٤

7 0 00

٤

وكان النهر يُملي عليه حديثًا عجبًا؛ لأنه نهر عجيب بين الأنهار، لا يعرف الناس له منبعًا ولا مصبًّا، وإنما يرونه يسعى من الشرق إلى الغرب دون أن يستطيع أحد أن يقول: من أين يأتي؟ ولا إلى أين يجري؟ وقد حاول المستكشفون أن يعرفوا من أمره ما عرفوا من أمر الأنهار الأخرى في الأرض فلم يبلغوا من ذلك شيئًا، سايروا شاطئه من الشرق إلى الغرب، ومن الغرب إلى الشرق، فوجدوا مدنًا وقُرى، وصحاري ليس فيها مدن ولا قرى، ولكنهم انتهوا دائمًا إلى غابات كثاف يضيع النهر بينها، ولا سبيل إلى النفوذ منها ولا إلى تتبعه فيها. وكأنما خُلِقت هذه الغابات في الشرق والغرب لتحجب النهر عن المستكشفين وتعمِّي آثاره على المتتبعين. وهي تتكاثف وتتكاثف، ويدنو بعض أشجارها من بعض، ويلتف بعض أشجارها ببعض، ويكاد بعض أشجارها يركب بعضًا، حتى كأن النهر إنما ينبع من بيئة مظلمة أشد الإظلام، ليصب في بيئة أخرى ليست أقل منها إظلامًا ولا حلوكًا.

ولم يكن هذا هو الشيء الوحيد العجيب من أمر النهر، وإنما كانت له خصلة أخرى ليست أقل من هذه الخصلة عجبًا؛ فقد عرف الناس أحد شاطئيه، وهو هذا الذي تقوم عليه الربوة، وتنبسط فيه السهول الخصبة المأهولة والصحاري الجدبة المقفرة، من الشمال. فأما شاطئه الآخر، مما يلي الجنوب، فقد جهله الناس كما جهلوا منبع النهر ومصبه، ولم يعرفوا منه إلا شيئين اثنين: أحدهما أن من وراء النهر، وعلى أمد منه غير بعيد، جبالًا شاهقة ترتفع في السماء، وتبعد في الارتفاع حتى لا يكاد البصر يبلغ قممها إلا في كثير من الجهد والمشقة. والثاني أن العبور إلى هذا الشاطئ مخوف يملأ القلوب هولًا ورعبًا؛ فقد تعارف الناس وتوارثوا منذ أقدم العصور، أن الذين يعبرون إليه لا يعودون، وهم من أجل ذلك لا يفكرون في العبور إليه، بل لا يتحدثون في العبور إليه إلا في كثير جدًّا من الحذر والتحفظ والاحتياط.

ولعلهم لا يذكرونه بالتصريح، وإنما يذكرونه بالإشارة والإيماء، بل نشأ عن هذا أيضًا أن الناس كرهوا الدنو الشديد من شاطئه الشمالي المعروف، وآثروا أن يقيموا مدنهم وقراهم على آماد بعيدة منه قد قُدِّرت تقديرًا. وما أكثر المدن والقرى التي اتخذت بينها وبين النهر حواجز كثافًا من الشجر! كأنما كان الناس يكرهون حتى أن تبلغ أبصارهم شاطئ النهر الذي يليهم، لا نستثني منهم إلا أهل هذه الربوة التي أشرفت على النهر وكادت تسعى إليه سعيًا؛ فقد كانوا لا يخافون النهر ولا يرهبونه ولا يكادون يحفلون به، إما لأنهم كانوا من عنصر ممتاز لا يعرف الخوف ولا الرهب ولا يحفل بما يحفل به الناس، وإما لأنهم كانوا مشغولين عنه بحياتهم الناعمة وعيشهم الغض وتهالكهم على ما يُتاح لهم من لذات، وإما لأنهم كانوا أذكى قلوبًا وأنفذ بصائر من أن يقفوا عند ما يقف عنده العامة، ومن يدري؟! لعل كل هذه الخصال مجتمعة وخصالًا أخرى غيرها كانت تشغلهم بأنفسهم وتصدهم عما يقبل الناس عليه من ألوان التفكير.

