الفصل الرابع

8 0 00

الفصل الرابع

البحث عن الحقيقه

أول مرة أدخل جامعة الخرطوم منذ عودتى، لكن سبحان الله لم يتغير فيها شيئ، حتى ليخيَل الىَ إننى سمعت أصوات أحاديثنا ومشاجراتنا فى ممراتها، ◌َ

وحتى خوفنا من النتيجة، كان ساكنا فى جدرانها، كنت أحس بألفة مع المكان، ما

أجمل الأيام التى عشناها هنا، كانت مفعمة بالأحلام، وأنا من القلائل الذين حققوا

أحلامهم، الأحلام هذه الكلمة ذكرتنى بطارق المغربى، ووجدت نفسى تلقائيا

أذهب الى كلية القانون وإلى القاعة الرئيسية بالتحديد، كانت خالية من الطلبة،

ولكنها كانت أسوأ مما تركناها، وسمعت صوته يقول: حلمك الأدنى جعلك تترك

مكانا أسوأ، أنت تملك الإختيار أنت تملك الزمن فاذن أنت الأقوى وأنت الأغنى،

آه يا طارق ماذا فعلت أنت بالإختيار والزمن، لقد فشلت كما قال أبى، أعلم انك

حاولت بشرف ولكن النتيجة كانت الفشل وليس أى فشل، إنه فشل ألحق الاذى

بكل من حولك، ألم تفكر بمنى أو أهلك، لا .. أنت أمنت بنفسك لدرجة الغرور،

أنت لم تكن ترى أن هنالك أى إحتمال للفشل، إذن لست وحدى المغرورة، أعترف

بأنى مغرورة ولكننى نجحت تعاملت مع واقعى بوعى ونجحت، أما أنت لقد

حاولت باخلاص وأعتقد إنك قاربت على النجاح ولكن ما الذى قلب الطاولة على

أحلامك، هذا ما سأحاول أن أعرفه، ذهبت إلى كلية الإقتصاد ونظرت إليها من

الخارج، الآن أستمتع بهذا الإحساس إننى الأكثر نجاحا فى كل من أعرفهم منكم،

شعور جميل جد اً أن تعمل فى الجامعة التى تعلمت فيها لم يكن لى سوى مادة

واحدة أقوم بتدريسها، ولكنها البداية، قبولى بهذا الوضع ليس تنازلا بقدر ماهو

تغيير فى الإسلوب، سأحاول بقدر الإمكان الإبتعاد عن الحلول الصدامية، هذا

البلد ليس مطلوب اً فيه النجاح، المطلوب هو ألا تخسر، فعدم الخسارة هى النجاح.

أواخر شهر مايو كان يوم زواج حامد وفدوى، وكان مليئاً بالأحداث أكثر

مما توقعت، كان العرس فى فناء بيت أسرة فدوى، كان العروسين يجلسان على

العنقريب وهو سرير من الخشب منسوج بالتيل ومفروش عليه ملاءة حمراء لم

تكن فدوى تلبس فستان الزفاف، وكذلك حامد لم يلبس البدلة التقليدية، ولكنه زواج

بلدى حيث إرتدت العروس الثوب السودانى، كبدى اللون به خطوطا ذهبية وكان

نقش الحتاء يغطى كفيها وأصابع يديها وقدميها التى كانت تنتعل فيهما حذاء

كبدى، وكان حامد مرتديا جلابية بيضاء ويضع شالا على كتفه ويربط هلالا

حول جبينه أيضا، وطاقية بيضاء تعلو أ رسه، وكانت الحناء تغطى يديه وفى

قدميه مركوب من جلد النمر، وكان ممسكا بسيف مجدول حول مقبضه شرائط

حمراء. وأخذ الفنان يغنى وهو يعزف على الطنبور وكان غناؤه حماسيا جعل

الحضور يغنون معه، وقام العريس محيا الحضور بسيفه، تأملت حامد لقد

إستطاع أخيرا أن يتلمس الفرح فى حياته، كان يهز فى وسط الحلبة بسيفه كأنه

ملك الدنيا و رايت هالة ووالدته ترقصان معه، أخيرا إستطاعوا أن يتخطوا ما كانوا

فيه، كنت جالسة خلف فدوى وأمسك بحقيبة المكياج لها فقد كان الجو حارا مما

دعى الى مراجعة مكياجها كل حين، وجاءت سامية وسلمت ومعها عماد، ورغم

أن عماد كان من طلبة كليتنا إلا أنه كان منحازا الى شلة طارق، وقد كنت أقابله

مع منى أو فدوى ولكن لم يكن بيننا غير التحية العابرة، وآخر ما أذكره عنه، إنه

إعتقل مع عباس وطارق، ومن ثم بدأنا فى إجتماعاتنا السرية للتظاهر للافراج

عن الطلبة المعتقلين، مما أدى الى سفري الى لندن، ولكنه سلم علىَ بحرارة كأننا

كنا أصدقاء، وقال: سامية أخبرتنى إنك عزة الرشيد ولكننى لم أصدق. كانت

سامية قد جلست بالقرب من فدوى وهما تتحدثان بصوت هامس مستغلة أن حامد

فى حلبة الرقص، ولم أعرف بماذا أجيبه فقلت: أهلا وسهلا. فقال محاولا مواصلة

الحديث معى: سامية أخبرتنى أنك تفاجأت بوفاة طارق فلم تعلمى إلا يوم زفاف

منى.

قلت : فعلا. أحسن الله عزائكم.

قال: وقالت إنك تبحثين فى سبب الوفاة. أحسست أن سامية لا يمكن أن تؤتمن

على سر، تضايقت منها، بل جاءنى احساس بأنه وسامية إتفقا على شىء

بخصوصى. فقلت كمن لا يهتم: كان لدى فضول لمعرفة ما حدث. جاءت سامية

وأخذت حقيبة المكياج منى ورجعت إلى فدوى ولكنى لاحظت النظرة التى تبادلتها

مع عماد.

قال بلهجة لم تعجبنى: يمكننى أن أساعدك، فقد كنت صديق طارق.

قلت بسخرية: إذا كنت صديقه فلماذا لم تتحرك كل هذه المدة، كنت تنتظر

عودتى.

ظل صامتا ينظر الى بدهشة، فلم يتوقع هذا الهجوم وأحس بالحرج فقلت محاولة

أن أعرف ماذا ينوى هو وسامية: إذا كنت صديقه فكيف لا تعرف كيف مات.

فرد سريعا: لأن طارق منذ خروجه من السجن إبتعد عن الجميع، وقد أرجعنا ذلك

لأنه تعرض لتعذيب وضرب مبرح.

قلت: ألم يكن التعذيب شاملا الجميع.

قال: كلا، وذلك لأنه أعتقل بواسطة العميد فريد النمر، وهو شخصية يهابها

ضباط الأمن أنفسهم. صمت ولم يكن لى رغبة فى متابعة الحديث، فأنا أحتاج

من كان قريبا من طارق فى أيامه الاخيرة.

قال: اليس لديك سؤال أخر.

قلت: عندى ولكنك لن تقول الصدق فلذلك لا داعى لسؤاله.

فقال متحديا : جربينى.

فقلت : ما الذى إتفقت عليه أنت وسامية وجئت لتعرفه منى.

نظر الى باستغراب وقال: كنا نريد أن نعرف إذا كنت تأكدت من إنتحاره أم لا،

لأن سامية تعتقد إنها لم تساعدك بالذهاب معك الى أهل طارق فانك لن تخبريها

شيئا، ثم أردف قائلا: ولكن كيف عرفت ذلك؟.

قلت: الشىء الواضح لدكتورة مثلى لا يكون واضحا لربة منزل. كنت أعلم أنه

سينقل الكلام الى سامية، ولم يعجبنى إسلوبها فلذلك تعمدت إهانتها. إنسحب

عماد وهو ينظر الى برهبة فقد تركت لديه إحساس بأنى شخصية أكبر مما كان

يعتقدها فى نفسه. ثم ما لبثت أن قامت سامية وخرجت خلفه، جلست مع فدوى

وقلت لها: أين سيكون شهر العسل. قالت ضاحكه: ولا شهر ولا يحزنون، كلها

أسبوعين فى كسلا، ولكنى سأسكن قريبة منك فى برى فقد إستأجر حامد شقة

هناك.

قلت: ولماذا لا تسكنون فى بيتهم، فهناك بيت خالى ومجاور لأهله، أم إنك بدأت

فى أمور النسب وتريدين إبعاده عن أهله.

قالت وهى منفعلة: والله أنا من طالبته بذلك، ولكن حامد رفض بشدة، حتى أننى

كلمت والده بأن إبنه لا يريد السكن هنا، ولكنه لم يعلق وكانت هالة موجودة

فاسأليها.

قلت: ربما لا يريدون مضايقة والدته، فهى تنتظر عودة طارق.

قالت: هى موافقة، فأنت لا تعرفين كم غيرها هذا الزواج، فقد أعادها الى الحياة

ثانية، حتى أن هالة قالت إنها أصبحت تقول المرحوم طارق. نظرنا أنا وفدوى

الى حلبة الرقص كانت تهز مع إبنها وهى تضحك.

ولكنى إستغربت أن يصر حامد على أن يسكن بعيدا، ثم فجاءة تذكرت عندما

ذهبت الى المخزن فى ذلك المنزل هالة لم تتبعنى، بل ظلت واقفة بعيدا، حتى

أننى ظننت أنها تعتقدنى فضولية، لا الحقيقة أن هناك شىء حدث فى هذا

المنزل، بل فى غرفة المخزن، هل مات طارق هناك ثم أخذوه الى المنطقة

الصناعية وحرقوه. عندما فتحت تلك الغرفة لم يكن بها شيئا غير الغبار الذى

يغطى بعض الأثاث المحطم، كانت مهجورة لم يدخلها أحد منذ سنين، حتى أن

بيوت العنكبوت منتشرة في أثاثها، وطرات لى فكرة مجنونة، سأذهب الى بيتهم

الآن، ولكن قبل أن أتحرك رايت سامية قادمة نحوى من بعيد والغضب يتطاير

من عينيها، فقلت لفدوى: إذا لم تمسكى سامية الآن فلا عرس ولا يحزنون. نظرت

فدوى إلى سامية وهى قادمة ، وقالت وهى تضحك : ماذا فعلت لها؟ . قلت:

أحمينى وسأخبرك لاحقاً. وبينما كانت العروس تلوح لسامية وهى ترجوها أن

تساعدها فى مظهرها، كنت قد عبرت حلبة الرقص وخرجت الى الشارع وقفزت

فى سيارتى، وإتجهت الى الصحافة. ركنت السيارة بعيدا من المنزل، وأخرجت

بطارية كان خالد يحتفظ بها فى صندوق السيارة، ودخلت من الباب الذي كان

مفتوحا كما توقعت كأى بيت عرس، كان الموجودون هم الاطفال نائمين على

الأسرة الكثيرة المبعثرة فى الحوش، والنساء المسنات يقمن على حراستهم ،

فالشباب جميعهم فى الحفل، وكنت أعلم طريقى جيد اً فى الظلام ولكن ما أن

أقتربت من الباب الفاصل بين البيتين، حتى سمعت صوت حاجة نائمة تحت

الشجرة تقول: الى أين تذهبين؟.

