-2-
رفع رأسه عن مجلة ( اكسبلوجر) التي يتصفحها بيده و التفت ناحية الرجل الهائج الذي دخل عليه .. فسأله بهدوئه المعتاد ..
- " سيدي .. سيدي .. "
- " ماذا هناك يا ماريو ؟ "
توقف الرجل حتى يرتد أنفاسه المتقطعة و قال و هو يلهث
- " سيدي .. احمل لك أنباء... غير سارة "
قهقه مستهزأ و أعاد بصره إلى المجلة التي بيده و أخذ يقلب أوراقها و قال غير مكترثا و هو ينظر إلى فتاة شقراء تعرض فساتين لمختلف مصممي الأزياء الذين تصورت معهم .. ثم قلب الصفحة .. و هو يقول ..
- " و ما عساه أن يكون أسوأ من خسارتنا للصفقة مع ريس ؟! "
لكن ماريو كان جادا فيما يقول فهو لم يتأثر بكلام سيده فقال بصوت متوتر
- " للأسف يا سيدي إنه أسوأ.. "
استطاع توتر ماريو و جديته أن يؤثر عليه فأصابه القلق و خشي من ما سيسمعه فترك المجلة التي بيده و استقام واقفا ليقترب من ماريو الصغير الحجم بالنسبة لضخامة سيده
- " هل ستخبرني يا ماريو الآن أم يتوجب علي أن انتظر دقائق أخرى حتى يهتز بدني بأكمله و أشعر بالغثيان؟ "
لا يعرف ماريو لم يشعر بالرهبة كلما اقترب منه الدون باتريك ليس فقط لضخامة جسده بل أيضا لشخصيته المهيبة .. بلل ريقه و قال بصوت مرتجف
- " إنها الكونتيسة .. لقد ..لقد توفيت بالأمس إثر حادث "
سكت ليأخذ نفس آخر ثم أضاف
- " و نقل زوجها إلى المستشفى و هو الآن في غيبوبة .. "
لم تعد رجله تستطيع تحمل جسده .. فجر نفسه بصعوبة و جلس على الكرسي الذي كان يتمدد عليه قبل قليل .. وضع يده على رأسه إثر الصدمة التي تلقاها فرأسه لم يستحمل تلك الصدمة الكبيرة ..
- " دون باتريك .. أنا آسف لفقدك والدتك ..و أكثر من ذلك أنا آسف لأني من نقل لك هذا الخبر "
نظر إليه دون أن يعلق منتظرا ماريو أن يكمل كلامه ..فقال بحزن و هو ينظر إلى سيده الذي بالفعل اهتز بدنه و لم تحمله رجليه ليجلس ذلك الرجل الضخم و يصبح منكسرا
- " لقد رتبنا لك للعودة إلى أسبانيا اليوم لدفان الكونتيسة و لتكون المضيف في الجنازة يا سيدي "
فتح عيناه على اتساع .. فلقد استوعب الأمر لتوه .. لقد توفيت والدته .. و هذا الأمر حقيقي .. لكنه لم يتخيل يوما ما بأنه سيفقدها بل اعتقد دائما بان الأمور ستصلح بينهما و ليس بان تغادر هذه الحياة و الأمور بينهما معقدة .. فهو لم ير والدته منذ ستة سنوات غادر فيها إلى لوس أنجلوس و لم يتحدثا خلالها لأنه كان مغتاظا و معترضا تزوجها من رجل لا يستحقها و ليس من مستواها فهي كونتيسة و زوجها السابق دوق ألبا و كذلك ابنها الوحيد ...
- " دون باتريك .. هل تسمعني ؟! "
قاطعه صوت ماريو من أفكاره .. استقام واقفا و دخل إلى حجرته و أغلق الباب خلفه ..
وقف ماريو مع داني صديق باتريك ينظران إلى الباب و ينتظران أن يفتح و يخرج منه لعله يتحدث إليهما ...
- " هل تعتقد بأنه سيخرج ؟! "
وجه ماريو السؤال إلى داني .. صديق باتريك ..
- " ليس لدي أدنى فكرة .. "
- " لم اعهد الدون هكذا من قبل.. "
- " إنها والدته يا ماريو و هو لم يتحدث معها منذ سنوات .. اعتقد بأنه سيأخذ وقتا طويلا"
- " إذا يجب أن أخبر كابتن الطائرة بأننا سنتأخر قليلا .. فهو سيقلع بعد ساعتين "
رفع ماريو الهاتف الأسود الذي يحمله بيده ليتصل بكابتن الطائرة الخاصة الذي سيأخذهم إلى أسبانيا و يخبره بتأخرهم ...
- " لا بل سنبكر "
التفتت الاثنان ناحية الصوت و إلا به باتريك واقفا و هو يدفع حقيبته بيده موشحا بالسواد ببذلته و قميصه و ربطة عنقه السوداء و قد بدا عليه الحزن و اليأس و مع ذلك كان واثقا و قويا و مهيبا ..
أبتسم ماريو .. فهذا هو سيده رغم الصعاب هو كالجبال .. أسرع بأخذ الحقيبة منه ليحملها إلى السيارة .. فماريو يقوم بكل شيء .. كل صغيرة و كبيرة تتعلق بالدوق .و كما يقولون ذراعه الأيمن ..أي لا يمكن أن يقوم الدوق بشيء دون أن يكون ماريو على علم به .. ماريو شخصية مهمة على الرغم من منظره اللطيف فهو هزيل البينة و صغير الحجم ذو شعر أسود خفيف و ذقن مرتب .. و هو من الرجال الدائمي لبس البذل الرسمية السوداء و الذين يتحدثون بالهاتف لأربع و عشرين ساعة ...
و بعد ساعة كانوا جالسين في قاعة الانتظار للدرجة الأولى فقد اخبرهم الكابتن بأنهم لم يسمحوا له بالإقلاع قبل الموعد المحدد بسبب زحمة الطائرات ففتحوا للدوق القاعة حتى يستريح فيها لساعة و بعدها يغادر إلى أسبانيا ..و في هذه الأثناء كان جالسا لوحده بعيدا عن ماريو و داني ينظر من النافذة إلى الناس و حركتهم داخل المطار .. انتبه لامرأة شقراء جميلة تسير و تسير قافلة خلفها ..تتبعها و هي تتحرك و تتحدث مع من حولها .. كانت توشوش في أذن الرجل الذي معها ثم تبتسم ..ابتسم باتريك بدوره .. و لا شعوريا رفعت عيناها لتنظر إليه .. كان غير متأكدا بأنها تستطيع رؤيته .. لكنها عندما ابتسمت له أدرك بأنها قد رأته بالفعل .. و للأسف.. بسرعة جذبها الرجل الذي معها ليدخلوا حيث الباب المؤدي إلى سوق المطار .. ثم اختفوا ...
وقف و هم بالخروج فانتبه له ماريو .. و أسرع داني يقترب منه قائلا
- " باتريك .. إلى أين ؟ "
- " أريد أن أحرك ساقي قليلا "
- " أين ؟! "
أشار إلى سوق المطار في الأسفل .. ففغر داني فاه و أشار إلى ماريو أن يقترب منهما
- " سنذهب معك .. نحتاج لان نحرك ساقينا أيضا "
- " حسنا "
كان يسير و ينظر إلى الناس ..يبحث من بين الوجوه .. عن تلك الجميلة التي ابتسمت له من بعيد ثم اختفت بين الحشود .. و الناس من حوله بعضهم من يضحك مع آخر وثاني يتقافز فرحا و طفل يبكي و آخر يصرخ و أطفال يركضون و يكادون يصطدمون برجليه فيوقفهم ماريو .. و فتيات ينظرن إلى باتريك و يتهامسن و يرسلون له ابتسامات و نظرات إعجاب .. فيبادلهما بإيماء برأسه .. و امرأة كبيرة بالسن تضحك في وجهه .. و رجل يهرول و آخر ينادي على عائلته فيركضون مسرعين للحاق بالطائرة .. و كل لاهي بمشاكله و همومه .. حتى رأى تجمهر في إحدى الزوايا و آلات تصوير ..
أغلق ماريو الهاتف و وجه كلامه للدوق
- " سيدي يجب أن نذهب "
- " لا .. انتظر ماذا هناك ؟ "
كان يقترب ناحية التجمع فقال له داني
- " لعلهم الإعلام و قد عرفوا بأمرك يا باتريك "
- " لا .. انظر .. إنها هي .. "
- " من ؟! "
نظر إليه داني مستغربا .. فأشار باتريك .. و انتبه بأنه قد يكون أفضى عن مكنونه أكثر من اللازم فقال مصححا
- "امرأة يجتمع حولها المصورين و المعجبين "
أشار ناحية امرأة هيفاء ترتدي فستان رمادي ضيق يفصل جسدها الرشيق .. شعرها أشقر كثيف يتساقط على كتفيها كالشلال و كانت تضع ماكياج يتماشى و لون ثيابها الأنيقة تسير بكل ثقة و تبتسم للملتمين حولها .. سمعها تجيب أحد المعجبين عن سؤال ما
- " إلى أين أنت ذاهبة ؟ "
فابتسمت له قائلة
- " سألف أوروبا كلها "
- " هل تأخذيني معك ؟"
صاح احد الشباب فضحكت تلك الجميلة و سارت مودعة إياهم حتى اختفت داخل قاعة الانتظار للدرجة الأولى .. أحس برغبة في أين يتبعها و ما أن دخل خلفها القاعة حتى أوقفه رجال الأمن فاخبره ماريو بأنه دون باتريك و انه من الدرجة الأولى أيضا .. فسمح له بالدخول .. لكن و للأسف .. تأخر .. اختفت مرة أخرى و لم يجد إلا أمتعتها على الأرض .. انتظر قليلا علها تعود .. و لكن رجل أصلع طويل القامة و هو الذي كانت توشوش في أذنه عندما كان يرقبها أتى ليحمل أمتعتها و آلات التصوير .. فشعر بخيبة أمل .. عندها أتى ماريو و أخبره بأن يصعد إلى الطائرة لأنها ستقلع خلال دقائق ..
و في الطائرة كان مشغول البال لم يعرف هل يفكر بتلك الشقراء الهيفاء التي أسرت قلبه المحطم و هو الذي لم يلمحها إلا من بعيد !! .. حتى أنه لم يركز في ملامحها .. أم يفكر بوالدته التي خرجت عن العادات و التقاليد التي اشتهرت بها عائلتهم المحافظة و طعنت برأي ابنها الوحيد و تزوجت من رجل ليس من مستواها فيغادر و يتركها لمدة ست سنوات و لا يتحدث إليها لا في الأعياد و لا في المناسبات .. فهل الحزن هنا ينفع بعد فوات الأوان .. بعد أن غادرت دون أن يراها و تراه دون يسمع صوتها .. كان نادما لفقدها و محزونا أكثر لأنها لم تكن تبالي أو تكترث بالخصام الذي بينها و بينه بل فضلت الرجل الغريب عليه حتى بأنها لم تبادر بإرضائه أو التحدث إليه فلطالما عرف عن الكونتيسة مارسيلا بقسوتها و صلابتها ... و لكن مع هذا فقد أحبها بصدق فهي والدته .. و الأكثر من شعوره بالندم و الحقد عليها في نفس الوقت إلا أنه يشتاق لها الآن مثل كل طفل يرجو أن يغفو في حضن أمه..
- " دون باتريك لقد وصلنا .. هل نمت يا سيدي ؟! "
رفع رأسه عن النافذة و التفتت إلى ماريو
- " لا يا ماريو .. أنا مستيقظ "
- " جيد .. أرجو أن لا تكون متعبا يا سيدي فلدينا رحلة أخرى من مدريد إلى مطار ألبا و من ثم إلى القصر "
- " لا لست متعبا .. استطيع أن أتحمل خمس ساعات أخرى"
التفت إلى صديقه داني الذي كان نائما بطريقة مضحكة فشعره الأصفر قد تبعثر فوق جبهته و يده اليمنى أسفل خده الأيمن و فمه مفتوح و كان يشخر بصوت مرتفع .. فأخذ باتريك هاتفه و قام بالتقاط صورة له .. انفجر الجميع ضاحكين موقظين بصوتهم داني المسكين الذي قفز مفزوعا
- " ها .. ما .. ماذا يجري ؟! "
لم يستطع احد الرد عليه فالكل كان يضحك .. و الذي أضحكهم أكثر بان ماريو سقط أرضا من كثرة الضحك .. ملامح داني الجدية بأنفه الدقيق و شعره الأشقر تجعل من الصعب أن يتخيل أحد نائما بطريقة مضحكة و غريبة .. فداني تغلب على ملامحه الجينات الأمريكية على جيناته الأسبانية .. فوالدة داني أمريكية انتقلت مع والدها السفير الأمريكي إلى ألبا و هناك وقع في غرامها والد داني الذين كان يعمل كمدير لمصانع ألفاريز دي تيلدو ..
وضع يده على شعره الأشقر
- " يا إلهي يا باتريك هل أنت بخير ؟! لم تضحك ؟! "
توقف باتريك عن الضحك ليسترد أنفاسه قائلا
- " آه يا داني .. و لم لا أضحك و أنت نائم تزأر كالأسد .. آه لم أضحك هكذا منذ يومان .."
استقام داني واقفا و كان منزعجا و في نفس الوقت كان سعيدا لأنه استطاع أن يدخل البهجة في نفس صديقه المقرب و كذلك العاملين عنده الذين اكتأبوا لحزنه و الآن ضحكوا معه عليه .. هذا جيد ..
توقفت الليموزين عند مدخل القصر الريفي في ألبا في الساعة الثانية عشر صباحا و كان الجميع منهمكين بسبب الرحلة الطويلة .. دخل باتريك المنزل الذي عاش فيه طفولته و مراهقته و غادره و هو في الرابعة و العشرين أي قبل ست سنوات .. و عاد إليه ليدفن والدته غدا صباحا و يكون المضيف في حدادها .. انه يشعر بالعار فوالدته لو كانت على قيد الحياة لأرسلته من حيث أتى ..لقالت له ( هل عدت فقط لدفني !! ) يا له من عار .. يعود إلى موطنه و أصله و نسبه فقط من أجل أن يقف على رجليه و يصافح الناس المقربين و الأصدقاء المعزين بوفاة والدته التي لم يعرف عنها شيئا منذ سنوات طويلة ..
تمشى في القصر القديم و أخذ يتلفت يمينا و شمالا لعله يجد والدته جالسة على أحد المقاعد إما تقرأ كتابا أو تكتب رسالة لأبيه أو تفتح ذراعيها حتى تحضنه و تمسح دموعه عندما يبكي .. أو تقف في إحدى زواياه تغني مع الأصدقاء في كل عيد و يقوم هو بالعزف على البيانو الذي كانت تعلمه كيفية العزف عليه ... إنه يكره هذا البيانو الآن .. فأين والدته لتعزف عليه ؟!!
أو أين هي لتلم العائلة على المائدة الكبيرة في غرفة الطعام .. أم تسقي الزهور في مشتلها الصغير .. أم تقف أمام التل لتنظر إلى الكروم الكبير و تخبره بأنه سيغدو مثل والده يوما ما فارسا شهما نبيلا .. و أنه سيهتم بالمصانع و بصنع أفضل أنواع النبيذ الذي اشتهرت فيه عائلة ( آلفاريز دي تيلدو ) لقرون ...
و في آخر المطاف و هو يأخذ جولة في المكان الذي ولد فيه و عاش فيه نصف عمره ليقف أمام حجرتها و تردد في فتح بابها .. لأنه يعلم بأنه سيتألم عندما لا يجدها ..و أخيرا مد يده و فتح الباب تخيلها جالسة على تسريحتها تسرح شعرها و تلقي نظرة أخيرة على ثيابها و تأنقها و تأخذ برأيه
- " باتريشو .. ما رأيك بأمك ؟! "
فأجابها بكل فخر ..
- " أنت أجمل النساء يا أمي و أنقهن "
اقترب منه و تخيلها تحضنه بقوة مبتسمة ..
- " لو سمعت زوجتك هذا الكلام .. ستغار مني حتما "
- " دعيها تفعل ما تشاء .. أنا صادق .. أنت أجمل أمرأة في أسبانيا كلها "
طبعة قبلة على رأسه مازال يشعر برطوبتها و حرارتها ..
سار حتى توقف عند النافذة التي كانت تقف عندها والدته .. تطل على الكروم و الإسطبل الكبير حتى تتأكد من سلامة ابنها كل يوم عندما يذهب لركوب الخيل حتى عندما غدا شابا و اشتد ساعده.. كانت تصيح على سائس الخيل أن يشد من الرباط و يتأكد من تثبيته على ظهر الخيل ...
سالت دمعته و هو يتذكر المواقف السعيدة مع والدته تلك المواقف التي تمحي الضغينة من قلبه و تجعله اليوم نادما اشد الندم لهجره إياها كل تلك السنوات .. لكن هل ينفع الندم الآن ؟؟
- " دون باتريشو هل هذا أنت يا عزيزي ؟! "
استدار ناحية الصوت الموسيقي الحنون الذي اعتاد النوم عليه و قال بصوت مخنوق
- " نانيرا إيزابيلا "
حضنها بقوة و استطاع أن يحكم على ضلوعها بساعديه .. آه لقد غدت تلك المرأة القوية عجوز ضعيفة و نحيلة ..
- " لقد أصبحت رجلا ضخما يا بني .. اشتقت لك "
- " و أنا كذلك يا نانيرا .."
اشتاق لان ينطق باسمها .. نانيرا .. أي (مربيتي).. أضاف و هو ينظر إليها بشوق
- " لم أنت مستيقظة حتى الآن ؟ "
- " لقد علمت بقدومك و سمعت أصواتكم .. و كنت متأكدة بأنك ستكون هنا يا حبيبي "
أمسكت بوجهه بين يديها و مررت أصابعها الضعيفة تتحسس ملامحه الحادة ..
- " يا إلهي كم أنت تشبه الدون آليخاندرو في شبابه "
ابتسم و استطاع ان يصطاد يدها و يقبلها بسرعة ثم قال
- " كيف حالك ؟ "
- " كما تراني يا حبيبي .. مازلت على قيد الحياة .."
- " هذا أفضل .. فلن أستطيع تحمل أن افقد والدتي الأخرى .. "
قبل رأسها ثم وضع رأسه على صدرها فأخذت تمسح على شعره الأسود الكثيف ..
- " غني لي يا نانيرا .. كما كنت تفعلين عندما كنت صغيرا "
قهقهت و قالت
- " لم يعد صوتي مثل ما كان يا حبيبي "
- " لا بأس .. أنا متأكد بأنك مازلت تملكين أجمل صوتا في أسبانيا .. غني لي "
بدأت تغني له أغنية المباركة بصوت شجي فبدأت تبكي لذلك الطفل الذي غدا رجلا بسرعة ..و سالت دمعته هو بسبب الذكريات التي أثارتها تلك الأغنية و صوت نانيرا إيزابيلا .. ضمته بقوة إلى صدرها و همست في أذنه ..
- " أنت متعب يا حبيبي .. هيا اذهب إلى غرفتك يا باتريشو لقد جهزتها لك "
قبل يديها فرفعتها لتمسح دموعه المتلألئة على وجنتيه فقال ضاحكا
- " أتعرفين يا نانيرا لم يعد أحدا يناديني بباتريشو .. فاسمي الجديد في الانجليزية هو باتريك "
- " لكنك أسباني يا بني .. و سأظل أناديك بباتريشو أو باتي "
- " نعم أفضل ذلك منك .. شكرا لك نانيرا "
- " يا بني الصغير .. عمت مساءا "
قبل رأسها الأبيض و دخل حجرته القديمة التي لم تتغير فهذا الفراش الأبيض الكبير و تلك الألعاب الخشبية على الأرفف البيضاء و قصصه و كتبه القديمة التي يصفها على المنضدة بالقرب من فراشه و يقرأها كلما شعر بالأرق ..
خلع سترته و حذائه و ألقى بنفسه على الفراش و ما أن وضع رأسه على الوسادة الوثيرة حتى غط بسبات عميق ...
و لم يستفيق في الصباح إلا على صوت صهيل الخيول .. فتح عينيه يصارع أشعة الشمس التي تخللت من الستائر الخفيفة .. وقف و كان جسده متكسرا بسبب رحلة أمس و اختلاف الوقت عليه اغتسل و ارتدى ( التكسيدو ) الأسود و صفف شعره للخلف ثم نظر إلى شكله للمرة الأخير قبل أن يخرج من حجرته ..
