الفصل الأول
نغم الحرية
تلبّدت السماء بالغيوم السوداء. يهطل المطر بغزارة وبدون انقطاع. يغطي الضباب قمم جبل سيدي (امحمد وعلي) الذي يعلو بثلاث مائة متر هذه الروابي الغابية، المطلّة على سواحل البحر. بلغ فصل الشتاء ذروته، والجوّ مريع لا يرحم. لم ينته بعد أغلبية الفلاحين من الحرث والزرع، وستؤخرهم هذه الأمطار لعدّة أسابيع.
مازالت نيران الحرب مشتعلة، بل هي في أشدّ اضطرامها. وليست رداءة الطقس هي التي تؤخّر المجاهدين، أو تمنعهم من الاستمرار في الكفاح لتحرير الأرض. ومع ذلك، يبقى موسم الصيف هو الذي لا يتطلّب من هؤلاء أية نفقة قي سبيل الاقتيات. إنّه يوفّر لهم من الفواكه البرية والأعشاب ما يكفيهم، زيادة على القليل الذي يجلبونه من قاطني هذه الجبال النائية، وهم أيضا يعيشون في فقر مدقع. فيسهل عليهم التنقّل عبر الروابي والأودية، تحت القيظ، ودونما حاجة إلى ملابس صوفية وأغطية تحميهم من البرد القارس. الأوضاع تختلف كثيرا في المواسم الباردة من السنة. البرد يجلد الأجساد النحيفة، غير المحمية جيدا بألبسة شتوية. والثلوج عادة ما تغطّي الجبال والتلال. تنعدم الاحتياجات الضرورية للمقاومة ضد الطبيعة القاسية والاستعمار الغاشم، سواء لدى المجاهدين، أو لدى السكّان العاديّين. الألبسة قليلة، قديمة، مرقّعة، بالكاد تستر الأجساد.
سقوف " القرابى" الواطئة مغطاة بالدِّيس وحيطانها مطلية بالطين المختلط بالروث والتبن. تتناثر على سفوح التلال وعلى ضفاف السواقي والدروب الترابية الموحلة. عندما يسقط المطر، تسيل قطراته عبر سيقان الدّيس وتبلّل نقاطا كثيرة داخل الأكواخ. تعلّم الناس، من طول احتكاكهم بالطبيعة القاسية، كيف يحمون أنفسهم من رداءة الطقس، وتقلباته المفاجئة. يرعى رعاة الماشية قطعانهم بأرجل حافية، تحت الوابل السيلي في فيضانات الأودية الملتوية بين الروابي، والأدغال الشائكة. أغلبيتهم من الصبيان أو الشيوخ الذين لا يقدرون على العمل كالحصاد والحرث، أو العمل الموسمي لدى المعمرين في السواحل وسهول متيجة، أو لا يستطيعون الالتحاق بالمجاهدين في أعالي الجبال. ثيابهم رثّة وأجسادهم أنهكها كثرة المشي خلف الماشية وقلة التغذية. يخرجون في الصباح الباكر قبل انبلاج الفجر، وقد لا يعثرون حتى على رغيف خبز وقهوة، ويقضون اليوم كله بين الروابي والوديان، ولا يعودون إلا في المساء مع غروب الشمس، وهم محظوظون إنْ وجدوا في البيت قليلا من خبز الشعير أو كسرة المطلوع مع كوب من البَن أو الرايب.
في هذا اليوم من أيام فصل الشتاء، تحت وابل سيلي، ورياح هوجاء باردة، تعصف من الشمال، في هذه الروابي الغضارية الموحلة، يركب رجل حماره، وينحدر عبر درب وعر، تتبعه امرأتان بخطوات سريعة، ملحفتين بلحافين أبيضين، وتحاولان الالتحاق بسير الحمار في صعوبة فائقة. ثيابهما مبللة والأرجل تفرقع في الوحل الدابق عبر الدرب الجبلي الملتوي. يمشي الحمار بحوافره الملوثة بالطين المختلط بالسرجين، متمايلا تحت ضغط الرجل والضربات التي يتلقاها، تنهال على ظهره دون هوادة. تبقى آثار الحمار والمرأتين ماثلة في التراب، مشكلة حفرة صغيرة سرعان ما تمتلئ بماء المطر المتهاطل. بدأت قشابية الرجل تثقل على كتفيه الضعيفين من جرّاء تبلّلها. يسيل الماء جارا معه الطين والأحجار الصغيرة، ويسوقها إلى السواقي الضيقة التي يتجمّع فيها الماء الكدر. لو عدنا إلى الوراء بساعة واحدة، مع انبلاج الفجر، لرأينا أنّ السماء لم تكن بهذا السواد الكئيب. تتخللها غيوم رمادية متناثرة، لكن الشيخ لم يرَ فيها خطورة تعيق السفر المبرمج منذ أيام، والذي يتمثل في الذهاب إلى المعتقل القريب من مدينة مناصر لزيارة ابنه عبد القادر المسجون منذ أسابيع عدّة.
