ـ 1 ـ

6 0 00

ـ 1 ـ

تنبهت إلى اقتراب الطائرة من مسقط ، حين أضيئت اللوحة فى أعلى : " التدخين ممنوع .. أربط الحزام " . بدت ـ من نافذة الطائرة ـ أضواء الشوارع والدوارات وشعلات البترول . أعددت نفسى للجو الخانق ، والرطوبة العالية ، والصهد اللافح . قال الشيخ حمود النبهانى : أنت تستطيع دخول البلد بأية كمية من النقود أو الذهب أو البضائع ، لكنك لا تستطيع أن تدخل بالخمر ولا المخدرات ولا الأفكار المتقدمة . إذا علّم الضابط على حقيبتك بالطباشيرة ، فإن من حقك مغادرة المطار إلى داخل المدينة ..

علا السلم الآلى فى اقترابه من الطائرة . ثم انفتح الباب ..

***

كنت قد أنهيت إعداد حقيبتى ، لكننى ظللت داخل الحجرة ، أتردد فى الخروج إلى الصالة ، ومواجهة الحديث مع أمى ..

أضافت أمى إلى ندائها وصخب أخوتى نقرات بإصبعها على الباب :

ـ نمت ؟..

ـ أبداً .. أعد الحقيبة !

ـ سفرك لإعارة وليس للهجرة ..

وسرت فى صوتها ارتعاشة واضحة :

ـ خذ ما تحتاجه بالفعل !..

انخرطت عفاف الصغيرة فى بكاء مفاجئ . بكت بانفعال كما لم أرها من قبل . قالت من بين شهيقها ودموعها :

ـ لا تسافر !..

اغتصبت ابتسامة صامتة ، ونظرت إليها ، فزاد بكاؤها . علا نشيجها ، وضربت الأرض بقدميها . كان أخوتى يرقبون المشهد فى هدوء منفعل ، انعكست تأثيراته فى ارتعاشات الأعين والشفاه . ظلت أمى على جمودها وصمتها . بدت بلا حيلة ، فهى تكتفى بنظرات موزعة لا تثبت على شئ . لم تنطق شفتاها بكلمات وداع ، ولا بكلمات واضحة أو مدغمة ، وإن لاحظت التماع الدمع فى عينيها ، وتشاغل أبى بالتطلع إلى ما لم أتبينه عبر النافذة ..

***

نسيت ـ فى ارتباكى ـ ربط الحزام ، فنبهتنى المضيفة ذات السحنة الأوروبية . أذكر كل ما حدث ليلة السفر ، لكننى ظللت لا أصدق أنها مضت . لا أذكر كيف انتهت اللحظات القاسية . كدت أفقد سيطرتى على نفسى . لاحظ أبى ، فخشى ـ ربما ـ أن أعدل عن السفر ..

قال :

ـ للطائرة موعد .. ولن تنتظرك !

كيف استطعت تحمّل ما حدث ؟!..

توقفت العجلات ، وفتحت الأبواب . غرقت فى بحر من العرق اللزج . أوسعت خطواتى ، وأنا أمضى من سلم الطائرة إلى صالة الاستقبال ، على كتفى حقيبة جلدية سوداء صغيرة ، ويطل من جيب الجاكت العلوى جواز السفر وتذكرة الطائرة وبطاقة التطعيم الصفراء ..

***

بعد أن وقفت فى طابور من لابسى الدشداشة ، نبهنى الواقف ورائى :

ـ هذا الكاونتر للمواطنين ..

وأشار إلى طابور آخر من لابسى البدلة والجلباب :

ـ طابورك هناك ..

عاودنى الإحساس بأنى لم أعد فى القاهرة ، وأنى ابتعدت عنها إلى مدينة أخرى ، بلد آخر ، يستقبلنى ضيفاً ، وافداً ، موظفاً عند كفيل ..

***

لاحظت حيرتى :

ـ ألم تحصل على حقائبك ؟

وأنا أومئ برأسى :

ـ حقيبة واحدة .. هاهى ..

