(3)

10 0 00

(3)

الدكتور روجيه

كان يغلق باب مكتبه جيداً بعد أن ينصت إلى أصوات الفتيات اللواتي يتقاسمن السجائر في إحدى قاعات المحاظرات المغلقة، يلتفت حوله جيداً ليتأكد من أن النافذة مغلقة..

يتوجه إلى الرف الأسفل المجاور لطاولة المكتب، يتناول كيساً بنياً يشبه إلى حدٍ ما الظروف التي توضع بها المعاملات، ويخرج منه زجاجة (فوتكا مسكوفا)، يفتح الزجاجة ويضع الغطاء من الأعلى على فوهة الزجاجة ويبدأ بتدليكها من جانبيها ليتأكد أن الماركة هي ماركة الفوتكا الأصلية، وبعد أن يتأكد يسكب كأساً أو نصف كأس ويكتفى به..

لعب الكأس لعبته النكراء في رأسه في إحدى المرات، مما حدا به إلى تشغيل الراديو ليطرب مزاجه بأغنية ما، سمع المغنية تقول عبر أثير إذاعة للمنوعات: (يا ست الحبايب...)، غيرّ الموجه بعنف شديد هو يقول: بلا أم بلا..

إلى أن استقرت الموجة على إحدى الإذاعات الوطنية، سمع فيروز تغني بصوتها الصباحي المفعم بالهدوء والحياة: (وطني..) ثمّ وضع رأسه ببطء شديد على الطاولة وأخذ يسرح بخياله، تصور نفسه وهو يلقي خطاباً هاماً على شاشة إحدى الفضائيات المشهورة، تصور نفسه وهو يرشد الأجيال ويوجه الأمة.. قرع الباب مرات ومرات وهو لا يزال سارحاً في وهمه العظيم الذي قاده هذه المرة ليتخيل نفسه إبناً لعجوزين طيبين يلتف حوله أبناؤه

وأبناء أخوانه. .يلعبون ويمرحون حوله كأنهم أسراب من النمل.. ما زال صوت الباب يقرع..

قال الطارق: افتح يا روجيه أنا زوجتك حياة

توجه روجيه نحو الباب، وفتحه ببطء شديد، دخلت حياة وأغلق الباب جيداً، طلبت منه أن يتوسط لها عند بعض المدرسين فوضعها سيء للغاية في مساقين أثنين، ومرحلة الماجستير تتطلب علامة عالية كي يستطيع الطالب الاستمرار بدراسته، نظر إليها بعنف ثمّ قال: الآن سأتصل بالمدرسيّن.

اطمئنت حياة قليلاً من الحمل الذي أقلقها، حملت حقيبتها، اقترب منها روجيه وقبلها قبلة الوداع قائلاً: تهيأي جيداً لمسرحية آخر الليل، لا تنسي أن اليوم الخميس.

غادرت حياة المكتب، وأغلقت الباب نصفه، خرجت إلى باحة الكلية والأنظار تلتفت إلى ساقيها العاريين، وشعرها الأشقر الجذاب، وساقيها اللتين تشبها سيقان عارضات الأزياء.. أراد روجيه أن يرفع سماعة الهاتف ويتصل بالمدرسين، إلا أن ضميره الحي منعه من اتمام المهمة، ألقى بسماعة الهاتف، وقال لنفسه: حرام..

استدار قليلاً وبدأ بتقليب الملفات على الكمبيوتر، ثمّ فتح أيقونة انترنت وكتب فيها (www.xx..) ، ظهرت له شاشة بيضاء مكتوب فيها (هذا الموقع ممنوع في الجامعة)، لا بأس، أدخل عنوان آخر لمجلة فظهر له في أعلاها قول لأحد الحكماء، يقول قائله: "الوفاء والتضحية أمران نابعان من داخل الإنسان لحب الوطن، أما المظاهر والشكليات فهي قوام لشخصية مهزوزة.."

ظلل القول جيداً ووجه مؤشر الفارة إلى أيقونة (print)، تأمل الورقة التي تحمل هذا القول جيداً بعد أن أخرجها من الطابعة، ثمّ علقها على أحد الجدران.

الساعة العاشرة إلا دقيقتين، بعد دقيقتين سيكون موعد المحاضرة في إحدى القاعات، حزم الدكتور روجيه أوراقه جيداً، توجه إلى المرآة، تأمل بمظهره جيداً، نظر إلى حذائه ووجده بحاجة إلى تنظيف، التفت حوله لعله يجد ما يمسح به آثار الغبار من على الحذاء، فلم يجد شيئاً، إلى أن وقعت عينيه على علم أبيض مصنوع من القماش يحمل شعار الجامعة، أمسكه جيداً قبله وعلقه على أحد الجدران.. بحث جيداً لعله يجد شيئاً، إلى سقط

نظره على منديل أحمر مكتوب عليه (بحبك يا أمي) نظف حذاءه جيداً بالمنديل، وألقى به في سلة المهملات.

