الفصل الثالث

7 0 00

الفصل الثالث

في البداية اعتقد جابر أن الشخص الذي رُشح ليكون ركيزة الرحلة القادمة صعب الوجود، إن لم يكن إيجاد مثله مستحيلاً.. لكن سرعان ما حدث خلاف ذلك!!

فبعد خروجه ذلك الصباح من عند الوالي لم يفكر جابر غير قليل حتى انقدح في ذهنه أن يستنجد بصديقه القديم.. صديق الطفولة.. المغولي الصغير.. الذي ربما أصبح كبيراً الآن!

عبد القيوم حسنة المغولي..

إن عهده بعبد القيوم قديم.. آخر لقاء لهما كان قبل خمسة عشر عاماً.. تاريخ غابر لا يدري أي شيء استجد فيه.. ولا ماذا صنع الزمان فيه بذلك الصبي الحيوي النحيل!

قدم والد عبد القيوم إلى بغداد بعدما خالط المغولُ الشعوبَ الإسلامية في الشرق.. فاجتذبه الإسلام، ولم يطل به التردد حتى رأى في الدين المحمدي وشريعته وتعاليمه منجاة له من تخرصات الوثنية المغولية وخرافاتها والتي لم يقتنع بها أبداً عندما كان من أتباعها!

وآثر أن يترك قومه وبني عشيرته من التتار، وما هم فيه من الشرك والطغيان.. واستقر في بغداد، وتسمى باسم "حسنة المغولي" وعمل حطاباً.. وتعلم كيف يتكلم العربية.. وكان حريصاً على تعلم الفقه وقراءة القرآن.. وأصبح الناس يحترمونه ويدعونه "الشيخ حسنة" وقد قدمت بصحبته من بلاد المغول زوجته التي أسلمت مثله ووالداه اللذان أَسْمَاهُمَا عبد القيوم ومحمد وبنته عائشة.. وكان مهتماً بتعليم صبيانه فضائل الإسلام وإنباتهم على محاسنه.

وقدَّر جابر أن عبد القيوم إن لم يحد عن تعاليم والده ولم يخرج عن سبيله الذي كان يسير عليه فإنه هو الشخص المطلوب..

وتفاءل كثيراً أن عبد القيوم سيكون كذلك وسيضم إلى ذلك شجاعة ورغبة في السفر.. ثم طفق يتخيل كيف سيكون شكله بناء على ما يذكره من ملامحه عندما كان صبياً.

وبدأ البحث عن عبد القيوم.. بأن تساءل.. أين يمكن أن يكون الآن وعلى أي حال؟ وكان أول شيء فعله أن ذهب إلى أحياء بغداد القديمة.. واتجه إلى درب الحطابين حيث نشأ هو هناك ردحاً من الزمن برفقة والده الذي كان يخدم في الجيش العباسي وكان مولى من موالي القائد أبي الحسين بن يونس.

وهناك عانقته الذكريات.. وانداحت في خاطره ذكرى تلك الأيام البريئة التي عاشها في هذه الأمكنة الضيقة قبل أن يرتفع ذكره ويخالط أصحاب الشان.

وقف عند بيت جارهم السابق "حسنة المغولي" الحطاب.. هنا بالتحديد كان آخر لقاء له مع ابن جارهم السابق عبد القيوم.. وهنا أمام هذا البيت توادعا بشكل بسيط بريء قبل أن يذهب مع والده وأسرته ليشب في قصر أبي الحسين ابن يونس!

طرق باب البيت الذي توقف عنده.. ثم فتح له الباب شخص مسن لم يعرفه، وسأله جابر بعد التحية:

- أليس هذا هو بيت الشيخ حسنة المغولي الحطاب؟

أجابَ الرّجل:

- لا يا بُني! لقد ترك هذا البيت منذ زمنٍ بعيد وسكنت فيه أنا..

- وأين ذهب يا عمّاه؟

- لقد قيل لي إنه انتقل إلى بستانٍ استأجره.

- وأين هذا البستان؟

- قريبٌ من "بطحاء النّهر".

- هل تعرف اسم مالك ذلك البستان؟

- إنه بستان ابن حذيفة أحد تجّار تلك الناحية.. هكذا قيل لي.

أحس جابر بخيبةٍ طفيفة.. لكنه ركب فرسه وانطلق إلى "بطحاء النهر" جنوب بغداد.. آملًا أن يلتقي بعبد القيّوم أو يجد خبرًا يقود إليه.

كان سيره حثيثًا لم يتوقّف خلاله إلّا ليتناول غداءه في إحدى الحانات التي على الطّريق.. وبعد أن استراح قليلًا واصل طريقه ليصل إلى بطحاء النهر منتصف العصر.. وما إنْ وصل حتى طفق يسأل عن بستان ابن حذيفة.. ولم يمكث طويلًا حتّى وقف على بابه..

وكانت خيبته هذه المرّة أكبر!

كان البستان مهملًا منذ مدة طويلة وقد انهدم سياجه.. واستعمرته الأشواك والحشائش.. وتهدّلت أغصان أشجاره واكتسا جريد النّخيل فيه لون الصّفرة الباهتة.. وكانت بضع بقرات تجول فيه بحريّة!

وقف على حصانه واجمًا.. أهذا ما كان يرجو بعد سيره المتواصل!!

وقدّر في نفسه أنّ ابن حذيفة الثّريّ في غنى عن العناية ببستانٍ كهذا.. لكن أين

حسنة المغولي وولده عبد القيّوم.. وبقيّة أسرته!؟

تجوّل في جنبات البستان المهجور قليلًا ثمّ خرج.. وعند الباب صادفه شاب يافع يركب بغلًا عليه سرج ثمين.. وكان مشدود الجسد، صغير العينين، بالغ النّظافة، عليه شارات الرّخاء. وعند رؤية الشّاب له شدَّ عنان بغله وتوقّف.. وألقى جابر عليه السّلام فسأله الشّابُّ بصلف:

- عمّ تبحث هنا؟

ردّ جابر بسؤال:

- أبحث عن تاجر من أهل هذه الناحية يدعى ابن حذيفة؟

- وماذا تريد منه؟

- أريده لأمرٍ يخصّني.. هل تستطيع أن تدلّني عليه بأيّ ثمن؟

- ربّما أدلّك عليه بلا ثمن إذا قلت لي من أنت، وماذا تريد به!

بدأ جابر يتضايق من الشّاب فقال في حدّةٍ تشابهُ صَلفَه:

- يا هذا، دلّني على بيته أو انصرف!

قال الشّاب بمثل حدّته:

- لقد رأيتك تجول في البستان بلا إذن.. وتدوس الحشائش بحوافر حصانك!

- أتخشى على هذه الحشائش من حوافر حصاني وتغفل عن هذه الأبقار التي تعيث فيه فسادًا؟!

- أهل البستان أحرارٌ في أن يُدخلوا إليه بقرًا أو بشرًا!

لم يكن عند جابر وقت ليضيّعه.. لذا لكز جنب حصانه منصرفًا ولم يكد يبتعد حتى ناداه الشاب وهو يحاذيه:

- تعال.. انتظر.. لماذا تنصرف وأنا لم أنتهِ بعد من كلامي؟

- أنتَ فتىً غير مفيد.. والكلام معك سيفضي بنا إلى الشّجار!

- أين ستذهب؟

- لا شأن لك!

- توقّف.. سأخبرك عن ابن حذيفة.

توقّف جابر عندما برق له الأمل في الإفادة من هذا الشاب المشاكس وقال:

- ماذا تريد أن تقول؟

- ألن تخبرني عن حاجتك بابن حذيفة؟

- لا..

- إذًا فاذهب واسأل عنه!

مدّ جابر يده وسحب سوطه ولوّحَ به في وجهه وهو يقول:

- إذا لم تنصرف حالًا سأذيقك طَعمَ هذا!

فقال الفتى هادئًا:

- أنتَ تغضبُ بسرعة!

واصل جابر مسيرَهُ فجعل الشاب يسير محاذيًا له.. وبعد أن اطمأنَّ إلى أنّ جابر هدأ قليلًا قال:

- امضِ في اتّجاهكَ هذا حتّى يقابلك حائط.. وإذا انتهى الحائط ستجد بيتَ أبي أمامك.

