(2)
بيت فاروق كان يتضخم يومًا بعد يوم، فجأة أصبح هناك سكان فيه، من كل لون ومن كل صورة.. ولكن كان يجمعهم طابع واحد أنهم مغتربون عن المدينة، وكأن بيت فاروق أصبح محطة غريبة للناس وسط شارع عزيز.. الدور الثاني يسكنه فاروق نفسه وعائلته التي أتى بها من الصعيد..
بينما الدور الأرضي تسكنه "أم سلوى"، سيدة سليطة اللسان بدينة لحد لافت للنظر، عينها تفلق الحجر، أبناؤها، محمود، ومنصور، وسلوى التي لم أرها في حياتي سوى مرات معدودة، زوجها سباك.. أبو محمود كما كنا نطلق عليه في الشارع..عرفت بعد مدة وأنا في أول تعليمي الجامعي أن ابنتها سلوى متزوجة من مهندس يعمل خارج مصر، وأنها تعود فقط في الإجازات، محملة بما لذ وطاب من الأشياء التي تجعل نسوة الشارع يمصمصن شفاهن وهن يحسدن أم سلوى على ابنتها التي استطاعت أن تفر من الشارع بزوج غني.. أيام معدودة، ثم تختفي سلوى، وتظل أمها كسيدة تحكم الشارع، لا يخيفها شيء، ولا تعمل حسابا لأحد، هي فقط ولا شيء آخر بحجم أهميتها، ولكن الله بلاها بمحمود، شاب غير عادي، الوحيد الذي نجح بمجموع رهيب في الثانوية العامة في سنة أصابت الثانوية العامة كل بيوت شارع عزيز بالفشل، وسقط أبناؤه ولم ينجح أحد، الوحيد الذي نجح هو محمود، وسط زمن كانت الثانوية العامة رعبًا يسمم أبدان أي أسرة مصرية.. اسمها فقط كان يصيب الجميع بالخوف..
كنت أثناء حصول محمود على الثانوية اجتاز السنة الثانية لي في إعدادي، وكنت أمني نفسي وأنا طفل لم أفهم بعد معنى الحياة أن أكون مثل محمود الناجح الوحيد في شارع عزيز..
لكن ما أصاب محمود بعدها أثار حيرتي بشدة رهيبة، فقد تحول للنقيض، من إنسان ناجح إلى وحش بعد دخوله الجامعة..يسب "أم سلوى" في وسط الشارع، ويخلع ملابسه، ويخرج للشارع عاريًا إلاّ من ملابسه الداخلية، ونسمع صراخ وزعيق أم محمود، ولكن نسمع شتيمة جديدة علينا في شارع عزيز، فلم يكن هناك ابن قط مهما بلغ وقاحته قادرا على سب أمه، وكأن الزمن يتغير؛ ليفرض أحداثا جديدة على الحياة، حيث ظهرت الشتائم المقذعة في الشارع، والسب المقذع، وصادف الشارع نوبات طويلة من الفرجة اليومية على محمود وأمه، التي كانت ما تزال تحتفظ باسمها "أم سلوى"، ويحتفظ زوجها بلقب "أبو محمود".. وكأن المرأة قد رفضت أن تكون "أم محمود"، الذي فجأة جاء قرار فصله من الكلية، وإدمانه للمخدرات صاعقة عليّ..
لكن مع مرور الأيام وزيادة الزعيق والتوتر في الشارع؛ أصبحت أكره بيت فاروق أكثر، وأكره الدور الأرضي الذي سمم مسامعي وعلمني لغة لم أكن أتعلمها قط، وأيضا ودون مناسبة بلغتْ "أم سلوى" عن محمود أنه هارب من الجيش، وجاءت قوات الجيش وقبضت عليه..
لكن بعد مدة لم تبد طويلة لي.. سمعت الزعيق والسباب مرة أخرى بعد أن كان قد اختفى فترة..
وعاد محمود للشارع، عاد أفظع مما كان؛ ليكسب أفراد الشارع وأطفاله نظرة جديدة منفرة.. نظرة تحقير للحياة الطبيعية ولأمه!!
لم أكن أعرف السبب الحقيقي الذي حوّل محمود لذاك الوحش الذي تطاول على أمه مرة بالضرب وعلى أبيه كذلك، حتى اجتمع شباب الشارع عليه وكتفوه، لتقوم أمه بإبلاغ الشرطة العسكرية، ليعود الوضع لصورته القديمة، يُقبض على محمود ويدخل السجن الحربي.. ويهرب، ليسب ويشتم ويغير من طباع الناس، ليعود بعدها للسجن.. وكم كانت هذه الفترة من الطول والخبث أنها تستمر.. حتى فشلت كل المساعي في إرجاع محمود إلى عقله.. وسط كل هذا وجدت نفسي أصاحب منصور.. ذلك الشاب الذي كان يكبرني بسنتين، وبرغم كل شيء كان مختلفا نهائيا عن محمود الجديد المدمن، الهارب.. كان شابا ذكيًا لماحًا.. ذهنه حاضرًا طوال الوقت.. يحب أمه برغم كل شيء، ويحاول أن يدافع عنها دوما أمام عنف أخيه المجنون.. حتى جاءت اللطمة الكبرى في إحدى الخناقات لمحمود، وقف قبالته منصور متحفزًا، مدافعًا عن أمه وسط هيجان محمود واضطرابه الذي انتهى بمطواة انغرست في جسد منصور، ليرفرف على الأرض كطير ذبيح، كانت أول مرة أرى فيها شخصًا يموت أمامي، ودماؤه تغرق الرصيف أمام عمارة فاروق..ربما لهذا كرهت العمارة وأهلها؟!
كانت ستنا وقتها تتأمل كل شيء وتدعو للجميع بالهداية..
ولكن دعواتها لم تصب بيت "أم سلوى" التي تحطم قلبها على اثنين من أبنائها.. واحد أخذه الموت وآخر أخذه السجن.. ولتظل تنتظر سلوى في الأجازات لتبكي على صدرها.. ولكن الشيء الذي لم تفقده "أم سلوى" هو لسانها اللاذع وألفاظها الرهيبة!
الوحيدة التي كانت تنكمش لرؤيتها أم سلوى هي ستنا.. كانت تخاف ستنا لدرجة الموت نفسه.. وتدرك أن كل شيء في شارع عزيز كوم.. وستنا كوم آخر..كان هذا مجرد مدخل بيت فاروق.. البيت الذي افترس الاضطراب والقلق والخوف مدخله، لتسير الحياة في أشيائها غير المنطقية والمقلقة دوما..
***