الفصل الثالث
انقلاب موجل
فى الأيام التالية لم أفعل الكثير فقط إتصلت بفدوى أخبرها بأنى أريدها لأمر
خاص وأرسلت رسالة إعتذار مع أديبة إلى فيصل قلت فيها: إلى شاعرنا وكبيرنا
أعتذر مما بدر منى، ولكنى لا أعتذر عن ما أعتقده وما يعتقده المرحوم طارق
أن الشعراء يقولون ما لا يفعلون. أختك عزة الرشيد. وكانت أديبة سعيدة بالرسالة
عندما علمت إنها رسالة إعتذار، فقد كانت لا تريد ترك العمل، ولن تستطيع أن
تعارض فيصل، وكنت آمل أن تكون للرسالة وقع فى نفس فيصل لأنى إستخدمت
نفس الكلمات التى أخبرها طارق الى سامية، فمن المؤكد أن طارق أسمعه إياها،
ولكن مرت الأيام التالية لم يأتينى خبر من فيصل، المشكلة أن فيصل يعرف
طريقة تفكيرى فلذلك كل محاولاتى معه بائت بالفشل وتسرب اليأس الى نفسى
ماحدث بين فيصل وطارق لن يخرج أبد اً إلى النور، فطارق مات وفيصل
كالصخر، ولم يعد هناك ما أفعله سواء أن أهاجم هالة ولو أنى أعلم إنها لن
تقول الحقيقة. ولكن أخيرًا ظهرت فدوى جائتنى فى المكتب صباحا وإعتذرت عن
تأخرها فى المجىء لمدة ثلاثة أيام، لأنها كانت مشغولة لأن شريكها فى العمل
ترك السودان فقد حصل على عقد عمل فى السعودية وأصبح المكتب باسمها،
كانت تبدو سعيدة جلست وهى تقول: كما إننى أعلم أن ماتريديننى فيه يمكن أن
ينتظر.
قلت مبتسمة: ولكنك لا تعرفين ماذا أريد.
قالت: أليس بخصوص المرحوم طارق؟.
قلت: لماذا أخفيت عنى أن حامد طلب يدك؟.
تفاجأت بالامر وردت مدافعة: هذا أمر خاص ليس له علاقة بالوفاة، بالإضافة
إلى إننى خفت أن تفلت منك عبارة وأنت تتحدثين معهم مما يسبب إحراجاً للجميع.
قلت: هل تحلفين إنك لاتخفين عنى شيئا آخر. صمتت ولم ترد مما أثار غضبى
ولكنى كتمت مشاعرى وقلت: حامد يطلبك للزواج مرة أخري ماذا أقول له؟
ظلت صامتة فأكملت حديثى: إنه منتسب إلى الجامعة وسيتخرج العام القادم، كما
أنه أصبح ميسور الحال فى التجارة، ليس سهلا أن تجد أى بنت من يتمسك بها
كل هذه السنين. أسندت ظهرها إلى الخلف وأخذت تنظر إلى السقف كأنها تتذكر
شيئا ما ثم قالت: موافقة. تفاجأت بردها فقد كنت أعتقد إنها سترفض، أو على
الأقل ستطلب وقتا للتفكير. ثم قالت كأنما تحادث نفسها: كان حامد قد عاد من
السعودية وكان يعامل طارق كطالب أو كطفل فهو من إشترى البيت وهو من
ينفق على الأسرة، ثم خلال شهرين نفذت نقوده وأصبح يبحث عن عمل وطارق
إزدهرت تجارته مع جيمس، وكان زوار طارق ليس طلاباً فى الجامعة فقط بل
مهندسين وأطباء فالعمل التطوعى أدخله فى دائرة كبيرة من المعارف، ثم بدأ حامد
يحاول بكل جهده أن ينجح فى أي نوع من التجارة، وكان كلما يفشل، يسقط فشله
على طارق وبدأت مشاجراته تزداد فأصبحت بحضور الضيوف، فأصبح حامد
منبوذا من كل الشلة، كانوا يتجنبونه، إلا أنا فقد كنت أسأل عليه وأتحادث معه،
لأننى منذ أن أخبرتنى هالة أنه ترك جامعته بسبب أسرته، كنت أشعر بأنه رجل
بمعنى الكلمة، ولكنه تسرع فى طلب يدى كنت مازلت فى أول سنه وهو لم يكن
له عمل، ثم بعد التخرج خطبنى أحد أقربائى ولكنه يريدنى أن أذهب معه إلى
لندن، وكنت أخاف من الغربة لا أعلم لماذا ولكن كل من يأتى من الخارج بعد
سنين من الإغتراب، يكون فى أزمة لا هو قادر على مسايرة المجتمع ولا هو قادر
على الإستمرار فى الغربة، كما حدث مع حامد، الآن فقط إستطاع أن يساير
الوضع ولكن بعد أن ألغى خيار الغربة نهائيا، وحتى أنت إنسانة ناجحة ولكنك
تعيشين فى السنة التى تركت فيها البلد، لأن ماتركتيه فى لندن أكثر مما لك هنا،
الغربة ليست الحصول على مال أو علم والعودة، الغربة عقد مقارنة بين وطن
سىء تحبينه وبين مهجر جيد تريدينه فى وطنك، فلا المهجر سيأتى الى الوطن
ولا الوطن سيكون على مستوى المهجر، فالمقارنة تعنى خيارين فأى ما أخترت
فقد فقدت الآخر، وما أن يكون هناك إحساس بالفقد يعنى أنك خسرت السعادة.
صمت ولم أستطع أن أرد عليها لأننى لا أشعر فعلا بالسعادة. فأكملت حديثها:
نعم سأتزوجه ليس لأنه يعجبنى فقط ولكن لأن أسرته لن أجد مثلها، فلن أجد
أخت مثل هالة ترفض أن تتزوج وتسافر مع حبيب عمرها من أجل أمها، أو
نسيب مثل والدهم، يحترم مشاعر زوجته عندما ترفض أن تؤجر المنزل لأن إبنها
سيعود، وهو يعلم أن الإبن مات، لم يخبر زوجته أنه ليس لديه ما يصرف منه،
أو أمهم التى تعاملك من أول مرة كأنك هالة إبنتها، أو المرحوم طارق الذى
علمنى أن يكون لى موقف من كل شىء فى الحياة، لن أفعل مثلك أو مثل منى
حسين أنا باقية هنا حتى الموت.