أغلق باب المكتب، وتوجه إلى القاعة بمشيته العسكرية المعروفة، وصل القاعة وإذ ببعض الطلاب يتمازحون فيما بينهم، وآخرين ألقوا بسجائرهم على باب القاعة، وجلسوا على مقاعدهم، دخل الدكتور روجيه القاعة ، وجلس على الكرسي، وأخذ يقرأ أسماء الطلبة.. وضع القلم، ثمّ ألقى نظرة عامة على وضع الطلاب في القاعة ، صرخ صرخة عظيمة:

ما هذا، وكأننا في نادٍ ليلي، ما هذه الجلسة. الذين يجلسون في الصفوف الخلفية توجهوا إلى الأمام.. ما هذا يا أمهات المستقبل، لماذا هذه الشللية، تفرقوا عن بعظكم..

صرخ ثانية: إلى أين وصلنا يا عبد القادر

قلبّ عبد القادر في الكتاب جيداً ثمّ صمت، قال الدكتور روجيه:

- كيف ستنتمون إلى هذا الوطن، كيف ستحققون له العزة والبطولة، كيف ستساعدون في تقدمه وازدهاره وأنتم لا تعرفون إلى أين وصلنا في المساق.

قال يحيى:

- الانتماء لا يقاس بهذا المقياس فحسب يا دكتور، فهمم الرجال تزحزح الجبال.

قال الدكتور:

- أخرج من القاعة

خرج يحيى من القاعة وأغلق الباب خلفه، صادفته فتاة تريد الدخول إلى القاعة، قالت بلطف ورائحة الدخان تنبعث من فمها:

- الدكتور دخل من زمان؟

- نعم

فتحت الفتاة الباب، ودخلت القاعة، وأنظار الشباب تتهافت على شعرها الأشقر، ومكياجها الفاقع، وملابسها الملتصقة بجسدها.. توجهت إلى أحد المقاعد وجلست..

قال الدكتور روجيه:

غير معقول، المحاضرة أوشكت على الإنتهاء وتأتي الآن! ما هذا يا بنت، ثمّ ما هذا المظهر، أنا لا أحب الفتاة التي تجعل من نفسها فرجة للآخرين، أنا أحب الفتاة المحجبة.

"أنا أحب الفتاة المحجبة!" فكر هارون في قوله جيداً، متذكراً شكل امرأته التي خرجت قبل ساعة من الآن من مكتبه، وشعرها المسحوب، وتنورتها القصيرة، ومشيتها المغرية..

تابع الدكتور روجيه كلامه:

- علينا أن لا نبقَ هكذا، بل علينا أن نكون مثاليين في كل شيء، في تعاملنا، في دراستنا، في المنزل، في الجامعة، في العمل فيما بعد، وحتى مع أنفسنا..علينا أن نعلي من شأن هذا الوطن، علينا أن نكون جنوده وأبنائه الأوفياء، علينا أن نرفع راياته عالياً، وننتمي إليه حق الإنتماء..

ضجة ما انطلقت من كل مكان في القاعة، انتبه الدكتور روجيه للأمر، وقال:

- ما بكم

- وقت المحاضرة انتهى يا دكتور

- أود تذكيركم بأن هذه آخر محاضرة، ادرسوا جيداً للامتحان النهائي وكل من يحصل على علامة مرتفعة في النهائي سأرفع له علامته، وكل من يسلمني تقريراً عن (التحديات والمشكلات التي تواجه شباب الوطن) سأمنحه خمس علامات.

خرج الطلاب من القاعة، بينما توجه عدد منهم إلى الطاولة للحديث مع الدكتور روجيه، قالت إحدى الفتيات:

- معدلي التراكمي في خطر وعليك مساعدتي يا دكتور

وقال آخر:

- دكتور إذا حصلت على علامة 40 فما فوق في الامتحان النهائي هل ستعدل لي علامتي

وقالت أخرى:

- دكتور هل ستحاسبني على الغياب

قال الدكتور:

- توكلوا على الله، وأدرسوا جيداً

خرج من القاعة بعد أن حزم أوراقه وقوائم أسماء الطلاب جيداً، رافقه هارون القر ، وقال له أثناء المسير:

- أنت مثال للإنسان المنتمي يا دكتور، أنت الإنسان الذي تذكرنا دائماً بالوطن وبقيمة الانتماء إليه، ببطولاته وتضحية أبنائه..

ردّ عليه الدكتور قائلاً:

- علينا أن نكون جميعاً هكذا، وإلا لن يبقَ للوطن جنود يا هارون القر.

ترك هارون الدكتور روجيه الذي توجه إلى مكتبه ليحتسي النصف الثاني من كأس الفوتكا الذي كان قد سكبه قبل بدء المحاضرة، بينما توجه يحيى وهارون القر إلى المقهى المقابل للبوابة الرئيسية للجامعة.

