(4)

10 0 00

(4)

ليلة انتقام

بعد أن تأكد الدكتور روجيه من هوية أبويه الحقيقيين بمراجعة النتائج وتدقيقها وعرضها على أفضل الأطباء المختصين وموظفي المختبرات في البلاد.. قرر أن يستدعي أمه التي تسكن في العاصمة، وأباه الذي يقطن في محافظة تبعد عن مكان إقامة الأم أكثر من 2000 كم.. فكر روجيه أي الطرق أفضل لاستداعئهما، شاور الدكتور طلعت في الامر كثيراً بعد أن حدثه بما جرى، إلى أن توصل إلى النتيجة الأفضل بنظره.

قرر الدكتور روجيه دعوة أبويه إلى حفل طعام بحجة أن الجهات الحكومية تريد تكريمهما، وأرسل إليهما بطاقات دعوة، تلاها تأكيد بالهاتف بأهمية وضرورة الحضور.

كان روجيه قد أمر موظفين يعملون في أفخم مطعم بالعاصمة بإعداد حفل عشاء عظيم في الفيلا التي يمتلكها بالقرب من الجامعة، فأعدوا أجمل وأفخم سفرة طعام رآها روجيه في حياته.. تساءل أحد الموظفين:

- كم عدد الذين سيحضرون إلى الحفل يا دكتور

- اثنان وأنا ثالثهما

- الله أكبر.. ولماذا كل هذا التبذير الذي يكفي ما يزيد على مئة شخص

- افعل ما آمرك به يا فتى ولا تناقش

- حاضر يا سيدي

في الساعة الثامنة مساءا كان الموظفون قد انتهوا من إعداد السفرة العظيمة، وجاء خبر بالهاتف إلى الدكتور روجيه يعلمه بأن الضيوف قد حضروا، فأمر بادخالهم.. دخلوا ورحب بهما ترحيبا عظيما بعد أن أمعن النظر في وجوهيهما جيداً، ثمّ قال للسائق الذي أحضرهم:

- اذهب أنت الأن، لقد انتهت مهمتك

ثم عاد الترحيب بالضيفين (أبيه وأمه) ، كان للزمن دور عظيم في اظهار معالم الكبر والشيخوخة على وجهيهما، مما صعب مهمة تعرف كل منهما على الأخر.. وبعد الترحاب قال الدكتور روجيه:

- نسيت أن أعرفكم على بعضكم الحاج(..) والحاجة (..)

نظر كل منهما في الآخر وابتسم، وما زالت نظرات الاستغراب والغموض من أمر هذه الدعوة المفاجأة تسيطر عليهم، قال الدكتور روجيه ثانية:

- ألم تعرفوا بعضكما

قالت الحاجة:

- لأول مرة أراه

وضع الحاج يده اليمنى على خده، وسرح في تفكيره، لعله يجد في الصور والأشكال التي وضعها الماضي في مخيلته صورة لهذه العجوز الهرمة، لكنه لم يعد يتذكر شيئاً.

اقترب منهما روجيه، وأمرهما بالقيام إلى السفرة التي تنتظرهما، قاما برفقته وبدأوا بتناول الطعام، وبعد الطعام قدم لهما روجيه الحلوى وغيرها من المشروبات الساخنة والباردة، دون أن يتحدث إليهما بأي شيء على الإطلاق.

أوشكت الساعة على الاقتراب من الحادية عشرة، وما زال كلا المدعوين يستغرب أمر هذه الدعوة، تجرأ الحاج وسأل الدكتور روجيه:

- بصراحة يا بك لم نتعرف عليك حتى الآن، ولم نعرف السبب الذي دعوتنا لأجله..

- انا الدكتور روجيه.. أتعرفني يا حاج أتعرفيني يا حاجة

قالوا:

- كيف نعرفك ونحن لأول مرة نراك

صمت الدكتور روجيه، وأشعل سيجارة، وسرح بخياله الى ما مضى من زمان، تذكر نفسه حينما كان طفلاً صغيراً مجهول الهوية، تذكر الأيام والليالي التي كان يقضيها في قهوة أبو علي قاجي، تذكر العجوزين الفاضلين الحاج محمد بك والحاجة مريم، تذكر ليلى التي اختفت ولم يعد يعرف عنها أي شيء، نظر إليهما ثم قال:

- قلتا لي أنكما لم تعرفاني، ألم تعرفا بعضكما على الأقل؟

استغرب كل منهما مما يقوله الدكتور روجيه، وبدأ قلباهما بالنبض، قام الدكتور روجيه من مجلسه، ثمّ قال:

- اتسمعان في قرية يقال لها فيروز في محافظة..

