( 1 )

5 0 00

( 1 )

في هدوء جلس فتحي ووجهه تغالبه الحمرة ويده تمسك كوبا من الليمون البارد بإرتعاشة خفيفة ومن حوله أصوات لاعبي الطاولة تتعالى وسط صوت كركرة الجوزة وحكايات الشباب العاطل عن مغامراتهم العاطفية.

تجرع فتحي كوبه على مرة واحدة ورأسه تدور من الغضب ونادى على صبي القهوة

يامسعد

واكتفى بندائه هذا ليأتي مسعد بكوب آخر من الليمون وكأنه يعرف أن فتحي لايشرب إلا الليمون !!

وضع مسعد كوب الليمون أمام فتحي وهو يُخفي إبتسامة سخرية خفيفة

مالك يا أستاذ فتحي مين اللي مزعلك ؟

حل عني الساعة دي مش ناقصك.

ماشي ياعم وأهو اللمون هيروق دمك .

تركه مسعد آخذا معه ابتسامة السخرية ليغوص فتحي فى أفكاره وذكرياته,

كان يحاول أن يتذكر أول كوب من الليمون تناوله فى حياته.

كانت أول أصواته فى الدنيا في بيت العائلة العتيق والذي لم يتغير من أيام ولادته حتى الآن بينما تغيرت الطرقات والشوارع والوجوه.

أتى إلى الدنيا ليكون طفل العائلة الرابع وطفلهم الذكر الأول على ثلاثة بنات .

والفرحة بالولد كانت كبيرة خصوصا من أمه التي كانت تخشى أن يرث أعمامه في السرايا التي يعيشون فيها وهى مكونة من غرفتين ومطبخ وحمام وطرقة صغيرة يُطلقون عليها مجازا صالة, ويخرج منها سلم صغير داخلي لطابق ثانى به غرفة واحدة كانت محجوزة لولي العهد المنتظر , الذي حفر بتاريخ ميلاده أهم تاريخ فى العائلة .. 7/10/2010

وزعت أخواته البنات الشربات على أهل الحارة إعلانا بفرحتهم الكبيرة بينما كان الجيران يعرفون أن فتحي الطفل لن يكون إلا مثل فتحي الأب !

فتحي الأب رجل فى أوائل الأربعينات يعمل موظفا صباحا وسائق تاكسي مساءً , سنين الشقاء تظهر على وجهه وتصنع خطوطا غائرة فى قدميه ويديه , وله شارب يقف عليه الصقر , وعلامات الرجولة لا تخفى على أحد ...إلا جيرانه !!

فكل الجيران والأحباب يعلمون كم هو مغلوب على أمره فى بيته تحت وطأة إمرأة تتحكم في بيتها وفي رجلها تحكما تاما.

كانت الآمرة الناهية فى البيت بخشونة تُخفي تحتها حنان جارف , تناقض لا يعلم أحدهم هل أصبحت خشنة ومتحكمة لتُعوض ضعف شخصية زوجها ؟ أم أنها بخشونتها وسيطرتها سلبته شخصيته !

وكان العجيب فى العلاقة بين أبيه وأمه , أن الأب هو المتعلم والأم هي الأمية , بينما هي صاحبة المعرفة العميقة , والأب صاحب الطيبة الظاهرة والكلام القليل.

كانت أم فتحي تخاف على فتحي من نسائم الهواء الساخنة أو الباردة , لم تطق فكرة أن يضربه أحدهم أو يُؤذيه آخر , أو لا قدر الله أن تفقده فى شوطة مرض منتشرة.

كانت تحميه من الناس , وتحتفظ به معها دائما في أي مكان تذهب إليه مُعتبرة إياه ملكية خاصة لها لا يشاطرها فيه أحد.

والبيت كله يقوم على خدمته وتلبية حاجاته , حتى أن أمه لم تفطمه إلا وهو إبن ثلاث سنوات بعدما ألحت عليها أم عبده الممرضة وأخبرتها بأنها تُؤذيه بعدم فطامه.