- أبوك؟!

- نعم.. أنا صالح بن حذيفة.. ولدُه.

- لماذا لم تقل لي ذلك قبلًا؟

- الحكمة تقتضي أن أعرف مَن أنت وماذا تريد من والدي.

توقّف جابر وسأل صالحًا على الفور:

- أريد أن أسألك عن رجلٍ مغوليّ استأجر بستانكم؟

- أيّ البساتين تقصد؟

- البستان الذي كنّا عنده.. هل عندكم بستانٌ غيرُه؟

- لا.. هذا بستاننا الوحيد.

لم يرد جابر بشيء فمن الواضح أنّ الشّاب يسعى لإغاظته ومشاكسته وتابع الشّاب:

- إذًا تريد أن تسأل عن المغولي حسنة؟

- نعم، هل هو هنا؟

- لا.. أقام هنا مدّةً ثمّ رحل بأولاده.

- إلى أين؟

- لا أدري.

- متى؟

- قبل ثلاث سنوات.

- يا للخيبة!

قالها جابر بأسى ممّا دفع "صالح" أن يسأل سؤاله المضجر:

- لماذا تبحث عنه؟

- أنا أريده وكفى!

- من أين جئتَ يا رجل؟

- من بغداد.

- إذًا ستحلّ ضيفًا عندنا.

وتساءل جابر هل يمكن أن يكون هذا الفتى المضجر مضيافًا؟! وتابع "صالح" دعوته:

- لقد أقبل الليل ولا خان هنا.. ليس لك إلّا الرّحيل في الصباح.

- سأنام في المسجد.. وأرحل غدًا.

قال الشابُّ ضاحكًا ومسالمًاً:

- المسجد قريبٌ من المستنقع.. وهناك بعوض أصغر من حصانك قليلًا.. ولن يدعك تنام بسهولة.. تعال عندنا فالبيتُ واسع ووالدي لا يغلق بابه دون أيّ ضيف فهو قد أصبح موئلًا للأضياف وعابري السبيل.

فقال جابر ساخرًا:

- وهل ستبيت أنت في ذلك البيت؟

- وهل تريدني أن أبيت في الطريق؟! سأنام بعيدًا عنك ولن أؤذيك.. كنت أسعى فقط لأكتشف مَن أنت؛ فالحكمة تقتضي ذلك.. ثمّ إنّك لن تعدم الفائدة فأبي ربّما أخبرك عن حسنة المغوليّ وأسرته بشيءٍ يدلّكَ على مكانهم.

ابتهج جابر ثانيةً وقرّر أن يمضي مع الشّابِّ الغريبِ الأطوار الذي تنازلَ عن مشاكساتِه واستفزازه واستحالَ مضيافًا يُطلقُ عبارات التّرحيب بسخاء!

مضى برفقته في شيءٍ من الفأل وسأله أثناء الطّريق:

- مَن كان يقيم مع الشّيخ "حسنة" عندما جاء ليكتري بستانكم؟

- كانت زوجته معه بالإضافة إلى ولده الوحيد "عبد القيّوم".

- هل رأيتَ عبد القيّوم؟

- نعم، لماذا تسأل بلهفة؟!

- كان صديقًا لي.. لكن أليسَ للشيخ "حسنة" غير ولده.. ألم يكن هناك ولدٌ أكبر من عبد القيّوم وبنتٌ اسمها عائشة؟

- لم أرَ إلّا عبد القيّوم.

- كيف هو عبد القيّوم؟ حدّثني عنه.

- إنّه شابٌّ صاحبُ جدٍّ وعمل.. كما أنّه كان قويًّا.. لقد رأيته ذات مرّة وقد انكسرت فأسه يستخدم يديه لتكسير الحطب!

- وماذا بعد؟

- كان شديد البرِّ بوالده وأمّه.

- وكيف هو في أمور الدّين؟

- إنّه صاحب استقامة.. لم يكن لديه وقتٌ للفساد.. فهو يراوح ساعاته بين عمله مع والده في البستان وبين الجلوس في المسجد للصلاة والقرآن.

- هذا أهم ما أريد.. وماذا بعد؟

- الحقّ أنّي لا أعرفه جيّدًا.. إلّا أنّه شابٌّ موفّقٌ وحازم.

بان السّرور في وجه "جابر" ولم يسأل "صالح" عن شيءٍ آخر.. لقد اقترب الرّجل المستحيل الوجود من أن يكون حقيقة!

وأشار "صالح" إلى دارٍ واسعةٍ وهو يقول:

- هذه دارُ أبي.. مرحبًا بكَ يا بغداديّ.

نزل جابر وصالح وربط جابر حصانه فيما ابتدر بغل صالح خادم تناول عنانه وانصرف به في حفاوة بالغة.

وفي الدار التقى جابر مضيفه ابن حذيفة.. وكان الأخير بشوشًا. وبعد حديثٍ قصير قال جابر:

- أنا أبحث عن حسنة المغوليّ الذي استأجر بستانكم.. وقد أخبرني صالح أنه رحل من بطحاء النهر.. فهل لي أن أعرف إلى أيّ مكانٍ انتقل؟

مسك الشيخ لحيته وقال:

- لقد استأجروا بستاني ثمّ رحلوا إلى أرض العالية حيث لم الشّيخ حسنة طين البستان.

- وأين أرض العالية؟

- مسيرة يومين من بلدتنا هذه.. لكن ماذا تريد منها؟

أريد مقابلة عبد القيّوم أحد أولاد حسنة المغوليّ.. والسّلام عليه وعلى والده.. إنّهم جيرانٌ لنا منذ زمنٍ بعيد.

قال الكهل في شيءٍ من الوجوم:

- لن تجد هناك أحدًا.. فقد توفّي الشّيخ حسنة ورحلت زوجته وابنها عبد القيّوم إلى بغداد.

- هل توفّيَ الشّيخ حسنة حقًّا؟!

- نعم.. كنت أظنّك تعلم ذلك!

- لا.. لم أعلم بوفاته إلّا السّاعة.. رحمه الله!

- لقد آسفني موته فقد كان شيخًا صالحًا ذا تقى.

- وأين ذهبت أسرته؟

- رجعوا إلى بغداد مرّةً ثانية.

- قد أخبرتني بذلك.. لكنّي أسأل في أيِّ موضعٍ من بغداد؟

- لستُ أعرف بغدادَ جيّدًا يا بُنيّ.. لكنِ الفتى عبد القيّوم قال لي وقد زارني مرّةً ليفي بما كان لي على والده.. إنّهم يسكنون في دربِ الميزاب في الشّرق من بغداد.

قفز جابر من مجلسه والشّيخ يستبقيه لكنه قال بلهجةٍ يكدّرها خبر الوفاة:

- الشّكر لله يا عمّاه ثمّ لك فقد أفدتني كثيرًا..

فقال الشّيخ:

- هل سترحلُ في هذا الليل؟!

- لا بدّ أن أبيتَ الليلةَ في بغداد.. أنا على عجلةٍ من أمري.

- نحن لم نعرف اسمك يا بُنيّ ومَن تكون؟

- اسمي جابر الحبشيّ.. وأنا من رجال الوالي ببغداد.. أبي الحسن بن يونس.

هزَّ ابن حذيفة رأسَهُ مستغربًا ثمّ قال:

- ليتني أعرف ماذا يحدث! ولماذا الاهتمام بالشّيخ المغوليّ وابنه عبد القيّوم.. لقد جاءني قبل يومين شابٌّ مثلك يسأل عن عبد القيّوم ويقول إنّ له صلة بالوالي!

دهش جابر، واتّسعت حدقتاه، ثمّ هدأ وزوى ما بين عينيه قائلًا:

- ألم يذكر اسمه؟

- بلى، قال إنّ اسمَه يوسف بن محمّد.. وكان مثلك؛ على عجلة من أمره!