أجابا بمعرفتها، ثمّ سألهما إن كانا قد زاراها فأجابوا بالايجاب ثانية، ثم سألهما إن كانا يذكران قبل كم عام زاراها دون أن يتوصل إلى إجاب.. جلس ثمّ قال:

- أنتما قبل 37 سنة كنتما في مدينة فيروز سوية

قالت الحاجة:

- قبل 37 سنة؟! والله لا أعلم ماذا أكلت على العشاء بالأمس

د.روجيه:

- وأنت يا حاج؟

- الأمر على ما قالت الحاجة

قام الدكتور روجيه من مجلسه، ونظر اليهما بنظرة تحمل من الهم والضيق والحقد والبغض ما عجزت الجمال أن تحمله من بضائع وتسير بها في أرض الصحراء، وما عجزت الصحافة أن تحمله من أخبار وآراء.. قال:

- قبل 37 عاماً كنتما في فيروز وفعلتما هناك جريمة نكراء.. ألا تذكرونها؟

- لا والله يا بك

- وأنت يا حاجة؟

- لا أذكر شيئاً يا ولدي

أصر عليهما، وضايقهما بالحديث إلى أن قال له الحاج:

- أذكر أنني كنت قبل زمن طويل في فيروز لكن لا أعلم كم عدد سنينه، فقد تكون 37 سنة كما قلت.. هناك تعرفت على فتاة سائحة، وأقضيت معها ليلة كاملة مارسنا خلالها الجنس..

- أتذكر ما اسم الفتاة

- نعم (.....)

صرخت الحاجة وقالت:

- لا

أسكتها الدكتور روجيه قائلاً:

- اخرسي، أنت من كنت معه بكل تأكيد

- لا... وهمت بالبكاء

- نحن الدولة ونعرف كل شيء

قال الحاج بعد أن نظر إلى تفاصيل وجهها جيداً، وتذكر كل مكان في جسدها:

- نعم إنها هي يا دكتور إن لم يخب ظني، لقد استغفرت الله على فعلي.. ولكن لماذا تسألنا بعد 37 عاماً؟

صمت الدكتور روجيه، وأمسك الحاجة، وقال لها:

- اتق الله يا حاجة، وقولي كل ما بصدرك..

قالت بعد ان مسحت عينيها الدامعتين:

- نعم يا ولدي، أذكر أنني كنت هناك قبل زمن طويل، وأقضيت في فيروز أيام قليلة كنت قد مارست خلالها الجنس مع رجل لا أعرف من هو، ولست أتذكر إن كان هذا أم غيره..

قال الدكتور روجيه:

- وهل كانت آخر زيارة لك لفيروز؟

- لا بل زرتها بعد ذلك مرة واحدة

خرج الدكتور روجيه بعيداً عنهما، وأخرج من الباكيت آخر سيجارة، ثمّ ضرب باكيت السجائر بقدمه.. وبعد دقائق نزف خلالها دموع تحمل ألم الماضي وهم الحاضر.. عاد من جديد، وقال للحاجة:

- تأكدي تماماً أن هذا الحاج (...) هو الذي مارست معه الجنس في فيروز

- نعم وصمتت

- هل اقتنعت بما قلته يا حاج؟

- بكل تأكيد

قال روجيه بصرخة عظيمة:

- حاجة (...) أين الطفل الذي أنجبتيه من الحاج (...)؟

صرخ الحاج وقال:

- وهل أنجبتي طفلاً؟!.. لا إنه ليس ابني.. مستحيل أن يكون ابني

أجلسه الدكتور روجيه:

- مع الأسف أنه ابنك يا حاج (...) (وأخرج من جيبه بعض الأوراق) أنها نتائج الفحوص يا حاج (...).. لقد انجبت طفلاً هو ابن لك ولما ولدته عادت به إلى فيروز وألقت به تحت أشجار البساتين هناك.. أليس كذلك يا حاجة؟

هزت رأسها موافقة، وغطت في دوامة البكاء.. تبكي وتنوح، إلا أن أفاقها روجيه قائلاً:

- اتبعيني يا حاجة وأنت يا حاج اتبعني

وذهب بهما إلى داخل الفيلا، ثم قالت الحاجة (...):

- بما أنك عرفت كل شيء، أين الفتى الذي أنجبته؟

بكي الدكتور روجيه، لكنه لم يطل، أخذ بعض المناديل وبدأ بمسح الدموع، ثمّ أجاب:

- إنه أنا.. أنا روجيه.... أنا الفتى الذي ولدتيه وألقيتيه تحت أشجار البساتين في فيروز.. أنا ابنك يا حاجة (...) أنا ابنك يا حاج (...) وإن لم تصدقوا فهذه نتائج الفحوص.

لم يستطع كل من الحاج (..) والحاجة (..) تمالك نفسه من الصدمة، لكن روجيه لم يهتم لشيء مما يحدث، أخرج من جيبه سكين حاد، ثم قال لأمه:

- أقتليه إنه إنسان قذر

رفضت.. لكنه أجبرها، وساعدها على التوجه نحوه.. إلى أن طعنته في السكين في بطنه ومات دون مقاومة..

أما روجيه فقد أخذ السكين منها وقال:

- جنس النساء..

اقترب منها ووضع السكين على رقبتها.. بكت وبكت، لكن بكاؤها لم يغفر لها ما اقترفته من ذنب قبل 37 عاماً.. قتلها روجيه وتخلص من الاثنين.. وفرح في النهاية لأنه تعرف على أبويه الحقيقيين.

ويذكر روجيه في مذكراته، أنه قرر قتل أمه بيده، لأن جنس النساء جنس كيد وفتنة، ولأن أمه هي التي ولدته وألقت به تحت أشجار البساتين.. ولو عرف أباه لكان قد تغير الأمر..