2

6 0 00

2

تقلب أمين في فراشه،

كانت امرأته تئن ألما. منذ أكثر من شهرين، داهمها مرضٌ ما، لم يعرفوا له اسماً، ولم تسفر رحلاتها المتواصلة إلى العيادات الحكومية، إلا إلى مزيد من الألم.

أبو الأمين راقب الأمر بقلق شديد، وبدأ يعمل على ادخار مبلغ يستطيع به علاجها في مستشفى جيد، بعد أن شخص أحد الأطباء مرضها مؤكداً ببساطة: "إنها تعاني من حصى في المرارة".

المرارة؟! ما هذه الكلمة التي يحسها تسكن حلقه منذ مدة طويلة، منذ أن وجه ابنه عاطلا عن العمل، ملقى في البيت مثل كيس طحين فارغ.

كانت إدارة محطة الوقود التي يعمل فيها أمين، قد قررت اتخاذ الخطوة التي لا بد منها: أن تطرده. بعد أن اشتكى عدد من أصحاب السيارات فترات متباعدة، بأنه يغشم، مرة بعدم قيامه بتصفير العداد، ومرة بحجب العداد عن أعينهم وطلب مبالغ تفوق قيمة الوقود الذي عبأ به خزانات سياراتهم.

في النهاية وجد نفسه في البيت، بعد أن قال له مدير المحطة: "إذا لم أرسلك اليوم إلى بيتك فسيأتي اليوم الذي سيرسلوننا فيه معك إلى أقرب مخفر للشرطة"!

***

خرج أمين من هناك، بعينيه الضيقتين، وقامته المربوعة، وشاربه الشبيه بشارب حلاق قديم، طاف في الشوارع كثيراً، وقبل أن يعود، اشترى بعض الحاجيات الصغيرة من أقرب بقالة للبيت. حينما وصل بداية الشارع رآه خالياً تماماً من المارة، التفت نحو الجهة اليمنى حيث البيوت هناك أعلى، والنوافذ والشرفات تستطيع أن ترى الكثير، تلكأ في مشيته، التصق بالحائط، وطرق باب جارته التي فتحت له الباب بسرعة،كما لو أنها على موعد معه.

جرته من يده وأدخلته، دون أن تنسى إلقاء نظرتين على الشارع، يمنة ويسرة، ونظرة على شرفات ونوافذ الجانب الآخر، لتطمئن أكثر.

كانت تمام، المرأة المطلقة، واحدة من أكبر مشاكل الحي. أما فيض دلالها، جرأتها، وجمالها، قامتها الطويلة وذلك البياض الأخاذ والفم الشهي، فقد جعلتها محط أنظار النسوة قبل الرجال.

"أمك ... نامت"؟ سألها.

"اطمئن، منذ ساعتين"!

كان الصمت وحده هناك.

في الداخل نظرت تمام إلى الكيس الذي في يده: "كأنك لم تنسني"؟

"ماذا تقصدين؟ هل سبق لي وأن نسيتك"؟

"أقصد أنك أخيراً تذكرتني بهدية"!

"هدية"؟!

"لست على بعضك اليوم"!

وقبل أن يتواصل حوار الطرشان هذا، امتدت يدها وتناولت الكيس من يده، قفزت للسرير وفتحته بفرح، لكنها حينما رأت ما بداخله، ألفت به إلى الأرض تحت قدميه: "حليب"! ومضت نحو الباب، وضعت يدها على الأكرة، وقبل أن تفتحه قالت: "أظن أن عليك العودة إلى بيتك، لا بد أن ابنتك المحروسة جائعة"!

انحنى، تناول الكيس، رمقها بنظرة جافة وهم يهم بالخروج، عند ذلك أسندت ظهرها إلى الباب، سادةً طريقه، ضحكت: "صدقت"؟! وراحت تدفعه بصدرها نحو السرير، دون أن تكف عن التحديق في عينيه مثل قطة جائعة.

***

أدرك أمين أن مشاكل العائلة ستتضاعف بفقدانه لوظيفته، وبعد أيام من البحث عن محطة أخرى، يمكنه العمل فيها، تأكد أنه لن يعود إلى هذه المهنة من جديد، فقد أحس من النظرات والإجابات الجافة المثقلة رائحة البنزين والمازوت، أن اسمه وصورته وقصته، باتت معروفة لدى كل عامل وموظف وصاحب محطة.

***

لم يكن أمين قد أنهى الصف الثالث الإعدادي، حين قرر أن يترك المدرسة. ولكي لا يفكر مدير المدرسة بالعدول عن قرار فصله، قام بأبشع الأعمال:

تشاجر يومياً مع أكثر الأولاد أدباً، ناكف كل معلم دخل الصف، رسم على الحائط، صرخ، عوى، ماء، وخار مثل بقرة محمومة، وحين أرسلوه في المرة الأخيرة إلى غرفة الإدارة، قال له المدير: "أعرف أنك تريدني أن

أطردك، وسأفعل ما تريد، ولكني أعدك بأنك لن تعود ثانية إلى هذه المدرسة أو إلى سواها".