بَدَت الحيرة المشوبة بالغيظ في وجه جابر عند سماعه اسم يوسف بن محمّد، لكنّه شكر الشّيخ شكرًا بالغًا وودّعه في عجلة أثارت المزيد من دهشته! ثمّ ركب حصانه وقد اعتزم ألّا يبيت إلّا ببغداد.. ولكنه لم يكد يتوارى خلف قصر ابن حذيفة حتّى ناداه مِن خلفه صوتُ أحد الخدم قائلًا:

- انتظر.. إنّ سيّدي ابن حذيفة يريدك!

ورجع جابر إلى حيث كان الشّيخ واقفًا ومن خلفه ابنه "صالح" راكبًا حصانًا أحمَرَ عليه بعض العتاد.. وابتدرَ الشّيخ الكلام قائلًا:

- أريد منك يا بني أنْ تسمح لابني هذا أنْ يرافقكَ إلى بغداد..

فقال جابر:

- ذلكَ لن ينقصني شيئًا.. ولا مانع لديّ أنْ يصاحبني إلى بغداد على ألّا يتأخّر في تجهيزِ نفسِه.

وهتفَ صالح على الفور وبجذل:

- أنا جاهزٌ للرّحيل.

وودّع صالح والدَه وانطلقَ بصحبةِ جابر يسيران بشيءٍ من العجلة.. وجابر يتمنّى ألّا يزعجَهُ هذا الفتى المتقلِّب. وقد لاحظَ أنّه كان يعطي والدَهُ المواثيقَ المؤكّدَة ألّا يضرَّ بنفسِه وأنْ يعودَ سريعًا!

وأمعَنَا في السّير وجابر سارِحٌ يفكّر في يوسف كيفَ يعرفُ عبد القيّوم؟! وماذا يريد منه؟! وهل يبحث عنه لذات الغرض الذي يبحث هو عنه من أجله؟ وهل سبقه واتّصل به وعرض عليه رحلة قانين؟

لقد بدأ يوسف "العمل" بشكل سريع.. وبدأت حمّى المنافسة تشتعل بينهما قبل بدء الذّهاب! وأخشى ما يخشاه جابر أن يكون يوسف عقبة في طريقه في مستقبل هذه الرّحلة الخطيرة.. مع أنّ الوالي ابن يونس أكّد له أنّ يوسف سيكون تحت إمرتِه ولن يخالفه حتّى يرجعوا.. إنْ كُتبَ لهم الرّجوع!

وحتّى يهرب من هذا الخاطر المزعج التفت جابر إلى مرافقه وقال:

- هل تعرف أحدًا في بغداد؟

أجاب صالح:

- لا.

- هل تقصد بغداد لتتجوّلَ في أسواقها؟

- لا.. مع أنّ هذا هو ما تعلّلت به عند والدي.. وحصلت منه على شهرٍ أمضيه هناك.. شهرٍ كامل!

- إذًا لماذا تذهب إلى بغداد؟

- أريد أن أرى البلاد والعباد، فأبي يُشفق عليَّ من شعاع الشّمس ونسمةِ الهواء.. ويغدق عليّ المال لكنه لا يريدني أن أذهب بعيدًا عنه.. كأنّني ما زلتُ طفلًا صغيرًا!

ضحك جابر من حيلة صالح وسأل:

- لماذا يصنعُ بكَ هكذا؟ أليسَ الأوْلَى أنْ يدعكَ تنشأ رجلًا متدرّبًا على المخاطر وكافّةِ الظّروف؟

- إنه يفعل ذلك بدافع محبته لي.. ولقد تمنّيت أنْ أطوفَ الدّنيا وأذهبَ للغزو وأحارب كالرّجال.. لكنّ أبي لا يلتفت إلى أحلامي هذه!

- ربّما تكون ولدَه الوحيد إذًا!

- لا.. لي خمسةُ إخوة.

- هو ذاك.. أنا الأصغرُ فيهم، وقد توفيتَ والدتي وأنا صبيّ فأصبحتُ موضعَ حنانِ أبي وشفقتِه.. لكنّه استمرّ على هذا الحنان المُملّ إلى يومنا هذا مع أنّي تجاوزتُ الثّامنة عشرة من عمري.

- عندما تتقدّم في العمر سيعجب بك والدك أكثر فاحرِص على برّهِ ولو أضجرتكَ عنايتُهُ الزّائدةُ بك.. فهو لا ينشدُ إلّا منفعتَك، أنا أكرهُ التّربيةَ القائمة على العناية المبالغ فيها؛ إنّها لا تنتج إلّا نشًأ رخوًا.. لكن برّ الأبوين أمرٌ لازم.

- هذا عينُ الحكمة يا جابر الحبشيّ.. إذا تزوّجتُ ورزقني اللهُ فتيانًا سأقذفُ بهم في خشنِ الأعمال وأنبتهم نباتًا يجعلُهم قادرين على تقبّلِ الأحمال الثّقيلة.. وها أنتَ تراني أفرُّ من كنفِ الدّلال لأبحثَ عن غيره!

- لقد كانت تلكَ سيرةُ أبي معي.. فكثيرًا ما كانَ يصحبُني معهُ في أسفارِه عندما يكونُ برفقةِ القائدِ ابن يونس وقد حملتُ السّيفَ وأنا أصغرُ منكَ بعامين.

- سأعتمدُ على نفسي.. وأزجُّ بها في الشّدائد إذا أمنتُ الضّررَ على نفسي أو منّي.. وأمنتُ أنّي أفيدُ وأستفيد.

- تقصدُ أنّكَ ذاهبُ للبحثِ عن المغامرةِ والمخاطرَة؟

- قريبٌ من ذلك..

وبعدَ صمتٍ قصير أضافَ صالح:

- إذا وصلنا بغداد.. هل تُسدِي إليَّ معروفًا وتطوفُ بي في نواحيها بما أنّكَ من أهلها؟

- سأفعلُ.. وستنامُ عندي هذه الليلة وفي الصّباح نذهبُ إلى حيثُ تريد.

دخل جابر ورفيقه بغداد من جهةٍ تزدحمُ بالبساتين.. وكانَ الظّلامُ دامسًا.. زادَهُ قتامةً تقارُبُ الأشجارِ والنّخيل.. وسارا في ممرٍّ ضيّقٍ لا يكفي لمرورِ حصانين معًا.. وكان جابر في المقدّمة يتبعه صالح الذي قال وهو يشدّ عنان حصانه:

- لقد سقطَ بعضُ متاعي.. تقدَّم؛ سألحقُ بك.

ونزلَ عن حصانه ملتقطًا متاعَه، وعندما ركب الحصانَ ثانية سمع صوتًا ينبعث من الظُّلْمَة في الجهةِ الذي ذهبَ جابرُ فيها.. كان ذلك الصّوت يأمر جابرًا في خشونة أنْ ينزلَ عن حصانِه.. وينهرهُ بشكلٍ أكّد لصالح أنّهُ عدوٌّ أو لصّ.

وبهدوءٍ بالغ ربطَ صالح حصانَه في غصنِ شجرة وتسلّقَ جدارَ البستان المجاور وتوغّل فيه حتّى وصلَ إلى حيث الصّوت.. كانا رجلين لا واحدًا فتسلّلَ حتّى أصبحَ خلفَهما مباشَرَة.. كان الرّجلان ملثّمَين، وكانا يقفان متباعدين وقد سلّا سيوفَهما وحاصرَا جابرًا الذي نزلَ عن حصانِه..

بدأ قلبُ صالح يخفقُ بشدّة.. ولمْ تخلُ أطرافُهُ من رعشَة.. وشعرَ وهو الباحثُ عن المغامرة أنّ هذا امتحانٌ مفاجئٌ للشّجاعة التي يعتقدُها في نفسِه.. لذا شرعَ يفكّرُ في طريقةٍ يهاجمُ بها الرّجلين ويُنقذُ صاحبَه.

بعدما نزلَ جابر عن حصانِه سألهما:

- ماذا تريدان؟

ردّ الأوّل الذي كان ينهره بخشونة:

- اقترِب وهاتِ ما معك.

فقال جابر:

- أنا لا أهابُكما.. ولنْ أعطيكما شيئًا.

