-3-
اليوم نحتفل بمرور اسبوع كامل على ولادتنا الجديدة
كما نحتفل باستقبال أول يوم نتحرر فيه من ملازمة مضيفتنا . حيث أخبرتنا مساء أمس انها ستقضي عطلتها الاسبوعية بعيدة عنا . وقد سمحت لنا بالتجوال في طرقات
المدينة . ولكنها حذرتنا من السفر الى مدينة أخرى . وقد استقبلنا النبأ بفرح غامر . حيث ان الفرصة ستتاح لنا لمناقشة امورنا بعيدا عن رقابتها . كان اشدنا
فرحا بهذا النبأ هو السيد ساليك والسيدة توين . فالمضيفة بالنسبة اليهما تعني العذول الحاسد الذي يقف في طريق حبهما ، ويفسد عليهما لحظات الصفاء . لقد وقع
البرتو ساليك في غرام السيدة توين منذ اليوم الاول . وبادلته السيدة توين الشعور نفسه . وكانت مشاكلتهما مع المضيفة شائكة لهذا السبب . فقوانين هذا العصر
تحرم هذه الظاهرة تحريما قاطعا , وقد انذرتهما أكثر من مرة بتقديمهما الى المجلس الأعلى ، وفرض عقوبات قاسية عليهما …. ونجدهما اليوم يستغلان غياب المضيفة
ليقضيا ساعات جميلة يستعيدان بها شبابهما الآفل ؛ فما ان تناولنا افطارنا حتى غابا في إحدى الحدائق بعيدا عن انظارنا . وقد علق الاستاذ تونغ على ذلك :
-انها مرحلة النكوص الى المراهقة .
بقيت برفقة الاستاذ تونغ تاركا له زمام قيادتي ، مادام ليس لي هدف محدد . و لا انتظر حصول شئ يثير البهجة . فليس امامي ما هو أجمل من مرافقة هذا العجوز
الحكيم . والحقيقة ان الكآبة كلكلت علي منذ اليوم الثاني ، حين طلبت من مضيفتي احضار آلة موسيقية اتسلى بها وقت فراغي . غير ان المضيفة لم تفقه معنى كلامي
. واضطرت لمراجعة معجم باحثة عن معنى كلمة ( موسيقى ) . وبعد مراجعة طويلة أجابت :
-الآلة التي تبحث عها ستراها في المتحف المركزي ، وزيارة ذلك المتحف مدرجة ضمن برامجنا .
-ولكني أريد امتلاكها ، والعزف عليها ، فأنا مطرب شهير كان لي ملايين المعجبين في زماني .
-سأراجع المختصين وأجيبك غدا .
-ولي طلب آخر .
-ما هو ؟
-لم أجد في الصندوق الذي تسمينه المكتبة كتبا للشعر والقصة والرواية . ألا يمكن احضار مثل هذه الكتب؟
-وهذا ، سأسأل المختصين عنه أيضا .
وفي اليوم التالي صدمتني الاجابة :
- الأمور التي طلبتها امس لا وجود لها في عصرنا . لقد انقرضت منذ مئات السنين . والعقل الاكبر لا يشجع على ممارستها ان الموسيقى والشعر والرقص ، وكافة الامور
التي كنتم تسمونها الفنون ، ما هي الا تبديد مجاني للطاقة الانسانية . لقد وجد الانسان لينتج لا ليبدد وقته هباء .
وقاطعتها منفعلا :
-من وضع هذا الهراء ؟
-انها توجيهات العقل الاكبر . وتعليماته لا تقبل الخطأ أبدا .
-فهي ضمن الممنوعات اذا ؟
-نعم
-وليس في عصركم من يمارسها ؟
أجابت بعد لحظة تفكير :
-ربما ما يزال يمارسها التخلفيون . فهم خارج سيطرة العقل الاكبر .
تلقف جوابها الاستاذ يونغ . وبادر الى سؤالها :
- ما المقصود بالتخلفيين ؟ وكيف هم خارج سيطرة العقل الاكبر ؟
-التخلفيون هم البقية الباقية من الناس الذين رفضوا التكيف مع متطلبات العصر . وقاوموا ارادة العقل الاكبر . وبعد شن حملة تأديبية عليهم . هربوا الى جبال
الهملايا . واعتصموا هناك . و ما يزالون يعيشون حياة بدائية متخلفة . ولكن مصيرهم الانقراض .