قضى طفولته الأولى فى هذا الجو من الحماية التي توفرها له أمه, بعيدا عن اللعب مع أطفال الشارع أو الإحتكاك المباشر بأي كائن من كان إلا من يقابلهم من صديقات أمه السمينات في جلسات السمر.

كان فتحي شديد الإيمان بأمه , كان يراها هي الكون الذي تستمد منه الدنيا علمها وحكمتها , وكان يعرف أن كل نساء الحي يستشيرونها في القاصية والدانية لتخبرهن بحكمتها عن كيفية التصرف , وكان يعلم أنها لم تسمح له للخروج للعب في الشارع خوفا عليه من أطفال مشردين لا يأمن لهم إلا مجنون! كان يخاف الشارع ويخاف أطفاله ويخاف الناس, ولا يحتفظ لهم إلا بكل شك وريبة.

وفي أحد أيام الجُمع تأهبت أم فتحي للذهاب إلى السوق , وكان السوق هو مكان الخبث والدهاء فى الحي , إن تسامحت وظهرت طيبتك كنت لقمة سائغة للبائعين , يبيعون لك بأعلى الأثمان ويعطوك أسوأ المعروض لديهم , بل وكنت أيضا لقمة سائغة للنشالين واللصوص الذين ينتشرون فى السوق مثل الذباب.

لم تكن أم فتحي تصحب إبنها أبدا إلى السوق , فهو مكان غير مناسب للأطفال فى مثل سن فتحي, لكن في هذا اليوم تمسك فتحي بذيل جلبابها باكيا يريد أن تصحبه معها إلى السوق , وبعد إلحاح شديد وافقت أمه , وألبسته سروالا وقميصا رخيصي الثمن لكن لهما أناقة لطيفة.

كانت من المرات القليلة التي يرتدي فيها فتحي ثيابا للخروج , وكان سعيدا ومنتشيا وينظر إلى نفسه بسعادة بالغة وبافتخار .

وضع فتحي يده فى يد أمه وبدأ فى سماع الوصايا العشر منها :

إوعى تسيب إيدك من إيدي يافتحي , إوعى تكلم حد ماتعرفوش , إوعى تبعد عني وأنا بشترى , إوعى تاخد حاجة من حد ......

سمع فتحي وصايا أمه وهو نصف منتبه , لأنه كان منشغلا بجمال ملابسه وتأنقه , واكتفى بترديد حاضر حاضر حاضر.

خرج فتحي ممسكا بيد أمه وسعادته ظاهرة على وجهه , وهو يمشي بطريقة طفولية راقصة , ثم توقف عن مشيه الراقص فجأه وتشبث بيد أمه بشدة, فقد رأى بعض الأطفال في الشارع يلعبون " كهربا " التي يلعبها أحيانا مع أخواته البنات , لكن يبدو على هؤلاء الأطفال أنهم يلعبونها بطريقة خشنة , ولا شك أنهم أشرار !!

مر فتحي ممسكا بيد أمه من جوار الأطفال وهو ينظر إليهم نظرات ريبة وشك وخوف بجانب عينيه , وتنهد بارتياح عندما أتم مروره بهم , ثم نظر خلفه ليراهم مرة ثانية ليفاجأ بطفل يجري مندفعا فى إتجاهه وطفل آخر يجري وراءه.

حدق بهم فتحي بقوة وبدأ جسده بالإرتعاش , حتى أن أمه إنتبهت

فى إيه يافتحي؟ مالك؟

تذكر فتحي أنه ممسكا بيد أمه وأنه لاخوف من الأطفال مادامت أمه بجانبه , وعندما اقترب الطفلين منه إلتصق بها مبتعدا عنهما , فما كان من أحدهما إلا ودار حول نفسه ليهرب من ملاحقة مطارده , ومد يده ليمسك بفتحي حتى يدور دورة كاملة.

