(2)

5 0 00

(2)

لازالت الذكرى تُحلِّق كنسرٍ جائعٍ في رأسي، يبحثُ عن فريسةٍ يُشبعُ بها بطنهُ الصغير، ولكنِّهُ لن يرضى إلا باصطيادِ أرنبٍ سمينٍ!، وتباً للنسرِ الذي يحومُ في رأسي، لن يرضى بغيرِ دمعي كأرنبٍ مناسبٍ لوجبةِ غدائِه!.

***

قبل نحوِ خمسِ سنواتٍ من الآن، عاد أبي فرِحاً للمنزلِ، يحملُ معهُ بشرى وأخباراً سارّةً. اجتمعنا كُلُّنا على طاولةِ الغداءِ ننتظِرُ هذهِ البشرى بفارغِ الصبرِ، وبينما كان أبي يأكلُ اعتلت الابتسامة على وجهه، زاد الفضولُ في عقولنا، لمعرفةِ خبايا هذهِ الابتسامة الجميلة.

انتهى أبي من القضاءِ على فخذِ الدجاجةِ التي ذُبحتَ، لنتلذّذ بلحمِها ورفع رأسهُ كمنتصرٍ في الحربِ وقال لنا:

لدي أخبارٌ سارةٌ يا بُني ويا بناتي... جاءتني ترقيةٌ جديدةٌ في العملِ، ولكن لأحصل عليها يجِبُ علينا الانتقال لمدينةٍ أخرى.!

وبصوتٍ واحدٍ أجبنا: الريــــــاض!

وكانت ضحكته وابتسامته كفيلةً بإدخالِ السرورِ على قلوبنا للحدِّ الذي يجعلُني أعدُّ حقائبي في نفسِ الساعة، فلطالما تمنيتُ وأختيِّ الصغيرتين العودة للرياض، بعدما انتقلنا منها من أجل ترقياتِ أبي الكثيرة، والتي تجعلهُ ينتقلُ بنا من مدينةٍ إلى مدينة دون أن يبالي بنا وبعلاقاتنا مع الأصدقاء التي سرعان ما يقتلُها الرحيل لبلدةٍ أخرى، ليبدأ معها مسلسلُ تكوين العلاقاتِ والتعرفُ على أصدقاءٍ جدد.

ولكن هذهِ المرَّة نحنُ عائدون إلى الرياضِ بعد خمس سنواتٍ من الغيابِ عن سمائها الزرقاء وعن ضجيج السياراتِ وتكدُسها في شوارعها الطويلة...، عائدون لنُعانقَ وشاح جدتي الكبير الذي تفوحُ منهُ رائحةُ البخورِ الأصيلة، ونسمةٌ من عليلِ الجنةِ الزكية، ولننعم بأحاديثها الطاهرة الطيبة التي تكادُ تسمعُ فيها اسم الله في كلِّ جملةٍ وبعدَ كلِّ عبارة.

ولم أكن أدري –وأنا أُعِـدُ حقائبي- بأنني راحِلٌ لمصائبِ الحبِّ، ولقممِ جبالِ العشقِ، فالحبُّ يا حبيبتي مصيبةٌ جميلةٌ، تأتي من غيرِ موعدٍ ومن دون استئذانٍ، تقتحمُ أبواب القلبِ، لتصيبهُ بتعويذةٍ رقيقةٍ تجعلُ هذا القلب ينبضُ لهذا الحبِّ كمسحورٍ يتلاعب بهِ، والعشقُ يا عشيقتي كالجبالِ العالية، يقرِّبُنا للنجومِ والغيوم، يجعلُنا نطيرُ في سماءِ الهذيانِ كطيورٍ جميلةِ الجناحينِ، ويسافرُ بنا نحو قمرِ الغرام وشمسِ الهيام.

ولم أكن أدري بأنني سأُحلِّقُ بِحُبًّكِ عالياً... عالياً...، ثم سأسقط مغشياً على وجهي، ومغشياً على قلبي!

وعلى عتبةِ بابِ منزلِ جدِّتي، كان اللقاءُ الأولُ حاضراً بيننا، وكانت نظرةُ الإعجابِ الأولى واضحةً في أعيننا، وكان صدى نبضةِ العشقِ الأولى يُسمعُ في أرجاءِ صدورنا، حينما طرقتِ باب المنزلِ واتجهت لأجيبَ على الصوت، ففتحتُ الباب أجدكِ حاملةً باقةً من الوردِ وكأنكِ وردةٌ تحملُ ورداً، أو ملاكٌ نزل من السماءِ وفي يديهِ ورودٌ من الجنة....