وجد نانيرا إيزابيلا تتناول الإفطار على المائدة الكبيرة فجلس بالقرب منها و صب لنفسه قهوة و تناول قطعة خبز محمص
- " كيف كانت ليلتك يا بني ؟ "
- " لقد نمت بملابسي من التعب .. و استيقظت للتو .. "
حدقت في ملامحه و فجأة وضعت يدها على يده قبل أن يقطع لنفسه قطعة من الجبن
- " هل أنت مستعد لليوم ؟ "
ترك الذي بيده و ضغط على يدها
- " نعم .. لقد ذكرت نفسي أكثر من مرة بأنني أعيش في الواقع و أن هذه الحياة .. و اعترفت لنفسي بخطأي و لا نفع للندم الآن "
- " أرى النبالة تسرى في عروقك يا بني فهذه هي المروءة .. أحب فيك الصبر و الهدوء الذي عرفت بهما "
- " شكرا لك نانيرا .. و أنا كذلك أحبك كثيرا كما أحببت أمي أو أكثر فأنت من رباني و اعتنى بي و أنت من إليها ألجأ عندما تغضب والدتي .. احبك "
ضمته إلى صدره و ربتت على ظهره .. عندما دخل ماريو
- -" دون باتريك .. الحمد لله لقد استيقظت .. هل أنت جاهز للذهاب ؟ "
نظر إلى نانيرا إيزابيلا و ابتسم
- " نانيرا .. هل أنت مستعدة لتوديع والدتي ؟ "
ارتجف حنكها و سقطت دمعتين من عينها ثم أومأت
- " نعم .. أعتقد بأني مستعدة .. "
أمسك يدها و ساعدها على نزول الدرجات ثم ساعدها لركوب الليموزين التي أخذتهم إلى الكنيسة الكبيرة التي تقام فيها مراسيم الجنازة .. رأى نصف سكان ألبا و بعض من نبلاء المدن المجاورة و كذلك أنسباه و أقربائه الذين أتوا لتوديع الكونتيسة مارسيلا .. اقترب بهدوء ناحية التابوت و كان يمسك بيد نانيرا و يشد عليها لاشعوريا فتلتفت عليه في كل لحظة .. رفع غطاء التابوت لينظر إلى وجه امرأة عجوز قد ازرق لونها و رفع شعرها الأبيض بنفس الطريقة التي تصفف بها إياه في كل مناسبة و قد ارتدت فستانها الأزرق الذي تحبه و وضع على صدرها وشاح ابيض من الحرير .. تراقصت الدموع في عينيه و لم يستطع كبحها فترك إحداها تسقط على جبين والدته فنزل ليقبل جبينها و قال هامسا
- " سامحيني يا أماه فلقد أخطأت بحقك .. إني اشتاق لك في كل يوم و كل وقت و كل حين .. احبك"
لم تستطع نانيرا أن تمنع نفسها من البكاء و هي تسمع الحزن في صوت باتريشو.. فتركت المنصة و جلست بالقرب من داني و انهارت باكية..
همس ماريو بشيء في أذن باتريك الذي وقف لفترة يستوعب بأن الموجود في هذا التابوت هي والدته التي كانت مفعمة بالحياة .. ما بها الآن ؟؟ لا تتحرك ؟؟
حبس الحزن في قلبه و اعتلى المنصة ليلقي كلمته
- " مرحبا.. أنا الدوق باتريشو أليخاندرو آلفاريز دي تيلدو و أنا هنا لأودع والدتي الكونتيسة مارسيلا غارسيا آلفاريز دي تيلدو لحياة أفضل من هذه التي نعيشها .. لحياة الخلود .. و لأعاهدها و أعاهدكم بأني سأسعى لتحقيق أمانيها و أحلامها و أكون مكملا لمسيرتها و مسيرة والدي و أجدادي لعلي أعوض عنها و عن نفسي سنين الغياب .. فأرجوا منها أن تقبل عذري .. و اخبرها بأنها ستكون هنا في ألبا بين أهلها و أصدقائها و بالأخص في قصرها و قلب ابنها ... احبك يا أمي .. و سأظل أحبك أبدا"
صفق له المعزون و وقفوا له احتراما و تقديرا .. و ما أن توقف التصفيق حتى صعد ماريو المنصة و همس بأذن الدوق .. ظل باتريك صامتا فأثار الحاضرين الذي أخذوا يتساءلون عن ما همسه ماريو في إذنه .. فهدأو عندما فغفر فاه و أضاف قائلا
- " و أنا آسف لأن أعلن لكم بان زوجها كارلوس دي بابلو قد فارق الحياة قبل ساعة و سنقوم بدفنه بطريقة تليق به كزوج كونتيسة بعد أن ندفن والدتي .. و شكرا لكم و لحضوركم إنني اقدر لكم تعازيكم "
نظر إلى وجه والدته للمرة الأخيرة قبل أن يقوم الكاهن بإغلاقه ثم وضع التابوت في الليموزين و حمل حتى المقبرة حيث دفنت الكونتيسة و بعدها أحضرت جثمان زوجها و وقف المعزون و قاموا بدفنه ليكون مع زوجته رفيقا تحت الثرى ...
استيقظ في صباح اليوم التالي و هو يشعر بالإرهاق بسبب اختلاف الوقت و بسبب الأحلام و الكوابيس المزعجة و الأفكار التي تداعت إلى رأسه فحرمته لذة النوم .. رأى والدته تأتي لتمسح على رأسه ثم تتركه و تمسك بيد زوجها كارلوس و تغادر بعيدا .. فقرر أن يغادر هو بدوره و يغفر لنفسه و هذا سيتطلب مجهودا كبيرا .. ارتدى ثياب عملية و خرج من حجرته ليقابل داني في طريقة للنزول لتناول الإفطار
- " صباح الخير باتريك .. كيف كانت ليلتك ؟ "
- " لا بأس بها .. ماذا عنك هل نمت جيدا ؟! "
- " ما أن وضعت رأسي على الوسادة "
- " هنيئا لك "
- " ماذا تنوي أن تفعل اليوم ؟! "
- " سأذهب لألقي نظرة على الكروم و الإسطبل و أرى كيف تسير الأمور في المصنع .. هل تحب أن ترافقني ؟! "
- " نعم و لم لا "
- " إذا بعد الإفطار سنذهب على ظهر الخيل "
- " فكرة جيدة "
اقترب من وانيتا الخادمة و أخبرها بأنه يود تناول الإفطار في الحديقة .. فجلس هو و داني لتناول فشاركتهم نانيرا و بعدها انضم إليهم ماريو ..
- " فكرة رائعة يا دون باتريشوا لتناول الإفطار في الهواء الطلق .. أن الجو رائع و نحن نحتاج للتغير .. آه كم تذكرني بالدون آليخاندروا كان دائما يحب أن يغير بين حين و أخر "
ابتسم لها و أومأ برأسه موافقا على كلامها ..
- " دون باتريك .."
- " ماذا يا ماريو ؟! "
- " لقد اتصل محامي العائلة يريدك أن تحدد موعدا له لمناقشة الوصية .. فماذا أجيبه "
- " غدا ..هو الأنسب .. اليوم أريد أن أمر على المصنع و أرى سير العمل و ألقي نظرة على الكروم و الإسطبل و نحب أن نمارس أنا و داني ركوب الخيل إن أردت مرافقتنا "
- " نعم بالطبع يا سيدي .. "
بعد الإفطار كان الثلاثة على ظهر الخيل فوق التل ينظرون إلى الكروم الأخضر الممتد إلى الوادي .. أوقف باتريك جواده و ترجل عن ظهره و تمشى بين الكروم فتبعه ماريو و داني .. أخذ يتلمس الأوراق و يقطف العنب ليتذوقه .. ثم ابتسم
- " لا يزال لذيذا كما كانت أعهده سابقا .. كنت اهرب إلى هنا و أنا صغير و أقطف العنب ثم أنزل إلى الوادي لأغسله و أتناوله و أقوم بتوسيخ ثيابي فتنهرني والدتي "
مد حبات من العنب إلى داني و ماريو
- " تذوقوه .. "
دفع داني ثلاث حبات إلى فمه فتغيرت ملامحه لاستيطابه طعمه فقال مبتسما
- " إنه مليء بالعصارة و لذيذ جدا "
- " انتظر حتى تتذوق النبيذ .. ستعشقه "
ضحك داني و قال
- " إنني أتحرق شوقا لأن أرى الفتيات يتقافزون فوقه لعصره .... "
ابتسم باتريك و أضاف معلقا
- " أوافقك الرأي .. سيكون ألذ .. أليس كذلك يا ماريو؟؟ "
شعر ماريو بالإحراج .. فأومأ برأسه .. و ضحك الاثنان عليه لأن ماريو لا يحب أن يناقش أمور الجنس الآخر مع باتريك و داني ...
مر بالقرب من المزارعين فأشار لهم محيا و ربت على ظهر أحدهم
- " أحسنتم عملا .. "
- " شكرا لك دون باتريشيو "
صعد على ظهر الخيل ليذهب إلى المصنع حيث يؤخذ العنب اللذيذ و يعصر بآلات العصر العملاقة ثم تصب العصارة في أفخر أنواع الزجاج الذي تحول إلى قناني فاخرة التي تصنع هنا و من ثم تسد في سدادة من فلين و توضع في صناديق ليتم شحنها إلى باقي أرجاء البلاد .. و يعتبر نبيذ آلفاريز أشهر نبيذ في أسبانيا و أفخرها .. فهو معروف منذ قرون طويلة .. فعمر هذا المصنع يعود إلى القرن السادس عشر لكن قام أجداد باتريك بترميم المصنع و تطوير آلاته مع السنين ..
بعد أن تأكد من حسن سير العمل دخل إلى مكتب مدير المصنع و أخبره بأنه سيقوم بترميمه و تحديثه بالأجهزة المتطورة و كل ما يحتاجه من المدير هو إعطاءه قائمة بالمستلزمات و أحسن الأجهزة و المعدات حتى يباشر هو بعملية الشراء ...
بعد الجولة في الكروم و المصنع اتجه إلى الإسطبل و تفقد الخيول و أمر المسئول عنها أن يرسل له تقرير عن الإسطبل و صحة الخيول و ما يحتاجه كل منهم ..
قرر بعد هذه الرحلة و الجولة الصغيرة في الكروم و المصنع و الإسطبل أن يركب الخيل و يركض به و هو يضحك و يصيح بصوت عال على داني و ماريو خلفه
- " هيا .. من يستطيع أن يسبقني ؟! "
- " إنك غشاش .. "
- " أثبتي لي ذلك .. هيا "
تسابق مع داني و ماريو حتى مدخل القصر و لأنه ركض بالخيل قبلهم استطاع أن يسبقهم و هو ضاحكا .. كانت نانيرا واقفة تطل عليه من نافذتها و هي تبتسم فلوح لها بيده و دخل المنزل ...
سألته و هي تناوله المنشفة
- " ماذا فعلت يا بني ؟! كيف كانت جولتك ؟! "
- " كل شيء يسير على ما يرام لكني أريد أن أغير في الإستراتيجية و أقوم بتحديث كل شيء بما فيهم القصر .. "
- " ماذا ستفعل بالقصر ؟! "
جلس على كرسيه و قام بإشعال سيجارة .. و أجابها قائلا
- " يحتاج إلى بعض التغيرات و الترميمات و سأنتقل أنا إلى جناح والدي و ستقفل حجرة والدتي و نهدم حجرتي فندخلها بجناح والدي و بالتالي يكون أوسع و سنبني بالخارج منزلين صغيرين لماريو و داني و عائلتهما المستقبلية.. و أنت يا نانيرا .. أنت سيكون عليك التأثيث .. "
- " يسعدني ذلك يا بني "
- " لديك كل ما تحتاجينه و داني سيقوم بمساعدتك "
التفتت إلى داني فقال ضاحكا
- " سنشكل ثنائيا رائعا يا نانيرا .. و أكثر شيء سنهتم به هو منزلي الصغير الجديد .. "
ضحكوا جميعا .. فأطرقت عليهم بسؤالها ..
- " و متى ستحضر عائلتيكما ؟! "
قال ماريو مبتسما
- " أنا عما قريب .. ما أن ينتهي المنزل الصغير سأقوم بعمل حفلة زفافي في القصر"
- " هذا رائع .. نحتاج إلى الاحتفالات هنا .. فمنذ زمن طويل و هذا القصر يعيش حالة من الحزن "
- ساد الصمت المكان .. حتى قال داني مغيرا الجو و مضيفا بعض المرح
- " أما أنا فمازلت عازبا .. و بينما نقوم أنا و أنت يا نانيرا بالاهتمام بتأثيث منزلي سنضيف إلى ذلك مهمة أخرى و هو البحث عن فتاة أسبانية أصيلة تليق بي "
ضحكت نانيرا و ربتت على كتفه
- " سيسعدني ذلك يا بني .."
ثم التفتت إلى باتريك و مسحت على رأسه
- " و ماذا عنك يا بني ؟ متى سأفرح بك ؟ "
- " عندما يحين الوقت "
- " و هل هو قريب ؟! "
سرح قليلا ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة و قال
- " ليس لدي أدنى فكرة .. كل ما أعرفه باني مثل داني .. عازب .. و أنا الآن لا أفكر إلا بتلك الشقراء الهيفاء التي تجمهر حولها المعجبين في المطار .. أتذكرها يا داني ؟! "
- " نعم .. لكني لم استطع أن أرى ملامحها.. لعلها ممثلة مشهورة "
رفع كتفيه و قال
- " ربما .. "
أسند رأسه على ظهر الكرسي و أعاد في مخيلته صورة تلك المرأة و صورتها و هي تبتسم له .. و مرة أخرى و هي تجيب الرجل بصوتها الأنثوي الضاحك
- " سألف أوروبا "
يا ربي من عساها تكون تلك التي شغلتني عن النوم و منعتني عن التفكير بوالدتي و الذنب الذي يحكم علي أنفاسي .. فهل سأقابلها يوما ما ؟!!
- " أمي هل أنت هنا ؟! "
دخلت المنزل و هي تنادي على أمها التي خرجت مسرعة ما أن سمعت صوتا يناديها .. حضنتها بقوة إلى صدرها
- " آه يا لورا .. لقد اشتقت لك يا ابنتي .. كيف كانت رحلتك ؟! "
- " لا بأس بها .. لم نلف أوربا كما كان مخطط لنا أن نفعل "
أمسكت بشعرها و قد لاحظت بانه قص قليلا و صبغ بدرج أغمق مما كان عليه ..
- " أرى بأنك قصصت شعرك و قمت بصبغه .. هذا رائع .. "
- " نعم لقد أصر علي سام .. و ها أنا كعادتي أنصاع له .."
ألقت بنفسها على الكنبة و تمددت عليها ..
- " أين والدي ؟ "
حاولت أن تغير والدتها الموضوع فقالت معلقة
- " لقد اعتقدت بأنك ستغيبين لأكثر من أسبوع .. و ها أنت تعودين في اليوم الثاني.. ما الذي حدث ؟! "
- " لا أعرف حقا الأمر بالتفصيل لكن سام يقول بأنهم ألقوا العروض جميعها لأسباب ما .. إلا عرض باريس الذي أقيم بالأمس .. سأريك الصور إن أردت "
- " نعم لا أمانع .."
- " لكن أخبريني .. أين والدي فأنا مشتاقة له .. "
توترت والدتها و حاولت أن تغير دفة الحديث لكن لورا أحست بتوترها فقالت
- " أمي .. أين والدي؟ "
- " لا تقلقي بيتر على ما يرام.. !!"
ساورها القلق اثر تغير نبرة صوت والدتها
- " ماذا تعنين بيتر على ما يرام .. هل كل شيء بخير ؟! أين هو ؟ "
- " يحتسن أن أخبرك و نحن نحتسي القهوة ما رأيك ؟"
- " أمي .. "
جذبتها من يدها إلى المطبخ و قامت بإعداد القهوة لهما ثم ناولتها الكوب فرشفت منه و أسرعت لتعيد السؤال
- " أمي .. لم تجيبيني هل كل شيء على ما يرام ؟ هل الأمر يتعلق بوالدي ؟! "
- " نعم .. تقريبا ..آه لا أعلم "
ترددت قبل أن تضيف
- " اسمعي يا لورا .. بيتر .. آه كيف أقول لك هذا "
- " أمي أرجوك اخبريني فلقد جفت عروقي "
نفذ صبر لورا ووالدتها تردد أكثر من مرة قبل أن تضيف أي شيء .. هل الأمر بتلك الخطورة ؟؟...
- " حسنا ..اسمعي يا حلوتي .. قبل كل شي أريدك أن تهدئي أعصابك و لا تنفعلي "
- " سأبذل قصارى جهدي .. اخبريني من فضلك"
- " حسنا .. بيتر.. إنه .. بيتر .. ليس والدك الحقيقي "
فتحت عيناها باتساعهما و كأنها تلقت لطمه على وجهها ..
- " ماذا ؟! "
- " أنا آسفة يا ابنتي أعرف بأن الأمر مزعجا و محزنا لكن يجب أن تعرفي الآن .. لم أشأ أن أخبرك فلقد كنتما خير مثال لأب و ابنته المدللة .. لقد اعتبرك ابنته حتى أنه تبناك و أنت الآن تحملين اسمه .."
ما الذي تقوله والدتها ؟!! بيتر .. تبناها ؟!!
- " و .. والدي الحقيقي هل يعرف عني شيئا ؟! و أين هو ؟! و ما اسمه ؟!!!! "
- " اسمه كارلوس دي بابلو و هو أسباني تعرفت عليه عندما ذهبت في رحلة بحرية و بعد ذلك بشهر عقدنا قرانا لكن و للأسف لم يدوم هذا الزواج طويلا فتطلقنا و لم استطع العيش بعيدا عن موطني و كذلك هو رفض أن يغادر أسرته و بلاده .. و بعد عودتي إلى لوس أنجلوس علمت بأني حبلى فأخبرته بأمري و كان سخيا معي يرسل لي مصروفا شهريا و كنت أرسل له صورك .. "
- " أذن كان يعرف بأمري .. "
- " نعم .. هذا صحيح "
شعرت بالغضب فقالت بعصبية
- " ما دام يعرف بوجودي .. لم جعلني بعيدة عنه و ترك بيتر يتبناني ؟! أي أب هذا ؟! "
- " انتظري و دعيني أكمل .. و أرجوك اهدئي "
تنفست بعمق و نظرت إلى والدتها التي أردفت
- " بعد أن أصبح عمرك سنة تعرفت على بيتر و كنت مازلت شابة صغيرة و كنت في ذاك الوقت تحملين اسم عائلة والدك دي بابلو .. عندما رآك بيتر وقع في غرامك فلقد كنت فتاة لطيفة جدا و مطيعة له .عرض علي فكرة تبنيك بعد أن تزوجنا و لم نستطع الإنجاب .. بالطبع طلبت الإذن من والدك كارلوس الذي كان على اتصال معي و يسأل عنك و كانت فكرته أن تتربي في حضن والدين يحبان بعضهما و يلتزمان لتقديم حياة أسرية صالحة لك و أن يخفى عليك أمر والدك الحقيقي حتى لا تحقدي على بيتر كونه زوج والدتك .. و مع ذلك تغير اسمك من لورا دي بابلو إلى لورا آغنر "
تأثرت لورا بتلك القصة و خف غضبها قليلا .. لعل والديها أخطئا بزواجهما المبكر و بإخفاء أمر والدها الحقيقي عنها .. و لكن خلف ذلك هناك مغزى إيجابي و هو أنها عاشت في كنف والدين يحبانها كثيرا و لم تشعر يوما ما أن بيتر هو زوج أمها بل كان صديقها و والدها الذي اعتنى بها و حملت اسمه ..
فكرت قليلا بالسبب الذي يدعو والدتها لسرد هذه القصة الآن و بعد مرور أربع و عشرين سنة ..
- " و لم تخبريني بتلك القصة الآن يا أمي ؟! "
أنزلت ساندرا رأسها حزنا و قد امتلأت الدموع في عينيها ..
- " لقد دفن كارلوس صباح أمس "
و هذه صفعة أخرى تلقتها اليوم .. لا تعرف لورا لم شعرت بالحزن مع إنها لم تعرف ذلك الرجل لكنها أحست برباط داخلي غير طبيعي ..
- " لقد أحبك كارلوس رغم أنه لم يرك إلا في الصور و كان فخورا جدا بك و عندما أخبرته بأنك غدوت عارضة أزياء مشهورة حرص على أن يشترك بمجلة اكسبلوجر لتصله إلى أسبانيا من أجل أن يرى صورك على الغلاف في كل شهر .. و اليوم اتصل علي المحامي الخاص به و أخبرني بأنه يريد التحدث معك .. و هذا هو رقم هاتفه "
أخذت الرقم من والدتها و لم تعرف ماذا تفعل به
- " ألم يخبرك ماذا أراد ؟!"
- " لا .. لكني أعرف "
- " ماذا تعرفين ؟! "
- " أعتقد بأنك من الأفضل أن تقومي بالاتصال به "
أخذت الهاتف و ترددت قبل أن تضغط الأرقام .. فعدلت عن ذلك لأنها ليست مستعدة لان أن تسمع خبرا آخر قد يصدمها ..