ـ لماذا تقف هكذا إذن ؟..

ـ أنتظر سيارة العمل ..

ـ هل تعرفها ؟..

ـ يأتى بها صديق يعرفنى ..

ـ أين تعمل ؟..

بدا السؤال مفاجئاً ، ومربكاً :

ـ شركة صحار للمقاولات ..

استدركت وأنا أبحث عن بطاقة الشركة :

ـ أنا صحفى .. سأصدر جريدة تموّلها الشركة ..

ـ فى روى ؟..

أخرجت البطاقة من جيب الجاكت . أعدت قراءتها :

ـ نعم .. هى فى روى ..

ـ عربة الشركة فى طريقها إلى هناك .. تعال معنا ..

فاجأنى التصرف . فتاة تحدثنى ، وتدعونى إلى ركوب سيارة ، بمفردها أو مع آخرين . كنت قد قدمت بتصور مجتمع الرجال والخناجر والدشاديش والجبال والقلاع والعادات القديمة والتقاليد ..

تأملت قامتها الضئيلة ، المتناسقة ، وملامحها المنمنمة ، والبسمة التى كأنها ألصقتها بشفتيها ..

كانت ترتدى زى المضيفات ، ووضعت على صدرها شارة طيران الخليج :

ـ مضيفة ؟..

ـ عملى فى العلاقات العامة ..

مضت ناحية السيارة ، ربما لتجاوز ترددى ..

أسلمت عينى للمدينة التى أراها للمرة الأولى : الجبال ، والخلاء ، والمبانى القليلة المتناثرة ، وجو إبريل الأقرب للحرارة ، والسماء الخالية من السحب ..

داخلنى إحساس أنى تركت تاريخى فى القاهرة . أبدأ فى هذا المكان تاريخاً جديداً . خلفت أبى وأمى وأخوتى وأصدقائى وزملاء العمل والذكريات الصغيرة ..

كيف أجد طرف الخيط فى حياتى الجديدة ؟..

الشمس تنعكس حرارة قاسية فى الأرض والجدران والأشياء الساكنة والمتحركة ، وفى الرائحة الخانقة ، المتصاعدة فى الجو . رائحة غريبة ، تذكرك بالموت . وتطل النافذة على الساحة الترابية ، والأسوار التى تحيط بها ، كأنها سجن حقيقى ، معزول عن العالم الخارجى . دنيا بعيدة ، جزيرة معزولة ، لا صلة لها بآفاق المياه المترامية من حولها ..

تبينت أن القاهرة قد ازدادت بعداً . إنها هناك ، حيث لا أستطيع أن أصل إليها إلاّ بالتخيل . الغربة من حولى قاسية . حتى الهواء ، بدا لى غير الهواء الذى كنت أتنفسه فى القاهرة . يختلف فى حرارته الساكنة ، عن الهواء الذى ألفته . كنت أضغط على زر المروحة فى مكتبى بالجريدة ، فتحرك الهواء لطيفاً ، لكن المروحة ـ فى خلاء الجبال ـ فاجأتنى بهواء ساخن ، ثقيل ، والتنفس أمارسه بصعوبة ..

فى اليوم الأول ، دارت المروحة بالهواء الساخن ، الساكن ، تخللته رطوبة ثقيلة ، خانقة .. أوقفتها . أفتح النافذة فى القاهرة ، فتحمل نسائم تلطف سخونة الجو . المروحة الدائرة من فوقى تلطمنى بسخونة حارقة . بدا لى احتمال الحر الساكن أيسر من تلقى الهواء النارى بدوران المروحة . فتحت الباب ، فالتف جسمى بالعرق والرطوبة اللزجة ، وأحسست باختناق ..

الشمس اللاهبة تفرض سطوتها على النهار ، تحيل كل شئ إلى وعاء خرافى يشوى من فيه بلسع النار . الحرارة لا ترتطم بسطح الأرض فقط . تتسلل إلى الباطن ، تقتحمه ، تدفع الكائنات التحتية للخروج إلى السطح ، ربما تبحث عن مكان لم تبلغه حرارة الشمس ..