عندما طفق المطر يرمي برذاذه الخفيف، كانت الجماعة الصغيرة، الشيخ بولمحايَن، زوجته وزوجة ابنه المعتقَل، في نصف الطريق. ولم تخطر بباله مسألة العودة إطلاقا، إذ أنّ الثلاثة صمّموا على رؤية السجين، مهما كلفتم الظروف المناخية القاسية وصعوبة التضاريس الجبلية. بعد قليل، سيصلون إلى المرابط سيدي (امْحَمد وَعْلي)، وهناك يستريحون بعض الوقت ريثما يصحو الجوّ.
في نهاية الصيف الماضي، وقع اشتباك بين المجاهدين والجيش الاستعماري في ليلة دامسة. نصّب المجاهدون كمينا لشاحنات العساكر المتوجّهة نحو أعالي الجبال، فحطموا المركبات وقتلوا وجرحوا العديد من الجنود، قبل أنْ ينسحبوا عائدين إلى مراكزهم في مغارات جبلية يستحيل لأية مركبة عسكرية الوصول إليها. ولتهيئة مكان تنصيب الكمين، قام رجال متطوعون من سكان المنطقة بحفر سواقي عرض الطريق لإجبار الشاحنات على التوقف، في منعطف طويل تحيطه غابة كثيفة الأشجار والأحراش، تسمح للمجاهدين باختباء. وكان عبد القادر ضمن مجموعة المدنيّين الذين أفسدوا الطريق بالفؤوس والمجارف. استغرقت العملية ساعات من الليل الشتوي المظلم. وقبل بزوغ الفجر، عاد المتطوعون إلى منازلهم، يترقّبون انطلاق الرصاص المُعلن عن بداية الهجوم. فعلا، وقبل أنْ تشرق الشمس، شقّت الشاحنات العسكرية الفرنسية ذلك الطريق الترابي المحاذي للوادي، بغرض نقل جنودها إلى الأعالي لتمشيط التلال والروابي، بحثا عن "الفلاقة" مثلما يقولون. بعد أيام، عاد العساكر برفقة الدركيين وبعض أعوانهم العرب وقاموا بعملية اعتقال واسعة للرجال. ساقوهم إلى سجون مجهولة. وبقي أقاربهم في حيرة يتساءلون عن مصائرهم. فكثرت الشائعات التي أذاعت قتل الكثير منهم.
ولم يتمكن الأب العجوز من معرفة مكان اعتقال ابنه إلا بعد أزيد من ثلاثة أشهر بفضل سجين أطلق سراحه، وأكّد أنّ عبد القادر موجود في محتشدٍ بقرب قرية "مارْصو"، وأنّ بإمكانه زيارته. اعتقل عند نهاية الحصاد ولم يظهر خبر عنه إلا عند استقرار موسم الشتاء المثلج. ظنّ أنّ العساكر قتلوه وردَموا جثته في حفرة جماعية مجهولة مثلما يفعلون عادة. بحث عنه في المحتشدات والثكنات والسجون المختلفة، ولكن لا أحد دلّه عليه. فَقَد الأمل مرارا واعتراه اليأس الكلي، خاصة عندما ينزل عليه خبر موت سجين من المنطقة، أو اختفائه منذ شهور دون أدنى خبر عن مكان اعتقاله.
أخيرا، نزل عليه الخبر السار. وها هو اليوم يركب حماره الوفي، متبوعا بزوجته وزوجة ابنه السجين، مصمما على الوصول إلى المحتشد ورؤية ابنه.