كان الطريق إلى المقهى يستغرق ما يقارب العشر دقائق إلا أنه وبرفقة هارون قد يتجاوز الساعة، كان هارون يلقي السلام على هذا وذاك، ويعانق كل شخص يجده في طريقه، ويقف مع كل شاب ما يقارب الخمسة دقائق، ويطلق عبارته الشهيرة (فلان يا عز النـزول من يقصدك همه يزول) كلما صادفه شاب أو فتاة أو حتى دكتور، وصلا المقهى أخيراً وجلسا مع بعض الشبان ، كان الشباب يتناقشون في قضية أكثر منطقة عربية قدمت شهداء، القسم الأول

يجلس في الجهة الشمالية، بينما يجلس القسم الآخر جهة الجنوب، وكل قسم يحاول أن يتغلب على الآخر بالحجج والبراهين والقصص والحكايات التي سمعوها عن الآباء والأجداد إلى أن أنهى أحدهم الخلاف قائلا:

كل هؤلاء الشهداء الذين ذهبوا فداءً للوطن والأمة هم من أبناء وجنود الأمة العربية، وكلهم أبناء للوطن وجنود له، فالشهيد ما دام ينتمي لدين الحق دين الله عزّ وجل، وهو شهيد في سبيل الله قبل أي شيء.

صفق له الجميع، فمنهم من بقي على جلسته، ومنهم من غير مكانه، وأكثرهم كانوا قد توجهوا إلى محاظراتهم، بينما ذهب كل من يحيى وهارون إلى احد مقاهي الانترنت، جلس كل من يحيى وهارون على جهاز كميوتر وبدأ يحيى باستعراض أخبار الصحف، دقق نظره جيداً في الأخبار، بينما خرج يحيى إلى الخارج ليترك هارون يطالع الأخبار بكل عمق، وبعد لحظات قال يحيى:

- إلى ماذا توصلت يا هارون ؟

لم يجبه لأنه ما زال منهمكاً في القراءة، تركه يحيى وخرج من جديد، ليتطلع من النافذة المطلة على إحدى بوابات الجامعة ليرى الفتيات اللواتي يتمازحن مع الشبان ويتصورن معهم بواسطة الهواتف النقالة، وعلى اللواتي يبحثن عن مكان ليدخن به، وعلى المناظر الغريبة لبعض الشبان الذين يتفننون في تسريح الشعر، أو الذين لا يستطيع المرء تمييزهم عن الاناث إلا إذا دقق النظر في وجوههم جيداً..

أتى هارون، ودهشة عظيمة قد أصابته بعد أن قرأ أخبار الصحف والمواقع الاخبارية، جلس في أعلى الدرج، وجلب يحيى إلى ناحيته، اقترب منه، ثمّ قال:

- غريبة جداً مقالات الصحف وتعليقاتها

- كيف؟

- جرئية جداً أعمدة كتاب الصحف هذه المدة

- أعتقد أن سقف الحرية الذي أعطي للصحافة منحها الشيء الكثير من الجرأة

- ولكن بالرغم من هذا إلا أن الصحافة نسيت الشيء الكثير

- وماذا نسيت يا هارون ؟

- نسيت من يتسترون بثياب الوطنية، نسيت من يعلمون الأجيال القيم والمبادئ دون أن يكون لهم أي نصيب مما يقولون، نسيت من لا ينصفون بين أبناء هذا الوطن، نسيت زعماء الواسطة والمحسوبية..نسيت ونسيت الكثير يا يحيى، ثمّ نسيت أننا غرباء في هذا الوطن.

- ماذا تقصد يا علي هارون ؟

- أقصد من يأكلون ويشربون على حساب الأرض، أقصد من ينفقون أموالهم على المظاهر والشكليات..دون أن يدركوا للحظة أن هناك من ينام جائعاً.

- أصبحت الأوطان فنادق باهض الثمن يا هارون ، ولا أعتقد أننا سننجو من الحبال التي رصدت لنا إلا إذا قاومنا وتعبنا جيداً.

- الحياة كلها بحاجة إلى إعادة هيكلة، لكن الأولى هو الإنسان، فمتى أعطي الإنسا حقوقه الإنسان كملت الحياة والكمال لله وحده، أنظر يا يحيى إلى أشياء كثير من حولك لا داعي لا وجودها ومع هذا كله فإن القائمون عليها يعطوها الشيء الكثير، تصور أن الجامعة تقدم لضيوفها (منسف) بقيمة 75 دينار للسدر الواحد، فإذا ما حسبنا القيمة التي تنفقها الجامعة على هذا النوع من النفاق لوجدنا أنها تنفق الشيء الكثير لكنها في

النهاية تحاسب الطالب على كل دينار دون أن تسامحه بشيء.

- وما الحل يا هارون ؟

- الحل أن يهدموا مكاتب الدكاترة التي تملأ الكليات ويبنوا قاعاتاً للتدريس بدلاً منها، الحل أن يخفصوا قيمة الرواتب العالية التي يصرفوها لأعضاء هيئة التدريس ويدخروا الباقي لأبناء الوطن، الحل أن يعفونا من الرسوم والضرائب.

- لا تحزن يا هارون بل أصبر فإن الله مع الصابرين.