- " لا أعتقد بأني أستطيع .. سأتصل به عندما أكون مستعدة لذلك "
- " لك ما شئت يا عزيزتي .. "
خرجت من المطبخ و المنزل بأكمله و عندما صعدت سيارتها رأت بيتر يركن سيارته في الكاراج و يترجل متجها إلى لورا التي كانت تنظر إليه بحزن .. هذا الرجل الذي شعرت نحوه بحنان الأبوة ليس بوالدها البيولوجي .. لكنه سيبقى والدها و صديقها و لن يغير ذلك شيئا .. فعلاقة الأبوة التي بينهما بنيت على أساس الحب و التقدير و الاحترام و لم تر فيه إلا الأب المثالي ..
حوطت خصره و وضعت رأسها على صدره كما تفعل دائما فلف ذراعيها ليحتويها بحنان الأب و يقبل رأسها
- " أميرتي الصغيرة .. لقد عدت باكرا "
- " نعم لقد ألغيت كل العروض ما عدا عرض باريس .. "
- " و لم ؟! "
- " لا أعرف الأسباب .. لا علينا .. كيف حالك ؟! "
- " على أحسن حال كما ترين .. مشتاق لك .. "
كانت لا تزال متعلقة به كطفلة صغيرة يحاول أحدا أن يجرها بعيدا عن والديها عن الأمان الذي تعيش فيه .. مسح على رأسها و هو ينتظر أن تتركه في أية لحظة و عندما لم تفعل سألها بارتياب
- " لورا ..هل تشكين من شيء يا ابنتي ؟"
- " أبدا .. لكني اشتقت إليك كثيرا .. و أريدك أن تعرف بأنك أفضل أب و صديق "
- " حقا ؟! و ما مناسبة هذا الكلام ؟! "
- " لا شيء .. مجرد تذكير لك بأني أحبك "
- " و أنا كذلك يا صغيرتي "
- " سأبلغ الخامسة و العشرين قريبا و أنت لا تزل تناديني بصغيرتي "
- " هل حقا تسأليني هذا السؤال ؟ أعتقد بأنك تعرفين الاجابة .."
- " آه نعم لقد حفظتها .. ستفضلين صغيرة حتى عندما أبلغ السبعين و عندما أصبح جدة.. هذا صحيح .. "
ضحك لتقليدها نبرة صوته فحضنها بقوة مرة أخرى
- " إلى أين أنت ذاهبة ؟! لم لا تتناولين العشاء هنا ؟"
- " آسفة لقد حجزتني جاكلين قبلكما .. لكني سأقبل دعوتكما غدا .."
- " بكل تأكيد .. اعتني بنفسك "
- " و أنت كذلك "
ثم انطلقت بسيارتها و هي تفكر بقصة والدها البيولوجي و بالرقم الذي أعطتها إياه والدتها ..
على العشاء مع جاكلين أخبرتها بكل الحكاية من البداية إلى النهاية ..
- " و الآن بعد أن عرفت كل شي يا جاكي ماذا أفعل ؟"
- " اتصلي به يا لورا "
- " لست مستعدة لان اسمع خبرا آخر صادما "
- " متى ستفعلين إذن ؟ "
- " لا أعرف .. إن ما يحزنني هو أبي.. بيتر .. لا أريده أن يحس بشيء قد تغير عليه لا أريده أن يعلم بأني أعرف حقيقة والدي.. يجب أن أخبر أمي بذلك "
- " إنه رجل متفهم يا لورا لا تقلقي "
وضعت يدها على رأسها و هي تقول بيأس
- " آه .. إنه شيء فظيع .."
- " أبدا .. لورا سهلي الأمور .. لن يغير معرفتك بحقيقة والدك البيولوجي شيئا .. فبيتر سيظل كما هو .. "
- " أتمنى ذلك من كل قلبي يا جاكي .."
بعد العشاء مع جاكلين عادت كل منهما إلى شقتها غيرت ثيابها و اندست في فراشها حيث تقلبت طول الليل و هي تشعر بالفضول و بنفس الوقت تشعر بالتردد و الخوف من فكرة الاتصال بذلك المحامي ..
و في الصباح ما أن استيقظت من نومها حتى قفزت من فراشها و كأنها لم تنم إلا لدقائق بحثت عن الرقم في معطفها و أخذت الهاتف و قامت بالاتصال .. أرادت أن تعدل عن ذلك و أن تغلقه لكن فات الأوان فلقد أجابها صوت رجلا بلكنة أسبانية ..
- " المحامي سانتياغو بانديروزا يتحدث "
- " مرحبا "
- " كيف أخدمك يا سيدتي ؟! "
قالت بصوت متردد و خائف بنفس الوقت ..
- " أنا لورا آغنر .."
- " آه آنسة آغنر .. و أخيرا اتصلت "
بدا و كأنها كان ينتظرها لفترة ليست بقصيرة ..
- " نعم لقد كنت مترددة "
- " أنا آسف لخسارتك فالسيد كارلوس كان رجلا محترما و .."
قاطعته .. شيء ما دفعها لتقاطعه .. لا تريد أن تسمع شيئا عنه ..
- " لا بأس .. لم أكن أعرفه لذا لا يحدث فرقا كبيرا معي "
- " هذا صحيح لكنه كان يعرفك جيدا مما جعله يورثك كل ما يملك "
- " ماذا ؟! "
صدمت من كلامه فقد كان واثقا و هو يقول لها ..
- " نعم يا آنستي .. إن الوصية التي كتبها عندي تنص بأن كل ما يملكه السيد كارلوس دي بابلو يورث لك .. آنسة لورا آغنر "
تجبست في مكانها و أعادت جملته الأخيرة أكثر من مرة .. فقالت بهلع
- " يا إلهي.. و ماذا عساي أن أفعل ؟! "
- " آنستي إن الأمر معقدا بعض الشيء و هو يتطلب سفرك إلى أسبانيا حتى تقومي باستلام ورثك و حقوقك "
السفر إلى أسبانيا ؟!! إذن الأمر كبير جدا و معقد مثل ما يقول ..
- " و .. و هل هو كثير ؟! "
قهقه بصوت خافت
- " لابد أنك لا تعرفين شيئا عن السيد دي بابلو"
- " نعم أصبت .. لقد عرفت بأنه والدي مساء أمس .."
- " السيد كارلوس كان متزوجا من الكونتيسة مارسيلا غارسيا آلفاريز دي تيلدو "
بدا أسمها مريبا للورا ..
- " و من عساها تكون ؟! "
- " إنها زوجة دوق ألبا السابق الدون آليخاندروا آلفاريز دي تيلدو الذي توفي منذ سنوات طويلة و ورثته منه الكونتيسة القصر الريفي "
لم تعرف مراد ذلك المحامي من تلك القصة الموجزة و إلى ماذا يريد أن يصل بها فسألته غير مكترثة بحديثه
- " حسنا .. و ماذا يعني ذلك ؟ "
- " آه آنسة آغنر إن الحديث طويلا جدا فسأقوله لك باختصار .."
- " نعم أتمنى ذلك "
- " حسنا .. لقد توفيت الكونتيسة قبل السيد كارلوس بيومين و طبيعي أن يرثها زوجها .. فلقد ورث جزء من نقودها و جزء من القصر الريفي و بما أن السيد كارلوس توفي و هو .. بالأمس .. فمن الطبيعي أنك يا آنسة سترثين كل ممتلكاته بما في ذلك القصر الريفي و .. و.. فهذا ما تنص عليه الوصية .. "
عقد لسانها فهذه بالفعل صدمة أخرى هي ترث قصر و يعود لدوق ألبا المدينة الاسبانية العريقة يا إلهي لا تعرف هل تفرح أو ترتعب .. لكنها ارتعبت بالفعل سألته متشككة و تحت تأثير الصدمة لكنها انتبهت ما قاله عندما عادت ذلك برأسها لأكثر من مرة ..
- " لقد قلت جزء من القصر ؟! "
- " نعم هذا صحيح جزء منه .. لأن الجزء الثاني ورثه الدوق "
يا إلهي عن الأمر معقدا بالفعل .. ماذا يقول ؟!! الدوق ؟!!
- " لم أفهمك يا سيد سانتياغو لقد قلت بان الدوق قد توفي قبل زوجته الكونتيسة "
- " نعم و لم اخطيء .. لكن هناك الدون باتريشو آلفاريز دي تيلدو .. ابن الكونتيسة و الدوق السابق و هو الدوق الحالي لألبا "
صدمة ثالثة أخرى تلقتها خلال يومين .. و مسلسل الصدمات في توالي .. شهقت و قالت برعب...
- " ماذا ؟؟!! هل أشارك دوق في ورثه "
- " للأسف نعم .. قلت لك بان الأمر معقد و يتطلب سفرك إلى أسبانيا .. لم يعرف الدوق بعد بأن هناك من يشاركه بالقصر لكنه سيعلم ظهر هذا اليوم "
- " حسنا .. شكرا لك سيد سانتياغو أرسل لي عنوان مكتبك من فضلك "
- " لك ما شئت آنسة آغنر و أرجوك أن تسرعي بالسفر .. حتى تأخذي كامل حقوقك و أكون أنا قد أوصلت الأمانة إلى أهلها "
- " نعم بكل تأكيد .. شكرا لك .. و إلى اللقاء "
سرحت في إحدى زوايا غرفتها و أعادت حوارها مع المحامي الذي أوقف قلبها بكلامه و كأنه كان يشرح لها درس في تاريخ أسبانيا .. هل كانت والدتها تعلم بكل هذا ؟!! لا .. مستحيل أن تعرف بأن ابنتها قد ورثت قصر تاريخيا يعود للدوق و أسلافه ... و كيف ستكون ردة فعل الدوق عندما يعرف بأن امرأة أمريكية لا يعرفها و لا تعرفه و تشاركه في ملكه و ميراثه ..
استقام واقفا و صرخ بعصبية
- " ماذا قلت ؟!! فتاة أمريكية تشاركني بهذا القصر !!! مستحيل .. لا يمكن "
بلل المحامي سانتياغو ريقه و قال و هو يشعر بالخوف من الدوق المتهيج
- " آسف يا سيدي .. أعرف بأن الخبر صادما لكني لم أقل لك إلا ما كتب على الأوراق و في مكتبي "
- " آه نعم هذا صحيح أنت لست مسئولا عن أي شيء يحدث هنا .. عن المصائب التي تحذف على من كل جانب .. "
لم يعلق المحامي بل ظل واقفا يحدق في الدوق الذي أصابته نوبة هلع و عصبية و أخذ يثور في المكان .. ثم نظر إليه بحقد .. و سأله بنفاذ صبر
- "و هل أخبرت تلك الأمريكية عن الأمر ؟! "
حرك كرسيه للخلف خطوتين حتى يتفادى غضب الدوق الذي قد يضربه في أية لحظة
- " نعم لقد اتصلت هي هذا الصباح و تكلمنا بالأمر "
زاد غضبه و احمر وجهه و بدأ بتصبب عرقا
- " اتصلت !! لقد تحدثت معها قبل أن تعلمني بالأمر .. ما بك يا سانتياغو هل جننت أين عقلك ؟! "
اقترب منه داني و حاول أن يهدئه
- " باتريك .. اهدأ .. اجلس .. أرجوك اجلس "
جلس على الكنبة و سكت قليلا حتى يهدأ .. لكن سرعان ما أضاف بعصبية
- " و ماذا كانت ردة فعلها عندما عرفت بأنها ورثت قصر تاريخي يعود لعائلة نبيلة ؟!! لا بد بأن توقف قلبها "
- " كانت مدهشة و غير مصدقة ما تسمعه .. "
- "بالطبع ... و هل ستأتي ؟!! يا لي من غبي لطرحي هذا السؤال ؟ و كيف لا تأتي و هي ورثت كنزا"
تحسس رأسه الذي بدأ ينبض ألما بسبب الغضب .. أغمض عيناه قليلا حتى يهدأ .. ثم قال بنبرة حادة و منخفضة
- " هل أخبرتك متى ستأتي ؟! "
- " لا .. لكني قلت لها بأن تستعجل القدوم "
- " و لم عساك تفعل ذلك ؟ "
أحس سانتياغو بأنه يريد أن يبكي .. ما هذه الورطة ..
- " آسف يا سيدي فلقد فعلت ذلك لأني .. لان لدي أمانة يا سيدي و هذا هو عملي "
- " نعم صحيح .. عملك .. لا تستطيع أن تنتظر حتى تخبرني أنا بالأول . ألا تعتقد بأنه سيكون من الصواب أن تبتدئ بصاحب الملك هنا ؟!! "
- " آسف يا سيدي "
- " و ماذا سينفع الأسف الآن .. أرجوك سانتياغو اغرب عن وجهي "
أراد أن يتكلم لكن ماريو جره خارج المكتب و أمره بالسكوت بينما ظل داني داخل المكتب يحاول أن يهدأ ذلك الرجل الثائر غضبا ..
كان المحامي يرتجف خوفا و سأل ماريو
- "هل تعتقد بأنه سيقوم بطردي ؟! "
- " لا اعتقد .. أهدأ .. لقد تصرفت بحمق و هذا جزاءك .. كان يجب أن تخبرني بالأول حتى افتح له الباب بنفسي لا أن تصدمه هكذا .. و كنت انتظرت أن يعرف الدوق و بعد ذلك أخبرت تلك الفتاة بالأمر .."
- " كل ما فعلته هو أن اتصلت بها لأخبرها بأن والدها توفي و أنه ترك لها ورثا .. اعتقد انه من حقها أن تعرف بأنه توفي "
- " لا علينا من ذلك الآن.. "
- " أرجوك لا تدعه يطردني .. لقد عملت عند والده منذ سنوات .. لقد خدمت هذه العائلة بإخلاص "
- " إنه يعرف ذلك جيدا .. و دون باتريك أفضل من والده فلا تخشى شيئا .. و بالمناسبة ما اسم الفتاة الأمريكية ؟! "
- " لورا آغنر "
- " حسنا .. هيا اذهب الآن و لا تنسى أن تتصل بي أنا أولا و تخبرني بالمستجدات "
- " سأفعل .. لن اكرر الخطأ "
- " جيد "
دخل ماريو مكتب باتريك حيث كان داني يهدأ صديقه و يخبره بأنه يستطيع أن يشتري حصتها و بذلك ينتهي من أمرها
- " و هل تعتقد بأنها إذا رأت هذا القصر الجميل و الإسطبل و الكروم و المصنع ..ستوافق "
- " سنرغمها "
لم يجبه بل كان يفكر بتلك المصيبة التي حلت عليه .. لم يعد يستحمل هذه الضغوطات فتركهم يتناقشون بأمر الميراث و خرج إلى الإسطبل ..
ركب حصانه ألفريدو و انطلق به يسابق الريح و يلقي بهمومه إلى الهواء فتطير كما تطير خصلات شعره السوداء ...
حطت الطائرة في مطار مدريد فنزلت لورا و اتجهت إلى القاعة الكبيرة حيث يقف المستقبلين .. تلفتت في عينيها تبحث عن أحد أتى ليأخذها .. وقفت لخمس دقائق تبحث و من ثم لمحت رجلا في الأربعين من عمره يرتدي بذلة رسمية طويل جدا و عريض يقترب منها
- " آنسة آغنر ؟؟"
أومأت برأسها مبتسمة .. فمد يده يصافحها
- " مرحبا بك آنستي .. أنا المحامي سانتياغو بانديروزا "
- " أهلا وسهلا "
أخبر السائق أن يحمل حقائبها و يضعها في دولاب الليموزين و فتح لها الباب لتدخل .. و بينما هما بالطريق سألها
- " كيف كانت رحلتك يا آنسة ؟!"
ابتسمت مجيبة
- " لا بأس بها .."
- " جيد .. أرجو أن لا تكوني متعبة لان هذه الرحلة ستكون طويلة أيضا .. سنركب طائرة خاصة إلى مطار ألبا و من ثم ساعتين أخرى من المطار و حتى القصر الريفي "
أومأت برأسها موافقة ثم أشاحت عنه لتنظر إلى الخارج .. إلى شوارع أسبانيا .. إن مدريد جميلة جدا في مبانيها و البيوت و العمارات ذات الطراز القديم .. مدينة تجمع الماضي و الحاضر..
حاول سانتياغو قدر الإمكان أن يبعد نظره عنها لكن دون جدوى فلها من الجمال الذي يجذب الشخص إليه و تجعل عيناه تلتصق بها .. ماذا سيفعل الدوق عندما يعرف بان التي تشاركه ورثه ما هي إلا شابة لها جاذبية و من الجمال الذي يخطف الألباب ..
بعد ثلاث ساعات حطت الطائرة الخاصة الفاخرة في مطار صغير أيضا و هناك استقبلها شابا هزيلا و طويلا جدا و له عينان صغيرتان و ابتسامة جميلة مد يده يصافحها فابتسمت له و تناولت يده مصافحة ..
- " مرحبا بك آنسة آغنر .. أنا ماريو "
أردف المحامي سانتياغو مشيرا إلى ماريو
- " إنه ذراع الدوق الأيمن و لا يمكن أن نفعل شيئا من دون أن نستشيره بالأول .. "
ثم غمز بعينه إلى ماريو مشيرا بتلك الحادثة التي جرت قبل ثلاثة أيام في مكتب الدوق ..
- " مرحبا ماريو تشرفت بمعرفتك "
- " و أنا كذلك .. لقد طلب منا الدوق بان نصحبك إلى القصر .. "
- " شكرا .."
فتح لها باب الليموزين السوداء و جلس في المقعد أمامها .. كان يتحدث بالهاتف بالاسبانية و قد بدا خائفا و متوترا .. فأيقنت بأنه ربما يتحدث مع الدوق ... يا إلهي هل يكون هذا الدوق رجلا مهيبا و عجوزا لا يرضى بسهالة و لا يعجبه شيء .. هل سيزعجها و يضيق عليها حياتها حتى ينال ما يريده ..
لم يتحدث إليها ماريو و لا سنتياغو طوال الطريق الممل لساعتين .. بل كانا الاثنان يتحدثان فيما بينهما بصوت خافت و بلغة إسبانية .. و أحست بان الحديث كان يدور عنها ..
توقفت السيارة أمام بوابة عملاقة و من ثم أكملت السيارة طريقها حتى توقفت عند مدخل القصر العملاق المنعزل عن الحياة .. فهو كالقصور المسورة المعزولة عن العالم و الذي يطغى عليها الظلام كالذين نراهم في السينما و أفلام الرعب ..
فتح لها السائق الباب و ساعدها على النزول .. وقفت تتأمل ضخامة هذا القصر .. إنه كبير جدا و يسع لأهالي المدينة كلهم .. قادها ماريو إلى داخل القصر .. ما إن دخلت حتى انبهرت و توقفت عند المدخل الواسع تنظر إلى جمال الثريات العملاقة و تلتفت لتجد اللوحات الزيتية المعلقة لكل العائلة النبيلة.. كلها تقريبا .. رأت رسومات النساء بثيابهن الفارهه و مجوهراتهم الثمينة التي تليق بمستواهم العالي و من ثم نظرت إلى رسومات الدوقات بهيبتهم و وقارهم البادي على وجوههم و وقفتهم العسكرية .. و خشيت أن يكون هذا الدوق الذي تشاركه في هذا القصر المرعب أن يكون مهيبا كتلك الرسومات .. ثم استدارت لتنظر إلى الدرج العملاق و قد صنعت الدرابزين من الذهب الخالص و الكريستال .. و امتدت الرسومات إلى أعلاه .. و من بعيد رأت فتاة صغيرة بالعشرين من عمرها تقترب منها و تنحي لها و تقول لها بالاسبانية
- " مرحبا بك . أنا وانيتا .. "
ابتسمت لها و صافحتها .. رأت ماريو يتحدث لتلك الفتاة بالاسبانية و لم تفهم منه شيئا لكن التفت إلى لورا و قال مبتسما
- " ستأخذك وانيتا إلى جناح الضيوف "
- " ألن أقابل الدوق ؟! "
- " للأسف لا يا آنسة .. لقد تأخر الوقت .. ستقابلينه في الصباح .. الآن ستأخذك وانيتا إلى جناح الضيوف لترتاحي خاصة بعد رحلتك الطويلة هذه "
شعرت بخيبة أمل فقد أملت أن تقابله اليوم و اعتقدت بأنه سيكون بانتظارها .. إذا حتما هو رجلا عجوزا ينام باكرا و له عاداته خاصة ...
أخذتها وانيتا إلى جناحها و عندما دخلت أحست بأنها في جناح فندق فخم .. و كان الجناح كبيرا جدا بحيث يسع شقتها في لوس أنجلوس و هي عبارة عن غرفة نوم ضخمة مع صالة صغيرة عبارة عن كنبتين ذو ثلاثة أنفار و منضدتين على الأجناب و أخرى مستديرة في الوسط و تلفاز كبير و مطبخ تحضيري صغير أشبه بالبار و في آخر الغرفة وضع سرير من خشب المهوجني الغامق له تاج خشبي مرتفع جدا يزينه لحاف من الحرير ذو لون كريمي و طرز عليه طاووس بألوان ريشه الرائعة و طرزت أطراف الوسادتان بنفس الألوان الأزرق و الذهبي و البنفسجي ...
