الفصل الثاني

10 0 00

الفصل الثاني

يقع محتشد المعتقلين على غرب قرية "مارصو" بحوالي كيلومترين. إنّه عبارة عن بنايات أرضية، مصنوعة من الألواح وصفائح الزنك. البيوت واطئة وسقوفها رمادية اللون. أسلاك حديدية، شائكة، تحيط كامل أطراف المحتشد. يقوم العساكر بحراسة السجناء الذين يتجاوز عددهم المائة. أمام الباب الرئيسي، يقف جنديان باستمرار، يترقبان دخول وخروج الشاحنات والأشخاص. ويتخَندَق حارس ثالث داخل مَرقَب، يعلو قليلا فوق البنايات، يمكّنه من الرؤية على مسافة بعيدة عن المحتشد، بين الأشجار الباسقة والروابي المرتفعة. في الليل، يستعين الحراس بمصباح كبير لإضاءة المدخل. في النهار، بداخل المعتقل، يطوف العساكر دون توقف، يسيئون معاملة السجناء لأبسط الأفعال، يرافقون أوامرهم بالصراخ والشتم والسخط، غير مبالين بوقعها على نفسية السجناء الذين يتحملون تلك الإهانات وهم يكتمون غيظا دفينا، قد ينفجر في ردّات فعل فردية، غير متزنة. الزنازن متفرّقة ولكنها تخضع لترتيب عمراني مدروس، يمكّن العساكر من التدخل السريع والتحكم في الوضع في حالة حدوث أي تمرّد، وهو فعل محتمل في ظروف الحرب الدائرة. ينام عشرة سجناء في كل غرفة، على الأرض الباردة بدون أسِرّة . يتلقّى كل سجين عند الزجّ به أوّل يوم بطانية واحدة تستخدم كفراش وغطاء في آنٍ واحد. أرضية الغرفة مبلّطة بالإسمنت، تتخلّله حفرات صغيرة أحدثتها قطرات المطر المتسرّبة من السقف.

"الويل لمن يريد أن يلعب دور الأبطال ! فبنادقنا لا تخطئ هدفها"، إنها العبارة التي يحلو لذلك السرجان الأشقر ترديدها في كل مناسبة، لتخويف السجناء وثنيهم عن القيام بأية حركة تمرّد. يخفض السجناء رؤوسهم، يتبادلون النظرات الساخطة، وألسنتهم تلوك في صمت عبارات التذمّر والوعيد بالثأر عند أول فرصة سانحة.

‏أطلّ المركب الصغير على المحتشد. توقّف الجدّ هنيهة، ترجّل عن حماره، أمسك اللجام واستأنف السير بخطوات وئيدة متردّدة وهو يدعو الله في قرار نفسه أن لا ينهره الحراس ويسمحون له برؤية ابنه. سارع أحد الحارسين إلى توجيه بندقيته باتجاه القادمين، فيما أومأ إليهم الثاني بالاقتراب، وعلى وجهه علامات الاستياء والازدراء. إنهما على علم بهدف الزيارة. فلا يمرّ يوم دون أن تأتي عائلة تطلب رؤية قريب لها مسجون بداخل المحتشد.

- ماذا تريد منّا، أيها الراعي؟

‏تلفّظ بها الحارس الثاني، ذو الأنف الأفطس، وغرق في ضحك مضجر، وعيناه تلمعان وتحدقان في المرأتين، كأ‏نما يريد أن يستشفّ ما وراء اللحاف من هيئة ولون. تلقّف الجدّ هذا الكلام الأجشّ باللغة الفرنسية، ولم يعرف كيف يجيب، ولا حتى كيف يتّخذ موقفا واضحا. لا يفهم الفرنسية، ولكنه ‌أدرك ماذا يريد منه الحارس. تردّد، نظر نحو الرتاج بنظرة مختلسة، تقدّم بخطوات أخرى، فيما بقيت المرأتان جامدين في مكان توقفهما، بإزاء الحمار. ما عساه يقول سوى ذكر اسم ابنه؟ بعد ذلك، استجمع قواه وقال بصوت لا يكاد يخرج من حلقه:

- كرّوش عبد القادر...

- ارفَع صوتك... هل فقدت لسانك؟ لم نسمع شيئا... وإلا عد من حيث أتيت...

‏وغرق الاثنان في ضحك متقطّع، مترنحين كالثملين. أحسّ الجد بغليان من الاشمئزاز والاستياء يفور بداخله... لم يجب مباشرة. طأطأ رأسه ونظر إلى التراب المبلل كما لو أنه أراد إخفاء الضجر اللامع في عينيه.

‏- تكلّم بسرعة، ليس لدينا الوقت الفارغ لنقضيه معك، أيّها العجوز...

صوت غليظ رنّ في أذنيه كالصاعقة وزاده اشمئزازا مختلطا بالخوف من العواقب. تلفّظ بصَوت أكثر ارتفاعا من الوهلة الأولى، وشفتاه ترتعشان من الخوف والغضب معا:

- كرّوش عبد القادر....