- إلى متى سنصبر يا يحيى؟

وبقي السؤال الأخير (إلى متي نصبر) دون إجابة.. توجه الشابان إلى قاعة المحاضرة، وكان الأستاذ قد دخل منذ دقائق، فتح هارون الباب، وقال:

- هل تسمح لنا بالدخول يا دكتور؟

- تفضلوا

جلسا في المقعد الأمامي، وكان الدكتور طلعت يمسك بعض الأوراق القديمة ويقرأ منها على الطلاب، قال الدكتور طلعت بعد أن سمع ضجة في قاعة المحاضرة:

- ما هذا، اصمتوا، دعوني أشرح، ألا يكفي أنني اقرأ من الأوراق باللغة الإيطالية وأترجم لكم..

ثمّ أكمل قراءة الأوراق وترجمتها.. كان الدكتور طلعت من الأساتذة الذين يمتلكون أسلوباً مقنعاً لإقناع الطالب في أي أمر، لكنه مع ذلك لا يملك المقومات الكاملة لتجعله أستاذاً متقناً لطبيعة المساقات التي يدرسها، ولم يكن يتجرأ على القيام من مقعده، أو الكتابة على السبورة، فهو كما وصفه أحد الأساتذة في محاظرة أخرى –وبشكل غير مباشر- لم يخسر الجامعة طبشورة واحدة منذ أن تعين فيها إلى الآن.

تابع الدكتور طلعت حديثه، لكنه هذه المرة كان قد خرج عن مسار المحاظرة على اثر مداخلة من إحدى الطالبات حينما قالت:

- أن الأستاذ في المتطلب السابق لهذا المساق لم يعطينا التعريفات الكافية، وكان يتهرب كثيراً من الأسئلة.

قال الدكتور طلعت:

- في الجامعة أساتذة لا يعرفون معنى الأمانة والإخلاص، ولا يدركون لو للحظة أنكم طلاب علم، هناك أساتذة لا يعلموا أن الأجيال أمانة، ولا يلموا بالكثير من الأشياء في المساقات التي يدرسونها.. بل هناك أساتذة لا يصلحوا أن يكونوا رعاة غنم، ولو وضعناهم رعاةً للغنم لأضاعوها أو لأكلها الذئب وهم نائمون، ولست أدري كيف سطا هؤلاء علينا، وكيف تسللوا إلى أسوار هذه الجامعة وأصبحوا مدرسين فيها.. وهناك أساتذة من هم

أفضل مني يستحقون كل الاحترام والتقدير..

اقتنع الجميع تقريباً بما قاله الدكتور طلعت، بينما قال سليمان بعد أن خرجنا من المحاظرة:

- الدكتور طلعت يلعب على سبعين حبل..

هارون:

- كل دكاترة الجامعة يلعبون على سبعين حبل.

- إلا الدكتور روجيه فهو فبالرغم من صراخه ونفاقه إلا أنه صادق ومنصف.

ثمّ ذهب تاركاً الجميع يفسروا عبارته كما يشاؤون، بينما قال يحيى لهارون:

- يدعي أنه يترجم الأوراق التي بين يديه من الإيطالية إلى العربية

- صحيح يا يحيى، أنا نظرت إلى الأوراق التي يقرأ لنا منها ورأيت كلماتها الايطالية.

- أوراق قديمة وصفراء ما زال يدرسها منذ عشرين عاماً، فلو قرأها كل فصل مرة وترجمها للطلاب لحفظها.

وما أن أكملا الحديث حتى مرّ من أمامهما الدكتور طلعلت دون أن يرد السلام، مشى بضع خطوات، ألقى عليه بعض الطلاب السلام، فرد السلام وهو سارح الذهن، أو وهو متعالي.. أكمل خطواته وعيون الطلبة تراقبه، مرّ من أمام مجموعة فتيات، استدار نحوهن، ألقى عليهن السلام، ثمّ وقف معهن.. وبدأ بالمزاح والضحك..

وبعد أن انتهى من حديثه مع الفتيات، صافح الدكتور روجيه الذي مر من أمامه للتو، وغادرا المكان سوية، كان الدكتور طلعت هو أكثر اساتذة الجامعة تقرباً إلى روجيه، فكانا يمضيا الكثير من الوقت سوية، كان الدكتور طلعت بمثابة أخ للدكتور روجيه، فكان كثيراً ما يشكو له ألمه وهمه وضيقه في الحياة، كما كان الدكتور طلعت هو الإنسان الوحيد في العاصمة الذي أخبره روجيه بقصة حياته منذ أن كان طفلاً صغيراً يلهو ويسرح في

روابي فيروز، لا سيما أنهما كانا رفيقي دراسة منذ مرحلة البكالوريوس إلى الدكتوراة حتى شاءت الأقدار أن تجمعهما كمدرسين في قسم أكاديمي واحد.

الساعة الواحدة والربع ظهراً موعد ذهاب يحيى إلى قرية فيروز، عانق هارون ، وودع بقية زملائه في الجامعة، توجه إلى البوابة الشمالية إلى الجامعة وركب في سيارة احد أصدقائه معلناً الذهاب إلى فيروز، سارت السيارة ما يقارب العشر دقائق ثمّ غطّ يحيى في سبات عميق لم يوقظه منه سوى قول حسين:

- وصلنا يا يحيى

خرج يحيى من السيارة، وقطع الشارع الرئيسي ووصل البيت، عانق أمه وأباه وأخوانه، ثمّ توجه إلى المطبخ لتناول الطعام.. قرع الباب، توجه يحيى نحوه، وإذ به أبو مفلح:

- أهلاً يا أبا مفلح، تفضل تفضل.

