القسم الأول

6 0 00

القسم الأول

في قلب باريس، كان شارع سان دُني يتعرح تعرج النهر إلى ما لا نهاية، وكان الليل في شارع الهوى شيئًا آخر، كان الليل معطف باريس الطويل الثقيل في الشتاء، وشلحتها القصيرة الشفافة في الصيف. نظر فرانك لانج إلى بنات الليل من نافذة سيارته الفيراري الحمراء، وهن يقفن على الرصيف كالحور العين تحت أضواء المصابيح الخافتة، والموسيقى تصدح من كاسيته، "الوردة الصغيرة" لسيدني بيشيت كانت الموسيقى، والعالم كله راح يتمايل. لم يكن رجل التحري الخاص يرى جيدًا الوجوه الشاحبة الملوثة بالظلام، فأغصان الأشجار تجعل من الأضواء المتسللة بينها لطخات سوداء. ولم يكن يبحث عمن يقضي ليلته معها، لأنه لم يكن يرى في ذلك الحل الدائم لرغباته الجنسية، وهو من طبيعته دومًا ما كان ضد العاجل، الاضطراري، الإجباري، الاغتصابي، ضد التاريخ القسري كان يقول عندما يريد أن يبرر ذلك حضاريًا. كان فرانك لانج في شارع الهوى للمهمة التي كلفته إياها لبنى بن عثمان، رئيسة جمعية بنات الليل في تونس، فالنظام الجديد اتخذ في أمرهن قرارًا ثوريًا، كما يقول، وذلك بإرسالهن إلى باريس من أجل ضخ العملة الصعبة في خزائن الدولة بعد الكساد الذي تعانيه السياحة.

فجأة، سمع رجل التحري الخاص صراخًا لبنتين من بنات الهوى التحمتا في عراك يبدو أنه لن ينتهي إلا بظفر إحداهن، وإحداهن تقول للأخرى:

- فرنسا للفرنسيات!

- فرنسا لكل الداعرات، قالت الثانية.

- هل ضاقت بكن شوارع تونس إلى هذه الدرجة لتجئن إلى شوارعنا؟

- الزبائن هنا كثيرون، فما ذنبنا إذا كانوا يختارون الأجمل؟

- أجمل من قفاي هل يوجد؟

- قفاي، أجابت بنت الهوى التونسية قبل أن تنفجر ضاحكة.

ناداها فرانك لانج، وقال لها اصعدي، وبنت الهوى الفرنسية تمطرها بوابل من الشتائم. رفعت بنت الهوى التونسية لها إصبعها الأوسط، وطرقت باب الفيراري بعد أن صعدت.

- جميلة باريس في الليل، ألقى رجل التحري الخاص، وهو يوطئ الموسيقى، ويعجل في السير.

- هل تريد الصدق؟ نبرت بنت الليل، في باريس أو في تونس أو في الجحيم الليل واحد لنا، خراء!

- لا شك في ذلك، همهم فرانك لانج.

انفجرت بنت الهوى باكية، فأوقف رجل التحري الخاص سيارته، وطلب إليها:

- لا تبكي رجاء.

توقفت الفتاة التونسية عن البكاء دفعة واحدة، وأوضحت:

- لنا نحن البنات السيئات مشاعر طيبة كغيرنا يلعن دين، أليس هذا ما تقوله لنفسك؟

- هل لك ولد في تونس؟

- لي أب شيخ، وأنا من أجله أفعل كل هذا الخراء.

- الغربة وكل هذا الخراء، كل هذا أمر لا يحتمل.

- لو كان بيدي لما كنت هنا.

- أعرف.

- النظام الثوري هو قوادنا، هل تعرف هذا؟

- النظامان، الثوري واللاثوري.

- الفرنسيون أيضًا؟

- تجارة بنات الهوى شيء معروف، زميلاتك الصربيات يمكنهن أن يقلن لك عنها ألف مرة أحسن مني، ولكن فيما يخص التونسيات الأمور معقدة جدًا، وهي تتم على أعلى المستويات. لهذا السبب...

- لهذا السبب ماذا؟

- لهذا السبب طلبت منك الصعود.

فتحت بنت الليل التونسية باب الفيراري، وأرادت الذهاب، لكن فرانك لانج أمسكها من ذراعها:

- انتظري، إلى أين أنت ذاهبة؟

- إذا لم أجد زبونًا أنت تعرف المصير الذي ينتظرني.

وفي الحال، أخرج رجل التحري الخاص من جيبه حزمة من الأوراق النقدية، وأعطاها إياها.