‏ردّد أحد الحارسين الاسم بلهجة جافة، حتى كا‏د يشوّهه. حرّك الجدّ رأسه ببطء، مشيرا بأن نعم. ثم التفت إلى المرأتين اللتين لم تتحركا منذ بداية الحديث. كانتا ترتجفان وتدعوان دعوات خفية مع نفسيهما تارة، وتشتمان العساكر تارة ثانية. كانت زوجة عبد القادر السجين، هي الأكثر خوفا واضطرابا وشوقا لرؤية زوجها الذي لم تعش معه إلا أسابيع قليلة فقط، إذ زوّجوها به في منتصف الصيف، بعد إتمام الحصاد وجمع الغلّة ودرسها وجمعها في أكياس وتخزينها. مضَت حفلة الزفاف في ضجيج العرس ورجفات التجربة الحياتية الجديدة، وتبخّرت سعادتها مع نهاية الصيف مباشرة. تتابعت الأحداث ولم تدرك العروس الحديثة العهد بحياتها الزوجية حتى وجدت نفسها وحيدة لا تعرف عن مصير زوجها شيئا. لقد اعتقل في مقر عمله في إحدى مزارع المعمّرين، هناك في حوش "كازو"، وزجّوا به في السجن مع مجموعة من العمال الزراعيين، دون أن يخبرهم أحد بمكان اعتقالهم.

اختفى عسكريّ بضع دقائق ثم رجع ونادى عليهم، مشيرا إليهم بذراعه بأن يدخلوا. قادهم إلى غرفة واسعة، فارغة، وأمرهم بالانتظار. كانت عيونهم تتلهّف بالنظر إلى جميع الجهات لعلها ترى شيئا يسرّها.

وقفوا بقرب الباب صامتين، يتبادلون النظرات الحائرة، ولكنها مليئة بالأمل. إنّ الإتيان بهم إلى هذه الغرفة يعني أنّ السجين سيظهر بين الفينة والأخرى. فعلا، لم تمر لحظات إلا وعبد القادر يباغتهم بالمجيء، مسبوقا بعسكري مسلّح.

‏توقّف الغائب مبهوتا، ينقل بصره من شخص إلى آخر. ابتسم ابتسامة بهجة وحبور، ثم تقدّم نحوهم مسرعا، فاتحا ذراعيه. تعانقوا بحبّ وشوق. يا لها من غيبة طويلة. حدّقت الأمّ بحنان في وجه ابنها والزوجة بشوق وارتباك في عينيّ بعلها. كان عبد القادر يبدو ضعيفا ونحيل الوجه، بلحية أيام عديدة، بشفتين مورّمتين من كثرة الصقيع. امتلأ ثغره المبتسم بالفرح والاطمئنان على مصيره. تلمّست أمّه يديه تداعبهما بلطف. لاحظت زوجته أنّ شعره الأسود الأشعث الفحمي متّسخ، بل وعليه لطخات من الطين اليابس.

لم تتفوّه الزوجة اليافعة بكلمة. تصلّبت واقفة، تبتسم بحياء وتحملق في وجهه، وهي تحاول استرجاع خلوتهما في الليالي الملاح التي قضتها معه. يا لها من لحظات سعيدة مملوءة بالحبّ والهوى الأهوج واللهاث المتواصل في الظلام الدامس. غمرها اضطراب خافت ونشوة راجفة، فامتنعت عن النطق. حاولت عدة مرات أن تقول شيئا في هذا الموقف المؤثّر، لكنها لم تفلح . تصل الأصوات إلى الحلق وتنطفئ قبل وصولها إلى الشفتين، كأنّ حاجزا ما يملأ الفم، ويقمع كل كلمة تريد الانفلات، فيردّها إلى قبرها قبل أن ترى نور الوجود. عبارات عادية تتردّد: " كيف حالك ؟ وحال العائلة ؟ ... لا باس ... نشكر الله عزّ وجلّ عن نعمته... ستخرج بخير إن شاء الله ..." . بين الفينة والفينة وسط حديث عام يشمل كل واردة وشاردة سال الأبَّ عن أحوال كلّ من يعرف في الجبال من أصدقاء وأقارب، ثم بدأ يروي مغامراتِه باختصار منذ أول يوم زُجّ به في السجن، والمشقّة التي عاناها، والعذاب الذي ذاقه بكل صمود كيلا يتكلم ولا يبوح بأي سرّ من الأسرار التي يكتمها في صدره. جلست الأمّ على الأرض، أعيتها المسافة الطويلة التي قطعتها مشيا تحت المطر الغزير والوحل الدابق الموجود عبر الدروب. ضحكات خفيفة وابتسامات تتخلل الحديث الحار. روتِ الأمّ أخبار الدوار والمداشر المختلفة، من مات ؟ من استشهد ؟ من تزوّج ؟ من اعتقل؟ كلّ هذا، والعسكريّ الذي يحرسهم واقف بالقرب منهم، شاهرا سلاحه نحوهم. يبدو أنّ العائلة تناسته وراحت تعبّر عن شعورها كيفما اتفق دون تحرّج. كان يصوّب بصره إليهم في صمت جافّ وثقيل، يلتفت من حين لآخر إلى ما حوله كأنما ندم على غطرسته التي استقبل بها القادمين الضعفاء.

