بطل رغم أنفي
تأليف
خالد السويدي
رسوم
عبدالزهرة صالحي
الطبعة الأولى
2009
جميع الحقوق محفوظة
حقوق هذه النسخة محفوظة لموقع
www.iBooks.ae
مقدمة
جلست والخوف بعينيها، تتأمل كتابي المقلوب، قالت: يا ولدي لا تحزن فالحسرة عليك هي المكتوبة يا ولدي ...... يا ولدي قد مات شهيدا من مات فداءً للمظلوم.
حاولت و حاولت كثيرا لكني لم اقدر أبدا أن أكشف سر نحاستك، وجربت كثيرا لكني لم اعرف أبدا أحدا يمكنه مساعدتك.... مكتوب أن تنتظر من يأخذ بيدك، وتكون حياتك طول العمر رايح جاي، فبرغم بروز موهبتك..... وبرغم شدة تحمسك.... وبرغم الحزن الساكن فيك ليل نهار ستظل مكسورا حيران!.
بحوزتك يا ولدي كتاب لا يمكن أن يكون له أي وجود، يحوي قصصا فيها هموم، قد يغدو كتابك مثل امرأة ذات حسب وجمال هي الدنيا، لكن سماءك ممطرة والباب دوما مقفول!، فكتابك يا ولدي في كل الأحوال مرفوض.
ستحاول يا ولدي في كل مكان، وستجوب هيئات ووزارات و دوائر، وسترجع يا ولدي مكسورا تغلفك الأحزان، وستسأل عنه موج البحر وستسأل إبليس الشيطان، وستفيض دموعك أنهارا، وسيكبر حزنك حتى يصبح أبراجا، وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان، فكتابك يا ولدي ليس له أرض أو وطن أو عنوان، ما اصعب أن تنشر كتاباً دون وساطة ملك الجان!.
الإهداء
إلى كل من تؤرقه هموم الوطن والمواطن
إلى كل إنسان بسيط ذاق طعم المعاناة
إلى محمد وعائشة وعمر ومريم وأسماء
هذا الكتاب مني إليكم
إسماعيل شاكليته
وقف شاكر قرب دكانه القديم الواقع قرب سكة الخيل في دبي فتراءى له شخص يعرف ملامحه جيداً رغم مرور أكثر من أربعين عاماً على آخر مرة شاهده فيها. تحشرجت الكلمات في حلقه وهو يصيح بصوت عال:
إسماعيل شاكليته... إسماعيل.
نظر الرجل الجالس في السيارة باتجاه شاكر، لكنه لم يجبه، تحركت السيارة التي يقودها السائق بينما الرجل جالس في المقعد الخلفي، شرد ذهن الرجل، عاد بذاكرته إلى سنوات طويلة مضت.
تذكر الحي الذي عاش به لسنوات عديدة، فهناك تعرف على الشخص الذي ناداه قبل قليل، شاكر! صاحب الدكان في الحيّ نفسه، فقد كان يتردد عليه يوميا ليشتري الحلويات والشوكولاته حتى أطلق عليه لقب (اسماعيل شاكليته).
لم يكن قد تجاوز حينها الخامسة عشرة من عمره عندما توفّي والداه في حادثة غرق السفينة الهندية قرب مضيق هرمز، فتكفلت به عمته نسرين التي كانت أشهر من نار على علم، ولم تكن شهرتها نابعة من فراغ، رغم أنها لم تشغل أية وظيفة حكومية مرموقة؛ وإنما كانت معروفة في المدينة بفضل ما كانت تجلبه من الهند وبعض الدول في تلك الأيام، وهي كامرأة لم تنل نصيباً من الجمال، فعيناها متخاصمتان، كما أنها عانت من شلل الأطفال فصارت عرجاء في بداية طفولتها، وكان يميزها ضرس الذهب الذي كلما فتحت فاها لمع في وسط النهار.
عاش إسماعيل مع عمته في البيت المكون من ثلاث غرف صغيرة: الأولى، كانت له ولعمته، أما الغرفتان الأخريان، فقد كانتا للعمل، ومن ثم النوم للموظفات الكادحات اللائي يعملن ليل نهار. والصالة الصغيرة كانت مخصصة لاستقبال الزبائن، زبائن من مناطق كثيرة، جنود بريطانيون وهنود وإيرانيون ومواطنون وجنسيات أخرى، حتى البحّارة ترددوا على بيت نسرين للمتعة وقضاء أسعد الأوقات.
في تلك الفترة ترك إسماعيل الدراسة بعد وفاة والديه، ولم يعش كأقرانه الفتيان، حتى في الوقت الذي يسمح له بالخروج للعب في منطقة الرأس التي لا تبعد أكثر من كيلومترين، كان يعود حزيناً بسبب التعليقات التي يسمعها من الصبيان ومعايرتهم له بعمته نسرين وما يحدث في بيتهم. ولم يجد في تلك الفترة ما يشغله سوى الاعتناء بالبيت والزبائن، بينما كانت عمته تقضي معظم وقتها في الجلوس في الصالة والاستماع للإذاعة وتدخين (الجدو).
كانت عمته شديدة البخل ونادراً ما كانت تشتري له ملابس جديدة، وكان في معظم الأوقات يرتدي السروال المخطط مع فانلة قد اصفرّ لونها من العرق والوساخة، ولم يعد يجدي معها نفعا غسلها بالماء والصابون، وفانلته هذه في زمننا هذا تعجز عنها كافة مساحيق الغسيل، فكان يضطر في بعض الأحيان إلى الخروج من المنزل لشراء بعض الأغراض، مرتديا الشورت القصير المليء بالمربعات والمثلثات الشبيهة بنجمة إسرائيل، والذي يسميه الناس (هاف اسرائيلي) فتلاحقه النكات والتعليقات من الشباب الذي يلعبون الورقة قرب دكان شاكر .
تعلم إسماعيل توفير النقود لنفسه بعيداً عن أعين نسرين، وكان يضع النقود في حفرة قرب البئر الموجود في باحة البيت، وكثيرا ما كان يشفق عليه المترددون على المنزل فيكون نصيبه بضع روبيات هندية،إن كان الزبون ميسور الحال.
ظل على هذه الحال عدة سنوات حتى توفيت عمته نسرين بمرض غريب لم يستطع الأطباء تشخيصه في ذلك الوقت، وكان من حسن حظه أنَّه الوريث الوحيد، خصوصا عندما تفاجأ بأن حصيلته من الميراث بلغت ما يقارب الثلاثين ألف روبية صرفها من البنك البريطاني للشرق الأوسط.
استمر في نفس المهنة التي امتهنتها عمته . وفي أواخر الستينيات قامت الحكومة بطرد السكان الذين امتهنوا الدعارة في هذه المنطقة فاختفى إسماعيل ولم يشاهده أحد من معارفه لسنوات طويلة.
مرت هذه اللحظات التي تذكرها إسماعيل مثل شريط سينمائي استعرضه منذ وصوله لسكة الخيل وخروجه منها ولم يقطع هذه اللحظات سوى صوت السائق:
إلى أين تريد الذهاب الآن يا سيد راشد؟
توجه إلى مكتب رئيس البورصة... إنّه في انتظاري؟
بطلٌ رغم أنفي
بمجرد دخولي المنزل ركض ابني محمد باتجاهي وقد اغرورقت عيناه بالدموع، ثم تبعته أخته مريم على الحال نفسِه دون أن أعرفَ سبباً لهذه الحالة الكئيبة، وكلما حاولت معرفة ما حصل لهما، وجدتهما غير قادرين على التفوه بكلمة، بل كلما استفسرت منهما عما بهما، ساءت حالتهما أكثر.
استشطت غضباً، وذهبت بي الظنون إلى الخادمة التي يبدو أنها قد أساءت معاملتهما مجدداً، فأشهرت مقص الأظافر الذي أحمله في جيبي للطوارئ كي اقتص منها جزاء فعلتها النكراء في موقف لا مكان له للشفقة، بل يجب أن يأخذ الإنسان ثأره بيده قبل أن يلحق به العار.
لكني والحمد لله لم أتسرع إذ لمحتني زوجتي التي توجهت نحوي بسرعة قائلة:
ويحك، ماذا تريد أن تفعل أيها المجنون؟ هل امتدت إليك عدوى الأسلحة البيضاء؟
ماذا سأفعل؟ إنه لسؤال غريب يا امرأة، سأنتقم من الخادمة التي اعتدت بالضرب على أولادي حتى اصبحوا غير قادرين على التفوه بكلمة، انظري إلى وضعهما المأساوي المثير للشفقة.
ومن قال لك إنها اقتربت منهما في الأساس؟
إذن، إنها أنت أيتها المجرمة عديمة الإحساس والإنسانية، حرام عليك أن تعامليهما بمثل هذه الطريقة، كيف تضربينهما بدم بارد؟
متسرعٌ أنت دائماً كعهدي بك، إنهما يبكيان لسبب تافه لا يستحق منك فورة الغضب هذه.
وما هو هذا السبب التافه الذي جعلهما عاجزين عن الحديث والدموع تنهمر منهما بهذا الشكل؟
إنه البيض الذي لم يتذوقاه منذ عدة أيام. لم يأكلا البيض المسلوق والبلاليط بالبيض والعجة منذ عدة أيام، وأنت تعلم بأزمة نقص البيض الحادة في هذه الأيام مما أدى إلى اختفائه من الجمعيات والدكاكين وجميع منافذ البيع.
البيض! لم أتوقع أن تكون المشكلة بهذه الصورة.. اعتذر لك على تسرعي.... ومن حقهما أن يحزنا، ولكن ربما كانت ردة فعلهما مبالغ فيها نوعا ما.
جلست على الأريكة بعد أن هدأت فورة الغضب ونظرت صوب أبنائي قائلاً لهما:
- لا عليكما يا فلذة كبدي سأوفر لكما البيض بأي طريقة ولو كان من السوق السوداء، دموعكما غالية عندي وتساوي ألف بيضة قبل ارتفاع الأسعار!
ارتسمت علامات الفرحة والسرور علي محياهما وكأن شيئا لم يكن، ثم توجها بعد ذلك للنوم كي يستيقظا مبكرا للذهاب إلى المدرسة.
في تلك الليلة لم أستطع النَّوم، كنتُ أفكر في كيفية تلبية طلبات أبنائي الصغار. نعم لقد نشبت أزمة البيض في الآونة الأخيرة؛ فاستغنينا على البلاليط بالبيض، وصارت كعكعة المخابز بلا نكهة، وامتنع المشاغبون عن استعماله في المشاجرات اليومية باعتباره سلعة استراتيجية تنافس سعر برميل النفط في أوج ارتفاعه، وارتفعت أسعار الدجاج البياض إلى أعلى مستوى له منذ ثلاثين عاماً، وتم سنّ قانون حماية البيض من الانقراض، وشكلت هيئة خاصة لحمايته، وتم القبض على عصابة قامت بمحاولة تهريب 10 أطنان من البيض إلى خارج الدولة، خصوصا بعد اعتباره من السلع المهددة بالانقراض، وعلقت الجمعيات التعاونية لافتات تعتذر عن عدم توفر البيض بكميات كافية، وقامت جمعيات أخرى بإجراءات مشددة للحفاظ على كراتين البيض التي تصل إلى الجمعيات التعاونية، وحدثت مشاجرات عديدة وصلت لمراكز الشرطة بسبب التعارك على حصة البيض، وانخفضت حصة الفرد من البيض إلى أدنى مستوياتها منذ تأسيس الدولة.
ومتابعة للازمة الغذائية تم تخصيص حلقات إذاعية في البث المباشر لتحليل مشكلة نقص البيض وتأثيرها على الأمن الغذائي، وتحدث عدد من المختصين عن فوائد البيض والسلع الاستهلاكية البديلة، وحذر أحد الخبراء من التأثير السلبي لنقص البيض، وعقدت ندوة علمية لبيان الآثار الخطيرة لاستمرار شح البيض على الأجيال الحالية والقادمة، وتدخل المسئولون في القضية لصالح المستهلكين فتعهدوا باستيراد البيض فورا من جمهورية بيضستان لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد المشاكل التي تسبب فيها هذا النقص الذي نبه المجتمع إلى خطورة الوضع على الساحة المحلية والعالمية.
بدأت أفكر كثيراً في موضوع الأمن الغذائي، فالشح الأخير في بعض السلع الضرورية من أرز وبيض وخلافه، قد أوحى لي بأن أبناءنا مهددون غذائياً، وربما بعد وقت قريب سيحكون لأحفادهم قصصهم مع النقص المحلي من البيض الخليجي، ومع طحين رقم واحد ورقم اثنين، ومع ندرة الموز الصومالي الذي كان يوجد في الدولة أكثر مما تراه في أرض الصومال، وليس ببعيد أن نسمع في القريب العاجل بأزمة في اللحوم، على الرغم من توفر اللحوم البشرية البيضاء بشتى أنواعها.
هنا تذكرت ابن عمي أحمد، الموظف في جمعية الاتحاد التعاونية، فاتصلت به طالبا مساعدتي في توفير كرتونة بيض لأسرتي، ولأن معدِن الرجال يظهر وقت الشدائد، فقد اتضح أن معدِن ابن عمي لا يساوي خمس دراهم. لقد تنصل مني ولم يوافق على الواسطة متعللا بأنه تم إنهاء عمل أحد الموظفين حين اشترى كرتونة بيض لوالده، لكنه ذكر بأن الطريقة الوحيدة في الحصول على البيض بأن أتواجد في الجمعية ساعة وصول شحنة البيض، ولا سبيل لي في ذلك إلا بعد صلاة الفجر مباشرة.
ولأن شعاري لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، قررت الاعتصام في الجمعية التعاونية منذ ساعات الفجر الأولى، أملا في الظفر بكرتونة البيض، وبعد أن اتخذت قراري بذلك استسلمت للنوم تراودني أحلام البيض المتطاير الذي أحاول الإمساك به من جميع الجهات.
استيقظت على صوت المنبه قبل صلاة الفجر، ثم تحركت سريعاً باتجاه الجمعية القريبة من المنزل، قبل وصولي للجمعية كنت أظن بأنني الوحيد صاحب فكرة التسوق في هذه الساعة المبكرة لكني تفاجأت بالكثيرين يتربصون عند ثلاجة البيض في انتظار الشحنة التي ارتفع سعرها لينافس سعر جالون الديزل.
المنظر بجانب الثلاجة كان رهيباً، أغلب المتواجدين كانوا من الرجال، البعض منهم مدجج بالعصي في حالة الضرورة القصوى لتفريق المتزاحمين على البيض، والبعض اكتفى بحجز مكانه يغالبه النعاس، وتم تخصيص مكان مخصص للسيدات حرصا على عدم الاختلاط وحدوث ما لا يحمد عقباه من معاكسات وتحرشات جنسية.
وبينما أنا واقف حدث خلاف بين أحد المتسوقين الذي ترك مكانه للذهاب إلى الحمام ومجموعة من الشباب، لأنهم لم يسمحوا له باستعادة موقعه الذي كان يقف فيه، هنا تعالت أصوات المتسوقين المتذمرين مطالبين إدارة الجمعية بتوفير آلة حجز الأرقام أسوة بالآلة المستخدمة في البنوك والهيئات الحكومية كي لا يتزاحم المتسوقون على الثلاجة ولا يتعدى أي متسوق على حقوق المتسوق الآخر.
وفجأة حدث هرج ومرج بمجرد وصول شحنة البيض، والغريب بأن الشحنة قد جلبت محاطة بعدد من رجال الأمن الذين تم استئجارهم خصيصا لحراسة البيض، ومنع اللصوص من الاستيلاء عليها، وتم تفريق الحشود لتفريغ الشحنة في الثلاجة، وواجه رجال الأمن صعوبة في ذلك نظرا للزحام الشديد رغم تهديدهم للحشود المتجمهرة باستخدام القنابل المسيلة للدموع.
بدأت بمعاينة المكان لدراسة إمكانية الحصول على كرتونة البيض بأسهل طريقة، وكيف سأتجنب ضربات العصي التي قد يستخدمها البعض للحصول على بيضه، ومع سرحاني شاهدت غباراً شديداً وصراخاً عظيماً وتراشقاً بالألفاظ الجارحة، وتناثر للبيض في موقعة أم المعارك، لكن الأمر لم يستغرق وقتاً طويلاً إذ كانت ربع دقيقة كافية للقضاء على مخزون البيض، وانفك السامر فضربت أخماس في أسداس لعدم استطاعتي الحصول على مبتغاي، وبكيت بحرقة شديدة من شدة القهر.