- أين تأخذين زبائنك عادة؟ سأل فرانك لانج.

- ليس بعيدًا من هنا، أجابت بنت الهوى، وهي تدس النقود في حقيبتها البلاستيكية الصغيرة، وتعيد غلق باب الفيراري. شارع ريفولي.

- سنذهب إلى شارع ريفولي، هتف رجل التحري الخاص، وهو ينطلق بجوهرته الحمراء.

* * *

في الطابق الأخير من عمارة تبدو عمارة شركات ودوائر خالية من الجن والإنس، كبست بنت الهوى على جرس أحد الأبواب، ففتح لها ملتح ما أن عرفها حتى تركها تدخل وفرانك لانج معها. في الداخل، كان معظم الحراس من الملتحين، وكان بعض رجال السي آي إيه بقبعاتهم يختلطون بهم. في الممر الطويل، كانت الحركة لا تنقطع، وبنات الهوى في ثيابهن الداخلية الخفيفة يدخلن إلى الغرف مع زبائنهن، ويخرجن منها. كانت قهقهات بعضهن ترن فجأة دون أن يبالي بها أحد، وكان بعض الزبائن من الإثارة بحيث لم يستطع الانتظار، فأخذ يضم، ويلثم، وبنات الليل يتركنه يفعل، وهن يضحكن، ويغنجن، قبل أن يسحبنه إلى غرفة، ويغلقن من ورائهن الباب. في القاعة الكبرى التي في صدر الممر، لم يكن المشهد عاديًا، كان مشهدًا من ألف ليلة وليلة، فالمساند والأفرشة والوسائد والسجاجيد كانت الديكور لطقوس العربدة، وكلها تغرق في بحار الأضواء الملونة. لم يعرف فرانك لانج الكثير ممن كان هناك، لكن أهم من عرف وزير الداخلية، وهو في جلسة "عائلية" بين تسع أو عشر تونسيات بجمال عشتارت، ففكر فرانك لانج في الحب، وفي البحر، وفي الموت. اقترب أكثر ما يكون من الرجل القوي، وحياه، فلم يرد هذا عليه التحية. أشار إلى حراسه الخاصين ليراقبوه، بينما أخذ فرانك لانج مكانًا هناك ليس ببعيد، وراح يعانق بنت هوى شارع سان دُني بعين مفتوحة وأخرى مغلقة. بعد قليل، إذا بفيض من الأنوار في وسط القاعة، وعلى إيقاع الأغنية الشهيرة "جاري يا حمودة"، بدأت خمس راقصات يهززن أردافهن، فوصل التهتك أقصاه.

انسحب رجل التحري الخاص، وصعد الدرج الداخلي المجاور لباب القاعة الكبرى، فمرت به عشر نساء محجبات يقودهن ملتح، لم يعرف أبولين دوفيل بينهن للخمار الذي تضعه على وجهها، بينما عرفته ضابطة الدي جي إس إي، ودارت برأسها متابعة إياه، فرأت كيف ألقى حراس وزير الداخلية الخاصون القبض عليه، ودفعوه خلف أحد الأبواب.

- الحمولة الجديدة وصلت سيدي، قال الملتحي لمدير الماخور الذي، ويا للمفاجأة، لم يكن ملتحيًا، بعد أن دخل عليه تاركًا النساء المحجبات في الخارج.

- أدخلهن، أمر المدير التونسي لبيت الهوى، وهو مشغول بِعَدّ عشرات آلاف اليوروهات.

أشار الملتحي إليهن بالدخول، وهو يكشر قرفًا، فيضاعف ذلك من دمامته. تركهن المدير ينتظرن، وهو يواصل عَدّ العشرات الآلاف من اليوروهات إلى أن انتهى. وضعها في صندوق جداري، وأقفله، ثم جاء ليعاين الحمولة. وبيد عصبية، رفع النقاب عن وجه هذه وصدر تلك أو بطن هذه وفخذ تلك، ومزق الحجاب عن كتف هذه وخصر تلك أو ردف هذه وساق تلك. جاء دور أبولين دوفيل، فعراها على التقريب بهمجية، وغرز مخالبه في لحمها أكثر من مرة. عندما انتهى منهن، أمرهن بالذهاب مع الملتحي، لكنه احتجز الشقراء الساحرة.

- أنتِ، ابقي هنا، أمر مدير الماخور.

وبعد أن وجد نفسه وحده معها:

- لماذا أنت هنا؟

- لماذا أنا هنا؟ لأنني كغيري، أجابت أبولين دوفيل.