تحت الأمطار العاصفة، ينحدر يقترب الثلاثي من الوادي. تحرص المرأتان على تتبّع الأماكن الحجرية التي ينقص فيها الزلج. الحمار أيضا، يتثبّت مع الدرب المنحدر بحوافره الملوّثة بالطين في صعوبة فائقة. كانت خطوات المرأتين بطيئة، وعلى سحنتي وجهيهما تجهّم وحزن وضجر. تشدّان طرف لحافيهما بيد، حفاظا على بياضه ووقاية له من الوحل المتطاير. وباليد الأخرى، تتكئ العجوز على عصا التقطتها في الطريق، فيما كانت الزوجة الشابّة تحمل حذاءها الملوّث بالوحل وتمشي حافية القدمين، ما يمكنها من إسراع خطاها، وتفادي الانزلاق والسقوط على الأرض الموحلة. تتكئ العجوز على العصا بحذر وعناية، متأكّدة دائما أن العصا انغرست في الأرض، ثابتة قبل أن تطلق وزنها عليها.
يسير الجميع ببطء، دون أن يتلفظ أحدهم بكلمة. وحده صريف الأمطار المتساقطة وصفير الرياح بزمهريرها المتواصل، يكسّر الصمت المخيّم. في نهاية المنحدر اعترضهم وادٍ، مياهه هائجة، تتدحرج في دويّ يزيد الأجساد روعا وارتعاشا. نزل الرجل من حماره محرّكا رأسه في غيظ. نظر إلى المرأتين بعينين مبلّلتين بالماء، وقال بصوت خافت:
- سنبحث عن مكان ملائم للعبور... هيا أتبعاني...
استأنف سيره نحو الجنوب، ماسكًا حماره من اللجام، محاذيا ضفّة الوادي. توقّف مرارا يحدّق في الماء الهائج، ويتقصى الأمكنة التي تسمح له بالعبور دون مشقّة. أخيرا، بعد قطع مسافة تزيد عن المائة مترا، استقرّ رأيه نهائيا على منبسط حجري. نزع حذاءه، شمّر عن ساقيه إلى غاية الركبتين، وأومأ إلى زوجته بالاقتراب. فساعدها على الركوب فوق الحمار، ثم أخذ اللجام ودخل في الماء البارد، ضاغطا على الأسنان القليلة الباقية. شدّ على اللجام بيده اليمنى، وسبق ساحبا رجليه في المياه الكَدِرة. يهطل المطر بغزارة دون انقطاء والعجوز على ظهر الحمار تحافظ على توازنها. هدير الماء مخيف، تتدفّق بسرعة مزعجة وتجر معها النباتات الشائكة التي اقتلعتها بقوتها، وأغصان الأشجار التي وجدت في الوادي قبل نزول الأمطار. يصل الماء إلى ركبتي الرجل المسنّ الذي يجرجر رجليه مع القاع، يحاول إثباتها ضدّ قوة المجرى.
يتبع الحمار خائفا من الهدير الذي يدوّي دويّا مضجرا ومخيفا، ومن فوقه الزوجة التي استسلمت للدعاء، تطلب الذود من الله والأولياء الصالحين. المسافة ليست طويلة. في دقائق معدودة، كان الركب في الضفة الأخرى. عاد الرجل ليحمل زوجة ابنه على ظهر الحمار، وهذه المرة يشدّ اللجام باليمنى وحذاءه باليسرى. احمرّ وجهه من شدّ البرد، وارتعش جسمه تحت الثياب المبلّلة. كادت رجلاه النحيفتان أن تفشلا في نصف الطريق لولا أنّه جمع قوته في قدرة جبّارة، يحافظ بها على بقاء الحركة تسري في عضلاته. تابع السير بتأنّ. وما هي إلا دقائق أخرى حتى وجد نفسه في آمان الضفّة المقابلة، ينتعل حذاءيه بيدَين مرتجفتين. ركب على ظهر الحمار بصعوبة واستأنف السير متبوعا بالمرأتين عبر الدروب الملتوية، الصاعدة هذه المرة، صعدوا وعرا، زلقا. بعد مدّة وجيزة، وصلوا إلى قمة تلّ صغيرة، ولكنها تشرف على منظر طبيعي ذو جمال ضجر. هناك، في الريف المترامي،على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات، في سفح جبل سيدي (امحمد واعلي)، يقع كوخ امرأة هرمة، وكيلة الولي الصالح، ابنة السبعين من العمر. ينتصب ضريح المرابط، على مسافة قصيرة من منزل العجوز المكلفة بالسهر على تنظيف الضريح واستقبال زواره، في وسط أشجار السرو والصنوبر. جدرانه بيضاء ناصعة، تتراءى للزائر من بعيد.