دخل أبو مفلح غرفة الضيوف وجلس في زاوية الفراش العربي، نادى يحيى بصوت عالٍ:

- احضروا القهوة الحلوة لأبي مفلح

قال ابو مفلح:

- كيف الحال يا يحيى؟

- بخير والحمد لله

- كيف أخبارك، كيف الأولاد؟

- كلهم يهدونك السلام يا ابني يا يحيى، فأنت إنسان تستحق كل خير

أحضر صقر القهوة، وقدمها إلى أبي مفلح ويحيى.. شرب أبو مفلح من الفنجان قليلاً، ثمّ أشعل سيجارة فايسروي وهو ما زال يذكر بأن السيجارة أصبحت في القرن الحادي والعشرين تساوي رجالاً لأن ليس كل رجل يستحق أن يكون رجلاً، ثمّ قال:

- كيف وضعك في الجامعة؟

- الحمد لله فأموري الدراسية بكل خير

- وأمورك الأخرى، أقصد مكانتك هناك؟

- الحمد لله، لكن ثمة أشياء غريبة نسمع بها بين البشر، مثل مصطلح (بدوي، فلاح، قروي، مدني..)، فلست أدري هل أنتمي للبدو لأننا قريبو اللهجة منهم، أم للفلاحين لأن طبيعة عيشنا كعيشهم..

صرخ أبو مفلح صرخة عظيمة، وقال:

أنت لست بدوياً.. أنت لست فلاحاً.. أنت لست مدنياً..أنت لست قروياً. أنت ابن لهذا الوطن، وابن فيروز ابن لأمة مجيدة من النهر إلى البحر عرف قيمة الأرض فأعطاها، وأحس بمعني الوطن فمنحه كل ما يملك من جهدٍ وقوة.

قال يحيى:

لكنهم يقسمون الناس لجماعات عنصرية فهناك من يقال لهم البدو وهناك الفلاحين، والمدنيين وحتى السنة والشيعة فليس من المعقول أن نختلف عن كل هؤلاء ونكون ورقة بديلة بين هذه الجموع الغفيرة.

- أنظر إلى البيوت القديمة التي يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من ألف عام ألا تدل على المدانة يا ولدي؟

هزّ الصبي رأسه دون أن يتلفظ بأي شيء، تابع أبو مفلح حديثه:

- ثمّ تطلّع إلى تاريخ أجدادك الذين زرعوا الأرض ونظموا في حصادهم لها قصائد وأغاني ومواويل عديدة، ورعوا الأغنام، ألا يدل هذا أنهم كانوا بدواً وفلاحين على حد السواء؟

هزّ الفتى رأسه للمرة الثانية دون أن يتفوه بشيء، قال أبو مفلح:

- ثمّ لا تنسى يا ولدي أن هناك جزءاً آخر من سكان فيروز عاشوا في الخيام.

- الأمر على ما قلت يا أبا مفلح.

صمت أبو مفلح قليلاً بعد أن أكمل شرب القهوة، قال يحيى؟

- ماذا تشرب شاي أم عصير؟

- لا يا ولدي، أريد أن أذهب إلى الصلاة.

خرج أبو مفلح من البيت متوجهاً إلى المسجد، بينما خرج يحيى إلى أحد الشوارع القريبة، دخل احد المقاهي، وجلس هناك.. قال أحد الجالسين؟

- كيف البنات في الجامعة يا يحيى؟

- بسلموا عليك

اقترب منه أكثر وأكثر، ناوله سيجارة مارلبورو لايت، ثمّ قال ماذا تشرب يا يحيى؟

- شكراً يا محمود، لا أريد شيئاً.

- يجب أن تشرب شيئاً يا يحيى

- شربت منذ قليل

- أقسم بالله لتشرب شيئاً

- بيبسي

نادى محمود على العامل:

- 2 بيبسي يا حسن

ردّ محمود على مكالمة هاتفية كانت قد أتته من احدى الفتيات، بينما أحضر العامل حسن البيبسي، جلس يحيى ما يقارب الثلث ساعة، وأكمل شرب البيبسي ومحمود لا يزال يجري مكالمته الهاتفية مع إحدى الفتيات، محبوبته، مرتزقة..لست أدري، وبعد غياب طويل أتى محمود:

- هذه فتاة جميلة جداً تعرفت عليها في الباص، ووعدتني بسهرة، وسأذهب غداً إلى أحد الشاليهات في البحر لنبيت هناك، هل تعرف شاليه ننام فيه؟

