-6-
دخلت وانيتا بعد الظهر جناح لورا لتطمأن من أنها قد تناولت إفطارها الذي تركته لها هذا الصباح لكنها وجدت أن لورا لم تلمس شيئا من إفطارها و وجدتها بصعوبة بسبب الظلام مستلقية على الفراش .. اقتربت منها و همست
- " يا آنسة .. هل أنت مستيقظة "
لكن لورا لم تجبها .. فتركتها وانيتا و غادرت الحجرة ..
- " نانيرا إيزابيل "
- " نعم يا وانيتا ماذا تريدين ؟! "
- " إن الآنسة آغنر لم تلمس شيئا من إفطارها الذي وضعته لها هذا الصباح و لا تزال نائمة و لم تجبني "
- " لعلها نائمة بالفعل بعد أن سهرت طوال الليل تشعر بالخزي و العار "
- " لا أعتقد ذلك يا نانيرا فهي مهما طال سهرها تستيقظ باكرا "
- " لا تقلقي عليها إنها نمرة متوحشة و لن تموت من الجوع "
ابتعدتنانيرا و هي تتذمر من تلك الوقحة .. آغنر
لكن وانيتا بدأت تقلق كثيرا عندما دخلت جناح لورا في المساء لتجد الغرفة مظلمة و لورا لم تتحرك من مكانها و لم تلمس صينية الإفطار .. اقتربت منها مرة أخرى و وضعت يدها لتهزها فشهقت و أبعدت يدها بسرعة.. يا إلهي إنها ساخنة كالنار..
ركضت وانيتا و طرقت باب جناح الدوق فدعاها للدخول رفع رأسه عن الأوراق و الملفات التي أمامه و نظر باتجاه وانيتا المفزوعة
- " وانيتا ماذا لديك ؟! "
- " آسفة يا سيدي لإزعاجك لكن الآنسة لورا ليست على ما يرام "
- " ما بها ؟! "
- " لم تلمس إفطارها و لم تغادر فراشها حتى ..و عندما وضعت يدي لأوقظها وجدتها ساخنة جدا .. لعلها مصابة بالحمى يا سيدي"
اعتصر قلب باتريك فقد يكون هو السبب إن أصابها مكروه .. هب ليلقي نظرة عليها.. دخل حجرتها و اقترب من فراشها كانت متكورة و ملتحفة بالغطاء.. و نائمة.. مثل الحسناء النائمة .. وضع كفه على جبينها يتلمس حرارتها فاحترقت يداه و أبعدها بسرعة .. و قال هامسا إلى وانيتا حتى لا يوقظ لورا
- " اتصلي بالطبيب و أخبريه أن يأتي حالا "
- " حسنا سيدي "
خرجت من الحجرة و بقي هو مع لورا وحدهما .. مسح على رأسها و قال بصوت منخفض
- " لورا ... لورا .. استيقظي "
فتحت عيناها بتثاقل و نظرت إلى صورة مهزوزة و مظلمة و غير واضحة لباتريك و كانت تسمع صوته يقترب ثم يبتعد و ينادي باسمها .. قرب وجهه من وجهها حتى تراه بوضوح .. أغمضت عينيها مرة أخرى فوضع يده بيدها يهزها لعلها تستفيق مرة أخرى
- " لا يا لورا لا تغمضي عيناك ..استيقظي "
فتحت عين واحدة بصعوبة لتجد صورة باتريك لا تزال موجودة و كذلك صوته .. لعلها تحلم .. ضغط على يدها و أكد ذلك لها بأنه باتريك بلحمه و شحمة و ليس حلما .. فقالت بصوت مرتجف و بالكاد يسمع
- " باتريك .. أنا لم .. مع.. دان.."
وضع سبابته على شفتيها
- " اشششش .. أعرف ذلك .. ارتاحي"
أغمضت عيناها مرة أخرى فجلس على الفراش و أخذ يمسح على رأسها و لا شعوريا ارتسمت ابتسامة ارتياح على محياه ..
دخلت وانيتا و قالت
- " لقد اتصلت بكل الأطباء الذين استطعت الحصول على أرقامهم لكن لا أحد منهم يرد إلا الطبيب جيوفاني و قال لي أن اعتذر منك لأنه يسكن بعيدا جدا عن القصر و قال أنه يستطيع أن يكون هنا في الصباح الباكر "
- " حسنا إذا يجب أن نعمل على تخفيف حرارتها.. اذهبي و احضري إناء ماء و مكعبات ثلج و أحضري مناشف صغيرة.."
- " حسنا "
ضغطت لورا على يده و أصدرت أنينا .. رأى دمعة تنزل على خدها .. فمسحها بطرف إبهامه
- " ستكونين بخير يا لورا "
- " باتريك "
- " ماذا يا عز**.. يا لورا ؟! "
- " سأغادر.. "
و فجأة غابت عن الوعي .. فتح عينيه باتساع و رفع ظهرها ليجلسها و أخذ يلطم وجهها حتى تستفيق .. إنها تدخل في نوبة الحمى ..
- " لا يا لورا .. استفيقي .. أرجوك .. لورا ... "
ثم صرخ عاليا ينادي وانيتا ..
- وانيتا ... أسرعي "
بدأت تتهالك بين يديه .. و بسرعة تصرف و حملها و دخل بها إلى الحوض و فتح عليها الماء البارد.. شهقت و أخذت تهتز و ترتعش .. ضمها إليه و هو يمسح على شعرها و يقبل رأسها..
- " لورا .. افتحي عينيك أرجوك "
دخلت وانيتا و رأت منظرا لم تره في حياتها من قبل .. الدوق جالسا في حوض الاستحمام و بين يديه فتاة بين الحياة و الموت يمسح على رأسها و يقبلها !!!
انتبه لوجود وانيتا فقال برباطة جأش
- " هيا ألقي مكعبات الثلج بالحوض "
- " لكن .. "
- " هيا وانيتا "
فعلت ما أمرها و ألقت بمكعبات الثلج بالماء .. ازدادت برودة الماء و أخذت لورا ترتجف و شعر هو بتجمد أطرافه لكنه تحمل ..
شيئا فشيئا بدأت لورا تستعيد وعيها و تفتح عينيها .. رأت يد رجل تحوط صدرها و صرها و شعرت بوجود شخص ما خلفها .. فبدأت بالهسترة و أخذت تصرخ و تضرب باتريك بقوة
- " اتركني يا قذر ..اتركني.. ابتعد عني .. ابتعد .."
- " لورا .. لورا .. اهدئي .. إنه أنا باتريك "
اقتربت وانيتا منها و أمسكت رأسها حتى تجعلها تنتبه لها ..
- " توقفي يا آنسة.. أنت بين أيد أمينة "
بالفعل توقفت و قلبها ينبض بسرعة غير طبيعية .. لفت رأسها لتجد نفسها مستندة على صدر باتريك و هما الاثنان في حوض استحمام و الماء بارد كالصقيع .. قالت بخوف
- " ما الذي يحدث هنا ؟! "
ابتسم لها و هو يرتجف و قد تحولت شفتاه إلى اللون الأزرق لكنه قال مهدئا
- " كنت فاقدة الوعي و حرارتك مرتفعة جدا .. و بدأت تدخلين في نوبة "
نظرت بين عينيه لتجد لأول مرة دفئا غير طبيعي على الرغم من برودة الماء ..كما رأت ابتسامة صغيرة صادقة أخبرتها بأنه يهتم بها و يقلق عليها .. ألقت بجسدها عليه و بكت.. ضمها إلى صدره و هو يربت على كتفها
- " اششش .. اهدئي يا لورا .. أنت بخير الآن"
أعطى وانيتا نظرة لتغادر فخرجت بسرعة و تركتهما وحدهما ..
لا تعرف لم كانت تبكي !! .. آه صحيح لما شعرت به بالأمس من خزي .. لأنه ظن بأنها قد أخطأت مع داني !! و لأنها كانت متعبة جدا ..
ظلت بين يديه لفترة وجيزة ثم رفعت رأسها و بدأت ترتجف و كذلك هو كان يرتعش و اصطكت أسنانه و ما هي إلا لحظات حتى انهمر على الاثنان ضحك مفاجئ و أخذا يضحكان حتى امتلأت عيناهما بالدموع .. ثم توقفا فجأة و أخذا يتبادلان نظرات الافتتان و الإعجاب التي قطعها هو بأن استقام واقفا و خرج من الحوض فتقطر الماء من ثيابه التي التصقت بجسده ليأتي بمنشفة و يضعها حول لورا التي ترتدي قميص نوم خفيف و أصبح شفاف بفعل الماء فكشف جسدها لكنه بسرعة أشاح عن النظر إلى جسدها .. فهو يعرف بانه لن يستطيع مقاومتها أكثر من ذلك .. ساعدها على النهوض دون أن ينظر إلى عينيها.. ثم اخذ منشفة لنفسه و وضعها على كتفه ..
- " كيف تشعرين الآن يا آنسة ؟! "
- " بخير .. شكرا لك .."
- " أنت مصابة بالحمى .. درجة حرارتك كانت مرتفعة جدا .. أتمنى أن ترتاحي و تتناولي وجبة عشاء و غدا سيأتي الطبيب ليفحصك "
أومأت برأسها .. إنها لا تريد أن تسمع هذا الكلام منه .. لا تريد وجبة عشاء و لا أي شيء غير أن تبقى نائمة على صدره ..
بعد ذلك فتح الباب و نادى على وانيتا ..
- " وانيتا ساعدي آنسة آغنر بتغير ثيابها إلى أخرى جافة ثم أحضري لها طعام للعشاء "
- " حسنا سيدي "
- " أبقي معها الليلة "
- " حاضر "
ألقى نظرة خاطفة عليها و سرعان ما أشاح بنظره عنها عندما وجدها تحملق فيه بحزن و قد تجمعت الدموع في عينيها.... و كأنها تعاتبه بنظراتها .. بل هذا ما كانت تفعله .. تريده أن يبقى .. أن يعترف لها بشيء .. لكنه غادر بهدوء .. آلمها قلبها و كأنه خلع من صدرها و غادرها معه .. يا إلهي إنها واقعة في الحب !!
يسابق الرياح فوق التلال و السهول , يداعب النسيم أذنيه ثم يدخل بين خصلات شعره الأسود .. يركض بالخيل و كأنه يهرب من مشاكله و من همومه , من ضغوط العمل , من شعوره بالذنب من .. من تلك الجميلة التي احتلت عقله و قلبه و لم يعرف هل سيقابلها من جديد ؟؟ و من هذه الجريئة التي احتلت الجزء الثاني من قلبه و عقله فهل هذا ممكن ؟! أن يعشق اثنتان في وقت واحد ؟!! واحدة لا يعرف من تكون و ما اسمها و لم ير منها إلا شعرها الأشقر الكثيف الذي استرسل أسفل كتفيها و طرف أنفها و ابتسامتها و طول قامتها و أناقتها و عذوبة صوتها.. و الثانية الشقراء ذو الشعر الأشقر القصير الذي يلامس أطرافه كتفها و الجسم الرشيق و الشقاوة و الجرأة و صاحبة المنطق و الرأي السديد التي تقنعه بنظرة واحدة من عينيها فهي يفترض أن تكون عدوته لكنها للأسف هي هنا لتحتل قلبه و عقله و سكنه و ورث أجداده..
فكيف انقلبت الآية و هو الذي يعرف عنه بأنه ذو بأس شديد و لا يقع ضحية لجمال النساء بل كن هن من يقعن فريسة له !! ..
عاد إلى الإسطبل بعد أن تسابق مع الهواء على ظهر جواده ليجد ماريو ينتظره عند السياج ..
- " سيدي .."
- " ماذا تريد يا ماريو ؟ "
- " لقد أتى الطبيب جيوفاني ليكشف على الآنسة "
- " حسنا جيد سأوافيه حالا "
- " سأخبره أن ينتظر "
خرج الطبيب جيوفاني من جناح لورا و كان باتريك في انتظاره عند الباب يريد أن يطمئن على صحتها فهو لم ينم طيلة الأمس و هو يفكر بخطئه و أن كل ما حدث لها هو بسبب تصرفه الطفولي..
- " دون باتريك كيف حالك ؟! "
- " أنا بخير .. لكن السؤال يفترض أن يكون كيف حال الآنسة ؟! "
- " أنت قلق جدا عليها .. اهدأ .. لا داعي للقلق فهي امرأة قوية "
- " إذن ما بها ؟! "
- " مجرد نزلة برد و إن ارتاحت ليومان ستكون أفضل "
- " أتمنى ذلك "
- " لقد سمعت بأنك أنقذتها بالأمس .. أهنئك على تصرفك السليم دون باتريك فلولا انك لم تقم بما فعلته لدخلت الفتاة في نوبة أو غيبوبة و قد تصاب بمرض ما أو تصاب أنسجتها العقلية لارتفاع درجة حرارتها ..لكن كيف خطرت لك هذه الفكرة بأن تضعها في ماء بارد لتقوم بموازنة حرارة جسدها بطريقة سريعة ؟!"
- " حمدا لله بأنها بخير فهذا ما يهم "
- " نعم صحيح .. أنا لا ألومك يا دون باتريك لاهتمامك الزائد بها فهي ضيفتك "
أنزل رأسه فهو يشعر بالخزي .. هل هكذا يقوم المضيف بالاهتمام بضيفته ؟؟ بأن يأخذها في منتصف الليل و يلقيها في بيت منعزل و مهجور , أم يقوم بأخذ منشفتها و رفع درجة برودة المكيف حتى تصاب بالبرد و تتجمد أطرافها , ثم يلقي اللوم عليها عندما وجدها في حجرة داني ملقاة على فراشه و هي تصيح و تصرخ مستنجدة بأحد ما ..
قالها دون أن يقتنع بإجابته ..
- " بالطبع "
- " حسنا أستأذنك الآن و لا تقلق على الآنسة ستكون بخير إن اتبعت إرشاداتي جيدا "
- " شكرا لك "
- " على الرحب و السعة "
أوصل الطبيب إلى الباب و ودعه بلباقة ثم وقف على أول الدرجات يهم بالصعود.. تردد لفكرة خطرت له بأن يدخل على لورا ليطمأن عليها بنفسه .. هذا ما حثه عليه قلبه .. لكنه فكر مليا و أعدل عن هذه الفكرة بإتباعه لعقله .. و بدل من ذلك خرج من القصر و استقل العربة الصغيرة ليذهب إلى المصنع و يلهي نفسه عن التفكير بلورا ..بالعمل...
دخلت وانيتا حجرة لورا و وضعت صينية الإفطار على فراشها ثم فتحت الستائر لتدخل الشمس فتصحصحها .. غطت عينيها بيدها فهي لم تر النور ليوم كامل ..
- " يجب أن تأكلي يا آنسة "
- " لكني لا أشعر بالجوع "
رفعت وانيتا الملعقة إلى فم لورا لكن الأخرى أبعدت رأسها .. لوت وانيتا شفتيها و ابتسمت بطريقة شيطانية و كأن فكرة جهنمية خطرت لها
- " هل تريديني أن أنادي الدوق ليطعمك ؟! "
ابتسمت لورا غصبا عنها ثم سألت وانيتا
- " و ما الذي يدعوك لقول ذلك ؟! "
تظاهرت وانيتا بأنها لا تعرف شيئا عما يدور بين الاثنين
- " ليس هناك سببا .. لكنه يستطيع إرغامك "
انزعجت لورا فردت عليها
- " أنت مخطئة لا الدوق و لا غيره يستطيع إرغامي على فعل شيء لا أريده "
- " حسنا أنا آسفة .. أرجوك تناولي هذه اللقمة من يدي.. من أجلي "
- " من أجلك فقط .. و ليس لباتريك "
تناولت الملعقة من يدها فابتسمت تلك الأخرى
- " هل قمنا نناديه باسمه ( باتريك ) عوضا عن (دون) أو (الدوق) ؟؟"
رفعت لورا حاجبيها و مع ابتسامة سألت وانيتا
- " إلى ماذا تلمحين ؟! "
- " لا .. لا شيء أبدا "
- " هيا أخبريني بما يدور في خلدك ؟! هل سمعت شيئا من أحد ؟! هل قال لك احد شيئا ؟! أو رأيت شيئا "
- " لم أسمع من احد و لم يقل لي أحد أي شيء .. لكنني رأيت بعيني الكثير "
بدأت لورا تتحمس لحديث وانيتا فأمطرتها بالأسئلة
- " و ماذا رأيت .. أخبريني هيا ؟! "
ترددت وانيتا قبل أن تتحدث فألحت عليها لورا و هي تهز يدها
- " هيا أخبريني .. "
- " لكن هل توعديني بان تنهي طبق الحساء إن أخبرتك ؟! "
- " نعم .. وعد مني أن أنهي كل الطبق لكن أخبريني "
- " حسنا .. بالبداية رأيت الدوق عصبيا جدا عندما ضرب دانيال على وجهه لأنه حاول أن .."
- " نعم .. رأيته "
قاطعتها لورا فهي لا تنوي أن تتذكر تلك الحادثة المرعبة ..
- " هو لم يضرب صديقه قط و لم يطرده من القصر من قبل بل دائما ما يقف معه حتى و لو كان داني مخطئا.. لكن لأن الامر يتعلق بك .."
- " ربما لأنني كنت اصرخ و استنجي به .. أيا كان سيقف معي لأني امرأة أتعرض لهجوم رجل غريب "
- " نظراته بالأمس و قلقه عليك أكد لي ما أشعر به .. إن الدوق يهتم لأمرك .. بل أكثر من ذلك "
- " كيف ؟! "
- " كان قلقا جدا عليك و حزينا بحيث قفز معك بحوض الماء البارد و أخذ يمسح على رأسك و .. "
- " و ماذا ؟! وانيتا تكلمي "
- " كان يقبل رأسك .. و يناديك بلورا عزيزتي.."
- " حقا ؟!! "
لكن سرعان ما أبعدت لورا فكرة أن باتريك قد يهتم لأمرها فبسرعة أجابت ظنونها
- " أنا متأكدة لأنه يشعر بالمسؤولية اتجاهي فأولا و أخيرا أنا غريبة و ضيفة عنده "
- " هذا سبب بسيط لا يجعله يقبل رأسك و يجلس معك في الحوض بثيابه و يرتجف من البرد و تزرق شفتاه.. كما أنه عندما بكيتي و تعلقت به نظر إلي بأن أغادر حتى يكون معك وحدك "
لا تعرف لورا لم تألمت لحديث وانيتا بدل من أن تسعد و تبتهج .. هل لأنه يحاول إخفاء مشاعره لكبريائه ؟! أم أن غروره و كبرياءه لا يسمحان له بأن يقع في عشق فتاة أمريكية و من عامة الناس و بدل من هذا أنها أتت لتأخذ جزء من ممتلكات أجداده حيث يفترض أن تكون له وحده و لابناءه و أحفاده من بعده ..
- " آنسة لورا .. هل أنت بخير ؟! "
- " نعم .. لقد سرحت قليلا "
- " بدون باتريك أليس كذلك ؟! اعترفي بأنك تكنين له مشاعر الإعجاب ؟! "
تلونت عيناها بالحزن و هي تجيبها بصوت مخنوق
- " بل أسوأ من ذلك .."
وضعت يدها على قلبها تحاول أن توقف النزيف الذي اعتصر من قلبها و هي تتذكر كيف أنه قاوم تقبيلها مرتين .. أنه لا يريد أن يخطأ معها فيندم .. ارتجفت شفتيها و أحست بغصة .. ضمتها وانيتا و أخذت تربت على كتفها ..
- " لقد ترك اليوم تدريبه على الخيل ليسأل عنك عندما علم أن الطبيب جيوفاني أتى ليكشف عليك .. اعتقد يا آنسة بأنه يكن لك نفس المشاعر التي تحملين له "
- " ربما .."
وقفت وانيتا لتغادر فجذبت لورا يدها و قالت لها مبتسمة
- " كنت أتساءل يا وانيتا إن كان للدوق صديقة أو زوجة أو ..."
- " لا .. كانت لديه صديقة قبل أن يغادر .."
- " و ماذا حدث ؟! "
- " غادر .."
ابتسمت لها لورا .. فمن دون وانيتا لم تكن تعرف كيف كانت ستتحمل البقاء في هذا القصر أكثر من يومان ..
- " شكرا لك وانيتا لأنك الوحيدة التي تعامليني جيدا هنا .. إني أعتبرك صديقة لي .. شكرا مرة أخرى لاعتنائك بي "
- " على الرحب و السعة يا آنسة لورا "
- " ارجوك .. ناديني بلورا "
- " حسنا .. لورا .. هل يعجبك هذا ؟! "
- " بالطبع.. خاصة و أنك أصبحت صديقتي المقربة و اعترفت لك بسري الدفين .. "
ابتسمت لها وانيتا بابتهاج
- " و أنت كذلك يا آنسة.. أقصد يا لورا .. امرأة متفهمة و ناضجة و عادلة و لك قلب أبيض كبير"
- " شكرا لك .. إنك تحرجينني "
- " بل هذه الحقيقة يا لورا و الدوق يقن لذلك "
تورد خدي لورا لكلام وانيتا و لأنها ترسم لها آمال و أحلام بعيدة المنال .. فحتى و ان يكن الدوق يعشقها فهو لن يبوح لها بذلك فآخر ما يريده هو أن تكون بينهما علاقة .. سترضى بالأمر الواقع ..
دخل باتريك القصر في وقت متأخر جدا من الليل و كان يبدو عليه التعب و الإرهاق .. صعد الدرجات بهدوء .. شيئا ما دفعه لان يقترب من جناح لورا .. وقف لدقائق و هو يسمع بهذا الهدوء ضربات قلبه المتسارعة .. آه كم يتمنى أن يفتح الباب فقط لأن يراها من بعيد نائمة و مرتاحة في فراشها ..
كانت جالسة على الكنبة و ملتحفة بغطاء صغير تقرأ كتاب "لجين أوستن" بعنوان "الليدي سوزان "عندما رأت ظل أقدام عند أسفل فتحة الباب .. قامت بهدوء و اتجهت لتفتح الباب .. ارتجفت يديها و ضرب قلبها بشده .. لعله يكون داني !! .. استطاعت أن تضع يدها على المقبض و تجذبه .. اهتز بدنها و اقشعر عندما رأته واقفا ينظر إليها بدهشة .. فتح فمه ليتكلم لكنه أغلقه و فعل ذلك أكثر من مرة حتى أخيرا قال
- " آسف لم أكن أريد إزعاجك آنسة آغنر "
لم ترد عليه ..بل اكتفت بان نظرت إلى أجمل عينين مرهقتين و أوسم وجه متعب رأته .. تجهم وجهه و كأنه تضايق من نفسه و من تصرفه .. فماذا كان يفكر بان يقف عند باب حجرتها في هذا الوقت من الليل و هو بهذه الحال الرثة و بتلك الثياب المتسخة و الشعر المبعثر الذي أضفى إليه منظر الشاب الشقي.. نظرت إلى ثيابه و ساورها القلق ففتح الاثنان فمهما للتكلم في نفس الوقت .. ثم سكتا معا و انتظرا أحد منها أن يتكلم أولا .. و عندما طال الانتظار فتحا فمهما معا للمرة الثانية .. قهقه بهدوء و ابتسمت بخجل.. أشار لها بيده بأن تبدأ أولا .. ترددت ..لان تسأله عن سبب منظره الرث و هي لأول مرة تراه هكذا فهو دائما ما يكون متأنقا حتى و هو يمتطي الخيل .. لكنها عوضا عن ذلك غيرت السؤال بآخر
- " كنت أريد أن أشكرك لما فعلته بالأمس .. أنقذت حياتي "
- " لا داعي يا آنسة فهذا واجبي .. أنت ضيفتي و أنا مسئول عن أي شيء يصيبك .. خاصة إنني لم أكن مضيافا لك في الآونة الأخيرة.. فاعذريني "
نعم هذا ما كرهت أن تسمعه .. ابتسم لها و سألها
- " كيف حالك الآن ؟! "
- " على أحسن ما يكون .. الفضل يعود لك و لوانيتا و الطبيب جيوفاني الذي آلمني بحقنته"
عبس وجهه و قال قلقا
- " حقا ؟! هل آلمتك كثيرا؟!"
