٥
ويرفع الشاعر رأسه فيرى ابن صاحب القصر قد قام عن يمينه، جميل المنظر، رائع الطلعة، معتدل القامة، حاد النظرات، قد امتلأ قوة ونشاطًا، وظهر على وجهه المشرق شيء من الجد الحزين حاول أن يخفيه بهذا الضحك العريض الذي كان ينشره من حوله في كثير من التكلف.
ولست أخفي على القارئ أني حائر أشد الحيرة في أمر هذا الفتى، كما أني حائر أشد الحيرة في أمر أهل الربوة جميعًا؛ فكلهم يلح عليَّ في أن أجد له اسمًا يتسمى به ويميزه بين غيره من الناس. وكلهم يلحُّ عليَّ في أن الأشخاص لا يستكملون وجودهم إلا إذا عُرِفت أسماؤهم التي تحقق التمايز فيما بينهم وتخرجهم من هذا الوجود الوهمي الذي يشبه العدم إلى وجود، إلَّا يكن واقعًا كل الوقوع، فهو شيء بَيْنَ بَيْنَ، أقرب إلى الواقع منه إلى الوهم، وأدنى إلى الحقيقة منه إلى الخيال. وكلهم يلحُّ عليَّ في أن القدماء الذين عاشوا بين النهرين في بعض عصور التاريخ لم يكونوا مخطئين حين كانوا يرون أن اسم الرجل هو أخطر أجزاء حياته، وحين كان هذا الرأي يذهب بهم إلى شيء من الغلو، فيعتقدون أن لأسمائهم إذا نُقِشت على الجدران حظها من الحياة وحقها في القربان؛ لأنها تظل حية بعد موت أصحابها، أو لأنها تختصر وتستجمع ما يمكن أن يبقى من حياة أصحابها.
فللأسماء خطرها إذن، ويوشك الرجل الذي ليس له اسم ألا يكون موجودًا، وهم من أجل ذلك يتصايحون بي من كل وجه مطالبين بأن أسميهم بأسمائهم ليستمتعوا بالوجود الصحيح.
وما ينبغي أن تسألني كيف يتصايحون وهم لم يُوجَدوا بعد؛ فإنهم يتصايحون على نحو خاص لا يسمعه أحد غيري، ولو أني منحتهم أسماءهم لكان من الممكن أن يتجاوز تصايحهم أُذني إلى أُذنيك.
وما أظنك تنكر أن الشخص الوحيد الذي استطعت أن تتصوره من أشخاص هذه القصة الذين مروا بك إلى الآن إنما هو شخص البستاني الذي سميته عثمان، ولو لم أسمه لما تبينته، كما أنك لم تتبين إلى الآن شخص الشاعر على كثرة ما أضفت إليه من الصفات، ولا شخص هذا الفتى الطارق على ما وصفت لك من منظره الجميل وطلعته الرائعة ووجهه المشرق الوضَّاء.
فهم لا يتجاوزون الإنصاف حين يطالبونني بأن أسميهم بأسمائهم، ولكن ماذا أصنع وأنا أشد الناس ضيقًا بابتكار الأسماء، لا يطاوعني عقلي الضئيل، ولا خيالي الكليل على هذا النحو من العبث؟! ثم أنا من جهة أخرى أكره أن أختار الأسماء؛ لأني أخشى أن أختار أسماء لها أشخاص قد اتخذوها لأنفسهم، أو وسمهم بها آباؤهم، وهذا أبغض الأشياء إليَّ؛ فقد أنبأتك أن هذه القصة لم تقع أحداثها في مصر، ولا في بلد متاخم أو مجاور لمصر كما يقول الناس في هذه الأيام، وإنما افترضت أن تكون أحداث القصة قد وقعت في إسبانيا، لا لأنها وقعت في إسبانيا بالفعل، فدون وقوعها في إسبانيا خطوب وأهوال، بل لأن إسبانيا هي الأرض التي تُبنَى فيها قصور الخيال والتي وُجِدت فيها تلك الرُّبى التي ذكرها الشاعر الموشح حين طلب إلى السحب أن تجلل تيجانها بالحلي.