- " سأحضر لك عشاءك يا آنسة ريثما تنزعي ثيابك بأخرى مريحة "
التفتت على وانيتا المرأة اللطيفة المبتسمة التي تحاول جاهدة أن تتحدث الانجليزية.. فبادلتها الابتسامة قائلة
- " شكرا لك .."
خرجت وانيتا فقامت لورا بنزع ثيابها و همت بدخول الحمام الكبير الذي يسبقه غرفة تبديل واسعة جدا و ما أن فتحته حتى صعقت فكان الحمام عبارة عن حجرة واسعة أخرى أكبر من حجم غرفة نومها في لوس انجلوس .. في وسطه (الجاكوزي ) الحوض الذي يسع خمسة أشخاص .. و دش في احد الزوايا و المغسلة العملاقة في الجانب المقابل للحوض و بالقرب من الباب وضع كرسيين و طاولة صغيرة .. و كأنها في حجرة منتجع (سبا) ذو سبعة نجوم يحمل طابعا تاريخيا لأوروبا القديمة ..
أخذت دشا دافئا و سريعا و بعدها ارتدت قميص النوم و فوقه ارتدت الروب ثم اتجهت إلى الصالة الصغيرة و فتحت التلفاز عندها دخلت وانيتا بعربة بيضاء تتحول إلى طاولة وضعتها أمام لورا .. بالضبط مثل الفنادق خاصة مع الأطباق البيضاء من الخزف الصيني المزينة أطرافة بالذهب .. و عندما رفعت وانيتا الغطاء الفضي عن الطبق وجدت تحته قطعة دجاج و خضراوات و في الطبق الثاني حساء الجزر .. ثم سكبت لها نبيذ العنب ..
- " هل تريدين شيئا آخر ..يا آنسة ؟! "
هزت رأسها نفيا لأنها لم تستطع التكلم و هي تتذوق الحساء .. و استطعمته فابتسمت
- " إنه لذيذ .. شكرا لك وانيتا "
- " على الرحب و السعة .. سأنصرف الآن "
- " انتظري .. "
توقفت عن فتح الباب لتخرج عندما سمعت صوت لورا عادت لتقف بالقرب منها مرة أخرى
- " هل ينام الدوق باكرا ؟! "
- " لا .. ليس له موعد محدد "
- " و هل هو الآن نائما ؟! "
- " لا أعرف ذلك يا آنسة .. إن أردت أستطيع أن أسأل لك "
عدلت عن هذه الفكرة .. ليست مستعدة لأن تراه الآن ..
- " لا .. لا داعي .. "
- " هل من شيء آخر ؟! "
- " ما اسمه ؟! "
- " دون باتريشيو لكننا نناديه بدون باتريك "
- " حسنا .. شكرا لك وانيتا لقد أزعجتك معي "
- " أبدا يا آنسة فهذا واجبي .. عمتي مساءا .. "
- " تستطيعين أن تأخذي العربة معك لقد انتهيت .. "
أنزلت وانيتا رأسها لتجد طبق الدجاج لم يلمس ..
- " لكنك لم تأكلي شيئا "
- " لقد أنهيت طبق الحساء و هذا يكفي .. إنه لذيذ .. "
- " بالهناء والشفاء.. عمتي مساءا.. "
- " و أنت كذلك "
بعد أن خرجت وانيتا أحست لورا بالنعاس فدخلت السرير المريح جدا و كأنها تنام فوق الغيوم و لأنها متعبة جدا إزاء الرحلة الطويلة نامت بسرعة و لم تستيقظ إلا في صباح اليوم الثاني ..
ارتدت ملابس عملية و واسعة لتكون مريحة و أنيقة في نفس الوقت و رفعت شعرها الأشقر بهيئة ذيل حصان و لم تضع أية مساحيق تجميل على بشرتها البيضاء الصافية .. و قبل أن تخرج تعطرت و همت بفتح الباب و إلا بها تصطدم بوانيتا .. فضحكتا و اعتذرت وانيتا على الفور ..
- " صباح الخير .. هل تحبين تناول الإفطار في حجرتك أم في الحديقة أو أي مكان تشائين؟!"
- " أين يتناول الدوق إفطاره ؟ّ ! "
- " دون باتريك أنهى إفطاره باكرا ثم خرج "
- " هل من عادته تناول الإفطار قبل أن يدعو ضيفته ؟! "
- " لم يشأ إيقاظك و إزعاجك خاصة بعد رحلتك الطويلة كما أنه يستيقظ بوقت مبكر جدا "
- " حسنا إذا سأتناول الإفطار هنا أمام التلفاز "
- " لك ما شئت .."
و بعد دقائق أتت واتينا بنفس العربة التي أحضرتها بالأمس لكنها مليئة بأطباق متعددة فاحتارت لورا بماذا تبدأ و هي التي ليس من عاداتها تناول وجبة إفطار دسمة فلاستعجالها كانت تأخذ كوب قهوة و تعتبره إفطارا لها ..قهقهت و هي تتذكر سام .. فكل مرة يراها تمسك كوب القهوة بيدها يأخذه منها و ينهرها و يستبدله بعصير أو بتفاحة .. قائلا لها هذا ما سينفعها عندما تكبر ..
تناولت العجة و استطابتها كثيرا و عندما انتهت قررت أن تنزل و تستكشف منزلها الجديد أو بالأصح قصرها الجديد ...
تمشت بين الحجرات في الطابق العلوي.. كانت معظمها غير مسكونة و الأثاث فيها غير مستخدم كثيرا .. و كان طراز القصر يعود للقرن السادس عشر و هذا ما جعله مهيبا و كأنها تشاهد فيلما تاريخيا لحقبة من الزمن .. فالأبواب الخشبية التي كأنها قطع من الرخام ضخمة و ترتفع للسقف الذي لا ينتهي و مزين بلوحات زيتية جميلة جدا و مطرزة بالذهبي .. كان السقف عبارة عن تحفة فنية بحد ذاته .. و كذلك ثريات الكريستال العملاقة ... و السجاد الأنيق الذي بدا لها بأنه مستورد أيضا آثري.. توقفت عند باب كبير في آخر الرواق كان مغلقا و أحست بأنه يجب أن لا تفتحه لعلها تكون حجرة الدوق ..
- " إياك "
استدارت بسرعة ناحية صوت المرأة التي نهرتها بنبرتها الخشنة .. و استغربت فحجم هذه المرأة العجوز صغير جدا لأن يكون لها صوت عال .. ابتعدت عن الباب الكبير و اقتربت من تلك العجوز التي كانت تنظر إليها بغضب من رأسها إلى أخمص قدميها و كأنها لم يعجبها منظر لورا بلابسها العملي و طريقة تصفيف شعرها .. بينما هي فترتدي فستان طويل جدا يضرب بالأرض و ذو أكمام طويلة من المخمل الأسود و له ياقة من الدانتيل الأبيض الذي ارتفع ليغطي رقبتها و رفعت شعرها كله بطريقة مرتبة جدا و ترتدي قرطان من اللؤلؤ .. و كأنها كانت تعيش في ذلك القرن أيضا.. و قد خرجت من قبرها لتوها .. هل كل شيء أثري هنا ؟ هل عادت بالزمن إلى الوراء ..
أرادت أن تستوضح الأمر لتلك العجوز المخيفة و تخبرها بأنها لم تكن تريد فتح الباب بل كانت تتمشى و توقفت عنده .. لكن تلك العجوز ذات النظرات الحادة سبقتها و قالت بعصبية بانجليزية ضعيفة تشوبها اللكنة الإسبانية ..
- " هل من عاداتك التجول في أرجاء بيوت مضيفيك و الدخول إلى حجرهم الخاصة يا آنسة؟! "
- " لا ..أبدا .. أنا لم أكن أقصد الدخول إلى تلك الحجرة ..آسفة إن كنت ظننتني ذلك "
- " حقا ؟!! و هل تعرفين لمن هذه الحجرة ؟! "
- " لا .. و لا يهمني أن أعرف "
و كأنها لا تصدقها فقالت باستهزاء..
- " إذا لم كنت تريدين فتحها ؟! "
لم لا تفهم هذه العجوز التي تحقق معها .. فأجابتها بنفاذ صبر
- " لم أكن أريد ذلك .. لقد توقفت عندها .. إنها قريبة من الدرج و كنت أهم بالنزول "
- " هذا واضح جدا .. "
انزعجت لورا من طريقة تلك المرأة في استجوابها و تكذيبها .. فقالت لها لورا بانزعاج
- " قلت لك بأني آسفة لأنك ظننتني بأني ادخل الحجرات المغلقة .. و لست هنا لأبرر لك ما أقول فإن أردت تصديقي سأكون شاكرة و إن لم تفعلي فهذا من شأنك .. و الآن اسمحي لي أريد النزول "
فتحت العجوز عينيها مستغربة طريقة رد تلك المرأة .. لم يرد عليها أحد هكذا من قبل لا الدوق و لا الكونتيسة و لا حتى باتريشيو ...
- " يا لوقاحتك .. هل هكذا يتصرف الضيوف ؟! "
توقفت لورا عن نزول الدرج عندما نطقت تلك العجوز
- " أرجوك يا سيدة لا داعي للتجريح.. أنت من تهجم علي .. كما إنني لست ضيفة فجزء من هذا القصر لي .."
ضغطت لورا على الوتر الحساس ..
- " أبدا لن يكون هذا القصر لك و لا حتى جزء منه "
علا صوت نانيرا مما جعل داني يصعد إلى حيث تقفان
- " ماذا يحدث هنا ؟! "
كان يسأل نانيرا و لم ينتبه لوجود لورا واقفة ثم استدار ليصعق أمام هذا الحسن و الجمال كله .. على الرغم من عبوسها إلا أنها بدت ساحرة و هي تنفخ بانزعاج ..
أجابته نانيرا بالاسبانية و كان واضح من طريقتها بأنها تشتكي له و تقص عليه الأكاذيب .. ما أن انتهت تلك العجوز من سرد قصتها حتى استدار داني لينظر إليها و فتح فمه ليتحدث لكن لورا سبقته قائلة
- " اسمع لا أعرف ماذا قالت لك السيدة .. لكنها هي من تهجم علي و أنا أهم بالنزول .. لقد اعتقدت بأني انتهك حرمة المنزل و أقسم لك بأني لم أكن أنوي فتح ذلك الباب .."
ابتسم لها داني و بدا متفهما جدا
- " لا بأس.. لم يحدث شيئا .. اعذريها "
ما أن قال داني ( اعذريها ) حتى بدأت تلك العجوز بتكلم بنبرة عالية موبخة بلغتها الاسبانية الغير مفهومة بالنسبة للورا فقررت أن تعود الأخرى إلى حجرتها و لا تخرج منها إلا أذا عاد الدوق ...
عندما استدار داني لم يجدها واقفة فشتم بصوت خافت .. و سمعته من بعيد يؤنب العجوز المدعوة بنانيرا ..
هل يعقل أن يكون ذاك الأشقر الوسيم هو الدوق !! لا لا أعتقد فكل الصور التي رأيتهم للدوقات و النساء ذوات الشعر الأسود الغجري .. فمن أين يكون للدوق شعرا أشقرا ؟؟
و من تلك العجوز التي تهجمت علي !! يا إلهي لا يمكن أن يكون الوضع أكثر تعقيدا ...
أمسى الليل و لم يدعوها الدوق إلى مقابلته و سأمت الانتظار و الجلوس في تلك الحجرة حيث لا أنيس لها إلا التلفاز .. كانت تأخذ الغرفة ذهابا و إيابا و هي تفكر بالذي أحضرها إلى هنا إلى هذه البلاد البعيدة وحدها .. هل حقا هي تهتم بهذا القصر الذي لا يعينها شيئا ؟!! هل من الصواب أن تأتي إلى هنا و تفكر أن تعيش بين هذه العائلة التي لا تنوي الترحيب بها حتى لم يتكفل كبيرها بدعوتها على العشاء أو لمقابلتها ؟!! هل تعود من حيث أتت و تترك كل شيء لذلك الدوق ؟! أم تنتظر؟!! لكن ما هو الشيء الذي ستنتظره ؟! و هل ستنتظره طويلا ؟؟؟
استفاقت على صوت هدير محرك سيارة في الخارج ففتحت عينيها لتنظر إلى ساعتها التي تشير إلى الثانية صباحا .. من يكون يا ترى ؟!! جرت نفسها من الفراش و اقتربت من النافذة لتلقي نظرة لكنها تأخرت فكل ما رأته هو ذلك الشاب اللطيف ذو الشعر الأصفر الذي تكلم معها صباح اليوم فقررت أن تعود إلى فراشها .. تقلبت في محاولة للنوم لكن بلا جدوى .. فأخذت الهاتف و قامت بالاتصال على صديقتها جاكلين .. أجابها صوت ناعس من الجهة الأخرى للهاتف
- " آلو ؟!"
- " جاكلين .. مرحبا ..هذه أنا لورا "
و كأنها صحصحت من نومها عندما سمعت صوت لورا .. و شعرت الأخرى بالحنين إلى الوطن على الرغم من أنها تغيب لأشهر و أسابيع على الدوام لكنها لا تشعر بنفس هذا الحنين الذي شعرت فيه بمجرد إقامتها هنا ليومين !!
- " لورا عزيزتي كيف حالك ؟! "
جاءها صوت لورا مخنوق ..
- " لست بخير يا جاكي .. أريد أن انفجر "
- " لم ؟ ما الذي حدث ؟!"
- " للأسف لم يحدث شيء .."
- " ماذا تعنين ؟!"
- " أعني بأني هنا وحيدة و لم أقابل الدوق حتى الآن ... لا اعرف إن كان يقصد أن يتجنبني"
- " هل هذا معقول ؟ لم تقابلينه حتى الآن ؟! "
- " لقد قابلت مستشاره و خادمته و مربيته الشرسة المدعوة بنانيرا.. تصوري بأنها هاجمتني اليوم لأنني كنت واقفة بالقرب من حجرة الدوق و افتعلت مشهدا حتى أتى شخصا ما ليهدئها و يعتذر نيابة عنها لكن غضبها زاد حتى اضطررت أن ألوذ بجلدي و أعود إلى حجرتي و لا أخرج منها "
- " يا عزيزتي .. و ماذا ستفعلين إذا ؟"
- " أريد مشورتك يا جاكي .. هل أبقى و انتظر أم أعود و أتنازل عن ورثي ؟! "
سكتت جاكلين لبرهة تفكر بأمرها و قالت بهدوء
- " بماذا يحثك قلبك ؟! "
- " أن أعود "
- " و عقلك ؟! "
فكرت قليلا ثم تنهدت قائلة
- " عقلي .. آه منه إنه فضولي لدرجة كبيرة و يحثني على الانتظار حتى أقابل ذلك الدوق الوحشي الذي كرهته قبل رؤيته "
ضحكت جاكلين فلقد أجابت لورا نفسها بنفسها ..
- " و ماذا تقولين الآن ؟! "
- " اعتقد ..سأبقى و أرى إلى ماذا ستؤول إليه الأمور ... آسفة لإزعاجك يا حبيبتي هيا عودي للنوم و شكرا لك "
- " لا تتأسفي أبدا من الجيد انك اتصلت و سعدت لسماع صوتك .. واعرفي دائما بأني أساندك في كل قراراتك .. حظا سعيدا "
- " شكرا لك "
- " على الرحب و السعة "
شعرت براحة تامة لأنها تحدثت مع صديقتها المقربة و استطاعت بعد تلك المكالمة أن تخلد للنوم ..
في الصباح دخلت وانيتا بعربة الإفطار إلى لورا و فتحتها أمامها و بدأت تسكب لها الطعام في طبقها .. سألتها لورا
- " أعرف بأني سألتك كثيرا هذا السؤال لكني سأكرره حتى أقابل الدوق .. هل تناول الدوق باتريك إفطاره ؟ ألم يدعوني لمقابلته ؟ هل يعرف بوجودي هنا أصلا ؟! "
- " آسفة يا آنسة ..لكني حقيقة لم أرى الدوق هذا الصباح "
تأففت لورا و نفخت بعصبية
- " حسنا شكرا لك يا وانيتا "
بعد أن أنهت إفطارها قررت أن تخرج من تلك الغرفة التي بدأت تكرهها ,فلورا ليست من النوع الذي يحب الجلوس في مكان واحد دون أن يقوم بعمل شيء ما فهي بطبيعتها حركية و مغامرة و تحب استكشاف الأشياء .. الآن ستغامر بالنزول إلى الطابق السفلي و مواجهة العجوز الشرسة إن هاجمتها مرة أخرى ...
تمشت في الطابق السفلي الذي كان واسع جدا و يخلو من الحجرات بل كان مفتوحا على بعضه من حيث الصالات و غرفة الطعام إلا من باب مغلق و قررت أن تبتعد عنه و لا تقترب منه أبدا .. كان طعام الإفطار لا يزال على المائدة الطويلة الضخمة و يبدو بأن الدوق لم يتناول شيئا منه .. ظلت واقفة لدقائق تنتظر أن يطل عليها لكن لا أحد غير الخدم الداخلين و الخارجين .. يبدو بان عدد الخدم أكثر من العائلة نفسها ..
خرجت إلى الحديقة و كانت بدورها واسعة جدا إلى ما لا نهاية و في وسطها وجدت نافورة عملاقة تصب في حوض للسباحة و هو كبير جدا أيضا و فوقه نصب جسرا للعبور .. كان المنظر رائعا و كأنها تتمشى في جنة خلابة تظللها الأشجار و الزروع و الورود الغريبة العجيبة بألوانها الرائعة بكل الأجناب ...
تمشت حتى أصبحت الحديقة و الحوض الكبير خلفها و بعيدا عنها .. و بينما هي تسير لمحت أمامها مبنى رخامي أبيض صغير يقع أسفل القصر في منحدر و ينبغي أن تمشى لمسافة قصيرة لتصل إليه و كلما كانت تقترب منه كان يتبين لها بأن ذلك المبنى الصغير ما هو إلا إسطبل كبير للخيل و أمامه حلقة كبيرة مسورة بسياج أبيض و كان يوجد شخص داخل هذه الحلقة يركض و يركض معه جواد يصهل في كل ثانية .. اقتربت أكثر و توقفت لتستند على السياج و تنظر إلى ذلك الرجل الأسمر الطويل ذو الجسم الرياضي الذي يركض مع الحصان و يحاول أن يضع عليه اللجام لكن ذلك الحصان يصهل و يركض مبتعدا رافضا أن يعلق عليه اللجام .. حاول ذلك الأسمر لأكثر من مرة و ركض أمامها و شعره الأسود الكثيف يتقافز معه و كأنها تنظر إلى إعلان في التلفاز عن شامبو أو مستحضر تجميلي ..
كان تركيزه على الحصان العنيد أمامه و بدا لها ذلك الأسمر الوسيم أنه أعند من ذاك الجواد الهائج ..
اندمجت مع حركات هذا الرجل الأسمر ذو اللون البرونزي الأنيق الذي يرتدي قميص أبيض فضفاض و أزراره مفتوحة كلها تقريبا حتى يدخل الهواء داخل قميصه مفتعلا إعصارا كلما لامس صدره المكشوف.. و بنطاله الأسود الذي ارتدى فوقه جزمه سوداء عالية .. كان فارسا بمعنى الكلمة ..
بعد عدة محاولات بدأ ذلك الحصان العنيد يرضخ لعناد سيده الذي لم يبد عليه التعب بل كان مصرا على ترويض ذلك الجواد الجميل.. شيئا فشيئا استطاع الرجل الأسمر أن يضع اللجام عليه ثم بقفزة واحدة امتطى ظهره..
لا شعوريا صفقت لورا صفقة واحدة ثم توقفت بسرعة بعد أن التفت ناحيتها و لمحها فاقترب منها بالحصان.. كان ظهره مستقيم و مشدود و ينظر إليها بعين ثاقبة و يقترب بكل رصانة.. تصلبت في مكانها .. و استطاعت أن ترى ثلاثة رجال في الجهة الأخرى من السياج يهرولون مقتربين أيضا.. يا إلهي هي في ورطة.. أخذ قلبها يدق بسرعة فجائية عندما توقف الرجل الوسيم أمامها بجواده الذي انقاد له .. و بقفزة واحدة كان يقف على الأرض يحدق فيها بطريقة مريبة .. و دون وعي منها رجعت خطوة للخلف .. و اعتقدت انه من المفروض أن تعرف نفسها فقالت بتوتر
- " مرحبا .. أنا لورا "
لم تتغير ملامح وجهه و لم يحمل نفسه عناء الرد عليها بل اكتفى بالتحديق فيها بكبرياء.. كأنه لا يفهم ما الانجليزية ..