تسمرت مكانى لحظات وقلت: الى الحمام يا خالة لأن الحمامات هنا مشغولة. لم

أسمع صوتها فتأكدت إنها صدقت كلامى ودخلت الى البيت الثانى، وإتجهت

مباشرة الى المخزن، وفتحت بابه بهدوء فقد كان له صريرا حادا يصدر منه

وأغلقته خلفى، كان الظلام دامسا أشعلت البطارية وأخذت أتفحص المكان كان

يوجد كرسى واحد سليما ملقى فى منتصف الغرقة وكان باقى الأثاث عبارة عن

كراسى وأسرة مكسرة، وتسريحة مكسور زجاجها وبعض الملابس القديمة، ثم

لاحظت كمية من الحبال، التى تميل إلى السواد فى جانب منها، هل يمكن أن

يكون هذا دما، وكان هناك بكرة لشريط لاصق، ثم أ ريت كومة الملابس ملقية

على الأرض بها بقع قاتمة، خمنت أن تكون دما، أدخلت أحد الحبال وقميص

إلى شنطة يدى، وهممت أن أخرج، ولكنى سمعت صوتا فى الخارج، أطفات

البطارية كان الظلام دامسا وأحسست بالخوف وشعرت بعنكبوت يسير على

قدمى، ولكنى ظللت صامتة أترقب، كان هناك صوت خافت قادم من أمام الباب،

كتمت أنفاسى وألصقت أذنى بالباب، سمعت صوت خطوات بطيئة تقترب من

الباب، كان الباب مكون من ألواح خشبية متراصة، فنظرت بين الفراغات و رابت

شخصاً يسند يديه على الباب، وأدركت الصوت كان لوالد طارق، كان يقرا آية

الكرسى ثم أخذ يبكى، شعرت بأشياء تمر فى قدمى، وتصبب العرق منى، ألم

يجد هذا الرجل إلا هذا اليوم، وإلا هذه الساعة ليبكى هنا،ثم رايته يجثو على

ركبتيه وما زالت يديه على الباب، وكان يتمتم بشىء مبهم يغطى عليه صوت

بكائه فنزلت بجسمى وألصقت أذنى بالباب، محاولة أن أسمع ماذا يقول، كان

يقول سامحنى يا ابنى، بصورة متكررة .إذا فعلا إن الوفاة حدثت هنا، وفجأة

سمعت صوت أنفاسه تتصاعد ثم سقط جسمه على الأرض، سمعت دقات قلبى

فى أذنى، يبدو أنه توفى، يا لحظك العاثر يا عزة، ما العمل، نظرت من خلال

الباب كان جسمه هامداً بلا حراك، إنتظرت ولكنه لم يتحرك، حاولت أن أفتح

الباب ولكن جسده كان ثقيلا خلف الباب مباشرة، يا للفضيحة أصبحت سجينة،

كيف سأفسر وجودى هنا، سيتهمونى بقتله خصوصاً إذا ثبت أن البقع فى

الملابس هى دم طارق، سيقولون قتلت الإبن ثم إكتشف الأب ذلك فقتلته، ولكنى

كنت فى لندن، كنت أتصبب عرقا يجب أن أرتب أفكارى، أخذت نفساً عميقاً، لم

يكن لى خيار غير الخروج، أشعلت البطارية كان هناك شباك على اليمين ولكن

حتى أستطيع تحريك ما يوجد أمامه من أثاث ستكون الشمس قد أشرقت، هذا إذا

لم يستيقظ كل من فى الحى، لابد أن أفتح هذا الباب، ألقيت بكل ما أتانى الله من

قوة على الباب الذي بدأ يتحرك قليلا، وأستطعت أن أخرج راسى ولكن بعد أن

شعرت أن جلد رقبتى قد نزع، كان الهواء نقيا فى الخارج مما زادنى قوة أستطعت

أن أخرج جسمى وإن كان ثوبى قد تمزق بتعلقه ببعض المسامير الموجودة على

الباب وأحسست بخدوش فى اليدين ورقبتى، أبعدت جسده من الباب ثم دخلت

وأخذت شنطة يدى وأدخلت البطارية فيها، أغلقت الباب، وهممت بأن أهرب،

ولكن شيئا ما أوقفنى، أمسكت بيده لأعرف إن كان هناك نبضا، لم أشعر بأى

نبض، ولكنى ضغطت على صدره كان هناك نفسا فى صدره، الحمد لله ما زال

حيا، حاولت أن أرفعه ولكن لم يعد لدى من القوة ما أحمل به نفسى، ولكن ماذا

أفعل إذا أسعفته سيفتضح أمرى، لم يكن هناك من خيار سوى أن أصيح:

ألحقونى.

تجمعت حولى النساء فى ثوانى، ومع أن منظرهن لم يكن ليوحى أنهن

يستطيعن المشى، إلا إنهن ساعدننى لنقله الى الباب، فذهبت وأحضرت السيارة،

وإنطلقت إلى المستشفى وما أن أدخلته إلى قسم الحوادث، حتى لاحظت أن

الجميع ينظر إلى وما أن نظرت الى ثوبى الأبيض حتى عرفت السبب فقد كانت

الدماء من الخدوش على رقبتى وجسمى حولت لونه الى الأحمر، وطلبت منى

الممرضة أن أحضر قطنا وشاش من الصيدلية المقابلة للمستشفى حتى تضمد

جراحى، وما أن أكملنا ذلك حتى جاء الطبيب المناوب، ليقول أن صحة الحاج

على ما يرام وأنه سيبقى تحت الملاحظة فى العناية المركزة، وطلب وضع

عربون للمستشفى حتى يكمل العلاج، لم أكن أحمل مالا ولكنى وضعت ساعتى

وأسورتى كضمان، حتى أحضر المال صباحا، قدت سيارتى وإتجهت الى العرس

كانت الحفلة قد إنتهت، ورايت المدعوين يخرجون، إنتظرت فى السيارة فلم يكن

منظرى يسمح بنزولى إلى الناس، ثم شاهدت العروسين يركبان سيارتهما ويتجهان

الى الفندق، لم أكن أنوى إخبار حامد شيئا، فلا أريد أن أفسد له ليلة عرسه، ثم

رايت هالة فناديتها، وأخبرتها أن أباها فى المستشفى، أحضرت والدتها سريعا

وذهبنا الى هناك، إتصلت بوالدتى أخبرها بأننى سأقضى الليلة مع هالة لأنها لو

راتنى بهذا المنظر فلن أترك بسلام، وجلسنا فى غرفة الإنتظار، وكانت والدتها قد

اتخذت من إحدى الكنبات سريرا لها ونامت فى لحظات كان واضحا إنها مرهقة

الى أقصى درجة، ثم لاحظت هالة الدماء على ثوبى، ثم رات يداى ملفوفتان

بالشاش، فصاحت: ما هذا؟ لم أستطع أن أقول شيئا. نظرت إلىَ باستغراب ثم

سألتنى: كيف عرفت أن أبى فى المستشفى؟.

قلت: لأنى من أحضرته.

قالت: هل كنت فى منزلنا؟.

إحمر وجهى خجلا وقلت لها: نعم .

قالت كأنما ترانى لأول مرة: لماذا؟.

رويت لها تفاصيل كل شىء منذ تحركى من العرس، ولكنها لم تستقبل الأمر

بارتياح

قالت بغضب: هل هذا يعطيك الحق فى إقتحام بيوت الناس.

قلت لها محاولة إمتصاص غضبها: أنظرى إلى الأمر بأنه القدر، إذا لم أكن

موجودة، لما إستطعت أن أنقذ والدك. ظلت صامتة كان واضحا أنها لا تريد

الحديث معى فقلت لها مستعطفة وأنا أمسك يدها بين يدى: يا هالة قد أكون

مخطئة ولكن صدقينى إن وفاة أخيك ورائها أكثر مما يبدو لك فساعدينى بدلا أن

تغضبى منى، على العموم أنا أسفة. ولكنها لم ترد، شعرت بأنه يجب أن أتركها

فهى لا تريد حتى النظر فى وجهى وأصبح خيارى الوحيد العودة الى البيت، قدت

السيارة بهدوء الى المنزل كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة صباحا، أوقفتنى

خلالها نقاط التفتيش عدة مرات، تركت السيارة أمام البيت بدلا من إدخالها حتى

لا أحدث صوتا وتسللت الى غرفتى بهدوء، كان الجميع نياما، بدلت ملابسى

وأخفيتها تحت السرير، إستعدادا لتحقيق الوالدة معى غدا، إستلقيت فى السرير وأنا

أفكر فلو أن إهلها هم من قتلوه فاننى أكون قد إرتكبت أكبر خطأ على الإطلاق،

بل إننى أصبحت أمثل خطرا عليهم وذلك يعنى أننى أيضا فى خطر. ولكنى لا

أعتقد ذلك فقد قالت لهم هالة عند سماع خبر وفاة طارق أنتم السبب، وذلك يعنى

أنهم تسببوا فى وفاته، ولكن لو كانوا قد قتلوه لقالت ذلك مباشرة، أنتم قتلة أو قتلتم

أخى أو مثل ذلك، ولكن الشىء المؤكد أن طارق، كان موجودا هناك، أجل لقد

كان مسجونا لأن الحبال كان بها دماء، قفزت من السرير وأخرجت من حقيبتى

القميص والحبل، كانت بهم بقع داكنة ولكنى لست متأكدة من أنها دماء، فجأة

تذكرت أن هناك معلومة لم أنتبه لها أن من أعتقل طارق اسمه فريد النمر، فذلك

يعنى أنه قد يكون مسؤولا عن مراقبة طارق، وبالتالى يمكن معرفة شيئا منه،

خصوصا أن جهاز الأمن قد حل ولم يبقى منه شيئ، ولكن إذا كان فريد النمر

هو المسؤول عن تصفيتهم فبالتالى سأكون قد أبلغته بأن عليه أن يقتلنى،

أحسست بالخطر يجب أن ألتزم الحذر فالأمر يتعلق بجريمة قتل، وليس قصة

أتسلى بأحداثها، تمددت على السرير وأنا أحس بألم فى يدى الإثنتين، وساورنى

خاطر أزعجنى إذا كان أهل طارق هم القتلة فاننى فى خطر الآن.