- من معك ممّن نعرفهم ؟

‏سأل الأب بصوت خافت. أحسّ بوقت الافتراق وهزّته فكرة الرجوع فارغا من الأخبار التي تفيد السكان القاطنين في الجبال. سيعلم كل من له ابن أو قريب في هذا المحتشد لكي يأتي لزيارته. نزل صوت العسكري يعلن عن نهاية اللقاء كالصاعقة على رؤوس أفراد العائلة. طفحت عيون المرأتين بالدموع، لم تتمكنا من التكلّم. نظرات الجميع تعبّر عن الحزن والفرح واليأس والأمل، سرور اللقاء الذي أعاد نصف الأمل المكبوت في القلوب، وحزن الافتراق الذي يكون ربّما الأول والأخير. تعانق الجميع بحرارة أكثر وافترقوا على عبارات عادية لكنها تحتوي على كل معناها الظاهرة والخفيّة. أكّد الأب لابنه بالعودة لرؤيته مرة ثانية مهما كلفه ذلك. عاد السجين إلى غرفته يغمره شعور قوي بالراحة والحبّ والاطمئنان.

‏غادر الجدّ والمرأتان المحتشد فرحين بلقاء الابن الذي طالما فقدوا‌ الأمل في رؤيته حيّا. من أراد أن يقارن لمحات وجوههم عند الوصول وعند الرجوع يلاحظ الفرق الشاسع بين السحنة المتجهّمة، المتقطّبة التي دخلت المحتشد وبين تلك المتفتّحة، المنشرحة التي خرجت منه، كأنهم أتوا بحمل على رؤوسهم ثم تركوه داخل المحتشد، ورجعوا إلى جبالهم يذوقون الراحة القصيرة التي لا يلبث الاستعمار أن يحطمها طوال طريق العودة، وهم يدعون الله بصدق وخشوع أن يخلصهم من غطرسة الفرنسيين وظلمهم الغاشم. طوال الطريق، لم ينقطع الحديث عن السجن والمساجين والجيش الفرنسي والمجاهدين الذين يأتون مرارا لقضاء بعض الوقت عندهم.

‏دخل عبد القادر إلى غرفته وجلس في مكانه العادي. تجمّع حوله الأصدقاء، متعطشين إلى معرفة الأخبار التي سمعها من والديه. روى لهم ما جرى في المقابلة بالتفصيل ما عدا ما يخصّ العائلة ولا يريد أن تكون من أطراف الحديث لديهم. اشتاق كل سجين إلى أخبار عائلته والدشرة ‏التي يسكنها. بعد حركا‏ت مضطربة ودوي غير عادٍ، ساد صمت ثقيل يسكن أجواف الغرفة بعد غيبة لم تدم طويلا، كما ‏استأنف كل فرد الحديث مع ذاته، العالم الداخلي الذي استطاع أن يخلقه، كي يستأنس به في أوقات الصمت وما أكثرها في حياة المعتقل الشاقة. الغرفة كبيرة، عارية من أي أثاث. جدرانها منقوشة بالرسومات والكتابات المختلفة، تعبر عن العدد الغفير من السجناء الذين عاشوا داخلها. كوة صغيرة في الجهة اليسرى المطلّة على الأسلاك الشائكة والغابة الكثيفة بأشجار الصنوبر والزيتون واللوز. تدخل إليهم الأضواء وبعض الروائح التي تعودوا شمّها في ديارهم، رائحة تدخل خلسة مع الرياح المختلطة بالغبار وراتينج الصنوبر. هم أحوج الناس إلى الهواء الطلق والركوض بسرعة جنونية بين الأودية والروابي، بحكم منشئهم وسط جبال الظَهرة الغضارية. لم يألفوا القبوع بين أربعة جدران طوال ساعات متتالية. تجري الحرية في عروقهم مع الدم النقيّ منذ أن رأوا قرص الشمس يعلو بطيئا مرسلا أشعّته على الأ‏راضي الواسعة التي لا تلمّ بها عين الإنسان بنظرة واحدة.

ينهمر المطر مدرا‌را على غير هدى، وعبد القادر واقف بقرب الكوة - فتحة صغيرة ذات ثلاثة أعمدة حديدية صغيرة - ويتأمل في الجو القطوب ويفكر في أبيه وأمه وزوجته، الذين قطعوا مسافة طويلة مشيا على الأقدام تحت المطر الغزير والوحل الدابق. يعرف الطريق جيّدا. سلكه المرات العديدة ذهابا وإيابا. تخيّلهم عائدين تحت الوابل السيلي، وأرجلهم تفرقع في الوحل غير مبالين بشيء، لأنهم رأوه وتكلموا معه. وهذا يكفي لمحو تجهّمهم وتقطّبهم.