لم أجد ما أقوله فهى أول شخص أقابله منذ عودتى يعرف ما يريد، رفعت
سماعة التلفون وإتصلت بهالة، وسألتها إن كان حامد موجود اً فقالت إنه ملازم
الفراش من أول أمس، قلت لها أننى سأحضر حالا، وضعت السماعة وقلت
لفدوى مبتسمة: يبدو أن حامد إعتقد إنك رفضت، لأننى تأخرت فى الرد عليه ولم
يعلم أن التأخير من العروس، إنه مريض.
قالت: أنت السبب لو قلت لى أن هناك عريس لجئت فى نفس اللحظة، ضحكت
وقلت لها: سأذهب إليهم الآن.
قالت: أنا قادمة معك.
قلت ضاحكة: يجب أن تذهبى وتخبرى أهلك وليس أهله، أنت عروس الآن
ولست محامية مطلوب حضورها فى أى مكان.
قالت: لا.. أريد أن أكون موجودة عندما يدخل الفرح هذا البيت، كما أنه ليس
قليلا عليه بعد الذى فعله أن أذهب اليه حتى يعرف اننى لست موافقة فقط بل
جئت لأخطبه.
قلت: لا يجوز أن تحضر العروس الى بيت نسابتها، ثم ربما لم يخبر أهله
بالأمر.
صمتت قليلا ثم قالت: معك حق، ولكنى سأنتظرك فى منزلنا، دخلنا مكتب أبى
وأخبرته بأننى ذاهبة مع فدوى لأنها وافقت على حامد فقال لى وهو يبارك لفدوى:
يبدو أن لك مواهب ليس فى الإقتصاد فقط.
إستقبلتنى هالة وهى مستغربة من حضورى بهذه السرعة، وأدخلتنى سريعا
الى الصالة وذهبت لتخبر حامد أن هناك ضيوف، وما أن دخلنا عليه الغرفة،
إستغربت من الهزال الذى ألم بجسمه فى ثلاثة أيام فقط، كان راقدا فى السرير بلا
حراك وأخذ ينظر الى بتساؤل يريد أن يعلم ان كنت فاتحتها فى الزواج قلت
مبتسمة: جئت أخطبك لفدوى، موافق أم لا؟. ظل صامتا ينظر الى، قلت فى
نفسى يعنى لو رفضته فدوى لقضى عليه، قلت مبتسمة: وافقت. فما كان منه إلا
أن إنفجر فى البكاء بصوت خافت، فما كان من هالة إلا أن أطلقت الزغاريد،
وخرجت لتخبر والدتها، فقلت له: ياعريس عيب عليك، أخذ أنفاسه لحظات وقال
لى: شكرا لك لن أنسى لك هذا، هذا أول شىء أتمناه فى حياتى وأحصل عليه.
فجأءة دخل والده الى الغرفة، مستفسرًا عن الزغاريد، كنت أول مرة أقابله، كان
نحيفاً طويلا شعره عبارة عن قطعة من القطن وجهه نحت فيه الزمان كما يشاء،
يلبس جلابية ويرتدى نظارة ويحمل جريدة مطوية فى يده سلمت عليه وقلت له:
مبروك ياحاج، فدوى وافقت على حامد، نظر الى حامد طويلا ، وشعرت بأنه لم
يكن يعرف أن إبنه تقدم اليها، ولكنه تقدم ناحية إبنه وأخذ يربت على كتفة وهو
يقول: مبروك تستاهل، ثم دخلت أمه الى الغرفة وأخذت إبنها بالأحضان، بدأ
الجيران بالقدوم، فأدركت أنه حان وقت الهروب. ذهبت الى منزل فدوى
بأركويت، وتعرفت على والدتها لأول مرة فقد كان والدها متوفى، وكان لها أختان
أصغر منها، ثم ما لبث أن انتشر الخبر فى الحى، ثم بدأ أقاربهم بالحضور
وأصبح البيت مثل خلية النحل، وكانت الساعة تجاوزت التاسعة مساءا عندما
إستطعت أن أهرب من فدوى وأرجع الى البيت. ما أن دخلت المنزل وجدت خالد
جالساً فى الحديقة مع أمى، كان يبدو عليها الغضب، فما أن راتنى حتى
صاحت:" يا البائرة زوّجى نفسك أول، بدلا من تزويج صاحباتك". أحسست بأنه
يجب أن أمضى مع أبى عقد كتمان للأحداث، وحتى لا تبدأ فى حديثها مجدداً
دخلت مباشرة الى البيت وصعدت الى غرفتى وأغلقت الباب، ولكنها لم تستسلم
فأخذت تضرب باب الغرفة من الخارج حتى أفتحه ولكنى كنت أعلم أن هذه هى
الطريقة الوحيدة عندما تكون غاضبة. ما أن تمددت فى السرير حتى إجتاحتنى
مشاعر من الحزن، إن فدوى كانت محقة أنا ماذا أريد؟، ولماذا هذا الحزن فى
داخلى أصبح يزداد يوما بعد يوم، هل هى مافعلته بى الغربة، أخذت أبكى بدون
أن أعرف لماذا كل هذه الدموع.
فى صباح اليوم التالى لم أستطع النهوض من السرير، يبدو أننى إلتقطت
العدوى من حامد، كانت درجة حرارتى عالية وأشعر براسى ثقيلا كأننى أحمل
صخرا، لم أعرف إذا كان نوعا من البرد، أو إنها الملاريا، ولكنى رفضت بشدة
الذهاب الى الدكتور، فقد أحسست أن مرضى ناتج عن حالتى النفسية المتدنية،
وكانت أمى تشعر بالذنب، وكانت تلازمنى طيلة اليوم وكانت تحاول محادثتى
ولكنى كنت أظل صامتة فلا رغبة لى فى الحديث، ورجع خالد إلى العمل ثم
جاءت أديبة لزيارتى فسألتها عن رسالتى إلى فيصل، فقالت: أعطيته الرسالة
وقلت له أن عزة تعتذر منك فشعر بالحرج ولكنه عندما قراها مزقها ودخل غرفته،
ثم سألتنى: لماذا أنت مهتمة بعلاقته بطارق، لو كان سيخبر أحدا بها لأخبرنى.
قلت: لأنه يخجل منك، أتعلمين أنه كان مشتركا مع طارق فى محاولة إنقلابية
وأن كل ماكان يقال عن سوء علاقتهم تمثيلية حتى لا يلاحظ الأمن ذلك، وأن
فيصل هو من يتحمل مسؤولية وفاة طارق، حتى أننى سمعت أن فيصل هو من
وشى بهم.
إنتفضت أديبة من جلستها وقالت غاضبة: هذا كذب ولا أسمح لك بقول هذا
الكلام، إن كان هناك شريفا واحدا فى هذا البلد فهو فيصل.