إستيقظت باكرا وقررت أن أهاجم والدتى قبل أن تأتى وترى اليدين

ملفوفتين، نزلت السلم سريعا، ووجدتهم جالسين يشربون شاى الصباح على أنغام

الإذاعة، نظروا الى بدهشة فلم يكونوا يعتقدون بأنى موجودة، تجاهلت نظراتهم

وجلست وصببت الشاى، وما هى إلا لحظة حتى صاحت والدتى فزعة: ماذا

حدث ليديك؟.

قلت كأنما الأمر لا يستحق السؤال: حادث بسيط. قفز خالد الى الخارج ليرى

السيارة ثم عاد وهو ينظر الى أبى وقال: السيارة سليمة.

قلت له بابتسامة: الصبر ياربى، لم أقل أن الحادث فى السيارة.

صرخت والدتى بنفاذ صبر: ما الذى حدث؟.

قلت: سقطت على السلم، وستسألينى أى سلم، وأقول لك سلم المستشفى،

وستسألينى وماذا كنت تفعلين فى المستشفى، كنت أحمل والد هالة لأنه تعرض

لأزمة قلبية وهو الآن فى العناية المركزة، وستسألينى ولماذا لم تحمله هالة، لأنها

كانت فى العرس. وذهبت أنا الى بيتهم لأحضر شنطة العريس، وتفاجأت بأن

والد هالة يعانى من أزمة قلبية.

صمتوا جميعا، ومد والدى يديه وأمسك بيدى ثم فك الرباط كانت يدىَ بها

خطوط حمراء من الكف حتى المرفق. صمت والدى فقد كان مرتابا ولكن قصتى

لم يكن بها أى شك خصوصا بأنى قلت لخالد: أريدك أن تأخذ هذه النقود وتدفع

حساب المستشفى لمدة أسبوع وتعيد لى ساعتى وأسورتى.

قالت والدتى: ولماذا تدفعين الحساب؟.

قلت: حامد سافر بدون أن يعلم أن أباه فى المستشفى، وهالة ووالدتها لا أعتقد

فى مثل هذا العرس يكون تبقى لهم شيئا.

تحدث والدى لأول مرة وهو يربت على يدى قائلا: بنتك تعرف الواجب. ثم خرج

هو وخالد، كنت أعلم أن أبى مرتاب فى الأمر، ونظرت إلى والدتى التى كانت

تتفحصنى كأنما ترانى لأول مرة وقالت: تغيرت ياعزة. كنت تخبرينى بكل شىء

والآن أصبحت لا أعرف شيئا، أحسست بأنى مذنبة فى حقها، ولكن لايمكننى أن

اخبرها بما أقوم به.

لم يكن لدى ما أفعله فى الجامعة بعد تقديم محاضرتى، فأصبحت

أخصص ساعات لأسئلة الطلبة، ثم بدأت أساعدهم فى فهم المواد الأخرى، مما

أكسبنى حب الطلبة، وكسب صداقتهم خصوصا أنهم قالوا إننى الأقرب سنا لهم

ولذلك يرون من السهل التعامل معى ولكنه أثار على زملائى الذين كانوا لا

يجدون الوقت لذلك لعملهم فى التدريس لأكثر من جامعة لأن مرتب الجامعة لا

يسمن من جوع، ثم طلب منى إتحاد الطلبة أن أشارك فى سمنار عن إقتصاد

الدول النامية بالمشاركة مع دكتور من جامعة الخرطوم وأحد مسوؤلى الامم

المتحدة، كان المطلوب منى التحدث لمدة لا تزيد عن العشرين دقيقة، وأصبحت

مشغولة بالتحضير لهذا الحدث وأحاول أن أجمع أرقام تساعدنى فى هذا

الموضوع ولم تكن مهمتى سهلة حيث تفتقر هذه الدول لمعلومات عن تعداد

سكانها، ولكنى كنت سعيدة للغاية بهذه المهمة، خصوصاً عندما رايت إسمى

مكتوبا على لاقتات تدعو للحدث فى الجامعة، ومع أن إسمى كان متزيلا الترتيب

وأصغر حجم اً إلا إننى أحسست بأنى أسير فى الطريق الصحيح، كان والدى

محقا فى أن العمل والعمل فقط هو ما يحقق المصالحة مع النفس، كانت

المحاضرة بدار إتحاد الطلبة، ورغم أننى ظللت أحضر لهذا العمل أكثر من

إسبوعين، إلا أننى أحسست بأن العشرين دقيقة ذهبت فى ثوانى، فقد كانت كلمتى

قى بداية الندوة، ثم إنتقل الحديث الى الأخرين، ظللت جالسة أتأمل الحضور لم

يكن الحضور كبيرًا فلم يتعدى المائة شخص وأغلبهم من طلبة الإقتصاد، مع

أننى كنت قد شاهدت هذا المكان مكتظاً بالالاف فى الندوات السياسية، ولكن

وجود كاميرا التلفزيون الذي كان يصور الندوة خلق جوا من الجدية والسكون، كان

الحديث فى الإقتصاد ليس بالشىء الشيق، حتى إن خالدا عندما يرانى أنظر اليه

يمثل بأنه نائم، كان جالسا فى الصف الخامس وبجواره أمى وأبى، كانت أمى

تنظر إلى بفخر وهى ترانى أجلس على المنصة، وكان والدى يصغى باهتمام

للمحاضر، وأخذت أتجول بنظرى فى الحضورلم أكن أعرف منهم أحدا ثم أخيرا

عثرت على من أعرفه كان عماد يجلس فى المؤخرة وتذكرت أنه خريج إقتصاد

ولكن فجاءة لمحت عباسا كان واقفاً خلف عماد وما أن رآنى أنظر اليه حتى

خرج مسرعا، لقد جاء بدافع الفضول، ولكنى لن أضيع هذه الفرصة من يدى،

كتبت فى ورقة أطلب الإذن من مقدم الندوة لمدة خمسة دقائق، أرجع الورقة الى

ممهورة بالموافقة، نزلت من المنصة وأسرعت الخطى، وما أن خرجت الى شارع

النيل رايته على بعد حوالى ثلاثمائة متر يسير وحيدا يدفن يديه داخل جيوبه،

هرولت إليه وما أن أصبحت خلفه حتى قلت له : عباس إنتظر.

نظر إلىً بعدم إكتراث، ثم واصل المسير.-

قلت: إذا كنت لاتبالى فلماذا جئت الى الندوة.

قال وإبتسامة ساخرة على وجهه: صدفة كنت مع عماد وقال إنه يريد حضور

الندوة ، لا تعتقدى أن أفكر يوما بحضور من لا يفعلون شيئا غير الكلام .

كنت قد وصلت اليه فأعترضت طريقه وسألته بطريقة مباشرة: لماذا تكرهنى، إن

ما حدث لكم لادخل لى به.

قال منفعلا بغضب: لا دخل لك بماذا، أتعتقدين إننا كنا نريد أن نبنى قصرا لنا،

لقد كنا ندافع عن وطن مسوؤليته واقعة على الجميع، أترين هذا المحاضر الذى

يتحدث الآن وكأنه يملك النجاح، كان كلما حدثت مظاهرة فى الجامعة، يخاف

على سيارته فيقودها مسرعا الى بيته، بينما نحن لم نخاف على حياة أو مستقبل

ليس لأنه لايعنينا ولكن لأن البلد تستحق أن نضحى من أجلها، وأنت هل يوما

سألت نفسك لماذا كنا نسافر الى أقصى الغرب ونرى الناس يأكلون من جحور

النمل، هل كنا سواح نريد أن نتفرج على أهلنا يموتون تحت حكم العسكر، ألم

تسألى نفسك يوما أن فشلنا نتيجة لقلتنا، لأن كل منكم قال لا دخل لى به، أذهبى

يادكتورة الى حزب الكلام، وأفرحى بأسمك على اللافتات.

دفعنى جانبا بعنف وواصل سيره، لأول مرة أحس بالهزيمة أمام عباس، لم أتقبلها

فسرت خلفه وصحت: سؤال أخير يا عباس.

توقف وإلتفت نصف إلتفاتة كأنما يقول أسرعى وخلصينى، يجب أن أثبت أى

شىء، لم يكن لدى سؤال محدد ولكنى يجب أن أختار سؤالا يحس به أننى أعرف

أكثر، فتقدمت اليه ببطء حتى أكسب وقتا فى التفكير، وقلت: أعلم بأننى لن

أحصل منك على أى معلومة بخصوص طارق، لذلك أطلب منك عنوان من

يستطيع أن يساعدنى، بدأ الاهتمام عليه ولكنه ظل صامتا.

فقلت: أريد عنوان ياسمين الكفيفة.

وكأنما حكيت له طرفه، إنفجر ضاحكا حتى أدمعت عيناه وجلس على أمشاط

قدميه، ثم وقف وهو يضحك وقال: لن أخذلك، ثم أكمل ضحكته التى لا أفهم

منها شيئا ثم صمت فترة وهو ينظر الى وقال: مقابر محمد نجيب.

ثم ذهب مسرعا وهو يضحك، ظللت أراقبه وهو يسير باتجاه كبرى النيل الازرق

حتى إختفى، لقد هزمنى هذه المرة، وعندما حاولت أن أنقذ نفسى بسؤال ليعلم

أننى أعلم أكثر مما يعتقد، عاجلنى بالقاضية، لقد ماتت هى الأخرى، هل

يشركون كفيفة معهم فى الإنقلاب، تذكرت الندوة ولكن عباس جعل إحساسى بها

مرًا.