‏أطال عبد القادر النظر في التضاريس الجبلية المترامية أمامه. التلال المغطاة بالأشجار المبلّلة والمطر يقطر من بين الأوراق المتربة، ويسيل عبر السواقي الضيقة. حملق في المنظر بتشوق ثم باستياء. ولكن خياله سرعان ما سافر به بعيدا، يبحث عن حوادث تجذبه إليها كالمغناطيس، كأ‏نما تريد منه وضوحا واستفسارا لها. لماذا يوجد في السجن؟ لماذا كان يساعد المجاهدين؟ لماذا يحارب ضد المعمرين ؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟... أسئلة كثيرة بحاجة إلى أجوبة عميقة، لأن عقله وعاطفته لم يستطيعا الوصول إليها.

عبد القادر ‏رجل ريفي، قضى معظم طفولته في رعي الغنم وأداء مختلف الأشغال المتعلقة بفلاحة الأرض. لم يضع قدميه في أية مدرسة إلا الجامع أين حفظ بعض سور من القرآن دون أن يعرف معناها، وقبل أن يتصلّب عوده ويصبح صالحا للعمل. في الثانية عشر من عمره، بدأ يتردّد، مع غيره من الفتيان، على مزارع المعمّرين الواقعة قرب الساحل في السهول الخصبة.

‏ما أن يصل العشرين حتى اندلعت الثورة وجاء المجاهدون إلى منطقتهم، فاندفع إلى مساعدتهم تلقائيا، مع عدد لا يحصى من أقرانه.

‏أدار وجهه نحو الداخل. سافر ببصره بين الأصدقاء الجالسين في صمت، متمدّدين على الاسمنت البارد. أعاد بصره ثانية إلى الخارج، إلى المطر المتهاطل، والرياح التي قوّت جلبة الأغصان المتحركة.

‏ظهرت ابتسامة مرة على شفتيه وراح يحوم في أعماق ذاكرته.

‏"أتذكر جيدا ذلك اليوم المشؤوم الذي سقت فيه إلى السجن. آه، يا له من يوم مظلم! لا يمحى من ذاكرتي على مدى الدهر، لأنه أقعدني هنا مكتوف اليدين، عوضا أن أكون وسط الإخوة في الجبال يستفيدون من خدماتي. عدت إلى البيت قبل شروق الشمس. قضينا نصف الليل في حفر السواقي عرض الطريق لعرقلة مرور الشاحنات. وأنا أستعد لتغيير ثيابي التي التصق بها الغبار والتراب، ‏سمعت طلقات الرصاص على أشدّها، مختلطة بنباح الكلاب الذي تعاقب من رابية إلى أخرى".

‏"أدركت آنئذ أنّ الجيش الفرنسي قد وقع في الكمين المحضّر له، وفي المكان المُحدّد بالضبط. رغم ذلك، لم أكن خائفا. نزلت عليّ سكينة لم أعرفها منذ فترة. وجدت زوجتي مستيقظة، تنتظر في قلق واضطراب. لم يمض على زواجنا إلا أسابيع معدودة. في تلك الليلة، بعد أن ظننت أنها نائمة، قمت خلسة مستعدا للخروج. ولكنها قامت هي أيضا. أين تذهب؟ قالت برجفة في الصوت. ماذا سأقول لها؟ هل سأكشف لها عن طبيعة العمل الذي سأقوم بها. لا، إنها صغيرة وبعيدة عن همومنا الكبرى. قلت لا تقلقي، شغل بسيط وسأعود. ألحّت بالسؤال. ابتسمت وقلت: لا تخافي، ليست عندي زوجة أخرى. خفضت رأسها واحمرّ وجهها. ليس هذا ما أقصد، ردّت بارتباك. قالت لي ابنة عمّي أنّكم تجتمعون مع المجاهدين ليلا. آه أنت تعرفين إذا؟ ولمَ السؤال في هذه الحالة؟ أنا خائفة عليك؟ قلت لك لا تخافي. المجاهدون أقوياء ولهم أسلحة وسيتغلبون على فرنسا ويطردونها من البلد. تركتها وخرجت مسرعا. تبعتني إلى الفناء، وهي توصيني بأنْ لا أغامر بنفسي. كانت خائفة. أمر طبيعي، فتاة ‏صغيرة لا تعرف شيئا عن مصائب الحياة. تركتها في فناء الدار ودلفت في الظلام، أطيل الخطو كي لا أتأخر عن الموعد. طبعا، لم أكن وحدي. لقد شاركني في ذلك كثير من المدنيين، لبّوا نداء المجاهدين، يحملون المعاول والفؤوس.