- أنت لست تونسية، قال مدير الماخور، وهو يدور حولها.

- لا.

- إذن كيف؟

- هذه هي المهنة التي لي.

- هل أنت قحبة في تونس؟ سأل مدير الماخور، وهو يلتصق بها من ورائها ومن جنبها ومن وأمامها.

- إنها مهنتي، همهمت ضابطة المخابرات الخارجية، ولدي كافة الأوراق التي تثبت ذلك.

انقض عليها، وهو يرمي إلى تقبيلها، لكنها دفعته بكل قواها، وكادت تسقطه أرضًا، والآخر يتلفظ بفاحش السباب. حاول من جديد، فأسقطته هذه المرة على الأرض، وطقت عنقه. سحبته لتخفيه من وراء أريكة، وبسرعة، فتحت جوارير مكتبه بحثًا عن وثائق تريدها إلى أن وجدتها، كانت قائمة بأسماء الشخصيات الرسمية التي تشارك في سوق الدعارة التونسية مع قيمة ما تتقاضاه من عمولات، وكان هناك مسدس حملته، ومن الباب الذي فتحته ألقت نظرة حذرة، ووقعت على أحدهم، وهو يتقدم باتجاهها.

* * *

دخل اثنان من رجال السي آي إيه على فرانك لانج، وحراس وزير الداخلية الخاصون يسومونه خسفًا، وبإشارة من رأسيهما تركوه، وغادروا المكان.

- فرانك لانج، لماذا لا ترتاح أبدًا؟ بدأ رجل السي آي إيه الأول بإطلاق "النار"، نار المشاحنة.

- لأن لدي الحق في المضاجعة أنا أيضًا، همهم رجل التحري الخاص، وهو يحاول استعادة أنفاسه.

- لأن لديك الحق في مضاجعة أمك بالأحرى، قال رجل السي آي إيه الثاني.

- اسمعا، يا صاحبيّ، تلعثم فرانك لانج، اتركاني أذهب، ولن أزعج أحدًا بعد اليوم.

- نتركك تذهب؟ قال رجل السي آي إيه الأول، وهو يضرب جبهة رجل التحري الخاص بحافة المكتب، ويفتحها على صراخ هذا الأخير.

- أنت محترق، فرانك لانج، قال رجل السي آي إيه الثاني، وهو يضربه بكل قواه في بطنه على صراخ هذا الأخير دومًا.

- بماذا أقسم لكما؟ جمجم فرانك لانج بصوت يسمع بالكاد، وهو ينحني على نفسه مستسلمًا.

- بقفا أمك المزعجة، قال أحد القاضيين المعذبين.

انفجر المحكوم عليه بالبكاء، ورجل السي آي إيه الأول يقول له:

- الدين للثورة والثورة للجميع! ألا تريد أن تفهم هذا، يا كلب الخراء؟ القحبات كأمك هن من الذهب الخالص، فاترك النظام الجديد يصوغهن على هواه، هكذا ينظف تونس من قذارة البشرية، ويدغدغ الإسلاميون خُصى ناخبيهم. أموال الدعارة لن تحل كل المشاكل، حتى الشيطان الملهم لكل هذه اللحى كلحية أمك لن يأتي بحل، أما صبر التونسيين، وأملهم بحل هناك في سماء من خراء كامل، فهذا شيء آخر، سيكون من وراء معجزة الثورة الاقتصادية في هذا البلد الثقب التي لن تكون أبدًا.

- اطلبا مني كل ما تريدان، عاد فرانك لانج إلى الجمجمة بصوت يسمع بالكاد.

- أنت محترق، فرانك لانج، كما قلت لك، قال رجل السي آي إيه الثاني، وهو يهم بضربه بكل قواه في ظهره، إلا أنه توقف على صوت أبولين دوفيل التي دخلت، وهي تشهر المسدس.

- جميل كل هذا، أيتها القبعتان! صفرت ضابطة المخابرات الخارجية.

- كابتن دوفيل، همهم فرانك لانج، وهو يجر نفسه ليقف قربها.

- أتمنى ألا أكون قد تأخرت كثيرًا، همهمت أبولين دوفيل، وهي تلمس بإصبع متوترة الدم السائل على جبهة رجل التحري الخاص.

- كان عليّ أن أساوم دون أمل كبير، قال فرانك لانج.

- حقًا، دون أمل كبير لانج، همهمت الشقراء الفرنسية بحزن.

- دون أمل كبير خير ألف مرة من دون أمل، همهم رجل التحري الخاص.