إستيقظت باكرا أو بالإحرى كان نومى متقطعا، فعباس أدخلنى فى الإحباط

ثانية بعد أن ظننت بأنى قد تخطيته، ولكننى لن أستسلم سأثبت لك ياعباس أننى

لست كما تعتقد، وقررت أن أبدأ بكلام عباس ربما كان يكذب ليخفى شيئا، لم

يكن لدى عمل فى الجامعة، فذهبت الى المقابر لأتأكد من كلامه، لم يكن بها

أحد وكان هناك سورًا قصيرًا حولها قدت السيارة حولها، حتى وجدت فى شارع

جانبى شيخا كبيرا فى السن يجلس أمام بقالة ويقرا الجريدة، فنزلت من السيارة

وأخبرته أننى عدت من الخارج وأبحث عن قبر قريبتى حتى أقرا عليه الفاتحة

تقدم معى الى المقابر وسألنى ما إسمها لم أكن أعرف إسمها بالكامل، ولكنى

قلت له ياسمين عبدالله، فلم يكن إسم ياسمين شائعا بين الأحياء فما بالك

بالأموات، وسألنى فى أى عام توفت، ولم أكن أعرف هذا أيضا ولكنى قلت فى

نفسى سيكون نفس وقت وفاة طارق فأخبرته فى عام أربع وثمانين أو خمسة

وثمانين ، فقال وهو يشير إلى جزء من المقابر: سيكون فى هذا المكان

ستلاحظين على شواهد القبور أن الوفيات فى هذه الفترة، ثم تركنى وذهب، كان

المكان واسعا جدا، رايت طلبة مدارس قادمين فقلت لهم: هل تريدون نقود اً.

قال أكبرهم حجماً: طبعاً.

قلت: ساعدونى فى البحث عن قبر مكتوب عليه ياسمين، وسأعطيكم ما تريدون.

بدأنا البحث وتفاجأت أن هناك حاجة توفت بعد السبعين وتدعى ياسمين، ثم

مضى الوقت فبدأت أقتنع بكذب عباس إنه يريد أن يضللنى، حتى لا أكتشف ما

حدث لطارق، ولكن فجاءة صاح أحد الطلبة، وجدتها، إندفعنا جميعا ناحيته،

وصعقت بل كاد قلبى أن يتوقف وأنا أقرا الشاهد ليس لأن تاريخ وفاتها بعد طارق

بيوم واحد، ولكن من الإسم المكتوب على الشاهد كان إسمها ياسمين فريد النمر.

ما أن وصلت الى المنزل حتى وجدت فى إنتظارى وصال زميلة هشام،

فأخبرتنى بأن هشام فى السجن وقد ذهبت إلى زيارته فطلب منها إحضارى فى

الزيارة القادمة. فسألتها : متى تم إعتقاله؟.

قالت: لم يعتقلوه فهو من سلم نفسه، وأخذ حكما مخففا لمدة عامين بعد أن أرجع

جزء كبير من الأموال التى أخذها.

ثم أضافت: هذا رقم تلفونى، والزيارة يوم الجمعة، إتصلى بى لنذهب معا. خرجت

وصال وتركتنى فى حيرة، هل لزيارتى له تأثير فى هذا القرار، أم إنه كان سلفا قد

قرر ذلك، إتصلت بى فدوى تخبرنى بأنها قد رجعت من شهر العسل، وهى تقيم

بشقتها فى برى، فكرت بأنه حان الوقت لمواجهة حامد، ولكنى فضلت بأن أسألها

عن عنوان عماد فيجب أن أسأله أولا عن فريد النمر، فذهبت إليه حيث كان

يعمل فى أحد البنوك فى وسط الخرطوم، وما أن رآنى حتى أصابته الدهشة،

كانت هناك مجموعة من الكراسى فى صالة البنك عند المدخل ففضلت أن نجلس

عليها رغم إصراره علىّ بالدخول الى مكتبه ، كان يجلس أمامى كالتلميذ رغم أنه

يفوقنى خبرة وسنا ينتظر أن أقول شيئا فقد أصبح لا يستطيع توقع تصرفاتى،

فقلت له: لقد جئت أسألك عن علاقة فريد النمر بطارق قبل الإعتقال وبعده،

صمت لحظات ثم قال: لم يكن هناك علاقة قبل الإعتقال، أما بعد الإعتقال فكما

قلت لك أن طارق كان بعيدا منى ،يمكنك سؤال عباس عن هذا الأمر.

قلت: أليس هو من إعتقل طارق فكيف تؤكد بأن لا علاقة بينهما.

قال: لأن عند الإعتقال كان أول لقاء بينهما، هذا ما رواه لى طارق فى السجن،

كنا نسير فى المظاهرة التى خرجت من الجامعة وسرنا فى شارع الجامعة نريد

الوصول الى السوق العربى، حيث عندها تتحول المظاهرة من مظاهرة طلابية

الى مظاهرة شعبية وقبل وصولنا الى هناك نزلت قوات مكافحة الشغب التى

إنهالت على الطلبة والطالبات بالقنابل المسيلة للدموع وبدأت بالضرب باستخدام

العصى، كان هجومهم همجياً لدرجة أننى أ ريت بعض الطلبة والطالبات ساقطون

على الأرض بلا حراك فهربنا أنا وعباس وإفترقنا عن طارق، ولكن عباس كان

مستهدفا فقد ظل الجنود يركضون خلفه، وكان على أن أفارقه حتى لا أعتقل

ولكننى لم أتمكن من ذلك، وفى النهاية حوصرنا فى أحد المنازل بحى الخرطوم

شرق، وكنا حوالى سبعة أشخاص كنت أنا وعباس من ضمنهم، وبقينا محتجزين

فى إحدي الشاحنات حتى المساء عندها رحلنا الى السجن مباشرة، وهناك وجدنا

طارق، الذى كان غاضباً جد اً، وكان قميصه الأبيض ملطخا بدماءه فلم يكن يريد

أن نكون جميعنا معتقلين، وكان قلقا جدا فى السجن كأنما ينتظر شيئا أو هناك

شيئا يجب أن يفعله، كان يدور فى الزنزانه كالأسد السجين، بعكسى أنا وعباس

فقد كنا كمن نقضى عطلة، فقد كنا نقضى يومنا فى لعب الورق، ولكن طارق

كان يجلس وحيدا يفكر، ثم فى الأيام التالية لاحظنا أن الحرس يتعمدون

الإحتكاك به، ثم تحول الأمر إلى تعذيب حقيقى يومياً، نعم كانوا يتعرضون لنا

فى بعض الأيام بالضرب، ولكن مع طارق كان الأمر مختلفا، يأخذه الجنود

فيختفى لمدة ساعة، ويأتى مغطى بالدماء والكدمات، ثم سألت أحد الحراس الذى

كان يحضر لنا بعض الأشياء خلسة مثل الأكل أو علب السجائر مقابل نقود كان

يستلمها من أهلنا فى الخارج، فأجابنى بأن العميد فريد النمر هو من وصى عليه

وهو شخصية يخافها ضباط الأمن أنفسهم، ثم سألت طارق عن سر كراهية هذا

العميد له، فقال طارق: الخوف إنه يخافنى.

فسألت طارق: لماذا يخافك.

فقال طارق: لأن الطريقة التى إعتقلنى بها يستخدمها الجبناء فقط.

فسألته: كيف أعتقلك.

قال طارق: عندما إفترقنا فى المظاهرة لاحظت أن الجنود يتعمدون اللحاق بى

وليست وظيفتهم تفريق المظاهرة، وإشتبكت مع أحدهم الذى أخرج سكينا، وغرزها

فى كتفى، فهربت ولكننى فوجئت بأن أكثر من خمسة عساكر يركضون خلفى مع

أن الشارع به آلاف الطلبة، أطلقت ساقى للريح فقد كنت مصرا على عدم تمكينهم

منى، وأخذت أنحرف يمبناً أو يسارًا ختى وجدت نفسى أمام القيادة العامة للقوات

المسلحة، فقررت أن أحاول الوصول إلى كبرى النيل الأزرق المؤدى إلى بحرى

بأسرع وقت ونظرت خلفى كان هناك أحد العساكر مازال يركض خلفى على بعد

مائة متر، وزميله خلفه بمسافة لا تقل عن خمسين مترا، كان يفصلنى عن

الكبرى حوالى ألفين متر، ولكنى بدأت أحس بتأثير الجرح على كتفى، وبدأت

أحس بالفتور وفى لمح البصر مرت بنا سيارة ثم توقفت أمامى فقفزت داخلها فى

الحال، ونظرت داخلها كان من يقودها رجلا فى الخمسين من العمر وبجانبه بنت

فى العشرين من العمر، إلتفت الى العسكرى الذى رايته مندهشاً وهو ينظر الى

السيارة تسير مبتعدة، لأول مرة أراه مرهقا يتصبب منه العرق، فقد كان يركض

خلفى كالآلة، كأن القبض علي هو هدف حياته، فشكرت الرجل وبدأت فى شتم

الحكومة والعسكر، ولكن لم يرد على أحد منهم، أو يلتفت أحدهم حتى لإلقاء

نظرة، فلزت بالصمت، وما أن وصلت السيارة عند نفق الجامعة عند مدخل

الكبرى حتى توقف أمام سيارات مكافحة الشغب التى كانت تمنع الدخول إلى

شارع الجامعة، وتقدم أحد الضباط وألقى التحية العسكرية على الرجل الذى يقود

السيارة التى أركبها ثم إنحنى الضابط على نافذة السيارة وفال: أفندم سيادة العميد.

فقال العميد الذى كان من المفترض أن يكون طوق النجاة بالنسبة لى: خذوه.

وأشار باتجاهى، نظر الضابط إلى حيث أشار العميد فوجدنى، إبتسم وأشار إلى

جنوده أن يأخذونى، كان العميد ينظر إلىّ من خلال مرآة السيارة الأمامية وهو

يبتسم باستهزاء، ولكن إبتسامته إختفت عندما إلتقت أعيننا، فالتفت إلى فى الخلف

ونظر لى مباشرة، كانت المفاجأة قد شلتنى مما فعله ولكن نظرتى كانت تحمل

شيئا واحدا، الموت، فقد قررت فى هذه اللحظة، أن أقتله لا أعرف كيف أو متى،

ولكنه يمثل لى أسوأ ما يفرزه نظام العسكر، أقسم لك بأنى يا قاتل أو مقتول،

ولذلك فسيادة العميد قد عرف بأنه أخطأ، فليس طارق المغربى من يفعل به ذلك،

وهذا التعذيب رسالة لى بأن أنسى ما أفكر به. صمت عماد لحظات ثم قال: هذا

ما قاله لى طارق بالحرف، وعندما إبتعد عنا، بعد خروجه من السجن أدركت بأنه

لن يترك العميد بل مصمم على قتله.