الشمس هى العطش والجفاف والتشقق ، وهى الملل ، والتكاسل ، والنوم ، وبطء الحركة . حتى الكلمات تخرج من الأفواه متثائبة . يشغلنى ـ إذا وقفت تحت الدش ـ أن ينزل الماء ساخناً لتسلط حرارة الشمس على " التنكر " ، أو أن ينفد الماء قبل أن أنهى الاستحمام ..

هذه أول مرة أحيا فيها بمفردى . ليس أمامى ولا حولى ما أتطلع إليه . الأبواب ـ حتى أبواب الدكاكين ـ مغلقة ، أو مواربة ، والحياة يرين عليها بلادة . لا شئ إلا الصمت ، والشمس ، والصخور ، والبيوت ذات الطراز العمانى ، الساكنة ..

اعتدت الانفراد والوحدة . أشعر بأنى منفصل عن كل ما حولى ، عن هذا المكان بجباله وحرارته اللافحة وحشراته التى بلا عدد ودشاديشه . لم يعد للناس ولا الشوارع والبيوت ملامح محددة . تداخلت الملامح ، وتشابكت . ثمة مسافة تفصل بينى وبين كل من ألتقى بهم . لا أرضية مشتركة نقف فوقها ، لا صلة لى حتى بالمصادر التى ألجأ إليها فى تغطية موضوعات الجريدة . تنتهى صلتى بها عندما أغادر الوزارة أو المؤسسة . لا أتذكر المسئول إلا إذا دفعنى العمل للعودة إليه .. تثقل على الوحدة ، فأتشاغل بالقراءة . أحاول التركيز بإعادة القراءة . أدير مؤشر الراديو إلى آخره . ربما يقضى فقدان التركيز على الصخب فى داخلى . ثم أدرك أن النوم هو أفضل الوسائل للتغلب على ما أعانيه ..

صدمتنى البداية : الألقاب التى تسبق الأسماء : حضرة سمو السيد .. حضرة صاحب السمو .. معالى .. سعادة .. حتى الأسماء كنت أعانى تهجيتها . واستقر فى داخلى رقيب يدرك ما ينبغى ـ وما لا ينبغى ـ نشره ..

قدوم الليل ألغى تصورى بأن الجو سيكون ألطف . الكتل الصخرية تمتص أشعة الشمس ، أشعة أنثوية ، خصبة ، تعكسها على الأبدان والعقول ، فيرين على الحياة ـ بكل صورها ـ همود ، هو أقرب إلى الموت . تغيب الشمس ، فتنفث الجبال مخزونها الصهدى فى تواصل قاس ، مؤلم . المروحة الكهربائية ذات الطنين الرتيب تحرك هواء ساخناً . وثمة أسراب الحشرات الطائرة : البعوض وهوام الليل تحوم حول الدائرة المتوهجة للمبة الوحيدة المتدلية من السقف ، أصوات كاللسع ، أو بلا صوت ، حول ضوء اللمبة . تحولت الحجرة إلى سحابات صغيرة من الحشرات ، أنواع أعرفها ولا أعرفها ، سوداء وبيضاء وملونة ، تشاغل عينىّ ، وتطن حول أذنى ، وتعلو . ترتطم باللمبة ، وتسقط فى أى مكان ، تموت ، أو تتسلق الجدار لتحوم من جديد . وكنت أعانى قرص حشرات لا أراها ..

السائق هندى . فى حوالى الثلاثين . يرتدى فانلة بيضاء ، وإن حال لونها بالاتساخ ، ووزار من المكعبات الملونة ، ويدس قدميه فى شبشب بلاستيك . يتكلم العربية بصعوبة . اكتفيت بأن أذكر له أسماء الأماكن ، وهو يهز رأسه بما يعنى أنه فهم ما أعنيه . كان دائم المضغ لما لم أتبينه . يحيط أسنانه وشفتيه باللون الأحمر ، ويبصق لعاباً أحمر . قال لى إن " البيتل " هو ما يمضغه . عادة هندية غابت عنه أسبابها ..

