بأيّام خرجت أنا و عائلتي في رحلة إلى محافظة " دهّوك " بجبالها الشاهقة المطلّة من كلّ مكان, فمن الشّمال يلوح " الجبل الأبيض " يضفي هيبة على المكان, و جبل " زاوا " يحرس الجنوب, و " مام سين " في الشّرق يغازل الشمس, و على السّفح توجد الشلالات السّاحرة و السّهول الممتدّة على طول الجهة الغربيّة, حيث توجد بساتين الأشجار المثمرة خاصّة الفواكه و الكروم المشهورة, و قد زادت مناطق العمران المتناثرة هنا و هناك المكانَ روعة, سلكنا, يومها, طريقا وعرة و معقّدة, و نحن نعبر من " دهّوك " باتجاه " سرسنك ".

أقمنا بمصيف " سلاف ", و مرّة أردنا زيارة مصيف " العماديّة " تلك القلعة الصّخرية الّتي تعلوها منارة عالية مطلّة على ربوة, فمصيف " العماديّة " لم يتأثر بنوائِبَ الدّهر, أذكر أنّ السائق قد توقف وقتها في منتصف الطّريق لشراء غرض لأخي غيث, و ما إن نزل حتى تحرّكت السيّارة و نحن بداخلها لأنّ الفرامل لم تكن ثابتة, و من حسن حظّنا أنّ السّائق كان منتبها, و عاد بسرعة لتلافي حدوث مكروه, و رغم هذه الحادثة المزعجة تمتّعنا بتلك اللّحظات التي جعلت أرواحنا تتدلّى في فصول من تاريخنا المعتّق بالأمجاد منذ ريعان النّخيل.

و نحن نقترب من " العمادية " ضاق الطّريق عند المدخل, و ظهرت لأعيننا " بوّابة السّاقي " و " باب القلعة " الّذي تعلوه منحوتة " طائر العنقاء " و تمثال الضابط " عزت عبد العزيز " الذي أعدم في بدايات القرن العشرين هو و رفاق له في ثورة الكرد في العراق آنذاك, و قد تفرّع الطريق يسارا, فأطلّت علينا " المقبرة السلطانيّة " بقبابها الحجريّة و معمارها الفريد, و بالقرب منها تمثال الفنّان الفلكلوريّ الكرديّ " حكمى توفي ", و تعرّجت الأزقّة أكثر و أكثر في اتّجاه معابد قديمة.

في ذلك اليوم الرائق استمتعنا كثيرا بالجلوس في المقاهي و تناول " المشاوي " العراقية في العشاء, و شربنا لبن الشمال, و أكلنا خبز " الرقائق " و هو من عادات الأكراد, .... أ تعلمين يا نوال,... العشائر الكرديّة بدهّوك منها عشيرة " الدوسكي " وعشيرة " المزوري " مازالت تحافظ على عاداتها وتقاليدها الموروثة عن أسلافهم و على زيّهم التقليديّ, وعشيرة " البرواري " وعشيرة " الكوجر " و عشائر أخرى ظلّت تُحيي فضائل الأخلاق و شيم الجود و حسن الضيافة و طيب المعشر, حقا بلادنا ثريّة بتعدّد مشاربَ العادات و التقاليد, ... تلك الزيارة يا صديقتي زادتني قناعة أنّ " بغدادَ " هي هبة الله, فأخذت حفنة من تراب الشمال, و إنّي أحتفظ بها إلى حدود اليوم و إلى آخر رمق في حياتي أشمّ فيها عبق التاريخ ".

قالت نوال:" أرضنا تتّسع لنا جميعا, نسقيها الحبّ و تسقينا طمأنينة الرّوح ".

تمّت تلك الرّحلة, و عادت عشتار لتواصل عملها بالمدرسة في جوّ من الألفة مع كامل الإطار و مع طالباتها, و كان التواضع ديدنها لذلك لم تكن يوما تذهب إلى المدرسة في سيّارة من سيارات العائلة, رغم أنّه كان على ملكها سيارة " مرسيدس " شبح من الطراز الحديث, كانت تنتظر سيارة الأجرة التي تدفع لها كمقابل حوالي تسعة ألاف دينار عراقيّ شهريّا, في حين أنّ مرتّبها لا يكفي لذلك إلا أنّها كانت تودّ الانصهار في المجتمع كي تتذوّق مذاق المعاناة اليوميّة للعامّة, فهي تستشعر " أن الأيّام دول ".