قلت وأنا أمثل الغضب: لماذا تحملينى الذنب، أنا أقول لك ما سمعت ثم ذهبت
إلى فيصل ليقول لى الحقيقة ولكنه رفض الدفاع عن نفسه، فماذا تريدين منى أن
أفعل، لم أكن أريد أن أنقل لك هذا الحديث حتى لا تغضبى.
هدأت قليلا ثم جلست وأخذت تفكر، ثم قالت: ولكن حسب علمى أن طارق
أشعل النار فى نفسه.
قلت: حتى هذا الخبر يقولون أنه إشاعة أطلقها فيصل حتى يحمى نفسه. ظلت
صامتة تفكر، وأخذت أنظر اليها، أديبة هى الأكثر براءة فينا، كانت دائما حسنة
النية، صدقت كل كلمة قلتها، والآن هى من سيجعل فيصل يتحدث، كنت أشعر
بأننى شريرة ولكن لم يكن هناك من طريقة أخرى، وكنت أعلم لو تأكد فيصل أننى
أكذب فسأخسرهم إلى الأبد، ساد الصمت بيننا فترة طويلة وهى تنظر إلى كنت
مستلقية أمامها على السرير محاولة أن أبدو كأنى أشرف على الموت، فلا أحد
يشك فى كلام المريض، نظرت إلى بعطف وقالت وهى تحاول أن ترفع من
معنوياتى: سأقول لك خبرا مفرحا لقد حصلت لك على مكان عمل هشام، إنه
يعمل فى وزارة العمل، ومكاتبهم بالقرب من شارع الحرية. تذكرت هشام، من
المفروض أن يكون أول شخص أقابله منذ عودتى وأحسست أنى أحتاج اليه،
أريد أن أكسر حاجز الوحدة الذى يلفنى، يجب أن أزوره غدا حتى ولو كنت
مريضة، وذهبت أديبة مودعة وكانت الساعة قد تجاوزت الثامنة، تناولت بعض
الحبوب المقوية، وشربت كوب من العصير مع حبة منومة فقد كنت أريد أن أنام
جيدا ليوم غد، ولكنى لم أفق إلا على صوت خالد أخى الذى كان يهزنى بقوة،
كنت أشعر بالنعاس الشديد وقلت له: ماذا هناك؟. قال: فيصل وصديقتك أديبة
ينتظران فى الصالون، قلت: كم الساعة؟.
قال: تجاوزت الحادية عشر، وقد قلت له أنك نائمة ولكنه يصر على مقابلتك.
بللت وجهى بالماء، ولففت الثوب حولى، ونزلت الى الصالة كانت والدتى
تنظر الى صامتة فهى لا تفهم ما يحدث وإتجهت الى الصالون، حيث كان
فيصل جالسا بالقرب من أديبة، سلمت وجلست مقابلهما، كنت أعلم أن فيصل
كان مندهشا لعلمى أن هناك انقلاب، ثم بعد أن قرا الرسالة علم أن ما كان يقوله
طارق بينهما قد وصل الى مسامعى، واليوم عندما أخبرته أديبة بما جرى بيننا
صدق أن الناس يقولون ذلك عنه فعلا، كسر حاجز الصمت قول أديبة: فيصل
قال أنه سيحكى لك كل شىء بهذا الموضوع، ولهذا أتيت معه أريد أن أعرف ما
يحدث حتى أننى تركت الأولاد عند جارتى. إعتدل فيصل فى جلسته وكان ينظر
الى بغضب، فقد كان واضحاً إنه غير مرتاح لأسلوبى وقال: أول مرة قابلت
عباس وطارق كان يوم مشاجرتهم مع حارس السكن فى الجامعة كان منظرهم
مزرى وكان لى صديق لديه سيارة فأخذناهم الى المستشفى وعندما عدنا فى
الفجر أخذنا أمتعتهم الى غرفتى حيث كان يسكن معى إثنان من دفعتى، وكان
لدينا سريرا واحدا خاليا، فأخذه عباس، لأن أهله من مدينة الفاشر بينما عاد طارق
الى منزلهم فى الصحافة حتى يعثرون على غرفة ثانية، ولكن مع إستمرار
الدراسة إستقر عباس معنا، وأصبح طارق عندما يتأخر فى الجامعة ينام معنا،
ومع الأيام أصبح طارق من أشد المعجبين بى وكان يحضر كل الندوات
الشعرية، ثم كانت هناك ندوة شعرية تحولت الى سياسية لدكتور عمر فضل بدار
الأساتذة بالجامعة حيث كان يقول: أن استقلال السودان تم فى عام ستة وخمسين
وإستمرت الديمقراطية لمدة عامين ثم ما لبث أن قفز العسكر الى السلطة بقيادة
الفريق عبود وإستمر العسكر حتى عام أربعة وستين حيث سقطوا بفعل ثورة
إكتوبر وإستمر الأحزاب فى الحكم حتى عام تسعة وستين، حيث قفز العسكر
بقيادة نميرى وإستمروا حتى الآن، ولكنهم سيسقطون لأن ليس هناك حكم عسكرى
ناجح فى أى بقعة فى العالم، ولكن السؤال هو لماذا لا تنجح الديمقراطية، لماذا
لم تفلح الديمقراطية فى إبعاد العسكر أكثر من عدة سنوات، ذلك لأن الديقراطية
ترتكز على طائفتين، وإذا كانت أغلبية مؤيديهم من الطبقة الجاهلة وهم الأغلبية
فى هذا البلد، ويعيدون إنتخابهم لأنهم يؤمنون أن لهم بركات من السماء، مما
جعل الطبقة المثقفة لا تعرف ماذا تفعل، فلا العسكر سيقدمون الحل ولا
الديمقراطية ستفرز ما يرضينا. فما أن أكمل الدكتور محاضرته حتى سألنى: هل
تعرف هذا الدكتور شخصيا. فقلت كاذبا: لا. فذهب طارق اليه قبل أن يركب
سيارته وتحدث معه على انفراد، وبعد أن عدنا سألته فى ماذا كنت تتحدث مع
دكتورعمر فضل، فقال لى: إقترحت عليه أن الحل أن يحدث إنقلاب مدنى، أى
أن يسيطر مجموعة من العسكر تحت قيادة مثقفة مقاليد الحكم، ولكن ما لم يكن
يعرفه طارق، أننا كنا نعد لمثل هذا الإنقلاب فعلا وأن دكتور فضل كان يمثل
القيادة البديلة. فسألت أديبة وهى تستمع باهتمام شديد: ما معنى ذلك؟.