مرة وحيدة ، غابت فيها السكينة عن ملامحه . كانت الساعة تومض فى يده بين فترة وأخرى . أبديت ملاحظتى ، فغمغم بما لم أتبينه ، وسكت ..

أعدت الملاحظة ..

قال :

ـ إنها صورة الإله .. تظهر كل ساعة ..

بدا هادئاً وجاداً . لم تجاوز العلاقة بينى وبينه أنى أركب السيارة ، وأنه يقودها ..

ـ ماذا تقصد ؟!..

ـ صورة الإله تتوسط الساعة ، وهى تظهر لأتذكر واجب العبادة ..

ومال بأعلى كتفه :

ـ الإله يحيا الآن فى الولايات المتحدة ، وإن انتشر المؤمنون به فى الهند وخارجها .. إنهم يتذكرونه برؤية صورته فلا يرتكبون الخطيئة ..

ـ وهل تنسون الإله إذا لم تظهر صورة الساعة ؟ّ

ـ سير !..

اكتفى بالكلمة الإنجليزية ، غاضبة ، متوترة . اهتزت يده على المقود ، وبدا عليه انفعال ، وزاد من سرعة السيارة ..

حاولت أن أصادق المدينة ..

مشيت ـ بلا هدف ـ فى شوارع روى ومطرح . بعد أن تعلو شمس الغروب أسطح البنايات . الحياة تنعدم تماماً فى الفترة من الظهر إلى العصر . لا أحد يستطيع السير على قدميه ، تحت الشمس الحارقة . خليط من الأجناس واللغات والأزياء والسحن ، واللافتات المكتوبة بالعربية والإنجليزية والأردية . الدشداشة تختلف عن التى يرتديها أبناء الخليج . الياقة وفتحة الصدر والإطار المذهب الذى يحيط بالعنق ، بالأكمام والشراشيب البيضاء ، والملونة أحياناً . يشم صاحبها ما نثر عليها من عطر . المسرة غطاء الرأس لموظفى الحكومة ، الكمة للتجار ، وللحياة فى البيوت . تدس القدمان فى " نعّال " من الجلد أو البلاستيك . التمنطق بالخنجر ضرورة للمناسبات الرسمية ، يكتمل بالعصا الخيرزان ، تطوح بها اليد ، أو توضع تحت الكتف . أتعرف على القادمين من زنجبار بما يرتدونه : البنطلون والقميص بدلاً من الدشداشة ، والتحرر من غطاء الرأس ، والنساء يرتدين الملابس الفضفاضة ، أو المبهجة المزركشة . ثمة السارى الهندى والبطن العارية والنقطة الحمراء فوق الجبهة والقلنسوة الهندية ورائحة الزيت الملتصقة بأجساد الرجال ، وشعور السيخ الطويلة ، المضفرة حول الوجه وتحت العمائم الكبيرة ، والسودانيون بجلابيبهم البيضاء الفضفاضة والعمائم البيضاء ، ولابسو البنطلونات والقمصان ، وربما تحول المارة إلى خيالات ، فتغيب ملامحهم . أكلت أطعمة لم أكن تذوقتها من قبل ، أو بصقت اللقمة الأولى . أجدت التفرقة بين أنواع الخبز ما بين شامى وإيرانى وباكستانى . تختلف فى أحجامها وطعمها ، وحتى فى رائحتها . عانيت ـ فى البداية ـ فهم المفردات التى تتداخل فى أحاديث العمانيين ، مفردات آسيوية ، لعلها من الهند أو الباكستان أو بلاد أخرى : سيدا .. تيكا .. تيكا نيه .. متروس .. أتشا .. رفيق .. سولفة .. صدمتنى المفردات ، ثم فهمتها فى السياق ، ثم تفهمت معانيها ، واستخدمتها باعتبارها مفردات طريفة ، ثم لجـأت إليها كضرورة لتوضيح ما أقول ..