هبط قلبها إلى بطنها و هي ترى تغير ملامح وجهه.. لقد صدق كلام وانيتا .. قالت بخجل
- " لا .. ليس كثيرا .. إنه ألم أستطيع تحمله .. "
بعكس الألم الذي أشعر به الآن من نظراتك .. و جفاءك .. و كبريائك و عنادك .. هذا ما تمنت أن تقوله له
- " هذا أكيد فأنت امرأة قوية آنسة آغنر .. أتمنى أن تستعيدي عافيتك قريبا فهناك العديد من الفعاليات ستقام في بداية الأسبوع و آمل أن لا تفوتيها "
- " فعاليات ؟! "
أومأ قائلا
- " نعم .. إنها مجرد عادات و تقاليد تقام كل سنة ,,سترين .. حسنا آنسة آغنر .. سأتركك لترتاحي.. اعتني بنفسك و آسف على إزعاجك "
- " لا أبدا ليس هناك إزعاج .. و أنا متشوقة لتلك الفعاليات لذلك سأعتني بنفسي .. شكرا لك دون باتريك "
أومأ برأسه لها ثم رجع خطوات للخلف و هو يودعها تمنى أن يبقى في مكانه و ينظر إليها
- " عمتي مساء آنستي "
أغلقت الباب خلفها و استندت عليه و هي تعيد رسم ملامحه حتى تحفظها في ذاكرتها جيدا .. خفق قلبها بقوة لكلمته الأخيرة التي ظلت ترن بمسمعها ( آنستي ) و كأنها تخصه .. و آه كم تتمنى أن يناديها باسمها الأول و يلقي الحواجز و الرسميات بينهما ..
إن ما يحدث بينهما مثل رواية من روايات "جين أوستن" .. و صدقت "جين أوستن" الكاتبة المشهورة بوصفها الدقيق لمعاني العشق .. فلورا حتما معتلة به ...
استيقظت صباح اليوم التالي و هي تشعر بنشاط و حيوية فارتدت ثياب عملية مريحة و حذاء رياضي و نزلت الدرج قفزا و كأن حقنة الطبيب جيوفاني قد أدت مفعولها جيدا .. توقفت عند باب غرفة الطعام عندما سمعت صوت نانيرا تتحدث مع شخصا ما .. و لأول مرة كنا يتحدثان بمفردهما بالإنجليزية ..
- " ألن تتصل به يا دون باتريشيو ؟! "
- " لا لن أفعل "
- " لكنه صديقك المقرب "
- " لقد ارتكب خطأ و يجب أن يعاقب عليه"
- " و ما الذي يجعلك تلومه وحده فهي أيضا تتحمل جزء كبير من الخطأ.. فماذا كانت تفعل في حجرته ؟! و لم كانت عارية .. إنه رجل و لابد أنها أغرته "
قال بعصبية
- " نانيرا .. أنت لا تعرفين شيئا "
- " إذا أخبرني بالذي أجهله .. كل ما أراه هو أن تلك الخبيثة دائما وراء المشاكل .. لا تدعها تفرق بينك و بين صديقك المقرب .. اتصل به و تصالحا .. غدا يوم مهم بالنسبة لك و ينبغي أن يكون هنا يساندك كما يفعل دائما.."
فتح جريدته و هو يقول لها
- " إذا هذه السنة لن يكون هنا "
- " بالله عليك يا بني لقد سامحته و سامحك على كثير من الزلات ألا يمكنك أن تسامحه على غلطته هذه .. أنتما صديقين منذ الطفولة و واجهتما الكثير معا "
فكر بكلام نانيرا ..
- " حسنا نانيرا .. سأتصل به لكن ليس الآن .. "
احتضنته و قبلت رأسه ..
- " هذا هو باتريشيو الذي أعرفه .. هيا تغذى جيدا فلديك تدريب .. و أنا متأكدة بأنك ستضيف كأسا عاشرا على تلك الكؤوس .. بالمناسبة أين كنت أمس ؟!"
- " هنا .. في حجرتي"
عرفت لورا بأنه يكذب فلم يكن بحجرته .. لقد عرفت ذلك من ملابسه الرثة ...
قررت أن تعود إلى جناحها فذلك أفضل لها .. لكن تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن كما يقول المثل ..
- " آنسة آغنر حمدا لله على سلامتك "
التفتت لتجد ماريو خلفها
- " شكرا لك "
- " هيا تعالي و تناولي الإفطار معنا "
- " لكن.."
لم يدعها تكمل كلامها لأنه دفعها من كتفها بهدوء إلى داخل غرفة الطعام .. رأتها نانيرا بعين حادة طويلا ثم غادرت المكان .. أنزل باتريك جريدته و أخذ ينظر إليها و قال مبتسما عندما رآها مرتدية فستان مشجر قصير و قد تزينت بمكياج خفيف .. و هذا يدل على أنها قد استعادت عافيتها من جديد ..
- " ماذا تفعلين ؟! ألا يفترض بك أن تكوني في فراشك ؟ "
- " لقد أصبحت أفضل .. كما أن شفائي سيطول إذا حبست نفسي بالحجرة "
- " نعم أصبت .. تفضلي "
وقفا حتى تجلس .. كانت تنظر إليه .. بدا مرتاحا و غير عدائيا تجاهها على غير عادته .. جلست فسكبت لها إحدى العاملات القهوة الساخنة .. شرفت منها قليلا لتزيدها نشاطا ثم نظرت إلى باتريك الذي كان يحملق فيها .. لكن ما أن أحس بها تلتفت إلها .. رفع جريدته و اصطنع بأنه يقرأ باهتمام ..
- " دون باتريك .. "
رفع رأسه عن الجريدة
- " نعم آنسة آغنر .."
- " كنت أريد .. أعني لو نتحدث عن مسألة الميراث لننتهي منها و يرتاح كل منا "
أعاد الجريدة إلى عينيه ..
- " ليس الآن بالوقت المناسب "
دائما يؤجل هذا الحديث ..لا تعرف ما يخشاه ..و ها قد عاد إلى برودته مرة أخرى ..
- " لكن في كل مرة تؤجل الحديث و تغير الموضوع و أنا أرى بأن الآن هو الوقت المناسب"
أنزل جريدته و قال بصوت جدي و حاد يقطع الأحشاء ..
- " حقا ؟! حسنا إذا هيا تكلمي فلدي فقط خمسة دقائق كنت أنوي أن أقرأ فيها الجريدة و أغادر لأن لدي أعمال مهمة في مجلس الشيوخ بالمدينة .. فهل باستطاعتك أن تنهي المسألة بخمسة دقائق يا آنسة؟!"
استقامت واقفة و قالت بانزعاج
- " أنا آسفة لتضيع وقتك .. اعذرني "
ثم خرجت من غرفة الطعام و صعدت إلى جناحها .. تضايق لتركها قهوتها لكنه حاول أن يدعي عدم الاكتراث ..
دخلت وانيتا بعربة الإفطار جناح لورا و سعدت عندما رأتها مرتدية ثياب أخرى غير قميص النوم و بدت أكثر نضارة مما كانت عليه بالأمس ..
- " أرى بأن صحتك قد تحسنت ؟! "
- " نعم أشعر بذلك "
- " إذا لم لا تنزلين لتناول الإفطار ؟! "
- " فعلت و لقد صعدت للتو .. لكني لم أتناول شيئا "
- " و ما الذي يضايقك ؟! "
- " و من يكون غيره .. دائما ما يتعذر عن الحديث بسبب انشغاله "
- " نعم .. أنا آسفة لذلك "
- " كما أنني متضايقة لأني سمعته بالخطأ يتحدث مع نانيرا التي تعتقد باني السبب فيما حدث بيني و بين داني .. آه تلك العجوز كم هي مزعجة .. إنها تكرهني أكثر مما يفعل دون باتريك لا أعرف هل حلالها هو الذي أشاركها به ؟! "
- " إنها من قامت بتربية الدوق و كانت أمه أكثر من الكونتيسة .. لكن لا عليك منها فكما قلت هي عجوز مخرفة "
تناولت خبزا من أمامها ثم قالت
- " آه نعم .. ما هذه الفعاليات التي تقام كل سنة ؟! لقد سمعت نانيرا تقول لدون باتريك بأن يتغذى جيدا حتى يربح و يحصل على الكأس "
- " نعم .. تقام كل سنة في هذا الوقت سباق للخيل بين سكان مدينة ألبا النبلاء و يقام احتفالا كبيرا ويرتدون فيه النساء ثياب أنيقة و يبدعون في قبعاتهن و في كل سنة يفوز الدوق.. هذا كان قبل أن يغادر أسبانيا و يحدث ما حدث بينه و بين الكونتيسة .. و الآن يبدو بأنه يعيد هذه الفعاليات لمثوى والدته "
- " لم أكن أعرف ذلك .."
- " و كانت الكونتيسة في الليلة التالية من فوز ابنها تقيم احتفالا لهذه المناسبة و تدعو النبلاء إلى وليمة كبيرة .. ستتعجبين مما سترين من فساتين سهرة و أطقم و نساء جميلات و رجال متأنقين يرقصون السامبا و الرومبا و الفالس ... لكني لا أعرف إذا كان الدوق سيقيم حفلة هذه السنة أم لا ؟! "
- " و لم لا يفعل ؟! "
- " لان الكونتيسة هي التي اعتادت أن تقيميها و لابد أن ذلك سيحزنه كثيرا .. لكننا سنعرف ذلك غدا بعد السباق "
اتسعت حدقتا عين لورا و قالت بدهشة
- " السباق غدا ؟! "
- " نعم .. أتمنى أن يكون لديك ثياب مناسبة لذلك وأهم شيء قبعة "
- " لا .."
- " لا عليك سنتدبر ذلك لاحقا .. بالمناسبة .. هل تجيدين الرقص ؟!"
ضحكت لورا و هي ترشف من عصير البرتقال فأجابتها
- " و من سعيد الحظ الذي سيرقص معي ؟! "
- " دون باتريك ؟ "
زاد ضحك لورا و لم تعلق على جواب وانيتا ..
طرأت فكرة ببالها بأن تذهب إلى المدينة اليوم للتسوق و تحاول أن تقنع الدوق بأخذ وانيتا معها ..
انتظرته حتى يعود .. نفذ صبرها و هي تنتظره قررت أن تذهب بنفسها إليه .. لكن الحراس أخبروها بأنه غادر القصر و أخذ معه السائق و لم يعد حتى الآن.. إذا ليس بإمكانها الذهاب إلى المدينة للتسوق و لن تستطيع أن تذهب إلى السباق غدا و هي ليس لديها شيئا مناسبا لترتديه ..
سمعت صوت هدير سيارة في الخارج في وقت متأخر جدا من الليل .. نظرت عبر النافذة لترى باتريك يخرج من السيارة و ماريو خلفه و شخصا ثالثا ...
داني ؟!!!
إذا لقد ذهب لإحضار صديقه .. يا إلهي كيف ستواجه داني بعد الذي فعله لها ؟!
و قررت بينها و بين نفسها بأنها ليست مستعدة لن يتلاقيا غدا لذلك لن تذهب إلى ذلك السباق و ستقضي اليوم هنا بين جدران القصر ..
استيقظت على صوت طرقات الباب على حجرتها .. و كانت وانيتا ..
- " ألم تستيقظي يا لورا ؟! بعد قليل سيبدأ السباق .. هيا تجهزي بسرعة "
- " لا لن أذهب يا وانيتا "
- " و لم ؟! "
- " أشعر بالنعاس .. كما أن ليس لدي شيئا لارتديه "
- " ارتدي أي فستان لديك .. و أنا متأكدة بأنك ستبهرين الجميع "
- " لا.. لا أريد الذهاب .. "
- " حسنا كما تشائين لكن أخبريني إذا غيرتي رأيك "
- " سأفعل "
خرجت وانيتا و تركت لورا لوحدها تتحسر فهي تود الذهاب لكنها لا تريد أن تواجه طبقات المجتمع الراقي و تتمنى أن تشاهد فارسها على ظهر الجواد يتسابق مع بقية الرجال ثم يحرز الفوز .. لكنها لا تريد أن تلفت الانتباه إليها.. كما و أنه لم يدعوها بالأمس شخصيا إلى الحضور بل أخبرها تلك الليلة بأن تتشافى حتى تستطيع الذهاب معهم .. لعله لا يود اصطحابها و انه يفضل أن تكون مريضة في فراشها بدلا من وقوفها مع نبلاء ألبا ..
استلقت على الفراش عندما سمعت جدال بين رجال و صوت امرأة بالخارج في البداية تجاهلت الأمر لكن بعد أن أدركت بأن المتكلمين كانا يتحدثان بلغتها الانجليزية و بلكنة أمريكية همهما الأمر فقامت لإلقاء نظرة من النافذة و .. شهقت أثر ما رأته ...
ارتدت روبها و نزلت الدرج ركضا حتى فتحت الباب ..قالت بدهشة
- " سام .. جاكي ؟!! ماذا تفعلان هنا ؟! "
اقترب سام ليحتضنها ثم قال للحراس بغضب
- " انظروا إنها تعرفنا.. لورا عزيزتي اشتقت لك "
كانت تحت تأثير الصدمة
- " و أنا كذلك لكن ماذا تفعلان هنا ؟ و كيف عرفتما بأني هنا ؟! "
ضمتها جاكي و قالت ضاحكة
- " تلك الليلة بعد أن تحدثنا شعرت بأنك لست على مايرام ثم تحدثت إلى والدتك و أخبرتني كل شيء عنك و قمت بعمل بحث صغير عن مكان إقامتك ثم حجزت .. مفاجأة.."
ابتسمت لورا بتوتر ثم جذبت جاكلين بعيدا و همست بأذنها
- " لكن ماذا يفعل سام معك ؟! "
- " زارني قبل ثلاثة أيام يسأل عنك .. و عندما رآني أوضب حقيبتي أصر علي أن يأتي معي .. و أنت تعرفين سام عندما يصر على رأيه "
ضحك سام و أضاف قائلا
- " بالطبع كنت سآتي لأقنعك بالعودة .. و كيف لا أفعل و عرض الأزياء سيقام في أسبوعين و يجب أن نجهزك .. يا إلهي لا تبدين على ما يرام يا عزيزتي ؟! انظري يا جاكي إلى السواد تحت عينيها "
و أخذ وجهها بين يديه و هي تقاومه و تضحك
- " تفضلا بالدخول "
منذ دخولهما من الباب و عينياهما لم تتوقف عن الدوران في التأمل بهندسة القصر الفخم و الأثاث الراقي .. حتى فتحت لهما باب جناحها و دعتهما للدخول
- " إذن هذا هو جناحك ؟! "
سألها سام و هو يتمشى في الجناح
- " نعم .. إنه كبير كحجم شقتي في لوس أنجلوس "
أضافت جاكلين .. فقالت لهما لورا
- " القصر بأكمله رائع و العجيب فيه هو تاريخه القديم "
جلس سام و مد رجليه على المنضدة أمامه
- " آه صحيح أين الدوق؟ أريد أن أقابله "
- " سام .."
حدجته جاكلين بنظرة حادة .. ابتسمت لورا فهو لا يعرف شيئا عن من يسأل وإن عرف الدوق بوجودهما سيشتاظ غضبا .. آه كم تريد أن ترى تعابير وجهه عند مقابلته إياهما ..
- " إنه في سباق للخيل "
- " و أين بقية الناس الذين يعيشون في هذا القصر "
- " معه .. يشجعونه!! "
رأت جاكي نظرات حزن في عين لورا فسألتها قائلة
- " و أنت ؟! لم لست معهم؟ "
- " ليس لدي شيء لارتديه خاصة و أن هذا السباق لنبلاء المنطقة فتوقعي ما سترتديه النساء من فساتين أنيقة هذا بالإضافة إلى القبعات التي ليس لدي منها "
- " يا حبيبتي .. كنت طلبت من الدوق أخذك إلى السوق "
قال سام .. و كأن الأمر بسيط هنا ..
- "كلا يا سام إن الأمر معقد .. الدوق لا يتحدث معي .. حتى أنه لم يتعب نفسه بدعوتي و كأني لست موجودة .."
- " كنت سأفعل لكنه أتى في وقت متأخر و فات الأوان "
- " إذا الحل عندي فأنا سام ديكاري .. أم نسيتني؟! "
قالها غامزا بعينيه .. ثم طلب بإحضار حقائبه و ما إن وصلت حتى أخذ بفتحها و هو يخرج ما بها فانفجرت لورا و جاكلين ضحكا عندما رأت بأن أغلب الثياب التي أحضرها سام هي للورا و التي تفوق ثيابه .. عبارة عن ثلاث حقائب مليئة بالبدلات الباهظة الثمن و الفساتين لأشهر المصممين و حقائب و أحذية و الإكسسوارات و حقيبة رابعة لملابسة هو و الخامسة لمعدات التصوير .. و كأن سام قد احضر معه الأستوديو بأكمله.. انتقى لها ثلاث بدلات بأحذيتهم و حقائبهن و لحسن حظ لورا بأنه أحضر معه قبعتان أنيقتان ..
- "من حسن حظك يا لورا بأن موضة الموسم هي القبعات .. هيا اختاري البذلة التي تعجبك يا و سنذهب جميعا إلى ذاك السباق "
ضمت بقوة و قبلته
- " أنا سعيدة لوجودكما هنا .. "
- " و نحن كذلك .. لا تضيعي الوقت .. هيا أسرعي "
اصطف المتسابقين في حيزهم .. رفع نظره إلى المدرجات حيث يجلس الجمهور متفرجين .. و أخذ يبحث بين الوجوه عن وجه يحب رؤيته .. وجه جميل كنور الصباح .. لقد أمل أن يراها جالسة بين الحضور .. لكن للأسف لا أثر لها .. ابتسمت له الكثير من الفتيات الصهباوات الجميلات و بادلهن الابتسامة قدر ما يستطيع .. فبعضهن وجهها مألوف و الأخرى يعرف أبويها و ثالثة كان بينهما علاقة فيما ما مضى قبل مغادرته ألبا .. لوح لها بيده .. ثم انطلق بخيله ما أن سمع صوت طلق النار و فتح له الباب .. في البداية كان المتسابق رقم خمسة يتفوق عليه بخطوات .. ضغط على نفسه حتى أسرع جواده و أصبح هو في المقدمة ..
- "هذا هو .."
أشارت لورا بيدها على الدوق .. و كانت مبتهجة لرؤيتها له في المقدمة .. كانت واقفة في آخر صف بالمدرج و سام و جاكلين بالقرب منها
- " يا إلهي إنه شاب !! لقد اعتقدت بأنه كبير في السن .. كم يبلغ من العمر ؟! "
سألتها جاكلين و هي ترى الدوق يركض بحصانه و يتفوق على جميع المتسابقين
- " سيبلغ الثلاثين على ما اعتقد .. هذا ما قالته لي وانيتا.. أنا مثلك قبل أن أقابله اعتقدت بأنه رجل كبير بالسن "
لكزتها جاكلين و هي تقول
- " أتساءل إن كان هذا الجسد الرياضي يحمل وجها وسيما ؟ .. فما قولك ؟! "
و فجأة صفق الجمهور بحماس و وقفن السيدات و الشباب .. و كما يقول المثل ( أنقذت بالتصفيق) كان الدوق يتمشى بجواده و يقترب من مدرج الجمهور فيرفع قبعته و يطأطئ رأسه .. ثم غمز بعينيه لنانيرا فأرسلت له قبلة في الهواء فرفع يده ليلتقطها .. التقط قلبها في رقي أسلوبه .. إنه يستحق لقبه ..
قدم له الحكام الكأس و أخذه بكل شموخ ثم أمسك المايكروفون وقال كلمة بالاسبانية فزاد الجمهور حماس و تصفيقا ..و تمنت لو أنها تعرف ما قاله .. لكن ذلك لا يهم فبمجرد سماع نبرات صوته بتلك اللكنة المثيرة ارتفع قلبها ثم هبط بقوة ليقع أرضا..
بعد ذلك اجتمع الحاضرين من النبلاء (الطبقة الراقية ) حيث رجال الإعمال و التجار المعروفين و النساء المتأنقات و الفتيات الجميلات اللاتي تحومن حول الدوق و كل واحدة منهن تحاول أن تجعله يلتفت ناحيتها .. ضغطت لورا بعصبية على يديها و زاد من غضبها بأنه لم ينتبه لوجودها ..
هو لا يهتم بي .. قالت في سرها .. إذا لم أزعج نفسي .. و لم أشعر بالغيرة ؟!
كانت جاكلين تراقب تصرفات صديقة الطفولة و هي تعرف كيف تكون لورا عندما تقع في الحب أو تعجب بأي شاب .. و ما تراه الآن هو ما رأته من قبل ...
اقتربت منها و دفعتها بخفة من كتفها و همست
- " امشي أمامه .. افتعلي إعصار .. أوقعي كأسك .. افعلي شيئا .. دعيه يلتفت إليك "
- " لا .. فهذا آخر شيء أريد فعله "
- " إذا سأخبر سام .. و أنت تعرفين ما سيفعله سام إن عرف بأنك واقعة في غرام الدوق و هو يتجاهلك تماما أو حتى لا يعرف بوجودك و أنت لا تحركين ساكنا .. خاصة و أنه بذل جهدا في إعطائك هذا المنظر الساحر .."
- " حسنا .. حسنا .. سأمر من أمامه .. لكن معك "
- " هذه لورا التي أعرفها .. "
جذبت يد جاكلين و مشت أمام الدوق و هما تضحكان بصوت مسموع مما جعل باتريك يرفع نظره عن الفتيات المتحومات حوله ليجد تلك التي تحبها عيناه و يعشقها قلبه و تنجذب لها كل حواسه .. كانت ترتدي معطف أبيض يصل إلى ركبتيها و مطرز عليه بنقشات باللون الأبيض .. و ارتدت قبعة حمراء و بها ورود سوداء و بيضاء .. و شعرها الأشقر لامس رقبتها و أطراف كتفيها .. و تزينت بقرطين من اللؤلؤ.. و ارتدت كعب أحمر عالي أعطاها منظرا أنثويا ساحرا .. بالإضافة إلى ماكياجها الأسود الذي أبرز من لون عينيها .. و الحمرة الحمراء الفاقعة .. جعلته يتناسى الجميلات و ذهب خلفها مثل حديد منجذب إلى مغناطيس... لقد أحسن سام ديكاري في إنقاذها ..
أوقفها من كتفها بلمسة من يده
- " لورا !! أقصد ..آنسة آغنر .. لقد أتيت "
اختلست نظرة إلى جاكلين المبتسمة بابتهاج و هي ترى نظرات الإعجاب في عيني الدوق الوسيم.. فأجابته بثقة
- " لقد دعوتني في تلك الليلة أتذكر ؟! "
أرادت أن تحرجه لأنه لم يطلب قدومها بل تمنى لها الشفاء حتى يتسنى لها القدوم .. لكنه قال
- " اعتقدت بأنك مازلت مريضة و ليس لديك نفس في الحضور.. لم ألاحظك بين الجموع.."
- " نعم لقد وصلت على نهاية السباق.. و أهنئك على الفوز "
- " شكرا لك .. و لقدومك "
- " على الرحب و السعة .."
انتبه إلى جاكلين الوجه الغريب بالنسبة له و هي لا تبدو له من هذه البلاد فوجه سؤاله إليها
- " أنت لست من هنا .. أليس كذلك؟"
ابتسمت له جاكلين و هي منجذبة لانجليزيته المتقنة الممزوجة بلكنة خفيفة لا ينتبه لها إلا المتحدثون بها ..
- " نعم أنا جاكلين صديقة لورا و لقد وصلت للتو من لوس أنجلوس "
سرعان ما تغيرت ملامح وجهه و كان في حيرة من أمره .. فقال باستغراب يسأل لورا
- " حقا ؟!! "
اضطربت لورا و هي تجيبه
- " كنت أريد أخبارك لكني أيضا تفاجأت بحضورهما "
زادت دهشته فأردف سائلا
- " حضورهما ؟! هناك شخص آخر ؟! "
زادت ضربات قلبها و شعرت بأنها ستقع أرضا لولا أن سام اقترب منهم و بيده ثلاثة كؤوس
- " لورا .. جاكي .. أين اختفيتما عني ؟! لقد بحثت عنكما في كل مكان .|"
سكت ثلاثتهم .. الدوق سكت استغرابا .. و سكتت لورا و جاكي إحراجا و خوفا من ردة فعل باتريك
لكن سام لم يكترث للأمر فقال بمرح
- " مرحبا .. لابد انك الدوق .. لم أعتقد بأنك شابا يافعا تتمتع بصحة و جسد رياضي ..آه صحيح أهنئك بفوزك .. "
ثم مد يده ليصافحه .. لكن باتريك لم يستوعب الأمر إلا بعد ثواني قليلة ثم مد يده ليأخذ بيد سام
- " شكرا لك "
كان لا يزال باتريك تحت تأثير الصدمة .. و هذا ما خشيته لورا .. حدج لورا بنظرة غريبة ثم جذبها من ذراعها و ضغط عليها كادت تطلق آهة لكنها أبقتها لنفسها .. قال لها هامسا صارا على أسنانه
- " سنتحدث أنا و أنت عندما نعود إلى القصر "
ثم أفلت يدها ليعود الدم بالتحرك في مجراه .. رأته يبتعد عنها و يتجه ناحية تجمع من الرجال..