مازال يتذكر فتحي هذه الحادثة كأنها حدثت بالأمس , يتذكر الهلع الذي شابه وهو يرى يد الطفل تمتد إليه وكأنه مشهد بطيء من مسلسل ممطوط , توقفت حاسة السمع عنده وتشوشت الرؤية , وحدث ماكان يخشاه !!

أمسك الطفل بكتف فتحي وهو يدور ووقع على الأرض .

تبدلت الرهبة عند فتحي وتحولت عينيه لينظر إلى قميصه مسرعا ليجد أصابع الطفل المتسخة وقد طبعت عليه بالخمسة , تصاعد الدم فى رأسه وتحول الخوف إلى غضب عارم , وأفلت من يد أمه , دون أن ينتبه لنهرها للطفل الذي لمس إبنها , وأمسك بقالب طوب ملقى على الأرض وضرب الطفل على رأسه , وكان المشهد مخيفا !!

طفلٌ يصرخ والدم يسيل من رأسه , وأناس يتجمعون من كل مكان , وأمه تسحبه لتبعده عن كل ذلك , وهو يكاد لا يسمع إلا دقات قلبه المتسارعة , بينما حمل أحد الرجال الطفل وجرى به للمستوصف القريب ليسعفه.

ومن بعيد تجري متجهة إليهم إمرأة متشحة بالسواد , وهي تصرخ بهستيريا , بينما فتحي متعلق بأمه بشدة وكل ذرة فى جسده تنتفض من الرعب ,

مين إبن الكلب اللى ضربه ؟ هو فين عشان أقطم رقبته؟

كانت أم الطفل تصرخ بهستيريا مخيفة ولأول مرة لا يعلم فتحي هل تستطيع أمه حمايته أم لا ؟!!

براحة ياختي على نفسك شوية , عيال وبيلعبوا مع بعض , والواد إبنك محصلوش حاجة , تعويرة بسيطة , وتكاليف علاجه كلها هدفعها , وحقك وحقه على راسي من فوق.

حقه وحقي إيه؟ والله لأدخلكم السجن , والله لأدخل إبنك الأحداث , والله ما انا سايباكم.

تدخل الناس المتجمهرون لتهدئتها , حتى هدأت قليلا , وذهبوا للإطمئنان على الطفل , وكان الحادث ليس بالبساطة التي تمنتها أم فتحي , فقد زينت رأس الطفل ثماني غُرز .

وتفاهمت أم فتحي مع أم الطفل المسكين وسط جمع من النساء الفضوليات , واتفقت على إعطائها خمسمائة جنيه لزوم تطبيب الولد , وإرضاء أمه , مقابل أن يمر الحادث بدون أي مشاكل أو شوشرة.

وعند تمام الإتفاق , إصطحبت أم فتحي إبنها عائدة إلى البيت تجره جرا , وترافقها إمرأة أخرى يبدو أنها من طرف الطفل المجروح لتأخذ الخمسمائة جنيه من أم فتحي .

وعندما دخلوا البيت وأعطت أم فتحي لها ما أتت من أجله وذهبت لحالها , دخلت أم فتحي المطبخ , وأعدت كوباً من الليمون المثلج , ورجعت إلى فتحي , أعطته الكوب ثم قالت حكمتها الخالدة:

" لما حد يعصبك أو تغضب متكسرش ومتضربش ولا تزعقش ولا تعلي صوتك.. سيبه لحاله وإشرب كباية لمون يهدي أعصابك ويطفي غضبك "

ثم أتبعت ذلك بسرد كل المخاطر التي قد تحدث له فى حياته إذا دخل فى تشاحن مع أي أحد , وأنه قد يكون إبن بلطجي او إبن مسئول ويضيع منها فى شربة ماء.

وجلست تبكي بشدة لا تتخيل فكرة أن فتحي قد يضيع منها فى موقف مثل هذا الموقف , ترجوه أن يمشي داخل الحيط !!

" اللمون يافتحي .. إشرب لمون يافتحي وملكش دعوة بحد "

( الليمون هو الحل )

وكان أول كوب من الليمون يشربه فتحي .