بعد ليلتين وجدت عشتار أن جذوة الكتابة لم تنطفئ بداخلها, مـازالت تستدرّ الذّاكرة و تقطف من ثمارها الدّانية, فكتبت:

قبل أيام قليلة من الحرب, كانت عشتار و زميلاتُها يصلحن امتحانات نصف السّنة, يجمعهنّ حبُّ الوطن, و لا يفرقهنّ الانتماءُ الجغرافيّ أو العرقيّ أو المذهبيّ, فواحدة منهنّ كرديّة و الأخرى شيعيّة من الجنوب, في حين أنّ عشتارَ سنيّة, كنّ يجلسن على طاولة واحدة يُصلحن الدّفاترَ و يتداولن أخبار البلاد, و كانت نفوسهنّ تكاد تحبس الأنفاس و هي تشتمّ رائحة الحرب القريبة.

مرّت الأيّام و هي تقاوم صعوبتِها برسم الفرحة على وجوه الطّالبات, ففي يوم الاحتفال بالمكتبة, انهمكت بترتيب عناوينَ الكتب ترتيبا أبجديّا و بإعداد الديكورات, و امتلأ الفضاء بالبالونات الّتي أحضرتها الطالبات و بأشكال الزّينة, يومها تقدّمت منها الطّالبة عالية عابسة و قالت لها:" آنستي, إنّي آسفة أنّنا سنترك المدرسة قريبا, فالحرب على الأبواب ".

فقالت لها عشتار:" لا أريد أن أسمع منك هذا الكلام, يجب أن نتمسّك بمعالم الفرح إلى آخر رمق في حياتنا, فأعداءُ الإنسانية حتّى و انْ قصفوا البسمة على شفاهنا لن يقدروا أبدا على قصفِ البسمة على شفاه دجلة تُقبّل الشّمسُ نهرها و لا على جعل الجمّار أسود بلون الدّمار, فإنّنا نقاومهم بسرّ كل ذرّة من ذرّات تُراب هذا الوطن, فنحن رايتنا السّلام و القلم ".

بعد جلسة قصيرة بإحدى المقاهي " بجرمـانا " ملأت عشتار رئتيها بهواء الشّـام, و عادت محمّلة بالذكريات, جلست في شرفة البيت المؤجّر, و سكبت خواطرَها في منحنياتِ الكتابة:

... كان الشّيخ أحمد كلَّ خميس يجمع كل أفراد عائلته, و هي عادة دأبت عليها العائلة لكسر رتابة الحياة و تقاسم جرعاتِ الحبّ بعيدا عن ضجيج الوجود الّذي لا يسمح للإنسان في كلّ لحظة أن يجعل عينيه تلتفت إلى ذاك القلب الصغير و هو ينبض بألوان البراءة و مشاعر الإنسانيّة البكر.

يومها اجتمع الأولاد و البنات و الأحفاد, و انهمكت أمال بإعداد الطـّعام تساعدها أمّ وسام و هي امرأة " دائميّة " و أصلها من " سوريا ", لكنّها تتقن إعداد الأطباق العراقيّة جيّدا, كانتا تعدّان " الدولمة " تلك الأكلة العراقيّة البغداديّة الّتي تشبه ما يسمّى بالملفوف, و تتكون من الرزّ و اللّحم تُلفّ بطريقة معيّنة بورق العنب و البصل, ثم توضع بصينية كبيرة و معها بعض المقبّلات و السلطات و يُقدّم معها مشروب اللّبن, فأمال أيّام الأعياد و المناسبات تعوّل على نفسها في إعداد الأكلات تعبيرا عن سعادتها بقدوم أبنائها, فبالنسبة لها هي لحظة استثنائيّة تجعلها تحسّ بقيمة وجودها كأمّ.

يومها منحت ديزي الخادمة المسيحيّة إجازةً, رأفة بحالها لأنّها طاعنةٌ في السنّ, و هي تعاني من مرض مزمن, و استَبْقَت أمَّ وسام للمساعدة في جوّ احتفاليّ.

لمّا جَهز الطّعام أقبلت أمال تعدّ الطاولة هاشّة باشّة بالتفاف العائلة حولها, جلس الكبار على طاولة كبيرة, تحاذيها أخرى للصّغار, و كان الجميع مستمتعا بالطّعام, يتجاذبون أطراف الحديث, و بعد الأكل جلسوا لشرب الشّاي و " الهيل ", و القهقهاتُ ترفرف في سماء البيت, و لمّا تناولوا بالحديث أوضاع البلاد, تدلّت غيمة شرود في روح الشّيخ أحمد و قال لأبنائه: " يا أولاد, إنّ الأيّام القادمة ستكون عصيبة, و ليكن في علمكم أنّي قرّرت أن لا أغادر بيتي مهما حدث, و سأدافع عن حوزته مهما صـار". لم يناقشه أحد فــي الأمر لأنّهم يعلمون أنّ القرارَ نابع من صميم عقله و وجدانه.

في آخر اليوم عاد أبناء الشيخ أحمد كلّ إلى داره بعد أن شحنوا طاقة كبيرة من الدفء العائليّ و الودّ ما يكفي لشفاء تصدّعات الرّوح بفعل ضجيج الحياة.