الفصل الأول

6 0 00

الفصل الأول

هاأنذا أعود أخيراً بعد غياب طال خمسة عشر يوماً، كان أصحابنا قد وصلوا رولتنبرج منذ ثلاثة أيام. وكنت أحسبهم ينتظرونني على صبر بلغ من النفاذ أقصى الشدة. لكنني كنت على خطأ. كان الجنرال طلق الهيئة مختال الخطى، كلمني مستعلياً ثم أرسلني إلى أخته. واضح أنهم وجدوا ما يقترضونه من مال. حتى لقد بدا لي أن الجنرال كان من حضوري في ضيق وحرج. وكانت ماري فيليبوفنا مضطربة كل الاضطراب. فلم تكد تخاطبني ببضع كلمات، حتى أخذت المال فعدّته وأصغت إلى تقريري حتى نهايته. كانوا ينتظرون على العشاء ميزتنوف والفرنسي الصغير ورجلاً إنجليزياً. تلكم عادة أهل موسكو دائماً: متى حصلوا على مال دعوا الناس إلى عشاء. وحين رأتني باولين ألكسندروفنا سألتني لماذا غبت هذا الغياب الطويل كله، ثم مضت لم تنتظر جوابي. واضح أنها فعلت ذلك عامدة. ولا بد مع ذلك من تعليل. لقد ضاق صدري ذرعاً.

أُعطيت حجرة صغيرة في الطابق الرابع من الفندق. الناس يعرفون هنا أنني واحد من حاشية الجنرال. لقد ظفر أصحابي بلفت الأنظار إليهم. كان ذلك واضحاً. فالناس جميعاً هنا يعدّون الجنرال من سراة الروس الذين يملكون ثراء طائلاً. وقد كلفني قبل العشاء بعدة أمور، منها أنه أعطاني ورقتين نقديتين لتبديلهما (كل ورقة بألف فرنك). بدلتهما في مكتب الفندق. الآن، سينظر إلينا الناس، خلال أسبوعين في أقل تقدير، نظرتهم إلى أناس من أصحاب الملايين. ذهبت أبحث عن ميشا وناديا لأصحبهما في نزهة: ولكنني فيما كنت أهبط السلم أرسل الجنرال يدعوني إليه. لقد رأى أن من الخير أن يعرف إلى أين أقود الطفلين. إن هذا الرجل لا يستطيع حتماً أن ينظر إليّ وجهاً لوجه. إنه يتمنى ذلك، لكنني أرد عليه في كل مرة بنظرة تبلغ من الإلحاح، أي من الوقاحة، ما يفقده صبره.

وفي حديث منتفخ محشو باستطرادات، في حديث صار آخر الأمر إلى فوضى كاملة واضطراب تام، أفهمني أن عليّ أن أنزّه الطفلين في الحديقة على مسافة من الكازينو. ومن أجل أن يختم كلامه، غضب وقال بلهجة فظة:

– أم تراك تأخذهما إلى الروليت؟ معذرة إذا قلت لك هذا، ولكنني أعرف أنك ما تزال على شيء من الطيش، فقد تستسلم لمغريات المقامرة. وعلى كل حال، رغم أنني لست من يهديك سواء السبيل، ولست أنوي أن أقوم بهذا الدور قط، يحق لي أن أتمنى أن لا تعرّض سمعتي لأذى، إذا جاز لي أن أستعمل هذا التعبير...

قلت بهدوء:

– لكنك تعلم حق العلم أنني لا أملك مالاً، ولا بد أن يملك المرء مالاً حتى يخسره في القمار.

أجاب الجنرال وقد احمرّ وجهه قليلاً:

– سأعطيك حالًا.

قال ذلك ثم نبش مكتبه قليلاً، فأخرج منه دفتراً، فوجد أنه مدين لي بما يقارب مائة وعشرين روبلاً.

وأردف يسأل:

– كيف أدفع لك هذا المبلغ؟ يجب أن نحوّله إلى تاليرات. إليك الآن مائة تالير رقماً مدوَّراً. أما الباقي فنصفيه فيما بعد.