كان المكان المخصص لتدمير الطريق يقع قرب بئر العروس. يا له من اسم غريب! يقال بأنّ عروسا انزلقت داخله وغرقت. كا‏نت في موكب الزفاف، فوق حصان أصيل، فتوقف الجميع تحت ظل أشجار الرمان والتين المحيطة بالبئر. أصرّت العروس على سحب دلو الماء القابع في العمق على سطح الماء. شدّت الحبل وأطلت على فوهة البئر، فزلجت قدمها وسقطت في الحفرة الضيقة بفستان زفافها. لم يتمكن الرجال هرعوا لمساعدتها من إنقاذها. ماتت العروس غرقا، وسميَ البئر "بير العروسة". يا لها من حكاية غريبة ! ولكنها حزينة، بل ومؤثرة. متى وقعت هذه الفاجعة؟ الله علم ! سمعت الحكاية أكثر من مرّة، ولكن لا أحد ذكر اسم العروس ولا متى وقعت، ربما قبل دخول الفرنسيين إلى بلادنا".

"سمعنا قبل أكثر من شهر عن مشروع جهنّمي دبّره الجيش الفرنسي. سيرسلون عددا كبيرا من العساكر لتمشيط هذه الجبال وتنقيتها من "الفلاقة". يهدف المشروع إلى إخماد نار الثورة في جبالنا. فقرّر المجاهدون مجابهة خطتهم بإفساد الطريق كي لا تتمكن شاحناتهم من الوصول إلى جبالنا. لو كنا نملك القنابل لدمّرنا الطريق كلية، مثلما شرح لنا المجاهدون. للأسف ليس بين أيدينا إلا الفؤوس والمعاول وأذرع الشجعان الأبرار، وبنادق المجاهدين".

"كا‏ن الكمين محكما، فدمِّرت الشاحنات وقتِل عدد كبير من العساكر، هزيمة شنعاء وخسائر فادحة. استمرّت المعركة قرابة الساعة، في شفق الفجر، وبعد ذلك انسحب المجاهدون، خوفا من طيارات العدوّ. عندما ظهر النهار بجلاله، لم يبق في ميدان المعركة إلا الشاحنات المحطّمة والموتى والجرحى. يقال بأن إخواننا المجاهدين فقدوا هم أيضا بعض الرجال. إلى حدّ الآن، لا أعرف بالضبط كم عددهم. ولا أحد ممّن التقيت بهم في السجن يعرف الخبَر الدقيق. نسيت أن أسأل أبي... لعله يعرف ! يكون قد اتصل بسي أحمد وجماعته.

"عندما عدت إلى الدار وجدت زوجتي مستيقظة تنتظرني، والقهوة جاهزة فوق الموقد. احتسيتها جرعة تلو الأخرى، تلك القهوة الحالكة أشبه بحياتي الحقيرة في الفقر المدقع. عندما هممت بالخروج نهضتْ وقدمّتْ لي رغيفا من خبز الشعير، والنعاس يأخذ بمعاقد جفنيها. حملقتْ في وجهي والدموعُ تظفر من عينيها. أخذتها بيديّ من كتفيها وحدّقت فيها جيّد‏ا، وقلت لها:

- احتفظي به أنتِ، لك في النهار. أمّا أنا فسآكل في المزرعة. سأتدبّر أمر أكلي. أحيانا، المعمّر هو الذي يتولى شراء الخبز من المدينة، يوزّعه علينا، كي نتوقف عن العمل. لا تقلقي نفسك. سأعود في المساء وأقضي الليلة في البيت، لا أذهب إلى أي مكان.

‏"خرجتُ في صمت. انحدرتُ نحو الشمال، منتحيا طريق المزرعة. مسافة طويلة وسط الغابة والروابي الصاعدة الهابطة. كنت متأخرا نوعا ما في ذلك النهار. بداية العمل يتزامن مع طلوع الشمس. والمتأخرون يعاقبون بالخصم من الأجرة. مشيت بخطى سريعة وبدون نشيج، رغم أنني لم أغمض جفنَيَّ طول الليل. لم أكن راغبا في النوم ولا في الراحة".

‏"بعد ساعتين، بدأت بنايات المزرعة تظهر من بعيد. أسرعت المشي. ما هي إلا دقائق حتى كنت قرب الإسطبل أصافح أصدقائي الذين وصلوا قبلي. يا لها من مزرعة جميلة! منزل بجدران عالية وسقف بالقرميد الأحمر يسطح من بعيد. لو أملكُ مثله، لأسكنتُ كل أفراد العائلة الكبيرة من الأعمام والأخوال. وتلك الأراضي الخصبة التي تنتج قمحا ذهبيا وفواكه لذيذة. قال لنا يوما بأنه اشتراها. ابن الكلب ! يكذب علينا في وضح النهار. حسبنا أغبياء. لقد عرفت من سي أحمد بأنّه اغتصبها اغتصابا. اشتراها بوسائل خسيسة: تهديد، طرد، وقمع بمباركة العساكر وحمايتهم".

"ما أن تبادلت بعض الأخبار مع زملائي العمال حتى جاء مسيّر المزرعة برفقة كلبه الضخم، وأمرنا بالعمل فورا. لعين هذا المسيّر القذر! يشتغل عند ابن جلدته، ويحلم بأن يصبح مالكا هو أيضا: قال لنا يوما: "لن أخرج من هذه المزرعة حتى أدخّر القدر الوافر من المال لأشتري به مزرعة لي وحدي".