فقالت بحزن لصديقيها
- " هيا لنعد .. "
- " لكن لم نتشرب من ذلك النبيذ اللذيذ .. و لم نرقص .. أنظري إلى تلك الأسبانيات بلباسهن .. أريد أن التقط صور للمجلة .. "
قال سام معترضا و هو يحاول أن يثير حماسها.. فقالت له غاضبة
- " سام ... "
جذبته جاكلين تعاتبه
- " هيا يا سام نحن متعبين .. أتذكر بأنك تذمرت كثيرا بأن الرحلة طويلة و متعبة.. و الآن تريد الرقص و التقاط صورا .. من أين تأتي بكل هذا النشاط ؟"
- " حسنا .. حسنا .. سأذهب معكما .. لكن لا داعي لهذه العصبية يا لورا .. و أنت .. جاكي .. لا تحسدين شبابي و روحي المرحة "
- " صدقني لا أنوي ذلك .. "
عاد ثلاثتهم إلى القصر .. و لم يكن لها رغبة بتغير ثيابها التي ارتدتها من أجل أن تلفت نظر باتريك الذي بدا له بأنه لم يكترث لها .. إن ذلك الرجل يحيرها .. فمرة يبدي استحسانا تجده في عينيه في كل مرة يراها و مرات أخرى تطغي نظرة عدم الاكتراث التي تعذبها ..
جلست على الكنبة و انضمت إليها جاكلين .. و كذلك فعل سام لكنه أحضر معه زجاجة شراب و فتحها لهم.. شربت و هي لا تشعر بلذة الشراب و لا بطعمه .. كل ما كانت تفكر فيه هو تجاهل باتريك لها اليوم .. حتى أنه لم يعلق على شكلها أو مجيئها.. كل ما فعله هو أن عاملها بقسوة و جفاء كما يفعل دائما حتى و لو رسم ابتسامة ودودة على شفتيه فهذا لا يعني شيئا..
لم تكن تعر أي اهتمام لحديث جاكي و سام .. و شعرت برغبة في الخروج إلى الحديقة و تنفس هواء منعش بدل من دخان سجائر سام ..
جلست هناك دون أن تشعر بمرور الوقت و أن السماء قد أظلمت و حل الليل..
وقفت لتعود أدراجها و عندما استدارت لتدخل ارتطمت بجسد عريض فرفعت رأسها لتنظر إلى أجمل عينين لرجل رأتهما في حياتها .. ساعدها على استعادة توازنها و بسرعة أشاحت عنه .. و رتبت هندامها و هي عابسة..
- " آسف لأني أفزعتك "
- " لا .. لم تفعل كنت أهم بالدخول .."
قالتها بعصبية .. حاولت أن تمر من أمامه لكنه قطع عليها الطريق بجسده العريض الطويل مجبرا إياها على النظر إليه ..
- " كنت رائعة اليوم .. أحببت قبعتك "
حاولت قدر الإمكان تجاهله .. لكنه أمسك وجهها بين يديه و قرب شفتيه منها محاولة منه لتقبيلها .. لكنها دفعته بعيدا عنها و قالت بضيق و غضب ..
- " أرجوك .. أريد الذهاب إلى حجرتي "
أمسك بمعصمها بعنف عندما ابتعدت عنه ... و قال بعصبية
- " لا .. ليس قبل أن نتحدث عن وجود أصدقاءك هنا "
- " عن ماذا نتحدث؟؟ .. لقد قلت لك بأنهما فاجأني "
- " و كيف عرفا المكان ؟ "
- " لم أعطهما العنوان كما أنهما لا يستطيعان الاتصال بي من حيث يقيمان .. "
قاطعها قائلا بحدة صوته
- " اسمعيني جيدا يا لورا ... نحن لم نتحدث بعد عن الورث لعدم رغبتي بذلك لأكون صريحا معك ... لكن هذا لا يدعك تتصرفين و كأنك قد حصلت على ورثك و تفعلين ما يحلو لك و كأن هذا القصر ملكك و تقومين بدعوة من تريدين .. لا ... و لن يحدث ذلك أبدا .. مهما حدث و مهما حصلت على حصتك فستبقي هنا تحت الشروط و القوانين و عادات و تقاليد القصر و إن لم يعجبك هذا فأنا سأشتري حصتك من الورث و فوقها إكرامية ..فما رأيك ؟؟ أعطيني السعر المناسب و سأقوم بدفعه .. كل ما تريدينه !! ما قولك ؟!"
حدقت فيه و عيناها مغرقتان بالدموع العالقة .. إنه يزيدها تحطيما .. تمنت أنه أصر على تقبيلها و حاول رغم مقاومتها إياه بدل من أن يلقي بحجارته عليها ..
تركته و سارت من أمامه و الدموع تنهمر من عينيها .. وقفت عند باب الحجرة و مسحت أثر الدموع حتى لا يراها سام و جاكي بتلك الحالة .. و لحسن حظها كان سام نائما على الكنبة و جاكي على الفراش .. فأسرعت بالدخول إلى الحمام اغتسلت ثم اندست تحت الفراش و نامت بعد تقلب دام لأكثر من ثلاث ساعات ..
فتحت عينيها لتجد عينان خضراء ملتصقة بها .. شهقت و ابتعدت للخلف و إلا بها تنظر إلى وجه سام المبتسم و قال بلغته الفرنسية
- " بون جور "
- " آه سام .. "
- " آسف .. هيا استيقظي .. فلدينا أعمال كثيرة "
- " أعمال ؟!! "
- " نعم .. سنذهب لنستكشف الطبيعة ثم نأخذ مكان مناسب للتصوير "
- "تصوير .. لكن .."
- " لا يا لورا لا أريد أن اسمع هذه الكلمة .. هيا غيري ثيابك و تعالي معي "
فعلت ما طلبه منها غيرت ثيابها و تناولت معهما الإفطار ثم خرجوا ثلاثتهم خارج القصر و بعيدا عنه إلى الطبيعة الساحرة.. حيث السهول الخضراء من خلفها الجبال المرتفعة الرمادية و من فوقها السماء الزرقاء الصافية و الشمس الساطعة .. ابتعدا كثيرا حتى توقفا عند نقطة خلابة فيها شلال صغير ..
جهز سام آلات التصوير و المعدات و أخرج فستان عنابي من تصميم أرماني ارتدته لورا و قامت جاكلين بتسريح شعرها و وضع مساحيق التجميل لها ..
- " أجلسي على تلك الصخرة و مدي رجليك داخل الماء و دعي الفستان يطفو "
- " لكنه .. الفستان .."
- " لا عليك يا لورا إنه مجرد ماء .. هيا .. اتركي التصوير لي .."
جلست بتلك الوضعية و أخذ لها سام أكثر من صورة .. ثم غيرت فستانها إلى آخر و آخر .. و تنقلوا من مكان إلى آخر ..
و عادوا في وقت العصر إلى القصر ..
رأته واقفا عند باب مكتبه يحدق فيهم .. اقترب منها ليتحدث معها لكنها أشاحت بنظرها عنه و صعدت الدرج إلى حجرتها.. و خشيت أن يقف سام و يتحدث معه فيزيد الطين بله .. لكن و لله الحمد أن سام لم ينتبه لوجود باتريك .. على عكس جاكلين..
صاح سام ما أن فتح باب الجناح
- " يا لكرمهم .. انظري لقد أحضروا لنا طعام الغداء رغم أننا تأخرنا في العودة "
انضمت إليه جاكلين لتناول الغداء .. لكن لورا أحست بالإرهاق و أن شهيتها مسدودة لذلك دخلت الحجرة الصغيرة و ارتدت ثياب عملية مريحة و استلقت على الفراش ..
أحست بشيء أسفل رجليها .. كيس أسود كبير.. وضع على الفراش .. رفعته و فتحته .. و إذا بها ترى فستان حريري أخضر اللون.. وضعت يدها على فمهما و هي تنظر إلى جمال هذا الفستان .. أخرجته من الكيس و تلمسته على بشرتها .. ثم انتبهت وجود ورقة بيضاء مثنية معلقة عليه ... فتحتها لتقرأ
( شرفيني بارتدائه لحفلة اليوم الراقصة .. )
قهقت.. إن سام يجيد اللعب .. و يصل إلى مراده بطرق ملتوية .. لم تستطع أن تقاوم جمال الفستان و ملمسه فأسرعت بارتدائه.. لينساب مثل الماء على جسدها و يلتف حوله بارزا ثناياها و جمال قوامها .. و كاشفا ظهرها بأكمله و جزء من صدرها ..ارتدت معه كعب عال ليزيدها طولا و رشاقة .. و لا يكتمل جمال الفستان من دون قرطين ذهبيين مرصعين بالزمرد الأخضر .. و زينت عيناها بضلال أخضر و كحل أسود ليبرز لونهما الشذري ... وضعت أحمر شفاه ذو لون عنابي غامق .. و في النهاية أسدلت شعرها و تركته يتموج على كتفيها .. ثم دخلت عليهما في غرفة الجلوس ...
انبهر سام و جاكي .. و تعلق فمه في الهواء و هو ينظر إلى لورا الآسرة للقلوب ..
- " يا رب السموات .. إنها تحفة فنية "
دارت أمامهما بالفستان و استعرضته و هي مبتسمة ...
- " إنك خلابه يا لورا .. سيجن الدوق إن رآك "
ضحكت و دارت مرة أخرى .. فأسرع سام بإحضار كاميرته و أخذ يلتقط لها ملايين الصور .. و لحسن حظه أنها في مزاج مناسب للتصوير ...
ما أن أمسى الليل حتى أقبل المعازيم على الحضور .. و كان الدوق و داني و ماريو في استقبالهم .. أخذ يتمشى بين المعازيم يسلم على هذا و يلقي التحية على آخر .. يقف و يتحدث مع مجموعة .. و من ثم مجموعة أخرى .. يبادل فتاة ابتسامة .. و ثانية .. يقف مع داني فينضم إليهما رجال آخرين و يفتحون باب لنقاشات مختلفة .. و مع كل هذا التجمع كان باله متلهي .. ينظر إلى الدرج بين حين و أخرى .. ينتظرها بفارغ صبر أن تبهره بطلتها في أية لحظة .. لذلك كان يخشى أن يبعد عينيه للحظة عن الدرج حتى لا يضيع ثانية دون النظر إليها ..
وقف و قلبه و عيناه متلهفتين لرؤيتها.. لكنها تأخرت .. ماذا عسى أن يكون أصابها ؟! ربما لا تزال متضايقة من ما جرى بينهما من نقاش بالأمس ؟! آه كم يكره نفسه .. فهو دائما ما يفسد الأمور بينهما ..
- " دون باتريك .. في ماذا سرح فكرك ؟! "
أيقظه صوت أحد الرجال الواقفين معه من أفكاره .. فابتسم و قال
- " لا شيء أبدا .. لكني أترقب شخصا ما.. اعذروني "
ثم تركهم و ابتعد و أخذ يبحث في أرجاء القاعة و بين الحضور عنها لعلها نزلت و هو لم ينتبه.. لكن هذا مستحيل .. أو ربما لم تعد بعد..كيف و هو رآها تدخل المنزل و تشيح عنه .. الأمر الذي آلمه كثيرا.. كما و سمع صوت سام في جناحها .. إذا لم كل هذا التأخير؟!
لمح وانيتا تقدم الشراب فاقترب منها يسألها إن رأت لورا .. لكنها أجابته بالنفي ..
آخذ يتلفت يمينا و شمالا .. حتى رأى وميض أبيض يبرق من أعلى الدرج .. ثم يقترب هذا الوميض أكثر فأكثر .. و حاول أن يقترب هو من الدرج .. و بالفعل استطاع أن يرى سام يأخذ صورا .. صورا للورا بفستان أخضرا خلاب..
تجمد باتريك في مكانه .. و لم يعد قادر على التفكير أو تحليل أي شيء مما كان يراه..
كانت تدفع سام و تطلب منه أن يوقف التصوير و كذلك فعلت جاكي .. حتى رضخ للأمر و أخذ يضحك .. نزلت الدرج و كأنها ملكة هذه الحفلة .. أحدثت جلبة عارمة ما أن لامست قدميها أرض القاعة الرخامية .. و على الرغم من العيون التي كانت تحملق فيها و تراقبها إلا أنها لم تلمح إلا عينيه ..
كان يحدق فيها دون تعبيرات على وجهه.. غير الفراغ و التلبد .. ألقت عليه نظرة باردة كالثلج ثم أشاحت عنه و تأبطت ذراع سام و ذهبا بعيدا عن الأنظار .. بالضبط كما حدث من قبل ..
لم يصدق عينيه .. بل لم يصدق كيف كانت عيناه معمية عن رؤية الحقيقة التي أمامه ؟! وميض آلات التصوير جعلت عقله يومض من جديد ..عاد تفكيره أسابيع للوراء .. حيث كان واقفا في قاعة الدرجة الأولى في مطار لوس انجلوس .. ينظر إلى الناس .. عندما لمحت عيناه امرأة جميلة تتحدث مع رجل و تضحك .. حتى رفعت رأسها .. ظن للوهلة الأولى بأنها لا تستطيع أن تراه .. لكن عندما ابتسمت له أيقن بأنه وقع في غرامها ..
إذن لورا هي تلك الهيفاء الجميلة التي لمحها في المطار و تعلق بها قلبه .. و كيف لم يدرك ذلك و هي أمامه كل يوم .. و خاصة عندما أتى سام .. كان وجهه مألوف بالنسبة له .. يا إلهي .. إذا الفتاة التي تعلق بها قلبه ما هي إلا لورا التي يعشقها بجنون .. إذا لقد أحب نفس الشخص مرتين .. فهل هذا منطقي؟!!
يا ربي .. لم الأمور معقدة إلى تلك الدرجة .. لم لورا و الفتاة الهيفاء هما شخص واحد .. لم أحب من يجب أن لا يحب .. إن الأمور تزيد خناقها عليه و لم يعد يعرف كيف يتصرف حيالها .. هل يتبع قلبه أم يسمع عقله ؟! و من تكون لورا ؟!!
لم تتحرك رجليه إلا عندما بدأت أنغام موسيقى الفالس بالعزف و أخذ كل رجل امرأته إلى وسط القاعة ..
- " هيا دون باتريشو .. انتقى فتاة و راقصها .. إنها حفلتك "
كان صوت نانيرا يناديه من بعيد .. اقتربت منه و همست في أذنه و هي تشير على امرأة وحيدة
- " تصرف كالنبلاء و ادعوها للرقص "
ثم دفعته بيدها ناحية تلك المرأة التي رفعت رأسها لتنظر إليه .. يا إلهي كيف المصائب تتحذف عليه من كل الزوايا .. لم ماريا من بد الفتيات الجميلات ؟!!
انحنت أمامه و حاولت أن تغريه بابتسامتها .. قالت برقة
- " دون باتريك .. كنت أتساءل متى ستدعوني للرقص ؟! "
لم يعلق بل مد لها يده فتعلقت برقبته و شبكت أصابعها الناعمة بيده و كأنها كانت تنتظره دهرا .. قادتها خطواته إلى وسط القاعة .. حيث زاح الراقصون عنهما ليكونا في المنتصف .. كانت هائمة به و لطالما فعلت .. لكنه لم يكن يهيم بغير لورا .. و تمنى أن تكون هي من يرقصها الآن ..
رأتهما لورا من بعيد و لا شعوريا ضغطت على ذراع سام الذي تأوه و التفتت إليها
- " لم فعلت ذلك ؟! "
نظرت جاكلين إلى حيث تحدق لورا ,, و رأت الدوق يرقص مع امرأة جميلة جدا و يبدو أنها مسحورة به ..
لم تعد لورا تتحمل تجاهله إياها.. و قالت في نفسها .. إلى متى سأنتظر منه ردة فعل ؟! يبدو بأنه إنسان بلا مشاعر ..
فأخذت يد سام و جرته إلى وسط القاعة .. ارتعب سام لهذه الفكرة و قال لها
- " لكني لا أجيد رقص الفالس "
- " اتبع خطواتي .. و اترك القيادة لي "
و بالفعل فعل ما طلبته منه .. و تصنعت الابتسام و رقصت بالقرب من الدوق .. رقصت و كأنها تملك القاعة و حاولت قدر الإمكان تجاهل نظراته و وجوده .. حيث كان ينظر إليهما مستغربا.. حاولت ماريا أن تجعله ينتبه إليها لكن عيناه كانتا مسمرتين على تلك المرأة التي عشقتها منذ أول مرة.. و من ثم غار قلبه ..
تعمدت لورا أن تخلل أصابعها في شعر سام الذي نظر إلها مدهشا لتصرفاتها .. فقربت فمها من أذنه و همست قائلة
- " إني استعمل سلاح الغيرة .. و أنت وسيلتي يا سام .. أرجوك جارني في لعبتي "
نظر إلها بكل إعجاب بأفكارها.. فهو خير من يجيد لعب هذه اللعبة
- " أمرك موالاتي "
قبلت لورا رقبة سام أمام مرأى باتريك الذي صارت مثل النار أعصابه و هو يرى التودد فيما بينهما..
جذبت ماريا وجهه بيديها و قالت معاتبة
- " دون باتريك .. أنا هنا "
- " و أنا يقن لذلك.."
قالها بعصبية .. و لحسن حظه أن الموسيقى توقفت .. و توقف الجميع عن الرقص و صفقوا للورا الغريبة بالنسبة لهم و كيف كانت جريئة بأن تبهرهم برقصها و جمالها و روعة فستانها ..
و ما هي دقائق حتى تحوم حولها الرجال و كانت تحاول قدر الإمكان الاختباء خلف سام حتى ابتعدت عن وسط القاعة ..
اقترب أحد أصدقاء باتريك و سأله قائلا
- " من تلك الجميلة الشقراء ؟! "
- " تقصد آنسة آغنر .. ضيفتي "
- " و كيف لم تراقص ضيفتك يا باتريك ؟!"
و بماذا يجبه ؟! غير الابتسامة ...
- " لو كنت بمكانك لوقعت في غرامها"
و من قال عكس ذلك .. فانا مولع بتلك الأمريكية الساحرة .. لو أنها لا تكن تشاركني ملكي لكنت ... قاطعه صوت داني يتكلم بالمايكروفون من أفكاره التي أخذت إلى عالم آخر .. و لم يسمع إلا آخر جملة قالها داني
- " و لنشرب جميعا نخب فوز الدوق.."
رفع الجميع كؤوسهم و التفتوا ناحية باتريك الذي أومأ لهم امتنانا و غمز بعينه لداني .. و من جديد بدأت الأنغام تتصاعد .. و هذه المرة كانت رقصة السامبا .. فأسرع باتريك ليتوارى عن الأنظار .. فهو لا يود أن يراقص أي أحد الآن .. إلا إن كانت تلك صاحبة الفستان الأخضر..
خرج إلى الشرفة و أشعل سيجارته و أخذ يتأمل السماء المرصعة بأحجام مختلفة من النجوم و كأنها ماسات متلألئة .. أنزل عينيه إلى الأرض ليلمح شخصا في الحديقة في الأسفل .. دقق النظر ليجد شخصا آخر .. و بسرعة عرفها عندما استقامت واقفة .. استطاع أن يلمح حركة يديها الغاضبتين و كأنها كانت تتشاجر مع سام الذي كان يحاول جرها إلى داخل القاعة لكنها بدت له بأنها تريد البقاء وحدها خارجا فتركها و دخل إلى القاعة برفقته جاكلين ..
انتهز الفرصة لأن يختلي بها .. أسرع بالنزول إلى الحديقة من الدرج الجانبي و اقترب منها بهدوء .. كانت تنتظر إلى انعكاسها على سطح الماء .. و فجأة ارتعبت عندما رأت انعكاس رجلا خلفها .. و استدارت بسرعة ... تنهدت ارتياحا عندما رأت ملامح وجه مألوف .. وضعت يدها على صدرها و قالت مؤنبة
- " لم تحب أن تجعل قلبي يقفز ارتعابا ؟! "
- " و لم تحبين أن تجعلي قلبي يقفز تعذبا ؟! "
قالها بهدوء و هو ينظر إليها بافتتان .. ارتعش جسدها بأكمله و أخذت تنظر إلى عينيه تحاول أن تجد معنى لتلك النظرات و ما قاله .. هل كانت تحلم ؟!
اقترب منها خطوتين و ابتسم بطريقة مثيرة و ساحرة قائلا
- " إن الفستان يلائمك تماما "
قالت و هي لا تعرف سبب شعورها بالخوف
- " شكرا "
- " لم أتوقع أن النتيجة ستكون بهذا السحر و الإثارة "
لقد أضاعته للحظة و لم تفهم عن ماذا كان يتحدث
- " عفوا .. عن ماذا تتكلم ؟! "
- " عن الفستان بالطبع "
- " الفستان ؟! و كيف بإمكانك أن تتوقع النتيجة ؟! "
- " لقد تخيلته على جسدك عندما رأيته على واجهة المحل .. لكنه بالطبع أجمل عليك من المانيكان "
فتحت عيناها على اتساعهما و قالت بدهشة
- " ماذا ؟ أنت من اشترى لي هذا الفستان و وضعه على فراشي ؟! "
- " و من غيري يدعوك لارتداء فستان لحفلة اليوم ؟! "
- " لقد ..لقد اعتقدت أنه سام يريد أن ... "
قاطعها معلقا بعصبية
- " بالطبع .. سام "
شعر بالحنق على سام و الغيرة و العدائية تجاهه .. على الرغم من صدمتها إلا أنها سعدت بفكرة أن يهديها باتريك فستان و يدعوها لحفلة اليوم و لسذاجتها لم تعي بذلك .. أو أن عقلها الباطني رفض تلك الفكرة من أساسها .. لكن الفكرة لا تزال قائمة .. و الدوق واقف أمامها و هو يلتهب من الغيرة ..
و أرادت أن تكمل لعب لعبتها فقالت له و كأنها لم تتأثر بنظراته المغرية و لا بهمساته المثيرة أو غيرته الساحرة .. رفعت رأسها و قالت
- " شكرا لك دون باتريك على الفستان "
استغرب برودتها التي على عكس عادتها و أجابها
- " على الرحب و السعة "
مرت من أمامه قائلة
- " استأذنك الرحيل "
لكنه أمسك بها من معصمها يوقفها لكنه هذه المرة بخفة
- " إلى أين يا آنسة ؟! "
بدأ الخوف يدب في أوصالها من جديد .. و لا تعرف كهنته .. فهل هو خوف من حب رأته في عيون آسرها ؟! ..أم أنه خوف من شيء سيء قد يحدث في أية لحظة الآن ؟!
حاولت أن تتحلى بالشجاعة أمامه و أن لا تضعف أمام رجولته الطاغية
- " إن سام و جاكي ينتظران في الداخل "
- " لا ضير إن انتظراك لعشرة دقائق أخرى "
- " ماذا تريد مني ؟! "
فكر بعقله هذه المرة .. هل من الممكن أن أبوح لها بإعجابي بها ؟! و أني رايتها من قبل و وقعت في غرامها و لا أود مفارقتها الآن ..أو أني أريدها أن تجلس معي فنتسامر و كأن شيئا لم يحصل بيننا ؟ و كأن ذلك العداء قد طار إثر ذلك الوميض الذي نبهه إلى الواقع ؟ هل يمكن أن يتناسى كل شيء بتلك السهولة و كأن شيئا لم يكن ؟! و ماذا عن تهجمه عليها بالأمس ؟ هل ستغفر له ؟!
انتظرته حتى يجيبها .. لكنه عوضا عن ذلك أفلت يدها و بسرعة تبدلت ملامح وجهه لتصبح أكثر جدية ..
شعرت بخيبة أمل .. فقد أملت أن يقول لها : أريدك أنت .. دعينا ننسى الماضي .. ونبدأ من جديد ..
لم يكابر و يعاند مشاعره و قد كاد للحظة أن يبين لها ما يشعر به نحوها .. لو فقط قال لها أريد التحدث معك أو النظر إلى عينيك أو أي شيء غير هذا التلبد .. لم تعد تستطيع الوقوف و النظر إليه .. فهو بالنسبة لها جبان يخشى إظهار مشاعره,, أشاحت عنه و ابتعدت مسرعة حتى دخلت القصر..
ظل واقفا يتحسس الأثر الذي تركته في هذا المكان و في قلبه .. لم لا يستطيع أن يسهل الأمور على نفسه و عليها .. أحس بصداع قوي في رأسه فضغط عليه بيديه و أغمض عينيه .. و تخيل للحظة ان تعود لورا لتقول له شيئا ما .. و ما هو هذا الشيء ؟!