اختلطت مشاعره في قلبه ... فمن تكون هذه الجميلة الساحرة ؟!! ذات الملامح المألوفة ؟!!
كانت ترتدي جينز أزرق و قميص أسود مرتب يلتصق بجسدها ليبرز نحافة خصريها .. و شعرها الأشقر مسترسل على كتفها .. كما و أنها لم تنس ارتداء قرطين صغيران .. يضفيان على شكلها العملي لمسة أنثوية طاغية .. بدت جذابة باختصار ..
عندها وصل ماريو الرجل الذي اصطحبها إلى هنا قبل يومين و لم تره بعدها .. كان يلهث و خلفه داني المتقطع الأنفاس الرجل الذي اعتذر لها صباح الأمس عن تصرف تلك العجوز ..
حينها تحدث ذلك الفارس بالاسبانية بطريقة مغرية جدا .. أضفت إلى هذه الصورة الرجولية صوتا رجوليا آخر .. لتكتمل الصورة .. تحدث إلى الرجلين و أجابه ماريو بنفس اللغة .. و ما استطاعت التقاطه من جملة ماريو هو كلمة (دي بابلو ) و هي عائلة والدها ..
لم يبعد عينيه عنها و كانت تحس بنظراته تخترق حاجز قلبها .. من هذا الرجل العجيب ؟!
سألها ماريو باحترام و ود
- " ماذا تفعلين هنا يا آنسة ؟! "
أجابت و هي تنظر إلى الرجل الأسمر و هو يوقف الجواد عن الحركة واحدة منه .. و كان يترقب جوابها..
- " كنت أتمشى .. و لم أعلم بوجود إسطبل هنا "
ابتسم لها ماريو بتوتر .. و قال
- " حسنا يا آنسة ينبغي لك أن تعودي إلى القصر "
- " لكني .. "
و بسرعة رفع نظره للرجل الذي لا يزال يحدق فيها .. و كان هناك مغناطيس يجذب عيناه للنظر إلى ملامحها الناعمة ..
قال لها ماريو
- " أرجوك يا آنسة .. عودي "
تضايقت من إصرار ماريو أن تعود للقصر .. فقالت بنبرة معاتبة
- " حسنا سأفعل لكني أريد أن أقابل الدوق .. إنه ثالث يوم لي هنا و لم أقابله بعد ..ألا يكلف نفسه للسؤال عن ضيوفه ؟! أو على الأقل أن يدعوني للعشاء ؟! فهل هكذا يتصرف الدوق في العادة .؟؟.. أرجوك أبلغه ذلك .. اعتقد بأنني يعلم باني وصلت منذ يومان .. "
انقبض قلب ماريو و تبادل النظرات مع ذلك الرجل الأسمر المريب و مع داني الذي احمر وجه و أراد أن ينفجر ضاحكا .. رأت شبح ابتسامة ترتسم على ملامح الرجل الأسمر الجدية الحادة ثم سرعان ما عادت مثلما كانت.. أشار لماريو الذي كان يتحرى إجابته برأسه ففهم و استدار ماريو ليقول ..
- " يا آنسة .. إنك في حضرة الدوق .. دون باتريك "
ماذا ؟!!! تمنت أن تنشق الأرض و تبتلعها في هذه اللحظة .. عضت على شفتيها و قد أحمر وجهها خجلا و لم تستطع أن تضع عينيها في وجه الرجل الأسمر الوسيم.. إذن هو الدوق باتريك !! لم تعتقد بأنه قد يكون شابا و مفعما بالنشاط و له وسامة طاغية .. فلقد تخيلته يشبه أحد الرجال المرعبين في اللوحات الزيتية الموضوعة عند مدخل القصر.. ارتاحت قليلا لأنه بدا لها لم يفهم ما قالته .. أو لعله فهم .. لكن لابد و أنه لا يعرف كيف يتحدث الانجليزية .. بهذا طمأنت نفسها و هي تعرف بغرارة نفسها بأن لا يعقل أن يكون دوقا و لا يعرف كيف يتحدث الانجليزية .. خاصة و أنه شاب .. لذلك تراجعت خطوتين للخلف و قررت الابتعاد عن هذا المكان لعلها بذلك تحفظ ماء وجهها
- " اعذروني .. سأعود إلى القصر "
و استدارت لتذهب بعيدا لكن صوتا هادئا و واثقا و رجوليا هز بدنها هزة عنيفة
- " انتظري "
تجمدت رجليها و هي تستدير و كان قد خطر السياج و أصبح خلفها مباشرة.. قال لها بلكنة أمريكية متقنة
- " كان ينبغي علي أن أقابلك منذ الأمس لكني انشغلت قليلا فاعذريني يا آنسة .. وكما إنني عدت مساءا إلى القصر ..و اليوم لم انوي ايقاضك في الصباح حتى لا أزعجك .. و كنت سأدعوك على العشاء أيضا .. فاعذريني مرة أخرى يا آنسة آغنر.. "
نظرت بين بحريتين من العسل تضللهما أشجار سوداء كثيفة فنسيت ما أرادت قوله .. و لم تتذكر إلا عندما أخفضت بصرها عن عينيه ..
- " أنا آسفة لوقاحتي .. كنت .. "
قاطعها بكل سهولة .. دون أن يرفع صوته حتى و ألزمها السكوت.. قائلا
- " لا بأس .. كان يفترض أن أعرفك على نفسي منذ البداية حتى نتجنب كلانا الإحراج "
أومأت برأسها و هي تشعر بجسدها يشتعل نارا أمام نظراته و طريقته اللبقة في التحدث إليها ..
تحدث إلى ماريو بالاسبانية حتى لا تفهمه.. و بدا لها أكثر جاذبية .. و تمنت لو انها تلقت دروس في الإسبانية ..
- " ماريو خذها إلى القصر بالعربة الصغيرة و أخبرها أن لا تغادر حجرتها إلا عندما ندعوها للعشاء عندها سأرى ماذا تريد مني تلك الجريئة و إلى متى سنتحمل بقاءها هنا"
- " لك ما شئت يا سيدي "
اقترب منها ماريو عندما خطر الدوق السياج مرة أخرى و ركب ظهر الجواد مبتعدا إلى الإسطبل ..
- " تفضلي معي يا آنسة .. آخذك إلى القصر بالعربة "
- " لكني أفضل السير على الأقدام "
- " ستشعرين بالتعب فالصعود إلى المنحدر أصعب من النزول منه "
- " لا بأس "
- " أرجوك يا آنسي أن تأتي معي "
أيقنت بأن الدوق هو وراء هذا الأمر يبدو بان الجميع هنا ينصاعون لأوامره بحركة واحدة من عينيه فقط .. لا تعرف لم لا يحبذ فكرة أنها كانت تتمشى وتتفقد الحديقة و الإسطبل .. و هل هو جاف هكذا على طبيعته أم معها فقط ؟!!
طرقت وانيتا باب حجرة لورا فدعتها للدخول ..
- " أهلا وانيتا .. كيف أبدو ؟! "
كانت ترتدي فستان أخضر ضيق عند الخصر ثم يأخذ بالاتساع حتى يصل إلى ركبتيها .. نفشت شعرها الأشقر الكثيف و تركته يسترسل على كتفها و ربطت شريطة سوداء في منتصفه .. كما ارتدت قرطين ناعمين و حذاء أسود ذو كعب عالي .. و رسمت عينيها بكحل أسود خفيف ليبرز لونهما الزمردي و لمعت شفتيها بلونهما الطبيعي .. كأنها ستذهب إلى موعد غرامي أول لها ..
- " خلابة .. "
- " شكرا لك وانيتا .. ماذا أردت ؟! "
- " دون باتريك ينتظرك على المائدة لتناول العشاء "
- " آه .. إن الوقت باكرا لتناول العشاء "
- " الدوق لا يتناول إلا وجبة الإفطار و وجبة العشاء فقط ..لذلك يشعر بالتعب خاصة و انه يقضي معظم الوقت بالخارج.. "
- " هذا واضح بأنه رياضي و صحي جدا .. ألا تعرفين كم يبلغ من العمر ؟! "
- " سيبلغ الثلاثين قريبا "
لا تعرف لم أسعدها ذلك .. هل لان تخمينها صائبا أم لأنه شاب فحسب ؟!!
قادتها وانيتا إلى غرفة الطعام الكبيرة حيث المائدة الضخمة الممتدة إلى ما لا نهاية و تنزل في وسطها ثريا عملاقة من الكريستال و الذهب .. سكت الجميع انبهارا ما إن دخلت لورا .. وقف لها الرجال .. الدوق و داني و ماريو .. باتريك على رأس الطاولة و على يمينه نانيرا إيزابيلا و ماريو و على يساره داني و ترك مقعد لها بالقرب من داني .. فتح لها داني الكرسي لتجلس.. و ظل باتريك يمعن النظر فيها و هي تجلس بخفة .. بدت له مألوفة جدا و كأنه رآها في مكان ما لكنه لا يذكر أين!! و لم يبعد نظره عنها إلا عندما أحست هي بمن يحدق فيها فالتفت لتصطدم نظراتهما , شعرت بالخجل فأنزلت عيناها .. لكنه لم يكترث بل ظل يحدق بكل جرأة يحاول أن يتذكر أين رآها من قبل ..
كانت العجوز ترسل لها نظرات نارية .. ما بها هذه العجوز ؟! و لم كل هذا العداء ؟؟ و من تكون ؟!
كانوا يتناولون طعامهم بهدوء ..والجو موترا بالنسبة لها فكل الأعين عليها وحدها لذلك لم تستطيع أن تتناول طعامها .. كان الدوق ينظر إليها بطرف عينيه بين حين و أخرى, يا إلهي كيف أستطيع أن أتناول طعامي و الكل يحدق بي بتلك الطريقة .. بالأخص هذا السيد المتأنق .. كان يرتدي قميصا أسودا و قد رفع أكمامه إلى الأعلى و بنطاله أسود أيضا .. بدا شكله نظيفا عن ما راته هذا الصباح .. خاصة بانه قام بحلق ذقنه و شعره الأسود القصير مرتبا و ممشوط للخلف و كأنه رجل من عامة الناس لو أنها رأته في مكان آخر غير هنا .. بل بدا ماريو ببذلة السوداء المتأنقة و كأنه هو الدوق ...
وقعت عيناه على طبقها.. فتوقف عن الأكل و سألها قاطعا جو السكون بإنجليزيته المتقنة
- " آنسة آغنر ؟! لم تلمسي طبقك .. ماذا ألا يعجبك الطعام ؟ "
لم تتوقع سؤاله هذا .. فارتبكت و أجابته بعفوية
- " لقد تذوقت القليل منه .. إنه لذيذ .. شكرا"
لم يعجبه ردها فسألها و في عينيه مكر
- " إذا لم وقفتي عن الأكل ؟! هل تتبعين نظاما للتخسيس ؟! "
لقد وضعها في موقف حساس حيث ترك الجميع ما بيدهم ليحدقون في وجهها الذي احمر خجلا .. و ربط لسانها و توقف عقلها عن التفكير في إجابة عقلانية .. كانوا ينتظرون ردها فتنحنحت قائلة
- " أنا آسفة .."
رفع ذقنه و كرر قولها باستغراب .. انه ينتظر جواب أكثر منطقي ..
- " آسفة؟! "
يا إلهي إنه لا ينفك عن التحقيق معها و كأنه يقصد إحراجها .. لن يسكته إلا قول الحقيقة ..
- " أنا آسفة لأنني لا أستطيع أن أتناول طعامي و الكل يحدق بي "
فتح باتريك عينيه على اتساعهما دهشة بردها الصريح و الصادق و تبادل النظرات مع داني الذي احتقن وجهه.. عندها انفجر ضاحكا عندما رأى باتريك مبتسما و أخذ الجميع يضحكون .. إلا نانيرا العابسة .. أنزلت لورا رأسها للإحراج و قررت أن تحفظ ماء وجهها و تغادر إلى حجرتها .. وقفت على طولها و استأذنت الرحيل لكن الدوق سرعان ما تغيرت ملامحه لتصبح جدية و توقف عن الضحك و قال لها بصوت آمر
- " عودي إلى مكانك يا آنسة "
جعلها صوته الآمر تحس و كأنها في عصر العبودية .. لذلك لم تتحمل هذا الصوت الآمر فتجرأت و رفعت بصرها تنظر بين عينيه بضيق من طريقته ..و كل ما رأته هو نظرة الحزم الحادة و الهدوء على ملامح وجهه الساكنة .. و عندما لم تجلس عنادا و كبرياء منها كرر أمره لكن بطريقة مختلفة و أكثر ودية مع طيف ابتسامة
- " على الأقل أنهي طبقك .. لن يقوم أحد عن هذه الطاولة إلا عندما ينتهي الجميع .. و لن يحدق بك أحدا .."
أضافت نانيرا موبخة
- " من الأصول يا آنسة أنا لا تقومي من الطاولة تاركة طعامك و الدوق لا يزال جالسا "
شعرت بالنار تسري في عروقها و تحرق أوصالها .. لابد أنه يعني إذلالها أمام الجميع إذ جعل تلك العجوز الشمطاء توبخها.. جلست بعد أن حدجته بنظرة غاضبة لم تؤثر فيه.. بل أكمل تناول طعامه و كذلك تحديقه بها .. شعرت برغبة بالبكاء لأول مرة منذ قدومها إلى هنا و لا تستطيع أن تمنع دمعة صغيرة فلتت منها فأسرعت بمسحها حتى لا يراها أحد مهزومة و ضعيفة ... تنصاع لأوامر دوق أسبانيا الذي لم تعرفه إلا منذ ساعات ..
بعد أن قام الدوق عن المائدة تبعه الجميع و كذلك فعلت هي .. جلس في الحديقة حتى يشعل سيجارته و أخذ ينفثها بالهواء و من ثم تبعه داني و أشعل سيجارته هو الآخر أيضا.. لكن ماريو استأذن الدوق و غادر.. و كذلك فعلت نانيرا قبلت رأس الدوق و تحدثت معه بالاسبانية و كانت منزعجة من وجود لورا اليوم على العشاء .. هذا ما أحست به لورا التي كانت واقفة تنظر إلى ظهر الدوق و رأسه من الخلف و وجه نانيرا المتهكم.. التي كانت تنظر إليها و في عينيها الحقد كله .. ما أن أنهت تلك العجوز حديثها حتى مرت بالقرب من لورا و دخلت القصر لتخلد إلى النوم ..
قال داني إلى الدوق شيئا في أذنه ما جعله يستدير ليجد لورا واقفة قرب النافذة المفتوحة على الحديقة ..
- " اقتربي يا آنسة.."
قالها بود هذه المرة .. لكن صوت الأمر لم يغب عنها ..اقتربت منه بانزعاج فهي لا تحب أن تخضع لأوامر أحد ..لكنها لا تريد أن تكون فضة و هي الضيفة عليهم.. خاصة و أنها قد عاشت حياتها مستقلة فمن الصعب أن تتقبل الآن شخصا غريب عنها يأمرها و يفرض رأيه و حكمه عليها حتى و أن كان دوقا ..
مد علبة السجائر إليها .. و قال
- " هل تدخنين ؟! "
نفت برأسها فأعاد علبة السجائر إلى جيب قميصه ..ثم سرح بوجه لورا الجميل تحت تلألأ أضواء حوض السباحة و فكر في نفسه إنه لا ضير من أن يتصبح كل يوم بهذا الوجه القمري و يمسي على تلألئه .. يا إلهي .. أين قابلتها ؟! إن وجهها مألوف جدا ..
قاطع داني حبل أفكاره عندما سأل لورا
- " ما رأيك بالقصر يا آنسة ؟! "
- " أرجوك نادني بلورا.. "
- " حسنا لورا .. لم تجيبيني؟ "
- " آسفة.. القصر.. إنه رائع جدا و قد أحببته كثيرا خاصة و أن طرازه يعود للقرن السادس عشر "
- " آه .. إذا أنت مهتمة بالآثار "
- " كثيرا.. كان تخصصي في الجامعة علم الآثار "
أردف الدوق سائلا باديا عدم اكتراثه بتخصصها أو أي شيء يخصها
- " و هل ترينه المكان المناسب لإقامتك ؟! "
لم يعجبها سؤاله الذي كان يلمح به إلى شيء آخر .. فأجابته بثقة و ذكاء رافعة رأسها حتى تكسر تكبره
- " لم أقرر ذلك بعد .."
تبادلا نظرات شائكة و حادة .. بعد ذلك وقف الدوق فوقف داني و ترددت لورا حتى تقف لكنها فعلت بالنهاية تجنب للمشاكل فهذه الأسرة الغريبة لها عادات تتنافى مع عادات لورا التي تربت على الديمقراطية ..
نظر إلى لورا مطولا .. ثم قال بصوت منزعج لداني بلغته ..
- " حسنا داني .. لا تطيل السهر فلدينا غدا مشوار طويل .. و لا تعقد صداقات مع الغرباء الذين قد يضروننا.. أنت فاهم قصدي "
أومأ داني .. ثم وجه باتريك الحديث للورا بالانجليزية و قال بجفاء و تعجرف
- " و أنت يا آنسة آغنر .. أو دي بابلو .. أيا يكن.. "
قاطعته .. و قالت مع ابتسامة حاولت إن تخفي بها انزعاجها
- " آغنر ... لو سمحت "
لم يعجبه طريقتها في مقاطعته و هو يتحدث .. فقال
- " حسنا آنسة آغنر .. لديك الكثير للتحدث عنه مع المحامي سانتياغو و ماريو .. و أرجو أن تتوصلا إلى حل يرضي الطرفين .. عمتي مساءا"
استدار ليغادر لكنها قالت بسرعة و بانزعاج
- " لكن كنت أريد التحدث معك أنت بهذا الأمر .. أنا و أنت ..و ليس ماريو و المحامي "
لف ليواجهها و قد بدا عليه الغضب و قال
- " آنسة آغنر .. أنا من يقرر مع من ستتحدثين.. "
قاطعته مرة أخرى و أراد أن يقترب منها و يلطمها لوقاحتها و جراتها في الحديث معه بتلك الطريقة التي لم يتجرا أحد من قبل على التحدث معه هكذا ..
- " لكن هذا شيء يخصني و يخصك يا سيد باتريك .."
صحح لها داني بصوت مرتجف و هو يرى صديقه يشتعل غضبا لجرأة هذه الآنسة الأمريكية التي ظهرت في حياته فجأة و بلا مقدمات.. و الآن تتشاجر معه بكل جرأة و هذه الجرأة يطلقون عليها "وقاحة "عندما ترفع امرأة و ضيفة غريبة صوتها على الدوق أو مضيفها..
- " دون باتريك "
لم تكترث للتصحيح .. فأضافت قائلة
- " أتمنى أن تعطيني من وقتك دقائق نتناقش فيها أنا و أنت وديا بخصوص القصر و الميراث "
اقترب منها كثيرا حتى كاد يلتصق بها .. أخذ قلبها يضرب بعنف ... و كلما اقترب كلما دخلت رائحة عطره القوي في رأسها .. لكنها نظرت إليه بحدة ..فقال لها ببرود و عينان تسعران نارا ..
- " عمتي مساءا "
ثم استدار و دخل القصر ..
ظلت تحدق في ظله حتى اختفى .. و عادت لها دقات قلبها .. استدارت لتنظر إلى داني الذي كان يرمقها , جلست في مكانها و هي تتأفف متضايقة من ذلك الدوق المزعج و تمنت أن يكون شيخا كبيرا أفضل بكثير من أن يكون شابا مغرورا و متكبرا
- " يا إلهي .. هل هو حازم و عنيد معكم أيضا ؟ "
- " أعذريه يا لورا إنه يعاني من ضغوطات كثيرة "
- " ليس هناك عذر لأن لا يتصرف بلطف معي .. لم يعاملني و كأني عدوة له ؟! "
- " هل هذا ما تعتقدين ؟! "
- " هذا ما أراه و أحسه "
- " لا يا لورا إن باتريك رجل نبيل و مهذب جدا و عندما تقتربين منه ستشعرين بلطفه و كرمه و سخاء نفسه "
- " و كيف أقترب منه و هو لا يترك لي المجال بل يغلق جميع الأبواب في وجهي ..اسمع يا ..؟؟"
تذكرت بأنها لم تتعرف على أسمه بل سمعت الدوق يناديه بداني .. لكنه قال لها مبتسما و بدا لطيفا جدا ..