فرد فيصل: عند التخطيط لأى إنقلاب يكون هناك رئيسا فاذا حدث له شىء أثتاء
الإنقلاب، يكون هناك بديل هو من يواصل خطة الإنقلاب، وهو كان دكتور عمر
فضل، وكانت أديبة كعادتها تقاطع حديثه فسألته: من كان القائد الأول.
فرد فيصل: لن أتطرق لأسماء.
فقالت: ولكنك ذكرت دكتورعمر فضل.
فقال: لأنه قتل. فطلبت من أديبة أن لا تقاطعه، فواصل حديثه قائلا: كانت
علاقتى مع دكتور فضل قوية جدا، فغير أنه كان أستاذا للعلوم السياسية، فاننا
على صلة بالشعر والأدب، كان قادة الإنقلاب سبعة من أساتذة الجامعات وثلاثة
من النقابيين وخمسة من أبرز الرتب العسكرية، لم أكن أعلم وقتها عن العسكريين
منهم شيئا، وكنت أنا الوحيد الذى مازلت طالبا، والذى حدث أن الرقابة على
الأساتذة لأن لهم نشاط معارض كانت مشددة جدا من قبل جهاز الأمن، مما
أصبح صعبا عقد إجتماع، فما كان من دكتور فضل إلا أن أقنعهم بالإستعانة
بطالب يكون همزة وصل بين العسكر والأساتذة لأن الطلبة لا يأخذهم جهاز
الأمن بجدية فيمكن أن يتحركوا بحرية، فوافقوا على إسمى فقد كنت بدأت بالقاء
الشعر فى الجامعة وأصبح لإسمى معنى داخل الجامعة، وأصبحت أنقل الرسائل
حتى تم تحديد الإنقلاب وكان مفترضا أن يكون فى عام واحد وثمانين، وأدخلت
طارق بديلا لى فى حال حدوث أى شىء، ودربته جيدا، ولكن كان هناك أحد
الضباط الصغار الذى لم يكن راضي اً عن وضعه فى الجيش تلقى ترقية وتغير
وضعه، فوشى بنا ولكنه لم يكن يعلم غير إسمى والرئيس الأول للانقلاب والعميد
الذى جنده، فتم إعتقالى لمدة عامين فى سجن كوبر، وتم تأجيل موعد الإنقلاب
الى وقت لاحق، وكان من حظنا أن سمعة هذا الضابط لم تكن جيدة، فكانت
هناك نسبة من الشك حول كلامه خصوصا أنهم إستبعدوا إحتمال إشتراك طالب
فى عمل إنقلابى، مما أبعد عنا شبح التصفية الجسدية، ولكن دكتور فضل وثق
علاقته يطارق كبديل لى فقد شجعه عدم تصفيتنا على الإستعانة بطالب أخر،
وكان مصرا على التنفيذ السريع خائفا من أن يؤثر إستمرار تعذيبنا الى الإعتراف
عليهم، ولكنه بدأ يصطدم بطارق الذى لم يكن يقبل دور المراسلة فقط مثلى، بل
أن طارق طلب معرفة جميع المشتركين فى الإنقلاب، لأنه أول من يعدم إذا
حدث أى خطأ، وبدأت الخلافات تزداد بين القادة الذين أجمع معظمهم على
إنتظار إطلاق سراح زعيمهم من السجن، فغادر دكتور عمر فضل البلاد لأنه
كان يعتقد أن مسألة وصول الأمن إليهم ما هى إلا مسألة وقت، فأصبح طارق
وحيداً بدون زعيم مباشر وفى يده خطة إنقلاب وأسماء المنفذين، ولكنه كان يفتقد
الى المصدر المالى، فبدأ باستغلال إسم دكتور فضل بابلاغ الجميع أن دكتور
فضل وافق على تأجيل الإنقلاب الى عام ثلاثة وثمانون، ثم بدأ بتغيير الخطة
والأفراد، فاقترح أن يتم إستبدال الرتب العليا من الجيش برتب صغيرة، لأن الرتب
العليا لن نضمن ولائها بعد نجاح الإنقلاب، وأن تتم السيطرة على كل رئاسة
سلاح أو معسكر من داخل المعسكر بدلا من تحرك قوات الإنقلاب من القيادة
العامة، ثم بدأ بتجنيد الضباط المحالين للصالح العام فى فرق خاصة للسيطرة
على الكبارى الأربعة التى تربط العاصمة المثلثة، وفرقة خاصة للسيطرة على
القصر الجمهورى، ومبنى الاذاعة والتلفزيون، وإقترح هذه الخطة على أن دكتور
عمر فضل هو من يريد موافقتهم عليها، مستغلا بأنه الوحيد من كان يتصل
بالدكتور فى الخارج، وأخذ موافقة بالإجماع على خطته، ولكن كانت تواجهه
مشكلة الإتصال بين المجموعة أثناء الإنقلاب ومشكلة التمويل فقد كان يحتاج
الى الكثير من الدولارات، وأصبح هدفهم الوحيد هو جمع المال وبعد ذلك إدخال
الأسلحة للفرق الخاصة، ولذلك أصبح ينشىء الكثير من الجمعيات الخيرية
وكانت إدارة هذه الجمعيات من إختصاص أساتذة الجامعات، محاولين جمع أكثر
تبرعات ممكنه، فى هذا الوقت أخبرنى الأمن أن والدتى مريضة، وإنها قد تتوفى
فى غضون أيام، ثم أتوا بصورتها فى إحدى المستشفيات وبجوارها أبى، وطلبوا
منى أن أعترف على البقية مقابل إطلاق سراحى فأصررت على أننى لا أعلم
شيئا، وكانت الزيارة ممنوعة، مما سبب قلقى عليها تدهور حاد فى صحتى،
فأصبحت لا أكل أو أشرب وكنت أحس بأننى خذلتها وأدخلت نفسى فى شىء
هى من تدفع ثمنه. وإقتنع رجال الامن بأنى قد أموت فى أى لحظة، فأطلق
سراحى فى عام ثلاثة وثمانين، فذهبت مباشرة الى كسلا حيث كانت الوالدة قد
توفت، مما أصابنى بحالة من الإحباط وتأنيب الضمير، وكان والدى مريضا
فقررت أن أنسحب من كل شىء وأبقى معه بعد التخرج، وزارنى طارق فى كسلا
معزياً فى والدتى، فأخبرته بانسحابى وطلبت منه أن ينسى هذا الأمر، فاتهمنى
بالجبن والضعف وأننى يجب أن أجعلهم يدفعون ثمن وفاة والدتى بعيدا عنى، كان
ساخطا على كل شىء، وطلبت منه أن يتخلى مثلى عن كل شىء ولكنه قال
تأخر الوقت فقد كان قد بدأ بادخال السلاح الى السودان. كان هذا آخر لقاء بينى
وبينه، فقد إتخذ منى موقفا فقطع علاقته معى وكنت أنا تحت مراقبة الأمن
ففضلت أن لا أقترب منه. صمت فيصل لحظات وكانت عينه تدمع عندما قال:
لقد قتلته بادخاله هذا الطريق. قلت له محاولة التخفيف عنه: كل منا يتحمل
نتيجة إختياره، ولكنك قلت أن دكتور عمر فضل تم قتله، ألم يكن فى الخارج؟.