وبقدرة قادر لمحت كرتونة بيض صغيرة نفذت بجلدها من أيدي المتوحشين، كنت أبعد عن الثلاجة بحوالي الأربعة أمتار بعد تحرك القوات الغازية، وفي الجانب الآخر شاهدت رجلا يطمع في الكرتونة نفسها، وآخر يتأمل البيض بطريقة تنم عن خبث واضح، وبما أن الوضع صار لا يتحمّل أي شهامة أو كرم، قررت الانقضاض في نفس اللحظة التي تحرك فيها الرجلان معا، فوثبت وثبة غزال شبيهة بتلك التي كنت أتدرب عليها عندما كنت حارسا للمرمى، فوصلت إلى خط النهاية أولا وسط نظرات الغضب والقهر من بقية المنافسين، ومن شدة الفرحة رفعت كرتون البيض احتفالا بنيلي بطولة كاس البيض العالمي.
شعرت بسعادة غامرة ما بعدها سعادة، كأني سحبت الذئب من ذيله، متبخترا بين الجموع المحتشدة التي حضرت متأخرة، في تلك اللحظة لم تفارقني نظرات الحسد والغيرة، ومع كل نظرة غضب كنت ازداد بهجة وكبرياءً.
خرجت من الجمعية بكل حذر لعل هناك من يتربص بي محاولا سرقة البيض الثمين، فتقدمت مسرعا إلى سيارتي قبل وقوع الفأس في الرأس فارجع بخفي حنين، جارا خلفي الحزن والحرمان والألم، لكنني عند السيارة تعثرت فسقطت وسقط معي البيض، فانكسر بعض البيض ولم يتبق منه سوى ثماني بيضات فقط، لم أحزن كثيرا فثماني بيضات في اليد خير من كرتونة بيض في يد غيري .
توجهت إلى المنزل عاقداً العزم على أن اعد الفطور لأبنائي قبل أن أتوجه إلى العمل، وبمجرد دخولي للمنزل وجدت زوجتي في انتظاري عند باب الصالة وقد ابتهجت لقدومي، فاقتربت مني وقبلتني على جبيني قائلة:
خيركم .. خيركم لأهله، أنت الرجل الذي تتمناه كل امرأة!
لقد أردت أن اثبت لك أنه لن يقف أي عائق في سبيل سعادة أبنائي.
وأثناء حديثنا استيقظ ابني محمد فخرج ليرى كرتونة البيض التي وضعتها بجانبي فقفز قفزة سرور وفرح، وسقط بجانب البيض ولكن وبحمد الله وعنايته لم يقع على كرتونة البيض، ولو حدث لذهب كل تعبي هباء منثورا، وسامح الله من كان السبب.
هم وغم وابتسامة!
يا الله من هذه العيشة الكريهة، مشاكل وهموم لا تنته، لا أعرف ماذا أفعل بنفسي؟ كل يوم نفس الحزن والأسى، في البيت .. في الشارع .. في الدوام ... في كل مكان أذهب إليه لا يوجد شيء يفرح القلب، الروتين نفسه والقرف نفسه الذي أعانيه يومياً.
في الصباح الباكر لا بد أن استيقظ على صوت ابني عمر الذي يرفض الذهاب إلى المدرسة إلا بعد إعطائه مصروف جيب قدره عشرة دراهم رغم أنه في الصف الثاني الابتدائي، وكأنه متفق مع والدته حسداً على عملي الذي يبدأ في الثامنة والنصف صباحاً، وعندما أعود مرة أخرى للفراش لأنام ساعتين إضافيتين لا بد أن أسمع فاصلاً من الصراخ والضرب عند باب السيارة خلافاً على المكان الذي سيجلس فيه الأولاد، وقبل ذلك لا بد أن تتسلل زوجتي لتفتح محفظتي لتأخذ منها ما يكفيها لهذا اليوم.
وتعود زوجتي إلى المنزل بعد توصيل الأولاد، فيبدأ فاصل آخر من النكد والهم والغم، إذ من الطبيعي أن تدخل الغرفة عدة مرات، مرة لتبديل ملابسها، والمرة الثانية لأنها نسيت وضع الحمرة على شفتيها، والمرة الثالثة لتخرج حذائها الجديد، والمرة الرابعة لتوقظني وهي تعلم تمام العلم أني قد استيقظت خلال ساعتين أكثر من ثماني مرات.
وبعد الاستيقاظ والتوجه إلى الحمام لأخذ دش ساخن، لا بد أن تدق زوجتي على الباب عدة مرات، مرة تأمرني فيها بالاستعجال، والمرة الأخرى تريد أخذ كريم ترطيب البشرة الذي نسيته بالداخل، والمرة الثالثة تحثني على استعمال فرشاة الأسنان كي تظل رائحة فمي عطرة، والمرة الرابعة تريدني الخروج لاستعمال الحمام لأنها لا تحب استخدام الحمامات الثلاثة الأخرى في المنزل.
عند خروجي من الحمام وارتداء ملابسي استعدادا للتوجه إلى العمل، من غير المعتاد ألا تقف زوجتي عند الباب لتوصيني وصاياها العشر التي حفظتها عن ظهر قلب، ومع هذا فهي تصر على تلقينها لي يومياً منذ عدة سنوات: ما الغداء الذي تريده؟ مع أنى من عشر سنوات أرد عليها بالجواب نفسه .. (على كيفك).
وهل ستتأخر عن العمل؟ فأرد عليها بالجواب عينه الذي مللت منه؟، لا أعلم، فهذا يعتمد على ظروف العمل؟ ثم لا تنس أن تحضر ابنك عمر من المدرسة.. ولا تنس المكان الذي يقف فيه لانتظارك، ولا تنسَ إمساك يده عند عبور الشارع، ولا تنس إقفال الباب الذي يجلس بجانبه، ولا تنس أن تتأكد من عدم نسيانك أي شيء.
وبعد هذه الوصايا العشر استقل سيارتي متوجها إلى الدوام الكئيب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يقولون يجب أن تزيد إنتاجية الموظف، لكن أي إنتاج إذا كنت تعمل في كرفان تخرج الصراصير من جميع أرجائه، وتحته يقع وكر للجرذان القادرة على افتراس دجاجة كاملة، وإذا ما هطل المطر فتلك مصيبة ما بعدها مصيبة؛ إذ يتحول مكتبي الخشبي داخل الكرفان إلى قارب صغير بدون مجاديف.
وأشدّ ما في الدوام من بؤس واكتئاب هو هذا المدير الفاشل، هذا المدير كان معي في نفس الصف وكنت أغششه في الامتحانات بعد أن يعدني بشطيرة فلافل وعلبة ارسي كولا، واليوم هو مدير، كيف أصبح مديراً ؟ لا أعرف، ولا أريد أن أعرف؛ كي لا تزيد كآبتي؛ فأموت مذبوحا مقهورا.
يكفي أنه كلما استدعاني وبخني بسبب أو بدون سبب، مع أن حضوري للعمل أو غيابي عنه لا يغيران شيئاً، فكل ما أفعله هو الختم على أوراق المراجعين الذين نادراً ما يمرون على مكتبي، وتارة يوبخني على أخطاء قام به موظف غيري، وتارة يعتبرني النقطة السوداء في الهيئة.. لا أعلم : هل لكوني أسمر البشرة، أم إنه انتقام لتفوقي عليه في فترة الدراسة.
والمشكلة أنهم ينادونه دكتور، وكلما سمعتهم ينادونه بهذا اللقب أشعر برغبة عارمة في الانتحار... بالله ... كيف يكون دكتوراً، ولم يكمل الثانوية العامة في بلده ؟ هذا الفاشل غاب عشر سنوات بالتمام والكمال، ثم أصبح فجأة مدير إدارة راتبه يفوق السبعين ألف درهم، ومنذ أن تسلم زمام الأمور فيها عمد إلى قلبها رأسا على عقب، فتخلص من العديد من المواطنين وأقصاهم إلى إدارات أخرى مثل كراج الهيئة والأرشيف وغيرها من الإدارات وجلب حسناوات من دولة عربية شقيقة بداعي التطوير.
والآمر الناهي في الهيئة هن الحسناوات اللواتي يعرفن كيف يتعاملن مع مديرنا الفاشل. كل الأبحاث والدراسات المتعلقة بالهيئة تتم في لبنان، والمشاريع التي تشرف عليها الهيئة أصحاب شركاتها من لبنان، وأغلب الموظفين والموظفات الجدد من لبنان، أما العبد لله فمكافح ليس لأني راض عن هذا الوضع، بل لأنني لا أعرف ماذا يمكن أن أفعله إن تمت إحالتي إلى التقاعد، أو تركت هذه الوظيفة وسط هذا الغلاء الفاحش.
أغلب الأوقات التي أقضيها في العمل هي بلا فائدة، في الصباح أحضر لختم بطاقة العمل، فأنا أول من يداوم وأخر من يخرج من العمل، وبما أن الكرفان يقع بالقرب من البوابة الخلفية المغلقة للهيئة فإني أكون شاهداً على العديد من المشاهدات التي تجعل الوقت يمر بسرعة، شاحنة تقف قرب البوابة ينزل منها آسيوي ضخم الجثة معه فتى صغير وسيم يجلسون قرب الشجرة الصغيرة ولا أعلم بالضبط ماذا كانا يفعلان معاَ، أمّا الجدار الخلفي للهيئة، فقد صار حماماً للناس السائبة، فتتسلل منه رائحة المجاري المنفِّرة إلى مكتبي الذي لا يرغب أحد من الموظفين في دخوله سوى شهاب الفراش الذي تفوق رائحته رائحة الجدار بكثير. كما أنني أتسلى كثيرا برؤية الصراع الدائر بشكل يومي بين أحد الجرذان الكبيرة والقط الأعور، وغالبا ما ينتهي الصراع بتعادل لا يشرف عليه أي من الحكام، وبعد الساعة الواحدة لا بد أن تأتيني المكالمات الهاتفية من حرمي المصون مكررة كل ما قالته لي قبل الخروج من المنزل، لا تنس.. ولا تنس .... ولا تنس... وعندما اغضب منها ترد بكل برود.. حبيت أذكرك كي لا تنسى.
بعد انتهاء وقت الدوام الرسمي في الساعة الثالثة، أتوجه لإحضار ابني عمر، ومن الطبيعي ألا أنسى أين ينتظرني ابني عند بوابة المدرسة، وألا أنسى مسكه جيداً عند عبور الشارع، وألا أنسى إقفال باب السيارة، وألا أنسى أي أمر قد ذكرتني به زوجتي قبل خروجي من المنزل، ومن الطبيعي جدا أن تتصل زوجتي وقت انشغالي بمعمعة عدم النسيان؛ لتنبهني بألا أنسى ما قامت بتذكيري به بالأمس واليوم، وغداً، وبعد غد، وبعد بعد غد، فالمهم ألا أنسى مع أني في الواقع لا يمكن أن أنسى لأنني أعيش حياتي بالدقيقة كي أتذكر كل هم فيها دون أن أنسى!.
آه النسيان، ليتني أنسى كل شيء وأعيش حياة فيها متعة، تقلب حياتي رأساً على عقب، ولكن ما يحدث كل يوم يتكرر منذ ساعات الصباح الأولى إلى ساعات الليل دون أن يطرأ أي جديد.
وبعد تناولي الغداء الساعة الثالثة والنصف ظهراً، يبدأ فاصل آخر مع إزعاج من نوع آخر، فإذا أردت أخذ قيلولة بسيطة لا تتجاوز الساعة لا أهنأ بها، والغريب أن إزعاج أبنائي ومعهم حرمي المصون يتزامن مع الفترة التي أنام فيها، فالصراخ كفيل بإيقاظ الجيران، ناهيك عن فتح الأبواب وإغلاقها بقوة، ولا ينتهي هذا الإزعاج إلا بقيامي من النوم وقد خرجت كل شياطين القايلة من رأسي فأضرب كل من يقابلني في وجهي.
وأما إن لم أنم في هذا اليوم، فالإزعاج عبارة عن دخول وخروج إلى الغرفة التي جعلتها مكتباً لي. عمر يريدني أن أشرح له درس الرياضيات الذي لم يستوعب منه شيئا خلال الحصة مع أن رسوم دراسته تتجاوز الـ20 ألف درهم في السنة، وعائشة التي في الصف الأول تطلب مني صوراً للمدرسة، ومحمد الذي ما زال في مرحلة الروضة يريد سماع أغنية (شاطر... شاطر)، وإذا لم يكن هناك أي واجب دراسي فالخلاف على أشُدّه بين الأولاد على مشاهدة القنوات التلفزيونية؛ رغم أن التلفزيونات موجودة في كل غرفة، ولا بأس بين كل دقيقة وأخري، أن تصرخ زوجتي لتنبهني بعدم قدرتها على التعامل مع الأولاد، وفي كل الأحوال؛ فإنّ القيلولة التي أريد أن أنعم بها لا أجد فيها راحة سواء كنت أريد النوم أو حتى الجلوس بلا شغل أو مشغلة.
وقبل الخروج من المنزل حوالي الساعة السادسة مساء، لابد أن تأتيني الوصايا والاستفسارات المسائية العشر... والتي لا تختلف كثيرا عن الوصايا الصباحية:
هل ستتأخر؟ والجواب أردده كل يوم، وبالطريقة نفسها: لا أدري.. والله لا أدري.
لا تنس أن تحضر السندويتشات من الدكان، ولا أريد تذكيرك بأن أولادك لا يحبون سندويتش المخبز الفضي بل يحبون سندويتشات المخبز البرونزي، ولا تنس أن تشتري عصيراً للمدرسة، ويجب أن يكون العصير طازَجَا وخالياً من المواد الحافظة، أكرِّر: لا أريد أي مواد حافظة، ولا تنس أن تشتري الحليب لأطفالك وتذكر أنهم يحبون حليب رينبو ونيدو، ولا يشربون أي حليب آخر مهما كان نوعه أو صناعته، ولا تنسَ أن تتصل بي عند وصولك الجمعية لأتأكد بأنك لم تنس شيئاً من كل ما ذكرته سابقا وحاضرا وما سأقوله مستقبلا.
وفي الشارع، هناك فاصل آخر من رفع الضغط ليس لحرمي المصون دخل به، فحظي العاثر أن طريق بيتي يمر بالقرب من أحد الشوارع الحيوية، ولا بد من المعاناة يوميا من الازدحام المروري، شاحنة تخالف أوقات مرور الشاحنات، وحافلة الطرق والمواصلات تخرج من الموقف لا تعنيها السيارات الصغيرة القادمة من الخلف، وسيارات الأجرة تعيث في الأرض فساداً يمنة ويسرة، وذلك السائق الأجنبي يقود في المسار السريع بسرعة 60 كلم، ولا يجرؤ أحد على تنبيهه، وإن حدث؛ فإشارة بذيئة بإصبعه الكريه جاهزة للرد.
المزارع الذي يعتني بحديقة منزلي لديه سيارة، والخباز علي رضا لديه سيارة، والكهربائي لديه سيارة، وعامل الزبالة يقود سيارة، عامل التنظيف لديه سيارة وكل من يعيش في دولة الإمارات لديه سيارة.
واليوم كالعادة لا يختلف شيئا عن سابقه. حادث مروري يعطل المرور فلم تتحرك سيارتي قيد أنملة لمدة ربع ساعة، ولم تبدأ السيارات في الحركة إلا بعد وصول سيارة الشرطة، وهذه حافلة مدرسية تتجاوزني من اليمين، خلف السائق جلست فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها الاثني عشر عاماً، نظرت لي فبادلتها النظرات، ابتسمت لي فابتسمت لها، ودعتني براحة يدها فودعتها.
لا اعلم لماذا شعرت بإحساس غريب لحظتها...هل تراها شعرت بي وأرادت إدخال الابتسامة إلى قلبي، نظراتها أعطتني الأمل، وابتسامتها أدخلت السرور في نفسي، وحركة يدها زادتني شوقاً للحياة.