تناولت المال دون أن أنبس بكلمة.

– لا يغضبنّك كلامي، أرجوك... أنت امرؤ سريع التأذي... ولئن أبديت لك هذه الملاحظة، فمن قبيل التحذير إن صح هذا التعبير، وأحسب أن ذلك من حقي...

وفيما كنت عائداً بالأطفال قبيل العشاء صادفت في الطريق جماعة يركبون خيلاً. كان أصحابنا ذاهبين في زيارة لبعض الآثار. عربتان فخمتان، جياد رائعة! كانت مدموازيل بلانش في إحدى العربتين مع ماري فيليبوفنا وباولين؛ وكان الفرنسي الصغير والإنجليزي وصاحبنا الجنرال يخفرون العربة على صهوات أفراسهم. وكان المارة يتوقفون لينظروا إليهم. لقد أحدث هذا أثره. لكن ذلك سوف ينتهي بالجنرال إلى نهاية سيئة. لقد حسبت أنهم بالآلاف الأربعة من الفرنكات التي جئتهم بها، وبما استطاعوا أن يقترضوه من غير شك، يملكون الآن مبلغاً يتراوح بين سبعة آلاف وثمانية. وهذا قليل جداً على مدموازيل بلانش.

إن مدموازيل بلانش تنزل مع أمها الفندق نفسه الذي ننزل فيه نحن، وينزل فيه الفرنسي القصير أيضاً. إن خدم الفندق ينادونه «سيادة الكونت». أما أم مدموازيل بلانش فهي تسمي نفسها «السيدة الكونتيسة». ومن يدري على كل حال؟ لعلهما كونت وكونتيسة حقاً.

كنت على ثقة من أن سيادة الكونت لن يتعرفني إذا نحن التقينا على العشاء. وواضح أن الجنرال لم يخطر بباله لحظة أن يعرّف أحدنا بالآخر، أو أن يقدمني إليه على الأقل. لقد عاش سيادة الكونت في روسيا، فهو يعرف إذن صِغَر شأن ما يسى هنالك «أوتشيتل» (المربي). على أن سيادة الكونت يعرفني حق المعرفة. لكنني لم أكن منتظراً في العشاء. لا شك أن الجنرال نسي أن يصدر أوامره في هذا الشأن، وإلا لأرسلني إلى المائدة المعدّة من غير شك. جئت من تلقاء نفسي، فرمقني الجنرال بنظرة استياء. وسرعان ما بادرت ماري فيليبوفنا الشهمة فعينت لي مكاناً. غير أن التقائي بمستر آستلي قد أخرجني من الحرج فإذا أنا بحكم الظروف واحد من الحفل.

في بروسيا إنما كنت قد التقيت أول مرة بهذا الرجل الغريب الأطوار. كنا جالسين متقابلين في حجرة واحدة من حجرات القطار. كنت يومئذ مسافراً للحاق بأصحابنا. ثم التقيت به مرة أخرى على الحدود الفرنسية، والتقيت به أخيراً في سويسرا. معنى ذلك أنني اجتمعت به مرتين في مدى خمسة عشر يوماً. وهاأنذا ألقاه اليوم في رولتنبرج! ما رأيت في حياتي رجلاً في مثل خجله. إنه خجول إلى درجة عجيبة. وهو يعلم ذلك حق العلم لأنه ليس بالغبي قط. على أنه ذو طبع مسالم لطيف. لقد حملته على الكلام أثناء لقائنا الأول. فذكر لي أنه زار في ذلك الصيف رأس الشمال، وأنه يرغب كثيراً في أن يرى معرض نيجني نوفجورود. ولا أدري كيف أصبح على صلة بالجنرال. يخيل إليّ أنه موله بحب باولين. فلقد احمرّ وجهه احمراراً شديداً حين دخلت. وقد سرّه كثيراً أن يكون إلى جانبي على المائدة. وأظن أنه يعدّني منذ الآن صديقاً حميماً.