"ويستطيع شراء مزرعة. نعم يستطيع ! يربح كثيرا. إنّهم أبناء بلد واحد، يتعاونون، يتكاتفون. عمل أبي في نفس المزرعة طيلة حياته، ولم يدخّر سنتيما واحدا، بل لم نشبع حتى الخبز. بقينا دائما جائعين، فقراء، مدحورين. تعبنا وسئمنا من الشقاء الذي ليس من ورائه مخرج".

"ما أن ارتفعت الشمس قليلا، حتى تمدّد المسيّر الضخم، بقبّعته الجلدية، تحت ظل شجرة الخرّوب، على ضفة الطريق، يترقب أعمالنا. يصلنا صوته كا‏لصاعقة بفرنسية، تعلمنا معاني الكلمات التي تلقى على مسامعنا بمجرى العادة والضرورة. عند حوالي منتصف النهار، وصل المعمّر بسيارته المهيبة، أول سيارة رأيتها في حياتي، تحدّث بعض الوقت مع مسيّره، طاف بين صفوف العمال يترقّب سير الشغل، أمر وزمجر ونصح، ونحن نتصنع بالسماع ونجتهد في إتقان الشغل وإجادته. بعد ذلك، راح يداعب الكلب ويركض معه. بعد قليل، ركب سيارته وغادر المزرعة.

"حينما ارتفع قرص الشمس إلى ذروته القصوى، أطلق المسيّر صفيرا مدويا معلنا عن وقت الراحة وتناول وجبة الغداء. وزّع علينا خُبزة واحدة لكل فرد، خبز أبيض، جلبه المعمّر من مدينة شرشال. رأيت كثيرا من العمال، يقسمون الرغيف إلى قسمين، يلتهمون نصفه بلبن سي جلول، هذا الرجل الطيب، القاطن غير بعيد من المزرعة، بضفة وادي "بلاّع"، ويملك بقرة، فيأتينا بين الفينة والأخرى بقزديرة من البَن، بينما يخفون النصف الثاني ليأخذونه معهم إلى ذويهم. أنا أيضا، فكّرت في زوجتي، وأخفيت لها قطعة من الخبز الأبيض اللذيذ.

"كنا منشغلين بالأكل واستعادة قوتنا حتى فوجئنا بدويّ سيارة (جيب)، تقترب من المزرعة، سيارتان متتابعتان والغبار يتطاير وراءها. ارتجفت وانتابني خوف لأنّنا غير متعودين على رؤية مثل هذه السيارات تقتحم المزرعة. نراها دوما تمرّ هناك عبر الطريق المعبّد، ولكنه لا تأتي إلى مكان العمل. ومع ذلك، لم أفكر لحظة أنّ العساكر جاؤوا من أجلي اعتقالي. لماذا ينتابني مثل هذا التفكير؟ ولكنني كنت مخطئا. جاء العساكر وبأيديهم قائمة لا غبار عليها. من وشى بنا؟ إلى حدّ الآن لا أعرف. أبي أيضا لا يعرف. سألته. فقال: إن المجاهدين يبحثون إلى حدّ الآن عن الخبيث الذي أخبر الجيش الفرنسي بأسماء المدنيّين الذين ساهموا في إفساد الطريق، كأنه حضر معهم.

نهض المسيّر بتثاقل، جارّا رجليه، ظنّا منه أنهم يبحثون عن صاحب المزرعة. توقفت السيارتان أمام الإسطبل الكبير. كانت غاصّة بالعساكر. نزل منها عريف وصاح بصوت أجشّ:

- نبحث عن كرّوش عبد القادر... نعرف بأنه يعمل هنا.. أين هو؟

‏التفتت نحوي الأنظار التي اعتراها الرعب فجأة، تتساءل حائرة عن السبب، برغم أنها تعرف وتتوقّع الأسوأ. تفحّصت بدوري كلّ الوجوه كأ‏نّي أطمئنهم. لم أكن خائفا، ولم تكن بالنسبة إليّ مفاجأة. منذ انضمَمْت إلى صفوف الثورة، من أول عملية ساهمت فيها، انتظرت هذه اللحظة. خاطبت نفسي آنذاك: "ساعدتني شجاعتي على النضال مع المجاهدين، ستمنح لي القوة على المقاومة ضدّ كل أنواع التعذيب التي عادة ما كلّموني عنها من ‏أطلق سراحهم".

نهضت واقتربت من السيارة، متصنّعا الاستغراب:

- أنا هو يا موليوتنان...

‏حدق في وجهي بنظرة شزراء، وصاح كالثور:

- ضعوا له الأغلال... وأركبوه داخل السيارة...

