2
ليس لدى أبي الوقت لتضييعه. أراد العودة إلى حياة طبيعية في أقرب وقت. ابتداء من يوم الغد، عند الفجر، جرّني معه للبحث عن سُخرة بإمكانها أن تكسبنا بعض القطع النقدية. غير أنه لا يعرف الشيء الكثير عن المدينة ولا يعرف من أين تؤكل كتفها. رجعنا مع غروب الشمس بخفي حنين، يرهقنا التعب. خلال ذلك، قامت أمي بتنظيف جحرنا وأدخلت قليلا من النظام في أمتعتنا. تعشينا بفظاظة ونمنا مباشرة.
في اليوم الموالي، قبل الفجر، عدنا، أبي وأنا، للبحث عن شغل. بعد مشي طويل وشاق، جذب ازدحام انتباهنا.
- ما هذا؟ سأل أبي متسوِّلا ملفوفا في أسماله.
- يبحثون عن أذرع لتفريغ شحنة باخرة في الميناء.
اعتقد أبي أنه بصدد الإمساك بخيط الجنة. أمرني بانتظاره على شرفة مطعم عتيق وانقضّ وسط المجموعة. رأيته يُحَرّك ذراعيه شمالا ويمينا قبل أن يختفي داخل الحشد. حينما غادرت الشاحنة المعبأة بالقرويين، لم أجد أثرا لأبي؛ لقد نجح في الركوب معهم.
انتظرته ساعات طويلة تحت الشمس الساحقة. غير بعيد عني، قرب الأكواخ الخشبية، يتزاحم ناس بأسمال رثة، واقفون، مقرفصون، جامدون تحت ظل ملاجئهم التعيسة. كانت أنظار الجميع تائهة، وعلى وجوههم قطعة من الليل الحالك. بدا كما لو أنهم يترقبون في صبر معتم شيئا قد لا يأتي أبدا. عند حلول المساء، تبعثر أغلبهم في صمت، يائسين من كظم غيظهم. لم يبق في الضواحي إلا المشردون وبعض المجانين الصارخين وأشخاص مشبوهون بعيون ذئبية. فجأة صرخ أحدهم "سرّاق"، فحدث هرج ومرج، كأنّ مغارة علي بابا انفتحت فجأة: اشرأبت الأعناق، تمدّدت الأجساد كما الزنابك؛ فرأيت بأمّ عينيّ حفنة من صعاليك متسخين يهجمون على طفل رث الأسمال وهو يحاول التملص منهم. إنه السارق. تمّ رجمه في لمح البصر، وسط صراخ طارد نومي لأسابيع. حينما نُفذت العقوبة، لم يبق وسط الغبار إلا جسد الفتى المتصدّع والغارق في بركة من الدم. صُعقت، فقفزت إلى السقف حينما اقترب مني رجل. قال رافعا يديه إلى الأعلى لطمأنتي:
- لا أريد تخويفك يا بني. أنت هنا منذ الصباح. الآن يجب أن تلتحق ببيتك. هذا المكان لا يليق بك.
- أنتظر أبي... لقد ذهب مع الشاحنة ولم يعد بعد.
- وأين يوجد أبوك الأحمق؟ كيف ينسى ابنه في مثل هذا المكان... أتسكن بعيدا؟
- لا أعرف...
بدا الرجل حائرا. إنه ضخم وطويل القامة، بذراعين مشعرين، ووجه حرقته الشمس وعين مشوّهة. ألقى نظرة حواليه، يداه على خصريه، ثمّ وعلى مضض دفع نحوي مقعدا ودعاني إلى الجلوس إلى طاولة اسودّت من الوسخ.
- سيُظلم الليل بعد قليل، وحان وقت غلق المحل. لا يمكنك البقاء هنا، أفهمت؟ المكان غير آمن. لا يقيم فيه إلا المجانين... هل أكلت؟
أشرت أنْ لا بحركة من الرأس.
- كنت شاكا في الأمر.
دخل إلى المطعم وعاد بصحن معدني تجمد فيه حساء ثخين.
- ليس لديّ الخبز...
اتخذ مكانه إلى جانبي، ألقى إليّ نظرة حزينة وأنا أغطس المغرفة داخل الصحن. قال متنهدا:
- إنّ أباك أحمق حقا.