وسألها الاستاذ تونغ ثانية ؟
-لقد وصفني العقل الأكبر يوم مثلنا أمامه بأني زارع البذرة الاولى للتخلفية . فما علاقتي بهذه الجماعة ؟
لقد ورد في أحد مؤلفاتك ان الانسان يمتلك طاقات كثيرة قد انقرضت بحكم التطور الحضاري ولكن بعثها ممكن . وقد ذكرت من بين تلك الطاقات قراءة الافكار والتخاطر
، و رؤية البعيد وغير ذلك من الامور ، وأنت أعرف مني بها . والحقيقة ان هذه الافكار لم تلاق رواجا في القرن العشرين . وحين حل القرن الحادي والعشرون .
صارت هذه الافكار مهيمنة على شريحة كبيرة من الناس ومع بدء الانعطافة الحضارية أقام دعاة هذه الافكار حزبا سياسيا معارضا لحركة التطور الحضاري . وكانوا
في معارضتهم يستندون الى نظريتك هذه . وقد ظهر بينهم علماء ادخلوا هذه النظرية حيز التفكير العملي . وجعلوها سلاحهم في مواجهة التطور الحضاري . ووحدة العالم
. وما زالوا متمسكين بها الى اليوم .
لقد حفز هذا الحوار الاستاذ تونغ وجعله يعكف على قراءة ما تقدمه له المكتبة . بينما جعلني حديث المضيفة ارزح تحت وطأة سأم قاتل . فالحياة قد أصبحت بالنسبة
لي لا طعم لها . حيث نصحو كل يوم على زعيق صفارة النهوض التي تدوي في فضاء المدينة صباحا . فنستيقظ ونستحم ونتهيأ للخروج . فتزعق صفارة الافطار فنتوجه
الى المطعم برفقة مضيفتنا . وهناك نصغي ربع ساعة لجريدة الصباح تتلو علينا أهم الاخبار ثم نتوجه الى المختبر لأجراء الفحوص علينا وبعد ساعتين نغادر الى
مكان معين على سطح الكوكب الأرضي . لنطلع على آخر ما توصل اليه الانسان الجديد من منجز حضاري … وحين تدوي صفارة الغداء نتناول طعامنا على الطريقة ذاتها
( قدح لا طعم ولا رائحة وضعته لنا لوحة في الجدار ) ونصغي الى جريدة الظهيرة ثم نتوجه الى مكان آخر . لنعود بعد العشاء الى مقر اقامتنا …. وبهذه الطريقة
تعرفنا على أماكن مختلفة : مركز الولادات ، المتحف المركزي ، المناجم ، المصانع ، وزرنا مدنا عديدة في قارات مختلفة . بعضها يقع على مشارف القطب . والبعض
الآخر على مشارف خط الاستواء . وكانت متشابهة في طقسها وريازتها ومعمارها وشوارعها ، القليلة المارة ، الخالية من السيارات والمحلات التجارية و صخب المدن
. ورغم ولعي الشديد بالسفر وزيارة الاماكن المجهولة ، خلال حياتي الماضية . صارت هذه الرحلات عبئا كبيرا حين أصبح كل شئ مألوفا. لا يثير دهشة ، وفي اليوم
التالي علمتنا المضيفة قيادة الكبسولة . فوجدناها بسيطة لا تحتاج الى جهد . فيكفي أن تدخلها وتبرمج جهاز القيادة على احداثيات المكان الذي تريد الرحيل
له حتى تنطلق بنا وبعد أربع دقائق ونصف يأتلق ضوء اخضر معلنا وصولنا الى المكان المطلوب.
* * *
جلس الاستاذ تونغ على كنبة في الحديقة العامة بانتظار ساليك وتوين اللذين غابا عن أنظارنا منذ تناول الافطار . وجلست الى جانبه صامتا . بادر الى سؤالي :
-هل قرأت شيئا في المكتبة ؟
-ليس لي رغبة في القراءة . وانت ؟
-قرأت الكثير وانوي قراءة المزيد .
-وماذا أفدت منا ؟
-توصلت الى نتيجة هامة : ان من يسمون انفسهم علماء في هذا العصر مزيفون . لم يحققوا أي إضافة علمية .
-كيف ؟ وهذه المخترعات الجديدة ؟
-كلها تعتمد على معارف القرن العشرين . طبقوها عمليا بتوجيه العقل الأكبر . أما على الصعيد النظري فلم أقرأ أي جديد .