من أجل هذا كله أكره أن أسمي أهل هذه الربوة بأسمائهم، وأخشى بنوع خاص أن يصرف بعض الناس هذه الأسماء وما يرون حولها من الحديث إلى أنفسهم، فيظنوا أني قد أردت بهم شرًّا وعرضت لهم من قريب أو من بعيد.
فإذا عاهدني القراء على أن يؤمنوا أوثق الإيمان فيما بينهم وبين أنفسهم بأن هذه الربوة ليست قائمة في مصر ولا في البلاد المتاخمة أو المجاورة لها، وبأن أهلها ليسوا مصريين ولا عربًا ولا شرقيين، فقد أستطيع أن أجيب أشخاص القصة إلى ما يريدون، وأهدي إلى كل واحد اسمًا يميزه ويمنحه حظه من الوجود الذي يطمع فيه ويطمح إليه، وإن كان الوجود في نفسه ليس شيئًا يستحق الطمع فيه أو الطموح إليه.
وليس ينبغي لك أن تظن أني أمزح أو أداعب حين أغض من قيمة الوجود؛ فلست أنا في هذا مبتدئًا ولا مبتكرًا، ولست فيه بدعًا من الناس، وما أكثر الفلاسفة والشعراء الذين ينكرون قيمة الوجود ويرونه شرًّا أي شر، ويودون لو أنهم لم يُدفَعوا إليه، أو لو أنه لم يُدفَع إليهم! وأنت تذكر بالطبع أن أبا العلاء تمنى غير مرة لو أن حواء ماتت قبل أن تمنح زوجها الولد أو لو أنها ماتت عقب ولادتها لابنها الأول، وأنت تذكر كذلك أن أبا العلاء — ومن قبله فلاسفة كثيرون — كان يرى النسل جناية لا ينبغي أن يجنيها الرجل العاقل الحازم، وقد ظن بنفسه العقل والحزم، فلم يقترف هذا الإثم، ولم يتورط في هذه الجناية.
ولو سمع لي أشخاص القصة وقبلوا نصحي لهم ومشورتي عليهم، لما طمعوا في الوجود ولما طمحوا إليه، ولما أثقلوا عليَّ بهذا الإلحاح في أن تكون لهم أسماء يُعرَفون بها، كما أن لغيرهم من الناس أسماء يُعرَفون بها، ولكن أرسطاطاليس قد أخطأ تعريف الإنسان حين قال إنه حيوان ناطق، ولو قد وُفِّق إلى الصواب لقال إنه حيوان أحمق، وليس أدل على حمقه من طمعه في الوجود وطموحه إليه وحبه للحياة.
وما دام هؤلاء الأشخاص قد استوفوا أعظم حظ ممكن من الحمق فأبوا إلا أن تكون لهم أسماء، فلنُسمِّ الشاعر راغبًا، ولنسمِّ الفتى نعيمًا، فأما أبوه فلنرجئ تسميته إلى أن نلقاه في مكتبه ذاك الذي اتخذه لنفسه سجنًا منذ آخر الليل.
قال الفتى للشاعر حين سكت عنه الضحك: قد كنت أبحث عنك لأودعك، فقد أزمعت السفر قبل أن يقبل الليل، وعزيز علي أن أُحرَم هذه الساعات الحلوة التي أخلو فيها إليك، فأسمع ما تنشدني من شعرك الرائع الجميل، وما تقص علي من طرائف الأخبار ونوادرها.
قال الشاعر: وإنك لمسافر منذ اليوم؟ وفيمَ هذا السفر الذي لم تُنبئنا به ولم تُهيئنا له، ولم يقدم القصر بين يديه هذه المقدمات التي تعودت أن تسبق سفرك بأيام طوال؟
قال نعيم — وهو يتكلف الضحك ويخفي سُخرية مُرَّة: فإنها المأساة يا سيدي! إنها المأساة! لقد زُلزِلت الأرض وغضبت السماء، وأظلمت الدنيا وفسد في حياة القصر كل شيء، قال الشاعر: وما ذاك؟
قال نعيم: ذاك أن الشيوخ ينسون الشباب، أو قل إنهم يستبقون الشباب لأنفسهم، ويستأثرون بما يتيح لأصحابه من فرصة، وما يبيح لهم من تجاوز الحدود، يرون ذلك سائغًا حين يتصل بأشخاصهم، ويرونه حرامًا حين يتصل بغيرهم من الناس، قال الشاعر: فإني لم أفهم عنك إلى الآن.