وكان الفرنسي الصغير مسرفاً في تصنّع الأوضاع الممجوجة. كان يعامل جميع الناس في احتقار ودون كلفة. إنني أتذكر أنه كان في موسكو يحب أن يذرَّ الرماد في العيون. وقد أطنب في الكلام على الأحوال المالية والسياسية الروسية. فسمح الجنرال لنفسه أن يعارضه مرة أو مرتين، ولكن على تخفٍ وتلطف، أي بالقدر الذي لا يفقده مهابته تماماً.

كنت في حالة نفسية غريبة. ومن نافل القول أن أذكر أنني ما بلغت من العشاء نصفه حتى كنت قد طرحت على نفسي ذلك السؤال المعتاد الأبدي: «ما الذي يجرني وراء هذا الجنرال؟ لقد كان ينبغي لي أن أتركهم منذ زمن طويل!». وكنت ألقي نظرة خاطفة على باولين ألكسندروفنا من حين إلى حين، فألاحظ أنها لا توليني أي انتباه. وصعدت أبخرة الخردل إلى أنفي آخر الأمر فقررت أن أقارف وقاحة من الوقاحات.

ومن أجل أن أبدأ ذلك، اقتحمت المناقشة على حين فجأة، دون أن أُدعى إلى المشاركة فيها، متكلماً بصوت مرتفع. كنت أحاول خاصة أن أشاجر الفرنسي الصغير. فالتفتت نحو الجنرال، أقول دون تمهيد ولا توطئة، بصوت عال واضح مفهوم (وأظن أنني قاطعته): لقد استحال تقريباً على الروس في هذا الصيف أن يتناولوا وجبات طعامهم على الموائد المعدة. فما أن سمع مني الجنرال هذا الكلام حتى رمقني بنظرة دهشة. وتابعت أقول:

– إن من يحترم نفسه لا بد أن يتعرّض للوقاحات وأن تناله الإهانات. ففي باريس، وعلى نهر الراين، وحتى في سويسرا، ترى الموائد المهيأة غاصة بالبولونيين وأشباههم، صغار الفرنسيين، بحيث لا تستطيع أن تنطق بكلمة واحدة متى كنت روسياً.

قلت ذلك بالفرنسية. فكان الأمير ينظر إليّ حائراً لا يدري أيجب عليه أن يغضب أم يكفيه أن يدهش لنسياني نفسي إلى هذه الدرجة من النسيان.

قال لي الفرنسي الصغير بلهجة الاحتقار والإهمال:

– يظهر أن أحداً قد لقّنك درساً.

– في باريس تشاجرت أولاً مع بولوني، ثم مع ضابط فرنسي انتصر للبولوني، ثم ناصرني جزء كبير من الفرنسيين حين رويت لهم أنني أوشكت أن أبصق في قهوة أحد كبار الكهنة «مونسينيور».

– تبصق؟

كذلك سأل الجنرال بدهشة متكبرة، حتى لقد جال بصره في أطراف الغرفة. وألقى عليّ الفرنسي نظرة متفحصة مرتابة.

قلت:

– تماماً. لقد ظللت ثماني وأربعين ساعة أظن أنه ربما كان عليّ أن أثب إلى روما من أجل قضيتنا، لذلك ذهبت إلى السفارة البابوية أطلب تأشيرة على جواز سفري. فاستقبلني هنالك قس قصير يشارف الخمسين من عمره، نحيل القامة، جليدي الوجه؛ فبعد أن أصغى إلى كلامي رجاني أن أنتظر، وذلك بلهجة مهذبة لكنها جافة جداً. وكنت مستعجلاً، لكنني جلست طبعاً، وأخرجت من جيبي جريدة «الأوبينيون ناسيونال»، وأخذت أقرأ فيها مقالاً هو هجوم عنيف لاذع على روسيا. وفي أثناء ذلك سمعت أحداً يمضي إلى «المونسينيور» في الغرفة المجاورة، ورأيت القس يُظهر له أنواع الاحترام. وجددت طلبي إلى القس، فرجاني مرة أخرى أن أنتظر، ولكن بمزيد من الخشونة في لهجته. وما هي إلا لحظة حتى دخل زائر تبيّن أنه نمساوي. فلما استمعوا إلى كلامه، صعدوا به فوراً إلى فوق. عندئذ شعرات بشيء من الغضب، فنهضت عن مكاني، واقتربت من القس وقلت له بلهجة قاطعة: ما دام «مونسينيور» يستقبل غيري، فإن في وسعه أن ينجز قضيتي. عندئذ التفت القس وقد بدت في وجهه دهشة خارقة. إنه لا يستطيع أن يفسر لنفسه كيف يجرؤ روسي أن يقارن نفسه بضيوف «مونسينيور». فإذا هو ينظر إليّ من قمة رأسي إلى أخمص قدمي، ويصيح بأوقح لهجة ممكنة، كأنما يفتنه ويسحره أن يهينني: «ما ينبغي أن تظن مع ذلك أن «مونسينيور» يمكن أن يستغني من أجلك عن فنجان القهوة الذي يحتسيه!» فما كان مني إلا أن صحت أنا أيضاً بصوت أعلى من صوته قائلاً: «فاعلم إذن أنني أبصق في قهوة «مونسنيورك»، وأنني أستخف به! فإذا لم تنجز لي جواز سفري فوراً، فسأمضي إليه بنفسي لألقاه».

– كيف؟ أفي اللحظة التي يستقبل فيها كردينالًا؟

كذلك صاح القس مذعوراً وهو يبتعد عني؛ وركض نحو الباب فمدّ ذراعيه كالمصلوب، ليفهمني أنه يؤثر أن يهلك على أن يدعني أدخل. عندئذ قلت له إنني زنديق وإنني متوحش، وإنني لا أحفل بهؤلاء الأساقفة والكرادلة والمونسينيوريين جميعاً، الخ الخ. أي أظهرت له أنني لن أخضع ولن أتنازل. فرشقني القس بنظرة بغض عميق، وانتزع من يدي جواز سفري، فمضى به إلى فوق. وما هي إلا دقيقة واحدة، حتى كنت قد حصلت على التأشيرة. وهي الآن معي، فهل تريد أن تراها؟

أخرجت جواز سفري، وأريته التأشيرة البابوية.

قال الجنرال يريد أن يبدأ الكلام:

– ومع ذلك...

فقاطعه الفرنسي الصغير قائلا وهو يضحك ضحكة صغيرة:

– إن ما أنقذلك هو تصريحك بأنك زنديق، وبأنك متوحش. كانت تلك وسيلة غير غبية.

– أنا لا أستطيع على كل حال أن أفعل ما يفعله أصحابك الروس الذين يظلون مكتوفي الأيدي، لا يجرأون أن ينبسوا بكلمة، ويقدرون إذا لزم الأمر أن ينكروا وطنهم. وعلى كل حال فإن نزلاء فندق باريس قد أظهروا لي مزيداً من التقدير والاحترام حين قصصت عليهم مشاحنتي مع القس. أما ذلك الذي كان أكثر الناس فظاظة معي على المائدة المهيأة، وهو سيد بولوني ضخم، فقد توارى. حتى إن الفرنسيين لم يحتجوا حين رويت لهم أنني قد رأيت منذ سنتين إنساناً أطلق عليه صياد فرنسي ناره سنة 1812، لا لشيء إلا ليفرغ شحنة بندقيته. وكان ذلك الإنسان طفلاً في العاشرة من عمره، لم يتسع وقت أسرته لأن تترك موسكو.

صاح الفرنسي الصغير يقول:

– مستحيل. ما من جندي فرنسي يمكن أن يطلق النار على طفل.