رد فيصل: قرات نعيه فى الجريدة مذكورا أنه توفى فى حادث سير فى الخرطوم.
قلت: ولماذا تقول أنه قتل؟.
قال: لقد كان تاريخ وفاته قبل موت طارق بثلاثة أيام.
قلت : أتعتقد أنه أتى لتنفيذ الإنقلاب!.
قال: لا علم لى بأى شىء ولكنى متأكد أن طارق لم ينتحر.
قلت: وكيف عرفت؟.
قال: لقد أرسل لى قصيدة قبل وفاته باسبوع لا تحمل أى معنى للانتحار بل هى
أقرب الى الإعتذار منى والصمود، وعندها علمت أن موعد الإنقلاب قد إقترب.
أصريت على بقائهم للعشاء، وكنت أحاول أن أجد أى سؤال يزيد من معلوماتى
ولكن كان حديث فيصل كله بعيدا عن وقت الوفاة، وإن كان أعطانى فكرة عما
كان يحدث، ولكن فيصل نفسه لم يكن يستطيع حتى الإقتراب من طارق، ما أن
فرغنا من العشاء، سألنى فيصل: هل إنتهينا من هذه القصة الى الأبد؟
قلت ضاحكة : أعذرنى كان لابد لى أن أعرف.
قال: لا تعتقدى بأنى صدقت أى كلمة مما قلتيه الى أديبة، ولكننى لن أسلم منها
إلا إذا قلت لها القصة كاملة، واليوم ما جاء بى الى هنا لأننى أريدها أن تتركنى
أنام.
طلبت من خالد أن يوصلهم الى سوبا فقد تجاوز الوقت منتصف الليل.
فرد خالد مشترطا: إلا إذا رافقتنى. كنت أعلم أنه يريد إخراجى من البيت، فقد كان
يشعر بأنى حزينة بدون أن يعلم السبب، تلفحت ببطانية وجلست مع أديبة فى
المقعد الخلفى للسيارة، كانت أديبة صامتة شاردة، قلت لها: أخيرًا إستطعنا أن
نجعل أبو الهول يتكلم.
قالت: إن ما يحيرنى شخص مثل طارق يحضر نفسه لحدث مثل هذا، كيف
يجد الوقت لعمل مقلب للطلبة الجدد، كنت أراه طالبا عاديا، ولكنه كان يخفى
الكثير.
رد فيصل: إنه تمويه، فالجامعة بها كثير من رجال الأمن وعندما يعلمون بمثل
هذه القصة يستبعدون شخص مثل طارق من أى مراقبة. ثم إلتفت إلينا فى المقعد
الخلفى وقال: أتذكرين يا عزة أول يوم لكم فى الجامعة، عندما بدأت أتغزل بمنى
وأنا أتحدث قى أركان النقاش.
قلت: نعم، ثم جئت وإعتذرت.
قال: كنت أقرا قصيدة وطنية ثم رايت أحد مخبرى الأمن قادما، فحولت الى
الشعر العاطفى، لأنى لم أكن أريد أن أعود الى السجن ثانية، كانت تصرفاتنا
كلها تمويه.
قالت أديبة ضاحكة: تتغزل فى منى، لن تنام اليوم يا شاعر.
رد فيصل: بعد كل الذى فعلته اليوم.
قلت لأديبة: اليوم إستحق النوم، لكن يمكن أن تبدأى من الغد.
قال فيصل ضاحكا: إرضاء النساء غاية لاتدرك.
ما أن وصلنا حتى طلبت من فيصل أن يعطينى القصيدة، إختفى لحظات داخل
البيت وعاد ومعه مظروف أزرق وقال لى: لقد أهديته قصيدة فى مظروف مماثل،
أعيدية مع أديبة. ودعت فيصل وأنا أعتذر منه على تصرفى ولكنه قال: أعلم
عندما تدخلين أنفك فى شىء فلا فكاك منك. قاد خالد السيارة بهدوء مع أن
الساعة كانت قد جاوزت الواحدة صباحا، كانت الشوارع خالية، وكان القمر يلقى
بنوره على المبانى كأنه يربت على أكتافها يدعوها الى الصبر، وكان الهدوء يلف
الخرطوم، لم تكن الخرطوم تستغيث من الحرب، ولكن كانت تطلب رصاصة
الرحمة، كان كل شىء يلفه الإهمال، أعمدة الإنارة مطفأة، والطرق بها حفر أكثر
من الأسفلت، والتراب يغلف كل شىء، من كان يريد تعريفا للفقر فليأتى الى هنا،
فتح خالد الإذاعة كانت تبث عزفا على العود مما ا زد الشجن فى النفس، فتحت
الظرف وأخرجت القصيدة، كنت أريد أن أعرف ماذا كتب طارق فى آخر أيامه،
كان الظرف مكتوب عليه: إلى من حاولت أن أكرهه فلم أستطع، قلت لخالد وهو
يقود السيارة بحرص: سأسمعك قصيدة مات صاحبها بعدها ببضع أيام، كانت
القصيدة مكتوبة فى ورقة مطوية بعناية فتحتها وقرات
لا تلين
ولو سرقوا آمال السنين
وأداروا الكأس ليلا ..
وتمايلوا على نتح الأنين
لا تلين ....
ولو وأدوا أبناءك قبل مرحلة الجنين
و أخرجوا أباك من أدراج المشارح
وجه حزين .. لا تلين
ولو أخافوك بأحذية العساكر
وقلبوا الحق باطل
بحلف اليمين ...لاتلين
ولو رموك مريضا فى خرابة
... وحقك قصور
وأرادوك هزيمة وصمت من قبور
لا تنحنى ..لا تلين
فأنت نور ونبراس العبور
وما تبقى من حقيقة
وأنت قيمة ..