وقفت وقبل أن أودع عماد قررت أن أعطيه معلومة لينقلها إلى سامية فقلت : لم

تكن تعرف شيئا عن الإنقلاب الذى كان يعد له طارق.

قفز عماد من الكرسي وصاح: ماذا؟، إنقلاب؟ .تركته وتوجهت الى الباب ولكنه

قفز أمامى ووضع يده على الباب ليمنعنى من الخروج وقال: ليس من حقك أن

تأخذى معلومات بدون أن تعطى مقابلها.

قلت مهدده: هذا مكان عملك، وليس جميلا أن نفتعل مشكلة هنا.

سحب يده من الباب وقال:هذا ليس عدلا .

فقلت وأنا أبتسم: أنت خريج إقتصاد ويجب فى المرة القادمة أن تتعلم فن مساومة

المعلومات. خرجت من البنك وكان عماد يلاحقنى بنظراته المستنكرة لم أكن

أقصده بتصرفى ولكننى كنت أري سامية من خلاله، فهى ما أن تسمع ما دار

بيننا حتى ستبدأ بالتقرب الى فقد أحتاجها لاحقا، ركبت السيارة ثم قررت أن أبدأ

هجومى على حامد، إتجهت إلى منزلهم الجديد ببرى وكان عبارة عن شقة

أرضية فى بناية لم يكتمل فيها الدور الثانى، وما أن قرعت الجرس حتى فتحت

فدوى الباب، كانت الشقة ضيقة، لابد أن يكون هناك شيئا جللا قد حدث ليترك

حامد منزلهم الواسع ليسكن فى هذا الجحر، جاء حامد وسلم وجلس صامت اً،

فقالت فدوى: تشربين شايا أم باردا.

فقلت: أريد وجبة غداء كاملة حتى نتأكد أن العروس مؤهلة فى المطبخ كما فى

المحكمة. إبتسمت فدوى وفهمت بأنى أريد الجلوس مع حامد، وإلتفتت إلى حامد

الذى طلب منها الذهاب. ولكنها قالت: هالة كانت هنا وحكت لنا ما كان منك

يوم العرس.

قلت: والآن جئت لأعرف من حامد حقيقة ما حدث فى منزلهم.

صمت حامد كان واضحا بأنه لا يريد الحديث.

فقالت فدوى مدافعة عنه: أتريدين أن تعرفى أسرار الناس بالقوة.

وبدأ واضح اً أن فدوى تعلم بالوعد الذى قطعه حامد لى فى بيتنا مقابل مساعدته

فى زواجه منها، كانت فدوى متحفزة، فصمتت فترة من الوقت أفكر، فلو ضغطت

على حامد، سأدخل فى مشاحنة مع فدوى، فوقفت وذهبت إلى الباب، فانفجرت

فدوى غاضبة: ماذا نفهم من ذلك، هذا الإسلوب الذى تتبعينه لا يليق بك يا

دكتورة، أنا وحامد مقدرين لك مساعدتنا فى زواجنا وإنقاذك لأبيه ومقدرين لك أنك

تكفلت بعلاجه، ولكن إذا كنت تريدين مقابل خدماتك أسرار لا يريد الحديث عنها

فهذا يسمى إبتزاز. كنت قد وصلت إلى الباب وهممت بالخروج ولكن عندما

سمعت كلمتها الأخيرة غلى الدم فى عروقى فالتفت إليها بغضب وقلت: إبتزاز!،

لماذا هل لدى مصلحة شخصية فى الموضوع، إبتزاز لأنى أريد أن أسأل أخ لماذا

أخوك كان مقيدا فى المخزن ودمه يملأ المكان، لماذا تخفون الحقيقة أتخافونها،-

طارق قتل، وهذه جريمة ياسيادة المحامية، فاذا كان الفاعل أبوه أو أخوه فهذا

لايجعله سر عائلى بل جريمة قتل. أنا الآن أعطيه حق الدفاع عن نفسه، لأن

حتى هذه اللحظة هو وأبوه يمثلان عندى القتلة. نظرت فدوى إلى حامد باستغراب

فيبدو أن شيئا من حديثى لم تكن تعلم به شيئا، إن هالة لم تذكر كل شىء،

وقالت: هل كان طارق مقيدا فى المخزن؟.. كان حامد يغطى وجهه بين كفيه

فهز أ رسه بالإيجاب. فقالت: ولكنك لم تذكر لى شيئا عن هذا.

فقال: لأنك لم تسألى.

فقالت: هل أنت من قيدته؟.

فرد بحسرة: نعم. نهضت فدوى وقالت لى خذينى معك ودخلت إلى غرفتها،

ولبست ثوبها وعندما أصبحت بقربى صرخ حامد: أنتم لا تفهمون شيئا. أمسكت

بيدها وأجلستها وجلست بقربها وقلت له: الرجل كلمة، وأنت وعدتنى، والآن نريد

الحقيقة كاملة.