قلت:

– مع ذلك فقد وقع الأمر. إن نقيباً محترماً محالًا على المعاش هو الذي روى لي هذه القصة، وقد رأيت بأم عيني الندبة التي خلّفها الجرح في الخد.

وطفق الفرنسي يتكلم متدفقاً. وأراد الجنرال أن يدعمه ويؤيده، فنصحت له أن يقرأ، على سبيل المثال، «مذكرات» الجنرال بيروفسكي الذي سجنه الفرنسيون سنة 1812. وأخيراً أخذت ماري فيليبوفنا تتكلم في موضوع آخر لتغير مجرى الحديث. وكان الجنرال مستاء مني أشد الاستياء، لأننا كنا أنا والفرنسي قد أخذنا نتصايح فيما يشبه الشتائم. أما مستر آستلي فقد لاح لي أن تشاجرنا قد فاز برضاه، حتى إذا نهضنا عن المائدة دعاني إلى تناول قدح من الكحول معه.

واستطعت في المساء أن أتبادل الكلام خلال ربع ساعة مع باولين ألكسندروفنا كما كنت أرغب. وقد جرى الحديث بيني وبينها أثناء النزهة. كان جميع الحفل قد مضى إلى الكازينو عن طريق الحديقة. فجلست باولين على مقعد أمام نافورة الماء وأذنت لناديا أن تروح تلعب مع أطفال آخرين على مسافة ما. وأرسلت أنا ميشا إلى قرب حوضر الماء، فمكثنا أنا وباولين نتحدث وحيدين.

تكلمنا أول الأمر عن الأعمال بطبيعة الحال. فما كان أشد استياء باولين حين لم أنقدها إلا سبعمائة فلورين على التمام والكمال! فلقد كانت مقتنعة بأنني استطعت أن أقترض في باريس ما لا يقل عن ألفي فلورين لقاء رهن ماساتها. قالت باولين:

– أنا في حاجة إلى المال مهما كلف الأمر، فلا بد لي من الحصول عليه، وإلا فقد ضعت.

سألتها عما جرى أثناء غيابي. فقالت:

– لا شيء. لقد تلقينا نبأين من بطرسبرج، أولهما أن جدتي في حالة صحية سيئة، والثاني (وقد بلغنا بعد يومين) أنها لعلها توفيت.

وأضافت باولين إلى ذلك قولها:

– وهذا ما عرفناه من تيموتي بتروفتش، وهو إنسان دقيق فيما ينقل من أنباء، ونحن في انتظار أن يتأكد الخبر.

قلت:

– فالجميع إذن هنا ينتظرون؟

– نعم، الجميع ينتظرون. لقد قضينا حتى الآن ستة أشهر لا نأمل غير هذا.

– أنت أيضاً تأملين؟

– أنا لا أمتّ إلى المتوفاة بقربى؛ ما أنا إلا قريبة الجنرال. ولكنني على يقين من أنها لن تنساني في وصيتها.

قلت بلهجة التأكيد:

– أظن أنك ستتلقين مبلغاً ضخماً.

– أظن ذلك، فلقد كانت تحبني كثيراً. ولكن من أين تستمد أنت هذا الاعتقاد؟

أجبتها سائلاً:

– قولي لي: هل المركيز مطّلع أيضاً على جميع أسرار الأسرة؟

– أيعنيك أن تعرف هذا؟

كذلك سألتني باولين وهي تنظر إليّ في برود وقسوة.

– أظن ذلك. إذا لم يخطئ ظني فإن الجنرال قد استطاع أن يدبر أموره فيقترض منه بعض المال.

– تخميناتك صحيحة.

– أكان يقرضه لو كان يجهل قصة الجدة؟ ألم تلاحظي حين كنا على المائدة أنه قد دعاها بابولنكا ثلاث مرات إذ جاء على ذكرها؟ يا لها من مودة حميمة بغير كلفة!

– نعم، إنك على حق. ولسوف يخطبني متى علم أنني سأنال من الميراث نصيباً. هذا ما ترغب في معرفته، أليس كذلك؟

– أما يزال في مرحلة التفكير في خطبتك؟ كنت أحسب أنه يعد نفسه خطيباً منذ زمن طويل.