لا اعلم لماذا أصر على أن أجعل حياتي نكداً في نكد؟، لماذا لا أحاول تغيير حياتي وروتيني اليومي؟ لماذا لا أنظر إلى الحياة نظرة مشرقة فيها الكثير من الأمل، الحياة مستمرة ولا يوجد شيء يمكن أن أخسره... الحياة قصيرة وتحتاج للأمل، ولا يجلب السعادة سوى هذا الأمل... لا بد أن أعيش بسعادة .. لابد أن أبتسم وأتفاءل وأغير روتيني الذي يقتلني بكل برود.
وبينما أنا غارق في لحظة الأمل التي قررت فيها تغيير فصول حياتي، توقفت سيارة فجأة وسط الطريق، وارتبك سائق الشاحنة المحملة بالرمال خلفها؛ فانحرفت بقوة لتنقلب على سيارتي التي أصبحت كالهشيم.
يا توطين ... يا!
استيقظت من النوم مبكراً، ثم توجهت إلى أحد البنوك الوطنية الكائنة على ضفاف خور دبي لإجراء مقابلة التوظيف بعد أن تم الإعلان عن الوظيفة في الصحف المحلية قبل عدة أسابيع.
دخلت إلى البنك، وجلست في قاعة الانتظار، وبدأت أتأمل الوجوه من حولي فوجدت نفسي غريب الوجه واليد واللسان، كنت المواطن الوحيد من بين ما يقارب خمسين شخصاً، جميعهم من جنسيات آسيوية وأفريقية، ويعلم الله ماذا تخبئ لي المقابلة من مفاجآت.
حان دوري بعد حوالي نصف ساعة، فولجت إلى غرفة الاجتماعات التي يتواجد بها مدير الموارد البشرية السيد راجيش سنج كومار، والسيدة سوزي خان نائبة مدير التوظيف، والسيد بيتر اكينو الذي لم أعرف ما موقعه من الإعراب في غرفة الاجتماعات.
عند دخولي الغرفة، أحسستُ كأن صاعقة نزلت على وجوه الجالسين، وبالأخص راجيش سنج كومار الذي انتصبت الشعرات الثلاث الباقيات في رأسه؛ فسألني:
هل أنت السيد/ حمد سعيد؟
نعم..حمد سعيد بخيت... لقد حضرت لمقابلة التوظيف.
إذن، هل لك أن تخبرنا لماذا ترتدي الدشداشة والزي الوطني، هل حضرت للمقابلة أم أنك ذاهب لحضور حفل زفاف؟!
ضحكت وابتسمتُ رغم ما بي من غصة من هذا الأسلوب، ثم أجبته:
- أردت الحضور بصورة رسمية فقط لا غير، ولم أكن أعرف أن حضوري بهذه الصورة غير مقبول بالنسبة لكم، أرجو التماس العذر لي؛ فهذه هي المرة الأولى التي أحضر فيها مقابلة للتوظيف.
ثم بدأ الثلاثة الحاضرون في التهامس فيما بينهم، وكأنهم يضمرون لي شراً، بينما أنا لا حول لي ولا قوة، مثل الثور الذي ينتظر ذبحه في المقصب، ثم تحدث راجيش سنج كومار قائلا:
- هل تعرف ما هي الآثار المترتبة على البنك إذا ما تم قبولك للعمل في هذه الوظيفة؟
والله لا أعرف، أتمنى أن أكون فأل خير على البنك فترتفع أرباحه ربع السنوية ونصف السنوية والسنوية، وتزيد استثماراته ويصبح أكبر بنك من حيث القيمة السوقية في البورصة، وسأبذل قصارى جهدي للعمل وتطوير نفسي بما يخدم البنك.
فنظر لي نظرة تنم عن حقد وغضب، وتصاعد الدخان من أنفه، كأن إجابتي للسؤال خرجت عن المنهج المقرر، ثم قال:
أنت ستكون عبئاً كبيراً على كاهلنا، ونحن مطالبين من قبل الحكومة بإيصال المواطنين إلى الوظائف العليا، وهذا بحد ذاته له تأثير سلبي على باقي الموظفين.
هنا شعرت بغضب عارم، رغم قلقي من عدم قبولي، ولكن شيئا ما جعلني أستجمع شجاعتي فأجبته:
عفواً.... التأثير السلبي إذا كنت في موضع يسمح لي بالتصرف في مئات الملايين دون أدنى مسؤولية، إذا كنت ناسي مستعد أفكرك، جميع الذين نهبوا مئات الملايين وهربوا هم من نفس جنسيتك، والتخويلات تمت من قبل أشخاص من نفس جنسيتك، أما المواطن فهو في الصورة فقط... لا علينا... أطلب منكم تجربتي فقط عملا بالمثل الشهير: جربيها حـ تعرفيها!.
نزل ردي هذا كالماء البارد على وجوه الحاضرين وكان راجيش سنج على وشك طردي من غرفة المقابلة، لولا أن همست سوزي خان في أذنه بهمسات لم أسمعها، فقال:
نعم سنجربك ومن قال لك أن قبولك سيكون بدون تجربة أو هكذا بمجرد أنك مواطن يعني أن الأبواب مفتوحة لك، هذه مؤسسة مالية لا يهمها إن كنت مواطنا أم لا. الهاجس الأول والأخير هو الربحية المادية، ثم إنك قد أثبتّ بأن لسانك سليط، وما قلته غير مقبول، هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي أسمح لك فيها بمحادثتي بهذا الأسلوب، وإن تكرَّر ذلك، فستحرم من التوظيف في أي بنك داخل وخارج الدولة.
بدت على وجهي علامات الامتعاض من طريقة حديثه، أيجرؤ هذا على تهديدي بهذه الصورة، إنه موظف عادي، لو كان إخطبوط ماذا يمكن أن يفعل بي؟.. الله أعلم . في بلادنا كل شيء ممكن.... ولكني آثرت الصمت بعد رده هذا، فكما تعلمون، مكرهٌ أخاك لا مُسْتذَل، فسكت ولم أنبس ببنت شفة.
قطعت سوزي خان الصمت الذي خيم لعدة ثوان، ثمّ قالت بنبرة هادئة:
إن القطاع المصرفي قطاع حيوي يفعم بالتحدي، ومن تجاربنا في هذا المجال وجدنا أن المواطن لا يتصف بالتحدي، ولأكون صريحة معك، المواطن جبان مع مرتبة الشرف فيما يتعلق بالعمل المصرفي، ونسبة التسرب منه تبلغ أكثر من 99%؛ لأنكم تعودتم على الدلع والراحة عكسنا نحن الذين نعمل من أجلكم، وللأسف هناك ضغوط كثيرة علينا لزيادة نسبة التوطين، ولكننا نحبكم ونتمنى لكم الخير، وأتمنى في يوم من الأيام أن تكون مديرا للبنك.
وبدت النظرات الباسمة والمتهكمة بينهم ثم ضحكوا ثلاثتهم ضحكة خبيثة، وأنا أفور من الغضب، وحركت الخيزرانة التي كانت معي ذات اليمين وذات الشمال .... لكنهم شعروا بنيتي بتحويل القاعة إلى قاعة للتأديب بالخيزران فتوقفوا عن ضحكاتهم وهمساتهم الغبية، ثم طلبوا مني الانتظار في الخارج تحضيرا لأداء الاختبار التحريري في القاعة المخصصة لهذا الغرض.
تم توزيعنا في قاعة الامتحان بعد مصادرة الهواتف النقالة، كي لا يحدث أي اتصال بصديق للمساعدة، و قام المسئول الغبي بتوزيعنا على مسافات بعيدة، كيف فكر هذا الغبي بأن أحداً منا سيغشش الآخر كي يحصل على مكانه، والله لو كان الأمر بيدي لغششت جميع الممتحنين بالإجابات الخاطئة لأتفوق عليهم.
لم يكن الاختبار من النوع التقليدي بل كان لقياس قدرات الشخص الذهنية، إضافة إلى أسئلة ثقافية متعددة باللغة الإنجليزية، وقد بدأت بداية قوية، اعتقدت أنها ستعني لي التفوق على جميع الحضور، ولكني تفاجأت بعدها بأسئلة قد تصعب على اينشتاين وبيل غيتس، وجميع العباقرة، وبدأت تخرج من رأسي أصوات طرطقة، إضافة إلى رائحة احتراق ولدها ضغط التفكير في عقلي، ولولا أنني تداركت الغليان في رأسي بكأس بارد من الماء ساهم في إعادة التوازن الحراري في دماغي لحدث ما لا يحمد عقباه تلك اللحظة.
واقترب مني السيد بيتر اكينو الذي كان ينظر لي بنظرات العطف والإعجاب في آن واحد ليهدئ من روعي ويرفع من معنوياتي، ثم نظر إلى الورقة دون أن يتحدث، وبدأ يدقق على الأسئلة التي قمت بإجابتها، وساعدني في حل عدد من الأسئلة حيث كان يشير بيده اليمنى إلى الإجابات الصحيحة، بينما وضع يده اليسرى على كتفي الذي بدأ يمسحه بكل رقة وحنان، وكلما أشار إلى سؤال كنت أصحح الإجابة على الفور، ثم نزلت يده اليسرى فجأة على يدي اليمنى واضعاً يده فوق يدي.
لحظتها بدأت اشعر بالقلق الناتج من هتك العرض الذي تمارسه يده على يدي، فبدأت بسحب يدي بكل هدوء لتنفذ بجلدها... بيد أن المعتدي شعر بي فعندما حاولت الإفلات من أنياب يده توقف عن مساعدتي في الإجابة عن الأسئلة، وكان من حسن حظي أننا قد وصلنا إلى نهاية الأسئلة، وإلا لامتدت يده إلى أجزاء أخرى من جسدي!.
سلمت الورقة وأنا اشعر بكرامة يدي التي تمت إهانتها، وتعاطف باقي جسدي مع اليد التي اغتيلت في وضح النهار بموافقة شخصية مني، لم أعترض، ولم أقاوم بل استسلمت بكل سهولة أملا في حصولي على الوظيفة، فكرت كثيراً في جريمة هتك العرض، هل أبلغ الشرطة أم ماذا؟ لكنني قررت الابتعاد عن الفضيحة، فماذا يا ترى سأجني إن تقدمت ببلاغ عن هتك عرض يدي، بالتأكيد لن يرد اعتبارها، إن كان هتك عرض فتاة لن يزيد عن عام واحد على الأكثر، فماذا يا ترى ستكون عقوبة هتك اليد، بالتأكيد لن تزيد عن يوم أو يومين، بل ربما يتم توجيه تهمة البلاغ الكاذب لي؛ لذا آثرت تجنب القيل والقال وأن تكون سيرة يدي على كل لسان، خصوصا وأن الناس في هذه الأيام لا ترحم، تعمل من حبة العنب بطيخة.
بقيت في قاعة الانتظار مطأطئ الرأس، أحاول نسيان ما حدث، ولم أُفِق من غفلتي إلا عند سماع اسمي من قبل أحد الموظفين، الذي زف لي خبر تعييني في الوظيفة. هنا نسيت كل ما حدث، فقررت فتح صفحة جديدة في حياتي الوظيفية.
توجهت بعدها إلى مدير الموارد البشرية الذي هنأني، وشد من أزري طالبا مني فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية معه، بعد توترها أثناء مقابلة التوظيف، ثم طلب مني التفرغ التام للوظيفة وأن أسعى إلى تطويرها، خصوصا وأنها جزء لا يتجزأ من منظومة المؤسسة الناجحة، ووقعت على عقد التوظيف في منصب مساعد ثاني في قسم خدمة العملاء.
عدت إلى المنزل وأحلام الوظيفة تراودني من جميع الجهات، ولم أخرج كعادتي منه، كي أستطيع النوم مبكراً، وبدأتُ في متابعة المسلسلات الأجنبية، ثم نشرة الأخبار التي أعلن فيها خبرٌ سعيدٌ يتعلق بإعلان هذا العام عام الهوية الوطنية، رغم أن المذيعة التي أذاعت الخبر كانت مستثناة من الهُوِيَّة الوطنية، مجرورة لنشرة الأخبار، وعلامة جرها، عقدة اللبننة المخيمة على واقعنا المرئي.
أحسست بعد سماع الخبر بشعور غريب ملؤه الدفء والحنان ورغبة ملحة في الرقص، ولولا الرجولة والحياء لرقصت فرحا حتى ساعة متأخرة من هذا الليل، فمنذ زمن بعيد لم أعرف طعم الهُوِيَّة الوطنية وشعرت بها تندثر وسط الحياة المليئة بالغث والسمين والجنسيات العديدة التي تعيش بيننا بعاداتها غير المقبولة والمثيرة للغثيان في بعض الأحيان. وعام الهوية يعني الكثير، فسيتيح لي بكل تأكيد أن أشعر بأني مواطن، بعد أن كدت أنسى ذلك، وستكون فرصة سانحة لي لإثبات ذلك قولا وفعلا وبحكم القانون كذلك.
استيقظت من نومي صباح اليوم التالي، وأنا قرير العين. وبعد الاستحمام حرصت على استخدام ثلاثة أنواع من معجون الأسنان كي تبدو أسناني بصورة جميلة، وتفوح من فمي روائح بنكهات النعناع والفل والياسمين، وارتديت الدشداشة الجديدة التي فصلتها خصيصاً لهذه المناسبة، ثم اخترت الغترة التي بها تطريز خفيف، ثم وضعت قليلا من دهن العود على أذني وانفي لإبراز رائحة الهُوِيَّة الوطنية، ووضعت شال الإمارات على رقبتي ثم خرجت من المنزل باتجاه البنك.
كنتُ في هذا الصباح أول شخص يقف على باب البنك، كي لا يقال بأن المواطنين يتأخرون عن الدوام، وأردت أن أكون بذلك قدوة لباقي الموظفين القدامى، ثم توجهت إلى مكتب خدمة العملاء ومعي دفتر لتدوين الملاحظات والاقتراحات.
كانت رئيسة قسم خدمة العملاء هي أولى الموظفات وصولا بعدي، فتفاجأت من رؤيتي قائلة:
صباح الخير ... ما شاء الله... شكلك صحيان بكير.
صباح النور مزمزيل، يقول المثل: نام بكير، بتصحي بكير، بتشوف كيف الصحة بتصير!.
يا عيني على الأمثال الرايقة في هذا الصباح.
ولو يا مزمزيل.... اعمل في قسم خدمة العملاء فيجب أن أكون رايق طوال أيام الأسبوع ما عدا المناسبات الحزينة.
وبعدها أعطتني فكرة عن العمل الذي نقوم به في خدمة عملاء البنك، وكنت حريصاً على تسجيل كل الملاحظات، كي اترك أفضل انطباع لديها.
دخل أول عميل البنك، وتحدث مع أحد الموظفين بينما أنا جالس أنصت لكافة الاستفسارات والإجابات، وأدقق في تعابير الوجه، والأسلوب الأمثل للرد على العملاء، ومنذ اليوم الأول استطعت أن أتعامل مع عدد من العملاء خصوصا في الاستفسارات البسيطة.
وعندما أصبحت الساعة التاسعة والنصف قررت أخذ استراحة للفطور، لكنني تفاجأت من منظر غير مألوف وازدحام غير طبيعي على أحد الصرافين، حيث إنَ البنك به ثلاثة صرافين يتعاملون مع عملاء البنك، إلا أن شباكاً واحداً كان عليه إقبال غير طبيعي، لدرجة أن طابور الانتظار وصل إلى خارج البنك، وكلما حاول حراس البنك توزيع المتعاملين على الشبابيك الأخرى، كان الرد بالرفض من أغلبهم، وبحدسي المعروف الذي لا ينافسه في هذه الدنيا سوى شرلوك هولمز عرفت أن الموضوع ينطبق عليه المثل القائل: فتش عن المرأة!
والمرأة هنا لم تكن سوى موظفة أصابتني بالتشنج، وفي مقتل في آن واحد، فبدوت مثل خيال مآتة، لا أسمع .. لا أرى .. لا أتكلم، يا سلام هذه المرأة التي تمثل الهُوِيَّة الوطنية للبنك بشيلتها وعباءتها، لقد كانت أشبه بكائن يعجز اللسان عن وصفه، أخطر بكثير من كل الأسلحة الفتاكة التي صنعت وستصنع في المستقبل القريب وغير المنظور، بإشارة منها تستطيع إيقاف السيارات والقطارات والمترو، إذا تحركت تصلب من حولها وتهيئوا كأنها جنرال حرب، أي جمال هذا وأي معجزة ربانية وهَبَتْهَا مثل هذا الجمال.