نظر حامد إلينا طويلا حيث كنا نجلس فى مواجهته، كان واضحا بأن ما يعنيه

هو أن لا يخسر فدوى فقال بصوت حزين: منذ أن كنا صغارا كنا نخاف والدى

فقد كان صارما معنا ومع إنى أكبر من طارق بعامين، إلا إننى أصبحت أحاول

ارضائه بأى طريقة حتى أنال رضاه بعكس طارق الذى كانت له شخصية

متمردة، فكان يفعل فقط ما يراه صحيحاً بغض النظر عن رضى الوالد عنه، ومع

مرور السنين أصبحت الإبن المدلل لوالدى بينما العلاقة بين والدى وطارق أشبه

بقنبلة موقوتة، وكان كلما حدثت مشكلة بينهما تنتهى باخراج إبى للسوط ويبدأ

بضرب طارق حتى يدمى جلده، وهذا ما جعل أمى تحاول حمايته حتى عندما

يخطىء، أصبحت تقف فى صفه طوال الوقت ضدى، كأنما تحملنى أنا مسؤولية

ما يحدث إستمر هذا الأمر حتى سافرت الى السعودية، وعندما عدت تفاجأت أن

العلاقة بينهما تكاد تصل الى القطيعة، فقد كان الحديث بينهما فقط فى تلبية

أوامر أبى، مثل هل أحضرت الجريدة؟، أو هل ذهبت إلى السوق؟، وكان طارق

يرد بنعم أو بايماءة من راسه، ولكنه بالمقابل كان يجلس مع الوالدة بالساعات،

وكان إستقلال طارق المادى إعلاناً رسمياً بخروجه عن طاعة والدى، وأصبح

والدى دائما يفتخر بى أمام أصحابه وأقاربه وكان يتجاهل طارق عمدا، بل

ويتهمه بأنه فاشل وصعلوك، حاولت أن أتحدث مع طارق بأن يحاول إرضائه

ولو قليلا ولكنه ثار وإتهمنى بأنى عديم الشخصية، وقال لى لو أن معيار الفشل

والنجاح مرتبط برضاء أبى فهو يفضل أن يكون فاشلا فى نظرهم ويحتفظ

بشخصيته على أن يكون نسخة باهتة من أبى مثلى، وإتهمنى بأن أبى سلب منى

شخصيتى، فقلت له أن الشرع والدين يأمرنا بالطاعة للوالدين وإن ما تفعله فيه

عقوق بهما، فقال لى إن الطاعة فى ما يخصهم من حياتهم إذا كان أبى مريضا

أعالجه، إذا كان محتاجا أصرف عليه ولكن أبوك يريد أن نعيش حياتنا بمنظوره

هو عن الحياة، إنه مثل جيله، جيلهم هو الفاشل، إستلموا هذه البلد من الإنجليز

كأغنى دولة فى أفريقيا والآن أصبحت أكثرها فقرا، هل تقول لى لماذا تركت

جامعتك ومستقبلك، وذهبت لتشترى منزلا ، أليس هذا مسؤوليته هو أن يوفر

المسكن، وأن يعلمك، فقلت له: ولكنه لا يملك غير راتبه وتقدم به السن فماذا

يفعل، قال لى هل هجم هذا الفقر فجاءة أم أن له مقدمات، إذا كان يكفينى هذا

الراتب اليوم، ولى زوجة وثلاثة أبناء، أنتظر فى وظيفتى ثلاثين عاما، حتى

يصبح الراتب لا يشترى رغيف خبز فأقول أن الفقر هو السبب، السبب هو، هو

من أدخل نفسه فى هذه الظروف وعلى العموم إنها حياتهم عاشوها كما يريدون

ولكنهم يضحكون على أنفسهم بأنهم ناجحون، بل ويريدوننا السير بنفس طريقتهم،

أن نعيش بمنظورهم هم عن الحياة. كانت مجادلاتى مع طارق دائما تنتهى

لصالحه، ثم كانت الكارثة إننى خسرت أموالى فى عملية تجارية ووجدت نفسى

عاطلا أجلس فى المنزل، ليس لى عمل أو شهادة، بينما طارق كان هو من

يصرف على المنزل، وجعلنى حديثه أحس بأن تضحيتى ليس لها معنى مما أثار

غضبى وبدأت أتحرش به فى كل مناسبة، وأصبح أبى يشعر بما أعانيه فأخذ هو

أيضاً يقف فى صفى ضد طارق وهو يعلم أننى مخطىء، وكان طارق ذكيا جدا

فحل المشكلة بايجاره البيت باسم جيمس فأصبحنا لا نراه إلا عندما يأتى ويجلس

مع الوالدة تحت الشجرة ويشرب معها القهوة، وكنت أجلس فى المساء أمام

المنزل، فأصبحت أري سيارات أمام المنزل المجاور وأشخاص يتقدمون طارق

كثيرا فى العمر يأتون لزيارته مساءا ويبقون داخل المنزل حتى ساعات متأخرة من

الليل، مما أثار فضولى، وكان دائما هناك من يقف على باب المنزل، فلم أكن

أستطيع الإقتراب، كنت أعلم أين يضع أبى مفتاح الباب الفاصل بين البيتين،

فأخذته وإنتظرت فى يوم كانوا جميعا بالداخل ودخلت خلسة ومن خلف الغرف

إستطعت من خلال أحد الثقوب فى الشباك أن أراهم وهم مجتمعون، كانوا أكثر

من عشرة أشخاص يلتفون حول خرائط منتشرة أمامهم على السفرة وكان جيمس

هو من يتحدث وهم يستمعون إليه باهتمام، ثم أخرج جهازا صغيرا من الشنطة،

كان أشبه بالاسلكى وأخذ يشرح لهم عنه أحسست أن الامر خطير، وأن طارقا لا

يلعب، بل تخطى موضوع الجمعيات الخيرية التى كان يقول إنهم يعقدون

إجتماعات بشأنها، رجعت إلى منزلنا وأغلقت الباب خلفى، وجلست أمام المنزل

منتظر خروجهم،وبدأوا بالخروج واحدا خلف الأخر كان يفصل بين الواحد والأخر

حوالى الخمسة دقائق، وأدركت أنه لم يتبقى غير طارق وجيمس داخل المنزل،

فرجعت ثانية أريد أن أعرف ماذا يفعلون كنت أكثر شجاعة هذه المرة فلو عرف

جيمس أو طارق بوجودى فلن أخافهم، ونظرت إلى الغرفة كانت مازالت مضاءة

فوقفت خلف الشباك ورايت طارق وجيمس يعدان فى رزم من الأموال موجودة

أمامهم ثم وضعاها فى شنطة وأغلقها جيمس وسلمها إلى طارق الذى خرج بها

على الفور، ثم رايت جيمس يجمع بعض الأوراق، سمعت صوت الباب الخارجى

يفتح ثم يغلق فأدركت أن طارق خرج، نظرت ثانية من الشباك، رايت جيمس

يدخل جميع الأوراق فى مظروف ثم رفع السجادة ونزع بعض البلاط من

الأرضية ووضع المظروف ثم أعاد كل شىء كما كان، ثم أطفأ النور وأغلق

الغرفة بالمفتاح، ثم رايت الغرفة الأخري تضىء، فأيقنت بأن جيمس يتأهب

للنوم. فعدت ثانية إلى المنزل، ولم أعرف ماذا أفعل، فقررت الإنتظار حتى

الصباح، وفى الصباح وقفت أمام المنزل حتى رايت جيمس يخرج مسرعاً، وهو

يحاول أن لا يراه أحد، فدخلت إلى منزلهم ثانية، وحاولت أن أفتح باب الغرفة

بمفاتيح أبى ولكنى إكتشفت إنهم قد غيروا جميع الأقفال، فقررت أن أكسر الشباك

الخلفى، وكان ذلك، وأخرجت الظرف من أرضية الغرفة، وقرات الأوراق كانت بها

خطة إنقلاب واضحة، وكان مكتوبا قائمة بأسمائهم ووظائفهم بعد الإنقلاب، وكان

الإنقلاب يوم واحد وثلاثين أكتوبر، لأن كل التحركات المكتوبة التى يجب القيام

بها كانت مكتوبة بالدقيقة فى هذا اليوم، عدت إلى منزلنا ومعى الظرف، لم

أعرف ماذا أفعل هل أواجه طارق وماذا سيفعل وتبقى إسبوع على موعد

إنقلابهم، لا أعتقد بأنه يستطيع إلغاء هذا الأمر حتى لو أ ارد، وكنت أعلم لو

أخبرت والدى ستكون نهاية العلاقة بينهما، وفى هذا الموقف فقط أيقنت أن طارق

كان على حق لم أستطع أن أتصرف دون الرجوع إلى والدى، أحسست بأن أبى

فعلا جعلنى عديم الشخصية، فكل ما فعلته أعطيت أبى المظروف، وهذا هو

أكبر خطأ أرتكبته فى حياتى، فما أن قرا أبى الأوراق حتى جن جنونه، ذهب إلى

منزلهم فلم يجد أحد فخرج وجاء ومعه حداد، الذي قام بتغيير كافة أقفال المنزل

فى ساعة واحدة، ثم أجلسنى معه فى منزلهم وكان فى يده الظرف وكيس أسود،

ثم ذهب وترك الباب الخارجى مفتوحا، وإنتظرنا حتى المساء عندها جاء طارق

كان يبدو مرهقا كأنه لم ينم من يوم أمس، وما أن شاهدنا طارق ومع أبى الظرف

حتى قال: ليس من حقكم دخول هذا المنزل. وقبل أن يكمل جملته صفعه أبى

صفعة جعلته يسقط أرضا، ثم إنقض أبى عليه وأمرنى أن أمسك يدى طارق،

فامتثلت لأوامره وأخرج حبالا من الكيس وأجلس طارق على الكرسى ثم أمرنى

بتقييده، ففعلت، ثم أخرج شريط لاصق من الكيس، وأغلق به فمه، كان طارق

يحاول أن يركل برجليه ويديه ولكنه كان مقيدا بطريقة محكمة، ثم حملناه إلى

المخزن، ثم خرج أبى وتركنى مع طارق للحظات، كان طارق يحاول أن يتكلم

ولكنه لم يستطع ثم رايت عينيه تتوسل أن أفعل شيئا، ولكنى لم أستطع حتى أن

أتحرك من مكانى، ثم كانت المفاجأة، جاء أبى يحمل سوطا، وأحسست أن أبى

مازال يعتقد بأن طارق فى العاشرة من عمره وليس مهندسا يصرف علينا وأخذ

أبى ينهال عليه بالضرب، حتى أصبح جسمه كله مغطى بالدماء، حاولت أن

أمنع أبى فمسكت يده ولكنه إنهال على بالضرب وأمرنى أن أخرج فخرجت،

وظللت واقفا خارج المخزن وأنا أسمع صوت الضرب على طارق، عندها فقط

آمنت بكلام طارق عن أبى، لأول مرة أراه بهذه الصورة، ثم خرج أبى وهو خائر

القوى وطلب منى أن أتصل بعباس وأخبره أن أبى يريده لأمر هام، فأتى عباس،

فقال له أبى: أن ضابطاً من الأمن أتى يسأل عن طارق ولم يكن طارق موجودا،

ثم لم يعد طارق إلى المنزل منذ أمس، وكان طارق أخبرنى إذا إختفى أو حدث له

مكروه فعباس يعرف الضابط وهو كان قد ذكره لى ولكنى نسيت. لم يشك عباس

فى كلام والدى وأعطاه إسم الضابط، لا أذكر إسمه الآن.

فقلت لحامد: فريد النمر.

نظرت فدوى وحامد الى بدهشة، وقال حامد: نعم ، هذا هو الإسم، المهم طلب

عباس من أبى أن يعطيه مهلة يوم واحد وسيتأكد إذا كان طارق قد إعتقل أم لا،

وحذر والدى من الذهاب إلى الضابط حتى يأتيه غدا بالخبر اليقين، وطمأنه

والدى بأنه سينتظر فى البيت، ولكن ما أن خرج عباس حتى أخذنى والدى الى

رئاسة الأمن، وطلب من أحد الضباط بأنه يريد مقابلة فريد النمر لأمر هام، أخذ

الضابط إسم أبى وعنوانه وإتصل بفريد النمر، ولم تمضى أكثر من ربع ساعة

حتى كان فريد النمر يجلس أمامنا، ورغم تظاهره بأنه مشغول وعلى والدى أن

يسرع فى سرد الموضوع إلا أننى أحسست بأنه يكذب فقد كان حريصا على سماع

كل كلمة يقولها أبى.

فقال أبى عندى معلومات تمس أمن البلد، ولكنى لن أتكلم، حتى تعطينى الأمان

لإبنى، لقد هربته الى أثيوبيا ولكنى أريد منك ضمانا بأن لا يرد إسمه فى أى

تحقيق أو يطلب لأى شهادة، عندها سيعود كأى مواطن عادى.

قال فريد النمر سريعا : أقسم لك هل هذا يكفيك.

أخرج أبى الظرف من تحت قميصه وأعطاه إلى الضابط، الذى أخذ يتفحص

الأوراق باهتمام ثم ضغط على زر وجاء الساعى، فطلب منه النمر تصوير

محتويات الظرف سريعاً.

ثم سأل والدى: أين وجدت الظرف؟.

فرد والدى: لقد أعطانى له طارق.

وجه فريد النمر نظرة قاسية إلى أبى ثم قال: إنك تكذب.

هم والدى أن يرد عليه ولكن فريد النمر أشار له أن يصمت. أحضر الساعى،

الظرف وما قام بتصويره، إحتفظ النمر بالصور، ثم أرجع الظرف الأصلى إلى

أبى وقال له : يمكنك أن تعيده إلى مكانه، وإطمئن سأتولى هذا الموضوع بنفسى،

وشكرا لك على تعاونك فهذا ما ننتظره من كل مواطن غيور على بلده. وما أن

عدنا الى البيت، حتى قلت لوالدى: قد يداهمون المنزل ويعثرون على طارق.

رد والدى: لن يتصوروا أنه ما زال بالمنزل ولكنهم سيخضعونا للمراقبة.

قلت: أعتقد اننا أخطأنا بما فعلناه

فقال لى منفعلا: طارق هو من أخطأ، أما أنا فتصرفت، أمامى خيارين إما أن

أنتظر فيحدث الإنقلاب وإذا فشل وأنا متأكد من فشله سأكون أنا وأنت وطارق قد

ضعنا ولا أعلم ماذا يحدث لأمك وأختك، وإما أن أبلغ الأمن بالإنقلاب وفى هذه

الحالة يكون الخطر على طارق وحده، فاذا صدق الضابط يكون قد نجا، وإذا

كان يضمر شرا فطارق مختبىء حتى نهربه فعلا، إن وظيفتى حماية هذه الأسرة

التى شقيت عمرى كله لأكونها، ويأتى أخوك الصعلوك ليدمرها فى لحظة، والآن

فى أسوا الأحوال حتى لو قتلوه سيكون من نتائج أعماله.

فقلت: ولكن زملائه قد يقتلون جميعا.