تلفّتَ الرّجلُ يبحثُ عنِ الشّخص الذي كان برفقةِ جابر فلمّا لم يشاهده..

هدّدَ جابرًا منتهرًا:

- ألقِ سيفَك وإلّا استعملتُ سيفي.

لمّا رأى جابر ألّا حيلةَ له ألقى سيفَه.. وهو يتساءل أينَ صالح ويأمل أنْ يكون بعيدًا حتّى لا يتعرّض للخطر.. وأدخل في يدِه في جيبِه وقذفَ بما معه من المال على الأرض لكن الرّجل لم يتقدّم لأخذ المال.. بل قال:

- هاتِ كلّ ما معك من أشياء!

هتفَ جابر بحنق:

- إنْ كنتَ تريدُ المال فهذا هو المال.. خذه قبّحكَ الله!

عند ذلك دنا منه الرّجلان وفيما أمسكَ أحدُهما بيديه خلفَ ظهرِه.. دسَّ الآخرُ يدَهُ في ثيابِه باحثًا فلم يجد شيئًا، فنظرَ إلى صاحبِهِ نظرةً قلِقة فاتّضحَ لجابر أنّهما يبحثان عن شيءٍ غير المال. واتّجَه الرّجلُ إلى الحصان وجعلَ يبحثُ في سرجه.. حتّى استخرجَ منه الرّقعةَ التي رسمَها المنذر بن سعد قبل رحيلِه.. فلمعت البهجةُ في عينيه عندما فتحها وتأكّدَ من أنّ الرّسومَ بداخلِها.. لكنّه لم يهنأ بتلكَ البهجة! فقبلَ أن يصيحَ بصاحِبِه الذي يقبضُ على جابر آمرًا لهُ بالهروب.. انقضَّ عليه صالح من الظّلام انقضاضًا وضعَ فيه كلّ ما يملك من اندفاعٍ وقوّة.. وارتعبَ الرّجلُ قبلَ أنْ يسدّد إليه صالح عدّةَ لكمات بقبضته الصّلبة غير الخشنة!

وعندما رأى جابر ذلك أطاحَ بخصمِهِ هو الآخر.. وجعلَ الرّجال يتعاركون وسط الظّلام.. لكن اللصوص كانوا ضخام الأجسام.. واستطاع جابر أنْ يضرب خصمَه ضربةً جعلته يتهاوى ثمّ أسرع إلى صالح وساعدَه منتزعًا الرّقعة من يد اللّص الذي استطاع الإفلات والهرب.. ولم يحاول أحد من الشّابّين اللحاق به.. فاتّجها إلى صاحبه ليجداه قد لاذَ بالفرار أيضًا!

تكلّم جابر متصاعد الأنفاس مبديًا إعجابه برفيقِ رحلتِه:

- لقد أنقذتني.. لولاكَ لمَا انفككتُ منهما!

وردّ صالح في سرورٍ منفعل:

- لقد صنعتُ شيئًا لأوّلِ مرّةٍ في حياتي أصنعه!

- إنّها المغامرات التي تبحثُ عنها جاءتكَ سريعًا يا صالح!

- من فضلِ الله إنّهما نسيا أخذ المال.

ردَّ جابر بعمق وهو ينفض التّرابَ عن ثيابِه:

- إنّهما لا يريدان المال.. لقد كانَ المال سترةً يخفيان به ما يبحثان عنه حقيقةً!

- عمَّ يبحثان إذًا؟!

متأمّلًا أجابَ جابر:

- إنْ لمْ يخب ظنّي فإنّهما كانَ يريدان هذه الرّقعة.. لم أتوقّع أنْ يصل الأمر إلى هذا الحد يا يوسف!

- الرّقعة! أيتركان المال ويحاولان أخذَ رقعة؟ إنّه الغباء!

- بلِ الذّكاءُ يا صالح.. إنّ الرّقعة تُساوي مدينةً بكاملها!

- مَن هوَ يوسف هذا؟ وهل كنتَ تعرفُ هذين الرّجلين؟ وأيّ مدينة تقصد؟

- لا أعرفهما.. لكنّي أشكّ أنّهما مرسلان من قبلِ يوسف!

- هل يوسف هذا من أعدائك؟

- إذا استمرّ في ألاعيب كهذه سيُصبحُ حتمًا عدوًّا لدودًا!

- ومَن هو يوسف؟

- شخصٌ ما..

- أعرفُ أنّه شخص وليسَ جنّيًّا ولا حيوانًا!

- إنّه يُشبهُ الجنّ!

- أنتَ لا تُريدُ إخباري بشيء.. لكنّي تذكّرت.. ربّما يكون يوسف بنَ محمّد الذي زارَ والدي بحثًا عن عبد القيّومِ المغوليّ!

- ما رأيكَ أنْ نواصلَ مسيرَنا يا صالح؟

وسكتَ صالح الفضوليّ على مضض.. وهو لا يشكّ أنّ صاحبَهُ يُعالجُ أمرًا غامضًا وربّما خطيرًا.. وأنّه في شوقٍ كبيرٍ لمعرفتِه!

واصلوا طريقَهم وتوغّلوا داخلَ المدينةِ الكبيرَة.. وقاد جابر ضيفَه إلى منزلِه.. وما أنْ ألقوا جُنُوبَهم على الفُرُش بعدَ تعبِ المسير المتواصل حتّى أخذَهم النّوم.

************

الفصل الرّابع

في الصّباح خرجَ جابر من المسجد بعد صلاةِ الفجر.. مستأذنًا ضيفَه في أنْ يغيب ساعةً منَ الزّمن.. وفيما عادَ صالح إلى النّوم، انطلَقَ جابر من فورِه إلى دربِ الميزاب. وعندما وصلَ إلى الدّرب ألفاهُ خاليًا منَ النّاس؛ فجعلَ يتسكّع جيئةً وذهابًا مُتسلّيًا بذلك.. مُنتظرًا أنْ يرى أحدًا منَ النّاس ليسألَه.. وعندما انتشرَ النّورُ رأى دخانًا يتصاعد من أحدِ المنازل، فاتّجَهَ إليه وطرقَ الباب.. ليَفتحَ لهُ بعدَ بُرهة صاحب المنزل وقد بادرَهُ جابر بالسّلام ثمّ سأل:

- أينَ أجدُ بيتَ أسرةِ الشّيخ حسنة المغوليّ؟

أجابَ الرّجل:

- لا أعرفُ رجلًا اسمه حسنة المغوليّ.. لكن ها هنا شابٌّ منَ المغول.. اذهب واسألهُ عن صاحبك فربّما يعرفُه.

- وأينَ هو؟

أشارَ الرّجلُ إلى أحدِ المساكن وقال:

- هذا بيتُه.. وأظنُّ اسمَهُ عبد الصّبور، أو عبد الشّكور.. نسيتُ اسمَه!

ابتهجَ جابر فالاسمُ قريبٌ من اسمِ عبد القيّوم، وسأل:

- هل أجدُهُ هذهِ السّاعة؟

- نعم.. لقد اشتريتُ منهُ حطبًا عقبَ الصّلاة.

انصرفَ جابر وقد تزايدَت بهجَتُه؛ فالشّخصُ شابٌّ وحطّابٌ أيضًا.. إذًا.. عادَ عبد القيّوم إلى عملِ والدِهِ القديم.. المُتاجرَةُ بالحطَب..

وطرقَ جابر الباب.. ثمّ جعلَ يُصلحُ من هيئتِه ويُسوّي حزامَه وعِمامته.. وكانَ يَسمعُ بالدّاخل صوتَ الفأس وهي تقدُّ الحطبَ الغليظ.. وأعادَ جابر طرقَ الباب فانقطَعَ الصّوت.. وبعدَ بُرهةً فُتحَ الباب..

كانَ الذي فتحَ شابًّا مَغوليًّا حقًّا.. كانَ عاريَ الزّندين.. مصبوبَ العَرَق رغمَ لطافةِ الهواء..