انضم ساليك وتوين الى مجلسنا . وقلت معقبا على كلام الاستاذ تونغ :
-سواء أقدموا جديدا أم لم يقدموا . فالحياة في عصرهم لا تطاق .
-لا تتعجل بالحكم على الاشياء . فهناك وجه آخر لم نتعرف عليه بعد .
-أي وجه ؟
-التخلفيون . يبدو انهم قوة لا يستهان بها . وتهدد النظام القائم بخطر قريب .
سأل ساليك :
- وما أدراك ؟
-من خلال قراءة ما يكتب عنهم . لاحظت ان أتباع العقل الاكبر يولونهم أهمية كبيرة . ويخشون تغلغلهم بين الناس . ويحاولون قمع أي ظاهرة تذكر الناس بهم .
ودوت صافرة الغداء فتوجهنا الى المطعم .
* * *
حين دخلنا المطعم وجدنا الدكتور عاطف بانتظارنا . صافحنا بحرارة صديق قديم . والابتسامة العريضة لا تفارق شفتيه . واحسست لأول مرة اني اواجه انسانا يختلف
عن ابناء هذا العصر . انسان ينتمي الى زماننا . وبادرنا بعد التحية الى القول :
-اعلم انكم ستأتون الى هنا فجئت لزيارتكم .
-مرحبا بك انى جئت وحيثما حللت .
-قال ذلك الأستاذ تونغ . وتوجهنا لاحتساء غذائنا … ثم عدنا الى الحديقة برفقة الدكتور عاطف . قال لنا فور جلوسه :
-أرجو الا تكونوا متضايقين من الاقامة بيننا .
ردت السيدة توين :
-مضيفتنا تضطهدنا . يا دكتور عاطف .
-انها التعليمات الصارمة يا سيدتي .
-ولماذا تضعون هذه القيود الصارمة علينا ؟
-المسألة أصعب مما تتصورين . وقد جئت الى هنا لأقدم ما أستطيع من عون لكم .
-نشكرك على هذه المبادرة .
قال الاستاذ تونغ . وبعد فترة صمت قصيرة تحدث الدكتور عاطف مخاطبا الاستاذ العجوز:
-ما رأيك بحضارتنا ؟
-قبل الاجابة . لدي سؤال هام ؟
-ما هو ؟
-مجلسكم الأعلى يتكون من مائة عالم كما تقولون فما هي الاضافات العلمية التي قدمها هؤلاء العلماء ؟
فكر برهة ثم أجاب :
-كل ما قدمناه هو تنفيذ توجيهات العقل الاكبر في كافة الميادين .
-والعقل الاكبر ما الذي أضافه على الصعيد النظري ؟
اطرق الدكتور عاطف طويلا . ولم يجب . فعقب الاستاذ العجوز تونغ :
-الان أجيب على سؤالك . ان اعتمادكم على العقل الاكبر في تفكيركم قد بلد أذهانكم وصيركم أدوات منفذة فقط ، عاجزين عن الابتكار والاكتشاف .
-الحقيقة يا استاذ تونغ ان هذه هي آرائي منذ أكثر من عشرين عاما . فقد أدركت الضرر الذي الحقه العقل الاكبر على الانسان خلال هذه الفترة الطويلة . ولكن
التصريح بهذه الآراء يسبب المتاعب الشديدة لذا آثرت أن احتفظ بآرائي لنفسي حتى تحين اللحظة المناسبة. وكنت اهيئ نفسي لأكون رئيسا للمجلس الأعلى . وعند ذلك
أكون قادرا على التغيير . وحين حانت لحظة اختيار الرئيس قبل عشرين عاما ؛ كان العقل الاكبر يقف دوني حائلا . لقد رفض اختياري لهذا المنصب لأنني من أبناء
الارحام وهذا سر لا يعرفه الا العقل الاكبر وأعضاء المجلس العلمي الاعلى . ثم تم اختيار الدكتور مشين فصار عبدا مطيعا لهذه الآلة التي يسمونها العقل الاكبر
. ورغم مجاراتي لهذا الجهاز وتكتمي على آرائي الخاصة . أجد نفسي محاصرا من قبل هؤلاء الناس وما زلت انتظر اللحظة المناسبة للتغيير .