بعد جهود كبيرة وآلام مضنية، دائما تحت الوابل السيلي، وبعد الدَوس والمشي والفرقعة في الوحل الدابق، وصل الركب إلى المرابط. كانت المرأة الهرمة تنتظرهم عند عتبة الكوخ. فهي دائمة الترقب والانتظار. ربط الجد حماره في زريبة الحيوانات، بداخله أتان الوكيلة ومعزة مع جديها. لم تكن هذه الديار غريبة عن عائلة بولمحاين. لقد قاموا بزيارتها مرات عديدة، بمناسبة وبدونها. تنبعث من الكوخ رائحة نتنة، رائحة الزبل والروث والسرجين. يقطر الماء من السقف، ويختلط بهذه البقايا ليكون عجينا قذرا، ذا رائحة مقرفة. لا وجود لحشائش مفروشة على الرضية المبللة، تنام علينا الحيوانات. فقط بعض القضبان اليابسة متفرقة هنا وهناك، ومختلطة بالأوحال. ربط الجدّ حماره من اللجام إلى ضلع في الوسط ليساعد متانة السقف، وعاد منتحيا بيت الوكيلة وهو يتنفس الصعداء ويتلذّذ بالتفكير في الدفء الذي سيخلّصه من البرد الذي نهش جسده. في تسرّعه، تحت المطر الغزير، كاد يسقط على الأرض لولا تشبّثه بعمود من أعمدة السقف المطلّة إلى الخارج. ولج البيت منحنيا، لقصر الباب. كانت النساء الثلاث يحطن بالموقد الذي تنطلق منه حرارة شهباء، والأيدي الستّ فوقه تتدفأ، ليعود سيل الدم فوقها عاديا. علّقت اللحاف على عارضة أفقية والماء يقطر منها.
سلم الجدّ وجلس قرب الموقد. كان يرتعش من البرد. أزال عنه القشابية الثقيلة، المبلّلة، ووضعها فوق كوم من الحطب اليابس وراء الباب قرب سرير خشبي. يخلو الكوخ من أيّة نافذة أو كُوّة ، لكي ينسكب النور إليه من الخارج. الغرفة مظلمة، باستثناء نور خافت ينبثق من جمر الموقد الذي اكتسى بلون مذهّب شاحب. ترتدي الوكيلة ثيابا قديمة، رثّة، لا لون لها. إنّها لتجلب الشفقة في تلك الحالة. وهي تشكو من أوجاع في جسدها منذ شهور، ولم تنفع الأعشاب التي تداوت بها للتخفيف من الألم.
لكن وراء ذلك الهيكل النحيل، وتلك القسمات الجافة، يختفي لطف ليس له نظير، وعرفان بالجميل لا يوجد إلا لدى القلة القليلة من الناس الذين أصابهم الشقاء في رؤوسهم وليس في بطونهم . في هذا الكوخ الحقير، تستقبل الجميع بصدر رحب، سواء كانوا زوارا أم عابري سبيل. إنّ الذي يصل إليها في المساء مع غروب الشمس، أو في بداية الليل، تلحّ عليه إلحاحا شديدا ليقضي ليلته في المرابط، وتعطي له غذاءها الوحيد الموجود، حتى ولو بقيت بدون أكل. لكن سكّان المنطقة لا يجهلون وضعها البائس، لذلك، فهم يتصدقون عليها دائما بما جادت عليهم الطبيعة من قمح وشعير وبقول وأغطية وألبسة، بل وحتى بقليل من العلف لحيواناتها في أيام الشتاء القاسية. فتدخِّر الوكيلة كلّ هذه الخيرات إلى أيّام الشتاء حيث تقتات منها هي ومن أوصله الطريق إليها في الأيام الباردة والمُثْلِجة، وما أكثرها في فصل الخريف والشتاء. يقام "نوال" هذا الوليّ في الصيف بعد إتمام الحصاد والدرس. يأتيه الزوار من كل حدب وصوب، يمرحون لمدة يومين ثم يعودون إلى مغاورهم، سعداء لتلبية نداء وليّهم المفضّل لدى الله والرسول والصالحين.
