٤

6 0 00

٤

كان الحاكم ينتظر برنيت بفارغ الصبر فلما دخل إليه أخبره بجميع ما تلقنه من روكامبول فسُرَّ الحاكم سرورًا عظيمًا وقال لبرنيت: إنه خبر عظيم سنكافئك عليه خير مكافأة.

– وهذا الذي أرجوه يا سيدي؛ لأني ما رضيت أن أسجن نفسي طائعًا إلا طمعًا بمثل ما تعدني به.

فأعاده الحاكم إلى سجن روكامبول وأمر بإحضار مركبة وذهب بها مسرعًا إلى منزل الأسقف بترس توين.

وقد تقدم لنا في الأجزاء السالفة وصف ذاك الأسقف، ولكي نزيد وصفه إيضاحًا تعرف به حقيقة منزلته لدى القراء نقول: إنه يشبه بزعامته الإنجليكان زعيم الجزويت، وله من التأثير على أسقف كانتروبوري ما لرئيس الجزويت من التأثير على البابا.

وقد لقيه حاكم السجن في منزله فلما دخل عليه وجده مكبًّا على الكتابة ولديه كثير من الرسائل الخطيرة.

أما الأسقف فإنه ذعر لمنظر الحاكم وقال: ماذا ألم بك؟ ألعلك أتيت لتنذرني بفرار الرجل العبوس؟

فابتسم الحاكم وقال له: ليطمئن مولاي؛ لأني أتولى حراسة هذا الرجل بنفسي فلا يمكنه الفرار، ولكني أتيت أخبرك أنه باح للجاسوس ببعض أسراره.

– ألعله ذكر اسمه الحقيقي؟

– كلا، ولكنه قال: إن أعظم زعيم للإرلنديين مقيم الآن في باريس وإنه يتأهب لعمل سري عظيم.

– وما اسم ذاك الزعيم؟

– روكامبول.

– إني ما سمعت بهذا الاسم الغريب قبل الآن فهل علمت شيئًا عنه؟

– كلا، غير أن الجاسوس عرض عليَّ أمرًا يدل على ذكائه ويسهل القبض على ذاك الزعيم.

– ما هو هذا الخاطر؟

– إن روكامبول برح إنكلترا لتوهمه أن الشرطة تبحث عنه فلو نشرنا في المورنن بوست والتيمز أن روكامبول زعيم الإرلنديين الشهير قد قُبض عليه وزج في سجن نوايت يقف على الخبر حين مطالعته الجريدتين فلا يبقى له سبيل للخوف ويعود إلى لندرا فنقبض عليه.

– إنه فكر جيد على بساطته.

– أترى أنه يجب إنفاذه؟

– كلا، فدعه الآن إلى أن أفكر فيه، وبعد فاعلم أيها الصديق أن مسألة الإرلنديين لا أضعها في المنزلة الأولى من الاهتمام، فإني إذا كنت قد بذلت ما بذلته من الجد والاهتمام في القبض على الرجل العبوس، فما ذلك إلا لأنه ساعد الأب صموئيل الأيمن.

وأنت تعلم غيرة ذاك الأب العظيمة على الكنيسة واحترام أهل لندرا لا سيما الفقراء منهم بهذا الأب، فلو تركته وشأنه ولو لم أقطع ساعده لأفسد علينا طائفتنا ورد كثيرًا من قومنا إلى طائفته.

– والرجل العبوس ماذا نصنع به؟

– نحافظ عليه إلى أن يصدر الأمر بإعدامه فإن رئيس العدلية لا يريد محاكمته قبل أن يعرف اسمه الحقيقي.

– ولذا أرى أنه لا بد من القبض على روكامبول؛ لأننا إذا قبضنا عليه نعلم منه حقيقة اسم الرجل العبوس.

– لقد أصبت ولكن لا تنشر الآن الإعلان في الجرائد واصبر إلى المساء أخبرك ما يجب أن نصنع.

وبعد هنيهة عاد الحاكم إلى سجنه وأرسل الأسقف إلى إدارة التلغراف، فأرسل الرسالة الآتية:

باريس … السير جمس وود.

في أوتيل دي لوفر.

أتعرف زعيمًا للإرلنديين يقيم الآن في باريس ويُدعى روكامبول؟

بترس توين

وأقام الأسقف في منزله جميع نهاره ينتظر الرد، فلم يرد ذلك؛ لأن السير جمس كان في تلك البئر التي سجنه فيها مرميس كما يذكر قراء رواية تلميذ روكامبول.

فلما سئم الأسقف من ورود الجواب شغل باله وذهب إلى اللورد بالمير فقال: أوردت إليك رسالة من السير جمس؟

– كلا.

فأخبره الأسقف بما كان بينه وبين حاكم السجن، وبانشغال باله لتأخير جواب السير جمس.

فطمأنه اللورد وقال: لا شك أن السير جمس يبحث الآن عن روكامبول، ولا يستطيع أن يجيبك قبل أن يقف على أثره.

فخرج الأسقف من عنده مطمئنًا وأرسل يخبر حاكم السجن كي يرسل الإعلان إلى الجريدة فكتب الحاكم الخبر كما يأتي:

إن هذا الرجل الذي يدعونه روكامبول، وهو أشد زعماء الإرلنديين الذين طالما أقلقوا الحكومة بدسائسهم، قد قُبض عليه في دبلين وسيرسل إلى إنكلترا، والمرجح أنه يسجن في نوايت إلى أن تتم محاكمته.

وقد كتب منه ثلاث نسخ فأرسلها إلى التيمز، والمورنن بوست، وإفنن ستار، وهي أشهر الجرائد الإنكليزية، وجعل يفرك يديه فرحًا ويعلل نفسه بالقبض على روكامبول، وهو لا يعلم أن روكامبول في سجن نوايت، وأنه قد سقط في فخ روكامبول.