لا ريب أن المتعامل الذي سيلمس نفس ورقة النقود التي لمستها بيديها المخضبة بالحناء محظوظ، والذي يشم رائحتها ويلمس يدها محظوظ ... محظوظ، آه لو كنت مديرا للبنك لصرفت لها علاوة حسن وجمال لها هي فقط، ولا يستحقها إلا من تصل إلى درجات الحسن التي وصلت إليها.
وأثناء تأملي لهذا الجمال الملائكي وقفت وليتها لم تقف، فعند وقوفها ارتفعت عباءتها لتنكشف ساقيها فإذا هي صرح ممرد من قوارير.... قوارير من فضة وكريستال.
في الحقيقة انتابني شعوران متناقضان لحظتها، شعور شاب مراهق من هول وجمال ما رأى، وشعور بالغصة من باب الغيرة ودفع المنكر، فأردت محادثتها وتنبيهها، لولا أني قررت عدم الاستعجال وتأجيل هذه النصيحة إلى الوقت المناسب، ثم توجهت بعدها لتناول طعام الإفطار.
خرجت لأدخن السجائر خارج البنك بعد انتهائي من وجبة الإفطار، وعند دخولي شاهدت شخصان يتحدثان بلغة غير عربية، فاستغربت من ذلك لا سيما وأنهما يرتديان الزي الوطني للدولة، وبما أن العام هو عام الهُوِية الوطنية كان لا بد لي أن أدخل انفي فيما لا يعنيني، ولكني هنا أتحدث باسم رئيس الدولة شخصياً، فاقتربت منهما وقد اندمجا في الحديث باللغة الفارسية:
الأول: أين ستذهب بعد صلاة العصر؟
الثاني: سأذهب لتدخين الغليون ثم سألعب ورقة، ماذا عنك أنت؟
الأول: لدي اجتماع لمناقشة مسألة التوطين في البنوك الوطنية.
الثاني: أي توطين ولغتك العربية لا توصلك سوى أمتار قليلة.
ثم ضحكا ضحكة ساخرة، وهنا بادرت بتوجيه الحديث لهما:
- عفواً، يبدو أنكما مواطنان، أرجو أن تتحدثا باللغة العربية منعا للإحراج.
نظرا إليّ بنظرات غريبة لم اكترث لها، ثم توجهت مرة أخرى لقسم خدمة العملاء، وهما لا يزالان يتحدثان باللغة الفارسية وكأني أردد قول الشاعر:
ولو ناراً نفخت بها أضاءت.... ولكن أنت تنفخ في رماد
رجعت إلى مكاني في قسم خدمة العملاء فاقتربت مني رئيسة القسم لتسألني:
هل تعرف نائب رئيس مجلس إدارة البنك.
كلا، لا أعرفه.
كيف لا تعرفه، وقد كنت تتحدث معه قبل قليل، إنه ذلك الواقف في الممر مع مدير العمليات في البنك.
أووه.. نعم أعرفهما كليهما، ولكني لم أكن أدري بأن أحدهما هو نائب رئيس مجلس الإدارة!
لا أعرف كيف كذبت عليها، ويا ويلي لو عرفا بأني موظف في البنك، ما هذا الموقف السخيف الذي وضعت نفسي فيه، أتمنى من كل قلبي أن يمر مرور الكرام.
حاولت نسيان الموقف، فعكفت على وضع الأفكار الجديدة التي سأطرحها على رئيسة القسم ولربما تم اعتمادها من إدارة البنك، والاقتراحات كانت كالتالي:
تغيير شعار البنك ليتناسب مع الهوية الوطنية، ويجب أن يكون مستوحى من أداة تراثية، مثل : الدلة والفنجان.
إلزام موظفات البنك بارتداء الملابس العربية مثل الجلابيب وغيرها.
حث الموظفين على ارتداء الغترة والعقال.
اعتبار اللغة العربية اللغة الأولى في البنك وتقدميها على اللغة الإنجليزية وباقي اللغات.
تجهيز استراحة لعملاء البنك عبارة عن خيمة صغيرة يتم تقديم فيها القهوة العربية والشاي.
منع الموظفين العرب من التحدث فيما بينهم باللغات الأخرى إلا في حالة الضرورة القصوى.
وقبل نهاية الدوام بربع ساعة قمت بتقديم كافة الاقتراحات إلى رئيسة القسم التي وعدتني بمراجعتها دون أن تنظر حتى إلى ما هو مكتوب فيها، وقبل أن أهم بالخروج من البنك بعد نهاية الدوام أبلغتني ماري شربوشة رئيسة القسم، بأني مدعو للحفل السنوي الذي يقيمه البنك في أحد المطاعم الأجنبية الفاخرة في أبراج الإمارات.
خرجت من المنزل بعد صلاة العشاء متوجها إلى أبراج الإمارات لحضور الحفل السنوي الذي يقيمه البنك، وعندما هممت بالدخول إلى المطعم وقف البودي جارد بالمرصاد رافضاً دخولي فقلت له:
لدي دعوة للحضور. أرجو السماح لي بالدخول.
ممنوع الدخول بهذه الملابس، عليك ارتداء الملابس الرسمية.
ملابس رسمية! الدشداشة من الملابس الرسمية.
كلا.. لا أعترف بها.. يجب ارتداء البدلة ورابطة العنق.
ولماذا هذه العنصرية؟
ليست عنصرية.. هذه قوانين.
وتعالت الأصوات بيننا، وكادت تصل إلى الاشتباك بالأيدي، إلى أن حضر مدير المطعم الذي شرح لي قوانين المطعم... لم أعرف ماذا أفعل فلا يمكن تفويت هذه الحفلة، وقليل من التنازل ليس به أي عيب، سأتوجه إلى المنزل الذي لا يبعد كثيرا عن أبراج الإمارات وأرتدي البدلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
آخر مرة ارتديت فيها البدلة كان قبل خمس سنوات، وهي نفسها ذات البدلة، البنطلون ضيق والقميص الوحيد المناسب تقلص حجمه حتى صار مثل قميص أبو سرة، وأما جاكيت البدلة فقد غطى على العيوب الموجودة في البنطلون والقميص، وبحمد الله استطعت الدخول إلى المطعم ولم أجد أفضل من ماري شربوشة للجلوس معها على نفس الطاولة.
بدأ الحفل بالمقدمات المعروفة وخطب مثالية وتصفيق حاد من الجميع وتوزيع للشهادات، ثم شرع الجميع في تنازل طعام العشاء، وبعد أن فرغنا من تناول الطعام كنت أعتقد بأن الحفل قد انتهى.... ولم أعلم أن الحفلة قد بدأت للتو بعزف الفرقة الموسيقية.
بدأت الفرقة الموسيقية في العزف، ونهض الجميع يتمايل رقصا إلا أنا، فما كان أبي امرأ سوء وما كانت أمي بغيا! وأخذت أرقب المهتزين في أرجاء الصالة الكبيرة، وقد كادت تخرج مقلتي من هول ما رأيت من رقص فظيع، ثم حان دور الموسيقى الشرقية فهدأت الأمور قليلا إلى أن سخن الجو بفاصل إيقاعي سريع، قامت على إثره تلك الحسناء التي أذهلتني في الصباح، وعيني لا تفارقها أو بالأحرى لا تفارق الصرح الممرد من قوارير، فنزعت شيلتها من على رأسها، وربطت الشيلة على خصرها وسط تصفيق حار من المدعوين، وزاد هذه التصرف من اندهاشي والعبد لله يكاد يتلوى من الغيظ، فارتعشت وانتفضت حتى كادت تسقط الحلي من رقبتها ثم توقفت للاستراحة ... تخيلوا كل ما قامت به لم يكن سوى إحماء للدخول في أجواء المباراة .
وعاودت الكرة فاهتزت هزة تحركت معها الطاولات، وأصاب البعض الهلع مما قد تتسبب به الاهتزازات الارتدادية على الجالسين، وبدأ جسمها في التعرق من هول الطاقة الكامنة التي أخرجتها، والجميع يصفق إلا أنا ظللتُ مقهورا مبهورا مما جرى، واندفع المدعوون الواحد تلو الآخر نحوها، فهذا يهنئها ويقبلها على جبينها، والآخر قرب شفتيها، وثالث على وجنتيها الفاتنتين.
لم أستطع السكوت حينها، هذه ثروة وطنية، والثروة الوطنية النادرة نموت ونحيا من أجلها فصرخت صرخة غاضب من هذا الذل:
- كلا ... كلا.. يكفي هذا، ماذا فعلتِ يا بنت بلادي... لماذا صرت رخيصة إلى هذه الدرجة... ماذا جرى لك؟.. لا وألف لا... لن أسمح بالمزيد.
نظر الجميع إلي باندهاش بعد صرختي المدوية، فاقتربت مني ماري شربوشة قائلة:
هذه ليست مواطنة... إنها (.....).
صرت كمن سقط سطل ماء بارد على رأسه، هذه التي كنت أتغنى بها منذ الصباح ليست مواطنة، وهذه الهزات ليست من جسد مواطنة ... الحمدلله .. الحمدلله.. ولكي أداري خطئي قلت:
لكنها ترتدي العباءة الإماراتية، وبذلك هي تمثل الفتاة الإماراتية... نعم يحق لي أن أغضب.
نظر إليّ الجميع نظرة استهزاء وأكملوا سهرتهم، بينما خرجت من المطعم جارا ورائي ذيل الخسارة، ومن شدة تأثري لم أنم جيدا في هذه الليلة.
وفي اليوم التالي توجهت إلى البنك كأن شيئا لم يكن، والأنظار تلاحقني من كل صوب، لم أهتم، فما فعلته بالأمس لم يكن خطئي، وبعد ساعة من بدء الدوام، تم استدعائي من قبل نائب رئيس مجلس الإدارة الذي لم يكلف نفسه عناء الحديث معي سواء كان ذلك بالعربية أو الإنجليزية آو الفارسية وسلمني ورقة يعلمني فيها بالاستغناء عن خدماتي للأسباب التالية:
التطاول على كبار الموظفين من خلال التهكم على اللغات التي يتحدثون بها.
عدم تناسب عقليتي كموظف مع سياسة الانفتاح التي يطبقها البنك والتعدي على الحريات الشخصية للموظفين.
التدخل في سياسة عمل البنك.
نظرت إلى الورقة وقرأتها... لم أنبس ببنت شفة، فقد علمت بأني ضحية أمرين، ضحية لساني وضحية التوطين!
الغـــــول
منذ أن نشرت الصحف اسمي والمكالمات الهاتفية لم تتوقف منذ الصباح الباكر عن هاتفي الأخرس، الكل يهنئ ويبارك، كانت هذه هي المرة الأولى التي يكتب فيها اسمي في الصحيفة الرسمية، وربما تكون الأخيرة. سعادتي في هذا اليوم لا توصف؛ فقد كان اسمي ضمن قائمة المستحقين لقرض الإسكان، ولأن ظهور اسمي قد لا يتكرر فقد حرصت على عمل برواز خاص للموضع الذي ذكر فيه اسمي بالصحيفة تخليداً لذكرى هذه المناسبة السعيدة.
والحقيقة أني ولله الحمد لم أعانِ كثيرا في الحصول على هذا القرض،فلم أكن كغيري الذي يحدث معلوماته الشخصية 12 مرة في السنة الواحدة، ولم يختفِ ملف الإسكان الخاص بي كما اختفت العديد من الملفات، ولم أراجع هيئة الإسكان عدة مرات في الشهر، بل إنَ الأمر ببساطة أنني أداوم في هيئة قروض الإسكان، فمنَّ الله عليَّ من الخير ما منَّه على باقي الموظفين في الهيئة، وكفى الله المؤمنين شر القتال.
كنت أول فرد في العائلة يحصل على هذا القرض، وربما ينفتح هذا الباب على مصراعيه لأشقائي ووالدي الذي ينتظر دوره منذ ربع قرن بالتمام والكمال. وبما أن النحس قد انفك، فلابد أن تمتد آثار الخير إلى باقي العائلة. هنا فقط عرفت حكمة وبعد نظري والدي الذي رسم سياسة تشغيلية لكل واحد من أبنائه كي نستطيع الاستفادة التامة من وظائفنا الحكومية، فقد أصر على أن يعمل شقيقي سالم في إدارة المرور، وأنا في هيئة قروض الإسكان، وشقيقي عبدالله في وزارة العمل، وشقيقي التوأم سيف في الدائرة الاقتصادية، وشقيقي الأصغر حميد في إدارة الجنسية والإقامة، وآخر العنقود عمر في إدارة الأراضي والأملاك .
قبل أن تتم الموافقة على منحي القرض كنت قد كونت فكرة عن بيت الأحلام الذي سأشيده، فترددت على العديد من مكاتب التصميم الهندسي، وقلبت صفحات أرقى المجلات المتخصصة في فن العمارة، وتشاورت مع زوجتي بكل ديمقراطية في تصميم البيت، وإن كانت الديمقراطية الذكورية تطغى على الديمقراطية الأنثوية في بعض الأحيان. واتفقت مع المهندس الاستشاري على كافة التفاصيل المتعلقة بمنزل الأحلام.
وبمجرد حصولي على منحة القرض، تم اعتماد المخططات من البلدية منهياً كافة إجراءات التصميم، ولم يتبق سوى طرح المخططات للمناقصة عن طريق الاستشاري الذي صمم لي المنزل.
مر أسبوعان على طرح المشروع للمناقصة والمقاولون لم يرسوا لهم على بر، مترددين خائفين لا يعرفون كيف يمكنهم حساب التكلفة، وبعد ضغط من الاستشاري على المقاولين للإسراع في عروضهم فتحت المناقصة فكان أقل عرض للبناء يناهز الثمانمائة ألف درهم، والعرض الذي يليه فاق المليون بقليل، وأعلى عرض في المناقصة كان مليون ونصف المليون درهم، وبطبيعة الحال لابد أن ألجأ للأقل سعراً، خصوصاً وأن قرض الإسكان يبلغ نصف مليون درهم، أما الثلاثمائة ألف فيمكن تدبيرها من هنا وهناك عن طريق الاتجار بالرخص في وزارة العمل، وقرض ربوي من بنك حرامي.
وكان حظي سيئا بعض الشيء قبل توقيع العقد بيوم واحد، إذ ارتفعت أسعار البناء بشكل جنوني؛ فقرر المقاول إضافة بند إلى العقد يسمح بزيادة الأسعار بنسبة معقولة كلما ارتفعتْ أسعار مواد البناء، وقد وافقت على ذلك بتوصية من الاستشاري، مكره أخاك لا بطل، فالمقاول لا يمكن تفويته، والأسعار صارت نارا؛ فارتفعت تكلفة بناء منزلي إلى تسعمائة ألف درهم.
ومشوار البناء ليس بالشيء الهين كما يتصوره البعض، إذ يجب أن تدوخ السبع دوخات على قولة إخواننا المصريين؛ فهناك رسوم يتعين دفعها قبل أن يباشر المقاول العمل؛ فيجب أن تدفع رسوم استخراج رخصة البناء، ورسوم تأمين رخصة البناء، ورسوم تمديدات الصرف الصحي، ورسوم شهادة اعتماد المقاول، وضمان بنكي للمقاول والمالك، وقد كان حظي جيداً في هذه الأيام، حيث تم تقليل زمن استخراج الرسوم والشهادات ورخص البناء، فبعد كان الأمر يستغرق شهرين صار يستغرق شهراً واحداً فقط لا غير.
أنهيت كل الإجراءات بفضل الله وتوفيقه، واستلم المقاول الأرض، ولكنها لم تكن مستوية، فاستلزم الأمر دفنها وتسويتها لتكون بمستوى الأراضي المجاورة، فاستأجرت عدة جرافات كلفتني مبلغ خمسين ألف درهم، ثم بدأ المقاول في أعمال الحفر لصب الأساس فاكتشف أن الأرض تعوم على بركة ماء، وبركة الماء تعني احتمال انهيار المنزل بعد تشييده، وهذا يعني زيادة في التكلفة المترتبة على هذا الإجراء، الأمر الذي أجبرني على إعادة تصميم المنزل بما يسمح بتصغير مساحته قليلا كي لا أهدر الميزانية الموضوعة من قبلي.