شعر بيد أنثوية تلمس كتفه .. و من ثم تميل على ظهره و تقرب فمها من أذنيه .. استرخت عضلاته المتوترة .. شعر بالراحة و هي تضع شفتيها على رقبته و للحظة كاد أن يجذبها و يقبلها لو أنها لم تفتح فمها لتنطق
- " آه باتريك .. بحثت عنك في كل مكان "
و بردة فعل مفاجأة هب واقفا .. و نظر إليها .. و قال بعصبية
- " ماريا .. بحق السماء .. ماذا كنت تفكرين ؟! "
- " لقد اعتقدت بأنك تريد أن نستعيد علاقتنا ببعض "
- " و ما الذي جعلك تعتقدين ذلك ؟! "
تجمعت الدموع في عيناها السوداء و هي تجيبه
- " أنت يا باتريك .. في الأمس عندما كنا ...."
هدأت عصبيته قليلا و عاد إليه الصداع مرة أخرى فجلس و ضغط على رأسه من جديد و قال بجدية
- " أنا آسف إن جعلتك تعتقدين بشيء لن يحدث .. بالأمس كنت على غير طبيعتي .. "
- " لم يا باتريك لم ؟! نحن نليق ببعض جدا و الكل يقول ذلك "
- " ماريا علاقتنا انتهت قبل ست سنوات .. كنا صغارا و مراهقين "
- " لكن حبنا لم يكن كذلك أبدا .. لم يا باتريك ترفض الفكرة من أساسها ؟؟"
استقام واقفا و أمسك بمعصميها بقوة و قربها إليها ثم قال بحدة
- " هل يجب أن أقول لك بأن هناك شخصا آخر يستحل عقلي و قلبي و يشل تفكيري ؟!"
انهمرت دموعها على وجنتيها و هي تسأله عارفة ما سينطق به
- " و من تكون ؟! هل هي ضيفتك الأمريكية التي لا تستطيع أن تبعد عينيك عنها ؟! "
أفلت يدها و استعاد رباطة جأشه
- " هذا ليس من شأنك .. و الآن اعذريني "
تركها و غادر ليدخل ..
اقترب منه داني و سأله بقلق عندما دخل القاعة و وقف بهدوء
- " باتريك .. لست على ما يرام يا صديقي "
- " إنني بخير .."
- " لكنك تبدو شاحبا فهل هناك ما يزعجك ؟!"
- " لا .. أرجوك داني لا تحقق معي .. سأذهب لاحتسي شرابا لعله يخفف من هذا الصداع "
انزو عن معازيمه قليلا الذين بدأ عددهم يقل في نهاية السهرة .. و بعد أن غادر الجميع اقتربت منه نانيرا تمسح على رأسه بحنية
- " دون باتريشو عزيزي لم لم تودع ضيوفك ؟! "
- " ليس لي نفس في ذلك .. اعتقد بان داني و ماريو أدوا واجبهم على أكمل وجه "
- " نعم لكن غادر الجميع و هم قلقين عليك "
- " سيتفهمون الأمر عندما أعتذر لهم في وقت لاحق .. "
- " اخبرني يا بني ما بك ؟! "
- " إنه مجرد صداع "
- " لا تكثر الشرب يا عزيزي .. و من الأفضل أن تخلد للنوم "
استدارت لتغادر لكنه صاح عليها بصوت منكسر
- " نانيرا .."
آلمها هذا الصوت من ابنها الصغير فتوقفت و قالت بقلق
- " ماذا هناك يا عزيزي ؟"
- " اسمعي احتاج لأن آخذ إجازة للراحة ..يومان فقط .. سأذهب فيهما إلى مدريد .. "
- " هذا أفضل لك ..و هل ستأخذ ماريو و داني معك ؟! "
- " لا .. سأذهب لوحدي .."
- " ماذا عن مهرجان دوس العنب ؟! "
- " سأكون حاضرا لا تقلقي فلن أفوت الفتيات الجميلات و هن يعصرن العنب بأقدامهم "
غمز لها و ضحك فجعلها تبتسم و تقبل جبينه
- " هذا هو باتريشيو الذي اعرفه .. إذا عمت مساءا يا عزيزي "
- " شيء آخر نانيرا .."
- " أنت تأمر "
- " شكرا لك .. أرجوك حاولي أن تخففي عداءك تجاه لورا و صديقيها .. "
- " ماذا هل اشتكت لك ؟! "
- " لا .. لا .. لم تقل لي أي شيء .. أرجوك رتبي حجرة لصديقها فليس من الصواب أن يقيم ثلاثتهم في حجرة واحدة "
- " على الرغم من نواياها السيئة إلا أنك تعاملها و كأنها ضيفة محترمة "
- " و هي كذلك .. حتى ننتهي من الأمر "
- " حسنا سأفعل ما بوسعي "
أخذ يدها و قبلها و بعد ذلك صعد إلى حجرته .. وجد كيس أسود معلقا على باب جناحه.. عرف من أين هذا الكيس فهو الذي به الفستان الأخضر الذي اشتراه للورا ..اعتصر قلبه ألما .. فهي بردها لهديته كأنها ترده هو .. و هذا يدل بأنها لا تنوي مصالحته .. من حقها فهو لم يكن إلا وغدا معها منذ قدومها .. إنه الوقت الأنسب له لأن يصفي ذهنه .. جهز حقيبته الصغيرة في دقائق ثم غادر القصر و انطلق بسيارته إلى مدريد ..
كان جالسا في شرفته المطلة على حوض الاستحمام لأحدى أفخم الفنادق في مدريد .. يرشف من قهوته من جهة و ينفث دخان سيجارته من جهة أخرى .. و يحملق في الظرف الأبيض الذي وضعه أمامه المخبر..
- " هنا ستجد كل ما تريد معرفته عن لورا آغنر يا سيدي "
- " شكرا لك .. "
مد يده عبر الطاولة فسحب الظرف و أخذ يقلبه .. كان مترددا في فتحه .. لكنه فتحه بالنهاية و أخرج منه أوراق بيضاء قرأ أول ما لفت نظره حيث كان أسود بالخط العريض
( لورا آغنر أشهر عارضة أزياء في أمريكا )
إذا هذا ما أنت عليه يا لورا .. عارضة أزياء مشهورة .. أخذ يقرأ المزيد و المزيد .. أخرج قصاصات مجلة و جرائد تحمل صورا للورا و بعض أبرز العناوين عنها ..
( شقراء تكتسح دور عروض الأزياء )
( آغنر هي كامبل بنسخة شقراء )
(فستان مارك جيكوبس بجسد لورا آغنر )
و قرأ أجدد عنوان لمجلة (اكسبلوجر) تحمل صورة للورا بفستان ذهبي و تقف على أوراق الأشجار معلنة قدوم فصل الخريف .. فصل تساقط قلبه في حب تلك المرأة الذهبية.. أخذ يدقق في هذه الصورة و يفكر فيها ..
- " لورا .. لورا .."
دخل سام مفتعلا ضجة عارمة كعادته عندما يكون هناك شيئا ما يلح في باله..
- " ماذا هنالك يا سام ؟! "
- " انظري ماذا أحضرت لكما ؟!"
كان يحمل بيده فستان من القطن الأبيض ..
- " ما هذا ؟! "
سألته جاكلين باستغراب
- " و ما عساه يكون .. فستان أبيض من التراث الأسباني .. لمهرجان دوس العنب .."
أعادت لورا جملته الأخيرة
- " دوس العنب ؟! سمعت عنه من قبل .."
قاطعها ليكمل عنها
- " شرح لي ماريو كل شيء عنه .. يقومون بقطف العنب من الكروم و بعد ذلك يضعونه في برميل عملاق جدا .. و الأجمل في هذا الأمر هو أن الفتيات يرتدين الفساتين البيضاء التي تلتصق على أجسادهن البرونزية و يعصرن العنب بأقدامهن العارية على أنغام الموسيقى .. آه كم من الصور الرائعة سألتقط لك يا عزيزتي .."
- " و من قال لك بأني سأشارك في هذا المهرجان "
قال بحزن و ضيق
- " بلى ستفعلين .. أرجوك قولي بأنك ستفعلين .. لا يا لورا .. جاكلين أقنعيها "
أجابته جاكلين
- " ستفعل ما يحلو لها يا سام "
- " لا يا جاكي أقنعيها أرجوك .. و إلا لما أحضرتك معي ؟"
- " أنت أحضرتني معك ؟ إنك محتال يا سام .."
ضحكت لورا و جاكلين على تعابير وجهه ..
- " لقد طلب مني ماريو أن أوصل الخبر لك و هو من أعطاني الفستانين .. هذا يعني بأن الدوق هو من أمره بذلك "
- " حسنا سأحضر المهرجان و سأشارك فيه لكن ليس من أجل الدوق بل لي أنا و جاكي .. حتى نمرح قليلا .."
كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصرا حيث تجمع الجميع بسلالهم في الكروم لقطف العنب ..انبهرت لورا عندما رأت بأن جزءا من ورثها يشمل هذا الكروم العملاق .. الذي يمتد إلى أسفل الوادي ..و هناك بالأسفل رأت مبنى عملاق كتب عليه (مصنع ألفاريز دو تيلدو)..
ارتدت لورا و جاكلين الفستان الأبيض الذي أحضره سام .. و الذي يكشف كتفيها و أعلى صدرها و ربطت شعرها الأشقر برباط أحمر.. و حملت بيدها سلة أعطاه إياها ماريو الذي عندما رآها قال معلقا ..
- " تفضلي يا آنسة آغنر سلتك .. أتمنى ان تملئيها بالعنب الصالح "
ابتسمت معلقة
- " شكرا لك .. سأبذل جهدي "
أعلن أحد المسئولين عن التنظيم بدء المهرجان .. فركض الجميع نساء و رجال إلى الكروم .. و الكل كان يملأ سلته بالعنب الأحمر الناضج ..
حاولت أن تقطف واحدة لكن الأمر كان صعبا بالنسبة لها .. شدت بقوة و حاولت أن تقطعها.. كان داني يراقبها من بعيد و يقترب منها شيئا فشيئا..
أحست لورا بيد رجولية تحط فوق يدها و عرفته من رائحة عطره .. تجمدت في مكانها و تركت نضالها في قطع عنقود العنب..
- " تقطعيها هكذا بطريقة مائلة .."
سقط العنقود في سلتها .. عندها استدارت لتواجهه .. كان مبتسما و بدا لها أكثر وسامة من قبل خاصة ببروز لحية ذقنه قليلا و ارتداءه قميصا أبيض فتح أزراه الأولى ليبرز جزء من صدره البرونزي و فوقه سترة سوداء .. اللباس الأسباني..
كانت تنظر إليه بشوق و كأنه غاب عنها سنتين و ليس ليومين..
- " تبدين و كأنك من الأسبانيات لم أكن لأفرق بينك و بينهن لولا شعرك الأشقر .. "
اقترب منها ليزيح خصلة سقطت على جبيها ..اضطربت و اهتز بدنها و هي تنظر إليه .. لا يعقل أن يكون هذا الطويل العريض الواقف أمامها هو الدوق باتريك .. خاصة مع هذا المزاج المبتهج.. أو أن غيابه ليومين غيره كليا ؟! ..
نظر إلى سلتها الخاوية فضحك قائلا ..
- " اعتقد بأنني أنقذتك .. يجب أن تملئي ثلاث سلال من العنب على الأقل .."
- " حقا ؟! "
- " سأكون سعيدا بمساعدتك .. فآخر ما تريدينه هو أن تجرحي يديك الناعمتين بالشوك"
نظرت إلى عنقود العنب إن أطراف الغصن مليئة بالشوك الصغيرة ..
- " شكرا لك .. نبهتني.. و ماذا عنك ألن تملأ سلالك ؟! "
- " بلى سأفعل ذلك .. معك "
غمز لها بعينه ثم بدأ بقطف عنقود فآخر و هي تنظر باستغراب من تصرفاته و مزاجه المختلف ...
ما هي إلا دقائق حتى ملأ سلة واحدة و قال لها ضاحكا
- " هيا أسرعي .. لقد سبقتك .."
تركت الماضي خلفها .. و قالت معترضة مع ابتسامة
- " لم أكن أعلم أننا نتسابق .. هذا ليس عدلا "
- " حسنا إذا سنبدأ من جديد إن شئت .. "
- " يروق لي ذلك .."
كانا يقطفان العناقيد و يلقيانها بسلالهم بسرعة و جدية و كل منهما مركز ذهنه .. فجأة اصطدم بها فكادت أن تسقط و سلتها فوقها .. فأسرع بان حوط خصرها بيده و جرها إليه .. فتحت عينيها لتجد نفسها تحدق بعينيه الجميلتين ذات الرموش السوداء الطويلة .. بقيت لفترة بين ذراعيه و قلبها معلق بين السماء و الأرض ..
- " داني ألم تر الدوق ؟ لقد رأيت سيارته مركونة عند باب القصر "
- " إنه هناك .. انظر يا ماريو.. هناك بين الأشجار "
رأى ماريو منظر الدوق و لورا ملتصقين و يحدقان ببعضهما البعض .. تبادل ماريو و داني النظرات فسأله
- " ماذا يعني ذلك ؟! "
فرفع داني كتفيه بلا اكتراث و ابتعد .. استدار ماريو ليعطي سيده الخصوصية ..
- " هل وجدته يا ماريو ؟! "
- " آنسة ماريا .. لقد طلبت منك أن تنتظري ريثما أبحث عنه .. هيا تعالي معي "
أخذها بعيدا عن مكان تواجد لورا و باتريك و هما في منظر حميمي .. لعل الجنون يصيبها عندما تراهما معا ملتصقين ..
ذابت لورا و هي متشبثة في قميصه و قد لامست أطراف أصابعها صدره المكشوف .. لمعت عيناه و قال لها بطريقة ساحرة
- " يجب أن ترتدي هذا الفستان الأبيض كل يوم .. "
ثم شيئا فشيئا قرب شفتيه من رقبتها يقبلها .. فتعلقت به أكثر و هو يصعد بقبلاته حتى شفتيها الناعمتين .. و لم يتوقف إلا عندما سمع صوت الصفارة التي تعلن انتهاء وقت القطف ..
اتجه الجميع إلى البرميل الضخم حيث وضعوا فيه العنب المقطوف .. و كان الدوق و لورا آخر الواصلين ... حمل باتريك ثلاث سلال في يد و اثنتان باليد الأخرى .. بينما حملت لورا سلتين فقط .. و بعد أن ألقي العنب في البرميل .. بدأ عزف الموسيقى .. و حمل الرجال النساء داخل البرميل .. شهقت لورا عندما حملها باتريك من خصرها بحركة مفاجأة واضعا إياها داخل البرميل .. و بسرعة أخذت النساء يدها لتنظم إليهن في الرقص .. في البداية كانت الأنغام هادئة مع صفقات بطيئة و شيئا بدأت تزداد سرعت العزف و التصفيق ..و الرجال بالغناء .. لم تفهم لورا كلمات الأغنية .. لكنها رأت باتريك واقفا بسعادة يصفق و يغني و هو يتأملها .. فأخذت النساء تقفزن فوق العنب و تتطاير العصارة على وجهوهن و ثيابهن التي تحولت من اللون الأبيض إلى البنفسجي ..
كانت لورا و جاكي يضحكان و يلقيان العنب على بعضهما .. و كان سام يأخذ لقطات عدة لهما ..
رقصت لورا و هي تضحك بسعادة متناسية وجود باتريك يحدق فيها بكل افتتان و كان يذوب في كل مرة تشيح بشعرها الأشقر الكثيف المتطاير الذي تبلل بعصارة العنب محدثا جلبة عارمة في حواسه و عقله .. كانت عيناه تترقصان مع تمايل جسدها .. و كلما ارتفع فستانها مظهرا رجليها و فخذيها يرتفع قلبه معه ..
- " دون باتريك .. انضم إلينا "
- " هيا يا دون باتريشيو.. هيا "
كانت النساء تنادي عليه فأخذ الرجال يدفعونه نحو البرميل الضخم .. و يدفعونه حتى أسقطوه داخله .. و بسرعة ساعدته النساء على النهوض و شبكت ماريا أصابعها بأصابعه..أصبح هو في المنتصف و على يمينه و يساره مجموعة من النساء .. بينما لورا في الجهة المقابلة له .. و ينظر إليها يبتسم ..و في كل مرة تقترب المجوعتين ببعضها ثم تبتعد للخلف مرة أخرى .. كان يميل ناحية لورا و كأنه سيصطدم بها .. غمز لها فأنزلت رأسها خجللا و أبطأت من رقصها لشعورها بالإحراج من نظراته الفاحصة ..لم يعد يستطيع مقاومتها .. كانت مثيرة بمعنى الكلمة بثوبها الملتصق بجسدها و وجهها الملطخ باللون البنفسجي ..فترك يد ماريا و اتجه ناحية لورا .. أخذ يدها و جذبها إلى المنتصف .. زاد تصفيق الرجال و النساء الذين ينظرون إليهما .. كان يقود حركاتها و يلفها بكل سهولة و كأنه محترف بالرقص .. و لأول مرة تسمعه يغني .. كان يغني بصوت مرتفع .. تناست بأن هذا هو الدوق الذي عرفته طوال الثلاثة أسابيع الماضية ..الدوق المتكبر المتعجرف .. ذو الأعصاب الباردة .. الخالي من المشاعر .. الذي يتجاهلها .. إنه شخص آخر ..
- " عصر العنب .. أعصروا العنب .. دوس العنب .. "
هذا ما استطاعت فهمه من كلمات الأغنية الأسبانية التي أخذ الجميع ينشد بها ..
رقصوا لساعتين تقريبا و هم يدورون في حلقات و يؤدون حركات إيقاعية حتى تحول العنب إلى عصير سائل في البرميل .. عندها توقفت الموسيقى و توقفت الراقصات ..
صفق باتريك و قال بصوت مرتفع
- " غراسياس (شكرا ) .. أحسنتم جميعا "
ثم نظر إلى لورا و كأنه عاشق يتغزل بحبيبته .. نزل من البرميل, وضع يده على خصر لورا و انزلها على الأرض بخفة .. لكنه لم يفلتها بل أبقاها ملتصقة به و يديها على صدره ..
اشتعلت ماريا غيرة و هي ترى هذا الحب المتبادل بينهما .. و لم تعد تستطيع أن تتحمل المزيد فابتعدت بسرعة .. و تبعتها الفتيات الأخريات لتغيرن ثيابهن المبتلة ..
لم تصدق نانيرا عيناها عندما رأت اليوم ما دار بين باتريك و تلك الجريئة لورا .. إنه مفتون بها .. لقد استطاعت أن تلقي بسحرها عليه ..
بقي هو معها واقفين وحدهما بثيابهما المبتلة الملتصقة عندما غادر الجميع .. كان أكثر سحرا من قبل خاصة بخصلات شعره التي التصقت بجبينه .. أخرج من جيب بنطاله وشاحها الذي كانت تضعه فوق رأسها .. توترت و هي تأخذه من يده ثم قالت بعد أن بللت ريقها الجاف ..
- " اعذرني دون باتريك يجب أن أذهب .."
وضع سبابته على شفتيها
- " اششش..ستذهبين عندما يحين الوقت لذلك "
أخذ قلبها يدق بعنف بين ضلوعها عندما قرب شفتيه فلامست شفتيها ..قبلها .. بنهم و شغف .. تعلقت به بقوة و بادلته حرارة التقبيل .. أغمضت عينيها لتنعم بهذه اللحظة بين أحضانه ..
الصقها على البرميل و حشر جسدها بجسده و انقض عليها بقبلاته في وجهها و رقبتها و صدرها المكشوف ..و امتزج طعم قبلاتها بطعم العنب اللذيذ .. ذابت مثل الشمعة تحت حرارة جسده و قبلاته .. و تمنت أن لا يتوقف أبدا ..
لكن هذا لا يدوم أبدا .. أنهى قبلاته بواحدة على كتفها ثم رفع رأسه ليحدق في عينيها الساحرتين
- " لديك أجمل عينين رأيتهما في حياتي "
أمسكت وجهه بيديها و أخذت ترفع خصلات شعره المبتلة .. إنها هائمة بحبه .. طبعت قبلة صغيرة على جبينه ثم ابتعدت عنه بسرعة و هي تركض إلى القصر .. كانت مبتسمة و سعيدة .. و أخيرا فتح لها باب السعادة .. لكن هذه السعادة لا تدوم طويلا !!!
كانت ماريا في انتظارها في غرفة الجلوس و ما أن صعدت لورا أول خطوات الدرج حتى أوقفتها
- " آنسة آغنر .."
نزلت لورا الدرجات و اقتربت من ماريا
- " تفضلي .. كيف أخدمك ؟! "
- " لابد أنك لا تعرفين من أكون "
- " بصراحة لا لكنني رأيتك عدة مرات هنا من قبل "
- " أنا ماريا سيلفادور .."
استغربت لورا .. فماذا تريد منها هذه السيدة و لم تقول لها من تكون ؟؟ انا لا أبه بك .. فاتركيني أصعد حجرتي و أزف خبر سعادتي لجاكلين .. لكنها عوضا عن ذلك قالت لها
- " أهلا و سهلا آنسة سيلفادور .. "
- " اسمعيني يا لورا لست هنا لأعقد صداقة معك أو أي شيء من هذا القبيل فأنت في نظري دخيلة ليس إلا .. "
عبس وجه لورا و أعادت ما قالته ماريا
- " دخيلة؟! ماذا تعنين "
- " وجودك في هذا القصر و قربك من باتريك "
- " أنت لا تعرفين عن سبب وجودي هنا .. و قربي من دون باتريك ليس من شأنك "
- " بلى من شأني ففي القريب العاجل سنتزوج .. لذلك يجب أن توقفي لعبتك السخيفة فلقد انكشفت يا آنسة .."
استغربت لورا هذا التهجم عليها من امرأة لا تعرفها .. و ماذا قالت ؟ نتزوج ؟!!
- " أية لعبة عن ماذا تتحدثين ؟!.. "
- " أنت تعرفين جيدا ما أعنيه .. إلقاء نفسك على الدوق ..في حين أنت مولعة برجل آخر غيره .."
- " غيره ؟! ماذا تقولين ..؟!"
- " اسمعيني إنه لا يريد فتاة أمريكية لعوبة و لا يعرف عنها شيئا لتكون زوجته و أما لأبنائه .. كما و أنها لا تتمتع باللباقة و المستوي الذي أنعم به أنا.."
قاطعتها و قالت بعصبية
- " لا .. تعديت حدودك كثيرا و لولا لباقتي لبادلتك الإهانات .. "
ثم استدارت و أخذت تصعد الدرج فصرخت ماريا
- " هيا افعلي .. أريني حقيقتك يا آنسة أغنر .. "
لم تعرها لورا انتباها و دخلت حجرتها .. و هناك انهارت بالبكاء ..يبدو بان كل ما تفعله لورا منذ قدومها هنا .. هو البكاء .. فهي لم تعرف عنه شيئا منذ مدة طويلة.. و ها هي الآن لا تمر عليها لحظة هنا دون أن تنهمر دموعها على وجنتيها .. اقتربت منها جاكلين و حضنتها بقوة ...
- " لم تبكين يا عزيزتي ؟! "
- "جاكي .. لم أعد احتمل بقائي هنا .. لا أريد الورث و لا أريد أي شيء منهم .. دعينا نغادر .."
- " لم يا لورا و أنت تحرزين تقدما ملحوظا .. لقد رأيتك اليوم مع الدوق و كيف كان يعاملك بكل افتتان .. إنه مغرم بك و سرعان ما سيغير رأيه عن فكرة الورث .. انتظري قليلا .. فلقد انتظرت الأسابيع كلها "
مسحت دموعها و استعادت رباطة جأشها .. فكلام جاكي صحيح .. لن تنهار الآن ليس بعد الذي حدث بينهما اليوم .. لقد أثبت لها أنه يكن لها نفس المشاعر التي تحملها له .. لذلك لن تتأثر بكلام ماريا الغيورة .. لكن ماذا عن .. نتزوج ؟!!
في المساء أقيم احتفال لتذوق النبيذ الذي اشتهرت به عائلة آلفاريز دي تيلدو منذ قرون طويلة جدا .. و هناك لبس الرجال البذل الرسمية (تكسيدو )و تزينت النساء بفساتينهن الراقية .. بعكس ما بدوا عليه هذا الصباح بثيابهن الريفية العملية..
