(3)
مرَّت أيامٌ ... أيامٌ دونكِ
أنحتُ فيها صخرَ الحبِّ دونّكِ
أطلقُ أمنياتِ اللقاءِ وحدي دونَ أمانيكِ
أسهرُ ليلَها مع الدمعِ... دونَكِ
أقضي نهارَها مع اليأسِ... دونَكِ
حتَّى طغتْ نيرانُ الذكرى..
حتَّى ماتَ القلبُ... دونَكِ
ليلٌ ذو سحابٍ أسود، وسماءٌ ترعدُ، ومطرٌ يهطلُ، وروحٌ مبتلَّةٌ من مياهِ الحنين، ومن أمطارِ الحزنِ العظيم. هكذا ليلي دونكِ، أسودٌ في كل الأزقّةٍ... كلُّ شيءٍ ممتزجٌ بالسوادِ، كوبُ القهوةِ الذي على يميني، والقلمُ الأسودُ الذي أكتبُ بهِ أنيني.
بحثتُ عن النسيان، في كلِّ الطراقات، وفي كلِّ الممرّات... طرقتُ بابهُ وأهديتُهُ كلَّ ذكرياتي وصور عينيكِ، وارتجيتهُ كثيراً ودعوتهُ لزيارةِ عقلي ودهاليزِ قلبي. ثمَّ دعوتُ الربَّ أن يحيهِ في قلبي، أن ينزلَه على صدري كوحيٍ يلقِّنُني آياتٍ وتعويذاتٍ تطردُكِ من رأسي، وتهدمُ بيتكِ العالي في فردوسِ قلبي، فلا هو الربُّ الذي استجاب لدعائي، ولا هو النسيانُ الذي قبل دعوتي!.
حاولتُ أن أنساكِ، وأن أطردَ كلَّ كلَّ ذكراكِ... وعلى بُعدِ ثوانٍ قليلةٍ من النسيانٍ، أشعرُ بأنَّني اشتقتُ إليكِ.!
ضمت الأيامُ منذُ أولِ سقوطٍ في كمينِ عينيكِ، ومنذُ أول مرافعةٍ عن قضيةِ شفتيكِ، مضت هكذا سريعاً دون أن أشعر بقيمةٍ لها، ودون أن أقطفَ أيَّ ثمرةٍ منها، وكأنَّ أامي ينتظرُكِ، لتكوني لها سبباً للسعادةِ وللحياةِ وللفرحِ.
هاتفي يرنُّ بحماسٍ ويومضُ باسم أمي على شاشتهِ، وأنا غارقٌ بين أوراقِ "البلوت" التي بيديّ، وشارد الذهنِ أفكرُ بطريقةٍ أكسبُ بها هذهِ الجولةَ، وأحطِّمُ رأسَ ملكِ اللعبةِ خالد، إلى أن شئِّت أفكاري صوتُ صديقي الذي ينبِّهُني بأنَّ هاتفي يرنُّ..
- أهلاً أماه..
- أهلاً هتان، أين أنت؟
- مع أصدقائي... هل تريدون شيئاً؟
- بنتُ عمِّكَ هُنا، وتريدُ أحداً يقومُ بإيصالها للبيتِ فأبوها منشغلٌ بعملٍ آخر.
وبقلبٍ يردّدُ بـ "يا رب" سألت: مّن؟ حنين؟
- نعم...
- بضع دقائق وسأكون عندكم.
قذفتُ أوراق اللعبة وهممتُ بالخروجِ، وخالدٌ يضحك ويقول: "هكذا يهربُ الجبناء". وليتهُ كان يعلمُ أنّني كنتُ أهربُ منهُ لأربح جولةً أخرى، جولةً تحتاجُ لمكرٍ من نوعٍ آخر أمام رقَّةِ رمشيكِ.
وفي الطريقِ كنتُ مُنشغلاُ بتهذيبِ ذقني وتعديلِ هِنادمي وإبرازِ شيءٍ من ملامحِ رجولتي كتلكَ العضلتينِ الكبيرتينِ في ذراعيَّ، فأنا أحتاجُ أن أكون في حلَّةٍ جميلةٍ، لأجذب عينيكِ وربما قلبكِ، أما أنتِ لم تكوني بحاجة إبرازِ أنوثتُكِ، فعينيكِ متكفلتينِ بهذا الأمر والقليلُ من زخَّاتِ عطركِ كانت كفيلةً بإغوائي. ولا أذكرُ كم من إشارةِ مرورٍ حمراء قد تجاوزتُ!، وأنا متلهفُ القلب لرؤيتكِ مجدداً.