- يا موليوتنان، ممكن أعرف سبب اعتقالي؟

‏ابن الكلب، لم أكمِل كلامي وإذا به يركلني ركلة ألقتني على قفاي، وهو يزأر بصوت ساخط كي يسمعه الجميع:

- أخرس يا عدو القانون، يا فلاّقة... أتريد أن تتصنّع البراءة ؟ أين كنت في الليلة الماضية؟

الحلاليف! عرفوا كلّ شيء. من أخبرهم؟ بدون شك أحد الخونة القلائل الذين لا يخافون الله. لو أعرف من هو؟"

‏باغته دوي صفق على الباب أيقظه من تخيّلاته. اقتَحم الغرفة أربعة عساكر مسلّحين. "قفوا... بسرعة !" تقدّم قائدهم باتجاه الوسط، ينظر إلى السجناء الذين أسرعوا إلى الوقوف والاستعداد. أشار بيده إلى أربعة منهم دون تمييز:

- أنتَ ... أنتَ... أنتَ... أنتَ... اتبعوني... لديكم عمل تقومون به. ويبقى الآخرون بدون حراك. هيّا بسرعة...

كان عبد القادر من بين الأربعة. ساروا وراء العساكر مسافة غير طويلة، وإذا بهم برفقة عدد آخر من السجناء، في أيديهم فؤوس ومعاول، أمام مستنقع صغير تجمعت فيه مياه المطر، يقع بين بنايتين ويعيق السير. زمجر قائد العساكر:

هيا بسرعة... المطلوب منكم حفر سواقي صغيرة لتفريغ هذه البركة اللعينة...

كان هناك حوالي عشرون سجينا يحوطهم ثمانية عساكر يشهرون أسلحَتهم ويقفون بعيدا عنهم. لا يزال المطر يسقط وإن كان رذاذه خفيفا مقارنة بالصباح. باشر السجناء عملية التطهير. أرجلهم تفرقع في الوحل الدابق، والمياه تصل إلى الكعاب. البعض يحفر السواقي، والبعض الثاني يقلع التراب لفسح المجال للماء المتحجّر. الأجساد مُزرَوْرَقة من الصقيع والبلل. لا يلبس أغلبيتهم إلا ثيابا خفيفة. زجّوا بهم في المعتقل في فصل الصيف ولم يكن أغلبيتهم إلا بسراويل وقمصان تناسب جوّ الصيف الساخن. شقّوا بالسواقي باتجاه الأسلاك الشائكة، وسطّحوا الأرض، كي لا تتجمّع فيها المياه مرة أخرى. التصق الوحل بالأحذية وأدوات العمل. كانت الحركات سريعة بحيث انتهى العمل بعد حوالي نصف ساعة. بعد ذلك، رجع المساجين إلى زنازنهم، ينفثون في راحات أيديهم المتجلدة، كي يرسلوا فيها شيئا من الحرارة. ثيابهم مبللة، تلتصق بأجسامهم النحيلة، وأرجلهم تنزلق داخل الأحذية.

‏التحق عبد القادر بمكانه أمام الكوة. شبّك ذراعيه فوق صدره، ولم ينبس بكلمة. جلس شابّ في زاوية ينفث في راحة يديه، يريد بث الحرارة فيهما. فعل ذلك هنيهة، ثم ولج بهما في صدره بين اللحم والقميص المبلل. شابّ لا يتجاوز عمره السادسة عشرة. لم يتعود على الأعمال الصعبة. تدلّ سحنته على أنه يسكن المدينة. قال أحد الذين لم يخرجوا، عندما دلف الأربعة للغرفة عائدين:

‏- لدينا الحظ هذه المرة...

‏- سيأتي دوركم حتما... إنّ الصدفة تخبط خبطة عشواء، ولا أظنك بالمحظوظ الذي لا يصيبه مكروه.

مكث الشيخ الذي ردّ على المتكلم وجلس في مكانه، مسندا ظهره للحائط. لحيته لها أسابيع. لفع الشيب رأسه. يبدو رزينا ووقورا، إنسان عاش حياة صعبة وشاقّة غاصّة بالمتاعب والكوارث. شارك في حرب الألمان لمدة أربع سنوات. ما أن جلس حتى جاءه صوت من الزاوية المقابلة:

- لو كا‏ن محظوظا فعلا لما كان هنا اليوم معنا في هذا الخراب. المحظوظون يوجدون في الجبال مع المجاهدين، يستنشقون‌ الهواء الطلق، ويمرحون بالحرية...

‏ساد الصمت ثقيلا، كجوّ جانفي الكئيب. ما زال عبد القادر واقفا يتسلّى بالمطر المتساقط.

"أرادوا منّي أنْ أريهم الدار قبل أن يسوقوني إلى السجن... اعتقدوا أنهم سيعثرون على دليل يطمئنهم على اعتقالي. الحلاليف! أرغموني... لكنني عرفت بأنّهم لن يجدوا شيئا يذكر... ماذا سيجدون في أكواخ حقيرة ؟ ظنوا بأنّهم سيكتشفون خزان أسلحة ! يا لهم من أغبياء! كنت جالسا بين أربعة عساكر، ولم أكن خائفا رغم أنّني كنت أعرف جيدا العذابَ والآلامَ التي سأذوقها، وبالفعل ذقتها، وبكل شجاعة... انتصرت..."