قالت باولين غاضبة:

– أنت تعلم أن الأمر ليس كذلك.

وأردفت تسأل بعد لحظة صمت:

– أين التقيت بهذا الإنجليزي؟

– كنت على يقين من أنك ستطرحين عليّ هذا السؤال.

وقصصت عليها لقاءاتي بمستر آستلي أثناء السفر. ثم أضفت:

– إنه خجول وعاطفي، ولا شك أنه قد وقع في هواك.

– نعم إنه يحبني.

– وهو أغنى من الفرنسي عشر مرات. هل للفرنسي ثروة حقاً؟ أهذا أمر لا يتطرق إليه أي شك إطلاقاً؟

– إطلاقاً! إن له قصراً منيفاً. ولقد أكد لي الجنرال ذلك أمس. أيكفيك هذا؟

– لو كنت في مكانك لتزوجت الإنجليزي.

– لماذا؟

– الفرنسي فتى أجمل. ولكنه حقير مجرم. أما الإنجليزي فرجل شريف، وهو فوق ذلك أغنى من الفرنسي عشر مرات.

قلت لها ذلك بلهجة قاطعة.

أجابت بهدوء:

– هذا صحيح، ولكن الفرنسي مركيز، وهو أذكى فؤاداً وأخف ظلاً.

قلت بتلك اللهجة نفسها:

– أهذا مؤكد؟، مؤكد تماماً؟

كانت أسئلتي تسوء باولين كثيراً، ولاحظت أنها تريد أن تغيظني وأن تغضبني بلهجة جوابها وغرابته. فلم ألبث أن ذكرت لها ذلك، فأجابت بقولها:

– صحيح إنه ليسليني أن أثير غيظك. وعليك أن تكافئني لمجرد أنني أسمح لك بإلقاء هذه الأسئلة وتصور هذه الافتراضات.

قلت بهدوء:

– إنني اقرّ لنفسي بحق إلقاء جميع ما أريد إلقاءه من أسئلة، لأنني مستعد لدفع أي ثمن تريدينه لها، ولأنني لا أقيم لحياتي نفسها أي وزن.

فانفجرت باولين ضاحكة:

– لقد قلت لي ذات يوم، ونحن على جبل شلانجنبرج، إنك مستعد، بكلمة واحدة مني، أن تلقى بنفسك إلى تحت، منكّس الرأس، بينما نحن على علو ألف قدم. لسوف أقول هذه الكلمة يوماً، لا لشيء إلا لأرى أأنت تقدم على التنفيذ حقاً؛ وثق أنني سأظهر يومئذ ما أتصف به من صلابة وحزم. أنا إنما أكرهك لأنني سمحت لك بتلك الأشياء كلها، وأنا أكرهك مزيداً من الكره لأنني لا غنى لي عنك. إنني ما زلت في حاجة إليك. فلا بد إذن من أن أدّخرك.

قالت ذلك ثم نهضت. كانت تبدو خارجة عن طورها. لقد أصبحت في الآونة الأخيرة تختم أحاديثنا دائماً بمثل هذه اللهجة من الشراسة والحقد، وهو حقد لا تظاهر فيه ولا افتعال.

قلت لها، رغبةً مني في أن لا أدعها تمضي من غير تفسير:

– هل تسمحين لي أن أسألك من هس مدموازيل بلانش؟

– أنت تعرف ذلك حق المعرفة. لم يحدث أي شيء جديد. إن مدموازيل بلانش ستصبح زوجة الجنرال من غير شك؛ هذا إذا صح طبعاً أن الجدة قد توفيت، ذلك أن مدموازيل بلانش وأمها وابن عمها المركيز يعرفون جميعاً تمام العلم أننا لا نملك شيئاً البتة.