كانت لالّة مَنّون لطيفة وسخية. لا تغضب على أحد مهما أحسّت بغلظة المعاملة. لم يعد أحد يذكر متى استقرت في هذه المرابط، وتتفانى في خدمته. حسبما تحكي لزوارها، كانت تسكن في قرية صغيرة في السواحل بين مدينتي الداموس وتنّس. هي امرأة عاقر، لم يرزقها الله بذرية، برغم تعدّد أزواجها. زارَت من الأولياء الصالحين ما سمحت لها ظروفها الشاقة أن تزور، واستشارت كل الدراويش الذين تعرفهم أو سمعت عن وجودهم، فلم يفلح لها في نتيجة. كما شربت من عصير الأعشاب حتى أصبحت لا تتذوّق أيّ شراب آخر. أنفقَت على كل هذه الأنواع من العلاج القليل الذي تملكه. في "نوال" أحد المرابطين، الواقعين على السواحل، أين جرت العادة أن يغطسوا في ماء البحر المرأة العاقر كي يخصبها. يقضي جمهور الزوّار ليلتهم في ديار المرابط الواقعة فوق صخرة تطل على شاطئ رملي. وفي الصباح الباكر، قبل انبلاج الفجر، يغطسون العاقر مرات عديدة داخل المياه، في جوّ من الابتهال والمدائح. في سنة من السنوات البعيدة، قبل حرب الألمان، حسبما تذكر العجوز، وهي في الثلاثين من العمر، وتحت إلحاح قريباتها وجاراتها، وافقت على تجريب ذلك العلاج الوثني القديم. كان الفصل خريفا، والجو بارد، ومياء البحر هائجة وباردة، فغطسوها داخلها، سبع مرات مثلما تقتضي العادة. طبعا لم يتمكن جسدها من المقاومة. في ذلك اليوم، بعد العودة على منزلها، أصيبت بحمى عاصفة ألزمتها الفراش لأسابيع. ومن ذلك اليوم أصبح جسدها يشكو من أوجاع لا حدّ لها. زارت عدة أولياء ودراويش تبحث عن الشفاء، وكتبت تمائم عند طلبة القرآن، أخلطتها بزيت الزيتون والزعتر، وشربت عصيرها، كما أشير عليها، وعلّقت القطعة مجففة في عنقها لمدّة طويلة حتى تمزّقت. ولكنها لم تَشفَ. كانت الأوجاع تخف في فصل الصّيف حيث الجوّ السّاخن والطقس المشمس. في فصل الشتاء، مع العواصف الثلجية، وبسبب عدم وجود الملابس والأغطية الكافية، تستنجد بسلاحها الوحيد، الموقد الفحمي الذي يساعدها على احتمال مرضها المؤلم. مع مرور الزمن، استأنست وتعاطفت مع مرضها حتى أصبحت تعايشه بعفوية كأنه أصبح جزءا من كيانها. استسلمت للأمر الواقع، واعتبرته عقوبة من الله لذنب ارتكبته في يوم ما. هو ذا نصيبها من الحياة. عادة ما تبحث في ذاكرتها عبر ماضيها، عن هذا الذنب المرتكب، لكنها لم تعثر على شيء يذكر.
عاشت كل حياتها فقيرة، خادمة، داخل المنزل وخارجه. عرفت ثلاثة رجال، عاملوها بقسوة، خاصة بعد اكتشاف عقرها. لم تتذكّر يوما سعيدا عاشته، سواء عندما كانت عند أبويها، أو حينما صارت زوجة. بعد طلاقها الثاني تزوّجت شيخا هرما، غريبا عن قريتها، فرحلت إلى هذا المكان، في سفح جبل سيدي (امحمد وعلي)، هروبا من شماتة أقربائها، وقطنت مع زوجها. لم يمكث طويلا على قيد الحياة. وافته المنية في ليلة مثلجة. لم تكن تعرف قريبا، لذا دفنته مع زوار للوليّ، وُجِدوا صدفة. ومن ذلك اليوم، بقيت وحدها، مستأنسة بمرضها الذي عاهدها على أن لا يفارقها حتى تقضي نحبها.