- لا يا محمود

- هل يوجد أصدقاء لك يعرفون مكاناً آخر نذهب إليه؟

- لا والله

- هل يوجد معك أرقام بنات؟

- لا

مسك محمود الهاتف ثانية وأخذ يجري مكالمة أخرى، ذهب إلى زاوية خالية وأخذ يكمل حديثه مع فتاة، لست أدري هل هي الأولى أم غيرها، المهم فتاة.. بينما قام يحيى وحاسب حسن على البيبسي وخرج مودعاً محمود:

- الحساب واصل

- ودعه محمود رافعاً يده وملوحاً بها

خرج إلى الشارع لانتظار هارون القر الذي سيصل إلى فيروز بعد دقائق والرجال لا زالوا يخرجوا من صلاة العشاء متوجهين إلى أحد المجالس، فاليوم الجمعة والجلسة عند الحاج عزيز.. انتظر يحيى ما يقارب الخمس دقائق إلى أن وصلت الحافلة، وهارون يستقل المقعد الأمامي المجاور للسائق، كان هارون قد دخل في نقاشات كثيرة، وحكايات متعددة مع سائق الباص، تلك النقاشات والحكايات التي تكشف عن معالم شخصية عاشت الحياة جيداً، عانت

وجربت وتعلمت من المواقف الشيء الكثير.. قال هارون بسخرية للسائق بعد حكايات كثيرة:

- لكن المشكلة أن شخصيتي ليست قوية.

- كل هذا يا هارون ، وتقول شخصيتك ليست قوية!

خرج هارون من الحافلة، قال قبل أي شيء:

- يحيى يا عز النـزول من يقصدك همه يزول

عانق يحيى وعانقه، ثمّ ذهب معه إلى البيت للاستراحة وتناول طعام العشاء.. تناول هارون عشاءه وهو يقلب في قنوات التلفزيون، قائلاً كلما رأى شخص على الشاشة:

- هذه الأمة العايشة، أليس كذلك يا صخر

بينما يهز صخر رأسه موافقاً هارون على كل ما يقول، وصخر احد أطفال جيران يحيى.. أكمل هارون العشاء، ثمّ توجه إلى المغسلة ليغسل يديه، ثمّ قال:

- أخلف الله عليكم

وقف على باب الغرفة وقال:

- سلمت يداك يا أم يحيى

- صحتين وعافية يا هارون

استرخى هارون قليلاً على احد المقاعد المريحة، وقال لطارق الذي دخل للتو، وهو أحد أصدقاء يحيى أنه تفاجأ كثيراً حينما وصل فيروز، فهو لم يكن يعرف عنها أي شيء قبل اليوم، وكان يتصور أنها مجرد أرض صغيرة يوجد بها بيوت شعر وأناس يرعون الغنم ويمتطون الجمال والبغال..

قال طارق:

- ستبدو لك الأيام ما كنت جاهلاً يا هارون

جلس الشبان قليلاً، يتابعون مسلسل (ليالي الصالحية) على إحدى القنوات الفضائية، قال يحيى:

- السوريون عكسوا واقعاً مميزاً عن بلدهم وعاداته في هذا المسلسل، وفي مسلسل آخر مشابه كان اسمه (الخوالي)، بل وفي بعض أعمالهم الدرامية الأخرى.

بينما قال طارق:

- الدراما السورية تطورت جيدا في السنوات الأخيرة بشكلٍ ملفت للنظر، وأصبحت تنافس الدراما المصرية، ونحن ما زلنا نائمين.

ضحك هارون ضحكة قوية كادت أن تهز جدران الغرفة وتصدعها، ثمّ قال:

- حتى التمثيل لا نتقنه.. لكن في النهاية للجانب المادي دور كبير، فهؤلاء الذين يمثلون مسلسلات تنتجها شركات فنية ضخمة تدفع للممثل مبلغا كبيرا، وهذه البلدان التي تمتلك طاقات كبيرة من كتاب النصوص والسيناريو ليست مثلنا.

أنتهى المسلسل، وخرج الشبان إلى المجلس للسهرة عند الحاج عزيز برفقة هارون.. وصلوا المكان، ورحب بهم الجالسون ترحيباً يليق بمقام الضيف، ثمّ عرفهم يحيى هارون القر.

قال الجميع: أهلاً وسهلاً

جلس الشبان في البيت، بينما أصر الحاج عزيز على جلوس الضيف بصدر البيت.. صبّ أحد الفتية القهوة، وأكمل الرجال الحديث الذي كانوا يتناقشون فيه، قال موسى:

- أتدري لماذا يبدع الشباب في أوروبا يا أبا شوكت؟

- ربما لأن بلادهم توفر لهم كل الظروف الملائمة للإبداع

- لا .. سأغضب منك حقاً هذه المرة

- ولماذا إذن؟

- يبدعون لأنهم يخرجون عن العائلة ويستقلون منذ سن الثامنة عشر

- ينحرفون ويضيعون ويلهون...أليس هذا قصدك ؟

- لا يا أبا شوكت ، الإبداع صفة فطرية تنمو حيث تجد الاستقلال

لم تكن هذه الكلمات كافية لإقناعهم فباتوا يضجرون ويقهقهون عجباً ، صمت الحاج عزيز برهة، ثمّ قال:

- لذا فهم يمتهنون الدعارة

- لا تخلط بين القيم والعادات والتقاليد والاستقلالية يا شيخ عواد ، فعلى سبيل المثال نجد الكثير من الأشخاص الذين شقوا طريقهم بأنفسهم بعدما استقلوا برأيهم قد أبدعوا ولم ينحرفوا عن عادات مجتمعنا وقيمه الإسلامية والإنسانية .