وبادرت الى سؤاله :
-ولم لم تتعاون مع التخلفيين ؟
-التخلفيون لهم آراؤهم الخاصة التي لا أقرها . انهم ينادون بعدم الاعتماد على الآلة ويدعون الى تفجير الطاقات الكامنة في الانسان . واحياء القابليات المندثرة
… لقد قادتهم هذه الافكار الى خوض حرب خاسرة مع اتباع العقل الاكبر . وهم اليوم محاصرون في جبال الهملايا . يعيشون حياة بدائية تنتمي الى طفولة الانسانية
. ونحن هنا لا نعرف عن منجزاتهم شيئا .وبعد صمت اضاف :
-والحقيقة اني بين آونة وأخرى . تحدثني نفسي أن ألجأ اليهم .
وسألت السيدة توين :
-وهل الوصول لهم ممكن ؟
لاذ الدكتور عاطف بالصمت للحظات ثم وجه كلامه الينا جميعا :
-أرجو أن يكون لقاؤنا هذا سرا . لا تخبروا أحدا عما دار بيننا . وخاصة مضيفتكم . انها عين من عيون العقل الاكبر . والآن علي أن اودعكم متمنيا لكم السعادة
في عصرنا .
وحين نهض من مكانه تأبط ذراعي . مشيرا لي أن ارافقه . فامتثلت لأمره . تلفت يمينا وشمالا ثم همس في اذني :
-ربما لا نلتقي ثانية . فأنا معرض للاعتقال بين لحظة وأخرى . ولكني اوصيك اذا ضاقت بك الامور هنا عليك بالرحيل الى التخلفيين .
-كيف ؟
-هذه هي احداثياتهم .
دس في جيبي ورقة صغيرة دونت فيها الاحداثيات التي تمكنني من السفر اليهم بالكبسولة ان أردت ذلك.
* * *
حين غادر الدكتور عاطف . انصرف ساليك متأبطا ذراع السيدة توين . وغابا بين أشجار الحديقة . وتوجهت برفقة تونغ العجوز الى النهر . قال لي :
-اذا كان الدكتور عاطف وهو عنصر قيادي كبير ناقما على العقل الاكبر . فكيف حال عامة الناس ؟
-لا بد ان الجميع ناقمون على هذا الوضع .
-ألم أقل لك : هناك وجه آخر لم نتعرف عليه بعد .
-فعلا .
-أرى ان أمورا كثيرة ستحصل في المستقبل القريب . وقد نكون قادرين على فعل شيئ ما يخص احفادنا البائسين .
-وماذا نستطيع أن نفعل ؟
-لا أدري . فالمسألة تحتاج الى تفكير .
وصلنا النهر وحطت أنظاري على القصب النابت على حافته . وبزغت في ذهني فكرة خاطفة : لماذا لا أصنع شبّابة ؟ اختطفت قصبة على الفور . وبدأت بمعالجتها . بينما
جلس العجوز على كنبة في مواجهة النهر . ظل غارقا في صمته ؛ ربما كان يفكر في تفجير ثورة على العقل الاكبر . ربما يخطط لاحتلال مقر المجلس الأعلى . ربما
كان يحلم بنسف مركز الولادات . يداي منهمكتان في حفر القصبة وتثقيبها ، وشفتاي تتمتمان بكلمات وألحان كنت الحنها خلال الاسبوع المنصرم … وبعد أكثر من ساعتين
تنبه لي تونغ العجوز وسألني :
-ماذا تفعل بهذه القصبة ؟
قربتها الى فمي ونفخت فيها من أحزاني . فانساب صوتها دافئا رخيما .
عدت الى الحديقة العامة فوقفت على ظهر كنبة ومثلما كنت افعل في عصري الذهبي . قبل اربعمائة عاما . بدأت بالعزف على الشبابة فتدفقت الاغنيات ساخنة . وتدفق
الناس الى الحديقة مذهولين وما هي الا دقائق حتى كان الناس يجلسون أمامي على العشب صفوفا . كان حزن شفاف لذيذ يغلف وجوههم وهم يتمايلون مع ايقاع الاغنية
. ورأيت عيني ماري توين تغرقان بالدموع ، فغيرت اللحن عزفت لهم لحنا راقصا . وفجأة نسيت ماري توين حزنها . مسحت دموعها . وسحبت رفيقها ساليك من ذراعه .