مسقط !..

سألت عن التسمية ..

قال لى الشيخ النبهانى :

ـ الجبال تحيط بالمدينة من الشمال والجنوب والغرب . ولأنها مدينة ساحلية ، فإن الجبال تمتد إلى داخل البحر أيضاً على شكل فكين صغيرين ، جدّد عليهما البرتغاليون قلعتى الميرانى والجلالى ..

لست أذكر القائل بأن مسقط أشبه بجزيرة من الجبال ، لكن الجبال ـ بالفعل ـ مظهر رئيسى للجغرافية العمانية . ألتقى بها أينما سرت ، على اليمين ، وعلى اليسار ، وأمامى ، وورائى . كتبت فى رسالة لأبى : أخشى أن أنظر إلى فوق فتطالعنى الجبال !.. ربما ـ لكثرتها ـ أتت الأسطورة بأن سليمان الحكيم كان يحبس الجان فى الوديان الواقعة بين الجبال . نحت العمانيون صخور الجبال فى بعض الأماكن ، ليشقوا الطرق ، ويشيدوا المبانى . لم ينظروا إليها من الزاوية نفسها التى ينظر بها الغرباء ..

سألت الولد القادم من صلالة ـ لم أكن زرتها بعد ـ :

ـ هل لديكم جبال مثل جبال مسقط ؟

هتف مستنكراً :

ـ جبالنا أضخم بكثير !..

يرى الجبال مبعثاً للقوة والاعتزاز .

لم أكره المدينة ، ولم أحبها ، وإن ألفت هز الرأس ، وكلمة " ما قصّر " تقال فى المجاملة ، وكلمة " نو بربلم " فى المواقف السهلة والصعبة ، و " فى أمان الله " عند انصرافى من أى مكان .. والذقون الطويلة تحيط بالوجوه ، و" المُصَر " تغطى الرءوس . تمنيت لو أنى لم ألتق بناصف الغمرى ، ولم أقبل عرضه بالسفر إلى هنا ، ولم أسافر ..

لم أكن ألبى الدعوات من أى نوع . العمل يمتص وقتى تماماً ، لا يبقى فى نهاية اليوم إلا أن أذهب ـ مرهقاً ـ إلى النوم . السرير المرتفع بملاءته الزرقاء المتسخة ، ووسادته التى حفر رأسى موضعاً فيها . أكتفى ـ لساعات ـ بالتمدد ، أباعد بين قدمىّ . أغمض عينىّ ، أو أحدّق فى سقف الحجرة ، أو فى سماع الراديو ، أو أخلو إلى القراءة . أغيب فى الصفحات . أنسى العالم كله . وإن ناوشنى حنين إلى شئ غامض ، لا أدرك طبيعته . تومض وجوه تحيا فى ذاكرتى ، أو تختفى . أضم الوحدة بين ذراعىّ ، وتغيب الأحلام ـ بالتعب ـ عن نومى العميق ..

هل أظل فى رحلة السفر حتى أوفّر ثمن الشقة ، أو أمدّها ـ إن استطعت ـ حتى أدّخر لأعوام الزواج ؟..

أزمعت أن أقلل من رسائلى إلى القاهرة ، ومن مكالمات التليفون ، فأعتاد الغربة

اقتحم النافذة المفتوحة صرصار جبلى طائر . التصق بالجدار لثوان ، ثم تخبط فى طيرانه نحو السقف والأركان . غالبت الخوف وأنا أتبع حركة الصرصار السريعة ، المتقافزة . واصل الصرصار اندفاعه إلى خارج الحجرة ، فأغلقت النافذة ..