- كل شيء جائز

- لذا فإن السبب الرئيسي في انحراف الشباب هو عدم استقلالية الرأي لديهم فعادة نرى الأب أو الأخ الأكبر أو العم هو الموجة للفرد .

يتعالى صوت الحاج عيسى بعدها ليظهر لنا أن توجيه الفرد من قبل ذويه وأقاربه واجب ، ثمّ أنه من الأفضل أن يجد الفرد من يوجهه ويرشده لئلا يقع في الخطأ ، فيقول الحاج عيسى :

- وما الخطأ هنا؟

- الخطأ هنا أن الآباء يفرضون رأيهم على أبنائهم ولا يتركون لهم حرية الاختيار ، تخيل أن كل شاب في الوطن يسلك الطريق الذي يحبه ، حينها سنجد الإبداع ، حينها سيتقدم الوطن ويزدهر.

- صدقت يا ولدي

- لذا نجد الأمهات في أروربا يلبين دعوات أبنائهن الذاهبين إلى المعسكرات الخارجية ، قائلين :

أماه …

أتمي صلاتك .. لا تبكى ..

بل اضحكي وتأملي ..

أنا ذاهب إلى بلاد العرب…

فرحاً مسروراً ..

سأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة…

سأحارب الديانة الإسلامية …

سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن…

فيقلن : لبيكم يا أبنائي

بينما حينما يذهب الشاب إلى جامعته ، توصيه أمه قائلة :

لا تتحدث في السياسة .

قال هارون: كلام جميل، ولكن ترك حرية الاختيار للشاب من قبل الأهل ضرورة هامة ، لأن الكثير من الأمراض النفسية والانحرافات تأتي من هنا.

أبو شوكت : (والهمالة والصياعة ولعانة الوالدين.. ) تأتي من هنا يا هارون.

يهب طارق واقفاً :

لا يا أبا شوكت (الهمالة والصياعة ولعانة الوالدين.. ) هي نتيجة تقصير الوالدين في رقابة أبنائهم .

أبو شوكت: تقولون لنا اتركوا لهم حرية الاختيار، إن تركناها لمتونا، وإن لم نتركها لعنتونا .

يخرج الحشد فيذهب كل في إلى وجهته بينما يخرج كل من يحيى وهارون القر إلى أحد المقاهي في فيروز، جلسا هناك بعد أن طلبا القهوة وتناقشوا في أمور الجامعة والزملاء والمدرسين، قال يحيى؟

- غريب جداً أمر الدكتور روجيه، فكل ما يبرزه من آداء وكل ما يظهره من نفاق وسلوكيات كل هذا يخفي شخصية رجل مجهول

- الأمر على ما قلت يا يحيى، تصور أنني أرى الدكتور روجيه كل يوم في سكن الجامعة، حتى في المناسبات والعطل الرسمية والأعياد يراه الكثير من زملائي هناك، والأمن الجامعي أكدوا لي هذا أكثر من مرة.

- والغريب في الأمر ايضاً ان اسم عائلته غريب ولأول مرة أسمع فيها.

- ولكنه مع هذا انسان متمكن ومقتدر علمياً،فلا يغرك حديثه وتصرفاته في المحاضرة، فهذه المحاضرة الوحيدة التي يدرسها لطلبة الجامعة وهي لا تدخل بشكل مباشر في اطار تخصصه.

- غريب.. يدرس هذه المحاضرة فقط؟

- نعم

- وكيف؟

- هو في الأساس يدرس دورات الضباط في مجال الجريمة والبحث الجنائي وما إلى ذلك.

- جميل

- ثمّ أتدري يا يحيى انه انسان شديد متقي الله في عمله وفي تدريسه لهؤلاء الضباط لا يعطي أحد غير حقه.

- لا بدّ وأن هناك سر ما في حياته لا يعرف عنه أحد

كان الدكتور روجيه في هذه المدة قد تفرغ لتدريس الضباط العسكريين مساقات ودورات في تكنولوجيا البحث وعلوم الجريمة وغيرها، فهو لا يحب تدريس طلبة الجامعة أو حتى المساقات التي لا تمت بصلة إلى تخصصه ولا تقدم لطلبة الجامعة أي نفع فهي مساقات اختيارية لا تدخل في اطار تخصصه الدقيق..

كما شهدت هذه المدة طلاق الدكتور روجيه لزوجته حياة والذي لم يمض على زواجه منها نصف عام..

خرج الدكتور روجيه إلى إحدى محاضراته وبدأ يشرح المسائل المعقدة في تكنولوجيا البحث عن الأفراد وعن أصول الكشف عن الجريمة وطرق الوصول إلى المجرمين.