سقط الليل. أغلق الطباخ محلّه، ولكنه لم يذهب. علّق مصباحا على خشبة وبقي معي، في سحنة مكفهرة.
في الساحة الغارقة في العتمة، تتحرك أشباح هنا وهناك. استولى فريق من لا مأوى لهم على جميع الزوايا، التف بعضهم حول نار من الحطب، وتمدّد البعض الآخر على الأرضية مباشرة استعدادا للنوم. مرّت الساعات، انخفض الضجيج، ولم يظهر أبي بعد. كان غضب الطبّاخ يتصاعد رويدا رويدا كلما مرّ الوقت. تأخّر عن الرجوع إلى بيته، وفي الوقت نفسه يدرك أنه إذا تركني بمفردي سأتعرض لا محالة للاعتداء. حينما ظهر أبي أخيرا، شاحب الوجه، قلقا، صرخ الطباخ في وجهه:
- أين تحسب نفسك يا شقي؟ في مكّة؟ ماذا حدث لك حتى تنسى ابنك في مكان مثل هذا؟ هنا لا ينجو من الاعتداء من كان صنديدا متعوّدا على المعارك، فماذا نقول عن ابنك المسكين؟
كان أبي مسرورا جدا برؤيتي إلى حدّ أنه ابتلع لوم الطباخ مثلما يُبتلع العسل. أدرك أنه أخطأ خطأ جسيما وأنه لولا أن الطباخ وقف إلى جانبي، لما عثر عليّ ثانية. ردّ متلعثما:
- ذهبت مع الشاحنة. ظننت أنهم سيرجعوننا إلى هذا المكان. أخطأت التقدير. أنا لست ابن هذه المدينة. والميناء بعيد جدا عن هذا المكان. فتُهت ولم أعرف طريقي ولا كيف أعود إلى هذا المكان. قضَيت ساعات طويلة وأنا أدور في الأزقة دون أن أعثر على هذا المكان.
صرخ الطباخ وهو ينزع المصباح من الخشبة:
- رأسك هو الذي لا يدور بالشكل المناسب، يا أخي. إن مَن يبحث عن العمل، يترك ابنه في البيت... الآن، سيرا ورائي، واحذرا أين تحطان أرجلكما. سنعبر أقذر حفرة الأفاعي خلقها الله على وجه الأرض. قال أبي:
- لا أعرف كيف أشكرك.
- لم أقم بعمل جبار. لا أحب أن يتعرّض الأطفال للأذى، هذا كل ما في الأمر. كنت سأبقى إلى جانبه إلى غاية الصبح. لم يكن لينجو لو تركته وحيدا في عش الأفاعي هذا. وكان ضميري سيؤنبني كثيرا.
ساعدنا على الخروج من المهلكة بلا عناء، وشرح لنا كيف نتجنب الأحياء الخطيرة كي نعود إلى بيتنا سالمين قبل أن يختفي في العتمة.
طبق أبي توصيات الطباخ بالحرف الواحد. سلّمني لأمي. في الصباح عندما استيقظت، كان قد غادر المنزل. في المساء حينما يعود أكون نائما.
لم أعد أراه.
اشتقت إليه.
لا يوجد شيء لي في الفناء. ضجرت. لقد تربيت وحدي، صديقي الوحيد كلب عجوز. لذلك لم أعرف كيف أنضم إلى الأطفال المتشاجرين بلا انقطاع في الساحة. كما لو أنهم عفاريت في حالة هيجان. كانوا أصغر مني، بعضهم لا يكاد يظهر من الأرض ومع ذلك يقومون بضجيج يوقظ الميت من قبره.
كنت أجلس عند عتبة بابنا وأكتفي بمراقبتهم، تبعدني عنهم ألعابهم المذهلة التي تنتهي دوما بقوس حاجب مفتوح أو ركبة مقشرة.