توقفت الأمطار عن الهطول، صفا الجوّ قليلا وتفرّقت الغيوم. ظهرت لطخات صفاء وسط السماء الملبّدة بالغيوم السوداء. خرج الجد من الكوخ، استنشق الهواء البارد النقيّ. لبس قشابيته، ذهب إلى كوخ الحيوانات، حلّ رباط الحمار، ربطه من رجليه الأماميتين، نزع عنه الصرِّيمة وتركه يرعى الحشيش الأخضر المبلّل والتبن المتبقّى من الحصاد. اتّجه الجميع إلى المرابط لزيارة الضريح. غرفة واسعة ولكنها مظلمة، مبنية بالأحجار وسقف من القرميد الأحمر المستطيل، ذلك هو البيت الذي يحتوي ضريح سيدي (امحمد وعلي)، منزل يتعالى بفخامته على الأكواخ الحقيرة المترامية حوله ويتحدّاها تحت التقلّبات الجوية المختلفة. نزعوا أحذيتهم على عتبة الباب وولجوا داخل البيت. على اليمين ضريح كبير، مغطّى بأبهى أنواع الأقمشة الحريرية الملوّنة بألوان كثيرة مختلفة من الأحمر القاني والأسود الحالك والأبيض الناصع والأصفر الفاقع والبنّي والرمادي والأزرق. لا يأتي زائر إلا ومعه قطعة حرير أو نسيج من الجوخ. يتطرّف الضريح هلالان، لونهما أبيض. الأول عند رأس الميت والثاني عند رجليه، وتحيط بهما الأقمشة وتتهدل لتغطي الأرضية الترابية الملساء. في ركن منزوٍ حفرة صغيرة مملوءة ببقايا الشمع. في الجانب الآخر من الغرفة، حصيرة مفروشة لاستراحة الزوار ولأداء صلواتهم. تقدّم الجدّ وقبّل الضريح بشفتيه، تناول قطعة من القماش الحريري ومسح بها وجهه مقبّلا إياها، متمتما بكلمات وعبارات، طالبا الرحمة والمغفرة والنجاة لابنه، من الله وأوليائه الصالحين: "يا سيدي امحمد وعلي، تقبل زيارتنا ودعوتنا واستجب لنا، فنحن عبادك الذين لن ننساك حتى الموت...".
وتبعته النساء الثلاث، يقبّلن الضريح، مدمدمات بدعوات طويلة متيقّنات بأن الوليّ الصالح سيستجيب لدعائهن، وأنه في الاستماع . جلس الجميع على الحصيرة، مُسندين ظهورهم إلى الحائط، يتأملون الضريح وعيونهم تلمع بالرحمة والشفقة والأمل. نهضت زوجة عبد القادر، حلّت وشاحها من رقبتها وعقدته حول أحد الهلالين، متأملة بصمت، تتمتم بعض الدعوات.
بعد حوالي ربع ساعة، رجعوا إلى كوخ الوكيلة فرحين، تغمرهم نشوة روحية لا حدّ لها، كأنهم تخلصوا من غمّ كان يثقل كاهلهم.
القهوة تغلي فوق الموقد، في كوز قديم. جلست الوكيلة توقد الجمر بمروحة من الدوم اليابس. بعد لحظات، رفعت الإبريق القديم الأزرق من فوق الجمر ووضعته على الأرض. نهضت بخطى ثقيلة وتوجّهت نحو صندوق خشبي، فتحته وأخرجت منه فناجين صغيرة وعادت تفرغ فيها القهوة لضيوفها، وهي ما فتئت تتكلم بهدوء ولطف، عن همومها اليومية الصغيرة. يوحي كلامها بالحنان والطمأنينة لدى سامعيها. كانت تصمت بين الفينة والأخرى وتنظر إلى وجوه ضيوفها، كما لو أنها تزن كل كلمة تتلفّظ بها، أو تتأكّد أن مستمعيها لم يسأموا من ثرثرتها.