ياه كيف لعتبةِ هذا الباب أن تُدخلَنا في حدودِ خُرافةٍ تُدعى الحُبّ من أولِ نظرةٍ!، وأنا مَن كنت أضحكُ كثيراً على صديقي خالد، حينما أتى ليحكي لي عن تلكَ الفتاة التي قابلها صُدفة في أحدِ المطاعمِ، وراق له جمالُ عينيها، فجاءني يحملُ فوق أكتافهِ جبالاً من الحزنِ، لأنَّه لم يستطع أن يقترب أكثر منها، ويخبرُها بأنَّهُ أحبَّها من أولِ نظرةٍ!.

تلك الخرافة قد آمنتُ بها حينما رأيتُ عينيكِ اللتينِ تُشبها نجمتان معلقتان في وشاح السماء، أو كشمسٍ مُشرقةٍ في فضاءٍ أبيضٍ طاهرٍ، وذاك اللثامُ الذي يُخفي ما تبقى من وجنَتِكِ فيزيدُكِ طهارةً على طهارةٍ.

كُنتِ تقفين بخجلٍ كبيرٍ يظهر في عينيكِ دون أن تقولي أيَّ كلمةٍ أو تسألي عن أيِّ أحدٍ يسكنُ في هذا المنزلِ...، وبعدَ صدمتي من حُسنِ عينيكِ، وارتباكي من وقوفكِ على البابِ جاءَ صوتُ أمي منادياً لي من الخلفِ: هتان ... مَن على الباب؟

بارتباكٍ أجبتها: لا أعلم، ولكن هناك امرأةٌ تقفُ عند الباب، تعالي وتحدَّثي معها.

فاقتربت أمّي من البابِ، لترى تلك الغريبة التي تقفُ هناك.

حينها ابتعدتُ وهممتُ بالدخولِ إلى المنزلِ، وبعد لحظاتٍ قليلة دخلت أمي وقالتَ لي: هتان، اذهب واجلس في الطابقِ العلوي، جاءتنا ضيفةٌ عزيزةٌ.

حبستُ فضولي في داخلي واتجهتُ للطابقِ العلوي، وأنا أحاول استراق السمعِ، لأعرف مَن تكون صَاحبةُ العينين الجميلتينِ، لكنَّ صوتَ التلفازِ كان كفيلاً بتشتيتِ سمعي، حتى رأيتُ أختي جُمانة ذاهِبةً لغُرفتِها التي تتشارُكها مع عمَّتي بعدما أتينا فجأة للرياض، واضطررنا للمكوثِ في بيتِ جدتي، أوقفتُها وسألتُها عن تلك التي راقَ لقلبي جمالُ عينيها.

- جُمانة، مَن لدينا؟

- هذهِ حنين ...

- حنين؟! ومَن تكون هي؟

- ألم تعرفها؟ إنها إبنة عمِّي... البكماء! هل نسيتها؟

توجّهت جُمانة لغرفتها، وتركتني أُصارعُ أفكاري وذكرياتي التي جمعتني بكِ في طفولتنا البريئة.

وبدأتُ أذكر كيف كُنتِ تجلسين حزينةً بجانبِ أمِّكِ، في الوقتِ الذي نلعبُ فيهِ جميعُنا في فناءِ منزلِ جدتي، كُنتِ تحزنين من عدمِ قدرتكِ على التحدُّثِ معنا، ومن مضايقاتِ أبناءِ عمِّي لكِ، عندما يحاولون جعلكِ تردّدين الكلماتِ خلفهم، ويظنون أنَّهم مَن سيجعلُونكِ تتحدَّثين، وكيف كُنتِ تبتسمين، وأنتِ تسمعين غناء الفتياتِ الصغيراتِ دون أن تستطيعي مشاركتهنَّ الغناءَ، ولازلتُ أذكرُ أيضاً دميتكِ الصغيرة التي تأخذينها معكِ إلى كلِّ مكانٍ تذهبين إليه، فوحدها مَن تستطيع سماعَ صوتكِ، ووحدها مَن تستطعين التحدُّث معها دون الحاجةِ لصوتٍ مسموعٍ!.

وأذكر كيف جئتِ راكضةً نحونا تريدين تخبرينا عن جُمانة حينما كانت تتألّمُ من وقوعِها من على الدراجةِ، ولكنِّكِ لم تستطيعي أن تحكي لنا ما جرى، واكتفيتِ بجذبي معكِ لأرى جُمانة مستلقيةً في الفناءِ، ياه... يا حنين جمعتنا ذكرياتٌ كثيرةٌ في الصغرِ، ولكنِّي لم أستطع التعرُّف عليكِ حينما كبُرنا وتغيَّرت مع نضوجنا ملامحُنا..