لم يتكلّم جابر ممّا حدا بالشّابِّ أنْ يقول:

- مرحبًا يا أخي.. هل تُريدُ حطبًا؟

انتبَهَ جابر، فقال مُتداركًا:

- السّلام عليكم ورحمة الله، لقد ذهلتُ عنِ السّلام!

- وعليكم السّلام.. تفضّل.. عندي حَطَبٌ كثير.. جافٌّ تمامًا.

- لا، أنا لا أريدُ حطبًا!

صمتَ الواقفُ بالباب فيما تابعَ جابر:

- أريدُكَ أنتَ إنْ كنتَ مَن أبحثُ عنه!

- عمّن تبحثُ يا سيّدي؟

- أبحثُ عن عبدِ القيّوم بن حسنَة المغوليّ..

- إذًا أنا مَن تبحثُ عنه؛ أنا عبد القيّوم بن حسنة المغوليّ!

كان عبد القيّوم أقربُ لأن يكونَ طويلًا، عذبَ الملامح، وكانَ مفتول العضلاتِ رشيقًا، ناحلَ الخصر، ذا يدين خشنتين، ومظهرٍ خشنٍ يُناسبُه كحطّاب.. وكانَ كسائر المغول؛ ضيّق العينين لهُ قطعتا شعرٍ فوقَ زوايا فمِه.

وعندما خرجَ إلى جابر كانَ يعتصبُ عصابةً خضراء تندّت بالعَرق.. وكانَ فأسُه ما يزالُ في يدِه.. وقد جمدتْ عليه نظراتُ جابر ثمّ انفرجَت أساريرُه وطافَت بذهنِه الذّكريات.. أهذا عبد القيّوم؟ لقد كبرَ ولم يعُد ذلك الطّفل الذي يعهدُه! ولمّا طالَ الصّمتُ من جابر تحدّثَ "عبد القيّوم" قائلًا:

- مرحبًا بك.. هل كنتَ تبحثُ عنّي إذًا؟

فقال جابر:

- أحقًّا أنتَ عبد القيّوم بن حسنة؟

- نعم يا رجل.. قل ماذا وراءك؟!

ووسطَ دهشتِه هجمَ جابر عليه وضمّهُ ثمّ أفلَتَه ليسألَه:

- ألم تعرفني بعدُ يا فتى؟

قال عبد القيّوم بدهشَة:

- لا!

- ألَا تذكرُ غلامًا كانَ يلعبُ معك في أزقّةِ الحطّابين.. وأنتَ لم تبلغ الحادية عشرة.. وتُشاكسانِ النّاس وتصطادان الفئران معًا قُربَ النّهر؟

- أصدقاءُ الصِّبا كثيرون، وكلّهم قد لعبتُ معهم واصطدنا الفئرانَ معًا.. وشاكسنا النّاسَ أيضًا!

- أنا جابر الحبشيّ.. ألَا تذكُرُني؟

لم يبحث عبد القيّوم في ذاكرتِهِ طويلًا فقد تذكّر صديقَهُ القديم سريعًا وهتَف:

- بلى، تذكّرت.. أحقًّا أنتَ جابر؟!

وانقضَّ عليه بدورِه، وضمّهُ بعُنف ناسيًا أنَّ الفأسَ معه.. وجعلَ يربت على كتفِه بالفأسِ بخشونة.. وهو يرحّبُ به.. ممّا جعلَ جابرًا يصيح:

- الفأس.. الفأس.. كتفي يا رجل!

وعندما أطلقَهُ قال عبد القيّوم:

- لقد مضى خمسةً عشر عامًا على آخرِ لقاءٍ لنا!

- حقًّا لقد تغيّرتَ وكبرت.. واختلفتَ عمّا كنتُ أعهدُك!

- وهل كنتَ ترجو أنْ أظلًّ صَبيًّا أبدَ الدّهر؟!

- وأصبحتَ قويًّا.. لقد كدتَ تكسرُ أضلاعي!

- مَن يعمل حطّابًا ويضرب بالفأس كلَّ يوم لا بدَّ أنْ تشتدّ قوّةُ زنديه.

وعندما هدأت ضجّةُ اللقاء بينَ الصَّديقين القديمَين.. واستنفدا عباراتِ التّرحيب وأسئلة الأحوال.. قالَ عبد القيّوم:

- يا لي من بخيل! لقد تركتُكَ واقفًا بالباب.. تفضّل يا رجل!

- لا.. ليسَ الآن.. أعلمُ أنّه وقتُ خروجك إلى السّوق لبيعِ بضاعتِك.. سآتيكَ في وقتٍ أمتع لك فحديثي إليكَ طويلٌ ومهم.

- لقد علمتُ أن ما جاءَ بكَ إلّا أمرٌ جليل.. وإلّا فما الذي يدعو رفيقَ الولاة وصديقَ السّلاطين، وبعد كلّ هذه السّنين أنْ يتذكّر حطّابًا متواضعًا ويزورَه!!

قالها باسمًا ثمّ دعا جابرًا ثانيةً للدّخول فدخل فهو لم يكن بحاجةٍ إلى إلحاحٍ طويل.. وكان متحرّجًا أنْ يشغل عبدَ القيّوم عن حضورِ السّوق، لكنّ فكرةً عنّت له عندما رأى أكوامَ الحطَب.. فسألَ على الفور:

- كم قيمة هذه الأحطاب كلِّها؟

- عشرون دينارًا..

ثمّ قال وهو يضحك:

- لماذا؟ هل تودُّ شراءها؟

- نعم.. كلّها.

- إذًا ستترك صحبةَ الأكابرِ وأهلَ الشّأن.. وتعزمُ على الاتّجار في الحطب؟!

- لا يا رجل، كلّ ما في الأمر أنَّ لي حظوةً عند الوالي ابن يونس.. فأبي كان من رجالِ أخيه أبي الحسين.. وقد حصلتُ على حرّيّتي منه.

أشرقَ وجهُ عبد القيّوم بالبهاء؛ تأثّرًا بما صار إليه جابر من الحريّة ولاحت لجابر في ملامحه سيما طاهرة دهش لها وقال عبد القيّوم معبّرًا:

- الحمد لله يا جابر.. تلكَ نعمةٌ ألّا يشاركك أحدٌ في نفسِك.

- الحمدُ لله، ذلك من فضلِ الله عليّ..

ثمّ أضاف:

- قل.. هل بعتني أحطابَكَ كلَّها بأربعين دينارًا؟

- هذا كثير! إنّها لا تساوي ما ذكرت!

- إذًا فقد اشتريتُها وأصبحتُ لي.. وهذا ثمنُها.

وبعد أنْ عدَّ أربعين دينارًا من كيسه.. التقطَ يدَ عبد القيّوم الذّاهل ووضع الثّمنَ فيها؛ فقال عبد القيّوم:

- سأظلُّ شهرًا كاملًا لا أبيعُ شيئًا!

- هذا ما أردتُ.. فالآن أستطيع أنْ أتحدّثَ معك بما أريد وأنا مطمئنٌّ أنّي لم أسلبكَ وقتَك وأشغلك عن سوقك.

وبعد أنْ جلسَ جابر، غابَ عبد القيّوم داخلَ البيت ثمّ عاد ومعهُ أرغفةٌ ساخنةٌ غريبةُ الشّكل وإيدام، وقال:

- هذا خبزُنا نحنُ المغول.. لقد أُعجب النّاسُ بخبزِ والدتي فأصبحت تبيعُ لهم حتّى أصبحنا نفكّر في شراءِ هذه الدّار من صاحبِها.

- بربحِ هذا الخبز؟!

- والحطبَ أيضًا.

- وماذا هناك أيضًا؟

- لا شيء.. سوى بستان استأجرناه من قبل في بطحاءِ النّهر أيّام والدي.

- والبستانُ لابن حذيفة.. ثمّ تركتموه إلى أرضِ العالية..

- أنتَ تعرفُ سيرَتَنا!!

- لقد بحثتُ عنكَ بحثًا جيّدًا.. والبارحةُ كنتُ عندَ ابنِ حذيفةَ نفسَه وأصغرُ أولادهِ صالح رجع معي إلى بغداد.

- صالح أعرفه؛ إنّه مدلّلٌ من قِبلِ أبيه.. وغريبُ التّصرّف!