اعتدت البقاء وراء النافذة المطلة على الجبال والبيوت والشوارع الساكنة . أحرص ، فتظل النافذة مغلقة ، حتى لا تدخل الحشرات وهوام الليل . أكره سلاسل الجبال الصخرية ، المتلاصقة ، الجرداء ، الصامتة ، وأخافها . يتوالى ارتفاعها وانخفاضها فى كل الاتجاهات إلى غير نهاية . تبدو جدراناً هائلة . أتخيل سقوطها المفاجئ . يحزننى المشهد الواحد للماعز الواقفة فى أعلى ، لا أعرف كيف أفلحت فى الصعود بأظلافها ، ولا من أين تأكل . أحدق فى ظلمة الليل ، أو سكون النهار ، وأتنقل بين جزر منفصلة . أحيا فى هذا البيت الواسع ، فى هذه المدينة الجبلية . لا صديق ، آخذ منه وأعطى له ، أحكى ما يفد إلى ذهنى . لا أخفى أى شئ . بدت أيامى فارغة ، وغير محتملة ، وأيامى القادمة بلا ملامح ، أو أن ملامحها شائهة . نزعت صورة لميدان الحسين ، كنت علقتها على الجدار . كنت أختنق ـ حين أنظر إليها ـ من الوحدة والعزلة . تضيق المسافة بين السقف والجدران ، ثم تستطيل . يهبط السقف ، وتضيق الجدران ، تقترب ، تلامسنى ، تنطبق علىّ ..

لم يكن حلم الثراء هو دافعى للسفر . وربما لو أنى كنت قد عثرت على شقة ، وأفلحت فى تأثيثها ، ما أعطيت انتباهى لقول ناصف الغمرى :

ـ ألم تفكر فى السفر ؟..

ـ إلى أين ؟..

ـ إلى الخارج طبعاً ..

وفاجأنى بالقول :

ـ تريد عقد عمل ؟..

قلت :

ـ أين ؟..

ـ سلطنة عمان ..

استعدت الاسم :

ـ سلطنة عمان ؟..

كانت الصورة غامضة أو ضبابية ..

حدثنى عن الأعوام الأربعة التى أمضاها فى السلطنة : الجبال المتلاصقة ، تبدو البنايات والشوارع بينها بقعاً متناثرة فى نسيج جبلى ، ممتد ومتكامل . أحياء مسقط هى كل قطعة أرض أتيح للناس أن يشيّدوا فوقها المبانى والمنشآت . الجبال صامتة ، صخرية ، جرداء ، يغيب عنها ذلك " الكليشيه " المتداول : سلسلة من الجبال . تأتى من اللابداية ، تنتهى فى اللانهاية . تبث فى النفس شعوراً أقرب إلى الرهبة ، ذلك الشعور الذى يتملك المرء وهو يواجه المجهول ..

استطرد وهو يعدل من وضع النظارة فوق أنفه :

ـ نحت العمانيون الجبال ، اقتطعوا الأرض بالمعاول والبلدوزورات والجرافات ، أنشأوا مدينة من بضع قرى ، تناثرت فى السهول الصغيرة ، بين المئات من القمم الصخرية المتلاصقة ..

وسرى فى صوته انفعال :

ـ تقبل السياسة العمانية أو ترفضها ، لكن ظاهرة صنع الحياة فى الجبل ، تذكرنى باقتطاع هولندا للأرض من مساحة البحر ، وإن بدا ما صنعه الهولنديون اجتهاداً بالقياس إلى اقتطاع الأرض من الكتل الصخرية ..

قلت :

ـ أنا صحفى .. ما شأنى باقتطاع مساحة أرض من صخور الجبل ؟..

قال :

ـ ليست مسقط جبالاً وصخوراً فقط . هناك بشر طيبون وأسواق وشوارع ووسائل إعلام ودور سينما وبضائع من أحدث ما تنتجه أوروبا ..

وأطلق ضحكة من أنفه :

ـ وهناك راتب يعينك على مجاوزة أزمتك المادية ..

كان الشاب ـ فى الرواية التى بدأت فى كتابتها ـ قد استجمع شجاعته ، وصارح فتاته بحبه لها . استعصت الكلمات بعد ذلك ، فدسست الأوراق فى درج المكتب ..