هكذا هي الفرصة لا تتحملُ إشاراتِ مرورٍ تأخِّرُها، فتذهب دون أيِّ فرصةٍ أخرى تتكرر.
وصلتُ لعتبةِ بابِ منزلِ جدتي، وكأنَّ العتبةَ تبتسمُ لي وتقول: أنا عتبةُ بابِ الحبِّ، وأنا عتبةُ سعدِك. اتصلتُ بأمي وأخبرتُها بأنّني في الخارجِ أنتظرُكِ، وانتظرتُ خروجَكِ وكأني أنتظرُ خروجَ عروستي من حفلِ زِفافنا، لأختلي بشفتيها وأستنشقُ رائحةَ عطرِ رقبتِها.
وبعد خمسِ دقائقَ مرَّت ببطءٍ شديدٍ يهلٌكَ قلبي الشغوفُ لرؤيتُكِ... فُتِح بابُ المنزلِ وعينيِّ تحدِّقُ نحوهُ، وتتأملُ أطراف عباءتكِ لعليِّ أرى شيئاً من بياضِ ساقيكِ، أو تهبُّ ريحُ تجعلُ عباءتكِ تلتصقُ بخصركِ فأرى شيئاً من انحنائهِ المثير.
ظهرتِ كقمرٍ سقطَ من السماءِ أو كملاكٍ يشعُّ نوراً، ظهرتِ وبدأ القلبُ يرتبِكُ ويتعالى صوتُ نبضهِ. ياااه ما أجملكِ وما أجمل هذا اللثام الذي لا يُظهرُ إلا عينيكِ ورمشيهِما الناعمينِ، أحببتُ لثامَكِ كثيراً رغم أنَّه يحرمُني من التمتُّعُ بالنظرِ لوجهٍ ملائكيٍّ بديع الخُلقِ.
أزحتُ ناظريَّ عنكِ، وأذناي تنتظرُ صوتَ فتح الباب ... صوتَ اولِ خطواتُكِ على أرضي، وأولِ قربٍ بيننا دون حاجزٍ أو محرمٍ.!
فُتِح الباب، وركبتِ يا أميرةُ الأشعار، ودِماءُ قلبي بدأت بالغليان.
ما أجملها من لحظةٍ حين تقودُ سيارتكَ والقمرُ يرافقُك، تشعرُ بأنَّكَ تطير فوق الغيوم، وتتبهى بقمركِ أمامَ النجومِ، تشعرُ أنَّك في جولةٍ استثنائيّةٍ، لا تريدُها أن تنتهي، لا تريدُ أن تصل لوجهتك، وتتمنَّى ان تتوهَ بين الطرقاتِ وأن تطولَ المسافاتُ، فقط لكي تكسبَ مزيداً من اللحظات... مزيداً من نبضاتِ المسافاتُ، فقط لكي تكسبَ مزيداً من اللحظات... مزيداً من نبضاتِ الحبِّ الجميلِ.
انطلقنا وانطلقتْ في داخلي أمنياتٌ كثيرةٌ وأحلامٌ كبيرةٌ، كُنتِ أنتِ سيدَتها وأميرتَها. وكم كُنتُ ممتنّاً لتلك المرآةِ الصغيرةِ المعلقةِ أمامي، فقبل هذهِ اللحظة لم أكن اعرفُ فائدةً تُذكرُ من صُنعِها، حتى صارتِ الأداةُ التي أستطيعُ من خلالها رؤيةَ عينيكِ والجزءَ الصغيرَ الظاهرَ من وجنتيكِ.
لم يكنُ هُناك كلامٌ يُحكى بيننا، فكما يقولونُ يا جميلتي:
"الصمتُ في حرمِ الجمالِ جمالُ!". وما أجمل ذلك المطرب الذي كان صوتُه الشامخُ يكسرُ هدوء جولتنا، وما أجمل كلمات ذلك الشاعر الذي كان يكتبُ قصيدتَه للحظةٍ كهذهِ..
"أحِبِّيني بلا عُقّدٍ
وضيعي في خُطُوطِ يدي
أحبِّيني لأسبوعٍ... لأيامٍ ... لساعات
فلستُ أنا الذي يهتمُّ بالأبدِ..." (نزار قباني)
أحِبِّيني ... فأنتِ حالةُ إدمانٍ لا تتكرر ... ونهرُ هذيانٍ، وقطعٌ من السُكر.
أحِبِّيني ... فأنتِ واحدتي ومُهلِكتي ... وبين عينيكِ، أريدُ حفرَ قبري.
أحِبِّيني ... فأنتِ نبضُ قلبٍ لا يهدأ ... وليلةُ جنونٍ وأجملُ مرفأ.