وبعد سحب المياه، بدأت الأعمال الإنشائية على قدم وساق فصب المقاول الأساسات وكان ذلك يوما تاريخيا، إذ اتصلت بصديقي المصور في الجريدة لالتقاط صورة تذكارية وأنا استخدم المجرفة لأضع حجر الأساس لمنزل الأحلام مع لفيف من الأهل والأصدقاء احتفلوا بهذه المناسبة السعيدة.
لكن النحس نحس طوال عمره، فقد حدثت مفاجأة أخرى غير سعيدة بعد صب الأساس، حيث صدر قرار من البلدية يلزم المقاولين باستخدام الطابوق العازل الأغلى ثمناً بسبب خواصه العازلة للحرارة والصوت، وترتب على ذلك زيادة في التكلفة، والتكلفة لا أستطيع تحملها، فتوجهت إلى الاستشاري الذي تفهم موقفي فقررنا تعديل المخطط لنستغنى فيه عن غرفة لعب الأولاد، مكره أخاك لا مستبخلا!.
واستأنف المقاول العمل في المشروع، وبحمدلله وفضله، شيدت أساسات وأعمدة الطابق الأول، وبدأ المقاول في مباشرة العمل في سقف الطابق الأول، وبينما كنا في انتظار شحنة الحديد ارتفعت الأسعار إلى مستويات قياسية، فتوقف المقاول عن العمل متحججاً بالعقد الملزم بين الطرفين فإما أن أتحمل التكلفة الإضافية وإما أن استغني عن بعض الإضافات غير الضرورية، فتوجهت إلى الاستشاري الذي عرف الموضوع بمجرد رؤيتي فادخل تعديلا جديداً على التصميم يقضي بالاستغناء عن الصالة العلوية وأحد الحمامات.
وبعد معاناة وصل الحديد الخام من الخارج، فارتسمت على وجهي ابتسامة الانتصار، وبدأ المقاول في تجهيز الحديد ليصب سقف الطابق الأول، وهنا أعلم أنكم تعلمون بأن الأسمنت ارتفع سعره في السوق العالمية والمحلية فارتفع سعر طن الأسمنت من 250 درهما إلى 400 درهم في غضون أسبوع فقط، وهنا أيضا أعلم بأنكم تعلمون أن المقاول سيتوقف عن العمل مطالبا بتعديل العقد أو دفع الفرق، فاقترح علي المقاول تخفيف نسبة الإسمنت عن طريق تقليل الغرف، فوافقت على الفور كي لا أضغط على الميزانية.
وبما أنني كنت أكثر شخص يتردد على الاستشاري ليطلب منه تعديلات جذرية وجوهرية على تصميم المنزل، فقد ملّ من رؤيتي، وأراد التخلص مني بطريقة ذكية عن طريق تزويدي بعشرة مخططات مرنة تتوافق مع أي زيادة في أسعار البناء، وبما يسمح للمقاول باستكمال البناء فلم أعد محتاجا إلى مراجعته مثلما كنت أفعل في السابق؛ فيتأفف ويتحرطم بمجرد رؤيتي قافزا على مكتبه.
وطوال الفترة الماضية لم يسلم أي شيء من الارتفاع فقد ارتفعت أسعار الألمنيوم والأدوات الصحية والسيراميك والجبس والرخام، والزجاج والأصباغ، والتمديدات والأنابيب الصحية، والأدوات الكهربائية والإنارة، ومع كل زيادة كنت أجري تعديلا جديداً على المخططات، فالمهم ألا تتجاوز تكلفة البناء الميزانية المرصودة. وبعد سنتين بالتمام والكمال تنازلت عن حلمي ببناء المنزل المكون من خمسة غرف نوم وصالتين ومجلس إلى تصميم آخر يناسب ميزانيتي.
وعندما انتهى البناء وهممت بتأثيث منزلي المكون من غرفة نوم واحدة وصالة وحمام، وصلتني ورقة من إدارة التنظيم العقاري تعلمني بتأثر منزلي والمنازل المحيطة به بمشروع استثماري كبير يحتم تسليمي لمنزلي الصغير وانتظاري لمبلغ التعويض، وها أنا انتظر مبلغ التعويض لأعيد كتابة معاناتي التي سأخوضها من جديد ضد الغول الجديد الذي يسميه الناس غول ارتفاع الأسعار.
عيدية
فتح خزانة ملابسه بكل هدوء حتى لا تستيقظ والدته التي استسلمت للنوم قبل قليل، امتدت يده إلى الفانلة الجديدة، فقلّبها يمنة ويسرة، كانت من ماركة (كابتن) التي كان يحلم كثيرا بلبسها، نظر إلى الرف السفلي من الخزانة فلمح الإزار الجديد، فكر للحظات.... هل يلبسه في الغد أم يرتدي (الهاف) السروال القصير؟ لم يكن يعرف كيف يحكم لبس الإزار؟، أكثر من مرة انزلق الإزار من جسده النحيل، ولم يكن يتنبَّه إلا في اللحظات الأخيرة قبل سقوطه كليَّاً، صرف الفكرة من عقله خشية أن يسقط إزاره في يوم العيد فتحمرّ وجنتاه كالعادة.
فتح الباب الثاني للخزانة، نظر إلى الدشداشة الجديدة، ذات اللون البني الفاتح، اطمأنّ على نظافتها ورائحة البخور التي عطرتها به والدته، ابتسم ابتسامة بريئة تملؤها الفرحة وأغلق باب الخزانة.
وقف عند باب الغرفة، شاهد كرتون نعله الجديد، فتحها ونظر إلى النعل الأسود الجديد من نوع كاراتيه، مشى به خطوات قصيرة في الغرفة الصغيرة ... تعثر فيه، أدخل رجله جيدًا.. مشى به خطوات أخرى ثم أعاده إلى مكانه.
استلقى على فراشه لينام، راودته العديد من الأفكار عما سيقوم به في العيد، سيصحو مبكرا قبل أذان الفجر، لن توقظه والدته كالعادة، بل هو من سيبادر بإيقاظها، سيستحم بأسرع ما يمكن، ويتوجه للمصلى القريب من منزله، سيذهب وحده كعادته منذ وفاة والده، ربما سيلاقي صديقه سيف في المصلى. بعد صلاة العيد سيعود إلى المنزل ليقبّل رأس والدته مهنئنا إياها بالعيد.
أول بيت سيمر عليه ليحصل على العيدية هو بيت جارته عذيجة، أطيب وأكرم جارة في الفريج . في العيد الماضي أعطته عشرة دراهم كاملة، ربما تعطيه أكثر منها في هذا العيد . سيذهب بعد ذلك إلى بيوت باقي الجيران؛ لعلّه يحصل على درهمين أو أكثر. لن يمر ببيت بوحسون فأهل بيته لا يفتحون الباب، كيلا يعايدون الأطفال ويتواطأ معهم جرس الباب فيخرس في العيد، سيتوجه إلى فريج الطواش، بعدما أخبره صديقه عتيق بأن أغلب سكان الفريج من التجار، وربما يتحصَّل على عيدية تليق بمقامهم فيعود من هناك فرحاً بما أعطوه.
لن يقترب من البيوت في فريج البتان، حذرته والدته من التسكع هناك، وحلفت بألا يدخله نهائيا، إنها محقة في ذلك، فلقد استولى الآسيويون على منازل الفريج، بعد هجرة أهاليه إلى منازل جديدة . لم يعد ذلك الفريج آمنا كالسابق . حدثت عدة قضايا تحرش بالأطفال من قبل الآسيوين الذين استوطنوه، الحمدلله، فقد نجت فطيم الابنة الصغرى لصديقة والدته شمسة بأعجوبة في ذلك اليوم أثناء مرور والدها قَدَراً هذا الحيّ.
سيمر في طريق عودته على بيت أم فرج المشهورة بمأكولاتها الشعبية، سيتناول عندها البلاليط والحلوى العمانية والعرسية وكل ما يشتهيه، فهو لا يريد منها أي عيدية، فالطعام التي تعده بيديها لا يضاهيه أي مال. وفي الطريق إلى هناك لن يمر بالسكة الواقعة خلف بيت خليفة المحش التي يحرسها الكلب شمشون، فالالتفاف حول الفريج أهون من الهروب من براثن الكلب.
في ثاني أيام العيد سيمر على منزل أعمامه في مدينة أبوظبي، وقد يحصل على عيدية كبيرة منهم أسوة بأبنائهم، وبعد عودته في نهاية اليوم سيضع كل النقود التي جمعها في الحصالة القديمة التي يخبّئها تحت السرير.
وربما سيذهب في ثالث أيام العيد – كما وعدته والدته - إلى منتزه الجزيرة في الشارقة، وهناك سيلعب من الصباح حتى المغرب، ولن يفوته أن يشتري له قليلا من الدنقو من القهوة الشعبية.
ثمة أملٌ في ذهابه إلى مدينة العين مع جيرانه في رابع أيام العيد، لقد وعده صديقه أحمد بأنه سيكلم أباه ليصحبه معهم، ستكون فرصة عظيمة لزيارة حديقة ألعاب الهيلي التي سمع عنها مرارا وتكراراً، سيلعب بقطار الموت والسيارات الصغيرة، وسيدخل بيت الرعب ويلهو بكثير من الألعاب الأخرى.
عندما تسنح له الفرصة سيتوجه إلى محل اديداس العرب الواقع على ضفاف خور دبي، ويمشي من منطقة الرفاعة حتى الخور، ثم سيركب العبرة ليصل إلى ضفة الخور المقابلة، وهناك سيشتري حذاء كرة قدم شبيه بالذي يلبسه حميدو شامل بطل مسلسل أبطال الملاعب، حذاء يسجل الأهداف بسهولة، وربّما إذا اشترى هذا الحذاء يصبح هداف البطولة المدرسية هذا العام.
استيقظ محمد من نومه على صوت أذان الفجر، نهض من فراشه بسرعة، لم يشأ أن يوقظ والدته. فتح خزانة الملابس. لم يجد أثراً للفانلة والإزار والهاف. فتح خزانة الملابس الثانية فلم يشاهد الدشداشة الجديدة.. اقترب من باب الغرفة يبحث عن كرتونة النعال لكنه لم يجدها.
فرك عينيه بقوة .... حك رأسه .... وقف دون حراك وسط الغرفة لبرهة محاولا أن يعرف ما الذي حدث، رجع إلى فراشه واستلقى على السرير، كانت والدته ترمقُهُ منذ قيامه حتى عودته بجانبها على السرير، لم تنبس ببنت شفة، احتضنته وقد انهمرت من عينيها الدموع، دموع اجتمعت فيها كل آهات الحرمان والحزن والتعاسة!.
العالم فياجرا!
انقلبت حياتي رأساً على عقب في تلك الليلة التي كنت أبحث فيها عن دواء للصداع في غرفة جدي، قدَراً وجدت أمامي حبة زرقاء، ظننت أنها مسكن للصداع أحضره جدّي معه خلال زيارته الأخيرة للهند، ولكنّني اكتشفتُ بعد أن تناولتها أنها لم تكن سوى حبة فياجرا .
يا له من مراهق كبير هذا الجد الذي يريد العودة إلى أيام الصبا مع الجنس الناعم، لابد أن لتلك العجوز المتصابية التي تسكن قرب بيته دوراً جوهرياً في هذا الموضوع خصوصا بعد قيامها بنفخ شفتيها بالبوتاس فغدت شفتها العليا بحجم الخوخ، وزرعت السليكون في ثدييها اللذين كانا في حالة ميؤوس منها قبل العملية التجميلية.
ربع ساعة فقط كانت كافية لأشعر بتأثير حبة الفياجرا على جهازي العصبي، شعرت حينها بدوار شديد في رأسي مما زاد الطين بِلَّة، وأحسست برغبة ملحة في التفكير في الأمور الجنسية، أنا نفسي استغربت من هذا التفكير الذي طرأ علي هكذا، كل الأفكار الجنسية بدأت تتدفق على رأسي دون أن أعرف، والحمد لله أن أثارها لم تمتد إلى أماكن أخرى قد تسبب لي العديد من المشاكل في تلك الساعة المتأخرة من الليل.
في تلك الليلة، لم أنم جيداً بسبب الفياجرا، وبما حملته من أفكار جنسية غريبة استمرت في التدفق على رأسي خلال ساعات الدوام الرسمي من صباح اليوم التالي.
فكرت في استشارة صديقي خلفان الذي جرب الفياجرا من قبل عدة مرات، وكاد يصاب بأزمة قلبية في إحدى المرات، كما قام بتجربتها على كلبه الألماني الذي يسميه شارون، وبعد التردد في استشارته اقتربت منه بهدوء، كان في تلك اللحظة قد انتهى من مكالمة حبيبته التي يسميها الدانة، فسألته:
بالله عليك يا خلفان أخبرني هل للفياجرا تأثير يتعلق بالتفكير الجنسي؟
يا لئيم .... هل وصلت لهذه المرحلة الحرجة؟
أجبني ولا تجب عن سؤالي بسؤال.
تسأل كأنك لا تعرف شيئا عن المواضيع الجنسية، يا صديقي الفياجرا منشط جنسي، وله آثار أخرى تتعلق بزيادة نبضات القلب، هذا كل ما أعرفه.
بصراحة لقد تناولتها عن طريق الخطأ... ومن ساعتها، وأنا أشعر بصداع شديد في رأسي، أحس كأنني أعرف كل شيء عن الجنس، مثل الذي درس كل كتب الجنس التي تمت كتابتها منذ خلق الله الدنيا.
عن طريق الخطأ؟، علي من تلعبها يا شاطر، حقيقة لا أعرف الجواب المناسب لسؤالك، الشيء الوحيد الذي أعرفه أنه لم تعد تؤثر فيك حبة الفياجرا وصرت في حاجة ماسة إلى علبة كاملة، قلت لك سابقا إنك في حالة ميؤوس منها.
رن هاتفه من جديد، فانصرف عني دون اكتراث يحدّث صديقته الأخرى؛ ليقص عليها آخر مغامراته التي هي من وحي خياله فقط، بينما بقيت في حالة يرثى لها غير قادر على التركيز في العمل حتى شاهدت مسعود المراسل يحدث نفسه قبل نهاية الدوام، كأنّ مسّاً من الشيطان أصابه، ناديت عليه لعل وعسى أعرف ما به.
خير يا مسعود، مالك تحدث نفسك بصوت مرتفع ؟
لاشيء .. لا شيء.. هل من الحرام أن يكلِّم الواحد نفسه ؟
مسعود أنا أعرفك منذ زمن طويل، أنت لا تكلم نفسك إلا عندما تكون متضايقا أو قد حل بك مصاب جلل.
هز رأسه ثم نظر إلى متحدثاً بنبرة كلها ألم وحزن:
لدي مشاكل شخصية لا أعرف كيف أحلها.
لا عليك يا مسعود سأساعدك، فلا يمكن أن أنسى نصائحك لي عندما كنت موظفا جديدا فأخبرتني عن طباع كل موظف من الفراش إلى الوزير فعرفت كيف أتعامل معهم، خصوصا مع السكرتيرة المحسوبة قطاع خاص على المدير.
ابتسم قليلا ثم قال:
- إن الموضوع بالغ الحساسية، من الصعوبة بمكان شرحه لك.
كلي آذان صاغية، اعتبرني نفسك التي تحدثها، وأعدك بأني لن أتحدث بها لأي كائن كان.
اسمعني جيداً، أعاني في الفترة الأخيرة من مشاكل جنسية فلم أعد أستطيع ممارسة حياتي الجنسية بصورة طبيعية، زرت أحد الأطباء ففشل في إعطائي العلاج المناسب وقال لي بأن كل الأمور طبيعية بالنسبة لي.
هنا شعرت أني بحاجة لمعرفة المزيد عن حياته فربما أستطيع مد يد العون له، خصوصا وأن الأفكار الجنسية بدأت تتكاثر في عقلي بصورة غير طبيعية، فقلت:
- حدثني عن حياتك منذ زواجك إلى الآن.
وما دخل هذا في الموضوع، هل ستحل مشكلتي أم إنك ستناسبني؟
لا داعي للعصبية والانزعاج، أريدك أن تثق بي كل الثقة.