طرقت وانيتا على باب جناح لورا فأجابتها جاكلين بالدخول
- " مرحبا .. "
- " أهلا وانيتا .. كيف أساعدك ؟! "
- " دون باتريك يسأل إن كانت الآنسة لورا ستنزل أم لا ؟! "
لكن لورا أجابتها وهي تدخل عليهم غرفة الجلوس
- " أخبريه باني سأفعل .."
التفتت الاثنتان ينظران إلى لورا .. كانت أكثر من رائعة بفستانها الأسود الطويلة الذي استرسل على جسدها و كشف ظهرها كله .. رفعت شعرها إلى الأعلى و ارتدت قرطين ماسين و وضعت ماكياج يليق بالفستان الخلاب ..
كان ينتظرها كعادته أمام الدرج برفقة ماريو و داني و بعض الرجال .. حبس أنفاسه في صدره عندما رآها تنزل الدرج بطلتها البهية مبتسمة .. اقترب منها و أخذ يديها أمام مرأى ماريا التي كانت تتآكل في داخلها و تشب غضبا و حنقا على تلك الأمريكية الجريئة ..
همس في أذنها ..
- " لقد خطفت أنفاسي .. "
- " شكرا لك دون باتريك .."
- " أرجوك .. لقد تعدينا مرحلة الرسميات.. ناديني باسمي فقط .. باتريك "
ابتسمت خجلا عندما غمز لها بعينه
- " حسنا كما تريد .. باتريك .. هل يعجبك هذا ؟! "
- " كثيرا .. "
وضع يديه على خصرها و أخذ ينظر في عينيها .. ثم قال
- " هل تشرفيني بالرقص معي ؟! "
- " لك الشرف "
وضعت ذراعها حول رقبته و شبكت أصابعها بيده الأخرى .. و أخذ يرقص معها حتى أصبحا في المنتصف .. كانت تشعر بأنها سانديرلا تراقص الأمير.. و كلما أدراها بخفة تطاير فستانها و كأنها تملك القاعة لنفسها .. هي و هو .. يرقصان وحدهما ..
و كان حلمها قد أصبح حقيقة و هي بين ذراعي هذا الوسيم .. الذي لم تبعد الفتيات عيناهن عنه خاصة ببذلته التكسيدو السوداء التي تليق بجسده الرياضي .. و بشعره الأسود المرتب و ذقنه الحليق الأنيق ..
انتهت أغنية و بدأت أخرى لتنتهي مرة أخرى و هما يرقصان دون إحساس بالوقت..
عندما التفتت وجدت أنهما وحدين في الخارج ..
- " يا إلهي .. كيف وصلنا إلى هنا ؟! "
- " ألم أخبرك باني ساحر ؟! "
ضحكت .. فأخذ يديها و أجلسها على الكرسي و جلس بالقرب منها .. رفع يدها و قبلها برقة .. فسرت قشعريرة بكل جسدها ما إن لامست شفتيه جلدها ..
- " اسمعيني لورا .. دعينا نترك موضوع الورث و لا نتحدث فيه في أي وقت قريب .. و أوعدك بأن كل ما تريدينه سيكون لك .. لكن الآن دعينا نستمع بوجودنا معا .. ففي الحقيقة يا لورا.. أنا معجب بك جدا ..و حاولت كثيرا أن أبقي هذا الإعجاب بداخلي .. لكن لم أستطيع التحمل أكثر .."
شعرت بأنه سيغمى عليها .. زادت دقات قلبها بطريقة جنونية .. و شعرت بحرارة غير طبيعية في بدنها .. يا إلهي .. لم تستطع أن تنطق بحرف واحد .. و اكتفت بأن أومأت برأسها و ابتسمت بتوتر .. فبادلها الابتسامة ثم قرب شفتيه ليطبع قبلات على شفتيها المرتجفتين..
عندما ابتعد عنها قليلا استعادت وعيها .. و قالت له
- " ما الذي غيرك يا باتريك .. لقد كنت قاسي معي و معاديا قبل يومين فما الذي بدل حالك ؟! "
- " لقد فكرت مليا بأن هذا الأمر لابد منه .. و أنا كنت معجب بك حتى قبل أن أتعرف عليك ..و في ذلك اليوم عندما رقصت مع سام و وجوده معك جعلني أدرك باني لا أريد أن أفقدك لشخص آخر .. لقد جعلتني الغيرة أفكر كثيرا بنا "
- "إنني أشعر بالإطراء ..لكن كيف كنت معجب بي قبل أن تتعرف علي ؟! "
لوى شفتيه و رسم ابتسامة صغيرة فقال
- " لن تصدقي ما سأقوله لك .."
- " جربني .."
- " حسنا .. قبل شهر تقريبا كنت في المطار أنتظر طائرتي التي سأغادر بها من الولايات المتحدة ..من لوس أنجلوس إلى هنا .. كنت أنظر من فوق النافذة إلى الناس بالأسفل .. فرأيت أجمل فتاة رأتها عيني .. أملت أن ترفع رأسها و تنظر إلي .. و كأنني أحلم .. فقد رفعت رأسها فعلا .. و ابتسمت لي .. و بعد ذلك اختفت .. فنزلت أتبعها و هناك رأيت تجمع غفير و وميض آلات تصوير عندما اقتربت قليلا وجدت أمراة هيفاء شقراء كانت محط الاهتمام و الأنظار فسلبت عقلي و قلبي منذ حينها .. و عندما ارتديت الفستان الأخضر تلك الليلة و تركت شعرك الأشقر ملتف حول كتفيك و وميض آلة تصوير سام نبهت عقلي بان المرأة التي سلبتني العقل و القلب ما هي إلا أنت يا لورا .."
كانت غير مصدقة الكلام الذي قاله .. أو أنها صدقته لكنها تحت تأثير الصدمة .. كيف شاء للقدر أن يجمعهما معا ؟!! .. أمسكت وجهه بين يديه و خللت أصابعها في شعره الأسود الكثيف ..
- " آه يا باتريك .. لقد جعلتني أؤمن بالقدر أكثر .. "
أخذها بين ذراعيه و قبلها من جديد بكل شغف.. غاصت بين ضلوعه..و ذابت في اللحظة أكثر من مرة .. لكن داني دخل ليقاطعهما
- " آه أنا آسف .. لم أقصد مقاطعتكما.. اعذروني "
تركها باتريك .. فاستقامت واقفة و ابتعدت عنهما قليلا.. كانت تشعر بالإحراج
- " لا بأس .. ماذا تريد يا داني ؟! "
- " بعض رجال الأعمال يبحثون عنك .. أظن أنهم يردون عقد صفقة ( دو أميغو ) خاصة بعد تذوقهم للنبيذ .. "
- " حسنا .. أخبرهم بأني سأوافيهم حالا .."
دخل داني قبل باتريك .. لكنه وقف ليتصنت قليلا .. لا يعرف لم فعل ذلك!!.. هل يمكن أنه يشعر بالغيرة من صديقه؟! .. أم لأنه معجب جدا بلورا ؟!
وضع يده على كتفها و طبع قبلة ناعمة و رقيقة على ظهرها العاري .. و قال لها بهدوء
- " اعذريني لورا يجب أن أذهب .. "
كان يريد أن يبرر لها سبب ذهابه لكنها استدارت لتواجهه
- " لا بأس.. سأكون هنا .. انتظرك حتى لو تأخرت "
- " شكرا "
ثم طبع قبلة صغير على شفتيها و كأنهما اعتادا على التقبيل ..
طالت غيبته و بدأت تمل.. فجأة وضع يده على كتفها فوضعت يدها فوقها ثم استدارت لتواجهه .. و سرعان ما استنفرت منه و ابتعدت للخلف و قالت بعصبية
- " ماذا تريد يا داني ؟ ماذا تفعل هنا ؟! "
أشار لها بيده أن تهدأ قائلا ..
- " اهدئي يا لورا اهدئي .."
- " لن أهدأ حتى تغادر من هنا فورا "
- " اسمعني لورا لا أريد ان أفعل لك شيئا أو أؤذيك .. كل ما أريد فعله هو الاعتذار منك على تصرفي السابق .. لم تتسنى لي فرصة لأعبر لك عن مدى أسفي عن فعلتي المشينة .. لم أستطع تلك الليلة مقاومة دوافعي و رغباتي .. و لست ممن ينجر خلف رغباته و لقد ندمت أشد الندم على تلك الليلة و لا ألومك إن أصبحت تكرهيني.."
- " أنا لا أكره أحدا يا داني لكن لا أريدك أن تقترب مني "
- " أرجوك يا لورا أن تتقبلي أسفي .. فلا تنسي بأني كنت صديقك الوحيد هنا و وقفت إلى جانبك أكثر من مرة "
- " لكنك خذلت صداقتنا و أنا آسفة الأمر ليس بهذه السهولة لأن أسامحك.. "
أنزل رأسه حزنا ثم استدار ليتفاجأ بوجود باتريك واقف يسمع حديثهما
- " باتريك .!!"
قال باتريك بصوت خالي من المشاعر
- " هل تحاول انتهاز فرصة غيابي يا دانيال ؟! "
- " لا .. أبدا ..كل ما أردت فعله هو أن أقدم اعتذاري إلى لورا .. "
اقترب من لورا و قال لها بهدوء
- " حسنا لك أن تغادر الآن "
- " صدقني يا باتريك .."
- " لا بأس .. داني .. "
غادر داني متضايقا فالتفت باتريك ينظر إلى لورا التي ابتعدت عنه أيضا و استندت على الشرفة.. كانت عابسة و متضايقة جدا من داني و وجوده عكر مزاجها .. فاقترب منها و قال بهدوء
- " لورا ..أعرف بأن الأمر صعبا عليك.. لكنك إن فعلت و غفرت لداني فستساعدينني على مسامحته أيضا "
نظرت إليه .. كان الحزن باد على ملامحه
- " ماذا ؟! اعتقدت بأن الأمور بينكما تسير على ما يرام "
- " تقريبا .. "
- " و لم ؟ هو لم يخطيء بحقك "
- " بلى لقد فعل .. لورا أرجوك لا تسألي .. حاولي فقط أن تسامحينه.."
خللت أصابعها في خصلات شعره فهذا ما تحب فعله ..و قالت له بهدوء مع ابتسامة صغيرة
- " سأحاول من أجلك فقط ..."
- " شكرا لك .. أقدر لك هذا "
قبلها ثم قال لها و هو يتأمل جمال عينيها .. تعالي معي ..
- " إلى أين .."
- " إلى مكان لا يوجد به أحد ..."
جذبها من يدها و نزل الدرج الجانبي .. فتفاجأت لورا بأن هناك درج جانبي لا تعرف عنه بالشرفة و يؤدي إلى داخل القصر حيث مكتب باتريك الذي لم تدخله من قبل ..
دارت بالمكتب و مرت بالقرب من الكتب التي تمتد من السقف حتى الأرض كانت منبهرة لكثرة عدد الكتب .. اقترب منها فناولها كأسا ..
- " هل أعجبتك المكتبة ؟"
- " إن المكان رائع و دافئ .. و الكتب .. هل تحب القراءة ؟! "
- " نعم .. لكن هذه الكتب تعود لوالدي و أجدادي .. إنها قديمة جدا .."
- " هذا ما يجعلها رائعة .. و قيمة "
- " إن أردت تستطيع أن تقرئي منها ما شئت .."
تعلقت في رقبته و هي تبتسم له
- " شكرا لك .. "
- " لن تكفي الكلمة .."
قهقهت فقد عرفت ما يريده .. طبعت قبلة صغيرة .. فأخذها هو بقبلة أكبر .. حملها بين يديه ليضعها بهدوء على الأرض .. ثم ينظر إليها كأسد جائع .. يريد أن يلتهم فريسته .. انقض عليها بالتقبيل و ما هي إلا لحظات حتى دخلا في عالم الخيال .. عالم بعيد عن الواقع ..
استلقى بالقرب منها ينظر إليها .. يتوهج جسدها مثل تلك النار التي بالمدفأة... و جسده الحطب الذي يزيدها اشتعالا .. مدت يدها إلى وجهه .. فقبل راحة يديها و هي تمرر أناملها في تقاطيع وجهه الحادة .. و قال بصوت مثير ..
- " لورا ..يجب أن أذهب لتوديع ضيوفي "
أومأت مبتسمة و هي تجذب فستانها ...
بعد أن ارتدى ثيابه وقف عند الباب يتأملها طويلا .. و أخيرا قال ..
- " أراك صباح الغد .. أتمنى أن تنضمي إلينا على الإفطار "
- " سأفعل .. عمت مساءا "
- " و أنت كذلك .."
عندما غادر بقيت هي في المكتب تعيد اللحظات التي مرت عليها مع باتريك .. هل كانت تحلم بأنها بين أحضانه ؟! أم إنها الحقيقة ؟! و هل كانت مجرد نزوة عابرة ؟! أم أنه يكن لها مشاعر أكثر من ذلك و أنه بالفعل أرادها بكل حواسه ليس فقط لأها جذابة و أنها تعجبه .. بل لأنه واقع في عشقها.
مر يومان على حفلة تذوق النبيذ التي تقام كل سنة بعد مهرجان دوس العنب .. و إبرام باتريك لصفقة ( دو أميغو ) المتعلقة بالنبيذ .. و على الإفطار كان ماريو و سانتياغو يتناقشون مع باتريك عن أهمية الصفقة و إنها سوف ترفع أسهم المصنع و سيشتهر النبيذ خارج أسبانيا .. و سيفتح فرعا للمصنع في كاليفورنيا ..
دخلت لورا غرفة الطعام و ألقت تحية على الجالسين ..بادلها باتريك الابتسامة و أكمل حديثه .. و بعد دقائق تبعها سام و جاكلين..
- " صباح الخير جميعا "
قال سام بسرور كعادته .. فابتسم له باتريك على الرغم من حقده عليه ..
فسأل قاطعا على الثلاثة نقاشهم الأمر الذي أزعج باتريك كثيرا ..
- " ماذا تفعلون هنا للمتعة ؟"
نظر باتريك إلى ماريو حتى يجيبه .. فقال له ماريو بود
- " باستطاعتك يا سيد سام أن تسبح في حوض الاستحمام.. أو أخذ جولة في الوادي.."
- " لقد فعلنا كل هذا .. كما أن الجو بارد للاستحمام "
أجابه باتريك بانزعاج
- " ما رأيك إذا أن تذهب للمدينة و تقضي هناك ثلاثة أيام .؟؟. "
أعجبت سام الفكرة فسأل لورا
- " إنها لفكرة جهنمية يا عزيزتي لورا ما رأيك فيها ؟"
أصبح الأمر جدي بالنسبة لباتريك فرفع رأسه عن الأوراق و أخذ يحملق في وجه لورا التي احتارت قليلا .. كان يتحرى هو أيضا إجابتها .. فقالت له
- " ربما يوم آخر يا سام .."
ارتاح باتريك .. فهو لا يريد أن تتركه لورا ..ليس بعد أن اقترب منها أخيرا .. و بعد الذي حدث ذلك اليوم في المكتب .. يريد أن يكرره بين فترة و أخرى ..
همست في أذن سام عن السبب الذي جعلها ترفض الذهاب عندما أشاح باتريك بنظره عنها و أخذ يقلب الأوراق بانزعاج ..
جذبت لورا جاكلين خارج غرفة الطعام و أخبرتها عن فكرة سام .. و إنها من الأفضل أن تكون هنا مع باتريك لكم يوم .. لعله يتقرب منها أكثر إن وجدها وحيدة.. و لعله ينهي معها المسائل العالقة..
و بالطبع جاكي الحكيمة وافقت و قررت أن تغادر مع سام ليومان فقط ..
صعد الثلاثة ليوضبوا حقائبهما .. و بكل سهولة قام سام بعمل حجوزات الفندق الذي سيقيمان فيه ليومان من خلال الإنترنت .. يا له من عصر السرعة ..
و بعد غضون ساعة كانت سيارة الفندق التي طلبها سام تنتظرهما في الخارج ... سمع باتريك صوت محرك السيارة .. فخرج من مكتبه بسرعة و رأى لورا واقفة فسألها ..
- " هل أنتم جميعا ذاهبون؟ "
- " لا .. سام و جاكي فقط .. "
قبل أن يصعد سام السيارة توقف ليودع لورا ثم نظر إلى باتريك مطولا .. استغرب الآخر هذه النظرات الفاحصة فعبس بوجهه .. لكن سام قال له
- " أتعرف شيئا يا دون باتريك ؟! "
- " ما هو هذا الشيء ؟ "
- " إنك تصلح لأن تكون عارض أزياء .. ألم تصور إعلانات من قبل ؟! أعتقد بأنك تصلح لإعلان لمستحضر تجميلي أو ل...."
جذبته جاكلين لداخل السيارة و هي تودعهم و تخبر سائق السيارة أن ينطلق ..
كان مدهش من كلام سام غريب الأطوار ذلك .. بعد أن أدرك أنه كان جدي و رأى لورا تضحك بهدوء .. انفجر ضاحكا .. ثم فجأة توقف عن الضحك و ابتسم لها .. كان يريد أن يعرف لم لم ترافقهما .. لكنه أعدل عن ذلك .. و قال
- " سنذهب في جولة إلى المصنع .. هل تودين مرافقتنا ؟ "
- " نعم و لم لا ؟! "
هي المرأة الوحيدة بين الرجال الذين ترافقهم و الآخرين الذين يعملون في المصنع.. باختصار كانت محط الأنظار.. امرأة جميلة و صبية و أنيقة و شقراء و هنا من النادر رؤية الشقراوات فكيف لا تكون محط أنظار الرجال ؟؟
سارت بالقرب من باتريك الذين كان يشرح لعاقدي الصفقة عن طرق سير العمل بالمصنع .. إن المكان هائل .. حيث الأجهزة و المعدات العملاقة..
بعد جولتهم في المصنع .. أخذهم باتريك في جولة أخرى بين الكروم .. لكن هذه المرة على ظهر الخيل ..
توقف باتريك ليسألها ..
- " هل تردين إكمال الجولة معنا يا لورا؟ .. أم تفضلين العودة مع ماريو إلى القصر؟؟ "
- " لا .. سأرافقكم .. إن الأمر ممتع"
- " حقا ؟! و هل أنت مستعدة لركوب الخيل ؟ "
ضحكت فهو يلمح عن تلك الحادثة المجنونة .. سكتت قليلا لكنه أردف قائلا
- " سيسعدني أن نتشارك أنا و أنت جواد واحد .. فما قولك ؟"
أنزلت عيناها و فكرت قليلا .. ثم قالت بابتسامة ..
- " و لم لا .. فبذلك لن أتوتر و أنا أخشى السقوط .. أو أن يركض فيني الخيل بلا توقف"
- " بالطبع .. تقصدين مثل المرة السابقة "
- " هذا ما كنت أنت تقصده "
- " حقا و هل كنت أقصد شيئا ؟ "
- " لا .. على الأقل سيكون هناك من أستند عليه و أتشبث به جيدا خشية السقوط "
قهقه مجيبا إياها
- " حسنا إذا .. أعطني يدك "
رفعها فوق ظهر (اسبرينسيس) الجواد الذي هاج بها راكضا حيث القصر عندما أصابها الجنون الذي دفعها لتلك الفعلة .. و بعدها صعد خلفها .. و قادهم إلى حيث الكروم ..
غمرها شعور جميل .. فهي كالأميرة التي يحملها الفارس النبيل و يسير بها بين الغابات .. امتزجت رائحة العنب و الزروع برائحة عطرة الشهية .. و تمنت أن تبقى هكذا للأبد .. لكن للأسف .. ليسا لوحدهم .. فنظرات داني الثقابة المزعجة جعلتها تدرك بان هذا الحلم لا يبقى أبدا .. كما و أن أحد الرجال الذين صحبهم معهم باتريك في الجولة لا ينفك يسأل أسئلة كثيرة و بلا توقف ..
بعد هذه الجولة ودع باتريك الرجال .. لكنه عوضا من أن يدخل القصر ظل واقفا ينظر إلى المفاجأة..
توقفت سيارة سوداء ليخرج منها رجل كبير في السن و خلفه امرأتان .. عرفت لورا من تكون الثانية .. إنها .. ماريا ..
- " دون باتريك .. كيف حالك ؟"
- " أهلا سيد سيلفادور .. بخير .."
- " تبدو مصدوما لقدومنا أليس كذلك ؟"
شعر باتريك بالإحراج فقال
- " بعض الشيء .. إنها مفاجأة .. لم يخبرني أحد بقدومك لكنت أكثر مضيافا "
- " لا تقلق .. لقد قامت نانيرا إيزابيل باللازم "
- " حقا ؟! "
في اللحظة خرجت نانيرا و صافحت السيد سيلفادور و عانقت السيدة سيلفادور .. و الذي جعل باتريك يفتح فمه بدهشة أكثر عندما قالت نانيرا للسائق أن يأخذ بحقائبهم للداخل ..
بعد أن دخلوا القصر أوقف باتريك نانيرا و سألها بعصبية
- " ماذا يفعلون هنا ؟ "
- " دون باتريشو .. اهدأ .. إنهم يقضون بداية فصل الخريف هنا لمدة أسبوع "
- " أسبوع .. و منذ متى ؟؟ "
- " منذ أن غادرت أسبانيا يا عزيزي .. اقتربت الكونتيسة من السيدة سيلفادور و كذلك زوجها أصبح صديق السيد سيلفادور .. و منذ حينها و هم يقضون أول أسبوع من الخريف هنا .. و لم أشأ أنا أن ألقي هذا التقليد .. خاصة و أن السيدة سيلفادور عانت كثيرا لفقدان الكونتيسة .. "
- " و .."
لم تعطه فرصة ليتحدث فأكملت قائلة
- " دعنا ندخل .. كي لا نتأخر على ضيوفنا "
\
وبينما يهمان بالدخول حتى خرجت لورا و الشرر يتطاير من عينيها و هي تنظر بحقد إلى نانيرا
- " هل أنت بخير يا لورا ؟"
- " لا أعتقد ذلك .. فالمصونة نانيرا قامت بنقل أغراضي إلى الحجرة الصغيرة في الأسفل "
تضايق باتريك و نظر إلى نانيرا متسائلا
- " هل هذا صحيح ؟"
- " لقد اعتقدت بأنها ذهبت مع أصدقائها إلى مدريد .. كما و أن هذا الجناح قد خصصته الكونتيسة لهم .. و ليس من العدل و الضيافة أن نجعلهما يقيمان في .. غرفة الضيوف السفلية .. أنا آسفة يا لورا .. اعذريني .. "
ثم تركتهم و صعدت إلى الطابق العلوي ..
دنا باتريك منها و هو ممسك وجهها بيديه و قال بضيق ..
- " لا أعرف ماذا أقول لك يا لورا .. أنا متفاجيء أيضا من وجودهم هنا .. و في نفس الوقت محرج منك .."
- " لا عليك .. ستروقني الغرفة الصغيرة .."
في المساء تجمعوا حول المائدة لتناول وجبة العشاء .. كان السيد سيلفادور وديعا بالنسبة لزوجته الشرسة التي لا تتوقف عن التهامس مع نانيرا و ابنتها ماريا المتعجرفة .. و توجيه نظرات غير ودودة للورا ..
- " آنسة آغنر .. "
رفعت لورا رأسها و نظرت إلى السيد سيلفادور الذي ناد عليها
- " نعم .."
- " إذا أنت من الولايات المتحدة كما سمعت "
- " هذا صحيح ..."
تكلم داني قائلا
- " لكن لها جذور أسبانية .."
- " و كيف ذلك ؟ "
قال باتريك و هو متضايق من هذا النقاش ..
- " إنها ابنة بابلو .. "
ترك السيد سيلفادور ملعقته و شهقت زوجته و كذلك فعلت ماريا
- " ابنة كارلوس ؟؟ لم يخبرني بأن لديه ابنة "
انزعجت لورا و أجابتهم بطريقة دفاعية
- " و أنا كذلك لم أعرف بوجود أب بيولوجي لي فلقد اعتقدت كل هذه الخمسة و عشرين سنة بأن بيتر آغنر هو والدي .. "
رفعت السيدة سيلفادور رأسها و سألتها
- " و ما الذي أتى بك إلى هنا و أنت لا تعرفين والدك ؟ "
حدجها زوجها بنظرة حادة .. و قال مبتسما للورا
- " لا داعي لأن تجيبيها فهي حشرية و فضولية أكثر من اللازم أعذريها يا ابنتي "
- " لا بأس .. "
تعاطف باتريك مع لورا التي تشعر بالغربة هنا .. أنزلت رأسها فهي لا تريده أن يرى الحزن الذي اعتراها .. و كلما ذكر موضوع والدها تتضايق ..
جلس الجميع بعد العشاء في غرفة الجلوس الصغيرة التي تحوي مدخنة كبيرة لشرب القهوة ..