- لو تصعدون إلى الأعلى، إلى قمّة الجبل، ستشاهدون المكان الذي مات فيه سيدي امْحَمد وَعْلي... مكان مقدّس، لا تدوسه الأرجل...
تعرف جيّدا الطريق المؤدي إلى قمة الجبل. أي طريق ؟ أثار ودروب ضيقة، صنعتها الماعز والحيوانات البرية التي تعيش بين الخمِّيلة المحيطة بمنحدر الجبل. فلا يمكن الوصول إلى القمة إلا في الفصول الساخنة والمعتدلة، لأنها تتغَطّى بالثلوج في الشتاء، وذلك بعد عناء شاق وطويل من الالتواءات بين أشجار الصنوبر والأدغال الشائكة والصخور الضخمة. وتلتف الدروب أكثر من مرّة حول الجبل، خاصة عند الاقتراب من الذروة. مع مرور الزمن وتكرار قطع المسافة، حفظت الوكيلة طبيعة الدروب الملتوية وألفت تضاريسها. فبرغم عمرها المتقدّم، لا تزال تملك القوة والصبر اللذين يوصلانها إلى الشرفة المستطيلة التي تتربّع وسط الغيوم. تنطق الكلمات ذات المدلول العميق، وعيناها هائمتان في الفضاء، في جوّ من الحلم والرضا والجذل. بين الحين والآخر، تتمتم بدعوات، تتوسّل المغفرة والرحمة، لها وللبشر أجمعين، ويداها لم تنقطعا عن تضريم الجمر بمروحتها.
- مات وحده هو مع الله العلي العظيم... يا له من موت صافٍ، ملائكي.
حدّقتها زوجة بولمحايَن بنظرة، ملؤها الأمل والشفقة، ثمّ قالت بصوت منخفض كأنّها خافت من كلماتها:
- إنه من الصالحين... اختاره الله ليكون في الجنة...
حرّكت شفتيها لتنبس بكلمات أخرى، لكنّها لم تفعل. ابتدرها الزوج بصوته الأجشّ، يملأ الغرفة، ليوقظها من صمتها الموحش، كأن حديث المرأتين - المرأة الشابة لم تنبس بكلمة واحدة - لم يتجاوز الحلقة الصغيرة حول الموقد:
- نعم ... هو الآن في الجنّة ينعم بخيراتها...
سكت مليّا ثم استأنف:
- لكنّنا بقينا نحن، نشقى في هذه الدنيا التعيسة التي لا ترحم... لا نكاد نرى طيف السعادة حتى في الأحلام التي لا تأتينا إلا كوابيس، تضاعف من شقائنا الذي لا نُحسَد عليه.
قالها في صوت جافّ، يطغى عليه الاستياء والقلق والضجر. تنفّس الصعداء، ثم نهض مُتكئا بيده اليمنى على الأرض المجمّدة. وقف متأملا الجوّ في الخارج عبر الباب المفتوح، ثم أشار بيده ناحية المرابط قائلا:
هيّا بنا... حان وقْت استئناف السفر... انقشع الضبابّ بعض الشيء... ويبدو أنّ المطر قد توقّف عن السقوط لوقت طويل. هيّا بنا نمشي قبل أنْ ينقلب الجوّ... هذا زمن شتاء، ولا نعرف له موقفا ثابتا.
افترقوا عن الوكيلة بسلام حارّ وكلمات رقيقة وتمني باللقاء قريبا. كلمات عادية تردّدت على الأفواه، كلمات تحدّت السخط والاستسلام والشقاء. رافقتهم الوكيلة الوحيدة، إلى خلف الديار، في المكان المطل على أفق شاسع، وودعتهم بعينيها الهائمتين، السابحتين في الفضاء اللامتناهي. تسمّرت في مكانها، واقفة، تنظر إليهم، إلى أنْ التَهمتهم خميلة من الزيتون.
مكثَت هناك متأملة، تحدّق في المناظر المترامية أمامها، وفي اللاشيء، مطلقة العنان لأحلامها التي لا منتهى لها ولا أطراف.
مكثت هناك مستأنسة بوحدتها ومرضها اللذين تلسع منهما القوة والأمل لكي تعيش حياتها الشقية التي لا تختلف عن باقي سكان هذه الجبال الغضارية.