وكان الشاعر وحده بين أهل القصر وما يتصل به من الأجنحة والدور هو الذي يُعنَى بهذا النهر ويريد أن يستكشف أسراره ويتعمق دقائق أمره. ولكن للشعراء مذاهب في البحث والاستقصاء لا تشبه مذاهب العلماء والفلاسفة إلا قليلًا؛ فلم يكن شاعرنا يتتبع شاطئ النهر ليعرف منبعه أو مصبه، ولم يكن يحاول أن يعبر إلى شاطئه الآخر ليعرف ما وراء النهر، وإنما كان يكتفي حين يُتاح له شيء من فراغ بأن يجلس في هذا الجوسق مشرفًا على النهر محدقًا فيه مطيلًا النظر إليه، يسأله ويلح في السؤال، ويستمليه ويسجل ما يُملي عليه.

وكان النهر بخيلًا بأسراره، ضنينًا بدقائقه وحقائقه حتى على هذا الشاعر، مع أن المعروف أن الأنهار تحب التحدث إلى الشعراء؛ فكان الشاعر إذا سأل عن شيء من هذه الألغاز لم يرجع النهر عليه جوابًا، وإنما يتحدث إليه عن أسرار أخرى تلك التي كانت الشمس تفضي بها إليه في رسائلها الطوال التي كانت تقرؤها عليه منذ يسفر الصبح إلى أن يظلم الليل، والتي كانت النجوم تفضي بها إليه في رسائل خاطفة متقطعة ترسلها إليه حين يغشى الليل، والتي كان القمر يرسل بها إليه ضوءه الهادئ المستقر بين حين وحين، والتي كان النسيم يهديها إليه في الليل مرة وفي النهار مرة أخرى، والتي كانت تعصف بها الريح أحيانًا ويقصف بها الرعد أحيانًا، ويخفق بها البرق أحيانًا أخرى. وربما أملى عليه بعض ما كانت تتحدث به أمواجه الهادئة المطمئنة من بعض النجوى.

وكان الشاعر يجد في هذه الأحاديث متاعًا، ويسجل منها أطرفًا يحتفظ بأكثرها لنفسه، وربما عُرِض أقلُّها على أهل القصر فرضوا حينًا وسخروا أحيانًا.

وهو في هذه الساعة مقبل على النهر يسأله ويتلقى أحاديثه، بعينيه حينًا، إذ يرقب صفحته المضطربة في هدوء، وبأذنيه حينًا آخر إذ يسمع هذا الخرير الهادئ الذي يشبه نجوى المحبين. ولكن إقباله على النهر لا يتصل؛ فهذا الخادم قد أقبل يحمل إليه القهوة التي طلبها إليه، وهو لا يضع القهوة أمامه ثم ينصرف كما تعود أن يفعل في كل يوم، وإنما يقف صامتًا أول الأمر، ثم يقول: ما ينبغي أن يطول انتظار مولاي لك يا سيدي، وإنما الخير إذا فرغت من قهوتك أن تستجيب لدعائه؛ فقد أُنسِيت أن أنبئك بأنه كلفني أن أوجهك إليه متى أقبلت، وما أرى إلا أنه يجهل مقدمك إلى الآن، قال الشاعر: فدعه يجهل مقدمي حتى أسعى إليه بعد قليل.

قال الخادم: لا تبطئ يا سيدي، فما أرى إلا أنه شديد الحاجة إلى لقائك، وأكبر الظن أنه لم ينم من ليلته، وأن أمرًا ذا بال ينغص عليه حياته، قال الشاعر: وما ذاك؟

قال الخادم: لا أدري! ولكني أعلم أنه أنفق آخر الليل في مكتبه ذاهبًا جائيًا، وأنه لم يصب من إفطاره إلا القهوة، وأنه كان مكدودًا مجهودًا يتكلف القوة والجلد، وأحسب أن ابنه الشاب هو مصدر هذا الهم وأصل هذا العناء، فإن له — كما تعلم — خطوبًا لا تنتهي.

قال الشاعر: حسبك فقد فهمت عنك، أنبئ مولاك بأني سأرقى إليه بعد قليل.

ووقف الخادم لحظة لا يقول شيئًا، ولكنه يدير في نفسه أن هذا الرجل محمق يؤثر حديث الأنهار على حديث الناس، ثم نظر فإذا الشاعر قد أعرض عنه وأقبل على النهر ينظر إليه والقلم في يده كأنه يستمليه، فلم يرَ بُدًّا من أن ينصرف متباطئًا وفي نفسه كثير من الغيظ.