حسناً، لقد تزوجت في سن السابعة عشرة من ابنة عمي بعد أن لاحظ والدي علامات الرجولة على جسدي، فلم يشأ أن أتورط في أي علاقة حرام، وقد مضى على زواجي عشر سنوات أنجبت فيها زوجتي ستة أولاد وثلاث بنات، ولم أكن أعاني من أي مشكلة فيما يتعلق بحياتي الجنسية إلا في الأشهر الأخيرة، لقد أصبحت عاجزاً، واستخدمت الفياجرا وجميع المنشطات الجنسية الأخرى المعروفة وغير المعروفة دون جدوى.
و ما هي حالتك المادية بالتفصيل؟
حالتي المادية يعرفها الجميع، راتبي يقارب من 8000 درهم، وأسكن في شقة إيجار، تلاحقني الديون من كل جانب، ألاقي صعوبة في تدبير نفقات أبنائي الصغار، كما إن إخواني لا يساعدونني مطلقا رغم أن الله قد أنعم عليهم بالخير والثراء.
لا أعرف كيف شعرت بأن مشكلة مسعود نفسية أكثر من كونها عضوية، وأن حل المشكلة بسيط جداً أكثر مما قد يتصوره.
حل مشكلتك بيدي... ولن أرتاح قبل أن ترجع إليك عافيتك. عليك بتنفيذ ما أقوله لك بكل بساطة، أنت تعيش في حالة نفسية بسبب حالتك المادية الضعيفة التي بدورها تؤثر عليك جنسياً، إن مشكلتك نابعة من خوفك في أن تحمل زوجتك مرة أخرى وأنت غير قادر على الوفاء بالتزامات أولادك، عليك بحل أبسط مما قد تتصور: بالليل، لا تفكر في أبناءك، واحرص على شراء العازل الطبي من صيدلية مضمونة، وأنا متأكد بأنك سترتاح نفسيا.
نظر إليَ مسعود وقد بدت على محياه علامات الاندهاش ثم سألني:
- كيف عرفت باني أفكر في حالتي المادية الضعيفة..وما علاقة هذا بمشكلتي؟
عليك أن تنفذ ما قلته لك وستكون أسدا كالسابق.
ضحك كثيرا واستأذن ليختم بطاقة الانصراف من العمل.
وقبل منتصف الليل من نفس اليوم تلقيت اتصالا من رقم لا أعرفه... كان مسعود على الخط يضحك كسابق عهده، ويشكرني على مساعدتي طالباً مني بأن أترقب الفطور الذي سيحضره غداً خصيصا لي تقديرا لنصيحتي التي أعادت الثقة إليه،وأدخلت البهجة إلى قلبه.
بعد عدة أيام اكتشفت أن مسعود قد أخبر معظم موظفي الوزارة بالموضوع، فصار مكتبي الصغير عيادة جنس ومسالك بولية لكل من لديه مشكلة زوجية، أو استشارة جنسية، لتبدأ بعدها شهرتي في البروز، بعدما استطعت علاج العديد من مشاكل أصدقائي، مع أني كنت اضطر إلى تناول حبة فياجرا كلما شرعتُ في حل مشكلة أحدهم.
وقد حرصت خلال تلك الفترة على تدوين كل هذه المشاكل، ورؤيتي لها، والحلول المناسبة، إلى أن تفتقت في ذهني فكرة إصدار كتاب يختص بموضوع العلاقات الزوجية الجنسية والنفسية... وبعد إتمامي مخطوطة الكتاب طرحت الفكرة على عدد من الناشرين الذين دخلوا في مزايدة شرسة للفوز بحقوق طبعه؛ إذ أن مخطوطة الكتاب التي تم عرضها على بعض المتخصصين لاقت إعجاب الكثيرين، واعتبرها بعضهم ثورة في علاج المشاكل الجنسية، حيث تم وضع معظم الحلول والأساليب الجنسية المستمدة من العصر الحجري إلى تاريخنا المعاصر.
لم أكتف بالشرح الوافي والكافي في عرضي للمشكلات الجنسية، بل تعدى الأمر إلى وضع حلول غير تقليدية، موضحة بالصور قدر المستطاع، ولم يركز الكتاب على الجانب العملي في الجنس وإنما تعداه إلى الجانب النفسي والسيكولوجي الذي يؤثر على الوظائف المرتبطة بالجنس، وبعد أن قمتُ بمراعاة أراء المتخصصين؛ فأجريتُ تعديلات طفيفة على الكتاب كي تتم إجازته من قبل الرقابة، وقد حرصتُ على أن يتضمن الكتاب الفصول التالية:
مقدمة عامة حول علم العلاقات الجنسية.
لماذا يفكر الإنسان في الجنس؟
نظرة الأديان السماوية.
فوائد لا تعد ولا تحصى للعلاقات الزوجية السليمة.
سكس لوجيا الحب.
العلاقات الزوجية السليمة وتأثيرها على الناتج القومي.
مشاكل جنسية بسيطة.
الجنس السليم في الجسم السليم.
ما يصح وما لا يصح في العلاقة الجنسية.
مليون طريقة لجنس خالي من الأمراض.
تأثير العلاقات الجنسية في الأدب العالمي.
التراث العريق للجنس عند العرب.
استمرت الحملة الدعائية مدة أسبوع كامل بفضل إحدى كبريات شركات الإعلان التي روجت للكتاب الذي يحمل اسم فياجرا الزواج. وقد حقق الكتاب في يومه الأول مبيعات قياسية لم يحققها أي كتاب في الدولة، بل تزايدتْ الطلبات على الكتاب من جميع البلدان العربية والنامية، وفاقت مبيعاته مبيعات النسخة الجديدة من كتاب هاري بوتر. ومع تزايد شعبية الكتاب اضطررت إلى تخصيص عدة أيام لتوقيع الكتاب، وبفضل الله اكتظت القاعة التي خصصت لهذا الغرض بجموع المحتشدين والمعجبين في يوم تاريخي لا ينسى.
وبناء على هذا الإقبال الكبير قررت دار النشر إعادة نشر طبعة جديدة لتواكب الطلب المتنامي على الكتاب، وتلقيتُ خلال أسبوع من نشر الكتاب طلبات من دور نشر عالمية تسعى إلى ترجمته إلى اللغات : الإنجليزية والأسبانية والفرنسية والفارسية،وتم استبعاد اللغتين الصينية والأوردية بسبب قانون تحديد النسل في هذين البلدين. وتم عرض الكتاب على أشهر مواقع بيع الكتب على الإنترنت مثل أمازون وغيرها من المواقع الشهيرة.
وإزاء هذه الشهرة الكبيرة تعاقدتْ معي إحدى المحطات العربية لتقديم برنامج متخصص في علاج المشاكل الجنسية، واحترتُ في البداية في اختيار اسم للبرنامج يعمل على جذب المشاهدين من أول وهلة؛ فلم أجد أفضل من اسم (سكس لوجيا الحب)؛ فهو يعبر عن المضمون قلباً وقالَباً، وقد روعي في هذا البرنامج أن يكون مناسباً لكل شرائح المجتمع، كباراً ومراهقين، رغم الجرأة في الطرح واستخدام لقطات تعليمية موجهة للكبار فقط.
واستطاع البرنامج - بفضل الله وحمده- أن يسحب البساط من برنامج الزميلة القديرة الدكتورة فوزية الدريع، مع كامل الاحترام والتقدير لها، فهي تعتبر رائدة وأستاذة لا يعلى عليها في هذا المجال، بل تسبب عرض هذا البرنامج في يومه الأول في تعطيل شبكة الاتصالات المحمولة والثابتة بسبب الضغط الهائل على مقسم بدالة التلفزيون، وحلّت بالمدينة نكسة اتصالات نادرة الحدوث قبل علاج الخلل في الحاسوب المركزي للاتصالات، وسجلت رسائل (اس ام اس) رقماً قياسياً في تلك الليلة، فاق الرقم الذي تم تسجيله يوم انتشار شائعة خفض أسعار البترول إلى ثلاثة دراهم.
لكنني في الحقيقة اكتشفت بأني ضحية لطمع التلفزيون الذي كان يعطيني الفتات بينما ينهب ملايين الدراهم من المتصلين الذين يعتبرون موضوع الجنس بالنسبة لهم موضوع حياة أو موت، فتوقفتُ عن تقديم البرنامج لمدة أسبوع كامل قامت خلالها عدة مسيرات سلمية، وتم قذف مبنى التلفزيون بالبيض الفاسد، والحجارة، احتجاجا على عدم تلبية طلباتي المادية، كما هددتْ شركات الإعلان الراعية للبرنامج بفسخ تعاقدها مع التلفزيون، واستنكرت المنظمة الدولية المعروفة (جنس بلا حدود) هذا الإجحاف بحقي؛ فضغطت على التلفزيون، وإزاء هذا التحرك الشعبي والدولي تم رفع أجري الذي أتقاضاه ليبلغ 70 ألف درهم.
وقد حدثت لي العديد من المواقف التي لا يمكن نسيانها؛ بعضها طريف، والآخر سخيف بعد تزايد شهرة البرنامج، لكني أتذكر دائماً ذلك اليوم الذي كنت أتناول فيها طعام الغداء في إجازتي في إحدى الدول الغربية، حيث دق احدهم جرس الفيلا التي كنت اقطن بها، فخرجت الخادمة لمعرفة من يقف بالباب.
كانت ثلاث سيارات ليموزين سوداء اللون متوقفة في الخارج، ولا يمكن معرفة من بداخلها، وفجأة نزل من السيارة الأولى أربعة أشخاص يرتدون النظارات السوداء ودخلوا إلى مكان إقامتي دون استئذان، في هذه اللحظة ارتعدت فرائسي خوفا من أن تكون محاولة لاختطافي... لكن والحمد لله زال الخوف الذي كاد يبللني لحظتها عندما علمت بأن شخصية مهمة تريد مقابلتي.
دخل الرجل المهم، فلم أستطع التعرف عليه في البداية، ومع التدقيق في ملامح وجهه استطعتُ تحديد شخصيته، خصوصاً وأن صورته تظهر بشكل مكثف على صفحات الجرائد وشاشات التلفاز، إنه مسئول بارز في أحد الاحزاب الشهيرة في أوربا، هنا فطنت إلى أنه يعاني من مشكلة يريد لها حلاً، فرحبت به أجمل ترحيب.
وبعد أن جلس برفقة حرسه العتاة، طلب منهم الوقوف قرب الباب، ثم نظر إليّ نظرة غريبة قائلا:
- أريدك أن تعرف بأني لا أريد أن يعرف أي مخلوق على وجه الأرض أني قمت بزيارتك، وإذا تسرب الخبر تأكد بأني قادر على إرسالك إلى آخر العالم.
ارتبكت في بداية الحديث وارتطمت أسناني العلوية بالسفلية، وتتأتأت في الحديث فقلت بارتجاف:
- اعتبر.. اعتبر نفسك لم تأت إلى هنا من الأساس، ومن هو ذاك المجنون الذي سيصدق أنك أتيت إلى منزلي يوما ما.
هنا ارتسمت عليه علامات الارتياح فقال:
منذ أسبوع أعاني من مشاكل سببت لي الإحراج فما عدت ذلك الفحل الذي تتمناه كل امرأة.
هل راجعت الطبيب يا سيدي، وهل تعاني من أي مشاكل عضوية؟
لا، لم أراجع أحدا، فكرت في استشارتك أنت بعد أن وصلت شهرتك إلى أوربا ومعظم دول العالم.
أريدك أن تحدثني عن نفسك، كيف كنت وكيف أصبحت من الألف إلى الياء منذ زواجك إلى الآن مع التركيز على العلاقات مع الجنس الآخر.
إذا كانت الإجابة ستفيد فلا بأس، بكل صراحة كنت أعيش حياة طبيعية مع زوجتي، لم تكن لي مغامرات أو نزوات عاطفية إلا فيما ندر، حتى وصلت إلى المنصب الذي أتبوأه في الفترة الحالية، تغيرتُ كثيرا بعدما نشأت بيني وبين المعجبات والساعيات إلى الشهرة علاقات حميمة، ومن يومها تغيرت حياتي فصرت أخرج مع كثيرات منهن إلى أن بدأت أشعر بضعف جنسي في الآونة الأخيرة، وزاد الأمر حين بدأتْ زوجتي تشتكي من تقصيري وفشلي المتكرر في علاقتي الجنسية معها.
مددتُ يدي إلى جيبي فأخرجت حبة فياجرا دون أن يتنبّه لها لأتناولها لعلها تساعدني في حل المشكلة، وبعد لحظات نظرت إليه، وقلت:
أنت لست سيارة أو آلة، أنت إنسان لك طاقة معينة لا تستطيع أن تتجاوزها، لاعب الكرة لا يستطيع لعب عدة مباريات في اليوم الواحد، والحصان الرابح لا يشارك في سباقات يومية، عليك إن تعرف أن لجسدك عليك حقا، إذا كنت تريد أن تحل مشكلتك فأنت مطالب بفعل شيء واحد فقط، وهو أن تقطع جميع علاقاتك الجنسية الآثمة، وستكون ساعتها بأمان، سأعطيك شراباً تشربه الليلة، وستجد نفسك كما كنت بشرط أن تبتعد عن نزواتك خارج الحياة الزوجية.
سكت عدة ثوانٍ قبل أن يرد:
- ربما يكون كلامك صحيحاً، فعلاً إني بحاجة للعودة إلى صوابي والابتعاد عن العلاقات المشبوهة التي تسببت في تشويه صورتي على مستوى الحزب في الآونة الأخيرة، وبدأت الصحف والأجهزة الاعلامية تلمح بذلك، سأشرب شرابك هذا، ولكن يا ويلك إن لم ينجح معي.
بعد رده هذا شعرت بنفضة غريبة في جسمي خوفا من ألا ينجح علاجي، فأذهب في رحلة مكوكية إلى آخر العالم قد تطول مدتها، وقد تكون بلا رجعة، فاستأذنته لجلب الشراب الذي لم يكن سوى البابونج الصيني مضافٌ إليه قليلٌ من الزنجبيل والكمون.
علمت بعد عدة أيام أن علاجي قد نجح - بحمد الله وفضله - ولم يكن علاجي في الحقيقة سوى توجيه نفسي بألا يتورط في علاقات آثمة، فأرسل لي بعد أسبوع هدية عبارة عن سيارة فخمة جديدة.
وفي موقف آخر لن أنساه أيضا، رن هاتفي الشخصي فإذا بي أسمع صوتا نسائيا يتحدث معي بلهجة غاضبة قائلا:
- أنت إنسان طفس لا تستحي ولا تخجل، ما الذي بقى كي يفعله زوجي معي، منذ أن استشارك صار مراهقاً يطلب مني أشياء غريبة.
خير إن شاء الله يا مدام، ابطئي من سرعة حديثك وتحدثي معي بهدوء لا داعي للعصبية كيلا أغلق سماعة الهاتف.
تريد غلق سماعة الهاتف لأنك عاجز عن الرد، اسمعني جيداً، زوجي استشارك قبل أسبوع، ومنذ ذلك الأسبوع صارت حياتي لا تطاق، لم يعد يخرج من المنزل لكنه بدأ يطلب مني أشياء غريبة لا أقبلها.
عفواً، ما هي هذه الأشياء الغريبة التي لا تقبلينها؟
لا تتظاهر بالبراءة كأنك لا تعرف شيئا.... تخيل أنه يطلب مني ارتداء الميني جيب وأحيانا الشورت القصير جداً الذي يسمونه الشورت الساخن، يريدني أن أظل في البيت شبه عارية، وأن أمشي مثل عارضات الأزياء، وأن أرقص له في الليل على موسيقى المعلاية. اسمع يا هذا... لم يزوجني أهلي كي أتعرى طول الليل، ولم يدخلوني مدرسة للرقص كي أرقص له كل يوم، هذا عيب وأكبر عيب، لو علم أهلي بذلك لطلقوني منه إلى غير رجعة، أنا من أسرة محترمة ترفض هذه التصرفات.
يا أختي، عندما يطلب منك هذه الأمور، لم يطلبها منك في الحرام. هل تريدين أن يبحث عن هذه الأشياء خارج البيت. طاعة الزوج واجبة ما لم تكن في مُحرّم . وطلباته عادية جداً في نظري.
عادية في عينك، أنا لست متعودة على أن أكون بهذه الصورة، أشعر بأني سلعة رخيصة، مثلي مثل فتيات الفيديو كليب.