ليست بيع أو رهينة
وأنت عبق من عصور
وأنت صحراء وخيمة
وأنت مظلوما يثور
فأنت سيف وأنت فارس
متخطيا كل الكوارث
وقاهرا للمستحيل ..
فلا تنحنى ولا تلين ..
ولا تمت إلا كأشجار النخيل
فلن نمت إلا كأشجار النخيل.
طارق المغربى
نظر خالد الىّ وقال: هذا شخص يعرف إنه سيموت، هل كان مصاباً
بالسرطان؟.
إبتسمت وقلت : لا... إنه يعرف ماذا يريد.
قال:وأنت ..أتعرفين ماذا تريدين؟.
قلت: لا.
قال: والعمل، إن أمك قلقة عليك.
قلت: ليس بيدى يا خالد، ليس بيدى شىء.
فى صباح اليوم التالى شددت الرحال الى مكتب هشام مع أننى أشعر بفتور
فى جسمى، ووجدت الغفير جالسا خارج مبنى الحسابات، كان يحتسى الشاى بلذة
غريبة وصوت مسموع فسألته عن هشام الشيخ وبدون أن يهتم بسؤالى قال:
سأكمل لك الإجرءات فى لمح البصر ماهى معاملتك؟. صمت لحظات وقلت:
كم تأخذ؟. قال: المعقول. قلت: أتعرف من أنا؟. نظر الى بريبة وصمت. قلت
له: أنا مفتشة الوزارة. جئت فى حملة تفتيش. رد بابتسامة صفراء: وهل قررت أن
تبدأى بالصغير. ضحكت وقلت له: أوصلنى الى هشام، أخذ يقفز درجات السلم
فرحا صعدنا الى الطابق الاول وأشار الى مكتب فى آخر الممر، سرت فى الممر
بهدوء وسرت قشعريرة فى جسدى وأنا أترقب رؤية هشام داخل المكتب، وقفت
عند الباب كانت الغرفة بها ثلاثة مكاتب، كانت هناك موظفة تلتحف ثوبا أبيض
على أحد المكاتب وكان هشام جالساً على المكتب الثانى، وكان المكتب الثالث
فارغاً، لم يكن هشام بمعنى الكلمة ولكن ما تبقى منه، وكان الشيب قد هجم على
راسه، من يرانا اليوم لا يقول كنا دفعة دراسة ولكن كان أستاذى أو ما شابه،
كانت عروق يده ظاهرة، ويلبس نظارة طبية وأصبحت عينية غائرتان داخل وجهه
كأنما تريدان أن تبعدان عن ما ترياه فى دنياه، أ رتنى الموظفة وقالت: أى خدمة.
رفع هشام راسه من الأوراق ورمقنى بنظرة خاطفة وعاد الى الأو ا رق ثانية، قلت:
عزة الرشيد تستحق أكثر من هذه النظرة.
رفع راسه بهدوء هذه المرة، وتأملنى لمدة ثوانى، ثم قفز من الكرسى صارخا: غير
معقول. وأجلسنى أمام مكتبه، كانت الحياة قد دبت فى جسده النحيل، وأخذ ينظر
الى متأملا: ثم عرفنى على زميلته فى العمل، قائلا: وصال، عزة دفعتى فى
الجامعة.
ضحكت وصال وقالت: لايبدو ذلك.
رد مبتسماً: عندما تضعين قطعة لحم فى الثلاجة وقطعة أخرى عند درجة
أربعين لمدة يومين ماذا يحدث.
قالت: تفسد القطعة الموجودة عند درجة أربعين.
قال: تعفن هى الكلمة الصحيحة، عزة موجودة فى لندن منذ أن كنا فى سنة ثانية
جامعة، وأنا موجود هنا، أليس إنجازا أن أكون على قيد الحياة، ضحكنا على
تشبيهه، وخرجت وصال من الغرفة، وأخذ ينظر الى كأنما يستعيد الأيام السالفة
مرة أخرى ثم قال: متى عدت؟.
قلت: مايقارب السنة، ولكن أديبة أعطتنى العنوان أمس فقط، لم أكن أعلم لك
عنوانا.
قال معقباً بسخرية: ولماذا يكون؟ صمت لحظات وقال: قابلت منى حسين يوماً ما
وقالت إنك بصدد تحضير الدكتوراة.
قلت له: نعم دكتورة عزة الآن، ومنى تزوجت وهى فى دبى الآن.
قال ضاحكاً: لا ياسر ولا طارق، المنتصر من يأتى من الخارج، مغترب العريس
أليس كذلك؟.
قلت: نعم، ولماذا تقولها بمرارة؟.
قال بحزن: لأن من أحببت أخذها مغترب.
قلت: هى الخاسرة. ضحك بصوت عال، فتح درج مكتبه وأخرج علبة سجائر ثم
أشعل واحدة وأخذ منها نفسا عميقا وقال: غير صحيح، لقد خسرت على جميع
المستويات.
قلت له معنفة: لماذا هذه اللهجة اليائسة؟.
قال: تعرفين عندما تعينت كنت أجلس على مكتب وصال، وكان لى مدير يجلس
على مكتبى، كان رجلا فاضلا، ولكن مع مرور الوقت أصبح الراتب لا يكفى
لوازم بيته، كان يمكن أن يقبل بعض الإكراميات ويحل مشاكله ولكنه رفض،
أتدرين ماذا فعل، قدم إستقالته وفتح محلا لبيع الخضار، كان ينتظر العربات
القادمة من الريف مع صلاة الفجر ويختار خضاره بنفسه، وكانت صحته
لاتساعده على هذا الشقاء، ولكنه إستمر ثم بعد عامين بدأت أعماله بالإزدهار،
وإستطاع أن يشتهر ويفتح أكثر من محلا واحداً، أما أنا فقد إستلمت مكانه ولكن
كما تعلمين لى كثير من الإخوة والأخوات، كنت أحاول مساعدة الوالد الذى ترك
الزراعة لكثرة الضرائب المفروضة عليها، بتحويل الراتب كله، ولكن لم يحل
المشكلة، ونصحنى أبى أن أعود معه الى الزراعة، ونصحنى مديرى السابق أن
أدخل معه فى تجارة الخضار، ولكنى رفضت، لأنى تعبت قضيت سنوات
الجامعة كلها وأنا الاول على دفعتى، وكنت أعمل فى المطاعم وفى غسيل
السيارات وفى كل مهنة تخطر على بالك، وعندما حصلت على الشهادة إفتكرت
أن زمن الشقاء ولى ولكنى كنت واهما، وبالحساب حتى أستطيع أن أصرف على
أسرتى وإتزوج من أريد يجب أن أعين براتب وزير، ولم يكن لى أى نية لأن أعود
للزراعة كما قال أبى أو أن أبيع الخضروات، فلم أكافح كل هذة السنين، لأحصل
على شهادة تعيدنى إلى نقطة الصفر، فاتخذت الحل السهل وقبلت الرشوة أو
العمولة كما يسمونها، وتقدمت الى البنت التى أريدها ولكن أموال الحرام لا تفيد،
بعد كل ما فعلته تزوجت من المغترب، وأبى لا يستلم منى أى مال لأنه حرام
فأعطيه الى أمى ولكنه يرمقنى بتلك النظرة كأننى أهوى الحرام، وكأننى من خلفت
أخوتى وليس هو، إذا كان يريد المال الحلال فليأتى به هو، فأصبحت لا أذهب
إليهم بل أرسل المال عن طريق أحد معارفنا، وكما ترين، أنتظر اليوم الذى أقال
فيه للصالح العام أو أسجن، فقد قمت بعملية كبيرة ستكتشف خلال شهر عندما
يأتى فريق التفتيش.