و كعادتهن النسوة يتحدثن عن لورا و ينظرن إليها بطريقة أزعجتها ..
عندما استقامت لورا لتغادر سألها باتريك
- " إلى أين يا لورا ؟ "
- " استأذنكما .. أريد الذهاب إلى حجرتي "
لكن السيد سيلفادور قال لها
- " اجلسي قليلا .. فنحن لم نتشرف بعد بمعرفتك آنسة آغنر "
جلست مجاملة له ..
- " ماذا تفعلين آنسة آغنر لكسب رزقك ؟"
أطرقت عليها السيدة سيلفادور هذا السؤال .. فقالت لورا بكل ثقة
- " أنا عارضة أزياء "
رفع داني رأسه .. و الآن تذكر أين رآها و لم كان وجهها مألوف بالنسبة له .. فلقد رآها من قبل في المجلات و تلك الليلة في المطار ..
- " إذن أنت هي تلك الفتاة في المطار التي ... "
أراد أن يكمل لكن باتريك قاطعة و أكمل عنه
- " لورا عارضة أزياء مشهورة و ناجحة في هوليوود "
- " هل هذا صحيح آنسة آغنر ؟؟"
- " إنني في بداياتي .. لكني أمارس عرض الأزياء كهواية فقط .. فأنا درست علم الآثار في الجامعة و أريد أن آخذ شهادة عليا في هذا المجال "
انبهر باتريك فهذه معلومة جديدة عليه .. و لأول مرة يشعر بأنه يريد أن يعرف المزيد عن هذه المرأة المذهلة ..
- " إذا أنت هنا لاستكشاف هذا القصر .. إذ يعتبر من الآثار التي تهمك آنسة آغنر ؟ "
قالت ماريا حتى تحرج لورا .. لكن الأخرى لم تجد إحراج بهذا السؤال فقالت
- " نعم .. صحيح كلامك .. هذا القصر من الآثار التي بهرتني حقا .. لكني لست هنا لهذا الغرض و أنت تعرفين ذلك جيدا "
أضافت ماريا بخبث
- " لا .. لا أعرف حقيقة لم أنت هنا ؟ "
استقامت لورا واقفة و هذه المرة وجهت كلامها لباتريك و السيد سيلفادور
- " أستأذنكما .. "
و عندما خرجت بسرعة سمعت النسوة يضحكن بخبث .. دخلت حجرتها و أقفلت الباب ..
شعرت بضيق و هي حبيسة الغرفة الصغيرة التي لم تعتاد عليها .. فقررت أن تخرج لتتفسح قليلا خاصة و أن الجو أصبح باردا قليلا لينعشها ..
ارتدت روبها الأبيض و أخذت تتمشى في حديقة القصر المظلمة .. ففي هذا الوقت الكل يفترض أن يكون نائما , تمنت بأنها رافقت سام و جاكلين .. و لعلها تفعل غدا و تذهب لمرافقتهما ..
متى سيفرج عنها هذا السجان و يتركها تعود إلى ديارها ؟؟ تريد أن تعرف ماذا سيكون مصيرها و هي قريبة منه تتعلق به أكثر فأكثر كل يوم ..
- " لعلك تريدين قهوة تدفئك في هذا الجو البارد "
استدارت تنظر ناحية الصوت لتجد باتريك واقفا و بيده كوبين من القهوة .. مدت يدها فتناولت القهوة منه و قالت مبتسمة
- " شكرا لك "
- " على الرحب و السعة .. هل تسمحين لي بالجلوس ؟ "
دنت قليلا ليجلس و هي تجيبه
- " بالطبع .. تفضل "
جلس و رشف من قهوته .. كانت تنظر أمامها محاولة تجنبه قدر الإمكان .. لكنه كان يحدق فيها .. و قال بهدوء
- " يبدو بأنك اعتدت على حجرتك القديمة و لم تستطيعي النوم في فراشك الجديد "
- " ربما "
أجابته بلا نفس في الحديث معه .. فهو السبب في كل ما تشعر به من إرهاق و أرق .. ليته يتحدث معها و ينهيا المسألة فتعود إلى وطنها معززة مكرمة ..
- " ما بك يا لورا ؟ هل أنت بخير ؟ "
- " نعم .. اعتقد ذلك .. "
- " تعتقدين ذلك .. "
أجبرها على النظر إليه بأن جذب وجهها بيده .. و عندما أنزلت عيناها أدرك بأنها منزعجة منه استقام واقفا فرفعت رأسها تنظر إليه .. لكنه مد يده إليها .. و قال مبتسما
- " تعال معي "
- " إلى أين ؟! "
- " سترين .. هيا "
أمسكت بيده .. لأول مرة تشعر بدفئها حقا .. غمز لها و هو يصحبها ناحية الإسطبل .. و يتوقف عند الباب .. ثم يساعدها على ركوب الخيل و قفز هو خلفها ..
- " إلى أين سنذهب يا باتريك ؟ "
نظر إليها قبل أن ينطلق بالحصان
- " لقد أحببت اليوم امتطاءنا لحصان واحد .. و تمنيت لو كنا لوحدنا نستمتع بالنسيم البارد.."
ابتسمت .. استطاع بكل سهولة أن يرسم الابتسامة على وجهها .. و صدفة بأنهما فكرا بنفس التفكير اليوم ..
كان يقود الجواد بهدوء حتى خرج عن حدود القصر .. وضعت لورا رأسها على صدره .. و تركت لنفسها استنشاق رائحة عطره .. من رقبته .. سرت قشعريرة في بدن باتريك فطبع قبلة صغيرة على أنفها ..
توقفت عند الشلال الذي انعكس على سطحه ضوء القمر.. أنزلها عن ظهر الخيل .. و كان ينظر إليها بافتتان في رداءها الأبيض و كأنها أميرة قد خرجت من حلمه
- " لقد قدمت إلى هذا المكان مرتين .. إنه رائع.. لكن ضوء القمر و سواد الليل جعله كلوحة فنية
اقترب منها و قال بسحر
- " و وجودك بالقرب مني .. يجعل هذا المكان كحلم لا أريد الاستيقاظ منه "
أمسك وجهها بين يديه و راح يمرر إبهامه في تقاطيع وجهها .. ثم أخذها بين يديه يقبلها .. ذابت كالشمعة .. و طالت اللحظة بينهما حتى توقف ليتأمل وجهها الجميل ..
- " أنك جميلة جدا "
- " و أنت وسيم أيضا "
ابتسم .. و قال ضاحكا
- " لم أكن وسيما عندما كنت مراهقا .. "
- " لا أصدق هذا .. فلفقد رأيت صورة لك في غرفة الجلوس "
ضحك قليلا و شاركته ..ثم عادت ملامح وجهه جدية ..
- " هل كنت تتمنين لو أنك عرفت والدك من قبل ؟ "
- " لا .. فلطالما كان بيتر أبا و صديقا لي .. "
- " و الآن عندما عرفت بأن لك أبا بيولوجيا .. ألم تشعري بالفضول لمعرفته ؟ "
أنزلت رأسها حزنا و قالت
- " آلمني كثيرا أن أعرف بأن بيتر ليس والدي الحقيقي .. مع أني أعرف جيدا أن وجود أب غيره لن يحدث فرقا .. لكن كما قلت الفضول دفعني لأن أقبل دعوة المحامي سانتياغو عندما اتصل بي .. لأعرف من كان والدي .. و ماذا خبأ لي ؟؟ هل كان فعلا يهتم بي كما كانت تقول والدتي بأنه يسمع أخباري و يعرف بأني عارضة أزياء فيقوم بشراء كل مجلة أعرض فيها و يتابع أخباري.. هذا شيء كنت أتمنى لو أعرفه .. و هذا هو السبب الأول في قدومي هنا .. يجب أن تصدقني يا باتريك .. أنا لست هنا طمعا في الميراث .. أبدا .. "
أبعد خصلة عن خدها .. و قال
- " و لم أقل بأنك طامعة بالورث يا لورا .. "
ثم قبل خدها و ساعدها على الوقوف .. سألته بضيق
- " هل سنعود ؟ "
- " لا .. أريد أن آخذك إلى مكان آخر "
أوقف الحصان عند الإسطبل ثم سار معها حتى البيت الصغير الذي جعلها تقضي الليل فيه وحيدة ..
أنار الأضواء و أشار لها بالدخول ...
- " ماذا نفعل هنا يا باتريك ؟ هل تريد حبسي مثل المرة السابقة ؟ "
ضحك و اقترب منها
- " أبدا .. و أنا آسف عن تلك الليلة .. كنت أحمقا .. "
- " أعرف ذلك "
زاد ضحكه .. و هو يجذب يدها لتجلس على الكنبة .. ثم ألقى قطعتين خشب في المدفأة و قام بإضرام النار فيها ..
- " آتي إلى هذا المكان عندما أريد أن أنعزل عن الجميع "
ثم جلس بالقرب منها و قال ..
- " عرفت والدك عندما كان مستشارا قانونيا لوالدي و ساعده الأيمن .. لم أكن أعرف بأنه و والدتي على علاقة إلا عندما توفي والدي .. و كنت وقتها أبلغ الثامنة عشر .. كنت قريبا جدا من أبي .. وعندما شعرت بان هناك شيء يجري بين والدتي و كارلوس قمت بطرده من القصر .. و توليت أنا الشؤون هنا .. لكن المفاجأة هو عندما علمت بأن والدتي تذهب كل يوم إلى مدريد لملاقاته بينما أكون أنا هنا أتلقى تعليمي .. حاولت أن لا أعر الأمر اهتمام لكن بعد سنوات أتت لتلقي علي قنبلتها و تخبرني باني غدوت شابا استطيع الاعتناء بنفسي و أنها تشعر بالوحدة و تريد الزواج .. و من من ؟!! "
- " من كارلوس بالتأكيد "
- " نعم .. كنت حاقدا عليه .. لأنه خان والدي الذي اعتبره صديقه الوفي .. و أخبرت والدتي إن تزوجت منه سأغادر القصر .."
- " و اختارته !! "
- " للأسف نعم .. فقررت أن أرحل عن هنا بكرامتي .. فوالدتي اختارت الغريب على ابنها .. و لم نتحدث طيلة ستة سنوات "
ضمته إليها و مسحت على رأسه ..
- " هل أنت نادم يا باتريك ؟ "
- " نعم .. لأنني كنت أناني .. تمنيت لو أني حاولت أن اقترب منها لأعرف السبب الذي جعلها تخون والدي مع كارلوس .. لعلني أجد لنفسي سببا في مسامحته لكن الحقد يا لورا قد أعمى بصيرتي .. فرحلت و أنا أحمل كرها لهما معا .. و الآن أتمنى أن يعود ذلك اليوم الذي وقفت و صرخت بوجهها فألقيت عليها سيل من الكلمات الجارحة و المهينة .. تمنيت لو أنقطع لساني وقتها .. "
- " لقد حدث ما حدث .. و أنا أعرف يا باتريك بأن مما جرى بينكما ستظل والدتك تحبك و تنظر إليك من حيث هي الآن "
- " ربما صحيح ما تقولينه يا لورا .. لكني أريد أن أعرف والدتي أكثر من خلال زوجها.."
- "ماذا تعني ؟! "
- " بعد أن توفيا .. نقلت معظم أغراض كارلوس إلى هنا .. و لأني آتي إلى هنا بين فترة لأنعزل عن الجميع كنت أبحث في أغراضه .. و وجدت أشياء و رسائل كثيرة .. لكني توقفت .. فهذا ليس من حقي أن أقرأ ما كتب في رسائله .. "
سكت و أخذ ينظر إليها ..
- " أنت الشخص الوحيد الذي له الحق برؤية أغراضه الشخصية ... "
- " ماذا ؟! لا يا باتريك .. "
- " لم يا لورا .. ألا تريدين أن تعرفي والدك كما تقولين ؟ ألا تشعرين بالفضول لمعرفة إن كان فعلا يهتم بك مثل ما قالته لك والدتك "
- " نعم هذا صحيح .. لكني .. لا اعرف ماذا أقول لك يا باتريك ؟ "
أحضر صندوقا وضعه أمامها
- " هنا ستجدين كل شيء .. "
دفعت بالصندوق بعيدا عنها و هي تقول له ..
- " أنا لا أشعر بان كارلوس والدي .. و هذا ما يدفعني لرفض فكرتك يا باتريك "
- " لكن شئت أم أبيت هو والدك .. و لقد أورثك آنت ما يملكه .. أنت الاسم الوحيد الذي ذكر في وصيته يا لورا .. فماذا يعني هذا ؟! "
أخذت تنظر إلى الصندوق أمامها .. و ترددت .. لكن باتريك أومأ برأس مشجعا إياها على فتحة ..
فمدت يدها و فتحته .. و جذبت أول شيء وقعت عليه عيناها ..
- " هذه .. أنا .. في عيد ميلادي السادس .. "
ثم جذبت صورة أخرى و أخرى .. و كلها صور لها على اختلاف مراحل حياتها .. أخذت تنظر إلى الصور مع باتريك .. و هي تبتسم تارة و تدمع تارة أخرى ..
- " إنها تقارير عني .. تقارير المدرسة .. "
- " دعيني أرى .."
أخذ الأوراق منها و قال مبتسما
- " كنت طالبة مثالية يا لورا "
ضحكت و جذبت أوراق أخرى .. حتى سقطت على الأرض ورقة .. حملها باتريك و قال
- " ينبغي لك أن تنظري إلى هذه "
أخذت الورقة منه .. و قرأتها .. كانت رسالة من والدها لها .. لكنها لم تصل إليها أبدا
- " ابنتي العزيزة .. لورا .. كنت أتمنى لو أراسلك كل يوم .. لكن شاء القدر بأن أكون بعيدا عنك و أن يقوم شخص غيري بتربيتك .. لعله من الأفضل لك أن تعيشي في كنف والدين يحبانك .. حتى لا تشعري يا حلوتي بأنك تختلفين عن من حولك .. و اليوم تبلغين الثامنة عشر .. و أنا أحمل صورتك بين يدي التي أرسلتها لي والدتك .. و كم أنت جميلة بفستانك الزهري .. أتساءل إن كان هذا الشاب الواقف بالقرب منك يحبك أو معجب بك أم أنه مجرد ابن الجيران الذي يزعجك دائما ؟! .. سمعتك ذات يوم و أنا أتحدث إلى والدتك بالهاتف عن خبر قبولك في جامعة لوس انجلوس و فرحت لك كثيرا فعزمت أن أشتري لك سيارة بنفسي .. هذا أقل شيء أستطيع فعله من أجلك .. أتمنى لو أن أحضنك بين يدي .. لكن الأمر سيكون غريبا .. أحبك .. و كل عام و أنت بخير.. والدك المحب .. كارلوس دي بابلو "
ظلت لفترة تحدق بالورقة التي بين يديها و تعيد قراءتها أكثر من مرة .. و فجأة سقطت دمعتها ..
أخذ باتريك الورقة من يدها وضعها في الصندوق و أغلقه .. ثم احتضن لورا و أسند رأسها على صدره .. كانت تبكي بحرقة .. بألم .. لعل هذا ما تحتاجه الآن .. تركها تبكي دون أن ينبس ببنت شفة .. تعلقت به .. و توقفت عن البكاء عندما أنهكها .. لكنها لم تبتعد عن صدر باتريك .. أغمضت عيناها .. و غفت لدقائق .. و دون أن تشعر .. أصبحت هذه الدقائق ساعات إلى أن سل الفجر خيوطه .. و تسللت أشعة الشمس من بين ستائر المنزل الصغير ..
11-
فتحت عيناها لتجد نفسها نائمة على الكنبة و في مكان غير حجرة نومها .. رفعت عيناها عن صدر عريض كانت مخبأة وجهها به .. فرفعت رأسها لتجده ..باتريك .. نائما بسلام ..قبلت رقبته .. فاستيقظ .. مبتسما لها .. باعث دفئا لجسدها في هذا الجو البارد .. و لأن النار قد خمدت ..
- " صباح الخير"
قال لها مع ابتسامة عريضة ..
- " صباح النور .."
ثم عادت إلى أحضانه مرة أخرى .. و أغمضت عينيها من جديد ...
- " أين دون باتريشيو ؟ "
سألت نانيرا ماريو و هو يدخل القصر ..
- " أعتقد بأنه لا يزال نائما في حجرته "
- " لا .. "
- " إذا ربما استيقظ باكرا و خرج إلى الإسطبل "
- " اذهب و ابحث عنه .. ليتناول الإفطار مع السيد سيلفادور و زوجته "
- " في الحال سيدتي .."
اتجه إلى الإسطبل و سأل سائس الخيل عن ما إذا رأى اليوم الدوق .. فأجابه بالنفي ..
أين عساه يكون اختفى .. بالطبع .. المنزل الصغير .. فهناك يحب أن يقضي وقته عندما يريد أن يعتزل عن الجميع .. اقترب من الباب لكنه قبل أن يمد يده لفتحه سمع أصوات بالداخل .. لرجل و أمرآة .. لباتريك .. و !!!!
سيتوقف قلب نانيرا بكل تأكيد .. إنه في ورطة .. فماذا يفعل ؟
من الصعب عليه أن يدخل البيت ليجد الدوق مع لورا في وضع حميم .. لا .. سأعود للقصر و اخبر نانيرا بأنني لم أجد الدوق في الإسطبل .. لكن تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن
عندما استدار اصطدم بداني .. فقال بهلع
- " داني !! "
شعر داني بريب و شك و هو ينظر إلى وجه ماريو المضطرب
- " من بالداخل يا ماريو ؟"
- " لا أحد "
صد ماريو عن الباب حتى لا يقوم داني بفتحه
- " دعني أمر "
- " لا يا داني "
حاول داني دفعه .. دون جدوى لأن ماريو كان متشبثا بالباب بقوة ..
لكن الباب فتح .. و كاد ماريو أن يقع أرضا لو أن باتريك لم يمسكه .. وقف ينظر إلى الاثنان و تساءل ..
- " ماذا يجري هنا ؟"
نظر إليها داني متفحصا .. و هو يرى قميصه مفتوح و شعره مبعثر !!
- " نبحث عنك .. ماذا تفعل هنا يا باتريك ؟"
قال داني ذلك بانزعاج .. فأضاف ماريو
- " نانيرا تبحث عنك .. تقول بأنك يجب أن تنضم إليهم على الإفطار "
- " ألم يعد السيد سيلفادور إلى منزله بعد ؟ "
قالها بعصبية و كتف يديه .. مما جعل داني يضحك عليه و يقول
- " لا .. و لن يفعل حتى تخطب ابنته منه "
- " ماذا ؟! "
سأله باتريك بعصبية .. فأجاب داني مبتسما و كأنه يستهزأ بصديقة
- " ألم تكن تعرف سبب قدومه.. الأمر واضح يا باتريك "
جذبه باتريك بعيدا حتى لا تسمعه لورا فتتضايق .. و قال و هو صارا على أسنانه
- " اذهبا إلى القصر و سأوافيكما حالا "
- " لك ما شئت "
حاول داني أن ينظر من في الداخل .. لكن باتريك استوقفه و قال ناهرا
- " حالا يا داني .."
الأمر واضح يا داني .. من يكون في الداخل ؟؟ مستحيل أن تكون ماريا .. إذن ... لورا بكل تأكيد
قال في سره .. ثم غادر
عاد إلى الداخل فلم يجد لورا جالسة على الكنبة ...
- " لورا .. أين أنت ؟ "
خرجت من الحجرة الصغيرة و نظرت إليه بفتور ..
- " اذهب يا باتريك .. فضيوفك بانتظارك "
اقترب منها و أمسك بخصرها
- " سأفعل .. لكن ماذا عنك ؟ "
- " سأبقى هنا قليلا .. "
- " حسنا "
رفع رأسها و أبعد شعرها عن وجهها ثم أخذها في قبلة طويلة .. دفعها على الكنبة و ما فوقها و قال ضاحكا
- " أستطيع أن أذهب لاحقا "
ضحكت .. و أكمل تقبيلها لكنها أوقفته قائلة
- " يستحسن أن تذهب .."
- " هل تريديني أن أفعل ؟"
- "لا .. أعني ... إنهم ضيوفك"
- " أصبت .. ضيوف ثقال على قلبي بعكسك "
حاول تقبيلها مرة أخرها لكنها أشاحت عنه لتجلس و قد بان على ملامحها الضيق .. أمسك ذقنها و رفعه لتنظر إليه بإبهامه
- " ما بك ؟ "
أنزلت رأسها .. ما بها ؟! تذكرت كلام ماريا ذلك اليوم عندما أوقفتها و هجمت عليها مما ترك جرحا نازفا في قلبها .. جعلها تدرك الحقيقة .. و إن كانت مرة ..
- " لا شيء .. هيا باتريك يجب أن تذهب "
أومأ برأسه و استقام واقفا وقال بضيق
- " أراك لاحقا إذن .."
ثم خرج دون أن يلتفت إليها .. و آلمها ذلك كثيرا .. لكن أليس هذا ما أرادته ؟!
رأته نانيرا داخل فأمسكت به موقفة إياه عند المدخل .. و قالت بنبرة الأم المعاتبة
- " أين كنت ؟ و هل هذه ثياب أمس ؟ "
- " نعم .. لقد غفوت في البيت الصغير "
- " و لم فعلت ذلك يا بني ؟ ماذا كنت تفعل هناك ؟!"
- " نانيرا أرجوك .. دعيني أدخل حتى أقوم بتغير ثيابي و انضم إليكم .. "
- " تفضل "
مر من أمامها فلمحته ماريا .. التي قامت من كرسيها و اقتربت من نانيرا سألتها و هي تنظر إلى باتريك يصعد الدرج ..
- " هل بات في الخارج ؟ "
- " نعم .. هذا ما قاله لي .. في البيت الصغير "
- " معها ؟! "
- " لا اعتقد .. إنها في حجرتها على ما يبدو "
كانت ماريا تشك بالأمر و نظرت باتجاه حجرة لورا .. و قالت
- " هل من عادتها النوم إلى هذا الوقت المتأخر .."
- " لا أعلم يا عزيزتي .. ما الذي يقلقك ؟هل لورا تقلقك ؟"
تأففت و قالت بضيق صدر
- " إنه يقضي معها معظم الأوقات .. إذا نعم أظن إن لورا تزعجني و تؤرق نومي "
في هذه اللحظة كانت لورا تهم بدخول القصر لكنها توقفت عندما رأت نانيرا و ماريا واقفتان عند المدخل و يتحدثان بصوت خافض كي لا يسمعهما أحد .. حاولت ان تنصت لما يقولون لكنها و مهما فعلت لن تفهم شيئا .. فهما يتحدثان بالإسبانية ..
شهقت عندما أحست بيد توضع على كتفها فاستدارت لتنظر إلى وجهه
- " داني !! "
سألها و بفمه ابتسامة سخرية ..
- " ماذا تفعلين هنا يا لورا ؟ هل تتنصتين على ماريا و نانيرا ؟؟"
أرادت أن تنفي لكن هذه الحقيقة .. فقالت معترضة تصرفهما و كأنها تدافع عن نفسها
- " إنهما يتحدثان عني "
- " حقا ؟ و كيف عرفت ؟ هل تفهمين الإسبانية ؟! "
- " لا .. لكني سمعت اسمي "
تنصت داني قليلا و قال
- " أصبت ..إنهما يتحدثان عنك "
لم تستغرب فقد سمعتهما يحضران اسمها
- " حقا ؟ و ماذا يقولان ؟"
- " لا .. لن أخبرك "
- " أرجوك يا داني يجب أن أعرف "
- " لن يعجبك هذا يا لورا "
- " داني .. أرجوك "
سكت قليلا .. ثم قال بصوت مؤثر
- " أعرفي يا لورا باني كنت الشخص الوحيد الذي لم يحاول أن يؤذيك هنا"
- " نعم .. لكن ذلك اليوم ... "
قاطعها قائلا
- " ذلك اليوم .. كان خطأ فادح .. و أنا نادم أشد الندم يا لورا .. لقد اعتقدت بأنك تبادليني الإعجاب نفسه .. لكن هذا لا يبرر فعلتي الشنيعة .. أتمنى أن تسامحيني "
وضعت يدها على كتفه و قالت بهدوء ..
- " لا عليك .. سأحاول أن أنسى ذلك .. أرجوك الآن أخبرني بحديثهما "
- " لكن الأمر لن يعجبك "
- " لا بأس .. أريد أن أعرف فالأمر عني أليس كذلك ؟! "
- " نعم ..حسنا .. سأخبرك.. "
قرب أذنيه من الباب ليسمع جيدا .. و اخذ يترجم كل كلمة دارت بينهما للورا ...