وليس من شك في أن حديث النهر كان أحسن موقعًا في نفس الشاعر من حديث هذا الخادم الذي لم يكن ينبئه بشيء جديد؛ فهو يعلم أن لذلك الفتى المترف خطوبًا لا تنقضي، بعضها يحدث في القصر نفسه، وبعضها يحدث فيما يتصل به من الأجنحة والدور، وبعضها يحدث في القرية المقيمة في أسفل الربوة، وبعضها يتجاوز القصر والقرية إلى أماكن قريبة أو بعيدة، وهو يعلم أن هذه الخطوب كثيرًا ما تشغل صاحب القصر وتثير في نفسه ألوانًا مختلفة من الشعور. فهو مرة راضٍ عنها ومبتسم لها، يرى أن ابنه فتى قد نيَّف على العشرين ومن حق الشباب أن يلهو ويعبث. وهو مرة ضيق بها منكر لها، يرى أن للهو حدودًا لا ينبغي أن يعدوها الفتيان مهما يكن حظهم من نشاط الشباب، وهو مرة ساخط أشد السخط ثائر أعنف الثورة، يرى أن ابنه قد أسرف في تعدي الحدود وتجاوز الممكن من لهو الشباب. وهو إذا بلغ هذا الطور من أطوار الغضب لم يؤثر نفسه بنتائجه وإنما يشيع هذه النتائج من حوله، ويريد أهل القصر جميعًا على أن يثوروا كما ثار ويسخطوا كما سخط، ويرهق امرأته من أمرها عسرًا، يحملها أوزار هذا الفتى الذي لا يعرف القصد، ولا يستطيع أن يقف نفسه عند ما ينبغي أن تقف عنده من الحدود، يرد ذلك إلى أن أمه لم تحسن تربيته، ولم تعرف كيف تنشئه، ولم تستطع قط أن تمتنع عن تدليله وتيسر كل ما يعرض له من أمر عسير.

ثم إن صاحب القصر لا يشق على نفسه وعلى أهله وذوي خاصته وحدهم حين يتورط ابنه في خطيئة من الخطايا، وإنما هو معلن لثورته مشيع لسخطه، يريد أن يشرك الناس جميعًا والأشياء جميعًا فيما يجد. فهو يتجهم للزائرين ويلقاهم بوجه عابس بغيض، ويتحدث إليهم من طرف اللسان، وما يزال يتكلف من ذلك فنونًا وفنونًا حتى يضطرهم إلى أن يسألوه عن أمره، فإذا فعلوا أنبأهم بهذه الأحداث الجسام التي يحدثها ابنه الطائش المفتون، ومضى في أحاديث لا آخر لها، يجد في ذلك تسرية عن نفسه، ويجدون فيه إملالًا لنفوسهم، ولكن لا بُدَّ مما ليس منه بد؛ فقد ينبغي أن نقبل الأصدقاء على علاتهم ليقبلونا على علاتنا، وأن نأخذهم كما هم ليأخذونا كما نحن.

والشاعر بالطبع أشد الناس تعرضًا لهذا السيل الجارف من الأحاديث عن هفوات الفتى ونزواته وأحداثه التي يحدثها هنا وهناك؛ لمكانه القريب من صاحب القصر. فأي غرابة في أن يفر بنفسه بين حين وحين من هذا الامتحان، ويخلو إلى نهره هذا العزيز فيسمع منه ويقول له: وأي غرابة في أن يُعرِض عن الخادم حين يريد أن يشق عليه بهذا الحديث، فيقفه ثم يصرفه في غير رقة ولا لين! أليس يكفيه ما يسمع من السيد؟! ألم يبقَ إلا أن يشقيه الخدم أيضًا بهذه الأحاديث؟!