وضعت يدها على كتفه . وأمسكها من خصرها وبدأا رقصة رشيقة , تدفقت حنجرتي بالغناء . وبدأت حمى الرقص تنتشر بين الناس . كان رقصا عفويا دون قواعد مسبقة .
ولكنه مفعم بالنشوة . وكلما توقفت لاسترد أنفاسي طالبوني بالاستمرار بالغناء . حتى دوت صافرة العشاء . وفي المطعم كان البعض يتفحص الشبابة محاولا العزف
عليها . والبعض الآخر يرجوني أن أصنع واحدة مثلها . وآخرون يسألونني عن سر السحر الكامن في هذا النشاط . وفي الساحة المواجهة للمطعم استمر السهر حتى منتصف
الليل ، ربما هي أول مرة يبقى الناس ساهرين الى هذه الساعة من الليل . ، في عصر الازدهار الحضاري . ولم يسمحوا لي أن آ وي الى النوم الا بعد ان وعدتهم أن
أحيي لهم حفلة اخرى في الليلة القادمة .
حين عدنا الى مقر اقامتنا كان الإعياء قد أصاب السيدة توين وصاحبها ساليك من شدة الرقص . وقال الاستاذ تونغ :
-اصحاب العقل الأكبر يتصورون انهم أحدثوا تغيرات جذرية في الانسان . انهم لم يغيروا غير القشرة الخارجية . انظروا الى هؤلاء الناس كيف أعادتهم هذه القصبة
الى حال أجدادهم القدامى . الانسان هو الانسان.
وعقب ساليك :
- ان هذه الخطوة قد منحتنا شعبية كبيرة بين أبناء هذا العصر .
رد تونغ :
-هذا ما افكر به . بواسطة هذا النشاط قد نسهم في احداث تغيير مهم .
* * *
في اليوم التالي طالعتنا جريدة الصباح بالنبأ العظيم ( ردة الى عصور التخلف ) كان هذا عنوان الخبر الذي نشرته جريدة الصباح منددة بالحفل الغنائي الذي أقمناه
ليلة امس . فوصف بأنه عمل هدام وتبديد للطاقات البشرية . وعند الانتهاء من سماع الخبر . همس في اذني الاستاذ تونغ :
-أتعرف محرر الجريدة ؟
-لا أعرفه ؟
-انه العقل الاكبر عينه . فهيئ نفسك لاستقبال المتاعب .
بعد دقائق وصلت المضيفة . وسألتني غاضبة :
-ماذا فعلت ليلة امس ؟
-لم أفعل شيئا .
-العقل الاكبر غير راض عنك . ألم أخبرك بأنه لا يشجع على ممارسة الفنون ؟
وبعد دخولنا المختبر لأجراء الفحوص اليومية وصل شخصان غريبان . وهمسا في اذن المضيفة فاستدعتني من بين جماعتي . وسلمتني لهما . سألوني عن مكان الشبابة .
ونقلاني الى مبنى لم أدخله سابقا . وهناك وجدت لجنة تحقيقية تنتظرني . وكانت الشبابة أمامهم يتفحصونها بدقة ..استجوباني طويلا .
قبل مغيب الشمس اطلقا سراحي . وأعادوني الى مقري بعد ان أخذوا تعهدا علي الا أعود الى ممارسة هذا النشاط ثانية …. وجدت رفاقي الثلاثة ينتظرونني بفارغ الصبر
. أجبتهم بالتفصيل . ولم نستطع تحليل الامور لوجود المضيفة بيننا .
في المطعم وجدت نظرات الناس متعاطفة معي الى أبعد الحدود . حاول بعضهم ان يقترب مني ليعلن عن رغبته في اقامة حفلة جديدة . ولكن المضيفة ابعدت الجميع محذرة
من عقاب العقل الاكبر لهم . ولأول مرة الاحظ كلمات الاحتجاج تصدر عن أفواه هؤلاء الناس ، واصفين هذه الاجراءات بالظلم والتعسف . وهمس الاستاذ تونغ في غفلة
عن المضيفة :
-لقد بدأت علامات التحدي تظهر عليهم . انها الشرارة الاولى .
وعلى مقربة كان آخرون يتحلقون حول البرتو ساليك وماري توين . يتحدثون بحماس عن الليلة الممتعة التي قضوها في الاستمتاع الى الغناء وصوت الشبابة .