نظر إلى غاضبا حتى تغير لونه وقال: زملائه إنهم فى مثل سنى، لم يفكروا فى

أبيه، لم يفكروا كم تعبت حتى يتخرج من الجامعة، فلن أفكر بهم بالمرة بل على

العكس، أتمنى أن يقتلوا جميعا. ثم منعنى أبى من إطعام طارق أو إعطائه الماء،

لمدة ثلاث أيام، لأنه يعتقد لو أن طارق إختبر الجوع سيعلم قيمة الحياة .ولكنى

أنتظرت أن ينام الجميع دخلت لطارق بالأكل والماء بعد منتصف الليل، هذا كل

ما إستطعت أن أفعله، كنت أعلم ليس من حق أبى أن يفعل به ذلك، كان طارق

ملقى على الأرض وهو مقيد على الكرسى وكان منظره سيئا فقد بلغ به الإعياء

مداه وكان جسمه ينزف من ضرب السوط كما أنه جرح يديه وهو يحاول قطع

الحبال بالزجاج المكسور على الأرض، وكانت عيناه تقول لى شيئا واحدا أطلق

يدى، ولكنى كنت أحاول أن أطعمه أو أجعله يشرب ولو رشفة واحدة، ولكن

طارق كان عنيداً حتى الموت رفض الأكل والشرب وأيقنت بأنه قرر الموت على

أن يعتبره زملائه واشيا، فذهبت أخبر والدى بأن طارق سيموت فما كان منه إلا

أن منعنى من دخول المنزل الأخر، بل أحضر طبلة وأغلق بها باب المخزن.

وفى اليوم الثانى إشتريت الجرائد معتقدا أن خبر إكتشاف محاولة إنقلابية سيكون

فى الصفحة الأولى، ولكن لم يكن هناك شيئا، ثم فى اليوم الثالث ذهبت وإشتريت

الجرائد أيضا ولكن لم يكن هناك أى شىء عن الإنقلاب وإستغربت ذلك فضباط

الأمن ينتظرون شيئا كهذا حتى يحصلوا على الترقيات والمكافأت المالية ولكن

خبرًا صغيرًا فى الصفحة الثالثة أفهمنى ما حدث كان عن غرق مركب فى النيل

كان يقوم برحلة نيلية لأساتذة الجامعات وكان مذكور أسماء الضحايا، فأعطيت

أبى الجريدة وأشرت الى الخبر، فذهبنا وأخرجنا المظروف من غرفة المنزل الذى

يقيم فيه طارق وقارنا الأسماء كانت نفس الأسماء، ولكن تبقى أسماء أثنين فقط

من من يسبق حرف الدال إسمهم ، وفى اليوم الرابع كان فى الجريدة نعى

دكتورين فى حادث سير أليم، وهنا أصر أبى على الإتصال بعمى لتهريب طارق،

وطلب منى أن أعد الماء وطعام وملابس جديدة ثم بعد ذلك سنقوم بنقله، ولكن

عندما ذهبنا إلى المخزن وجدنا أن الطبلة لا تفتح بمفتاح أبى، ثم قمنا بكسر

الباب ولكننا لم نجد طارق، كانت دمائه فى كل مكان على الأرض، يبدو أنه

كسر الباب، وأحضر طبلة شبيهة بطبلة أبى حتى لا نعرف بأنه هرب، أو أن

الأمن إستطاعوا الوصول إليه، هل إنتحر فعلا بعد أن علم أن زملائه تمت

تصفيتهم بسبب أهله أم قتلوه وأحرقوه لا نعلم شيئ اً، لماذا تعتقدين يا عزة أننا

قتلناه. قلت: لأنه عندما علمتم بخبر وفاته صرخت هالة بأنكم السبب.

قال: هالة كانت تتحدث عن موضوع آخر، فأخر مشادة بين أبى وطارق كانت

عن زواجه بمنى، فقد رفض أبى الذهاب معه لخطبة منى وقال له إذا لم يتزوج

حامد أولا فلا زواج لك، فقال له طارق مستهزئاً بى بأنه سيكون قد توفى قبل أن

يتزوج إبنك الفاشل، فصفعه أبى فأمسكت هاله بطارق وأبعدته عن أبى الذى خرج

على الفور فقال طارق لهاله وهو ينظر إلى: إن أخاك وأباك لن يرتاحا إلا

بموتى. فخرجت فلم يكن لدى مانع فى زواج طارق، ولكن علاقتهما ببعض

وصلت إلى مرحلة سيئة جدا، ولكن هاله ووالدتى لا تعلمان شيئا بوجود طارق فى

المخزن، صمت حامد لحظات ثم قال: ولكن ما أعلمه جيدا إننى لا أستطيع

دخول ذلك المنزل ثانية فصورة طارق وهو ملقى على الأرض مازالت ماثلة

أمامى، أخذت الدموع تنهمر من عينيه، قامت فدوى وجلست بقربه وهى تحيط

كتفيه بيدها ثم أجهشت بالبكاء، جائنى إحساس بأنه حان لى ترك هذا الموضوع

فاننى لا أسبب غير الألم حتى العرسان أبكيتهم، قامت فدوى وأحضرت ماء الى

حامد أحسست لأول مرة أن فدوى تعشقه عشقا وليس فقط أن حامد من يريدها،

وأرجعت ذلك الى إفتقارها الى الأخ فى حياتها فهى المسؤولة فى منزلهم، وعندما

وجدت أن لطارق أخا يعيل الأسرة، ويترك مستقبله لذلك أحبت فيه ما كانت تريده

طوال حياتها رجل تعتمد عليه، وحسدتها على ذلك فهى تعرف ما تريد وتحصل

على ما تريد فى الوقت الذى تريده، فليست المشكلة فقط فى الحصول على

مانريده ولكن السعادة فى توقيت الحصول عليه، خرجت من شقتهم بدون أن تنتبه

فدوى إلى خروجى فكل تركيزها مسح الحزن عن حبيب العمر، قدت سيارتى

بهدوء وأنا أسأل نفسى ماذا الآن ياعزة، لقد عرفت الحقيقة، إذا كان إنتحر فقد

عرف السبب، وإذا كان قتل فقد عرفت من قتله فماذا ستفعلين، كنت تبحثين عن

الحقيقة والآن ماذا ستفعلين بها هل أنت سعيدة، أوقفت السيارة جانبا وأخذت

أبكى، فأنا أشعر بأنى أشتريت الحقيقة بتعاستى، يا ليتنى لم أعرفها، وتذكرت

كلام عباس هل تظنين إننا كنا نبنى قصرا لنا، كان على أن أتوقع أن الوجع

عنوان هذه القصة ومحتواها إيضاً، وأحسست أن الله أبعدنى عن أحداثها حتى لا

أحبط كأبطاله، ولكنى أبيت إلا أن أرجع الزمان وأعيش آلامها، وأحبط مثلهم،

عندما رايت منزلنا لم أعلم كيف إستطعت أن أقود إلى هنا، صعدت إلى غرفتى

وألقيت نفسى على السرير، أحسست بالإرهاق فى روحى قبل جسدى، وتخيلت

طارق مقيدا لمدة ثلاثة أيام فى ذلك المخزن، ينزف وهو يعلم أن زملائه يقتلون

فى هذه اللحظة، الإنتحار أصبح منطقيا، ولكن أيضا فريد النمر قد يكون قتله،

ولكنى كنت أعلم شيئاً لا يعلمه حامد أن هاله كانت تعلم بأن طارق موجود فى

المخزن، وعندما قالت لهم أنتم السبب كانت تقصد ذلك، وإستطعت الآن أن أدرك

لماذا أتى والد طارق إلى المخزن يوم زواج حامد وهو يبكى، فقد منع طارق من

الزواج وتحققت كلمات طا رق بأنه سيكون ميتا يوم زواج أخيه، مسكين هذا الأب

كيف إستطاع أن يتحمل الشعور بالندم كل هذا الوقت.

صباح يوم الجمعة كنت أقف مع وصال فى صف الزيارة بسجن كوبر

ننتظر الدخول لرؤية هشام، والطريف فى هذه الزيارات كان الحديث من طرف

واحد حيث كان المساجين يصغون باهتمام لما يقوله الأهل حتى أننى إعتقدت أن

البعض يأتى للزيارة ليس من أجل السجين، بل لأنه يجد من يستمع إليه باهتمام،

ما عدا زيارتنا أنا ووصال فقد كان هشام هو من يتحدث، والغريب أن منظره كان

هادئا، وقد ا زاد وزنه حيث إختفت العروق التى كانت تغطى يديه وأصبح جسمه

متناسقا كأنما يمارس رياضة ما، فقلت له مازحة: يبدو كأنك فى منتجع ولست

سجيناً.

رد وهو يبتسم: تصورى هذه أول مرة فى حياتى لا أكون مسوؤلا حتى عن إطعام

نفسى.

قلت: إنه قرار شجاع، بدأت تذكرنى بهشام الأول، ولكن ما الذى جعلك تقرر

ذلك؟. .

قال وهو يبتسم: أنت، عندما جئت لزيارتى فى الوزارة رايتك ما زلت محتفظة

بنقائك الذى كنت عليه فى الجامعة بينما رايت نفسى قد أصبحت فى الحضيض،

ولذلك لم أستطع أن أحضر الى منزلكم، كنت أحتاج الى أن أتطهر، ولكنى

قررت بعد خروجى العودة إلى أبى أريد أن أزرع وأبحث عن وظيفة قرب قريتنا

فقد سئمت من الحياة فى الخرطوم، أحتاج الى هواء نقى، سأتزوج وصال

ونذهب.

تفاجأت بهذا الخبر ونظرت إلى وصال وقلت: ألف مبروك، ستنتظرين هذا الشقى

لمدة سنتين

قالت مبتسمة: ماذا أفعل هناك مشكلة عرسان.

قلت: وستذهبين للعيش فى قريته مع أهله.

قالت: فى أى مكان يمكن أن نعيش المهم مع من نعيش .

قلت محاولة إثارة هشام: فكرى جيدا يمكننى أن أحضر لك عريس بمواصفات

أحسن.

ققال هشام وهو يضحك: يا دكتورة لم أصدق إنها وافقت.

قالت وصال: أعرف معادن الناس جيدا ومثل هشام لا يتكرر كثيرا، لذلك

سأستغل وجوده فى السجن وأتزوجه على الأقل أضمن أن لن تخطفه منى واحدة

أخرى. ضحكنا على تعليقها فجأة صمت هشام وسألنى: فى زيارتك لى قلت إنك

تحتاجينى، هل هذا صحيح أم كنت تريدين مجاملتى

قلت: متى رايتنى أجاملك؟.