أحِبَِيني ... فأنتِ، لا أعرفُ حقاً مَن أنتِ!، سوى أنَّكِ الوحيدةُ التي تجيدُ القفزَ بين شرايين قلبي.
أحِبَِيني ... لا تتردَّدي ولا تتأخَّري، فأنا مشغولٌ بنسجِ قصيدتي ... وضعتُ فيها عينيكِ، ورسمتُ فوقها شفتيكِ، وأخافُ أن تتأخَّري ... فأُحِبُّها أكثر من خديكِ.!
وما إن انتهت حالةُ هذياني اللذيذة، حتى وجدتُ أننا قد وصلنا ... وصلنا وبابُ منزلكِ مشتاقٌ لعودتكِ والنوافذُ بنظرةٍ مشتاقةٍ تنظرُ إليكِ، كلُّ شيءٍ في ذلك المنزلِ يترقَّبُ عودتّكِ وكأنكِ الكهرباءُ التي تضيءُ أرجاءهُ ... لحظةُ فرحٍ تعيشُها أرضُ ذلك المنزلِ، ولحظةُ تعاسةٍ يعيشُها قلبي ... كيف أدعُكِ تذهبين وأنا لم أكتفِ، ومازال قلبي يريدُ الكثير والكثير منكِ...
وبابتسامةٍ ناعمةٍ نزلتِ، ابتسامةٌ لم أرها بشكلِها المعروفِ، بل رأيتُها تخرجُ من عينيكِ، ولم تستطيعي أن تقولي وداعاً، ولكنَّها عينيكِ كانت تلوَّحُ بـ "إلى لقاءٍ آخر"!.
عدتُ إلى منزلي وسريعاً صعدتُ إلى غرفتي وأنا مبتسمٌ وقلبي مزدحمٌ بكٍ ... وفي تلك الليلةِ لم أكن بحاجةٍ لمداعبةٍ النوم لكي يأتي، بل جاء سريعاً بعد نشوةِ الجسدِ...
نمتُ وأنا مبتسمٌ... وصحوتُ وأنا مبتسمٌ... وكانت عينيكِ هي آخرُ ما فكَّرتُ بهِ... وأولُ ما تذكَّرتُهُ حين استيقظتُ.
أصبحتْ رؤيةُ عينيكِ تزرع ابتسامةً جميلةً على ثغري.
***
حين نحبُّ تتعلَّقُ سعادتُنا على أكتافِ مَن نحبُّهم، فإن أداروا لنا ظهورهم، أدارت لنا السعادةُ ظهرها، وإن اقتربوا منِّا زادت نبضاتُ السعادةِ في قلوبنا.
حين نحبُّ يصبحُ مَن نحبُّهم فرحَنا وابتسامتَنا وبهجتّنا، والليلَ الطويلَ الذي نسهرهُ بملءِ إرادتِنا، وشمسَ الصباحِ البشوشةِ، ونكهةَ القهوةِ الحلوةِ... وأحياناً المرَّةِ.!
يصبحون كلَّ شيءٍ جميلٍ في حياتنا، وما سواهم لا يُذكرُ حتى وإن أعطانا ما لم يقدروا هم عليه.
هكذا أصبحتِ، فرحي وسعادتي وبهجتي وكلَّ الأمورِ الجميلةِ في حياتي. أصبحتِ ابتسامتي الحلوة، وفرحتي الكبيرة، وكلَّ ما يتعلَّقُ بكِ يسعدّني مهما كبرُ أو صغر. قهوتي لم تعُد بحاجةٍ لقطع من السُكر، فالقليلُ من الَغرقِ في ذكراكِ كافيٌ، ليوهمَ عقلي بأنَّ كلَّ شيءٍ ذو مذاقٍ سُكريٍّ.
منذُ تلك الليلةِ وتلك الجولةِ وأنا أبحثُ عن طريقةٍ أصِلُ بها إليكِ، فأنا أريد:
أن أخبرَكِ بأنّني تجاوزتُ مرحلةَ الإعجابِ، وما أراهُ في نفسي هي علاماتُ الهيام> أن أخبرَكِ بأنّني أريدُكِ وأنّني أحبُّ كثيراً عينيكِ وأنَّ عينيكِ – والله – رائعتان.
أن أكتبَ لكِ قصيدةً وأرتِّلهُا على مسمعكِ، حتى أرى سنَّكِ الضاحكِ الخجولِ، واستمتعُ برؤيةِ لونِ الوردِ الأحمرِ على خدَّيكِ.
ما أكثر ما أريدُه معكِ، ولكن كيف السبيلُ إليكِ؟.