- أفضّل هذا، قالت أبولين دوفيل باسمة، وهل تتألم كثيرًا، يا حبيبي؟

- ماذا؟ أعيدي! طلب فرانك لانج متفاجئًا.

- سألتك فرانك إذا كنت تتألم كثيرًا، أجابت أبولين دوفيل بلهجة ناعمة.

- و...

- يا حبيبي.

- أبولين، يا حبيبتي، يا معبودتي، قولي لي متى سنتزوج؟

- يلعن دين، رشقت الشقراء الساحرة بلهجة قاسية، هل هذا وقته؟ لا بد أني أعمل مع معقد! سنتزوج الآن، يا قفاي، أنت سعيد؟ الآن! تعال، وامتطني لنخلص! ثم: وهذا الخراء، هل نسيت هذا الخراء؟ ماذا سنفعل بهذا الخراء؟ سألت، وهي تشير إلى رجلي السي آي إيه.

- اسمعي، مدموزيل... تدخل رجل السي آي إيه الأول.

- اسمع أنت، يا كلب الخراء، قاطعته ضابطة المخابرات الخارجية. تونس لن تكون لكم أبدًا، كالمغرب، كليبيا، كمصر، كسوريا، ككل العالم العربي، لأن حلفاءكم الإخوان المسلمين سيمرون مرور الكرام، وهذه المنطقة من العالم ستتطور، من حقها أن تتطور، ستتطور، وتتحرر بالفعل، وتفلت من التخلف، تفلت من مخالبكم. ثم إلى فرانك لانج: اربطهما لانج، وكممهما.

- ولكن كيف؟ احتار رجل التحري الخاص.

- يلعن دين، سبت ضابطة الدي جي إس إي، تدبر أمرك، وبسرعة، مزق ما أرتديه من حجاب، إنه ممزق على كل حال، يلعن دين، قلت بسرعة.

بعد أن كممهما فرانك لانج، وربطهما، أمرتهما أبولين دوفيل بالدخول في خزانة، وأغلقتها عليهما بالمفتاح.

- ما هذا سوى أحد الأحداث التي تحققت، همهم فرانك لانج.

- أنت تسمي هذا حدثًا؟ تهكمت أبولين دوفيل.

- الأحداث التي لا شأن لها كالتي لها شأن لا تصنع التاريخ كما يقال عن خطأ لأنها هي التاريخ، في زمن انحطاط أم غيره، ينوجد بها، وتنوجد به، أوضح رجل التحري الخاص.

- هذا لأن التاريخ هو تاريخ أرداف المومسات؟ تهكمت ضابطة المخابرات الخارجية من جديد.

- تقصدين من أرداف المومسات.

- لأن أرداف المومسات الآن فضاء للمعارك التي خاضتها البشرية.

- عندما تتحول المعارك التي خاضتها البشرية إلى مواخير تباع فيها أرداف التونسيات أقول لك نعم.

- وأردافنا نحن أين تضعها؟

- في متحف الشمع.

- متحف الشمع؟ لماذا؟

- لئلا تسيل بين الأصابع المحرقة للبيت الأبيض.

- ألهذه الدرجة يحب البيت الأبيض أردافنا؟

- البيت الأبيض يحب كل الأرداف حتى أرداف السعادين، ما يهم لديه حريته، حريته كمصدّر للكابوس الإسلامي مقابل الحلم الأمريكي، وعلى ظهر الاثنين يجني الثروات الطائلة التي تساعده على البقاء بعد أن أسرف كل ما عنده من أموال، فأفلست بنوكه، وانتهى عهد البذخ الإمبراطوري.

- هل هي بداية النظام البديل إذن تحت ثوب ماريلين مونرو المتطاير؟

- لو كان ابن خلدون مكاني لقال لك نعم. لكن هذه البداية ربما تطول تبعًا للوقت الذي سيأخذه احتضار النظام الحالي، لو كان ابن خلدون لم يزل حيًا لقال لك حتى النظام القادم يبقى دومًا ابن زمنه، منه يأتي، من داخله، وليس من خارجه، لو كان ابن خلدون هنا لقال لك كل شيء.

- فليقل لي ابن خلدون كيف أخرج من هذه الغرفة أفضل بكثير من أي شيء آخر.

- بكل بساطة، من الباب.

- وإذا كان أحد هناك؟

- افتحي الباب أولاً.

فتحت أبولين دوفيل الباب دون أن يكون أحد في هذا الطابق الداخلي، فخف كلاهما إلى المصعد الداخلي، ومنه إلى شارع ريفولي.