هز إصبعه :

ـ لا تقل لا .. أعرف ما تحاول إخفاءه من أحوالك ..

بدا السفر هو الروشتة الوحيدة التى تكفل علاج مشكلاتى ، وإن تمنيت لو بقيت فى القاهرة . أقنع براتب الجريدة . أتزوج أو لا أتزوج . أحيا مع أبوى وخالد وباسم وعفاف الصغيرة فى البيت المطل على ميدان المساحة ، وعلى النيل والشيراتون وتقاطعات الشوارع المزدحمة . أتم الرواية التى بدأت فى كتابتها . أجدد اشتراك مكتبة معهد جوتة . أناقش أبى فى أخبار التليفزيون . أذاكر لباسم دروس الثانوية العامة . أعود إلى اختيارى الصباحى بالسير إلى مبنى الجريدة ..

رفعت مها عيناً متسائلة :

ـ لماذا تسافر ؟..

ـ لكى نتزوج ..

ـ هل السفر هو ما يجب أن يفعله كل المقدمين على الزواج ؟

وداخلت صوتها ارتعاشة عصبية :

ـ أنت تعمل فى وظيفة جيدة .. وأنا أعمل أيضاً ..

وأنا أعانى إحساساً بالمحاصرة :

ـ ما نتقاضاه ننفقه قبل أن يحل الشهر الجديد ..

واصطنعت ابتسامة متوددة :

ـ تأثيث البيت يحتاج إلى ميزانية لا نملكها !..

حاولت أن أفعل شيئاً لأقترب من مها . أصبح الخطيب ـ فالزوج ـ الذى تريده . لكن نظراتها المتسللة إلى حيث تجلس أمها ، جعلت من الإحباط هو الثمرة الوحيدة ، المتاحة ..

بدت الطريق مسدودة ، ولم يعد بوسعى التراجع ..

أدركت أن الحياة بين هذه الجبال مما يصعب علىّ قبوله ولا أطيقه . بدت لى القاهرة بعيدة ، بعيدة ، أول الدنيا ، أو آخرها . كتبت رسالة إلى أمى . تحدثت عن شوقى إليها . قلت إنى لن أستطيع أن أحيا فى هذا المكان بمفردى . أعدت قراءة العبارة ، فشطبتها . كتبت كلمات أخرى لا تطرح أسئلة ولا تخوفات ..

كان الجميع قد استقبلوا قرار السفر بالصمت . المناقشات ومحاولات الإقناع بلا معنى ، أمام الحائط المسدود . حتى المبلغ الذى كان يضيفه أبى إلى راتبى ، أول كل شهر . همس ـ بعد خروجه إلى المعاش ـ أنه يجب ألا أتوقع غير راتب الجريدة ، واغتصب ابتسامة :

ـ معاشنا نحن الأربعة أقل من راتبك فى الجريدة !..

يبدو السؤال بلا إجابة : كيف كانت الحياة هنا بلا مكيفات ؟ كيف كان الناس يعيشون داخل البيوت ، ويمارسون أعمالهم ، ويقصرون مواصلاتهم على الدواب ؟..

حدست أن الشعور بالاطمئنان سيظل حلماً بعيداً ، أملاً وردياً ، إن ظللت وحدى فى هذه المدينة القاسية ..

لن أستطيع الحياة بمفردى . فى بالى مها ، ومحررو الجريدة ، والدمعة الملتمعة فى عين أمى إن تذكرت ما يثير الشجن ، وبائع الصحف فى ناصية ميدان الدقى ، ونداء بائع الفول يتصاعد إلى النافذة كل صباح ، وصياح الأولاد لاعبى الكرة فى الشارع الخلفى ، وموقف الأوتوبيسات فى ميدان رمسيس .. مشاهد تبقى فى الذهن لحظات ، أو تومض لتتلاشى ..

لو قدمت مها معى ، هل كانت حياتى تصبح أكثر يسراً ?