سلعة رخيصة إن كان يراك كل من هب ودب، ولكن هذا زوجك، قرة عينك، والأفضل لك وله أن تسايريه فيما يحب . هذا أفضل من أن تكون له نزوات ومغامرات خارج الحياة الزوجية، كيف ستكون ردة فعلك لو علمتِ بأنه يذهب إلى المراقص، ويخرج مع الفتيات، ويفعل أشياء لا يمكن ذكرها. إذا كنت ترضين بذلك فلا تنفذي ما يطلبه منك.
بصراحة لا أعدك لكني سأحاول، يا أخي ... كلما شاهدت الفتيات في القنوات الفضائية أشعر بأني مثلهن.
لا طبعا، هناك فرق، لا تترددي أبدا في هذا الموضوع واستشيري صديقاتك كي يهدأ بالك أكثر.
وبعد شهر اتصل بي زوجها سعيداً لأن زوجته بدأت تتغير بصورة تدريجية وهي الآن حامل في أسابيعها الأولى.
خلال الفترة الماضية حققت كل ما أريده من جاه وشهرة، حصلت على جوائز تقديرية عديدة، وتلقيت العديد من السيارات الفارهة، كنت أحلم بسيارة مايباخ واحدة،لكني حصلت على اثنتين منها، وشيدت قصري الفخم بعد أن كنت عاجزاً عن بناء منزل متواضع بدور أرضي، وتمكن أبنائي من الدراسة في أعرق المدارس الأجنبية بعد أن كنت عاجزاً عن تسديد مصاريف مدارسهم الخاصة المتواضعة، وتعرفت على العديد من كبار السياسيين في العالم واستطعتُ تحقيق أشياء لم أكن لأحلم بها يوماً.
وتم تكريمي باعتباري من الشخصيات الأكثر تأثيرا على المستوى المحلي، حيث قامت إحدى الشركات المتخصصة بدراسة أثبتت أن البرنامج ساهم في انحسار مشكلة الازدحام المروري الذي كنا نعاني منه في السنوات الماضية، وبفضله أصبحت حركة المرور أكثر انسيابية، فارتفعت عائدات الشركات الوطنية والأجنبية بصورة قياسية، وارتفع الناتج المحلي بصورة فاقت التوقعات في هذه السنة، وزادت حالات الحمل لدى المواطنات بشكل خاص، مما أشاع التفاؤل في أوساط المسئولين الذين تلمسوا فيه الحلول لمشكلة التركيبة والهوية السكانية إذا ما استمرت حالات الحمل لدى المواطنات بهذه الصورة.
وعلى الصعيد العربي والإسلامي تم الاتفاق على هدنة بين الفصائل المتقاتلة في عدد من المناطق المتنازع عليها خلال فترة بث البرنامج، وفتحت المعابر في فلسطين المحتلة في هذا الوقت لتسهيل مرور الفلسطينيين لمتابعة حلقات البرنامج، كما تلقيت اتصالات من كبار المسؤولين في عدد من الدول العربية يتخفون خلف أسماء مستعارة لحل مشاكلهم الجنسية، بعد تعرضهم للإحراج في العديد من المناسبات الليلية، رسمية كانت أو خاصة.
ومثلما حقق الكتاب والبرنامج نجاحات ساحقة، كانت هناك بالتأكيد آراء تختلف معي، فهاجمني عدد من النقاد اتهموني بتجاوز الخطوط الحمراء، وصادرت بعض الحكومات صحون الالتقاط لمنع مواطنيها من متابعة البرنامج على القناة الفضائية، كما تلقيت عدة رسائل تهديد من هيئة تكفير المسلمين تتهمني بالمساهمة في نشر الثقافة الإباحية، لكني لم أهتم بهذه الانتقادات؛ فتلك ضريبة الشهرة والنجومية. والحساد كما تعلمون في هذه الأيام على قفا من يشيل، وأظنني كنت سباقا في إشاعة الاستقرار في الأسرة العربية، من خلال نصائحي للمتزوجين والمتزوجات لحل المشاكل اليومية بطريقة بسيطة مبتكرة، تجمع بين البساطة والعمق في آن واحد، وتساهم في الاستقرار الجنسي للعلاقات الشرعية التي أقرها العرف والدين.
ورغم كل ما تحقق لي من شهرة ونجاح، فإنني كنت أشعر بتعاسة كبيرة بيني وبين نفسي، تعاسة تكاد تحرقني كل يوم، شعور بالأسى والحزن كلما رأيت علامات السعادة ترتسم على شخص ساهمت في حل مشكلته الجنسية والاجتماعية، ولكنّني لم أكن لأجرؤ على البوح بمشكلتي إلى أي أحد، فهي مشكلة تمسني بشكل لا أستطيع أن أصارح به أي مخلوق، ويكفيني قهراً أنني منذ خمس سنوات أدخل غرفة النوم مطأطأ الرأس، غير قادر على النظر في عيني زوجتي!.
على باب الوزير
تسبب ابني سالم في مشكلة عويصة في مدرسة المستقبل، استدعت إيقافه عن الدراسة إلى أجل غير مسمى، ولم أوفق في حل مشكلته مع المدير الذي أبلغني بأن الطالب موقوف من المدرسة إلى أجل غير مسمى، وأن إعادة قيده بها من اختصاص معالي الوزير فقط، وذلك حسب آخر تعميم وصله من الوزارة، والذي ينص على حجب صلاحيات مديري المدارس بخصوص العودة من الإيقاف عن الدراسة والاستثناءات المتعلقة بهذا الشأن وقصرها على الوزير شخصياً.
بيد أن المصيبة الأكبر متمثلة في مشاغل الوزير الذي من المستحيل مقابلته بسبب الأنشطة المدرسية والتربوية، والفعاليات التي يحرص على حضورها، إذ منذ الإعلان عن وجود تعديل وزاري مرتقب والوزير يكثف حملاته الميدانية بطول البلاد وعرضها لدرجة أنه لا يرجع إلى منزله إلا بعد منتصف الليل، وسمعت أنه روادته أحلام اليقظة فقال ذات مرة: طارت الوزارة!
وقد فكرت فيمن يستطيع مساعدتي للوصول إلى الوزير فلم أجد أفضل من صديقي خليل الذي يعمل في وظيفة فراش معالي الوزير... وهو صديق من أصدقاء الطفولة وله تأثير مباشر على معالي الوزير، فكما علمت أن الوزير لا يشرب إلا مما يعده خليل الفراش بنفسه، بل إنه يحرص على إعداد دلة كاملة من حليب الكرك لتعدل مزاج معالي الوزير؛خاصة عندما يتعلق الموضوع بالاستراتيجية الجديدة لوزارة المعارف الغربية التي تحتاج إلى مزاج خاص لا يوفره إلا الكرك.
بعد اتصالي بــــ خليل شرح لي الوضع بكل صراحة وكيف أن الوزير مشغول حالياً بسبب الزيارات الميدانية المهمة التي لها تأثير على سير العملية التعليمية والتربوية، وكي لا أكذبه قام بإخراج جدول أعمال الوزير خلال الأسبوع القادم ليثبت لي أنه من المستحيل مقابلة الوزير خلال الفترة القادمة.
في يوم الأحد الوزير لديه مقابلة تلفزيونية يشرح فيها الأبعاد الاستراتيجية للاستعانة بمدرسين أجانب وإحالة المعلمين المحليين إلى التقاعد، وفي يوم الاثنين لديه مقابلة إذاعية رداً على الانتقادات التي وجهت للوزارة بسبب التجاوزات الأخلاقية التي ارتكبها عدد من المدرسين الأجانب في مدارس المستقبل، ثم سيتبعها بجلسة في بدالة الوزارة للرد على استفسارات المتصلين من خارج الوزارة ومعرفة آخر التذمرات من قراراته التربوية والتعليمية.
وفي يوم الثلاثاء سيزور عدة مدارس حكومية برفقة وفد من الصحفيين المحليين وممثلي القنوات الفضائية، ويوم الأربعاء سيلتقط صورا تذكارية مع جميع الطلاب المرضى في المستشفيات الحكومية والخاصة، وفي يوم الخميس سيفتتح المعرض الأكاديمي الغربي تحت عنوان التأثير الإيجابي للخبراء الأجانب على العملية التعليمية مقارنة بالدور السلبي للخبراء المحليين.
وفي يوم الجمعة سيغادر إلى جزر القمر للإشراف على المقابلات الشخصية للمدرسين المرشحين للعمل في مدارس الدولة، وفي يوم السبت سيحضر مباراة فريق نائب رئيس مجلس الوزراء مع أنه لا يعرف الفرق بين كرة القدم المعروفة وكرة القدم الأمريكية.
وقد اقترح خليل أن أقوم بمقابلة مدير مكتب الوزير الذي يستطيع أن يحل مشكلتي بعد إيصالها لمعالي الوزير شخصيا، ومن حسن حظي أنه قد رتب لي الدخول إلى الوزارة على الرغم من الإجراءات الأمنية المشددة على الزوار، خوفا من تسرب معلومات سلبية قد تعجل بطيران الوزير من منصبه، وقد اعتذر لي خليل عن عدم قدرته على مقابلتي شخصيا عند حضوري لكونه مشغولاً هذه الأيام في لجنة مقابلة الموظفين الجدد التي شُكلت في الأيام القليلة الماضية.
توجهت إلى الطابق العاشر من وزارة المعارف الغربية بعد إظهار بطاقة خليل الفراش عند بوابة الوزارة. الطابق العاشر يختلف عن باقي الوزارة من حيث الديكور والرفاهية، بمجرد خروجك من المصعد، سيرش عليك ماء الورد من السقف، وإذا لم تكن منتبهاً، قد تظن في بداية الأمر أن سقف الوزارة قد تأثر بالأمطار التي سقطت على الجمهورية في الفترة الماضية، لكن الرائحة الزكية ستكشف لك أنها رسالة ترحيبية مبتكرة لضيوف معالي الوزير.
قبل أن تصل إلى مكتب مدير معالي الوزير ستشاهد عدة مكاتب منها مدير مكتب الوزير لشئون الخبراء الفرنسيين، ثم مدير مكتب الوزير لشئون الخبراء الأمريكان، يليه مدير مكتب الوزير لشئون الخبراء الكنديين، وقبل الأخير مدير مكتب الوزير لشئون الخبراء السنغافوريين، وأخيرا ستجد مكتب صغير تابع لشئون الخبراء العرب. أما مكتب معالي الوزير فلا يمكنك الوصول إليه إلا بعد أن تجاوز الحراس الذين لا تجرؤ الذبابة أن تمر أمامهم.
في البداية دخلت إلى مكتب شئون الخبراء الأمريكان، دون أن أرى اللوحة الإرشادية بجانب الباب، وقد استقبلتني السكرتيرة الحسناء التي تشبه المطربة بريتني سبيرز بكل ود وترحاب إلى المكتب المزين باللوحات الجميلة والديكور الجميل إضافة إلى صورة معلقة للرئيس الأمريكي جورج بوش وبجانبها أخرى لكوندليزا رايس، لدرجة أنني شعرت بأني قد دخلت إلى وزارة الخارجية الأمريكية بطريق الخطأ، وكان من حسن حظي أن السكرتيرة أمريكية من أصل عربي فأرشدتني إلى مكتب مدير مكتب معالي الوزير.
استطعت – بحمد الله وحفظه - الوصول إلى مدير مكتب معالي الوزير، حيث استقبلني أفضل استقبال بعد معرفته بتوسط خليل الفراش في مشكلتي، وقد شرحت له مشكلة ابني سالم وعن حاجتي إلى قرار استثنائي موقع من قبل معاليه، ولله الحمد لم يقصر معي فوعدني بحل مشكلتي على شرط أن أتقدم بطلب استثناء كي يتم توقيعه من قبل معالي الوزير، وخرجت بعدها إلى أقرب مكتب طباعة.
طلبت من الموظف في مكتب الطباعة كتابة ما يلي:
معالي وزير المعارف الغربية ...... المحترم.
تحية مبخرة بالعطور والفل والياسمين وبكل ما تتخيله من روائح تبعث السرور على قلبك.
أما بعد، فقد تم إيقاف ابني الطالب/ سالم مسلم سليم سويلم بن مسكين عن الدراسة في مدرسة المستقبل بقرار من مدير المدرسة، وقد رفضت الإدارة عودته لمقاعد الدراسة إلا باستثناء خاص من معاليك شخصياً عطفاً على توجيهاتكم بهذا الخصوص.
فأرجو من معاليك تفهم المشكلة التي حدثت لابني، وأنها كانت عن غير قصد، وذلك بسبب التباين بين ثقافة الطلبة المحلية، وثقافة المدرس الأجنبي، حيث قام المدرس بالمزح مع الطلاب في ما تبقى من وقت تلك الحصة الدراسية المشئومة؛ إذ قام المدرس بالرقص مع الطلاب بالطريقة الغربية، فرد عليه ابني سالم برقصة اليولة التي لم تعجب المدرس، فقام بالتلفظ بألفاظ غير لائقة لا تنسجم مع ما تعلمه ابني، الذي لم يتمالك نفسه من الغضب، فردّ عليه باللفظ نفسه في لحظة دخول مدير المدرسة إلى الفصل، فاعتبر المدير تصرف ابني خارجا عن حدود الذوق والأدب،فأوقفه عن الدراسة إلى أجل غير مسمى.
ولم تفلح محاولات ابني لتبرير فعلته، حيث تعاطف المدير مع المدرس معتبرا أنه لا يمكن معاقبة المدرس؛ لأن ما تصرف المدرس يندرج تحت ثقافته الغربية، أما ما فعله ابني فيندرج تحت بند قلة الأدب حسب المتعارف عليه في الثقافة العربية، ومنذ ذلك اليوم لا يذهب ابني سالم إلى المدرسة بناء على قرار إيقافه عن الدراسة، الأمر الذي أثّر على نفسيته كثيرا في الفترة الأخيرة، خصوصا بعدما أصبح مستقبله الدراسي في مهب الريح.
لذا، ألتمس من معاليكم التكرم بإنهاء إيقاف ابني وعودته إلى مقاعد الدراسة لتعويض ما فاته قبل بداية فترة الامتحانات، التي ستبدأ بعد شهر من الآن، راجيا من معاليكم الصفح عنه واعتباره ابن من أبنائك أخطأ ثم تعلم من خطئه.
هذا وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير مع خالص وأطيب الأمنيات باستمراركم في التشكيل الوزاري الجديد.
بعد طباعة الطلب توجهت إلى مدير مكتب معالي الوزير فسلمته الالتماس على أمل الرد على الموضوع في أقرب فرصة ممكنة.
في صباح اليوم التالي اتصل بي مدير مكتب معالي الوزير طالبا حضوري على وجه السرعة إلى مكتبه، حقيقة اغرورقت عيناي بالدموع فرحا معتقدا بأن المشكلة قد حلت ولم أدر ساعتها أن الموضوع شديد التعقيد، فقد أخبرني مدير مكتب معالي الوزير بأن معاليه قد وافق على طلبي شكلا، لكنه رفضه موضوعا، وأوضح لي بأنه يتعين عليّ كتابة طلب الالتماس باللغة العربية على اعتبار أن المدرسة التي يدرس فيها ابني تابعة للخبراء الفرنسيين، فقلت في نفسي ساعتها: الموضوع سهل وبسيط، والترجمة من اللغة العربية إلى الفرنسية مثل شربة الماء في هذا الزمان.
خرجت من الوزارة متوجها إلى أحد مكاتب الترجمة لأترجم طلب الالتماس إلى اللغة الفرنسية، وقد تم ذلك بسهولة ويسر، ثم توجهت مرة أخرى إلى الوزارة مسلما طلبي باللغة العربية المترجم إلى اللغة الفرنسية إلى مدير مكتب معالي الوزير كي يتم قبول طلب الالتماس.
بعد يومين راجعت الوزارة فعلمت بأن القضية لم تنته وبها إشكالية بسيطة جداُ، حيث أشار معالي الوزير بوجوب تصديق وزارة الخارجية لإثبات أن طلب الالتماس المقدم باللغة الفرنسية واللغة العربية متطابقان تطابقا تاما في الكلمات والمعنى.
وعلى ضوء ذلك توجهت إلى وزارة الخارجية طالبا منهم التصديق على طلبي باللغة العربية والمترجم للغة الفرنسية، وعرفت هناك أن الموضوع قد يطول إذ تم تحويل طلبي إلى سفارة الجمهورية في فرنسا التي قامت بتصديق الطلبين بعد تأكدها من التطابق التام في الترجمة.
