١
مر شهر بعد قبض الجنود على روكامبول في منزل مس ألن حين وافاها إليه من ذلك الدهليز السري.
ويذكر القراء تلك الكلمات الأخيرة التي قالها لمس ألن، وهي توشك أن تجن من فرط حزنها، قال لها: اذهبي إلى باريس، وعودي بميلون ورفاقه.
ثم مشى مع الجنود إلى السجن بأتم السكينة.
ولما وصلوا به إلى سجن نوايت الرهيب وجد فيه كثيرًا من الجنود فاستدل من ذلك على مبالغة الأسقف بترس توين بالحذر، وأن القبض عليه كان مدبرًا خير تدبير.
وقد كان في طليعة أولئك الجنود حاكم السجن نفسه وهو محاط بحراسه فحياه روكامبول تحية الصديق للصديق، فقال له الحاكم وقد عرفه: إنك قد عبثت بي مرة حين أنقذت ذلك من السجن، ولكنك لا تجد من ينقذك، فسنحرص عليك أشد الحرص.
فابتسم روكامبول، وقال: إنك تحسن صنعًا.
– وسأتولى حراستك بنفسي فقد علمنا الآن أنك أحد هؤلاء الزعماء الإرلنديين الذي طالما أقلقوا خواطر إنكلترا.
فأجابه بسكينة: إن ذلك من الممكنات.
– ولا بد لي من إخبارك أن يوم إعدامك سيكون بعد ثلاثة أسابيع أو شهر.
– إني أشكرك يا سيدي لهذا التفاؤل.
وكان الحاكم لا ينفك عن الابتسام لروكامبول، فقد كان هذا الرجل طروبًا بالفطرة، وكان يرى ذلك السجن الرهيب المظلم من أجمل قصور الأرض فوضع يده فوق كتف روكامبول، وقال له: لدي نبأ أخبرك به، وأرجو أن يسرك، فإن أمرك منوط بي في هذا السجن، وأنا حر في معاملة المسجونين كما أشاء.
وبوسعي أن أخفف وطأة سجنهم إذا أردت، والذي يبدو لي منك أنك كريم الأخلاق وافر الأدب، ومن كان مثلك وجبت رعايته ولا يجمل بمثلي أن يعامله معاملة أدنياء المجرمين.
– إني أشكرك كل الشكر يا سيدي ولا أنسى لك هذا الإحسان.
– والحق إني ميال إليك وإني أجاهر بحبي للفرنسيين، ولا أخشى لومة لائم، وفوق ذلك فإنك كما قلت لا رجاء لك بالحياة أكثر من شهر، فلا أحب أن تعذب في خلاله، ولذلك أعددت لك وسائل الراحة، وستجد في غرفتك سجينًا آخر يؤاسيك وتؤاسيه، وقد أذنت لك بمطالعة الكتب وقراءة الجرائد.
فقال له روكامبول: أتأذن لي بالكتابة أيضًا؟
– دون شك.
ثم أشار إلى الحراس فذهبوا بروكامبول إلى الغرفة المعدة لسجنه وكان لها نافذة تطل على فناء.
ولما دخل إليها رأى رجلًا مضطجعًا فوق سريره، فهب من مضجعه، ونظر نظرة وحشية إلى الداخلين.
وكان هذا الرجل في الثلاثين من عمره، طويل اللحية نحيل الوجه براق العينين، فناداه أحد الحراس باسم برنيت وقال له: إنك لا تبيت وحدك بعد الآن.
فأجاب: إن ذلك سيان عندي.
ثم عاد إلى مضجعه دون أن ينظر إلى روكامبول، فلما انصرف الحراس وبات روكامبول وحده مع هذا الرجل نظر إليه مبتسمًا وقال: إني أراك شديد الكآبة أيها الصديق.
فنظر إليه السجين نظرة إنكار وقال: أتريد أن أكون فرحًا طلق المحيا في هذا السجن الضيق؟
– أتقيم طويلًا فيه؟
– كلا، إني سأشنق في السابع عشر من هذا الشهر.
– أي ذنب جنيت؟
فرسم برنيت علامة الصليب على وجهه، حسب اصطلاح الجمعية السرية الإرلندية.
فدهش روكامبول، وأجابه بمثل إشارته، ورأى وجه الإرلندي قد استنار.
فأشار له روكامبول إشارة سرية أخرى لم يفهمها.
وأدرك لفوره حقيقة أمر هذا السجين وقال: لا شك أن هؤلاء الإنكليز أضعف منا في مجال الحيلة، فإنهم وضعوني مع رجل ليس هو من الإرلنديين ولكنه عرف رموزهم، إنهم يستطيعون أن يجعلوه جاسوسًا عليَّ، وسوف نرى ما يكون.
ثم رفع عينيه إلى السماء وقال: لا تأسف أيها الصديق إن الموت في سبيل الإرلنديين خير من الحياة.