وحين عدنا الى مقرنا وتهيئنا الى النوم بعد ان غادرتنا المضيفة . فاجأني ساليك والسيدة توين باخراج قطع من القصب من تحت ملابسهما . وطلبا مني أن أصنع لهما
شبابات . لقد دسها لهما الناس أثناء تواجدنا في المطعم ، وفي غفلة عن عيني المضيفة . وسهرنا الى ساعة متأخرة ، نحفر قطع الخشب ونثقبها فتصير آلات موسيقية
. في الليالي اللاحقة تكرر الامر . فكنا نقضي ساعات السهرة في هذا العمل … وخلال أيام قلائل صارت الشبابة موضة شائعة بين الناس . ليس في العاصمة وحدها بل
امتدت الى كل مدن الارض : فكنا نرى الناس أينما ذهبنا ينفخون بشباباتهم محاولين تعلم العزف . …
كان رد فعل العقل الاكبر عنيفا . فقد أصدر أمرا الى المجلس الاعلى بإنزال قوات تصادر هذه الشبابات من أيدي حامليها . وتهشمها … ومع ذلك ظلت موضة الشبابة
تزداد اتساعا .
وذات يوم فوجئنا بجريدة الظهيرة تعلن نبأ اعفاء الدكتور عاطف من عضوية المجلس الاعلى ومن كافة مناصبه الاخرى . وتعيينه موظفا صغيرا في مذخر للأدوية وحين
سألنا المضيفة عن سبب اعفائه . أجابت بأنه قد اعترض على قرار العقل الاكبر بقمع موضة الشبابات . وطالب بحرية نشاط الناس . ما دام هذا النشاط لا يؤثر على
عملهم . عندها قالت لي السيدة ماري توين :
-انظر . ماذا فعلت شبابتك في عصر الازدهار.
* * *
انقضى اسبوعان على بعثنا للحياة وحلت العطلة الاسبوعية الثانية لمضيفتنا . وتنفسنا الصعداء ، لأننا سنقضي يوما كاملا بعيدا عن مراقبتها . ومع دخولنا المطعم
التف الناس حولنا مرحبين . بعضهم يخفي شبابته تحت ثيابه , والبعض الآخر يمسكها بيده ، متحديا سلطان العقل الاكبر . اقترب مني أحدهم وعرض علي شبابته راجيا
أن اعلمه العزف . وبدأت اعلمه كيف يمسكها ، وكيف يحرك أصابعه . وبدأ آخرون يخرجون شباباتهم ويحاولون تعلم العزف … ازداد الحشد اتساعها فخرجنا الى الحديقة
العامة … وهناك أزداد الحاح الناس علي طالبين الغناء … وتدفقت الأغنيات شجية خضراء واشتبكت الجموع برقصة جماعية .
لكن الحفلة الجماعية لم تدم طويلا … فقد فاجأنا رجال العقل الاكبر . أمروني بمرافقتهم . وطالبوا الآخرين بالانصراف . تعالت أصوات الجماهير غاضبة . لقد رفضوا
الانصياع لرجال العقل الاكبر . وطالبوهم بإطلاق سراحي .بل رأيت البعض من الجماهير يتقدم نحو قوات السلطة ويحاول أن يخلصني من أيديهم . بدأ الشجار بين الطرفين
. ثم انطلق في الحديقة دوي قنبلة تنفجر . وتعالى دخان كثيف . كانت قنبلة مسيلة للدموع . . تفرق الناس على غير هدى . واقتادني رجال العقل الأكبر .. وادركت
ان الامر لن يمر بسلام هذه المرة .
وفجأة تذكرت نصيحة الدكتور عاطف . تلمست الورقة التي دسها في جيبي . قلت لرئيس المجموعة التي القت القبض علي :
-لكنني بحاجة الى تبديل ملابسي ، قبل أن أذهب معكم .
-اذا كان الامر يتوقف على تبديل ملابسك . فهو أمر هين .
أمر اثنين من أتباعه أن يرافقاني الى شقتي ريثما أبدل ملابسي ، وأعود معهم . دخلت شقتي وبقي الاثنان ينتظراني عند الباب . كانت الكبسولة بانتظاري . وبرمجت
لوحة قيادتها على وفق الاحداثيات التي زودني بها الدكتور عاطف . وبعد أربع دقائق ونصف … اتقد الضوء الاخضر معلنا وصولي الى بلاد التخلفيين على جبال الهملايا.
images/clip_image