فلتَت ابتسامة استهزائية على شفتيه وملأت كامل ثغره.

"الدار بعيدة عن طريق السيارات، وادي عيزَر... رابية بورقيعة... ثم بعيدا عن سفح جبل بوكَرانْت، تقع أكواخنا... سمعنا أقوالا تتحدّث عن ترحيل سكان هذه المنطقة، وجمعهم في محتشد تسهل حراستهم... رغم إلحاحي على بعد الدار، أمر الضابط بالذهاب إليها، وذهبنا. ما أن قطعنا الوادي والرابية الأولى حتى وجدتهم يتصببون عرقا ويلهثون. هل هؤلاء عساكر حقا... أنا لست جنديا، ولكن بإمكاني المشي طوال النهار في هذه الجبال ولا أشعر بالعياء ولا بالتعب. كا‏ن أبي في الدار، خرج مذعورا، مشدوها، حزر باقتراب الخطر. انطلق الكلب يجري ونباحه يصلنا بوضوح. ارتجف العساكر وشهروا أسلحتهم ... ما أن اقترب الكلب حتى طرحته هبّة رصاص ملقى على الأرض. كا‏ن نباحه مريعا في ساعة الاحتضار. ما هي إلا ثوانٍ حتى رأيت كل العائلة أمام الباب. سمعوا دوي الرصاص ولم يفكروا في الكلب... ربما كان رجلا ! لم لا ؟ لديهم الكلاب والرجال سواسية. أتذكر كيف تعامل جاكلين امرأة المعمر كلبها ؟ يأكل اللحم دائما. الكلاب لديهم أحسن من العرب".

- أرواح تشاركنا الحديث، يا عبد القادر، ما لك تائها ؟ لا تفكرْ كثيرا ... يقول المثل: (اللي يفهم بزّاف يموت بالزّعاف)، أرواحْ...

‏أيقظه الضجيج الدائر هناك في ركن الزنزانة. لم ينتبه إليهم برغم ارتفاع الأصوات وتشنّج الحديث. تتعالى القهقهات من حين لآخر وسط الجمع الذي تحاشر في زاوية، وغرق في حديث يشمل كل واردة وشاردة. ابتسم عبد القادر ابتسامة أخوية، فتَل شاربه ونظر إليهم مليّا قائلا:

- لا، استغنوا عني ولا تقلقوا أنفسكم، فأنا لا أفهم كثيرا، ولا أموت إلا تحت رصاص فرنسا.

- أتممْ لنا قصّتَك يا عليّ... إنّها شيّقة ...

‏"حقيقة إنّ الحديث يزيل القلق ويخفّف عن الاضطراب، ولكن كيف لنفسي أن ترتاح ولو لوقت قصير وأنا لم أفهم أشياء كثيرة ... لهم كل الحرية أن يمرحوا ويرتاحوا كلما أتيح لهم ذلك، أمّا أنا... الملاعين ! ضرب عسكري أبي بأخمص بندقيته، وطرحه أرضا، لأنه اعترض سبيلهم بسؤال:

- ماذا تريدون عندنا؟ لم نفعل شيئا يخالف القانون. وابني بريء، أنا أعرفه جيدا...

‏لم يتم كلامه حتى وجد نفسه على الأرض قرب كلبه الذي طالما دافع عنه وساعده في رعي الغنم. أسرعت أمي مهرولة، تبكي وتندب. زاد عويل الأطفال الجوّ هلعا. تقدّم الرّكب العسكري نحو الديار. وقفَت أمي متصلّبة قرب الإسطبل تحدّق في وجهي. تبحث عن نظري كأنها ‏تريد أن تقول لي: اطمئن. الشيء الوحيد الذي أقلقني هو أن تكون قد نسيَت إخفاء المال الذي تحصّلت عليه من المواطنين القا‏طنين في جبالنا. لكنّها تصرَّفت وأحسنت التصرّف. فتّشوا كل الغُرف. لم يتركوا ركنا إلا وقلّبوا أثاثه ونثروا أدواته. لكنّهم لم يجدوا شيئا يدينني ومع ذلك اعتقلوني وعذّبوني شرّ تعذيب..."

‏انفتح الباب دفعة واحدة، ولج عسكريان يحملان صندوقا كبيرا من الكرتون، به أرغفة خبز وعلب سردين. تمّ توزيع نصف خبرة وعلبة سردين على كل فرد. وبعد ذلك، خرجوا باتجاه الزنازن الأخرى. عكف المساجين مباشرة على التهام الأكل، وسط صمت مرح. ارتفعت بعض التعليقات الساخطة على علب السردين التي استعصت عن الفتح. البرد أجّج الجوع، ما جعل الجميع ينقض على الخبز والسردين بنَهم لا نظير له. وبعد أن سدّت البطون تلك الثقوب المزعجة، استرجعت الألسنة طراوتها، ليستأنف الحديث من جديد. هذه المرة، انضم عبد القادر إلى حلقة زملاء المحنة لتمتلئ بعد لحظات بالضجيج والقهقهات والتعاليق الساخرة والساخطة.