- " دانيال .. لكن يفضل أن تناديني بداني "
- " داني .. بصراحة أنا لم اعتد هذه الحياة حيث القوانين و التعقيدات و الرسميات لقد ولدت في دنيا الاستقلالية لا أحد يفرض علي رأيه و الجميع من حولي أصدقاء لي .. لذلك من الصعب علي أن أقبل تصرفات الدوق معي "
اقترب منها قليلا و قال بصوت منخفض و كان يتلفت و كأنه خائف من أن أحد يراقبه من بعيد
- "ماذا تتصورين من رجل تزوجت والدته بلا رضاه لأنه لم يجد بان ذلك الزوج من مستواها كما و أنه سمع الكثير من الأمور المشيبة عنه .. و بعد ذلك عاندته و اختارت زوجها على ابنها ..فيغادرها ليعيش ست سنوات بعيدا عنها دون أن يتحدثا مع بعض .. ترك حياته هنا و مستقبله و واجبه الحقيقي لأرضه و أرض أسلافه ليعيش في لوس أنجلوس ثم يسمع بنبأ موت والدته فيعود بعد سنوات من الفراق ليودعها جثة هامدة و هو يشعر بالندم على ما حدث بينهما .. لقد تغير باتريك منذ تلك الحادثة و لم يعد مرح كما السابق حتى أنني لا أراه يبتسم أو يضحك إلا نادرا .. و الذي أحزنه أيضا أنه دفن في نفس ذلك اليوم والدته و زوجها الذي توفى قبل ساعات و قد أجرى له مراسيم دفن تليق به كزوج أب .. لكن الذي زاد الأمر سوءا هو عندما علم بأن هناك من يشاركه في ملكه و ملك أسلافه لقرون عديدة .. و هو أنت يا لورا فكيف تريدينه أن يتصرف معك و هو يشعر بأنه قد خسر كل شيء في حياته أولا والده و بعدها والدته و بعد ذلك يخسر جزء من أملاكه لفتاة غريبة .. لا و هي ابنة ألد أعداءه ؟!! "
لقد اختصر لها داني قصة حياة الدوق المأساوية في دقائق فجعلها بذلك محزونة و مشفقة عليه لذلك بقيت صامتة تفكر بينها و بين نفسها بما يجب فعله .. فأردف داني
- " اسمعي يا لورا أنا لا أدافع عن باتريك لأنه صديق الطفولة أو لأنه دوق ألبا .. بل أقول لك ذلك كي تضعي نفسك في مكانه ؟! أقسم لك لو كنت أنا من جرت معي كل تلك الأمور لطردتك من المنزل الآن أو لم أكن استقبلك و أدعك تقيمين في أفخم غرفة في القصر و أتركك تتناولين العشاء معي و بالقرب مني.. و لكني لا ألمك أنت أيضا.. فإن رؤيتك و تعرفك على ورثك هو من حقك.. "
أنزلت رأسها محزونة و تشعر بالإحراج فكلام داني جارح جدا و للأسف بان فيه شيء من الصواب ذلك ما جعلها تحتار بأمر الورث هل تقبله أم تتركه لسيده ...؟!!!
لكن داني لم يتوقف و أضاف قائلا ..
- " أعرف بأني أطلت الحديث معك لكن هناك نقطة واحدة و مغزى واحد من كلامي و هو أن تحاولي قدر الإمكان أن تعذري تصرفات باتريك و تسايرينه لعله يهدأ قليلا و يحسن التعامل ..و حاولي الاقتراب منه لعلك تكسبين وده و تجدينه رجلا نبيلا جديرا بالاحترام "
أومأت برأسها فهي لم تعد قادرة على الكلام لأنها أن فتحت فمها ستنفجر باكية .. استقامت واقفة و استأذنته بالذهاب إلى حجرتها..
ما أن فتحت الباب حتى تسارعت دموعها بالانهمار على خدها .. لم تكن متأكدة من سبب بكاءها .. هل هو غربتها أم وحدتها ؟! أم علمها بوجود أب لها و أن بيتر ليس أباها الحقيقي ؟ أم طريقة تعامل الدوق الجافة معها؟؟ .. أم مأساته التي ألقاها داني إلى مسامعها فتزيد من أوجاعها ؟..
لم تنم جيدا تلك الليلة فقد راودتها أحلام مزعجة لم تستطع تذكرها في الصباح عندما استيقظت و ارتدت ثيابها فستان زهري مريح و ارتدت فوقه سترة خفيفة بلون كريمي و رتبت شعرها تاركته مسدول ..
نزلت إلى غرفة الطعام حيث وجدت نانيرا جالسة تتناول إفطارها و الدوق يقرأ جريدته و لم ينتبه لدخولها إلا عندما ألقت التحية بصوت متعب جعله ينزل الجريدة عن وجهه حتى ينظر إليها .. كان وجهها الجميل متعب و السواد تحت عينيها الشبه مغمضتين فأدرك بأنها لم تنم جيدا في الأمس..
قال لها مع ابتسامة مشرقة أضافت إلى وجهه الوسيم سحرا آسرا ..
- " صباح الخير آنسة آغنر .. أرى بأنك استيقظت باكرا اليوم ..هل نمت جيدا؟!"
أجابته بلا نفس في التحدث و حاولت أن تتجنب النظر في عينيه و وجه حتى لا تتأثر بذلك السحر ..
- " لا لم أنم قط "
رفع الجريدة إلى عينيه حتى يبين لها بأنه غير مكترث بها .. لكنه سألها كنوع من التهذيب
- " هل كل شيء على ما يرام آنسة آغنر ؟! "
- " هل تسمح لي بدقيقتان من وقتك نتحدث فيهما على انفراد "
- " نتحدث عن ماذا ؟! "
قالها دون أن ينزل الجريدة عن عينيه .. فقالت بعصبية
- " أنت تعرف يا دون باتريك ما أعنيه ؟! "
تكلمت نانيرا بانزعاج موجهة حديثها إلى لورا
- " لابد انك لا تعرفين الأصول يا آنسة .. ألا تعرفي بأنه لا يسمح لك بالتحدث مع الدوق و هو يتناول إفطاره !!!"
و قبل أن تفتح لورا فمها لإسكات تلك المزعجة قال الدوق ..
- " آسف يا آنسة لورا ليس لدي وقت .. قلت لك تحدثي مع ماريو و سنتياغو "
- " لكن .."
و فجأة ترك الجريدة بعصبية ووضعها على الطاولة من أمامه .. استقام واقفا و قبل رأس نانيرا ثم خرج من غرفة الطعام .. غضبت لورا من تصرفه الطفولي و رأت نانيرا منبسطة السريرة و قالت بلكنة انجليزية ضعيفة
- " من الأفضل أن ترحلي عن هنا بكرامتك آنسة آغنر "
أرادت أن تبين لها لورا بأن أعصابها باردة جدا و لم تتأثر بحديث تلك العجوز الشمطاء فقالت مع ابتسامة باردة على شفتيها
- " لن يحدث هذا أبدا .. أتصدقين أنني أقع في غرام القصر يوما عن يوم .. لعلي أنقل إقامتي إلى هنا .. و للأبد "
قبضت نانيرا يدها حتى توقف الدم في معصمها و صرت على أسنانها بعصبية .. استمتعت لورا بانتصارها , كانت ستقول للدوق بأنها تريد التنازل عن الميراث لكنها عدلت عن ذلك عندما أصر على عناده .. و كان مستواه لا يسمح له بالتحدث معها و هي الأمريكية البسيطة ..
خرجت إلى الحديقة تنتظر ماريو و المحامي ..
اقترب منها داني مبتسما ..
- " صباح الخير لورا "
كانت منزعجة لكنها مع ذلك أجابته بابتسامة بالكاد رسمتها على شفتيها
- " أهلا داني .."
- " تنتظرين ماريو و سنتياغو أليس كذلك ؟! "
- " نعم أصبت .. لا أعرف كم من الوقت سأنتظر هنا .. "
- " هل تناولت إفطارك ؟! "
- " لا ليس بعد "
- " إذا ما رأيك أن نتناول الإفطار في شرفتي "
فكرت قليلا ثم ابتسمت له .. فمن الجيد أن تحظى برفيق لطيف و مرح تقضي وقتا معه بدل الجلوس وحدها .. أومأت برأسها موافقة و صعدت معه الدرج و هما يضحكان على نكتة ظريفة ألقاها داني .. و في نصف الطريق إلى جناح داني توقفا حتى يلتقيان بذلك الأسمر المغرور واقفا ينظر إليهما و في عينيه شرر.. كان يحدق في داني المبتسم الذي سرعان ما اختفت ابتسامته عندما رأى تجهم وجه صديقه و قال حتى يخفف من حدة الجو بينهما و نظرات باتريك الثاقبة الحاقدة
- " باتريك .. صباح الخير .. هل استيقظت للتو ؟! هيا تعال و تناول الإفطار معنا "
رفع باتريك حاجبيه و نظر إليه باستغراب .. هل يعني داني ما يقوله أم إنه يدعي الغباء ؟! أجابه باتريك بصوت بارد مستهزئا
- " ألا تعرف بأني أستفيق من نومي قبل الطيور و العصافير .. و أحيانا أوقظهم بنفسي "
ضحك داني بتوتر و تلفت لينظر إلى وجه لورا التي كانت تراقبهما بحذر
- " أه هذا صحيح .. أرأيت يا لورا إنه ليس سيء بتلك الدرجة إنه يجيد إلقاء النكت أيضا "
فتح عينيه على اتساع عندما رأى داني يوجه الكلام إلى لورا .. و كان الأمر يتعلق به .. وضعت لورا يدها على فمها فقد ارتكب داني خطأ فادح رأت نتائجه في عيني باتريك اللتان تتوهجان غضبا و قال بصوت حاد لكنه ساخر
- " و هل تتحدثان مع بعض عني يا دانيال ؟! "
الآن أيقن داني بأنه في مأزق لا يستطيع النفاذ منه .. فأجابه بصوت مرتجف
- " لا يا باتريك ليس كما تعتقد .. كنا .. أعني أنا .. "
لوى شفتيه بابتسامة خبيثة و ربت على كتف داني معلق بمكر
- " أتمنى لكما قضاء وقت رائعا "
ثم سار بكل ثقة مبتعدا عنهما .. وقفا في البهو غير مصدقين ما حدث للتو .. كان قلب داني يخفق بقوة فترك لورا واقفة وحدها و تبع باتريك نازلا الدرج بسرعة و ركض خلفه حتى الإسطبل .. فأسرعت لورا إلى حجرتها فتحت النافذة و أخذت الكاميرا التي أحضرتها معها و قامت بتقريب الصورة حتى استطاعت أن ترى داني واقفا من بعيد ينادي و يركض خلف باتريك الذي امتطى حصانه و انطلق به ..
هل هو هكذا ذو بأس عنيد و جاف مع من حوله حتى مع صديق الطفولة ؟؟.. لم يخشونه هكذا؟؟ عاد داني مطأطأ رأسه ..
- " داني .. أين دون باتريك ؟! "
التفتت ناحية الصوت ليجد المحامي سانتياغو واقفا .. فأجابه بلا نفس قائلا
- " إنه يركب الخيل .. سينوب ماريو عنه "
- " لكن الأمر يتوجب حضوره "
- " لا أعرف شيئا يا سانتياغو أرجوك أتركني في حالي "
دخل داني القصر و صاح ينادي ماريو ثم دخل جناحه و أغلق الباب خلفه ..
تقابلت لورا مع المحامي في غرفة الاستقبال .. صافحته و دعته للجلوس
- " كيف حالك آنسة آغنر ؟ "
- " إنني بخير "
- " هل كل شيء على ما يرام ؟ "
- " نوعا ما ..نعم "
- " هل تحدثت مع الدوق بأمر الميراث ؟! "
- " إنه يرفض التحدث معي بهذا الشأن و يترك الحديث لماريو .. "
دخل ماريو الغرفة قاطعا عليهما الحديث و تصافح مع سانتياغو ..
- " مرحبا .. حسنا لا نضيع وقت لنبدأ فلدي أعمال أخرى أهتم بها و أرجو أن تكونا متعاونين .. بالأخص أنت آنسة آغنر "
هذا هو ماريو حار بطبعه و سريع في عمله و مخلصا للدوق بشكل لا يصدق
- " حسنا يا ماريو ماذا لديك لتقوله نيابة عن دون باتريك مع إني كنت أفضل وجوده بنفسه"
- " الدوق ليس فاضي لتلك الأشياء ... كل ما لدي قوله إنه يجب على الآنسة آغنر تقديم تنازل بشأن الميراث .. أو .."
انزعجت و قالت قاطعة بصوت عال .. يا لجرأته .. هل يعتقد أن الأمر بهذه السهولة أو أنه يتحدث نيابة عنها ..
- " أعترض .. أتنازل .. لا .. أبدا "
قال ماريو مضيفا لكنه كان هادئا و يتكلم باحترام معها
- " انتظري آنسة آغنر أنا لم أنهي كلامي بعد.. لن تتنازلي عن كل الورث .. فقط عن جزءك من القصر "
أصرت على رأيها و قالت بعناد
- " لا لن أفعل "
- " يجب أن تتفهمي يا آنسة بأن هذا القصر هو ملك لعائلة آلفاريز دي تيلدو منذ قرون و لن يسمح الدوق بأن يتدخل أحد غريب في الملك الذي شيده أسلافه "
- " إنني أتفهم ذلك و أعرفه جيدا ... لكني لن أتنازل عن حقي فيه "
لأول مرة يشعر ماريو بالانزعاج من هذه الآنسة العنيدة الجريئة التي تجرأت اليوم على الدوق كما فعلت بالأمس .. إنه يعتبرها سليطة اللسان لكن مع ذلك حاول أن يكون محترما في التعامل معها فهي ضيفة .. لكن ضاق من إصرارها .. فهو الذراع الأيمن للدوق بكل شيء
- " ماذا تريدين من هذا القصر ؟! ليس لك مكان فيه "
- " بلى .. لي فيه جزء "
قال سانتياغو مضيفا
- " و هذا الجزء صغير جدا .. فالدوق قد ورث ثلاث أرباعه و لم يبق لك إلا ربع فقط "
- " ما دام لدي ربع سأقبل فيه.. و سأقيم فيه .. "
تضايق ماريو كثيرا حتى أصبح أسلوبه أكثر حدة ..
- " لم أنت عنيدة هكذا يا آنسة ؟ لن يفيدك هذا القصر بشيء "
استقامت واقفة و قالت بعصبية و صوت مرتفع
- " اسمع لن أتفاوض معك أنت.. اسمح لي يا سيد ماريو فأنت لست صاحب هذا الملك .. لن يتناقش معي إلا الدوق .. أنا آسفة لن أتنازل عن حقي أو ورثي مهما حصل .. "
خرجت من الغرفة إلى الحديقة و أخذت تركض بعيدا خارج السور إلى حيث الغابة الكثيفة ..و بعيدا عن القصر الريفي و ماريو و داني و سانتياغو و تلك العجوز نانيرا و بالذات .. بعيدا عن ذلك الأسمر ذو الوسامة الطاغية و القلب المتحجر .. و التكبر .. ذلك الدوق المتعجرف..
جلست أمام جدول صغيرا لترى انعكاس صورتها عليه .. من هذه المرأة التي تراها إنها ليست لورا آغنر إنها إنسان آخر .. لقد سئمت لعب دور البريئة المظلومة .. و سئمت أن تحترمهم و هم لا يبدون لها إلا سوء النية ..
ستبين للدوق المغرور و حاشيته التابعة بأنها أقوى منه حتى و إن لم تحمل لقب رفيع .. أ يعتقد بأنه وريث عائلة نبيلة أن يكون له السلطة و الرفعة .. لا .. لن تسمح له بذلك أبدا .. لقد أتت إلى هنا في بداية الأمر لفضولها لرؤية ما ورثته من والدها .. ثم شيئا فشيئا بدأت تحب هذا المكان رغم وحشية الناس الساكنين فيه .. أما الآن فكل هدفها للإصرار على عدم التنازل عن حقها .. كل هذا هو لأن تكسر عين باتريك ... فمن من هو حتى لا يتفاوض و يتناقش معها بشأن الورث ؟ هل يرى نفسه أفضل منها ؟! .. ليس بالنسبة لها ..
صرخ قائلا و قد استشاظ غضبا و حنقا على لورا
- " ماذا ؟!! من تعتقد نفسها تلك المرأة الأمريكية الوقحة .. كيف تجرؤ ؟! "
أجابه ماريو المنزعج أيضا من تصرفها اليوم ..
- " لقد حاولت أن أقنعها يا سيدي لكنها عنيدة جدا و وقفت بوجهينا أنا و سانتياغو و قالت بأنها لن تتنازل عن أي شيء و لن تتناقش في هذا الأمر إلا معك "
كور يده بقبضة و ضرب بها الهواء ..
- " تلك اللعينة العنيدة.. ماذا سينفعها أن تناقشت معي ؟! إنها جريئة و وقحة "
التفت ينظر إلى داني الجالس يراقبهم بصمت و هو يشعر بتأنيب الضمير لأنه يشعر بأنه خان صديقه و بدأ يصادق عدوه المتنكر بشكل امرأة فائقة الجمال ..
قالت نانيرا بخبث
- " لابد إنهاطامعة بثروتك يا دون باتريشيو و لعلها لن تتنازل إلا إذا حصلت على مبلغ من المال مقابل نصيبها في القصر"
زاده تعليق نانيرا إيزابيلا غضبا و حقدا أكثر على تلك الغريبة .. فقال بصوت مخنوق
- " أين هي ؟! إنها تريد من يؤدبها .. و أنا سأتكفل بذلك "
- " ماذا تنوي فعله يا دون باتريك ؟! "
سأله المحامي سانتياغو بقلق .. فإن أصابها مكروه سيقع اللوم عليه هو .. فهو من أحضرها إلى هذا المكان .. باعتقاده أنه يقوم بالصواب .. فهذا ما ينص عليه القانون .. لكن ماذا يفعل أمام حضرة رجل ذو سلطة و مكانة مرموقة في المجتمع الذي يعيش فيه .. فقط بأمر واحد من الدوق و ينهي حياة هذا المحامي المسكين الذي لا حول له و لا قوة ..
أجابه باتريك ..
- "أنت آخر من يسألني هذا السؤال يا سانتياغو فأنت السبب في كل شيء .. لكن لا عليك .. احضروها لي فقط و أنا سأتكفل بها"
قال ماريو مضيفا
- " لقد رآها الحراس تغادر حدود القصر و تتجه إلى الغابة "
- " و لم لم يوقفوها ؟! "
سأله و هو يصر على أسنانه
- " لا أعرف يا سيدي "
جلس على الكرسي و أشعل سيجارة لعله يهدأ قليلا .. و تحترق السيجارة كما يحترق هو في الداخل .. قال بهدوء
- " حسنا سأكون بانتظارها حالما ترجع "
أمسى الليل و دون أن تشعر لورا بأنها ابتعدت كثيرا عن القصر و من الأفضل لها أن تعود .. سارت على أطراف أصابعها و هي داخلة إلى القصر حيث كان مظلما لتأخر الوقت فساعتها تشير إلى الثانية صباحا و لابد بأن الجميع نيام ..
أغلقت الباب خلفها بهدوء .. لكنها توقفت عندما شعرت بأنفاس دافئة خلفها .. و حاولت عبثا أن تستدير لتنظر من الذي يقف خلفها .. لكن يدا قوية كانت أسرع منها و قبضت عليها من الخلف و تجرها خارج القصر .. كانت تصرخ لكن تلك اليد الرجولية منعتها عن الصراخ .. فحاولت أن تفلت بكل ما أتيت من قوة من تلك القبضة .. تقاوم و ترفس الهواء و تضرب الرجل ذو الساعدين القويين..
حملها على كتفه و مشى بها بعيدا و هي تضرب كتفه و لا تستطيع أن ترى إلا أقدامه على الأرض
- " أنزلني .. اتركني .. ماذا تريد مني؟ "
أدخلها غرفة مظلمة و من ثم دفعها على الكنبة بعنف..لم تر وجهه حتى الآن لأنه بسرعة استدار ليقفل الباب خلفه.. و ما إن ابتعد عنها لخطوات حتى اندفعت عليه و انهالت عليه ضربا و ركلا.. لكنه استدار مرة أخرى و أجلسها بعنف على الكنبة ثم أنار الأضواء .. تشنجت في مكانها عندما رأته واقفا أمامها يحدق فيها بغضب .. قالت بصوت مخنوق
- " لم فعلت هذا ؟! "
تنهد بعمق و قال كعادته بصوت بارد و واثق
- " هذا ما تريدينه "
لم تفهم ما عناه ..
- " أريده ؟! و ما هو هذا الشيء الذي أريده ؟"
- " تريدين نصيبك من القصر و لن تتنازلي عنه.. "
رفعت رأسها بكل ثقة و قالت بحدة
- " نعم "
- " إذن تفضلي هذا هو نصيبك "
لم تفهم شيئا مما يقوله .. لذلك صرخت بوجهه
- " هل من الممكن أن تكون نبيلا و لو لمرة واحدة و توضح لي ما تقصده "
و كأنها بذلك أثارته فاندفع ناحية الباب و أنار جميع الأضواء ليتضح لها المكان الذي تجلس فيه ليس إلا غرفة جلوس صغيرة ..