- لكنّه يكرهُ ذلك الدّلال ويضيقُ به، ويشتهي الأخطار!

تأكّد عبد القيّوم بأنّ ثمّةَ دافعًا مهمًّا خلف جابر وزيارتِه.. لكنّه أتمَّ حديثَهُ السّابق:

- ثمّ أصابت أبي علّة.. ومرض؛ فاعتنيتُ بالبستان وحدي ثمّ انتقلنا إلى بستان آخر في أرضِ العاليةِ كما تعرف.. وعندما توفّي والدي رجعنا إلى بغداد حيث ترانا الآن.

- ألم يُرزق والدُكَ بأولادٍ غيرِك وغير محمّد أخيك وأختِكَ عائشة؟

- لا.. لا يوجد سوانا.

- ومحمّد ألا يساعدُك في كسبِ العيش؟

عندها زفرَ عبد القيّوم زفرةً حارّةً وقال بحزن:

- محمّد؟ كم سبّبَ لنا محمّد من المتاعب!

- أذكرُ أنّه كان مشاغبًا..

- لقد نبتَ نبتًا سيّئًا رغمَ حرصِ والدي على إصلاحِه!

- وماذا يعملُ الآن؟ هل أستطيعُ رؤيتَه؟

- لن يراهُ أحدٌ بعد الآن!

- مات؟!

- نعم.. هربَ من أبي ثمّ قُتل.

- هرب؟

- هربَ قبل حوالي خمس عشرةَ سنة، أي بعد فراقِنا بقليل.

- وأينَ ذهب؟

- لا أدري.. سوى ما يشاع، فقد افتقدناه ذات يوم وبحثَ عنه والدي فلم يجده، ومضت أيّام وأسبوع وأسابيع ثمّ شهورٌ وسنوات.. ولم يعد، ويئسنا من عودته.. ورغم صغرِ سنّي ذلك الزّمان إلّا أنّني فرحت بذلك؛ فقد كان يؤذيني ويشاكسُ أمّي بل يضربُها إذا غضب! إنّ أحدًا لم يحزن لهلاكه وفراقِه إلّا أمّي فقد انتابتها الأوجاع وزحفت إليها الشّيخوخةُ بعد موتِه.

- وما الذي دفعهُ للهروب؟

- ربّما يكون ما حدث تلك الليلة هو سببُ هروبِه.. فقد كان والدي يُعنّفهُ على تركهِ الصّلاة.. بل ويضربُه، وقد كان ذلك ممكنًا وهو صبيّ فلمّا شبَّ قليلًا وقارَبَ العشرين صار قويًّا؛ يهدر كالجمَل ولا يستطيعُ أحدٌ الاقترابَ منه إذا هاج..

وذاتَ ليلة ضربهُ والدي ضربًا مؤلمًا.. وبِتنا بشرِّ مساءٍ ذلكَ الوقت. ولمّا انتصفَ الليل استيقظتُ مذعورًا على صراخٍ وعويل فذهبتُ إلى حيث كانت أمّي وأبي وأختي يتعاركون مع محمّد.. لقد اجتمعوا عليه وهم يضربونه بالنّعالِ والعصيّ وهو يحاولُ النّيلَ منهم.. وفهمتُ فيما بعد أنّه حاولَ "الاعتداء" على عائشة فصرخَتْ واجتمعوا عليه.. وفي صباحِ ذلكَ اليوم اختفى!

- ألم تسمعوا عنه شيئًا بعد ذلك؟

- لقد ذكر بعض المسافرين لوالدي أنّهم رأوه في القافلة التي كانوا فيها متّجهًا إلى مصر أو إفريقيا.. وبعد ستّةِ أشهر من رحيلِه قال شخصٌ من أهلِ الثّقة يتجر بين مصر وبغداد إنّه رآه ثملًا في خمّارة في دمياط بمصر.. ثمّ أكّد لنا بعد عودته من إحدى تجاراتِه أنّه قُتلَ في مشاجرةٍ بينه وبين آخر حال سكرهما في دمياط نفسها.

- إنّه حديثٌ مؤلمٌ يا عبد القيّوم..

- حقًّا.. ورغم ذلك فقد فرح الكثيرون من جيراننا لمقتلِه.

- وعائشة؟ تلك الصبيّةُ الحسناء.. ماذا فعلت؟

ابتسم عبد القيّوم بعدما كدّرته القصّةُ الحزينة وقال:

- لقد كبرت عائشة وأصبحت امرأة وتزوّجت.

- إنّها تُشبه أجدادَها المغول؛ فقد كانت تعتدي عليّ دائمًا، وتتلذّذُ بشدِّ شعري إذا كان منفوشًا.. فإذا صرختُ من الألم انفجرَتْ ضاحكةً في غايةِ السّرور!

لم يتمالك عبد القيّوم نفسه من الضّحك وقال:

- لا تأسَ؛ فقد انتقمتُ لكَ منها.. فعندما بلغتُ الثّالثةَ عشرةَ من عمري أحسستُ أنّي أصبحتُ رجلًا يجبُ أنْ يُظهرَ قوّتَه؛ فصرتُ أشدُّ شعرَها فإذا صرخَتْ من الألم جعلتُ أضحكُ عليها..

ثمّ أضاف:

- لقد تزوّجَتْ رجلًا من أهلِ بطحاء النّهر.. جاءَ ليعمل مساعدًا لوالدي في البستان في بدايةِ مرضِه، لكنّه لم يلبث أنْ خطبَ عائشةَ وتزوّجها.. وقد رُزقَت منه أطفالًا.

ابسمَ جابر وهو يقول:

- أرجو ألّا يكونوا قد أشبهوا أخوالَهم؟!

ابتسم عبد القيّوم بدورِهِ وقال:

- من حسنِ الحظّ أنّ والدَهم كان شابًّا هادئًا مسالمًا وقد انصرفوا إليه.

- ووالدتك؟

- إنّها تعيشُ معي، وهيَ التي صنعَتْ هذا الطّعام فأنا لم أتزوّج بعد..

وحكمَ الصّمتُ جلستهما فترة.. حتّى قال عبد القيّوم:

- لقد أخبرتُكَ بكلِّ أمري فأخبرني عن سببِ زيارتِك؛ فأنا متأكّدٌ أنّ خلفَكَ

أمرًا هامًّا!

أخبر جابر عبدَ القيّوم بالقصّةِ كاملة؛ ابتداءً من خبرِ السّجينين اللذين هربا وحدّثا الخليفةَ بشأنِ فظائعِ قانين وانتهاءً بخطّةِ الهجومِ على قصرِ حاكمِها الظّالم. وانتدَبَه أنْ يكونَ الفدائيَّ المجاهد الذي يتسلّل - بأيّ عذر - داخلَ القصر ويكتشفَه، وحثّه على النّهوض والمشاركة في هذه المهمّة وأنّه ركيزةُ هذه الحملة وعمادها ومن الصّعوبة التي تقارب الاستحالة أنْ تتمّ إلّا به؛ فهو القادر على الدّخول بين جنود المغول دون أنْ يُكتشفَ مقصدُه وسيكونُ بعيدًا عن الشّكوك لأنّه يشبههم ويعرفُ لغتَهم.

وأضاف جابر قوله:

- لقد فُتح لي ولك يا عبدَ القيّوم بابُ المجدِ على مصراعيه.. فإنَّ مَن يأتي برأسِ شيّوم أو يقتله فسيكونُ له حُكمُ مدينةِ الأشبار، وهي إحدى أعمالِ الشّامِ العامرة.. فإذا نجحتُ فستكونُ نائبي عليها.. هذا عدا ما ستحصلُ عليه منَ الجاه والمال والحَظوَة لدى القادةِ والأكابر.. واعلَم أن لا أحدَ ينافسني على هذا الأمر إلّا شابٌّ اسمُهُ يوسف بن محمّد.. وهو تحت إمرتي ومن عداد جندي..

- أليسَ هو ابنُ أختِ الوالي ابن يونس؟

- بلى.. هل تعرفُه يا عبدَ القيّوم؟ هل قابلتَه؟!