قال: إذا لم يخنى أحساسى أعتقد إنك حزينة يا عزة. كنت أعرف أن هشام هو

الوحيد من يفهمنى من نظرة، قلت وأنا أحاول التماسك: أعانى من إنعدام وزن،

وهو مرض يصيب العائدين من الخارج.

قال: عليك بالعمل، حتى ولو كان بدون راتب.

قلت: هذا ما أفعله، أحاضر فى الجامعة، والراتب لا يكفى بنزين السيارة، تعرف

إننى كنت أبحث فى وفاة طارق المغربى، عندما أخبرونى بأنه انتحر أثارت هذه

القصة إهتمامى.

قال ضاحكا: عزه الرشيد، والعدو اللدود، أنصحك بمقابلة طبيب نفسى، أعتقد أن

عقدة الذنب بدأت تحكمك، أنا أيضاً عندما علمت بوفاته تأثرت جد اً، وذهبت يوم

الدفن كان بمقابر محمد نجيب، كانت هناك أعداد غفيرة لا تتخيليها من الطلبة

والأساتذة ، ومسوؤلين فى هيئات خيرية ورجال كانوا يبكون على قبره لم يكن

رجلا سهلا ، ورايت عباس يبكى كالطفل حتى أن الجميع إعتقدوا بأنه أخوه، فموت

الشباب لا يتقبله الناس بسهولة، ولكن ذلك لا يعنى بأنه لم تكن لنا أسباب فى

معاداته.

قلت: لقد كان مشتركاً فى محاولة إنقلابية، ولكنى لم أعرف إذا كان قد إنتحر أو

تمت تصفيته.

قال: لا تسمعى كلام الناس إذا كنت تريدين أن تعرفى، أذهبى إلى المكان الذى

قالوا أنه إنتحر فيه، وأحكمى بنفسك، ولكن نصيحتى لك أن تنسى هذا الموضوع

.

قلت: لماذا ؟.

قال: لأنك ستفقدين عزه الأولى.

أوصلت وصال إلى منزلهم، ورغم أنه لم يكن قريبا حيث تسكن بحى

الشجرة، ولكنى لم يكن هناك ما أفعله وأثناء عودتى، قررت أن أتحدث مع هالة

فمنزلهم فى طريقى، ما أن شاهدتنى هالة رحبت بى بشىء من الفتور، كانت

والدتها كعادتها تعد قهوتها تحت شجرتها، وما أن أ رتنى حتى تهللت أساريرها

وقالت: أجلسى يا الغالية.

قلت مبتسمة: أصبحت غالية لأنى زوجت إبنك، ماذا لو زوجت هالة؟.

قالت: والله يابنتى نفسى أشوف يوم عرسها قبل أن أقابل وجه كريم، ولكن هالة

هى التى ترفض كل من يتقدم لها. أعطتنى فنجان القهوة وقالت: قلت لهالة

نزورك ونتعرف على أهلك، فأفضالك علينا كثير، ولكن هالة كل يوم تؤجل

الزيارة.

قلت: لأنها غاضبة منى ياخالة. نظرت هالة إلى محذرة كنت أعلم إنها لاتريد

إدخال والدتها فى هذه المسالة.

قالت والدتها: مستحيل هالة تغضب منك، فهى كل يوم تشكر فى أفعالك.

قلت: جئت اليوم لتساعدينى فى إرضائها. أمسكت هالة يدى وسحبتنى داخل

البيت وهى تقول لوالدتها: لاتصدقيها فهى تمزح. أوقفت هالة وسحبتها إلى البيت

المجاور وإتجهت بها إلى المخزن وعندما أصبحنا أمامه قلت لها: يا جبانة، عندما

تبلغين حامد وفدوى أننى أتيت إلى هنا لماذا لم تقولى لهم الحقيقة كاملة.

قالت: أى حقيقة.

قلت: أن طارق كان هنا، وأنت من قمت بتهريبه. كانت كمن أخذت دشاً بارد اً

نظرت إلى مدهوشة وقد إتسعت عيناها من المفاجأة وقالت: بالله كيف عرفت

ذلك، لا يعلم هذا الأمر إلا أنا وطارق فقط.

قلت: لقد علمت كل شىء من حامد، ولكنه لايعتقد إنك ووالدتك تعلمان شيئا

بوجود طارق هنا، ولكنى كنت أعرف إنك تعلمين.

قالت: كيف؟.

قلت: عندما قمت معى بجولة فى هذا المنزل، كانت غرفة المخزن هى الوحيدة

التى لم تقتربى منها.

قالت: أرجوك لا أريد أن يعرف أحد بهذا الموضوع.

قلت: أقسم لك، ولكن كيف علمت بوجوده؟.

قالت: صدفة، كانت حدثت مشاجرة بين أبى وطارق بخصوص زواجه، وكنت

أتعاطف مع طارق، حيث كان قد ترك لهم المنزل، وهو من ينفق عليه، وعندما

يأتى ليتزوج رفض له أبى ذلك وكنت أشعر بأن طارق سيتركنا نهائيا، وعندما قال

أبى أن طارق مسافر علمت بأن هناك شيئا قد حدث، وأخذت أتصنت على أبى

وحامد وسمعت شيئا عن الأمن، فعلمت أن طارق قد أعتقل وما أكد ذلك حضور

عباس حيث تحدث مع أبى وخرج، وفى يوم كانت تأتى بنت شغالة مرتين فى

الإسبوع لمساعدتى فى كنس الحوش والنظافة، فطلبت منها والدتى أن تكنس

البيت المجاور لأن طارق مسافر وعندما يعود يجب أن يكون البيت نظيفا ولكن

البنت بعد أن أ رت البيت طالبت بأجرة إضافية لأن البيت يحتاج إلى وقت طويل

منها، فرفضت والدتى وأصرت أن أنظفه بنفسى فرفضت وقلت لها قد يعود

جيمس أو أحد أصحاب طارق فكيف أتواجد فى بيت عازب كنت أحاول التهرب،

ولكنها أصرت كأنها تعلم إن إبنها مسجون هنالك، فذهبت وعندما بدأت الكنس

خلف الغرف، سمعت صوت داخل المخزن، فتخيلته قط أو فأر، ولكن بدأ

الصوت يتكرر، ثم لاحظت وجود قفل على الباب لم يكن موجودا من قبل،

فاقتربت وأخذت أنظر من خلال الباب، كان الظلام دامسا ولكنى شعرت أن هناك

أحد بالداخل، فأحضرت شاكوشا وكسرت القفل، وما أن فتحت الباب حتى سقط

الضوء على رجل أشعث وتفاجأت بأنه طارق كان مقيدا على الكرسى وملقى

على الأرض، كان منظره يوشك أن يموت وكانت الجروح فى كل مكان فى

جسمه وكانت هناك قطع من الزجاج مغروسة فى يديه، يبدو أنه حاول أن يقطع

الحبل عن يديه المربوطتان على ظهر الكرسى، ومن شكل الجروح التى على

جسمه علمت أن أبى قام بضربه بسوطه المعهود، فككت قيوده ونزعت الشريط

اللاصق عن فمه وحاول أن يقف ولكنه لم يستطع، فذهبت وأحضرت له ماء

كنت أصبه له صبا داخل فمه وأنا أمسك براسه، ثم ظل مستلقياً على الأرض

فترة، فذهبت لأحضر معقماً وقطناً، وعندما عدت وجدته قد ذهب إلى غرفته، كان

يحاول أن يبدل قميصه كان يتصرف بعصبية وسرعة فساعدته فى لبس القميص

وغسلت له الجروح ولكن قبل أن أكمل أ ازاح كل شىء، فأدركت بأنه يحاول أن

يلحق بشىء، ولبس جاكت فوق القميص ليخفى آثار الدماء التى بدأت تظهر فى

القميص، ثم مال خلف الدولاب وأخرج مسدساً وضعه فى جيب الجاكيت، ثم

ذهب إلى الباب الفاصل بين البيتين، وأخذ ينظر إلى أمى من خلف الباب، كانت

دموعه تنهمر من عينيه فأدركت بأنه يودعها فقد ظل يتأملها لفترة، ثم عاد إلى

وأمسك براسى بيديه الاثنين بقوة رغم جروحه، ثم قبلنى على جبينى، أحسست

بأننى لن أراه ثانية فارتميت فى صدره وأنا أبكى ولكنه أبعدنى برفق وخرج، عدت

إلى المخزن، وأخذت القفل المكسور وأحضرت قفل الباب الجانبى حتى لا يلاحظ

أحد شيئا. كنت أشعر أن هناك شيئا كبيرا هذه المرة وقع فيه طارق، ولكنى لم

أتصور أن يفعل أبى هذا به، وعندما إنهارت أمى بعد خبر الوفاة ولم تصدق،

فضلت أن لا أفتح الموضوع مع والدى فقد حدث ما حدث، ولا أريده أن ينهار هو

الأخر.أحسست أن هالة ستدخل فى موجة من البكاء، فقلت لهاله وأنا أسحبها من

يدها: تعالى سأريك شيئا. ودخلت بها الى غرفة إجتماعات طارق وزملائه، وبدأت

أبحث تحت السجادة حتى وجدت بلاط غير ثابت فرفعته، كان الظرف قد تأكل من

جنباته، فأخرجت الورق من داخله، إن مرور عشر سنوات ترك أثارا واضحة عليه

ولكن كانت الرسومات وأغلبية الكتابة سليمة وإن تحول الورق إلى اللون الأصفر

الباهت، مددت لها أحد الأوراق التى تحتوى على أسماء الإنقلابيين وقلت وأنا أتباهى

بما أعمله: طارق كان مشاركاً فى إنقلاب، ووالدك عندما إكتشف الأمر، أبلغ الأمن

حتى يعتبروا طارق شاهد ملك، ولكن جهاز الأمن قرر تصفيتهم، فمن المفترض أن

تكون جميع الأسماء التى فى يدك أموات. نظرت هالة بهدوء إلى القائمة ثم قالت:

ليس جميعهم.

قلت بحماس: أتعرفين منهم أحد على قيد الحياة؟.

قالت: عباس محمد أدم.

خطفت الورقة من يدها ونظرت فعلا عباس مكتوب إسمه، إذن هو مشترك معهم، لم

يقتلوا جميعا، لماذا؟. هذا هو السؤال؟.