- " هذا هو نصيبك آنسة آغنر ... منزل صغير منعزل عن القصر أقام فيه والدك كارلوس عندما كان يعمل هنا كمستشار قانوني لوالدتي .."
دارت عيناها في المكان الصغير المهجور ثم قالت و هي تنظر إليه بغضب
- " لابد إنك تمزح "
- " أبدا .. إن كنت تريدين أن تأخذي نصيبك من القصر.. فهذا هو.. و لن تقيمي إلا فيه.. حتى أن قدمك لن تطأ مكان إقامتي أنا .. و لن يخدمك أي أحد .. فأنت هنا بمفردك .. مستقلة كما كنت في موطنك.. هل يعجبك هذا آنسة آغنر؟؟ "
سكتت لبرهة ثم قالت بهدوء ..
- " للأسف يا حضرة الدوق .. لا أصدقك .. لذلك لن أقبل عرضك و سأعود إلى القصر حيث جناحي "
قهقه ثم سرعان ما عادت ملامحه إلى الجد
- " عرض ؟؟.. هه ..أنا آسف .. لن يحصل ذلك "
وقفت و سارت ناحية الباب غير مكترثة به و أيا كان ما يكون.. دوقا.. ملك .. إمبراطورا.. قيصر الروم ..
لكنه سد عنها الطريق بجسده العريض و جذبها بقوة من يدها .. فسقطت على الكنبة مرة أخرى وقف يحدق فيها ..نظرت إلى عينيه الجميلتين و للحظة كادت أن تضعف أمام سحرهما لكنها سرعان ما تذكرت بأن الذي يقف أمامها هو الرجل الذي رفض التناقش معها بحجة أن النبلاء لا يتفاوضون مع عامة الناس بشأن الميراث و الآن يتصرف معها كهمجي و يجبرها على التنازل بقول الأكاذيب ..
- " و هل تصرفك الآن يدل على عرقك النبيل يا حضرة الدوق ؟! "
- " هذا من يدعيني إليه واجبي .. و هو حماية عرقي النبيل يا آنسة آغنر .. "
- " و ماذا ستفعل ؟ هل ستقيدني ؟! "
قرب وجهه منها و قال بصوت هامس مع ابتسامة متطرفة على شفتيه
- " إذا اضطرني الأمر .. "
- " لن تستطيع "
- " أرجوك لا تجبريني على فعل شيء لا أحب القيام به "
- " و هل ستصل بنتيجة أن قيدتني و حبستني هنا ؟! "
- " ربما .. "
- " إذا قيدني .. و سأريك بأنك لن تحصل على تنازل مني "
كانت نظراتها إليه باردة و ماكرة مما جعلها مثيرة في نظره .. أتت خاطرة في باله بأن يأخذها بين يديه و يقبلها.. لكن أعدل عن هذه الفكرة ..
- " لن تستطيعين التأثير بي بكلامك هذا .. انك تظهرين بمظهر الذكية الشجاعة لكنك بأعماقك ترتجفين خوفا "
- " يا لك من مسكين تعتقد بأن الجميع يهابك.. فأنت مخطئ .. أنا لا أراك إلا شخصا عاديا .. مثلي "
ضغط على معصمها فصرت على أسنانها حتى لا تصيح ألما و قال
- " أنت سليطة اللسان و جريئة "
- " و أنت مغرور و متكبر "
ابتسم بطريقة شيطانية و قال و هو يقرب جسده منها ..
- " اعترفي بأن ذلك يعجبك و يغريك"
قالت برباطة جأش و ازدراء منه
- " أنت واثق جدا من نفسك "
لوى شفتيه و رفع حاجب واحد و قد اقترب كليا منها
- " حقا ؟! "
إنها الآن تحت رحمته فقد استطاع أن يستحوذ على عقلها و قلبها بسحره.. ظلت تحدق في عيناه بلا حول و لا قوة.. أخذها بين يديه .. يمعن النظر فيها .. و يدقق في ملامحها .. و كأنه يحاول أن يتذكر أين رآها من قبل؟ شعر برغبة جامحة في تقبيلها فقرب شفتيه منها .. و هي استسلمت له و تركته يتحكم في جسدها و يجذبها إليه مثل المغناطيس ..لكنه في آخر لحظة أفلتها بهدوء ..فتراجعت خطوات للوراء و قلبها يهبط و يرتفع بسرعة غير طبيعية .. احمر وجهها خجلا فأشاحت عنه و عن نظراته الفاحصة..
لكنه اقترب منها و أجلسها بهدوء هذه المرة على الكنبة و دنا منها .. قال لها بصوت ودي
- " ستبقين هنا الليلة .. لديك كل ما تحتاجينه من وقت للتفكير .. أتمنى أن تعودي إلى رشدك يا آنسة .. عمتي مساءا "
تجمعت الدموع في عينيها و ارتجف فمها و هي تراه يفتح الباب فقالت بصوت مخنوق
- " أكرهك .. "
توقف بدهشة عندما سمع كلمتها الطاعنة ثم استدار و حدجها بنظرة آلمتها كثيرا .. نظرة خيبة أمل.. فهو على الرغم من العداء بينهما إلا إنه يحس بشيء تجاهها و يحاول قدر الإمكان أن لا يجرحها أو يؤذيها .. خرج بكرامته ..و صفق الباب خلفه ..
صهيل الحصان في الخارج أيقظها من سباتها .. فتحت عينيها بتثاقل و نظرت حولها.. كانت أشعة الشمس قد تخللت من خلال نافذة البيت الصغير المنعزل عن القصر و على حسب صوت الخيول القريبة في الخارج أيقنت بان البيت بعيدا جدا عن القصر.. وقفت بصعوبة و هي تشعر بان جسدها متكسر لنومها على كنبة صغيرة جدا مما أضطرها أن تتكور حتى تسعها .. فتحت النافذة لتلقي نظرة على الخارج .. بالفعل.. صدق حدسها .. إنها قريبة جدا من الإسطبل و بعيدة لمسافة ليست بقصيرة عن القصر ..
جالت في أرجاء البيت الصغير الذي هو عبارة عن حجرة نوم ضيقة مع حمام لا بأس به .. و غرفة جلوس مشمولة مع طاولة طعام تسع لأربعة أشخاص و مطبخ صغير و مكتب.. و كان مؤثث بطريقة راقية و ذوق رفيع .. لكن يبدو و كأن لم يدخل هذا البيت أحدا منذ قرون..
قرصها بطنها من الجوع فهي لم تأكل منذ الأمس ..
نظرت إلى ساعتها بيدها التي تشير إلى السابعة صباحا .. قالت في نفسها مع ابتسامة شيطانية
- " جيد .. دون باتريك لم يستيقظ بعد .."
رتبت من هندامها و قررت أن تفعل شيئا خارج عن المألوف .. شيئا قد يؤدي بحياتها ..
خرجت إلى الإسطبل و دخلت من الباب الخلفي حتى لا يراها سائس الخيل الذي يقوم بتنظيف الإسطبل .. سارت إلى أقرب حصان لها .. نظرت إليه و هي تشعر بالخوف من لمسه و هو كذلك ارتعب عندما رأى إنسانة غريبة عن هذا المكان .. استطاعت أن تهدئه بجزرة جذبتها من السطل الموضوع أمام الحصان ..أطعمته إياها و هي تمسح على شعره الأسود الناعم ..بعد أن هدأ فتحت الباب له و أخرجته من حيث دخلت هي .. الباب الخلفي .. و من الجيد بأن ذلك الحصان كان يرتدي سرجا ..لابد أن سائس الخيل قد أعد السرج لباتريك ..
صعدت على صخرة صغيرة و امتطته.. تمتمت بصلاة قصيرة ثم ضربت برجلها جنب الحصان فانطلق راكضا بطريقة جنونية ..اتجاه القصر .. بدأت تصرخ بخوف ... و لم تعرف كيف توقف ذلك الحصان السريع الهائج الذي كان يركض بلا توقف و بسرعة غير طبيعية .. تشبثت بالسرج و مالت على ظهره و أحست بأنها ستقع أرضا عندما دخل إلى الحديقة و ركض باتجاه باب القصر الضخم .. لم تعرف هل تبكي أم تضحك أم توقف الصراخ أم تزيد منه حتى يأتي أحد لنجدتها ... أيقنت بان ما فعلته شي خارج عن العقل .. لقد جنت لورا بان فكرت امتطاء الحصان .. و لأنها تشعر بالخوف و لا تعرف كيف تتصرف أفلتت السرج من يدها و غطت عيناها و أخذت تبكي .. و ما هي إلا لحظات و توقف الحصان .. لكنها لم تتوقف عن الصياح و الصراخ ..
جذبتها يد قوية أنزلتها على الأرض .. و ما أن رفعت يدها عن وجهها حتى رأت كل العائلة السعيدة يحدقون فيها بغضب ..
صرخ باتريك في وجهها بعد أن لامست رجليها الأرض
- " بماذا كنت تفكرين ؟! هل تريدين قتل نفسك ؟! "
حدقت في عينيه المشتعلتين غضبا و حاولت البحث عن جواب ملائم لكنها لم تجد أي شيء غير السكوت .. عندما لم يجد جوابا منها تركها بالخارج و دخل القصر.. فتبعه الجميع ما عدا داني الذي بقي معها في الخارج .
. ساعدها على الجلوس و هو يسألها
- " هل أنت بخير يا لورا ؟! "
أخذت نفسا عميقا و هي ترى سائس الخيل يأخذ بالحصان إلى الإسطبل مرة أخرى .. ثم وضعت يدها على قلبها تتحسس النبض ..
- " نعم .. أعتقد ذلك .. يا إلهي لا أعرف بماذا كنت أفكر عندما امتطيت ذلك الجواد "
أجابها داني ضاحكا و هو يربت على ظهرها ..
- " لا و ليس أي جواد .. إنه اسبرينسيس .. "
وضعت يدها على رأسها .. ثم انفجرت ضاحكة .. و ما هي إلا لحظات حتى تحول هذا الضحك إلى بكاء مرير .. كانت تبكي لما حدث معها و الأحداث المفاجئة التي جرتها إلى هنا .. و كونت لنفسها أعداء هي في غنى عنهم .. ما الذي دفعها إلى هذا الجنون ؟؟
ضمها داني إليه و أخذ يربت على رأسها و يهدهدها..
في تلك اللحظة كان باتريك يقف في غرفة الطعام و ينظر إليهما .. بلا تعابير .. بل التعابير ارتسمت في أعماقه .. إلى الازدراء و الخيانة و العداء و .. الغيرة.. هل حقا يشعر بالغيرة ؟! من داني أم من لورا التي استحالت على داني صديق الطفولة ؟!!
- " هيا يا لورا تعالي لتناول الطعام في الداخل ؟!"
رفعت رأسها عن صدر داني و هي تمسح دموعها ..
- " لا يا داني لا أريد .. ليس الآن "
- " لكنك لم تأكلي منذ الأمس "
- " أعرف .. كما إنني أتضور جوعا لكني لن ادخل و أنا على هذه الحال .. "
- " لا أرى شيئا غير مرضي .."
ابتسمت له
- " شكرا لمجاملتك اللطيفة .. اسبقني أنت و سأدخل لأواجه ذلك المتعجرف "
- " تقصدين باتريك "
- " نعم دون باتريك المغرور المتعجرف القاسي الشرس المتوحش .."
قاطعها و هو يضحك
- " لا لا يا لورا توقفي .. كل هذه الألقاب لباتريك ؟! "
أجابته بصوت دفاعي ..
- " نعم و هناك المزيد لو تركتني أكمل "
- " و لم كل هذا العداء ؟! "
- " أتعرف بأنه تركني في البيت المهجور القريب من الإسطبل بالأمس .. "
استهجن وجه داني و سألها مستنكرا فعل صديقه
- " لكن باتريك لا يقوم بهذا الفعل .. أبدا "
- " إذا كيف أتيت من الإسطبل إلى هنا على الخيل ؟! "
- " ما السبب الذي يدفعه لفعل ذلك ؟! "
- " لا أعرف .. سأدخل الآن لأوقفه عند حده "
- " لا يا لورا لا تفعلي شيئا قد تندمي عليه "
- " لا عليك يا داني لا تخشى علي.. أرجوك اتركني افعل ما أراه صواب "
- " لكن أنا ليس لي علاقة بأي شيء .. "
- " بالطبع .. لا تقلق "
- " أرجو أن تعودي لرشدك يا لورا "
- " هو الذي دفعني لذلك .. لقد أخرج المارد في داخلي و لن أسكت له هذه المرة "
نظر إليها و قد ازداد إعجابا بتلك الفتاة التي تحملت الكثير و صبرت و اليوم أتت لتنفجر...
دخل داني غرفة الطعام و جلس أمام نانيرا .. نظر إليه باتريك بنظرة باردة كالثلج .. ثم رفع رأسه ليجد لورا واقفة أمامهم و الشرر يتطاير من عينيها .. رفع حاجبيه بدهشة فهي آخر شخص يتوقع أن ينضم إليهم على مائدة الإفطار .. خاصة بعد ما حدث بالأمس و قبل قليل ...
قال ببرود ..
- " آنسة لورا .. ما الذي أتى بك إلى هنا ؟! "
- " أعتقد بأنك تعرف يا دون باتريك .. "
- " ماذا أعرف ؟! نوريني .."
- " اسمعني جيدا يا ...."
قاطعتها نانيرا ناهرة إياها
- " ويحك .. كيف تسمحين لنفسك بالتحدث مع الدوق بتلك الجرأة "ا
- " اسمعي يا .. يا نانيرا إيزابيلا .. لقد ولدت مستقلة و تربيت على أن أكون مستقلة بنفسي فمن حيث أتيت ليس لدينا ما تطلقين عليه أنت " بدوق " ففي موطني هناك المساواة و الديمقراطية .. و الديمقراطية التي يظهر عليك بأنك لا تفقهين فيها شيئا ..و يسعدني أن أوضح لك بأنها تعني أن لكل شخص حقه في العيش في هذه الحياة بكرامة و ليس هناك أي أحد يفرض رأيه عليه .. أو يسلب حقوقه .. بل الجميع يتشاركون في اتخاذ القرارات و ليس شخص واحد يهابه الجميع .."
ثم نظرت بطرف عينيها إلى باتريك الذي كان يسمعها جيدا و هو يلعب بأعصاب وجهه .. فأضافت و هي تشعر بالانتصار
- " و كلنا نبلاء .. لا يوجد لشيء اسمه طبقات ,, فالولايات المتحدة هي الدولة التي أنشأها الأحرار الذين هربوا من فساد أوروبا لوطنا لا طبقات فيه بل المساواة .. انظري حولك إننا لا نعيش في القرن السادس عشر..."
أرادت نانيرا أن تقطع كلامها لكنها أشارت لها بالسكوت و أردفت قائلة
- "أرجوك تتوقفي لأنني لن اهتم بما ستقولينه .. لقد احترمتك على الرغم من أنك تطاولتي علي و أنتم كذلك احترمتكم جميعا بالأخص الدوق لأنني اعتقدت بأنه سيكون مضيافا لكني لم أرى من ذلك شيئا عدا التقليل من قدري و احترامي .. حتى أنك لم تنزل من نفسك يا دون باتريك للتحدث معي بطريقة حضارية بل عاملتني و كأنني إحدى جواريك .. فمن تعتقد نفسك ؟! أنت لست بسيدي .. و لن تكون أبدا .. لذلك توقف عن فرض أوامرك علي فأنا لا أتلقى أوامر من أحد ..أنا سيدة نفسي ..و لن أسمح لك و لغيرك بالتطاول علي .. كما فعلت بالأمس .. لقد تركتك تفعل ما فعلت لأني كنت مصدومة من تصرف رجل نبيل مثلك أو يفترض أن يكون نبيلا أن يقوم بحبسي في بيت مهجور و أنا الغريبة هنا .. و الأسوأ من ذلك بأنك كنت تكذب علي .. هل تظن أني غبية ؟! معتوهة لا أفهم شيئا ..أجبني من فضلك .. "
انصدم الجميع عندما نظرت بكل جرأة إلى الدوق المهيب الجالس أمامها .. بينما هو فقد عقد لسانه بعد أن سمع هذا الخطاب الطويل المليء بالتجريح و لم يعرف بماذا يجيبها ..
كررت السؤال و هذه المرة امتلأت عيناها بالدموع
- " قل لي .. يا دون باتريك ماذا فعلت لكم لأتلقى كل هذا؟! أجبني .. هل اعتقدت بأني لا أفهم شيئا .. أجبني .. هيا ماذا تنتظر .."
و أخيرا نطق .. بهدوء .. متحكم بأعصابه قدر الإمكان ..
- " لا .. لا أعتقد بأنك غبية .. "
- " إذن لماذا ؟؟ و أنت تعاملني و كأنني كذلك .. و تكذب علي "
- " لم أكذب عليك .. كل ما قلته بان لك الربع في هذا الورث .. و الربع في نظري هو البيت الذي أقام فيه والدك "
- " هذا صحيح .. لكن هذا قبل أن يتزوج من الكونتيسة و قبل أن يرثها.. "
عض على شفتيه و تبادل النظرات مع الجالسين حوله .. فقالت بسخرية
- " هل اعتقدت بان الأمر سيغيب عني ؟! "
استقام واقفا بكل شموخ و كأن كلامها لم يحرك ساكنا .. لم يؤثر فيه .. قال بصوت حازم
- " آنسة لورا .. أتمنى أن تتوقفي تهجمك علينا و تتركين ذلك لوقت لاحق .. سنتحدث أنا و أنت على انفراد .. عندما يتسنى لي الوقت لذلك .. "
مر من أمامها و ذهب ناحية الباب ليخرج لكنه توقف و قال لوانيتا
- " وانيتا .. خذي آنسة آغنر إلى جناحها .. و اعتني بها .. "
ثم استدار لينظر إلى الجالسين
- " و انتم .. كونوا مضيافين للآنسة .. على الأقل حتى نحل المشاكل العالقة .."
بعد ذلك نظر إلى لورا و قال مبتسما بخبث
- " هل رضيت عنا الآن ؟! "
نظرت إليه و الحقد يملأ عينيها .. لكنه لم يكترث بل فتح باب غرفة الطعام مغادرا ...
أخذتها وانيتا إلى جناحها و أحضرت لها طعام الإفطار .. تناولته لورا و كأنها لم تأكل منذ سنوات .. و بعد ذلك دخلت الحمام و أخذت شاور سريعا بعد أن انتهت و ارتدت ثيابها العملية تذكرت بأنها منذ قدومها إلى هنا لم تقم بالاتصال على والدتها ..
- " ألو .."
- " أمي .. كيف حالك ؟! "
- " أهلا يا عزيزتي أين أنت؟؟ لم لم تتصلي بي فور وصولك؟؟ ... هل أنت بخير ؟ هل كل شيء على ما يرام ؟! "
ضحكت لورا و أجابتها
- " صبرا علي يا أمي .. سأخبرك بكل شيء .. انتظري .. أولا أنا بخير .. و أنا في منطقة بعيدة و منعزلة عن العالم لكن يوجد بها قصر رائع و خيالي و كأننا في عصر الإقطاعيين"
- " رائع.. و كيف جرت الأمور معك ؟!"
أغروقت عيناها بالدموع لكنها حاولت قدر الإمكان أن لا تبين لوالدتها ضيقها حتى لا تقلق عليها
- " في بادئ الأمر كانت الأمور معقدة و لم أتلق الترحيب الكافي من هذه العائلة الغريبة الأطوار.. لكن كل شيء بخير الآن "
- " و متى ستعودين ؟! "
- " لا أعرف ذلك بعد .. لكن ليس في أي وقت قريب .. أحتاج إلى أن أبقى هنا حتى أهتم ببعض الأمور .. كيف حالك أنت و أبي ؟! "
- " بخير .. والدك مشتاق لك .. أتعرفين بأنا لا نستطيع الاتصال بك .. لا أعرف لماذا؟ لكن الخطوط لا تعمل هنا "
- " حقا ؟ لم اعرف ذلك ؟! "
- " نعم .. و لقد حاول سام الاتصال بك مرارا و لم يستطيع .."