قلت: ولماذا لا تهرب؟.
قال: مشكلتى ليست مع أحد غير نفسى فأين أهرب منها.ياعزة أنصحك بأن
تأخذى شهادتك وتعودى من حيث أتيت، أما اذا بقيت هنا فلا شىء، هشام الذى
تعرفينه مات، والآن يوجد هشام الثانى، وغدا هشام الثالث.
دخلت وصال تحمل معها مشروب بارد قدمته لى وهى تعتذر عن التأخير، ساد
الصمت بيننا لفترة من الوقت، لم أعرف ماذا أقول جئت أستنجد بهشام لينقذنى
ولكنه يحتاج الى من ينقذه، قلت له: تعال الى منزلنا نحتاج الى أن نراجع مواقفنا
سأنتظرك يوم الجمعة، قال ضاحكا: مواقفنا، وظل يضحك بصوت عالى ثم قال:
أذهبى فى حال سبيلك يا بنت الناس، وأنسى فكل شىء قابل للنسيان.
وقفت وأنا أنظر اليه وتمنيت لو أننى لم أت، صافحته مودعة وأنا أقول: هشام
بحق الزمالة أن تأتى، أنا أحتاج اليك أيضا. نظر الى وظل صامتا، خرجت وأنا
لا أتصور أبدا أن هشام يمكن أن ينكسر بهذا الشكل، إنه الوحيد الذى كنت أثق
بأنه قادر على تخطي كل شىء ولكن يبدو أن قوة تحمله لها حدود، وجدت سيارة
تاكسى فألقيت نفسى فيها، كنت قد بدأت أشعر بالدوران، لم يكن قرار خروجى
صائبا، دخلت الى بيتنا كانت الوالدة جالسة فى الحديقة، وأخذت تنظر الى بعتاب
فلم أخبرها بخروجى، ولكنها ظلت صامتة، فما ا زلت تعتقد إنها السبب فى مرضى
سرت الى داخل المنزل، وكانت تتبعنى وتراقبنى بصمت وأخذت أصعد السلم
وشعرت بأنى سأسقط، فجلست على درجات السلم، وأدركتنى أمى وأمسكت بيدى
وجلست بجوارى وقالت والدموع تنهمر من عينيها: مالك يا عزة. لم أستطع أن أرد
أسندت راسى على كتفها، وشعرت بأنى لا أستطيع أن أتحرك، شعرت بها وهى
تسندنى وتساعدنى على النهوض، ثم أدخلتنى الى غرفتى، وإرتميت على السرير،
و رايتها تضع وسادة تحت راسى،وأحسست بيدها تمر على جبينى، كانت تصرخ
ولكنى لم أكن أسمع شيئا، ثم لم أعد أرى شيئاً.
إستيقظت ورايت أبى جالساً عن يمينى وهو ممسك بيدى، وأمى جالسة عن
يسارى وخالد واقفا عند نهاية السرير، وأحسست بأن هناك شيئا حدث فهم
ينظرون الى باستغراب، ثم لاحظت أن محلول وريدى مغروس فى يدى، إبتسمت
أمى وقالت: حمد لله على سلامتك.
قال أبى: كنت تعانين من حمى، الحمدلله فقد إنخفضت درجة حرارتك من يوم
أمس.
قلت متعجبة: من يوم أمس!.
قال خالد ضاحكاً: إنك ملازمه السرير من ثلاثة أيام، اليوم الخميس يادكتورة،
ثلاثة أيام ونحن نسمع صراخك، الآن يمكننى أن أنام.
قالت أمى: إنها العين أصابتك، دكتورة وجميلة وغنية، لابد من تحضير البخور.
قال خالد: لا بخور ولا يحزنون أحضروا لها من قتل طارق وستكون على ما يرام.
قال أبى: يبدو أنك تشتبهين فى وفاة زميلك، لأنك ظللت ترددين قتلوه.
قلت: عطشانة، أريد أن أشرب. كنت أحاول أن أهرب من أى أسئلة فى هذا
الموضوع، أحضر خالد الماء، وشربت كمن يرى الماء لأول مرة.
قالت أمى يجب أن تأكلى شيئاً، سأحضر لك شوربة ساخنة، وخرج خالد خلفها
وهو يقول بأنه يريد أن ينام، أمسك أبى بيدى بقوة ثم قال: أسمعى يا عزة، أنا
أ راقبك منذ أن حضرت من لندن، وأعلم ان الأوضاع ليست كما تتمنين، هناك
يأخذ كل فرد حسب مجهوده، لأنه يوجد نظام لكل شىء، أما هنا فالمقدمات لا
تؤدى الى النتائج، لقد تحدثت مع دكاترة فى كلية الإقتصاد وهناك دكتور منهم
ترك العمل ويحتاجون الى من يكمل لمادة واحدة فقط أقبلى هذا الوضع مؤقتا،
وعندما تندمجين فى العمل أنا متأكد بأنك ستستعيدين ضحكتك، قلت له سريعا:
موافقة. إندهش فلم يكن يتوقع ردا منى الآن، وربت على يدى وخرج.