كانت مسائل معقدة تتضمن في ثناياها جرائم السرقة والقتل والشرف وغيرها من قضايا.. قلب روجيه في أوراقه أثناء المحاضرة، وأبلغ الطلبة انه سيبدأ بشرح باب موسع عن اللقطاء، وكيفية التعرف عليهم، وأصول متابعة مرتكبي هذه الجريمة، وطرق التوصل إلى المجرمين..

بدأ روجيه الشرح بكل جد وإخلاص كعادته، وبدأ ينوع من أساليبه في توصيل الأفكار، فتارة تجده يقترب من الطلبة ويشرح بهدوء، وتارة يجول في قاعة المحاضرة واضعاً يديه خلف ظهره متحدثاً بصوت عال.. أوشكت المحاضرة على الانتهاء، وقرر روجيه حينها إعطاء طلابه واجب يتعلق باللقطاء، فهو لا يكاد ينهي محاضرته حتى يغرق طلابه بالواجبات.

انتهت المحاضرة.. وخرج روجيه إلى مكتبه، وصل المكتب وأغلق الباب خلفه، جلس على غير عادته منهكاً ضعيف الحيلة والقوى، أخرج سيجارة وتأمل فيها جيداً قبل أن يشعلها، وما أن انهى السيجارة حتى وضع رأسه على طاولة المكتب، ثمة أفكار تأتيه من هنا ومن هناك.. إلى أن توصل إلى قرار قد يساعده في التعرف على هوية أبويه، قرر أن يعطي طلبته مسألة معقدة، إنها قصة حياته لعلهم يعرفون عنها شيئاً..

في المحاضرة التالية، وبعد أن انتهى روجيه من شرح المادة المقررة لأساليب التعرف على أبوي اللقيط، سأل طلابه إن كانوا قد أنهوا حل واجبهم، وقبل أن يجيبوه أبلغهم بأنه قد قرر اعفاءهم من الواجب..

اقترب منهم روجيه، تأمل في وجوههم جيداً، ابتسم ملء شدقيه، ثمّ قال:

- أريد أن أعطيكم واجباً، فهذا الواجب هو أحد السبل التي ستعينكم بكل تأكيد على تخطي هذه الدورة الصعبة الشاقة، إن استطعتم من حله طبعاً، وأعدكم أن كل من يتوصل إلى حل السؤال.. أو من يصل إلى طرف الخيط سينجح في هذه الدورة حتى لو لم يساعده تجميعه وجهده على النجاح، وينجح في كل الدورات التي سأعطيها حتى لو لم يكن ناجحاً في الأساس، هذا وعدٌ مني، وأنتم تعرفونني جيداً.

هدوء ما أصاب قاعة المحاضرة، وبدأ كل طالب بالنظر في وجه زميله، مستغربين ما يقوله الدكتور روجيه، متيقنين تماماً أن السؤال سيكون في قمة الصعوبة، سأل أحدهم:

- لا بدّ أنه سؤال صعب ومعقد يا دكتور

- الامر ليس كذلك يا.. لكن الزمن الذي حدثت فيه الجريمة بعيد بعض الشيء

- وفي أي عام حدثت الجريمة

- هذا ليس مهم، الآن سأعطيكم المسألة

وبدأ روجيه برواية المسألة لطلابه وهي عبارة عن قصة حياته، حتى أنه عادها خمسة مرات، وكتبها على السبورة في المرة السادسة.

ولكن بالرغم من كل المحفزات التي أعطاها الدكتور روجيه لتلاميذه من الضباط جيلاً بعد جيل ولمدة خمسة أعوام مضيفاً إليها حافزاً جديداً وهو عبارة عن مكافأة مالية إلا أن أحداً لم يستطع الإجابة على هذا السؤال.

وباقتراب العام السادس الذي يكرر فيه الدكتور روجيه سؤاله على كل جيل، استطاع فرد من الضباط التوصل إلى طرف الإجابة، وبعد أن تأكد الدكتور روجيه من أن الضابط قد أصاب، فقد أوفى له كل ما وعد به.

وبعد أن بحث الدكتور روجيه من هنا ومن هناك، وفتح ملفاً كبيراً للقضية في مكتبه الشخصي، وفي مخيلته، وفي كل لحظة من حياته، استطاع التوصل إلى عشرين رجلاً وثلاثين امرأة، وأن واحد من العشرين رجلاً قد يكون أباه، بينما أن واحدة من الثلاثين امرأة ستكون أمه بكل تأكيد.

استطاع الدكتور روجيه أن يحتال على هذا الجمع، وأن يدعهم يتوجهون إلى المختبرات الطبية بحجة أن الجهات الحكومية تريد منهم نتائج فحوص طبية لأغراض معينة، وبعد أن انتهى العاملون في المختبر وبأمر من الدكتور روجيه من الفحوص والتوصل إلى نتائج الـ DNA أمرهم الدكتور روجيه بفحصه هو الآخر ومقارنه نتيجة الـ DNA الشخصي بنتائجه عند الآخرين.. إلى أن توصل في النهاية إلى أوبويه الحقيقيين بعد 37 عاماً من الحيرة والشك

والغموض.