- لقد سمعتُ به لكنّي لم أرَهُ أبدًا.. إنّه يشتري منّا الحطَب ويُرسلُ غلمانَه إليَّ لهذا الشّأن، وهذا سببُ معرفتي به.. غيرَ أنّ ذلكَ كان أيّام حياةِ والدي.

حمدَ جابر اللهَ أنَّ يوسفَ لم يسبقهُ للفوزِ بعبدِ القيّوم، وتعجّبَ من فطنتِه.. وكيفَ أدركَ أنَّ عبدَ القيّوم صالحٌ لهذه المهمّة. وأضاف عبد القيّوم:

- لستُ أشكُّ أنّ هذا من الجهاد.. ونفسي تحدّثني بالجهاد منذ زمن.. وقد أذنَتْ لي والدتي في ذلك.. كما أنَّ إمامَ المسلمين هوَ مَن ندبَ إليه وكلّفَ به.. غير أنّي أريدُ جهادًا لا حظَّ للدُّنيا فيهِ يا جابر.. جهادٌ لم ينغمسْ في مطامعِ النّفسِ القريبة.. فأنا لستُ بطالبِ مجد إلّا مجدَ الآخرة.. ولا أبتغي مُدُنًا أحكمُها ولا أجرًا على بذلِ روحي.. أنا لا أريدُ إلّا الشّهادةَ في سبيلِ الله فإنْ عدمتها فأحبّ أنْ أرجعَ إلى فأسي وأحطابي ولا شيءَ غير ذلك.

شعر جابر باحتقارٍ خفيٍّ لنفسِه عندما صرَّحَ عبد القيّوم بسموِّ نيّتِه وصفائها وقارن بينها وبين غايته هو وجهاده الممزوجِ حتمًا بحظوظِ الدّنيا والتّفكير في مغانم الحملة ومكاسبِها الدّنيويّة قبل التّفكير في كونِها جهادًا وبذلًا للرّوحِ في سبيلِ الله.

وأفرحتهُ تلكَ الموافقة غير المؤكّدَة من عبد القيّوم، ولتأكيدها قال:

- إذًا فأنتَ لا تُمانعُ منَ السّفر والانضمام إلينا؟

بعد تفكيرٍ قصيرٍ أجالَهُ عبد القيّوم في ذهنِه الصّافي رأى ألّا شيءَ يمنعُه من السّفر ويصدُّه عن المضيّ مجاهدًا في سبيلِ الله سوى قيامِه على رعايةِ والدتِه العجوز..

ولهذا قال لجابر:

- إنّها يا أخي فرصةٌ لا ينبغي إهدارُها.. لكن والدتي مُسنّة فهل أترُكُها؟

ردَّ جابر على الفور قاطعًا على عبد القيّوم الطّريقَ إلى أيِّ عذر:

- ستأتي إليها جاريةٌ من قصرِ الوالي تنامُ عندَها وتخدمُها وتؤانسُها لحينِ عودتِك.

- لكنّها لا تقوى على عملِ الفأس!

- سيُجرَى لها رزقٌ مُرتّبٌ من بيتِ المال ما دُمتَ غائبًا عنها.

- فإنْ هلكتُ؟

- سيبقى رزقُها جاريًا مدى حياتِها، وتكونُ الجاريةُ لها.

سكتَ عبد القيّوم معاودًا التّفكير لكنّ جابر الملهوف على الموافقة حالَ بينه وبين أنْ يتردّد.. فهزّهُ بشدّةٍ وصاحَ به:

- قُل إنّك وافقت؟

وباستسلامٍ وابتسامةٍ ردَّ عبد القيّوم:

- وهل تركتني أقول شيئًا غير ذلك؟!

نهضَ جابر على الفور وقال ببهجةٍ عارمة:

- على بركةِ الله سننطلقُ مع أصحابِنا غدًا صباحًا قبلَ طلوعِ الشّمس.

وعندما صارَ بالباب ناداهُ عبد القيّوم:

- الحطب.. انتظِر.. لقد نسيتَ الحطبَ الذي اشتريتَه!

لكنّ جابر هتفَ له ضاحكًا وهو يحثُّ الخُطى في الممرّ:

- إنّه هديّةٌ لك مقابلَ السُّرور الذي أدخلتَهُ على قلبي.

ثمّ تمتمَ بخفوت وقد ابتعَد:

- السُّرور الذي أخشى أنْ يُنغّصَهُ يوسفُ بن محمّد!

بعدَ انصرافِ جابر لبثَ عبد القيّوم في مكانِه ذاهلًا عن الرّغيفِ الذي يقضمُه.. كانَ يُفكّرُ في الرّحلة القادمة والتي سيكون مرتكزَ المغامرةِ فيها.. لم يكن الخطر هو ما يهمّه.. كانَ مشغولَ التّفكيرِ بوالدتِه.. كيفَ ستقضي أيّامها لحينِ عودتِه.. إنْ عاد! وكيف ستتحمّلُ الوحدة.. وانتظار الأيّام الطّويلة التي قد تُفضي إلى ما لا يسرُّها؟ وكأنّما كانت أمّه تسمعُ أفكارَه.. حينَ دخلَت عليه في فناء الدّار وضمّت ذراعيها إلى صدرِها المترهّل وجعلَت تتأمّلُ وحيدَها والهواء الذي تحرّكَ فجأة يتمايلُ بشعرِها الأشيبِ الرّماديّ.. وشرعتْ تقولُ بلغتِها وهيَ تبتسِم:

- إذًا فقد قرّرتَ الذّهابَ إلى بلادِ فارس؟

فرفعَ عبدُ القيّوم رأسَه وقال:

- هل سمعتِ حوارَنا يا أمّاه؟

- سمعتُ كلّ شيء.. وأستطيعُ أنْ أعرفَ ما الذي تُفكّرُ به!

ثمّ تابعَت:

- تُفكّرُ بي.. ويُكدّرُ خاطرُك أنْ تذهبَ وتتركَني وحيدة.. أليسَ كذلك؟

قفزَ عبدُ القيّوم إليها وقبّلَها وقال:

- دائمًا تستطيعين معرفةَ ما يجولُ في قلبي! وعلى كلٍّ فأنا لم أذهب بعد وأستطيعُ البقاءَ إنْ كنتِ ترغبينَ في ذلك.

- كلّا يا بُني، لا تجعلني حجرَ عثرةٍ في طريقِك وامضِ إلى حيثُ تشاء.. لكن كُن حذرًا؛ فتلكَ البلادُ مليئةٌ بالأخطار.

ضحك عبد القيّوم وهو يقول:

- أمّاه، كيف أكونُ حذرًا وأنا ذاهبٌ لأواجهَ الموت، وأقتحم قصرًا محشورًا بالأعداء، وأتسلّلُ بداخلِه وأنتِ تعلمين شراسةَ أهلِنا المغول!

ببراءةٍ ردّتِ العجوز:

- لا تقل إنّهم أهلنا! بل هم أعداؤنا.. لقد كان والدُك يؤنّبني على مثل هذا الكلام!

- حقًّا يا أمّاه.. إنّ أهلَنا هم المسلمون وهؤلاء أعداؤنا لعدائهم المسلمين.

حملَتْ أمّ عبد القيّوم بقايا الطّعام وهي تتذكّر زوجَها وأبناءها الذين يتناقصون تباعًا.. فبدءًا بالزّوج الذي اغتالَه المرض، ثمّ محمّد الذي قُتلَ فاسقًا في بلادٍ بعيدة، ثمّ عائشة التي تزوّجَت ومكثَتْ مع زوجها بعيدًا عن بغداد.. وها هو عبد القيّوم يُبدي لها رغبتَه في الجهاد ويستطيع إقناعها بأنّ دولةَ بني العبّاس وعلى رأسِها الخليفة ووالي بغداد قد وضعوا فيه ثقتهم لإنجاح هذه المهمّة التي تبنّوها إكرامًا لمسلمين مضطهدين..