ورُحتُ أتسائلُ أيضاً، هل تذكرتيني؟ أم أنني تغيَرت كثيراً ولم تعرفيني؟، فشعري لم يعد طويلاً وناعماً كما كان في الصغرِ، جعَّدتهُ سنينُ المراهقةِ وبعثرتهُ طوابيرُ العملِ، ووجهي اسمرَّ وطفئ نورهُ بعدما كان يتسعُّ بالبراءةِ وتتزاحمُ فيهِ خدودي، وتلك الشامةُ التي تميِّزُ رقبتي عن كلِّ الرقابِ، اختفت وراء شُعيراتِ لحيتي، يا ترى غرفتي مَن أكون؟ أم أنَّكِ نسيتي كما نسيتُ؟

لقد أخذني التفكيرُ إلى ذكرياتٍ عميقةٍ جمعتنا، ولم أكن أدري أنَّ هناك ذكرياتٌ جديدةٌ ستجمعُنا مجدداً ثم ستقسِمُنا لنصفينٍ حزينينٍ.

قطع حبل ذكرياتي صوتُ جدتي التي كان تودعُكِ، فهممتُ بالنزولِ بعدما سمعتُ صوت الباب يُغلق، ووجدتُ جدتي لا تزالُ تدعي لكِ بالخيرِ وبالنصيبِ الذي بات يزعجُها تأخرهُ عليكِ، وأنتِ على مشارفِ العامِ السادسِ والعشرين من ولادتكِ.

جلستُ بجانبها وقطعت دعائها بلطفٍ.

- جدتي، أعطِنا القليلَ من هذهِ الدعوات الطيبة...

ابتسمت والتفت إليَّ...

- يا هتان، دعني أدعو لهذهِ المسكينة التي ينفطرُ قلبي كلَّما رأيتُها.

- سلامةُ قلبكِ يا أمِّي الكبيرة من كلِّ شرٍّ...، لكن مَن هذهِ المسكينة التي تدعين لها بالخيرِ يا جدّة؟

- إنَّها حنين ابنةُ عمَّك، للتوّ كانت هنا، وقد جاءت لتتحمَّد لكم بالسلامةِ بعد عودتكم للرياض.

- إذاً لماذا ينفطرُ قلبُكِ عليها؟

وبعد زفيرٍ خرج من صدرِ جدتي، وهو يحملُ زخاتٍ من الهمِّ قالت: هل تصدق يا هتان أنَّ أجمل بنات أبنائي لم تتزوج بعد؟، والصغيراتُ منهمَّ تزوجنَ وأنجبنَ، ولكن هذهِ المسكينة لازالت تنتظرُ نصيبها الذي تأخَّر بسبب قدرِ الله الذي جعلها بكماء.

وبعدما رأيتُ الحزن بدأ يظهرُ في نبرةِ كلامِ جدّتي حاولتُ تغير مجرى الحديثِ، وقلتُ لها بمكرٍ: لا تبالغي يا جدّة، لا أظنُّ أنَّها أجملُ منكِ..

أجابت وهي تبتسم: والله يا هتان أنَّ فيها ما يجعلُها أجمل من جدّتِكَ ومن جميعِ نساءِ الحيِّ، تخيلِّ ذات يومٍ كانت تجلسُ عندي في الوقتِ الذي زارتني فيهِ إحدى الصديقات، ولأنَّ حنين تخجلُ من نظراتِ النساءِ لها حملت نفسها وهمَّت بالرحيلِ، وما إن ذهبت حتى سألتني صديقتي عنها وقالت لي: أنها أُعجِبتَ بجمالها وأنها تبحثُ عن زوجةٍ لابنها، ولكن ما إن قلتُ لها أنَّها بكماء لا تستطيعُ النطق حتى تناستَ أنَّها كانت تتحدَّثُ في موضوعِ الزواج،

وبدأت تتطرّقُ لأحاديث أخرى، يا حسرتي على ابنتي، عيبُها هذا يلغي كلَّ ما فيها من جمالٍ وخُلقٍ في أعينِ الناسِ ...

أنهيتُ حديثي مع جدتي بدعائنا سويّاً لكِ بالخيرِ يا حنيني قبل أن أخرج لصديقي خالد الذي كان ينتظرُني في الخارجِ ...

خالدٌ ذاك الصديقُ الذي عشتُ معه مراحل الطفولةِ في المدرسة والذي لم ينساني يوماً رغم بُعدي عنه لسنواتٍ طويلةٍ، أختلفُ عنهُ كثيراً فهو يمتلكُ جرأةً لم أعرف مثلها من قبل، لا يجاملُ أحداً، ويدَّعي أنَّه صادقٌ مع الجميع، ولذلك لا يحبُّ المجاملات، ويمتلكُ أفكاراً منحرفةً عندما يتعلقُّ الأمرُ بالفتياتِ...، فهاتفهُ المحمول يكادُ يُغمى عليهِ من كثرة أرقامِ النساءِ اللواتي يتحدَّثُ معهنَّ بلا أدبٍ أو حياءٍ، يسجلُ أرقامهُنَّ تحت اسمٍ واحدٍ!، فكلُّهنّ يتشاركن اسم "الحبِّ"، ولكن يختلفن بالرقمِ الذي يتلي "الحبِّ"، سألتهُ مرّةً: ألا تنسى أسمائهنَّ؟ فأجاب ساخراً: أنا لا أنسى نسائي!، فالحبُّ رقمُ واحدةٍ تُدعى عهود، وأروى هي رقُم اثنان، وهكذا إلى أن أصل إلى الرقمِ أربعة، وإن سألتهُ لماذا أربعةٌ بالتحديد؟ أجاب: لأنَّ الشرع حلَّل لي أربعةَ نساءٍ.!