كانت أحاديث هذا الفتى إذن معادة مملولة بالقياس إليه على حين لم تكن أحاديث النهر معادة ولا مملولة، وإن كانت شاقة عسيرة دائمًا، فقد كان النهر عصيًّا أبيًّا، يتحدث بما يريد هو لا بما يريده سائلوه. وكان في تلك الساعة يقرأ على شاعرنا ألوانًا من رسائل اختلسها من ريح الشمال، وكانت تحملها إلى ظلال قوم عبروا النهر ولم يعودوا، وكانت هذه الرسائل تصور ما يضطرم في بعض القلوب من لهيب الحزن والأسى، وما يزهر في بعضها الآخر من الذكريات، وما يساور بعض النفوس من يأس يحبب عبور النهر إلى الأحياء الآمنين، ومن حرص على الحياة يجعل عبور النهر مروعًا مخيفًا.

وكان الشاعر يستمع لهذه الرسائل — ويستمتع بما فيها — استماعًا حزينًا شاحبًا، يلائم آمال الناس التي لا تنقضي وقدرتهم التي لا تمتد إلى أمد بعيد، كما يلائم حبهم للحياة وشوقهم إلى من فارقوا الحياة، وكما يلائم ما يشيع في قلوبهم من هذه القوة الضعيفة التي تعجز عن استبقاء الأشياء فتحتفظ بذكراها، ومن هذا الضعف القوي الذي يأبى أن يسلم الذكرى للنسيان، فيستبقيها وينميها ويتخذ منها وسائل لاستبقاء الحياة وتنمية ما فيها من نعيم قليل واحتمال ما فيها من بؤس كثير.

وقد همَّ الشاعر غير مرة أن يتقدم إلى النهر في طي هذه الرسائل الإنسانية الممتعة المحزنة، ونشر رسائل أخرى ليس لها حظ من حزن ولها حظ عظيم من المتاع. فما أكثر ما كان النهر يقرأ عليه رسائل يسعى بها النسيم بين أزهار الشمال النضرة وأزهار الجنوب الذاوية الذابلة! وما أكثر ما كان النهر يقرأ عليه أنباء السماء تحملها أشعة النجوم أو ضوء القمر أو نور الشمس! بل ما أكثر ما كان الشاعر يستحب هذه النجوى التي تكون بين أمواج النهر متحدثة بأنباء الشرق ذلك الذي لم يصل إليه أحد، حاملة هذه الأنباء إلى الغرب الذي لا يصل إليه أحد.

ولكن النهر كان يأبى دائمًا أن يقرأ على الشاعر أو يملي عليه شيئًا غير ما يريده هو. وكان الشاعر يجد في هذا الإباء والامتناع ما يشقيه ويرضيه في وقت واحد: يشقيه لأنه يبعده عما يحب، ويرضيه لأنه يأتيه بما يلذه ويمتعه. وهل حياة الشعراء إلا مزاج من الشقاء والرضا؟! ولو خُيِّر الشاعر لاختار أن تتصل خلوته إلى النهر أطول وقت ممكن، وأن يحتمل من شذوذه واستبداده ما شاء النهر أن يحتمل. ولكن الشاعر لم يكن مُخيَّرًا في شيء. ومتى خُيِّر الشعراء وأصحاب الفنون في شيء؟! إنما هم عبيد الطبيعة، تفرض عليهم ما فيها من جمال وقبح ومن نعيم وبؤس، وتخيل إليهم أو يُخيِّلون هم إلى أنفسهم أنهم أحرار يستنبطون من الطبيعة أسرارها ويصوغونها في صيغهم الفنية المألوفة شعرًا، أو رسمًا، أو نحتًا، أو تصويرًا، أو غناء، أو إيقاعًا.

وليس أدل على ذلك من أن شاعرنا قد كان عبدًا لهذا النهر، ولم يكن يستطيع حتى أن ينعم بهذا الرق، وإنما كان يُصرَف عنه من وقت إلى وقت بطارئ يطرأ أو طارق يطرق. وليس كل الطوارئ يمكن أن يُدفَع في يسر، وليس كل الطارقين يمكن أن يُرَد في لين أو عنف، وقد استطاع الشاعر أن يرد الخادم حين هم أن يصرفه عن النهر، ولكن من له بأن يرد هذا الطارق الذي وضع يده في رفق على كتفه ونشر في الجو ضحكًا عريضًا وهو يقول في صوت متقطع: هأنتذا تخلو إلى نهرك لتقول له وتسمع منه، متى تنصرف عن أوهام الشعراء إلى ما يحيط بك من حقائق الحياة؟!