– وهل الجنرال هائم بها موله؟

– ليس هذا هو الموضوع الآن. اسمع ما سأقوله لك وافهمه تمام الفهم: خذ هذه السبعمائة فلورين، والعب بها على الروليت، واجن أكبر قدر ممكن من الربح. لا بد لي من مال الآن، مهما كلف الأمر.

قالت هذا الكلام، ثم نادت ناديا وذهبت إلى الكازينو تلحق بأصحابنا. وسرتُ أنا في أول ممر على اليسار. كنت أفكر وأفكر فما تنقضي دهشتي. إن هذا الأمر الذي أصدرته إليّ باللعب على الروليت قد صعقني. والغريب في الأمر أني رغم كثرة ما يشغل بالي، غرقت غرقا كاملا في تحليل عواطفي نحو باولين. صحيح أنني أثناء الخمسة عشر يوماً التي غبتها عنها كنت أشعر بخفة لا أشعر بمثلها اليوم بعد عودتي؛ ولكنني تألمت أثناء هذه الرحلة كمن فقد صوابه: كنت أركض من مكان إلى آخر كأن الشيطان يطاردني؛ وحتى في المنام كنت أراها دائماً أمامي. وفي ذات مرة (كان ذلك في سويسرا) خاطبتها بصوت عال، فأضحَكَ ذلك جميع من كانوا معي في القطار.

مرة أخرى طرحت اليوم على نفسي هذا السؤال: «أأنا أحبها؟». ومرة أخرى لم أستطع أن أجد لهذا السؤال جواباً؛ أو قل إنني أجبت، للمرة المائة، بأنني أكرهها، نعم أكرهها. مرت بي لحظات (وخاصة في ختام الأحاديث التي تقوم بيننا) تمنيت فيها أن أهب نصف عمري في سبيل أن أخنقها! أقسم أنه لو كان في وسعي أن أغمد خنجرًا مسنونًا في صدرها على مهل، لشعرت من ذلك بمتعة فيما أظن. ومع ذلك أقسم بأقدس ما أقدّس أنني لو طلبَتْ مني ونحن على جبل شلانجنبرج، أن ألقي بنفسي من أعلى قمة يرتادها الناس، لرميت نفسي فوراً، ولشعرت من ذلك بغبطة. لقد كنت أعرف ذلك. كان يجب أن ينحلّ هذا الأمر بطريقة من الطرق. وهي تفهم ذلك كله أروع فهم، فإذا تصورتْ أنني أدرك حق الإدراك أن لمسها مستحيل، وأنني أعي كل الوعي أن رغباتي كلها عبث لا رجاء فيه، شعرت من ذلك بلذة لا تفوقها لذة. إنني على ثقة من ذلك. وإلا فهل كان لها، هي التي تملك ما تملك من رصانة وذكاء، أن تعاملني بهذه الألفة كلها وبهذه الصراحة كلها؟ يُخيّل إليّ أنها حتى هذا اليوم تنظر إليّ نظرة تلك الإمبراطورة القديمة التي نضبت عنها ثيابها حتى أصبحت عارية كل العري أمام عبد من عبيدها، لأنها لا تعدّه رجلاً. نعم إنه يتفق لها في كثير من الأحيان أن لا تعدّني في الرجال.

ومع ذلك فقد عهدت إليّ اليوم بمهمة: أن أربح في الروليت مهما كلف الأمر. وليس يتسع الوقت لأن أتساءل لماذا يجب أن أربح، وخلال أية مدة من الزمن يجب أن أحقق هذا الربح، وما هي الحسابات الجديدة التي بزغت في هذا الرأس الذي لا يكف عن العمل لحظة واحدة! ثم إن من الواضح أن أحداثاً جديدة كثيرة قد وقعت خلال هذه الأيام الخمسة عشر: إنني ما زلت أجهل الأحداث. فيجب عليّ أن أجلو هذا كله، يجب عليّ أن أُخرج هذا كله إلى النور، بأقصى سرعة. ولكن مهمة أخرى تقع على عاتقي الآن: هي أن أذهب إلى الروليت.