والمعضلة أنَّهُ لا يتمسَّكُ بهؤلاء الأربعة فقط، بل إنَّهُ يبدلهنّ متى ما نتهت رغبتهُ وشهوتهُ بهنّ! وكأنَّه يُطلِّقُ إحداهن ويبدّلُها بأخرى جديدةٍ! هذا غير الفتياتِ اللواتي يقابلهُنّ في سفرهِ، وتنتهي متعتهُ معهنَّ بالجلوسِ هلى مقعدِ الطائرةِ المتجهةِ نحو الوطن.!

لا أعلمُ لمَ أحبُّهُ، ولكنّي لم أجد صديقاً آخر أتحدَّثُ معهُ بشفافيةٍ غيرهُ، وذات مرَّةٍ خرجتُ وقصِدنا أحد المقاهي المنتشرةِ في أرجاءِ الرياض، وهناك تحدَّثتُ معه عنكِ يا حبيبتي، فمنذُ أن رأيتُكِ لم أستطع أن أُخرجَكِ من عقلي.

بدأ خالدٌ الحديث باستعراضِ ذكرياتهِ مع النواعمِ كما يفعلُ ويحبُّ أن يتحدث عنهنَّ دائماً، فألقيتُ عليهِ سؤالاً أزعجهُ وأقلقهُ:

حسناً يا صديقي، تقولُ: إنِّكَ تُحبُ الفتياتِ بشتىَّ هيئاتهنّ وعيوبهنّ، ولكن قل لي يا خالد ماذا لو أُعجبتَ بفتاةٍ بكماء.!

- بكماء!

- نعم بكماءٌ جميلةٌ وفيها كلُّ ما تتمنى تقبيلهٌ!

- أمــمــم، لا أظنُّ أنني قد أُعجَب بفتاةٍ مثلِها!

- لنفترض ذلك يا صديقي..

وفي محاولةٍ للهروبِ من الإجابةِ.. قال: لا أحبُّ الفرضيات يا هتان، أنا رجلٌ واقعيٌّ

- والواقعُ يقولُ أنَّ هناك الكثير من الفتيات التي لا يستطعنّ التحدث يا صديقي، ماذا لو التقيت إحداهُنَّ؟

- حتى لو التقيتُ بفتاةٍ بكماء لن أُحِبَّها، لأنَّني لا أريدُ أن أظلُم نفسي معها.

عقدتُ حاجبيَّ مستنكراً لما قالهُ خالدٌ وردّدتُ عليهِ:

- لا تريدُ أن تظلم نفسكَ معها!، ولمَ تظلمُ نفسك حين تحبُّ فتاةً بكماء؟! قد تكون يا صديقي العزيز أطهرُ وأنقى من تلك الأجسادِ الناعمةِ التي تتغنَّى بها في كلَّ ليلةٍ وفي كلَّ جلسةٍ، طلما أنَّ الشهوةَ في الدافعُ الوحيدُ لك، دون أن يربطَكَ معها أيُّ حبلٍ من حبالِ العشقِ أو حتى ميثاقٌ غليظٌ! أليس كلامي صحيحاً؟

صمتَ خالدٌ وسكتتُ معهُ أنا، وفي داخلي دماءٌ تهتفُ بالنصرِ.

فمنذُ أن رأيتُكِ يا حنيني وأنتِ قضيّتي وحدي، أدافعُ عنكِ بشراسةٍ، ودافعي أن أنصرَ من كان مثلك,

دافعي لم يكن عطفاً عليكِ وعلى حالكِ، ولم تكن صلةُ القرابة تلك دافعاً للوقوفِ في صفّكِ، بل إنَّها القناعةُ التامّةُ في صدري بأن ليس هناك إنسانُ ناقصٌ، وليس هناكَ بشرٌ بقدراتٍ محدودةٍ، فلسنا مّن نصنعُ أنفسنا بالشكلِ الذي نريدهُ، وربَّ شخصٍ لا يقوى على النطقِ ولكن في لسانهِ دررٌ وحكمٌ ما لها مثيلٌ.