بعد أسبوع بالتمام والكمال استطعت تخليص إجراءات تصديق طلب الالتماس من وزارة الخارجية وسفارة الجمهورية في فرنسا، كنت حينها أسعد شخص على وجه الأرض، فاتصلت بمدير مكتب معالي الوزير لأخبره بأن الموضوع قد تمّ، ولا يتطلب سوى توقيع معالي الوزير، لكن في نفس اللحظة التي كنت أحادث فيها مدير مكتب الوزير، كان قد تمّ الإعلان عن التشكيل الوزاري الجديد حيث اصبح وزير المعارف والتعليم وزيراً للصحة، وبناء عليه فلن يتم النظر في طلبي حتى يباشر الوزير الجديد مهام عمله.
انتظرت عدة أيام عل وعسى تحل المشكلة لكنني تفاجأت بقرار من الوزير الجديد يلغي مشروع مدارس المستقبل وتحويلها إلى إدارة المدارس الحكومية العادية، كنت في البداية سعيدا اعتقاداً مني بأن إلغاء المدارس يعني عودة ابني لمقاعد الدراسة، إنما حدث عكس ما توقعت حيث حصل تسليم واستلام من إدارة الخبراء الفرنسيين لملاك المدارس الحكومية بما فيها من طلاب ومدرسين وإداريين وفصول وكتب... الخ، وبما أن ابني كان وقتها موقوفاً عن الدراسة، فلم يشمله قرار النقل فاعتبر كأنه لم يكن في المدرسة، وبناء عليه يتعين حسب التغييرات الجديدة أن تتم إعادة تسجيله في الصف الأول الابتدائي واعتبار سنوات دراسته التي بلغت عشر سنين كأنها لم تكن.
هذا، وأنا أروي لكم كل ما حدث لي في الفترة الماضية من غرفتي الكائنة في قسم 10 في مستشفى الأمل للأمراض النفسية.
للكبار فقط
أدخلني فريد إلى الغرفة المخصصة لكبار الضيوف، ثم مسح على رأسي بكل حنان وخرج من الغرفة المضاءة بالشموع، شعرت بالوحدة،ولم يقطعها سوى صوت يحدثني:
اسم الله عليك يا حلوة... هل أنت جديدة هنا؟
حلوة عيونك، نعم أول مرة أحضر إلى هنا.
فرصة سعيدة.
سعيدة بوجودك.
هل كنت تعملين في مكان آخر؟
لا والله ... ماذا عنك أنت؟
أنا هنا منذ ستة أشهر تقريباً.
افضل مني على الأقل... أنا غشيمة وجديدة...عندي شعور بأن العمل متعب هنا.
العمل هنا حسب الموسم، في الشتاء يزاد الطلب علينا ويقل في الصيف، نضطر لأن نخدم زبائن عديدين خصوصا في ليالي الشتاء...... احمدي ربك بأن عملك سيكون هنا، لو انتقلت إلى الغرف الأخرى ستطلبين الإحالة إلى التقاعد وستتوبين من أول يوم.
وما بها الغرف الأخرى؟
غرف مختلطة يدخل فيها كل من هب ودب تنتقلين من زبون إلى آخر دون أي استئذان.
ربنا ولك الشكر لا أريد أي غرفة أخرى، قولي لي ...هل هذه غرفتك؟... أشعر بأني قد انتهكت خصوصيتك بلا إحم ولا دستور.
لا تقلقي من ذلك على الأقل ستؤنسينني في وحدتي.
وقطع حديثنا دخول إحدى الموظفات إلى الغرفة حاملة عدداً من الأكواب النظيفة التي وضعتها على الطاولة ثم خرجت بعد تشغيل المكيف فقلت لزميلتي:
جيد أنها شغلت المكيف... كدت أموت من الحر.
الحر لاحقة عليه.. عندما تمارسين العمل سترتفع درجة حرارتك بشكل أكبر.
يا إلهي كم أكره الحرارة..... لم تقولي لي من هي هذه الجميلة التي دخلت علينا؟، وهل هي مسئولة عنا؟
هذه كوثر ليس لها أي سلطة علينا؛ إنما هي المسئولة عن مشروبات الزبائن، المسئول الأول والأخير علينا هو فريد.
تبدو طيبة أكثر من اللازم، لقد لاحظت بأنها لا تريد إزعاجنا، تعجبني أناقتها الشبابية.
لا عليك مما تبدو عليه، إنها اكثر موظفة تنافسنا في العمل، رغم أن طبيعة عملها تختلف كلياً عنا، إنها تعمل هنا وفي الخارج أيضا، والكثير من الزبائن يحضرون من أجلها، صدقيني إنها لئيمة.
لئيمة ... كيف؟
تتصنع الدلع بإفراط أمام الزبائن، وتتعمد الانحناء عندما تكون مرتدية ملابس قصيرة، وأغلب السراويل التي تلبسها لا يمكن لمخلوق أن يلبسها إلا بعد وضع الفازلين، أما عن قمصانها فحدثي ولا حرج، لا ترتاح إلا ببروز نهديها من هذه القمصان، وكثير من الزبائن يلتقون بها في الخارج، تصوري أن دخلها الشهري يكفي لإعالة عائلتها في بلدها، لقد اشترت لوالدها سيارة جديدة الشهر الماضي، لقد سمعتها بنفسي تتحدث مع والدها في الهاتف.
وهل يعلم رب العمل بما تفعله هذه اللئيمة؟
نعم يعلم، ولكنه يفكر في مصلحة العمل والزبائن الذين تعلقوا بها، ويخشى قلة الإقبال على المكان إذا خرجت من هنا.
هكذا إذاً... عندما دخلت شاهدت أشخاص من جنسيات متعددة ومن ضمنهم شباب مواطنين، هذا يعني أننا نتعامل مع جنسيات مختلفة.
نعم، فسمعة المكان وأسعاره المنافسة جعلت العديدين يترددون علينا، وكما تعلمين أمزجة البشر مختلفة ومتباينة، هناك من يعاملنا بلطف وهناك من يعاملنا بخشونة. لقد علمت من إحدى الزميلات بأن الزبائن في السابق كان أغلبهم مواطنين وعربا، أما بعد زيادة الرواتب فقد زادت الجنسيات، هناك عرب وأجانب وأشخاص من جنسيات مختلفة، حتى الأمريكيين زادوا من وتيرة التردد علينا في الآونة الأخيرة، المشكلة أن بعضهم مقرف، تخيلي البعض منهم يأتي إلى هنا دون أن يغسل أسنانه بمعجون الأسنان، كُتب عليَ في إحدى المرات التعامل مع زبون هندي، كرهني عيشتي بالنسوار الكريه الذي ملأ فمه، فمرضت وأجريت لي عملية غسيل معدة.
- نسوار!... اعتقد أني سمعت هذه الكلمة من قبل، صدقيني لقد كرهت اسم المادة قبل أن أعرف ما هي.
النسوار معجون من الأعشاب لونه أخضر، يوضع تحت الفم ويبدأ الشخص الذي يستعمله في مضغه حتى تغدو رائحته كريهة جداً، وهذه المادة منتشرة كثيراً بين الهنود والباكستانيين وحاليا بين بعض المواطنين، ولأنها مخدرة فهي ممنوعة، وكان حظي في ذلك اليوم سيئاً بسبب الزحام الشديد فكان نصيبي زبون هندي أصابني بالتسمم.
أجر وعافية يا أختي .. اعتقد أن العمل في الفترة الصباحية قليل جداً، هذا ما لاحظته حتى الآن.
أنت نبيهة وذكية، في الفترة الصباحية العمل قليل وهي فرصة لنا لأخذ قسط من الراحة بعد عملنا طوال الليل، ولكن هناك بعض الزبائن يترددون علينا في فترة الصباح خصوصاً فطوم هوغن وزميلاتها.
فطوم هوغن! هل هذه بطلة مصارعة أم ماذا؟
لا.. لا .. يلقبونها بذلك بسبب عنفها مع الفتيات، وهي طالبة في إحدى الكليات، كانت تحضر في البداية لوحدها، ثم بدأت في جر زميلاتها الطالبات معها إلى المكان، وهي لا تحضر مع زميلاتها في الإجازات كيلا يكتشف أهالي الفتيات ما يقمن به.
وفي الكلية ألا يعلمون بما تفعله الطالبات؟
يعلمون.. ولكنهم يتغاضون عن الكثير من الأشياء... فطوم هوغن معروفة في الكلية بشذوذها لكن لا يجرؤ أحد على منعها مما تقوم به.
بصراحة إنه لأمر مقرف، لا أتخيل نفسي في هذا الموقف ... لن اسمح لامرأة بالاقتراب مني، رضيت بالرجال فهل سأرضى بالفتيات أيضا؟.. كلا وكفى!.
تخيلي ذلك يا عزيزتي... إن أعداد الفتيات اللواتي يترددن على المكان في ازدياد، ثم انك لا تستطيعين الرفض.
بل أستطيع، سأرفض رفضاً قاطعا كل المحاولات التي ستقوم بها الفتاة وبذلك ستبتعد عني، وكفانا الله شر القتال.
المسألة ليست سهلة كما تظنين... إن امتناعك سيسبب لك العديد من المشاكل وقد تفقدين حياتك ثمنا لهذه العفة التي نزلت عليك فجأة.
افقد حياتي؟.. هل الموضوع خطير لهذه الدرجة؟
أنت هنا مسيرة لا مخيرة...وكلما كنت مطيعة، كلما حصلت على مزيد من الراحة، ولكن إياك والعناد، فكلما عاندتِ صارت حياتك جحيماً.
لن أعمل وكفى... هل سيقطعون رأسي يا ترى؟
ستتمنين لو قطعوا رأسك، إن التعذيب بحد ذاته لا يمكن تصوره.
يا إلهي... هل هم متوحشون لهذه الدرجة؟
متوحشون قليلة في حقهم... قبل أيام تم تعذيب إحدى زميلاتي بكل قسوة أمامنا جميعا كي تكون عبرة لمن يعتبر، كل ما فعلته أنها لم تتجاوب مع الزبون.
ماذا فعلوا بها؟
حاول الزبون بشتى الطرق، ولكنها ظلت على عنادها، ثم أمسك بها بقوة دون فائدة، فصرخ ثائراً ينادي فريداً الذي حضر على وجه السرعة، فلطمها على أجزاء مختلفة من جسدها، ثم مط شفتيها حتى كادت تصبح مثل خرطوم الفيل، ورجها بقوة حتى تقيأت كل ما شربته في ذلك اليوم، ولكنها رضخت للأمر الواقع عندما تم استعمال الأسلوب النازي معها.
الأسلوب النازي!.. هل عاد هتلر من جديد؟، كنت أشك بأنه لم ينتحر؟
يا غبية لم أقل : هتلر، بل قلت : الأسلوب النازي، أسلوب يقضي بإدخال أدوات حادة في الجسم، وهذا الأسلوب كان هو الحل الأخير لتعود زميلتنا إلى رشدها... الهبلاء كادت تفقد حياتها من أجل قضية خاسرة.
وبلعت ريقي بينما أتخيل كيفية تنفيذ الأسلوب النازي بزميلتنا...ثم قلت:
- جيد أنك أخبرتني بذلك، لا أريد أن يذهب عمري سدى، وأنا في ريعان الشباب.
هل تعرفين ما هو أجمل شيء في عملنا هذا؟
ما هو؟
الحب والعشق!
حقاً، وهل هناك من يحبنا لدرجة العشق؟!
نعم ... رغم أن العشق مكروه، فقد عشقني أكثر من زبون وكانوا يحضرون خصيصا من أجلي، وان كنت مشغولة مع زبون آخر، تتملكهم الغيرة ولا يتعاملون مع واحدة أخرى، لقد سمعت أحدهم يقول لفريد:
أموت عليها، سهلة مرنة لا تحتاج إلى جهد وعناء، وتعطيني من اللذة ما أحتاجه، إنها تطفئ غليلي وتلهب شعوري، وتجعلني أعيش في عالم آخر.
أووه.. ما هذه الرومانسية.. أخبريني عن قصصك مع العشاق، وهل عشقت أحدهم؟
بصراحة! لا.. لم أعشق أي واحد منهم، ما دمت مجبرة على هذا العمل، وإن كنت في الواقع استلطف بعض الزبائن أكثر من غيرهم، بصراحة أحن كثيراً إلى سلطان الذي عشقني حتى الجنون وكتب قصيدة يتغنى فيها بحبي، قال فيها:
أنت الحياة وأنت كل مودتي .... وأنت المحب إذا جفوني أحبتي
لولاك ما سهرت عيوني في الدجى.... ولا تصورتك أمام بصيرتي
احبك حبا شديدا واضحا... أغلى من الغالي وما في مهجتي
إذا نظرتك طاب قلبي في الهوى.... وانهارت أحزاني وطابت عيشتي
بك تسعد أيامي وبك كل المنى.... بك ينجلي همي وتنمو صحتي
وهل صدقتِ أنّ هذا الشعر قد قيل فيك؟. هذه من أشعار الشاعر المتوفي أحمد الكندي، وليست من كلمات سلطان.
ومن أدراك أنت؟
متأكدة 100% فأنا ثقافتي عالية، وأحب كتب الشعر، خصوصا الغزل العفيف الذي اشتهر به الكندي.
سواء كانت من أشعاره أو من أشعار أحمد الكندي، على الأقل هناك من تغزل بي بطريقة أو بأخرى.
وفجأة سمعنا صوتاً غليظاً في الممر يتحدث مع فريد وكوثر.. تعرفت زميلتي على صاحب الصوت فقالت:
بعد قليل سيبدأ العمل، سأستعد من الآن، أعانني الله على بلواي.. هذا ناصر.
ناصر.. هل تعرفينه؟
نعم أعرفه منذ قدومي للمكان، يتردد بصورة شبه يومية، ويطلبني شخصياً... إنه ابن رجل ثري، يعتمد على والده في كل شيء، انه كريه بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
لماذا، هل ضايقك بشيء أو أساء معاملتك؟
إنه شاب مستهتر، يسهر حتى ساعات الفجر، وعندما يصل إلى الثمالة ينام، ثم يأتي إلى هنا قبل صلاة العصر، رائحة نفسه كريهة من أثر السجائر والخمر، تخيلي الخلطة العجيبة بين هاتين الرائحتين، صدقيني إن رائحة الفأر الميت أهون من رائحة فمه بكثير، والأكثر بشاعة عندما يتنفس، ثم إنه لا يراعى أدنى المعايير الصحية، تخيلي أنه لا يستخدم أي عازل أو معقم طبي.
أي مغفل هذا، الأمراض قد تنتقل بسهولة، ألا يعلم بذلك؟
بلى يعلم... فقد أخبره فريد عدة مرات بسهولة انتقال الأمراض، لكنه عنيد، ويؤكد بأن الأمر يعجبه هكذا بصورة أكثر.
ولماذا لا تمتنعين؟
هل أنت غبية أم ماذا، لقد أخبرتك جزاء التي تمتنع، وأنا عاقلة لا أريد الإلقاء بنفسي إلى التهلكة.
وفجأة فتح فريد باب الغرفة ثم أشار نحوي قائلا:
- أريدك أن ترى هذه الجميلة وتخبرني عن رأيك بها؟
دخل ناصر إلى الغرفة واتجه بنظره ناحيتي، ثم حك رأسه وفتح فمه بنظرة إعجاب:
حقاً إنها جميلة، متى جلبتها؟
لقد وصلت اليوم.. ومن حسن حظك أنك ستكون أول من يجربها.
إمممم ... أخشى ألا تعجبني.
أنت جرب وإن لم تعجبك، فلن تدخل في حساب اليوم.
واقترب ناصر مني وبدأ يتحسس جسدي.... نفرت من رائحته الكريهة لكني لم أستطع التحرك، وبدأ ينظر لي من رأسي حتى قدمي ثم قال:
من حيث المظهر إنها جميلة جداً، يجب أن أجربها كي أتأكد منها.
وقرَب فمه من فمي، وأنا أكاد أتقيأ من رائحته النتنة، ثم أقدم على حركات غريبة بفمه، وأنا عاجزة عن التنفس، ونظر إلى زميلتي كمن تخلص من زوجته السابقة، واقترن بأخرى ثم صاح في فريد:
إنها ممتازة .... أحضر مزيدا من الجمر، هذه الشيشة ولا بلاش.
بدالة الظلام