ربتت نانيرا على كتفها و قالت
- " ألا تعرفين ما يفعل دون باتريشيو ؟"
أجابتها ماريا و قد بان على صوتها الضيق
- " لا ..لكن يبدو لي بأنه معجب بها كثيرا.. و هذا ما قاله لي ذلك اليوم .. "
- " أبدا يا عزيزتي .. إنه يحبك أنت ..أنت حبه الأول و من الصعب أن ينسى الإنسان حبه الأول.. كل ما يفعله باتريك هو دفعك للشعور بالغيرة .. "
- " لا أعتقد ذلك"
- " صدقيني .. كما أن ماريو أخبرني بأنه يريد أن يكسب ودها فيجعلها بذلك تتنازل عن كل شي أو أن تبيعه حصتها من الورث .. "
- " حقا ؟! و هل هذا صحيح ؟!"
- " كوني متأكدة .. "
- " و كيف أتأكد ؟!"
- " لأن بكل ببساطة لا يمكن أن يعشق هذه الفتاة الجريئة فهو ينتقدها في كل مرة يراها .. إنه يحاول دفعها للجنون .."
- "لقد طمأنتني يا نانيرا .. شكرا لك "
- " على الرحب و السعة ... و اعلمي يا ماريا بأن باتريك لن يتزوج غيرك فقد رأيته تلك الليلة يخرج خاتم زواج الكونتيسة و ينظر إليه .. و عندما انتبه إلي أدخله في درجه بسرعة .. سألته إن كان ينوي الزواج فلم يخطئني و قال لي ببساطة .. ربما .. و كان ذلك بعد أن راقصك في حفلة فوزه بالسباق "
انبسطت ماريا و ابتسمت .. قائلة
- "و أنا لا أريد غيره "
- " جيد .. و الآن تعالي معي و حاولي التقرب منه أكثر يا عزيزتي .."
كادت لورا أن تسقط أرضا و هي تسمع هذه الكلمات تخرج من فم داني ..تجمعت الدموع في عينيها .. أراد أن يضع يده عليها لكنها ابتعدت عنه فقال لها
- " أنا آسف يا لورا قلت لك بان هذا لن يعجبك "
أومأت برأسها قائلة بصوت متألم
- " لا عليك .. شكرا لك.. فانا من طلب ذلك منك و ألح عليك "
- " لورا هل ستكونين بخير ؟"
- " نعم أعتقد .."
- " ماذا ستفعلين الآن بعد أن عرفت الحقيقة ؟"
نظرت إليه بغضب و قالت
- " الحقيقة ؟ إذا أنت تعرف أيضا بأن باتريك يريد التقرب مني كي ... يا إلهي .."
أنزل رأسه و اكتفى بالنظر إلى الأرض .. فثارت ثائرتها و لكزته
- " أخبرني يا داني .. هل كنت تعلم ؟ "
- " نعم يا لورا .. كلنا .. و أنت أيضا .. في داخلك كنت تعلمين بأن لا يمكن أن يحدث شيئا بينكما أنت و باتريك .. و كما تعلمين بأنه لن يتزوج إلا من ماريا "
وضعت يدها على فمها تكتم صرخة قهر كادت أن تخرج منها .. حاول أن يقترب منها مجددا لكنها أوقفته بإشارة منها و قالت
- " توقف .. اتركني وحدي .. "
- " لورا .."
- " داني .. اتركني وحدي .. سأعود إلى حجرتي "
- " افعلي ما تريدين .. لكن صدقيني لم أنوي لك سوءا أبدا .."
لم ترد عليه بل اتجهت إلى حجرتها و قامت بفتح النافذة بقوة .. فهي لا تريد أن يظن الجميع بأنها قد باتت في الخارج مع باتريك خاصة و هي ترتدي قميص النوم و كمشيرها الأبيض فوقه .. دخلت حجرتها و ارتمت على السرير و انهارت باكية .. بكت قهرا و ألما و حزنا لأنها ضيعت من وقتها الكثير ..على شيء ليس هي بحاجة إليه .. و الآن سترحل .. بكرامتها و عزتها فمنذ أن جاءت إلى هنا و هي تشعر بالمرارة و الندم لقدومها .. و ما الذي يجبرها على البقاء بعد كل ذلك .. لقد طفح الكيل .. لا تريد شيئا .. لا الورث ولا ذلك الحب المؤلم ..
اتصلت على سام و أخبرته بأنها سترحل عن هذا المكان و ستعود إلى وطنها و روتينها اليومي ..و بعد أربع ساعات أتى لاصطحابها دون علم أحد و أخذها إلى الفندق حيث يقيم هو و جاكلين ..
قصت عليهم سبب قرارها المفاجئ ..سام وافقها على قرارها لكن جاكلين كانت مترددة .. و فضلت أن تصر لورا على موقفها أكثر ... و لم تعد لورا تستحمل المزيد من الإهانات و المؤامرات .. لدرجة بأن باتريك تجرأ لأن يلمس عواطفها و يلعب بها كدمية ثم يرميها بعد أن ينتهي منها ..
- " على الأقل يا صديقتي تكلمي مع المحامي سانتياغو لعله يستطيع رفع دعوى قضائية "
قالت لها جاكلين .. فأجابت لورا بعصبية
- " آخر ما سيقوم به ذلك المحامي هو رفع دعوى على سيده .. أنت لا تعرفين .. هنا الجميع يعمل ألف حساب للدوق "
- " يا له من مجتمع ديكتاتوري"
- " أتعلمين رغم كل شيء سيء استطعت أن أبحث في الأمور المشرقة فيهم .. و استطعت أن ... أن .. أحبه رغم قسوته .. لأني حاولت أن أرى فيه الإنسان ..."
لم تستطع أن تكمل جملتها لان العبرة خنقتها و ضيقت عليها أنفاسها ..
عاد سام و قد أحضر معه تذاكر رحلة العودة إلى لوس أنجلوس ..
- " سنغادر غدا ظهرا فهذا أقرب وقت ... لن تغادر أية طائرة الآن لتدهور الأوضاع الجوية "
- " لا بأس .. سنحاول أن نقضي وقتا ممتعا هنا "
قالت جاكلين مشجعة صديقتها لتنسى حزنها و ألمها ..
- " ستقام حفلة في الفندق هنا .. "
سألها سام بابتهاج و هو يضع التذاكر جانبا .. و يمسح دموعها بيده ..
- " رائع .. ما رأيك يا لورا ؟ "
- " لا أشعر برغبة في الذهاب .. لكني مع ذلك سأذهب معكما فهذا أقل شيء أستطيع فعله من أجلكما .. "
فتحت ذراعيها لتضمها في آن واحد ..
في المساء افتقد باتريك لورا .. و كان بين حين و أخرى يمر بالقرب من حجرتها و يحاول أن يتنصت .. لعله يسمع لها حسا .. لكن لا شيء ..
رأته ماريا واقفا وحده فاتجهت إليه ..
- " ما رأيك بان نركب الخيل و نتسابق كالأيام الخوالي يا باتريك ؟"
أجابها بفتور دون أن يكلف نفسه بالنظر إليها ..
- " أنا متعب قليلا يا ماريا .. ربما في وقت لاحق .. اعذريني "
- " حسنا كما تشاء .. أبي يبحث عنك .. في الحديقة يريدك أن تشاركه التدخين و التكلم عن التجارة و الأشياء السخيفة هذه .."
- " حسنا .."
تركته بسرعة .. فلمح وانيتا و هو خارجا من بعيد .. نادى عليها و سألها
- " ألم تر لورا اليوم ؟ "
- " لا يا سيدي لم أفعل "
تأفف .. ثم خرج لينضم إلى السيد سيلفادور في الحديقة و جلس معه مشعلا سيجارته و أخذ ينفثها بعصبية .. لا يعرف لم أتاه حدس بأن شيء سيء سيحدث ؟ أو أنه حدث و انتهى و هو في غفلة عن الأمر .. كان السيد سيلفادور يتكلم عن الوضع الاقتصادي و كيفية تحسينه في ألبا و جعلها منطقة سياحية ريفية .. و من الطبيعي أن يتناقش في هذا الأمر مع الدوق .. دوق ألبا .. الذي لم يكن فكره معه بل بشيء آخر .. بإحساسه الغريب .. بلورا !!
- " ما قولك يا دون باتريك ؟"
أيقظه صوت السيد سيلفادور من أفكاره العميقة فالتفت إليه و قال باسما
- " عفوا ؟ "
- " ما بك ؟؟ ما رأيك أن نذهب غدا للصيد ؟ "
- " الصيد !! "
- " نعم .. لديك بندقية أليس كذلك ؟ "
- " آه الصيد .. نعم بكل تأكيد.."
- " رائع .. "
نظر العجوز إلى ساعاته و قال
- " لقد تأخر الوقت .. يجب أن يذهب هذا العجوز إلى فراشه .. و أنت كذلك لأننا سنغادر في الصباح الباكر "
ثم وقف و هو يضحك
- " بلغ سلامي للآنسة آغنر .. آه صحيح أين هي اليوم ؟ "
أحرجه سؤاله فأشار بيده بأنه لا يعلم .. و ليته يعرف أين هي .. فأنه مشتاق لها على الرغم من أنه رآها هذا الصباح
- " عمت مساءا يا بني "
- " و أنت كذلك "
ظل جالسا ينظر إلى نافذة حجرتها المظلمة ... أين عساها تكون ؟!
- " باتريك .."
سمع صوتا فقفز قلبه فرحا .. لكنه عندما استدار تجهم وجهه و عبس
- " ماريا ؟! "
- " انظر ماذا وجدت ؟ "
وضعت أمامه ألبوم صورا لهما عندما كانا مراهقين و شابين يافعين ..
لا يشعر برغبة في النظر إلى تلك الصور .. فباله مشغول .. ألا ترين ؟!
كانت تقلب الصفحات أمامه و تضحك و هي تتذكر كل موقف التقطت فيه الصورة .. لم يكن يشاركها الضحك حتى .. و أحست بذلك الجفاء منه فنظرت إليه بغضب قائلة
- " أين يسرح فكرك يا باتريك ؟ "
- " لا شيء .. بالصور .. "
- " حقا ؟! "
قالها برود
- " نعم "
- " لا أعتقد ذلك .. إنك لا تنظر إلى الصور حتى "
لم ينطق بكلمة .. بل قام بإشعال سيجارة أخرى ... أحست بانها مثل هذه السيارة التي تشتعل و تحترق و هو بكل برود ينفث دخانها ... فصرخت بوجهه
- " حسنا .. سأعترف لك .. إني أموت في اليوم غيرة مئة مرة .. فتوقف عن لعبتك.."
و كأنه تلقى لطمة على وجهه و نظر إليها مستغربا ..
- " لعبة ؟! "
- " أنت تعرف ما أقصد "
استدارت لتغادر لكنه جذبها من يدها بقوة لتقف و قال لها بصوته المهيب ..
- " وضحي لي .."
توقفت لحظات و هي تشعر بشيء من الخوف .. و بعد فترة صمت قالت ..
- " أنت و لورا .. لقد نجحت في إشعال الغيرة داخلي فتوقف و دعنا نبدأ من جديد .. "
قهقه قهرا و سخرية من القدر .. و ترك يدها
- " هل تعتقدين بأن ما يحدث بيني و بين لورا هو لعبة لأجعلك تشعرين بالغيرة و من ثم تعترفين لي فنبدأ من جديد ..؟ "
- " ماذا تعني ؟ "
- " أنت مخطئة يا عزيزتي .. أنا و أنت كنا خدعة .. فرضنا أهلنا على بعض .. لم نكن نحب بعض أبدا .. "
تجمعت عيناها بالدموع و هي تسمع هذا الكلام الجارح من باتريك .. و قالت بانكسار بضعف ..
- " بلى .. أنا أحبك يا باتريك"
نظر إليها .. لا يعرف ماذا يقول .. لا يريد أن يجرحها أكثر ..فاستقام واقفا ليقترب منها و طبع قبلة على جبينها و قال بضيق
- " عمت مساءا يا ماريا ... و لا تنتظري مني شيء .. و إن كنت تعتقدين باني ألعب عليك فأنت مخطئة "
- " ماذا يعني هذا ؟ "
- " تصبحين على خير "
- " باتريك توقف.. ماذا يعني هذا ؟!! "
لكنه تركها و غادر ليدخل حجرته و يقفل على نفسه الباب .. أخذ يجول في الجناح ذهابا و إيابا و القلق يتاءكل بداخله ... نظر إلى ساعته التي تشير إلى الواحدة صباحا .. يا إلهي الوقت يسير ببطء و كأنه قد توقف ... خرج إلى شرفته و أخذ ينظر ناحية حجرة لورا بالأسفل .. الأنوار لا تزال مطفئة .. ما الذي يحدث ؟ّ
لم يعد يستحمل أكثر .. خرج من غرفته و كالطائرة اتجه إلى حجرة لورا .. طرق الباب .. لا أحد يجيب .. طرق مرة أخرى .. فثالثة .. دون أي حس أو حركة تصدر .. فتح طرف الباب و قال
- " لورا .. لورا .. هل أنت هنا ؟ "
أجابه صوت زفير الهواء من النافذة المفتوحة.. دخل الحجرة و أضاء الأنوار .. لا أحد بالداخل .. قرصه قلبه بقوة .. و لأول مرة يشعر بان لا حول له و لا قوة .. التف يبحث عن شيء ما .. فلم يجد حقائبها و لا ثيابها !!! أين ذهبت لورا ؟!! هل غادرت ؟!! و لم ؟!!
وقفت على الطاولة و أخذت ترقص بجنون كانت ثملة جدا .. و الرجال يحومون حولها و يرقصون فرحين بالقرب منها .. و هي بلا اكتراث .. كان سام جالسا يراقبها و بيده كاميرته و يأخذ لها عدة لقطات .. لكزته جاكلين بانزعاج قائلة
- " إنك لا تضيع وقتك أليس كذلك ؟"
نظر إليها معترضا
- " ماذا ؟! "
أشارت ناحية لورا التي كانت تبدو لها إنسانة غريبة غير صديقتها
- " انظر إليها !! "
قال بلا مبالاة
- " إنها تحاول نسيان ذلك المعتوه .. بقضاء وقت ممتع "
- " أعتقد أن أحد المرعبين سوف يهجم عليها "
- " لا تقلقي .. إنها تعرف كيف تدافع عن نفسها .. بالله عليك إنها لورا آغنر "
فأجابته جاكلين باستهزاء من عدم اكتراثه
- " نعم أصبت .. تحمي نفسها .. و هي بهذه الحال "
فجأة توقفت لورا عن الرقص و دفعت أحد الشباب الراقصين بعيدا عنها..و اتجهت ناحية البار حيث سام و جاكلين .. تطلب كأسا آخر .. و تشربه دفعة واحدة .. و بعدها وضعت رأسها على المنضدة ... و ما هي إلا دقائق حتى دخلت بسبات عميق ..
- " سام .. ساعدني على حمل لورا إلى الحجرة .. لقد أفرطت في الشرب ..إنها نائمة "
حملها سام و صعد بها الحجرة .. وضعها في الفراش .. فاستلقت كالطفلة الصغيرة ..
قال معلقا و هو ينظر إليها
- " تلك المجنونة .."
- " إنها ليست مجنونة بل مجروحة.. لقد كنت تقول بأنها كانت تقضي وقت ممتع.. "
- "هذا صحيح ..لكن كان المفروض منذ البداية أن تقوم برفع دعوى قضائية على ذلك الدوق المتعجرف .. كنت وكلتها أشهر المحامين في لوس أنجلوس لو تركتني أفعل "
- " ليس الآن هو وقت اللوم يا سام .. همنا الوحيد أن نبعدها عنه الآن .. هل يعرف باتريك أين نقيم ؟ "
- " لا .. كما أنني لا أظنه سيبحث عنها .. "
- " كيف و هي لم تقدم تنازل أو أي شيء بشأن ذلك الورث اللعين الذي لم يجلب إلا المشاكل ؟ "
- " أتمنى لو أني أوسعه ضربا .."
صوت لورا الحالمة قاطعهما .. اقترب منها سام ليسمع بماذا تتمتم لورا ..
- " باتريك !! .. باتريك ّ!! "
12-
مر شهر و نصف و لورا تحاول أن تنهك نفسها بالعمل و الدراسة .. إكمال دراستها للحصول على درجة الماجستير في علم الآثار , فتذهب منذ الصباح الباكر إلى الجامعة و تعود عصرا لتناول وجبة مع سام و من بعدها تبدأ في العمل بالأستوديو و التصوير و عروض الأزياء و الحفلات التي تدعو إليها و من ثم تعود إلى المنزل في وقت متأخر جدا .. فتضع رأسها على الوسادة و تغط في سبات عميق ثم تستيقظ في الصباح و هكذا ... كل ذلك حتى تنسى باتريك و الحب الذي يعتصر قلبها كل وقت و كل دقيقة تنفرد بنفسها , فتأتي صورته لتزعزعها من جديد..
و في ذلك اليوم و بعد الانتهاء من التصوير ذهبت هي وسام لاصطحاب جاكلين إلى إحدى عروض الأزياء لشراء فستان زفافها .. فجاكي ستتزوج من صديقها براد ويسلي في نهاية الأسبوع ..
- " ماذا ؟! نهاية الأسبوع لابد إنك جننت يا جاكي "
تبادلت لورا و جاكي النظرات مستغربين من سام المعترض
- " و لم لا يا سام ؟ "
- " كيف ستنهي كل شيء خلال أسبوع واحد .. "
- " لا تقلق فلقدنا بدأنا بذلك منذ فترة طويلة "
و أخذتا تضحكان و تلكزان بعضهما البعض الأمر الذي جعل سام يثور و يصيح بجنون ...
- " لكن ماذا عن عرض مارك جيكوبس يا لورا ؟! .. فهو أيضا في نهاية الأسبوع .. "
توقفتا عن الضحك فجأة بالفعل ماذا ستفعل حيال ذلك فلا تستطيع أن ترفض عرض مارك جيكوبس خاصة و أنها قامت بالتوقيع على العقد .. سيكون الأمر صعبا
- " لن تقولي شيئا سلبيا يا لورا بل ستذهبين .. لأنك وقعت على العقد و لن ترفضيه .. إنه مارك جيكوبس .. و أنت يا جاكي حاولي أن تغيري موعد زفافك .. من أجل لورا "
فأجابت جاكي مبتسمة و مطمئنة
- " أعتقد بأن حفل الزفاف سيكون بعد عرض الأزياء .. اهدأ يا سام"
لكن لورا قالت بقلق ..
- " لكني لن أكون موجودة في ليلة العشاء يا جاكي فكيف ذلك و أنا صاحبة الشرف ؟!"
ربتت على كتفها و قالت
- " سنذهب جميعنا إلى عرض مارك جيكوبس .. نحن مدعوون أليس كذلك يا سام ؟ "
- " نعم بكل تأكيد "
- " جيد و بعد عرض الأزياء .. سنقيم حفل العشاء .. و سنذهب جميعنا معا .. "
ضمها سام بقوة .. و قبلها
- " ستكونين أجمل عروس يا جاكي ... "
- " يا محتال "
كان ينظر من نافذته إلى جبل هوليوود عندما اقترب منه ماريو ليقول له بأن الطائرة قد حطت .. ما أن نزل من الطائرة حتى لفحه الهواء البارد و شعر بأن الروح تعود له من جديد .. فتفكيره و إحساسه بأن لورا موجود على هذه الأرض يبعث في نفسه الدفء و السرور و البهجة ..
اتجه إلى قصره في إحدى ضواحي لوس انجلوس .. قال له ماريو بأنه يجب أن يقابل أصحاب العقد الذي أبرمه معهم في ألبا مساء اليوم ..
- " ليس اليوم يا ماريو ...أبلغهم باني متعب .. فلدي أمر أهم من ذلك "
- " ألن تذهب إلى الشركة يا سيدي؟ "
- " لا .. غدا .. ربما .. أو الذي بعده .. "
- " لكن .."
قاطعه باتريك قبل أن يضيف أي شيء و قال بصوت حاد ..
- " ماريو ألغي كل ارتباطي لهذا الأسبوع .. فلقد قلت لك لدي أمر أهم من العمل كما و إنني وصلت للتو .. بالله عليك يجب أن آخذ قسط من الراحة ... و أنت تعلم جيدا السبب الرئيسي لقدومي إلى لوس انجلوس .."
ثم دخل حجرته و أخذ الهاتف ليتصل بصديقه ( بن ) الذي يعمل صحفي لأحد المجلات المشهورة في الولايات المتحدة .. و ما أن أغلق باتريك الهاتف منه حتى وصل بن بعد دقائق قليلة .. و هو يحمل بيده مجلات و جرائد مختلفة..
- " مرحبا يا صديقي كيف حالك ؟"
- " بخير"
صافحه باتريك و دعاه للجلوس .. فمد الأخير المجلات له و هو يبتسم بخبث ..
- " هذا ما طلبته أليس كذلك ؟! "
- " نعم شكرا لك .."
أخذ مجلة (اكسبلوجر) التي يحتوي غلافها على صورة للورا بفساتن أبيض أسباني و هو الذي ارتدته لمهرجان دوس العنب .. فتح المجلة إلى الصفحات التي تتكلم عن لورا .. و كان العنوان ( لورا آغنر .. عشت قصة خيالية في ألبا )
و من بعدها عدة صور لها في القصر و في الشلال و هي ترقص بالقرب من باتريك .. لكن لم يظهر وجهه إلا جزء من ظهره .. و صورا عديدة أخرى آلمته و أبهجته في نفس الوقت ..
أغلق المجلة بسرعة و تركها مع المجلات جانبا و سأل بن و هو يحتسي فنجان القهوة ..
- " ماذا لديك لتقول لي يا بن ؟ "
- " لم أنت مهتم جدا بالآنسة آغنر ؟ "
- " ستعرف ذلك لاحقا .. لكن أخبرني الآن "
- " حسنا ..ما عرفته بأن لديها غدا عرض أزياء لمارك جيكوبس .."
تغيرت نبرة صوت بن و هو يضيف , مما جعل القلق يجتاح باتريك فيستحثه على النطق بنفاذ صبر فقال ..
- " و في اليوم الذي بعده سيقام حفل زفافها "
ترك باتريك قهوته و سأله بعصبية
- " ماذا ؟ زفافها ؟ هل أنت متأكد ؟! "
- " نعم .. إن الكل يتحدث عنها و عن زفافها .. فهي منذ أسابيع ترتاد دور الازياء المتعلقة بفساتين الأعراس .. و الجرائد تتكلم عنها .. اقرأ .. "
شعر باتريك بطعنة خيانة في قلبه .. إذا قد تكون لورا هي من كان يلعب لعبة و يحاول التقرب منه من أجل حصولها على الورث و كل شيء .. استقام واقفا بعصبية ... و أخذ يجول في أرجاء الحجرة ..أمام مرأى ماريو الذي دخل و سأل بن
- " ما به دون باتريك ؟ "
كان بن يشعر بالضيق من تصرف باتريك المفاجئ .. فأجاب ماريو
- " لقد أخبرته أن لورا آغنر ستتزوج بعد غد "
- " ماذا ؟!!"
علا صوت ماريو بسبب الصدمة,,
فالتفت باتريك ينظر إليهما بغضب .. و قال موجها الحديث إليهما
- " كيف أستطيع الحصول على بطاقة دخول لعرض مارك جيكوبس ؟! "
جلست في غرفة التبديل مع باقي عارضات الأزياء و هي تشعر بتوتر .. على الرغم من اعتيادها على عرض الأزياء أمام ملايين من الناس و آلات التصوير إلا أنها دائما ما تشعر بالرهبة و الخوف .. و هو أمر طبيعي لامرأة ناجحة مثلها ... وقفت لتطل من خلف الكواليس على الجالسين لعلها تلمح والديها أو أي أحد يطمأنها ..
تصلبت في مكانها عندما لمحت من بعيد شخصا طويل و عريض المنكبين يدخل و خلفه رجلين و يجلس بعيدا عن المسرح .. و بدا لها كأنها رأت باتريك !!
حاولت أن تدقق النظر أكثر .. لابد أنها قد جنت ..
دخل سام و هو ينظر إليها متوترة و متصلبة .. جذبها إلى الكنبة فقدم لها كأسا لتهدأ أعصابها قليلا
- " ما بك يا عزيزتي ؟! "
لم تنطق .. فمازالت تنظر ناحية المقاعد و تعيد في مخيلتها ذلك الشخص الذي يشبه باتريك كثيرا .. هزها سام بقوة فانتبهت له و نظرت إليه ..
- " لورا ؟؟ أنت بخير أليس كذلك ؟ "
أومأت إيجابا .. ثم فجأة نفت بهزة من رأسها ..