وقد كان عزاؤها الوحيد في رحيل ابنها سموّ الغاية التي ستتحقّق من وراء هذه الحملة.. فبطشُ شيّوم لا يخفى عليها واغتيالُه إراحة للمسلمين وإزاحة ظلال ثقيلة عنهم. واحتسبَت صبرَها عند الله فهي قد آمنت مع زوجِها ووجدَت سعادةَ روحِها في الإيمان.. وكانت تتوق أنْ تتقرّبَ إلى الله بشيء.. وها قد وجدَتْه.

لقد بثّت حزنها إلى الله وأفضَتْ إلى ربِّها بمكنونِ صدرِها من آلامِ السّنين الماضية.. وكأنّما كوفئت على ذلك عاجلًا فانداحَ في نفسِها شعورٌ بالفخر بأنْ يعتمد المسلمون وعلى رأسِهم الخليفة والوالي على ابنِها في هذا الأمر.. وحبسَتْ دموعَ اللوعة في محاجرِها.. وعندما سمعَت صوتَ عبد القيّوم يخرجُ من البيت ويغلق الباب ذاهبًا للاستعداد لرحلةِ الغد.. أذنَت لدموعِها بالانسياب وشرعَت تنشج بصوتٍ مسموع.

أمّا جابر فوصل إلى بيتِه، وعندما صارَ قريبًا من الباب سمعَ صوتًا غريبًا.. فأسرعَ باتّجاه الدّار ليسمعَ صوتَ عراك.. وصالح يصيح:

- لنْ أدعكَ تأخذُ شيئًا!

ربطَ جابر فرسَه على عجل، وشهرَ سيفَه، ودخلَ ليجد صالحًا يتعاركُ مع رجلٍ طويلٍ ملثّم لا يظهرُ من وجهه سوى عينيه، فصاح عندها:

- أتقتحمُ بيتي يا شرّير؟!

وجعل يصاوله بمساعدةِ صالح.. لكن الرّجل تمكّن من التقاط جرّةٍ فارغة وقذها بقوّة لتشجَّ جبينَ جابر وتُسقطه ثمّ لاذَ بالفرار.. وانطلقَ صالح خلفَه.. وبقيَ جابر يُعالجُ الجرحَ الصّغير الذي أحدثتهُ الجرّة التي تحطّمَت على هامتِه.

وعادَ صالح دون أنْ يظفرَ بالرّجل، فقال في خيبة:

- لقد أفلتَ اللئيم! ليتني أدري لماذا يهاجموننا بهذا الشّكل!

فقال جابر شاكرًا ومعتذرًا من ضيفِه:

- لقد أبليتَ معي بلاءً حسنًا.. حتّى إنّي أفسدتُ عليكَ نزهتَك.

- أعتقدُ أنّه ممّن هاجمَنا البارحة.. فقد كان يطالبني بالرّقعة.. لقد تركتَها أنتَ عند رأسِك.. وكنتُ أنا قد استيقظتُ لتوّي فسمعتُ رجلًا يتحرّك داخل البيت وظننتُه أنتَ وما أنْ رأيتُه بهذه الهيئة حتّى علمتُ أنّه لصّ.. فألقيتُ بنفسي عليه وكانتِ الرّقعةُ في يدِه فاستوليتُ عليها ثمّ جعلنا نتعارك.. كان هذا قبل أنْ تدخلَ بقليل.

- لقد علموا أنّي غير موجودٍ بالدّاخل فتجرّؤوا على الدّخول ولم يتوقّعوا أنْ يكونَ بانتظارِهم ليثٌ مثلك!

- لماذا كلّ هذا الحرص على الرّقعة؟! أخبرني فلم يعد بوسعكَ أنْ تكتمَ الأمرَ عنّي!

وأخبرَهُ جابر بقصّة الرّقعة فلم يعد بوسعِهِ حقًّا أنْ يُبقيَ الأمرَ مخفيًّا عن صالح.. ولم يعد بوسعِهِ أيضًا أنْ يُخفيَ إعجابَهُ به. وعلّق صالح:

- ولهذا كنتَ جادًّا في البحث عن عبد القيّوم المغوليّ!

- نعم.. وقد وجدتُه بحمدِ الله بل تناولتُ عندَه الإفطار قبل قليل.

- وتركتَ ضيفَكَ للجوع ومصارعة اللّصوص؟!

- أبشر يا صالح؛ أنتَ تستحق الكثير.. وعندي خادمٌ ماهرٌ في إعداد الطّعام وسيعدُّ لكَ إفطارًا جيّدًا!

- وردًّا على بُشراك.. أبشّرُك أنّكَ قد أحسنتَ الاختيار؛ فعبد القيّوم خيرُ مَن يرصد لمهمّةٍ صعبةٍ كهذه.. شجاعةً وحزمًا.

- لقد وافق.. وكنتُ متفائلًا أنّه سيوافق حتّى قبل أنْ أحدّثَهُ بشيء!

ثمّ أضاف:

- وما أريدُه منك أنْ تكتم ما سمعتَ ورأيت ولا تُخبر به أحدًا.. فما أخبرتُك إلّا مكافأةً لك.

- لنْ أخبرَ أحدًا البتة.. لأنّني سأرافقُكم!

- تذهبُ معنا في رحلةٍ خطيرةٍ كهذه؟!

- نعم..

- هذه مجازفةٌ غيرُ مأمونة العواقِب!

- أريدُ أنْ أقتربَ منَ الخطر ولو مرّة.. وأختبرُ نفسي بأسفار طويلة ومفاوز بعيدة حتّى أعرف أيَّ شيءٍ أكون.

- ووالدك؟

- لنْ يعلَم.

وبشيءٍ منَ الشّفقة تأمّلَهُ جابر.. وفكّرَ هل يعتمدُ على قليلِ تجربةٍ مثلِه؟ إنّه مشدود الجسد، قد نبتَ في نعمةٍ وصحّة.. لكنّه كانَ نحيلًا، ناعمَ المظهر، وكفّاهُ لَيّنتان يتضّحُ أنّهما لم يلامسا خشنًا منذ وُلد!

وأراد جابر أنْ يُعفي نفسَه من عناء صحبتِه فقال:

- لا.. أنا أرفض؛ أنتَ ما زلتَ فتى.. فلا تخاطر بحياتِك حتّى يشتدَّ عودُك!

- حتّى أنت؟

- أنا لا أقصدُ إلّا نفعَك؛ فأنا أعلمُ بما في سفرِنا هذا من الأخطار..

وهنا هتفَ صالح بحدّة:

- قُل لي يا هذا مَن الذي أنقذَكَ البارحةَ من أسيافِ الرّجال.. وحرسَ بيتَكَ هذا الصّباح؟!

ولم يتكلّم جابر، بل فوجئ بالهجومِ المُقنع.. وواصل صالح كلامَه:

- وقل لي مَن الذي منعَ اللّصوصَ مِن أخذِ الرُّقعة؟

اقتنعَ جابر.. ولم يرَ بُدًّا من إجابتِهِ إلى ما طلب؛ فاندفاعُ صالح وشجاعتِه المكنونة التي كان دلال أبيه يغمطها.. قد استوليا على إعجابِه، لكنّه أراد أنْ يُقرّره بالمسؤوليّة فقال:

- وافقتُ بشرط أنْ تُخبرَ والدَكَ وتستأذنَه.

فقال صالح:

- لو علمَ أبي بما جرى البارحة وما جرى الآن لفقدَ رشدَهُ ثلاثةَ أيّامٍ بلياليهنّ!

- إذًا ستكونُ مسؤولًا عن نفسِك منَ الآن..

- ومَن قالَ إنّك كنتَ مسؤولًا عنّي طوالَ الوقتِ الماضي؟!

ردودُكَ حادّةٌ يا صالح، ولا يستطيعُ أحدٌ أنْ يُطيلَ جدالَك!

وأوصى جابر صالحًا أنْ يتجاهلَ يوسف بن محمّد ولا يُحدّثَهُ بشيءٍ ممّا جرى حفاظًا على سيرِ الرّحلة وطلبًا لنجاحِها.. ونوى هوَ ألّا يُراجعَ الوالي ويُحدّثَه في اعتداءاتِ يوسف ومهاجماتِه.

************