قال نعيم: ولكنك قد قدرت من غير شك أن قد حدث في القصر حدث؛ فأنت لم تلقَ أبي في حديقته هذه الغلباء، وجنَّته الفيحاء، كما تعودت أن تلقاه في كل يوم قبل أن يرتفع الضحى، متنقلًا بين زهره وشجره، ملحًّا على بستانيه بالأمر والنهي والسؤال والاستقصاء، حتى إذا أجهده سعيه وإلحاحه وحركته وسكونه وتشددت أنت عليه في أن يريح نفسه ويريح بستانيه ويريحك أنت من هذا العناء، أقبلتما معًا إلى هذا الجوسق أو إلى غيره من جواسق الحديقة، فأنفقتما سائر الضحى فيما تحبان من الحديث، ولا شك في أنك قد أنكرت تخلف أبي عن موعده، واحتجابه عن أخص الناس به وأكرمهم عليه، ولا شك أنك قد سألت عن ذلك فعرفت من أنبائه أطرافًا.
قال الشاعر: لم أعرف إلا أنه محتجب في مكتبه، وأنه طلب أن أُوجَّه إليه متى أقبلت، وقد غاظني أن يحتجب الناس بين الجدران وتحت السقوف حين يصفو الجو ويعذب النسيم، ويدعونا الجمال إلى أن نستمتع به في هذه الحديقة الرائعة النادرة؛ فلم أسعَ إليه وإنما سعيتُ إلى النهر، وكنت أريد أن أرقى إليه بعد ساعة تقصر أو تطول.
قال نعيم: فإن استطعت أن ترقى إليه الآن فافعل؛ فهو في حاجة إلى من يؤنس وحدته ويسلِّي عزلته ويبدد عنه همومًا ثقالًا، وما أظن إلا أن حالته هذه ستتصل وتتصل، فسأسافر حين يقبل الأصيل، ولكني لن أسافر وحدي اليوم فسيتبعني بعد أيام قوم نبتْ بهم الدار ولم يبقَ لهم فيها أرب، إنها المأساة يا سيدي، إنها المأساة! وإن شئت فقل إنه الجنون واختلاط العقل.
ثم سكت لحظة كان يعبث في أثنائها بسلسلة ذهبية قد علق بها جماعة من المفاتيح، ثم قدَّم إلى الشاعر سيجارة وأشعل لنفسه سيجارة أخرى، ورمى النهر بنظرة فيها كثير من السخط والغضب، وأرسل في الجو تنفسًا كان يريد أن يكون عميقًا بعيدًا، ولكن الفتى تجمل وتحفظ وأبى أن يخرج عن طوره، فاكتفى بتنفس بعيد بعض الشيء، وجعل ينظر إلى الدخان وهو يتلوى تلويًا خفيفًا في الهواء، ثم قال في صوت هادئ لا يخلو من حنق وسخرية: ومع ذلك فقد كنت أرى أبي إلى الآن مستأنيًا حليمًا.
قال الشاعر: أمفصح أنت لي آخر الأمر عما تريد، ومعرض أنت عن هذه الألغاز؟
قال الفتى في صوت صاخب: تريد أن أفصح لك؟ فاعلم أن أبي قد طردني من القصر، وإن لم يكفك هذا فاعلم أنه لم يطردني وحدي وإنما طرد معي قومًا آخرين، أفهمت؟ أرضيت؟
قال الشاعر: لم أفهم شيئًا ولم أرضَ عن شيء، وإنما ازددت جهلًا إلى جهل، وحيرة إلى حيرة؛ فكيف أقصاك أبوك عن القصر؟ وفيمَ كان هذا الإقصاء؟ وكيف تلقيت أمره هذا على أنه جد، مع أنك تعلم أنه يجد الآن ليهزل بعد ساعة، وأنه لا يسخط إلا ليرضى، وأن من العسير حين يستمع إليه خلطاؤه أن يتبيَّنوا أهازل هو أم جاد؟
قال الفتى: فإني لا أعلم أن الناس يتمازحون بالطلاق.