أضافت بصوت ضاحك
- " ينبغي لك أن ترين سام كيف جن .. أنه يحاول الوصول إليك .. يقول بأن لديكما أعمال كثيرة "
ضحكتا معا و هما تتخيلان حال سام و كيف أنه يصيبه انهيار عصبي و يجن عندما تتوقف أعمالهم لدقيقة فكيف و أن توقفت لشهر أو اثنان
- " أنا هنا للراحة و الحمد لله أن سام لا يستطيع الوصول إلي حتى لا يزعجني .. أخبريه باني سأتصل به قريبا .. و لا ضير بأن نأخذ فترة للراحة بين حين و أخرى "
- " سأفعل يا عزيزتي .. استمتعي .. و لا تتأخري في العودة فلقد اشتقنا لك جميعا و نتحرى عودتك .. لا تنسي الاتصال بنا عندما تتسنى لك الفرصة"
- " بالطبع لن أنسى .. اعتني بنفسك و بوالدي .. أحبك .. إلى اللقاء "
- " إلى اللقاء "
ارتاحت بعد أن سمعت صوت والدتها و أطمأنت بأن كل الأمور بخير هناك .. فتحت التلفاز و قلبت في القنوات .. سئمت جلوسها في الحجرة هكذا تريد أن تفعل شيئا جنونيا كما فعلت هذا الصباح .. ضحكت بينها و بين نفسها و تذكرت صباح اليوم كيف تجرأت و امتطت الخيل و كيف هجمت على باتريك .. ذلك الرجل المتلبد الأعصاب ..
سمعت صوت باب القصر يفتح في وقت متأخر من الليل و أيقنت بأنه باتريك قد عاد و أخيرا .. حان الوقت للتحدث يا باتريك .. قالت في سرها .. خرجت من غرفتها لتقابله في الممر الطويل .. توقف فهو لم يتوقع أن يكون أحدا مستيقظا إلى الآن ..نظر إليها لم تكن ترتدي فستان نوم كما تمنى أن يراها في هذا الوقت من الليل .. بكل كانت ترتدي جينزا و قميص ملونا و رفعت شعرها برباط أضفى عليها جمال أنثوي طاغي .. اقترب منها بهدوء
- " آنسة آغنر .. لم أنت مستيقظة حتى هذا الوقت ؟! "
- " كنت أنتظرك "
- " تنتظريني ؟! "
لا يعرف لم أحس بشعور جميل .. وجود أحدا ينتظره .. لكنه طرد هذه الفكرة من رأسه و قهقه ثم أردف سائلا
- " و لم تنتظريني يا آنسة ؟! "
حدقت فيه بحقد و قالت بثقة
- " لقد أخبرتني صباح اليوم بأننا سنتحدث على انفراد أنا و أنت يا دون باتريك "
أومأ برأسه مجيبا إياها
- " نعم ..هذا صحيح لقد أخبرتك بذلك صباح اليوم .. لكنني قلت عندما يتسنى لي وقت للتحدث و كما ترين بان الوقت الآن متأخر جدا و انا متعب .. "
دنا منها أكثر حتى كاد يلتصق بها و لاستغرابها من تصرفه تجمدت رجليها و تسمرت في مكانها تحملق فيه و هو يقرب شفتيه ناحية أذنها و يهمس قائلا
- " كما أن إذا جلسنا أنا و أنت بانفراد و في مكان منعزل بهذا الوقت المتأخر سيظنون بأن ... أنت تعرفين ما أقصده "
ابتعد عنها و هو يضحك بسخرية عندما التفتت و حدجته بنظرة حادة و قالت باستهزاء
- " أنت خفيف الظل يا دون باتريك .. أنا و أنت .. هذا فعلا مضحك.. "
كلما تحدثت في هذه النبرة كلما زادته إثارة .. قاومها قدر الامكان و قال بصوت ماكر و نظرة خبيثة جريئة
- " حقا ؟ تجيدينه ممتعا أم مغريا ؟! "
زاد ضحكه و هو يرى وجهها الذي تورد خجلا ..أحست لورا بأنه ليس بطبيعته لابد أنه ثمل أو يعاني من شيئا ما ..
- "حسنا أتمنى أن تجد وقتا صباح الغد في التحدث أريد أن انتهي من هذه المسألة "
توقف عن الضحك و علت ابتسامة سخرية على وجهه و هو يفتعل الدهشة
- " حقا ؟! و عندما تنتهين منها هل ستغادرين إلى بلادك ؟! "
- " هذا يعتمد .. "
- " على ماذا ؟! "
لم تستحمل رؤيته يستهزأ بها .. فقالت
- " يبدو عليك التعب يا حضرة الدوق.. سأتركك لترتاح.. عمت مساءا "
استدارت لتعطيه ظهرها و مشت باتجاه حجرتها دون أن تلتفت .. و بحركتها تلك أشعلت النار في صدره.. نار الافتتان و الإعجاب ..
استيقظت في الصباح و هي تشعر بالانهماك فهي لم تنم جيدا تلك الليلة و هي تفكر بما قالته صباح أمس و كيف أتت لها الجرأة بأن تواجه الجميع و تكشر عن أنيابها .. و كيف دنا منها باتريك في المساء و همس في أذنها .. استطاعت رائحة عطره الرجولية أن تعلق في انفها و تقطع أوصالها و صوته الواثق يبعث قشعريرة في جسمها .. و مجرد التفكير فيه يزيد من ضربات قلبها ..
دخلت غرفة الطعام لتجد نانيرا تتفطر وحدها و ما أن رأت لورا داخلة حتى تركت طعامها و غادرت الغرفة .. تبعتها لورا إلى غرفة الجلوس و أطرقت عليها سؤالا
- " أين الدوق ؟ّ! "
لكن العجوز لم تتعب نفسها بالنظر إلى لورا ..
- " حسنا إذا ستتجاهلينني .. أتعرفين يا نانيرا !! هذا يناسبني "
لم تكترث نانيرا للرد عليها .. فغادرت الأخرى و خرجت من القصر..
أخذت تتمشى في الحديقة لعلها تبعد ذلك الضجر الذي اعتراها .. تنظر إلى النافورة العملاقة و حوض السباحة ..و فجأة خطرت في بالها فكرة أعجبتها ..فأسرعت بالذهاب إلى جناحها و نزلت بعد دقائق و هي ترتدي ثوب الاستحمام و لفت جسدها بمنشفة أظهرت أكثر مما أخفت و سارت أمام نانيرا التي فتحت عينيها باتساع و هي ترى تلك الفتاة الشبة عارية تتمشى في القصر !!
ثم تخرج إلى الحديقة حيث حوض الاستحمام و تفرش منشفتها على الكرسي و تتموضع أمام الشمس كأنها أمام كاميرات سام .. تدهن جسدها بالزيت و تنادي على أحد الخدم و تطلب منهم أن يحضروا لها إفطارها بالخارج ..
بلغ الغضب عند نانيرا مبلغا و لم تستطيع أن تسكت عن تلك المهزلة التي تحدث فخرجت لتلقي قنبلتها الموقوتة على الغريبة ..
- " ماذا تظنين نفسك فاعلة ؟! "
فتحت لورا عينيها و نظرت إلى العجوز الغاضبة
- " ماذا تعتقدين ؟!! إنني آخذ حمام شمس .. "
- " كيف تجرئين ؟ و من سمح لك ؟ "
- " آه الآن تتحدثين إلي .. "
- " أجيبيني "
- " اسمعي يا نانيرا لا رغبة لي في إعادة خطاب صباح أمس فأرجوك اتركيني أتنعم و استمتع .. ابتعدي إنك تحجبين الشمس عني "
- " عديمة التربية و الأخلاق .. إذا رآك الدوق بهذا المنظر سيطردك من القصر فورا.. آه كم آمل هذا "
لم تأبه لورا بكلام تلك العجوز فقالت بخبث ..
- " أخبريه لعله يريد أن ينضم إلي .. أو يساعدني في وضع الزيت على جسدي "
فتحت نانيرا عينيها باتساع فصرخت بعصبية
- " يا لك من وقحة .. لن أسكت عن هذا.. ستأخذين جزاءك يا عديمة الأخلاق "
سارت نانيرا مبتعدة باتجاه الإسطبل و أمرت سائق العربة الصغيرة أن يأخذها إلى حيث باتريك يتدرب على الخيل .. أوقف الحصان و اقترب من العربة البيضاء الصغيرة التي توقفت و توقع بأنها قد تكون لورا أتت لتتحدث معه كما تفعل تلك الجريئة كالعادة .. لكن مفاجأة .. إنها ليست هي بل ..
- " نانيرا إيزابيل ..!! ".
- " دون باتريشيو ..لن أستطع تحملها أكثر .. أرجوك يجب أن تفعل شيئا بشأنها .."
كتف ذراعيه و قال بكل بساطة
- " دعيني أخمن .. لورا ؟! "
- " و من غيرها ..أنها تفقدني صوابي "
- " ماذا فعلت الآن ؟ّ! "
- " شيء مخزي "
- " هيا نانيرا أخبريني "
- " تلك الوقحة الغير متربية صاحبة المبدأ الديمقراطي .. تلك الفاج..."
قاطعها باتريك حتى لا تكمل شتيمتها .. و قال بنفاذ صبر
- " نانيرا .. ماذا فعلت لك آنسة آغنر ؟ "
- " على الرغم مما تفعله معك و قلة احترامها لك لا تزال تناديها بآنسة .. يجب أن تلقيها خارج القصر.. "
- " حسنا .. هل ستخبرينني ماذا فعلت لك أم أذهب و أسألها بنفسي ؟ "
أوقفته قبل أن يتحرك من مكانها و قالت بصوت مرتفع ..
- " لا .. لا تذهب .. "
اقترب داني و ماريو ناحيتهما فقال داني بدهشة
- " نانيرا إيزابيل .. إنها أول مرة تأتين فيها إلى الإسطبل .. لعله أمر طارئ "
أكمل ماريو عنه و هو يعرف ما هو الأمر الطارئ الذي جعل نانيرا تشرفهم في الإسطبل
- " ماذا فعلت آنسة آغنر ؟! "
- " قل ماذا لم تفعل ؟! "
إنها تزيد النار حطبا في قلب باتريك ..
- " أنت تفقديني صوابي.. سأذهب إليها "
- " لا توقف .. لن يعجبك ما ستراه "
- " و ما الذي قد أراه ؟ "
- " إنها .. إنها تأخذ راحتها في القصر و كأنه ملكها "
ضحك داني و قال معلقا
- " هذا ليس شيء جديدا عليها “
- " لا .. لقد تعدت الحدود "
نفذ صبر باتريك فقفز على ظهر الخيل و ركض به إلى القصر
- " حسنا هذا يكفي ..سأذهب لأرى بنفسي ماذا فعلته تلك المزعجة .."
صاحت نانيرا و هي تلحق به
- " دون باتريشيو ... توقف "لكنه لم يسمع لها فجذبت داني و ماريو معها ليمنعوه ..
أوقف حصانه بالحديقة و ربطه على السياج .. و سار باتجاه القصر .. وصلت نانيرا و تابعيها ماريو و داني و سائق العربة ..قالت و هي تنادي عليه
- " دون باتريشيو .. أرجوك توقف .."
لكنه لم يسمع لها .. و هو يهم بالدخول إلى القصر توقف عند الباب و استدار.. فقد لمح شخصا ما .. اقترب من حوض الاستحمام .. لم يصدق ما يراه !!
لورا بثوب اسود للسباحة و يكشف عن كل جزء في جسدها الممشوق اللامع..بدت مثيرة جدا بشعرها الأشقر الذي تبعثر فوق كتفها محدثا ضجة عارمة في قلب باتريك.. لا شعوريا قال بصوت منخفض
- " آه يا إله السماوات "
في هذه اللحظة أتت نانيرا و هي تهرول و خلفها ماريو و داني .. لكنها أبطأت عندما عرفت بأن الأوان قد فات ..
توقف ماريو و داني و أخذا ينظران بافتتان إلى التحفة الفنية التي أمامهما و قال داني المصدوم معلقا ..
- " هذا الذي لن يسره ما يراه ؟!! "
رفعت لورا رأسها و فتحت عينيها لتجد الدوق و حاشيته يتمنظرون فيها و كأنهم لم يروا امرأة تأخذ حمام شمس في ثياب السباحة من قبل .. اكتفت بأن ابتسمت و لوحت لهم بيدها..
ذاب الرجال لتأثير ابتسامتها مع منظرها المثير .. كانت نانيرا تنظر إليهم بغضب .. فاقتربت من لورا و ألقت عليها المنشفة و قالت بعصبية
- " احتشمي أمام الدوق ..و الرجال ..عدلي من جلستك .. "
لكن لورا ألقت المنشفة أرضا و أعادت إسناد رأسها على الكرسي بلا اكتراث بوجودهم ..
قال باتريك لداني و ماريو
- " أرجوكما خذا نانيرا إلى الداخل "
- " ماذا ستفعل ؟! "
- " هيا يا داني "
- " حسنا "
دخل جميعهم ما عداه وقف يحدق فيها ثم اقترب منها بخطوات ثابتة و واثقة .. و في كل خطوة بخطيها يزيد قلبه اشتعالا و تشعر هي بالارتباك.. وقف أمامها فحجب الشمس عنها ليظلل عليها بجسده العريض .. فتحت عينيها و التقت بعينيه التي احتضنت نظراتها ..
كان ينظر إليها من رأسها إلى أخمص قدميها بإعجاب و كأنه نمر يتحرق شوقا لالتهام فريسته .. أخذ قلبها يصعد و يهبط بسرعة كبيرة لكنها حاولت قد الإمكان أن تبين له بأنها لا تكترث بوجوده أو بمن يكون ..
قال بصوت هادئ كعادته هز به بدنها
- " إذا كنت تحاولين لفت نظري.. أنا أقرها لك ..لقد نجحت .."
انقبضت أحشاءها بقوة و صعد الدم إلى خديها و ارتجفت أطرافها.. يا لتأثيره الخطير عليها ..
جلس على الكرسي بالقرب منها و هو يمتع عينيه بالنظر إليها .. تنهد و قال بابتسامة ملتوية
- " هذه ليست بالطريقة المثلى لحثي على التحدث معك .. لكنها قد تحثني على فعل أشياء أخرى .. إن كنت تفهمين ما أعنيه !! "
جعلتها كلمته الأخيرة تكره نفسها و تشعر بأنها فاسدة و كأنها **** ..عدلت من جلستها و لفت المنشفة على جسدها ..
قال باستهزاء معلقا
- " آه آسف هل أحرجتك ؟! اعذريني .. أرجوك عودي لما كنت تفعلينه "
استفزها فقالت معاتبة بعصبية
- " ما كنت أفعله ؟!! إنك تحاول أن تفهمني بأني ارتكبت معصية أو شيء من هذا القبيل "
أجابها بسخرية
- " حقا ؟!! هذا هو انطباعك .. لم أقصد .. اعذريني "
- " أتعرف شيئا يا حضرة الدوق ؟! لن أكترث .. و إن أردت بإمكانك الانضمام إلي "
ألقت بالمنشفة ثم قفزت إلى الماء أمام عينيه .. لا يمكن أن يكون أكثر إعجابا و استثارة مما يكون عليه الآن ..
- " يا إلهي إنه منعش.. "
استقام واقف و قال مبتسما
- " جيد.. يسرني بأنك تستمتعين بوقتك .. لكن انتبهي على نفسك .. فانا لا أريدك أن تصابي بالبرد "
- " شكرا لقلقك علي .. لكن أطمأن سأكون على أحسن ما يرام "
تنهد و هز رأسه
- " أتمنى ذلك .. "
استدار داخلا القصر .. غاصت في الماء و هي تشعر بشيء من السعادة أحست بلذة الانتصار ..
اقتربت منه نانيرا و هي منزعجة
- " ماذا يا دون باتريشيو هل ستتركها تفعل ما تشاء ؟ "
- " اهدئي يا عزيزتي .. لن يدوم ذلك طويلا "
- " ماذا تعني ؟! "
- " انتظري و سترين "
ثم اقترب منها و عبطها من جنبها و هو يجذبها معه إلى الطابق العلوي و يقول لها مع ابتسامة شيطانية و لمعة غريبة في عينيه
- " كيف حال معطفك الفرو ؟! "
- " ماذا تنوي أن تفعل ؟!! "
مر على وجودها في الخارج ساعتين .. قررت أن تدخل القصر.. بحثت عن منشفتها لكنها لم تجدها لا على الكرسي و لا أسفله.. دارت حول الحوض فلعل الهواء طيرها لكن لا يوجد أي أثر لتلك المنشفة..
دخلت القصر و قد ضربها هواء مثلج ما أن فتحت الباب.. ارتعشت أطرافها فضمت جسدها الشبه عاري بيديها و صعدت الدرج بأطراف أصابعها .. حاولت أن تفتح باب جناحها لكنه كان مقفل حاولت مرة و أخرى .. لكن دون جدوى الباب مقفل .. أخذت ترتجف من البرد و أسنانها بدأت تصطك و تحولت أصابعها إلى اللون الأزرق .. قالت في نفسها
- " يا إلهي سأموت من البرد .. "
-
و لحسن حظها بأنها رأت وانيتا تصعد الدرج و بيدها أغراض كثيرة ..
- " وانيتا .. أرجوك ساعديني على فتح الباب "
- " آسفة يا آنسة .. لقد نادى علي الدوق لآخذ له الأغراض.. سآتي فور انتهائي منه "
- " لكني أتجمد من البرد.."
- " سأحاول أن لا أتأخر.."
ثم دخلت جناح باتريك .. و غابت لفترة طويلة و بدأت لورا بالعطس .. واحدة ثم ثانية .. فثالثة و تلتها سيل من العطسات .. و بعد وقوفها في الصقيع بثوب الاستحمام الأسود ذو القطعتين ..
و الجسد المبلل لخمسة عشر دقيقة تقريبا فتح الباب ليخرج منه داني الذي وقف يحدق بلورا التي تحولت إلى زرقاء..
- " لورا ؟!! "
قالت و أسنانها ترتجف
- " لم .. اعد .. أشعر .. ب..ب..أطرافي "
- " يا إلهي .. بالطبع .. فأنت مبللة كليا و واقفة فوق الرخام في هذا القصر المثلج.. اعتقد بان هناك مشكلة في التكييف .. "
كانت ترتجف بقوة و شعر بأنها قد تسقط أرضا..
- " باب.. حجرتي .. مقفل .."
حاول أن يفتح الباب لكنه بالفعل كان مقفلا ..
- " حسنا إذا أدخلي حجرتي و خذي حمام دافئ بينما أحاول أن أفتح لك الباب "
- " حسنا "
أخذها إلى حجرته و دلها على الحمام ثم فتح لها الماء الساخن .. و دون أن تنتظره يخرج دخلت تحت الدش الدافئ .. انساب الماء الدافيء على جسدها المثلج .. و شيئا فشيئا بدءت تستعيد عافيتها .. وقف ينظر إليها من بعيد بإعجاب ثم خرج من الحمام لتأخذ راحتها ..
بعد دقائق فتحت باب الحمام و هي ملتحفة بمنشفة داني ..
- " داني ؟!! "
كان جالسا على الفراش مقابلا لباب الحمام و يحملق فيها ..
- " اعتقدت بأنك في الخارج تحاول فتح باب حجرتي "
لم يجبها بل استقام واقفا كان يقترب منها بخطوات صغيرة .. لا تعرف لم شعرت بالخوف لكنها مع ذلك ابتسمت و قالت له
- " شكرا لك داني .. سأذهب الآن "
و قبل أن تسير مبتعدة من أمامه حشرها بجسده و ألصقها على الحائط و كان ملتصقا بها ...
- " لا يا لورا ليس بهذه السرعة "
- " أرجوك داني دعني أذهب .."
- " ليس قبل أن أطفئ غليلي "
و فجأة لثم شفتيها بقبلة نهمة و هي تدفعه و تقاومه لكنه استطاع السيطرة عليها بأن دفعها بقوة على الفراش و انقض فوقها و فتح المنشفة ..
أخذت تصيح و تصرخ و هي تقاومه بقوة و تستنجي بأحد لعله يساعدها .. لكن لا أحد .. يبدو بان الجدران و الأبواب عازلة للصوت ..
- " ابتعد عني .. اتركني يا قذر ... النجدة.. ساعدوني .. "
فجأة فتح الباب على مصراعيه و دخل باتريك بقوة و اندفع ناحية داني فجذبه بعيدا عن لورا .. لكمه بقوة حتى أسقطه أرضا .. ثم استدار ليجد لورا عارية لكنها تسترت بالمنشفة ما أن أيقنت أن الذي يحدق فيها هو الدوق ..
نظر إليها بنظرة اشمئزاز ثم جذبها بقوة من يدها و جرها خارج غرفة داني أمام مرأى ماريو و وانيتا و .. نانيرا المتشمتة ..
حاولت التلصص من قبضته لكنه كان أقوى منها ,فتح باب جناحها و دفعها إلى الداخل ثم أغلق الباب خلفه و أوصده..
انهارت على الأرض بالبكاء عندما سمعت الدوق يصيح و يصرخ بصوت عال على داني و لو أنها تفهم ما يقولونه لارتاحت ..و كرهت نفسها كثيرا فهي لا تريد أن يظن باتريك بأنها امرأة فاسدة أو أي شيء من هذا القبيل إنها تحاول بكل الطرق أن تكسب وده .. خاصة و أنها معجبة به كثيرا على الرغم من خشونته معها.. ظلت في فراشها تبكي حتى أغشاها التعب لتغفو و هي تشعر بالتعب و الإرهاق ..