فى صباح اليوم التالى وكان يوم جمعة، أتى الجميع لزيارتى إلا من أنتظره،
سامية وفدوى حضرتا أولا، كانت أول مره تأتى فيها سامية الى بيتنا، وقالت: لم
أكن أتصور أن أدخل يوما الى قصر العدو، نظرت اليها مستفسرة، فقالت: عباس
كان يطلق هذا الإسم عندما يريد أن يغيظ طارق لأن منى تكون هنا وطارق لا
يستطيع أن يتصل بها. قالت فدوى: منى حسين يجب أن تحضر زواجى بأى
طريقة ولكن لا نعرف لها عنوان. ثم إستأذنتا للذهاب الى السوق لأن فدوى
تستعد للزواج، ثم حضر فيصل وأديبة مع أبنائهما، وجاء الكثير من معارفنا
وأقاربنا حتى أننى شعرت بالارهاق، وما أن ذهبوا جميعا صعدت الى غرفتى، ثم
جاء خالد وبتهكمه المعهود قال: سموك مطلوبة لشرب شاى المغربية مع أبى فى
الحديقة، يا دلوعة أبوها. لم أرد عليه، فلم أكن أستطيع مجاراته وأنا بهذه الحالة،
نزلت وجلست بالقرب من أبى، وجاءت أمى ببطانية وأخذت تلفها حولى، إبتسمت
لخالد الذى كان يجلس فى مواجهتى فقال محتجا: دلوعة أمها، لماذا عندما
أمرض لا أعامل هكذا.
قلت: لأن مرضك تكفير عن ذنوب لسانك الطويل. ضحكنا أنا وأبى وجلست أمى
بالقرب من خالد وهى تنظر الى كانت سعيدة أن ترانى أضحك. فقال له أبى: لقد
أصبحت دكتورة فى الجامعة سنترك لها السيارة، فقد إتفقت على شراء سيارة شحن
صغيرة، سنستخدمها فى نقل المواد والعمال. لم يعجب القرار خالد ولكنه صمت،
ثم فاجأنى أبى وهو يصب الشاى بطريقته المعهودة بسؤال مباشر: لماذا تعتقدين
أن طارق المغربى قتل؟.
طوال حياتى إستطعت أن أخدع أمى وخالد ولكن أبى مستحيل أن تمر عليه أى
قصة كاذبة، كان يعلم دائما فى ماذا أفكر وبالأمس حاولت أن أهرب منه ولكنه
الآن وضعنى أمام الامر الواقع، ولكنى كنت أعرف أنهم لو علموا بهذا الموضوع
خصوصا أمى فستبدأ المشاكل، لم أكن أستطيع أن أكذب على أبى فقررت قول
الحقيقة، كان الجميع صامتا منتظرين إجابتى، فمددت يدى لأخذ فنجان الشاى
وقلت: لأنه كان مشتركا فى إنقلاب عسكرى. نظروا الى بدهشة منتظرين أن
أكمل ولكنى صمت.
قال أبى: ولكن أخاه حامد قال إنه مات فى حريق مبنى.
قلت: إنهم يقولون ذلك.
قال أبى: وما الذى جعلك تعتقدين إنهم مخطئون.
قلت: أحد قادة الإنقلاب مات فى حادث قبله بثلاثة أيام.
قال أبى: تعتقدين أن تصفية حدثت. فرددت بالإيجاب
فقال: وماذا تنوين أن تفعلى؟ كنت أعلم أن هذا ما يريد أبى أن يعرفه، صاحت
أمى غاضبة: ما دخلها بهذا الموضوع، إذا كانت خطيبته تزوجت وسافرت وأهله
لم يفعلوا شيئا، لن ... نظر إليها أبى نظرة صارمة جعلتها تصمت على الفور.
قلت: لا أعرف.
قال أبى: واضح أن هذا الموضوع مؤثر عليك بصورة أكثر مما تتصورينها، ولكن
إذا توقفنا عند كل خطأ فى هذا البلد، فلن نستطيع أن نفعل شىء فى حياتنا.
قلت: إذا كنا لا نصحح أخطاءنا، فأى شىء يمكن أن نفعله بحياتنا.
قال: هناك أولويات، على أن أنجح فى حياتى الشخصية ثم أتجه الى الحياة
العامة.
قلت: ومن جعلوا حياتهم الشخصية هى حياتهم العامة، هل هم فاشلون أم أبطال.
قال: يعتمد ذلك على النتيجة، طارق فى النهاية فشل.
قلت: ولو نجح الإنقلاب ماذا يكون. لا أحد يعرف ما لم يحاول.
قال: إلى ماذا تلمحين.
قلت: ألست ناجحة فى حياتى الشخصية، فمن حقى أن أحاول أنا أيضاً.
قال خالد: ستقومين بانقلاب.
قلت: الحقيقة، أريد الحقيقة. عندما كنت أهتم بنجاحى الشخصى دفع البعض
حياته فى سبيل هذا البلد، فما دمنا لسنا قادرين أن نضحى مثلهم، على الأقل
نوضح حقيقتهم. صمت الجميع فقد كانت حجتى قوية، كان أبى غير راضى عن
نتيجة المناقشة فقام ودخل الى المنزل بينما أمى وقفت تنظر الى ثم لحقت به،
نظر الىَ خالد وقال وهو يسير الى الداخل ببطء: لا أرتاح لهذا الموضوع، ما رايك
فى مقايضة؟.
قلت: كيف؟.
قال: تنسى هذا الموضوع برمته مقابل أن أحضر لك عريسا.
قذفته بفنجان الشاى ولكنه قفز داخل البيت وهو يضحك. ظللت جالسة لوحدى
فى الحديقة، لقد تفاجأت بنفسى وأنا أتحدث عن هذا الموضوع لأول مره، إننى
كنت كمن يتلصص على أسرار الناس، ولكن فى الحقيقة إننى لا أفعل ما يجعلنى
أخجل، هناك خطأ وأنا الوحيدة أحاول معرفته، هم السلبيون متخاذلون، وأنا لدى
القدرة على المواجهة على المضى الى النهاية، ظللت جالسة فى الحديقة كان
الجو جميلا، يحمل نسمات باردة، وكان البدر هلالا، ونوره يسقط على وجهى
كأنما يشفيه، وكان جسمى كله مخبأ تحت البطانية، وإنتظرت جرس الباب أن
يقرع ولكن هشام لم يأتى، إن هشام لن يدع أحدا يحل مشاكله، فقد تعود أن يتخذ
قراراته منفردا، كان دائم اً وحيد اً، حتى عندما كنا فى الجامعة رفض أى مساعدة
حتى لو كانت سلفة، ولكننى ظللت منتظرة، حتى إنتصف الليل ،ثم أخذت الدموع
تنهمر من عينى، كانت عيناى تبكيان أعز زميل لى، أين كنت عندما حدث كل
هذا الخراب، هل هناك ما يمكن فعله، أم أننى سأستمر فى البكاء على الأطلال.