- " قولي لي يا لورا ما بك ؟! هل أزعجك أحد ؟ "
وقفت و مشت ناحية المسرح فتبعها مستغربا .. أشارت ناحية الرجل الجالس بعيدا و قالت
- " أنظر هناك "
نظر إلى حيث أشارت فقال
- " من عساه يكون ؟!"
- " باتريك "
دقق النظر .. ثم انفجر ضاحكا و جذبها للخلف مرة أخرى و هو يقول
- " إنه التوتر و الضغط يا عزيزتي يجعلك تتوهمين أشياء .. "
- " لا أنا متأكدة ..هذا باتريك .. سام أنظر .. "
نظر من أجلها مرة أخرى .. و هذه المرة لم يجد ذلك الرجل الذي كانت تشير إليه جالسا ..
- " لو كان ذلك الشخص الذي تشيرين إليه هو بالفعل باتريك لرأيت داني و ماريو معه .. أنظري .. لا يوجد أحد بالمقعد .. باتريك ليس هنا .. إنه في ألبا .. أسبانيا .."
أخذت نفسا عميقا .. فاحتست الكأس الذي أحضره لها باتريك دفعة واحدة .. وضع يده على كتفها و هو يقول بصوت حاني ..
- " اهدئي .. و ابتسمي .. سيكون كل شيء على ما يرام يا عزيزتي.."
أومأت له برأسها قبل أن يغادر حجرة التبديل و ما إن خرج حتى بدأت في ارتداء ثيابها و استعدت للدخول .. اهدئي يا لورا .. الذي لمحته شخصا يشبه باتريك .. هل أنا مشتاقة له لهذه الدرجة التي قمت أجسده أمامي في كل وقت ..
بدأ عرض الأزياء .. فدخلت العارضات قبل لورا .. و ها قد أتى دورها .. دخلت فأحدثت ضجة عارمة .. و كأن آلات التصوير قد جنت و هي تتوهج بفلاشات بيضاء و زرقاء.. صفق الجمهور بحرارة ..
عاد باتريك إلى مقعده في الصف الأخير و انتبه إلى أن سبب هذه الضجة هو دخول لورا المسرح.. لورا بفستان أرجواني و شعر أشقر مرفوع و جسد مثير ممشوق .. أخذ يحملق فيها .. لقد خطفت أنفاسه و هو يرى لورا على حقيقتها .. لورا الجميلة البهية الطلة .. لم يكن يعرف بأن لها معجبين لهذه الدرجة .. يذوبون مثله كلما خطت لورا أمامهم بثقة .. و كأنها تعرف بأنها تثيرهم و تغريهم أخذ يتمعن النظر فيها و في مشيتها على الرواق الأبيض الطويل ..
حاولت أن تنظر في وجوه الجالسين لكنها لم تستطع أن تلمح أي أحد بسبب فلاشات آلات التصوير و الضوء الأبيض الساطع المسلط عليها ..
همس بصوت خافت يسأل بن عندما رأى سام واقف أمام لورا يحيها و يحاول أن يبعث الهدوء إليها بابتسامته و من ثم تغمز له بعينيها بحركة شيطانية مما جعلت قلب باتريك يثور بالداخل و يشعر بحرارة غمزتها على بعد أمتار عنها ...
- " ألم تعرف ممن ستتزوج لورا غدا ؟ هل هو سام ؟ "
- " تقصد سام ديكاري .. مدير أعمالها الفرنسي ؟ "
- " نعم هذا هو "
و أشار ناحيته فانفجر بن ضاحكا .. و قال
- " إن سام ليس من النوع الذي يهتم بالفتيات الجميلات .. إن كنت تفهم ما أعني "
صدم باتريك لكنه مع ذلك ضحك على غباءه فلقد شعر بالغيرة منه لفترة طويلة ..
انتهى العرض بعد أن دخل مصمم الأزياء المشهور مارك جيكوبس ممسكا بيد لورا و كانت قد غيرت فستانها لترتدي فستان أسود قصير و منفوش في النهاية بطريقة غريبة و بوسطه حزام أبيض ذو نقشات ذهبية .. و كانت قد غيرت طريقة تصفيف شعرها ليكون مسدولا و لاول مرة يراها تضع مكياج ذو ألوان غامقة..
دخلا و قد أحدثا ضجة أخرى كبيرة .. و كان المصورين يتهاجمون على إلتقطات أكبر عدد من الصور لهذين النجمين ..
توقفا أمام آلات التصوير و الجمهور .. ثم انحنى المصمم يحي الجمهور الذين وقفوا مصفقين له لإبداعاته في تصميم الأزياء .. ثم تنحى جانبا و أشار على لورا و قال بصوت عال .. لكن بسبب الضوضاء لم يسمع من صوته شيئا ..
- " لورا آغنر "
فصفق الجمهور أكثر .. و من بينهم باتريك .. الذي لم يبعد عينيه عنها و لا ثانية .. حتى أنه لم يرمش خوفا من أن يفوته شيء من النظر إلى معذبته ..
و بعد ذلك العرض الرائع ذهبت لورا مع الأصدقاء و الأقارب إلى حفل عشاء الذي تقيمه جاكلين بمناسبة حفل زفافها في الغد ( عشاء تدريب) (ري هيرسال دينير ) .. و هناك تلقت لورا العديد من التهنيئات و المباركات على نجاحها اليوم و كيف أنها بدت ساحرة و مبهرة .. رقصت و استمتعت حتى وقت متأخر من الليل محاولة بذلك نسيان باتريك ..
قفزت من فراشها في الصباح .. فلقد تأخرت بالاستيقاظ بسبب تأخرها بالنوم أمس و كل ذلك أنها كانت تحلم أحلام مزعجة .. فلقد رأت باتريك يدخل إلى غرفة التبديل و يأخذها بين يديه قائلا لها بأنه يحبها و من ثم يقبلها ..
بسرعة استحمت و جذبت فستانها الذي سترتديه اليوم معها و اتجهت إلى منزل والديها حيث يقام الحفل هناك .. استقبلتها والدتها التي كانت مشغولة بإعطاء الأوامر للطباخين و النادلين.. و صاحب الزهور عندما دخلت لورا راكضة .. فصاحت عليها معاتبة
- " لورا لقد تأخرت يا عزيزتي .. هيا أسرعي فجاكلين ستصاب بنوبة جنون "
- " لم ؟ ما بها ؟ "
لكنها صعدت الدرج ركضا دون أن تسمع جواب والدتها ... دخلت الحجرة حيث جاكلين واقفة بملابسها الداخلية و هي تبكي
- " ماذا يجري يا جاكي ؟ هل كل شيء بخير ؟ "
- " لا .. لقد تمزق الفستان ..."
ثم أشارت ناحية التمزق .. عندما رأته لورا حبست ضحكتها فلقد اعتقدت لورا بأنه كبير جدا و الذي جعلها تعتقد ذلك هو منظر جاكي منهارة على شق بسيط في الفستان صعب رؤيته ..
- " اهدئي عزيزتي .. سوف أتصل بالخياطة التي تعمل بالأستوديو "
أخذت لورا الهاتف و قامت بالاتصال بالخياطة التي أجابتها على الفور ..
- " قالت بأنها ستصل خلال دقائق .. اهدئي .."
- " كيف أهدأ يا لورا كيف و لم تأتي مصممة الشعر بعد .. و .. "
قاطعتها .. و أجلستها على الكرسي
- " جاكلين .. أنظري إلي .. سأحضر لك فنجان قهوة .. فأعصابك مشدودة جدا .. و هذا شيء طبيعي .. لكن كل شيء سيكون على ما يرام .. لقد عانيت من لحظات محرجة في عروض الأزياء .. و كدت أصاب بالجنون مثلك .. و أصبت فعلا .. فقد كنت أتوهم شخص بالأمس .. "
نظرت إليها جاكلين و قد توقفت عن البكاء .. و هي تسألها
- " توهمت شخص ؟! من ؟! "
حاولت أن تطرد تلك الذكرى من مخيلها فقالت
- " لا عليك .. اهدئي الآن .. فاليوم هو يومك .. و لن يبدأ الحفل إلا بعد أن تكوني أنت مستعدة و جاهزة .."
مسحت دموعها و هي تبتسم لها عندها دخل سام .. و شهق بصوت عال عندما رأى الاثنتين غير مستعدتان ...و قال و كأنه الآمر الناهي هنا ..
- " ما هذا؟ .. "
ثم صفق بيديه
- " هيا يا لورا إلى حجرتك للاستعداد.. جاكي توقفي عن البكاء الذي سيجعل عيناك تنتفخان بشيء غير معقول بيوم عرسك .. و ستكون الصور بشعة و قبيحة .."
لم تستطع أن تكبح ضحكتها فضحكت لورا معها أيضا ..سألته و قد تمكن منها القلق من جديد ..
- " و براد .."
أردف قائلا مقاطعا إياها
- " براد يستعد بدوره و هو لا يستطيع الانتظار كي يتزوج بك يا عزيزتي .."
اقترب ليحضنها و يقبل عينيها المتورمتين ..
-" يا حلوتي .. أنا مسيطر على الوضع .. و السيدة آغنر تقوم بكل شيء .. سيكون الحفل ساحرا مثلما تمنيت .."
ثم جذب لورا و أخرجها و دفعها لحجرتها حتى تستعد ...
و ما هي إلا دقائق حتى حضرت الخياطة و مصممة الشعر و دخلتا حجرة جاكلين .. عندئذ اطمأنت لورا و دخلت حجرتها كي تستعد بدورها ..
أوقف سيارته خلف الشاحنة التي تقوم بإنزال المقاعد و الطاولات للحفل.. نظر إلى ماريو قائلا
- " انتظرني هنا "
بدا على ماريو التوتر .. فسأله
- " ماذا تنوي أن تفعل يا دون باتريك ؟ "
- " مجرد التحدث معها .. أريد أن استوضح منها بعض الأمور .. "
قالها مبتسما و هو يخرج من السيارة و يتجه ناحية منزل والدي لورا ..
دخل حيث كان الجميع مشغولون بالترتيبات و التحضيرات .. و كان يرتدي بذلة رسمية لكنه ترك سترته السوداء في السيارة و ظل بقميصه الأبيض المرفوع الأكمام و بنطاله الأسود .. التفت يمنا و شمالا عله يوقف أحد و يسأله أين ممكن أن يجد لورا .. لكن ...تسمر في مكانه عندما دفعت والدة لورا بصينية فيها أبريق قهوة و فناجين إليه و قالت آمرة ..
- " خذها إلى لورا .. هيا أسرع "
ثم ابتعدت لتعطي أوامرها إلى باقي العاملين ..
وقف مستغربا يرقب تلك المجنونة .. لكنه ابتسم عندما رأى بان أغلب العاملين يرتدون الأبيض و الأسود .. إذن لابد أنها اعتقدت أنه نادل يعمل هنا .. جيد .. فهذه فرصة له بأن يصعد إلى حجرة لورا و يتحدث معها ..
كانت جالسة على المزينة تضع لمسات الماكياج الأخيرة أمام المرآة.. عندما طرق الباب
- " تفضل .. "
دخل بهدوء و وقف ينظر إلى انعكاسها على المرآة كان شعرها الأشقر مرفوع و يبدو بأنها لم تسرحه بعد و كانت ترتدي روب حريري صيني التصق بجسدها الرشيق ..
سمعته يضع الصينية على المنضدة و قالت دون أن تكلف نفسها بالنظر إليه
- " شكرا لك .."
لكنه ظل واقفا بلا حراك يحملق فيها و هي تتزين .. حسد تلك المرآة التي تنظر إليها و تعجب كيف لتلك المرآة أن لا تذوب أمام سحر هذه الجميلة ..
وقفت و استدارت لتفتح روبها الحريري و ترتدي فستانها المعلق داخل الكيس الأبيض ..
توقف قلبها للحظة و بسرعة لفت روبها من جديد و شدت رباطه و عيناها مسمرتان على الواقف يرقبها من بعيد ..
هل هي في حلم ؟! ألم تستيقظ بعد ؟؟ أما أنها وصلت من الهلوسة لدرجة تخيل باتريك واقف أمامها مرة أخرى ..
اقترب منها و قال بصوت دفيء و كله شوق و حنين
- " مرحبا لورا "
من الصدمة ربط لسانها لكنها استطاعت أن تنطق باسمه
- " باتريك ... "
توقف أمامها و هو يتفحصها جيدا و قد ارتسمت على شفته ابتسامة لطالما أحبتها .. و قال
- " جئت استوضح أمر مغادرتك من ألبا دون سابق إنذار.. لم يا لورا ؟ "
دققت النظر فيه .. و في ملامحه .. إنه باتريك .. هذا هو .. هذا صوته الرجولي الذي ينتشلها في كل مرة يتحدث إليها .. لكنها قالت معاتبة
- " و لم الآن ؟..فلقد غادرت قبل شهران تقريبا "
- " لا أعرف .. كل ما أعرفه بأني فقدت الشعور بالوقت منذ مغادرتك القصر .. "
اقترب أكثر منها و قال بصوت منكسر و عينان تبرقان
- " أنا مشتاق لك يا لورا .. لكن يبدو .."
آه كم تحب أسمها عندما يخرج منه .. أشاحت عنه حتى لا يرى الدموع التي تجمعت في عينيها .. و هي تتذكر كلام داني و نانيرا ..
أومأ برأسه بألم و هو يقول
- " لقد فات الأوان و تأخرت كثيرا.. أليس كذلك ؟ .. أم أنه لم يحين بعد أو لم يكن موجودا أصلا ؟!"
لم تنظر إليه بل ساورها الشك فيما يقول .. و عندما لم تجبه أضاف قائلا بحسرة..
- " حسنا لورا .. أردت فقط أن أتمنى لك التو...."
توقف عن النطق عندما هبت جاكلين داخلة حجرة لورا بفستان ناصع البياض و طرحة من الدانتيل و قد بدت جميلة جدا و كأنها هي العروس ... بل إنها هي العروس يا غبي ؟!
- " ما رأ..ي..ك..... باتريك ؟!!!!"
شهقت و هي ترى باتريك واقفا ينظر إليهما بتعجب .. و كأنه قد رأى شبحا أمامه..
استدارت لورا .. فقالت لباتريك و هي تشير إلى جاكلين مع ابتسامة تحسر
- " جاكلين هي من سيتزوج اليوم يا باتريك .. و لست أنا "
إذن لقد فهمت ما كان يقصد عندما قال لها بأن الأوان قد فات .. ظل واقفا ينظر إليهما و يشعر بأن الحياة تدب فيه من جديد و يعود له الأمل .. فاقترب من لورا و أمسك بيدها
- " هذا يعني بأنك لست على علاقة بأحد ؟ "
هزت رأسها بالنفي .. فاسألها بصوت حزين و كأنه يلومها
- " لم غادرتي القصر إذا؟ "
أنزلت رأسها محاولة تفادي نظراته المخترقة إلى روحها
- " لأن هذا ما أردته أنت .. "
- " ماذا تقولين ؟! "
شيئا فشيئا انسحبت جاكلين خارج الغرفة و أغلقت الباب بهدوء .. رآها سام و كاد أن يتكلم لكنها قفزت و أقفلت فمه .. و أجبرته على السكوت .. وقف و سمع صوت باتريك .. ففتح عيناه باتساع و قرب أذنيه أكثر من الباب حتى يسمع ما يقولانه
- " نعم ..كنت تقترب مني يا باتريك حتى تكسب ودي و تلعب بعواطفي .. ثم تجعلني أتنازل عن الورث و كل حصتي منه لك .. سأفعل ذلك بكرامتي يا باتريك و إن أردت سأوقع على التنازل الآن ..."
لم يصدق باتريك الكلمات التي تخرج من فمها فهو أيضا أعتقد بأنها تفعل الشيء نفسه ..
ضغط على يدها لا شعوريا .. فقالت
- " أرجوك يا باتريك أتركني .."
لكنه لم يفعل بل وقف بكبرياء و شموخه كعادته قائلا
- " من قال لك هذا الكلام يا لورا ؟! "
إنه يعرف تماما من قال لها ذلك .. لكنه يريد أن يسمع ذلك منها .. قالت بعصبية و هي تجذب يده لتبتعد عنه و تستدير حتى لا يراها و تضعف أمامه ..
- " و هل هذا يهم ؟! "
تبعها و هو يعاتبها قائلا
- " نعم .. لا يعقل أن تفكري أنت بهذه الطريقة .. "
- " ماذا يعني هذا ؟ "
أجبرها على مواجهته و النظر في عينيه ..
- " لورا لقد قطعت كل هذه المسافة ليس لآخذ تنازل منك عن الورث ..لو كنت أريده لكنت رفعت عليك دعوة أو قاضيتك .. "
لم تضف شيئا بل سكتت فهو محق ..
التصق بها أكثر و لمس وجنتها بأنامله فقال بصوت مثير
- " أنا لا أريد الورث يا لورا .. بل أريدك أنت "
عضت على شفتيها و هي تسمعه يقول هذه الكلمات .. يريدني أنا ؟!!
- " نعم يا لورا .. فلقد أحببتك منذ أن رأيتك ذلك اليوم في المطار .. و قبل أن تغادري وقعت في غرامك .. "
كانت تنظر إلى بريق عينيه .. إنه صادق فيما يقول ..
أرادت أن تتكلم أن تقول له بأنها هائمة به .. لكن صوت والدتها قطع عليهما لحظتهما ..
- " لورا ... جاكلين .. لقد حضر القس .. ماذا الآن هل نلغي حفل الزفاف أم ستنزلان حالا ؟! "
فجأة ابتسم الاثنان لهذه اللحظة المحرجة .. وضعت يدها على فمها ضاحكة .. إن الموقف موتر حقا .. كيف تجيب شخصا ألقى عليها قنبلة الحب .. و هي انفجرت ؟!!
عندها دخل سام و ألقى تحية على باتريك .. الذي أومأ له برأسه .. و جذب لورا و هو يقول
- " سنسرق هذه الحلوة منك الآن يا حضرة الدوق فاعذرنا "
أومأ مبتسما و هو يراها تجذب فستانها المعلق و تقول له و هي خارجة
- " أتمنى أن تبقى في الحفل يا باتريك "
- " حسنا .."
لكنها عادت مرة أخرى و هو يهم بالخروج من حجرتها فتوقف .. و ابتسم لها .. عضت على شفتيها و قالت بإحراج
- " أخبرني بأن الذي رأيته في عرض الأزياء أمس هو أنت .."
- " نعم هذا صحيح .."
أخرجت صيحة من فمها و هي تضرب سام على ظهره و تقول لها و هو يجذبها بعيدا
- " أرأيت .. لقد أخبرتك .. لم أكن أتوهم ... "
خرج من حجرتها و اتجه إلى سيارته ليرتدي سترته و ربطة عنقه حتى يكون زيه لائقا بحفل زفاف و من ثم جلس مع ماريو في إحدى الطاولات عندما دخلت جاكلين تتأبط ذراع والدها .. فوقف لها الحضور .. حتى خطت آخرة خطوة لها أمام الكاهن ممسكة بيد زوج المستقبل .. و دخلت خلفها لورا بفستان أزرق طويل و شعر أشقر متناثر على كتفيها تتأبط ذراع سام ..بدت كملاك يسير .. خطفت الألباب و العقول .. بالأخص باتريك الذي لم يبعد نظره عنها .. ابتسمت له و قد تورد خداها و هي تشعر بحرارة نظرات باتريك تخترق قلبها ..
بعد الانتهاء من تبادل النذور أعلن القس إنهما أصبحا زوج و زوجة .. فقبل براد زوجته .. بينما كان باتريك يتبادل النظرات مع لورا .. و كأن هذه النظرات تعني شيئا خفيا و مثيرا ...
بعد تبادل النذور اتجه الحضور إلى طاولات الطعام للرقص و الشرب و الاحتفال بزواج جاكلين و براد .. و حان وقت شرب نخبهما عندما ضرب سام على الكأس بسكينة أخذها من الطاولة أمامه .. فأنصت له الجميع
- " لورا .. أتمنى أن تصعدي إلى المنصة يا عزيزتي .. "
شعرت لورا بالإحراج و هي تصعد المنصة و تأخذ الميكرفون من سام الذي همس شيئا في أذنها فابتسمت له و هي ترفع كأسها
- " مرحبا ... أنا لورا آغنر .."
فضحك الجميع .. بالطبع هي لورا آغنر .. لا شعوريا نظرت ناحية باتريك المبتسم و قالت و قلبها يتخبط ..
- " حسنا .. غنها بالفعل لحظة محرجة .. آسفة يا جاكي لم أجهز ما سأقوله في نخبك .. فأنت تعرفين .. لقد انشغلنا بالتحضيرات .. لكن .. سألقي نخبا و لو لم أقل شيئا .. فأنت جاكي .. صديقتي و أختي الحبيبية .. لقد عرفت جاكي منذ أن كنا أطفال صغار .. و حلمنا بهذا اليوم .. و لقد صدقت جاكي عندما قالت لي بأنها ستتزوج قبلي .. أتعرفون ماذا فعلت وقتها ؟!! "
أجابها سام ضاحكا
- " لا .. أخبرينا فإنها تبدو قصة مشوقة "
قهقهت و أجابته
- " آسفة لتخيب ظنك يا سام .. بل أني لم أفعل شيئا .."
فانفجر الجميع ضاحكا ... و أردفت قائلة
- " لنشرب نخب جاكلين و براد .. أحبكما "
رفع الجميع كأسهم و شرفوا منه قليلا .. ثم أخذ سام الميكرفون و قال ..
- " حسنا حسنا .. لدينا ضيف هنا .. "
التفت الجميع حولهم يبحثون عن هذا الضيف ..فشعر باتريك بالإحراج .. أشار سام ناحيته و هو يعرفه
- " إنه دون باتريك آلفاريز دي تيلدو .. دوق ألبا .. "
عضت والدة لورا على شفتيها خجلة .. فلقد جعلت الدوق يحمل بصينية القهوة للورا دون أن تعرف إنه ضيف و دوقا ...قالت له من بعيد .. أنا آسفة .. أومأ لها مبتسما .. و أشار بيده إن لا تعتلي هما .. لو أنها تعرف الخدمة التي أدتها له .. لما تأسفت ..
- " أتود أن تقول شيئا يا دون باتريك ؟ تلقي نخبا مثلا للعروسين ؟! "
حثته لورا بنظرتها بأن يفعل ..
فاستقام باتريك واقفا و رفع كأسه .. و كان ينظر ناحية لورا .. أخذ سام الميكرفون له لكنه قال بصوت عال
- " لن أحتاج إلى الميكرفون .. شكرا لك سام .. "
ثم استدار ناحية العروسين و قال
- " لقد عرفت جاكلين لأيام قليلة عندما كانت ضيفة ضيفتي .. "
ثم نظر إلى لورا مرة أخرى و هي تضع يدها على قلبها ..
ثم التفت لبراد و جاكي المبتسمين
- " و لكني يا جاكلين .. آسف .. لن أشرب نخبك ..ليس الآن على الأقل.. لأن لدي شيء آخر أود قوله "
و نظر مرة أخرى ناحية لورا التي جلست تترقب كلامه بنفاذ صبر .. فقال بعد أن جعل الجميع متشوقين لسماع الشيء الذي يود أن يقوله .. ابتسم لها بطريقة مثيرة و قال بكل ثقة ..
- " بل سأشرب نخب لورا إن وافقت على الزواج بي .."
صاح الحضور و بدئوا يتحدثون بصوت عالي مدهشين و فرحين .. لقد أحدث كلام باتريك ضجة عارمة .. كانت لورا تنظر إليه و هي غير مصدقة ..
لكنها بدأت تصدقه عندما أقترب باتريك من مقعدها و أخرج من جيب سترته علبة مخملية سوداء تحوي خاتم ماسيا رائعا .. و أثريا ..
وضعت يدها على قلبها حتى لا يطير فرحا .. عندما جلس باتريك على الأرض و أمسك بيدها طبع قبلة صغيرة ثم قال
- " لورا .. هل تقبلين الزواج بي ؟! "
أومأت برأسها ... موافقة .. بالطبع أقبل ..
و دون وعي منها تناثرت الدموع من عينيها عندما وضع الخاتم في إصبعها و بعد ذلك حملها من مقعدها فقبلها قبلة طويلة أمام مرأى الجميع الذين كانوا يصفقون فرحا لهذا المشهد المسرحي الرائع ..
التفت سام ناحية المصور الذي يحمل كاميرا الفيديو و قال يسأله
- " هل التقطت المشهد من بدايته ؟! "
- تــــمــــت -
تجميع ورد الجوري
منتدى غرام