تقتسم ساحتَنا خمسُ عائلات، جاءت كلها من المدن الداخلية؛ فلاحون مفلسون أو خمّاسون انتهى إيجارهم. في غياب الرجال الذين يغادرون البيت عند الفجر بحثا عن القوت، تلتقي النساء حول البئر ويحاولن منح روح لثقوب الجرذان التي تأوينا، غير منزعجات من المشاجرات الصاخبة التي يخوضها أولادهن. بالنسبة إليهن، إنّ الأشقياء يتدرّبون على مواجهة مصائب الحياة. ومن الأفضل أنْ يبكِّروا على التدريب. كانت اللكمات والركلات التي يتبادلها الأطفال تُدخل في نفوسهن ابتهاجا فعليا لأنهم مباشرة بعد حصص ذرف الدموع والصراخ، يتصالحون لحظة قبل أن يستأنفوا عداواتهم بقتالية مدهشة... تتفاهم النساء بينهن جيدا، يتكاتفن في أوقات الشدّة. حينما تمرض واحدة منهن، يتفقن على وضع شيء في قدرها، يعتنين برضيعها، ويتداولن على خدمتها. يحدث لهن أن يتقاسمن طرف حلوة ما، ويبدو أنهن يتأقلمن مع مشاكلهن الصغيرة برزانة مؤثّرة. وجدتهن رائعات.
هناك بَدرَة، الأمازونية الضخمة، التي تموت في قص الحكايات الفاحشة. كانت جرعة الأوكسجين التي تبهجنا. كانت فجاجة أقوالها تحرج أمي، ولكن الأخريات كنّ شغوفات بسماع حكاياتها. كانت بدرة أما لخمسة أطفال ومراهقَين صعبي المراس. في المرة الأولى، تزوّجت راعي أغنام أبله، يكاد يكون متأخرا عقليا، تقول عنه بأنّه مسلح كالحمار ولكنه لا يعرف شيئا عن شؤون الحياة الزوجية...
هناك باتول، نحيفة وخمرية مثل حبة قرنفلة، شابت وهي في الأربعين، وجهها مليء بالوُشوم، تنفجر ضاحكة قبل حتى أن تفتح بدرة فمها. زُوِّجت قسرا لشيخ في سن جدها، تدّعي أنّ لها قدرات خارقة –تقرأ في خطوط اليد وتفسِّر الأحلام. تأتي النساء من الحي ومن أمكنة أخرى لاستشارتها. تقرأ لهن مستقبلهن مقابل بعض حبات بطاطا، قطعة نقدية أو علبة صابون. أما سكان الساحة فبالمجان...
هناك يَزَّة، سمينة شقراء بصدر ضخم، يضربها زوجها السكير تقريبا كل ليلة. تحدّب رأسها من كثرة الضرب المبرّح الذي تتلقاه كل ليلة، ولم يبق لها من أسنان إلا القليل. عيبها أنها لا تنجب، مما يضاعف غيظ زوجها اتجاهها.
هناك ماما، غارقة إلى الرقبة وسط عش من الأطفال الهائجين، تقوم بشغل عشر خادمات، مستعدة لتقديم أي تنازل كي تمنع سقفها من السقوط على رأسها...
ثمّ هناك حدّة، جميلة كما حور الجنة، لم تكد تخرج من المراهقة حتى وجدت نفسها تعيل طفلين. خرج زوجها ذات صباح يبحث عن الشغل ولم يعد. فبقيَت وحيدة، لا مورد لها ولا معالم تستأنس بها، فلولا تضامن الجيران لاضطرت إلى التسوّل أو ربما إلى ما هو أبشع.
كل يوم، تلتقي النساء حول البئر ويقضين معظم الوقت في الحفر في الماضي مثلما يُحرَّك سكّين داخل جرح. يتحدثن عن بساتينهن المسلوبة، عن هضابهن الخضراء المفقودة إلى الأبد، عن الأقرباء المتروكين هناك، في بلد جميع المصائب، وقد لا تراهن ثانية أبدا. حينئذ تذبل الوجوه حزنا وترتج الأصوات. وحينما تهدّد الأشجان بجرفها، تقفز بهن بَدرة إلى ملابسات مضاجعاتها مع زوجها الأول، وكما العصا السحرية، ترخي الذكريات الحزينة مخالبها السامة، فتتمرغ النساء وهن ينفجرن ضاحكات؛ تستعيد الأمزجة المرحة سطوتها ويسترجع الفناء شيئا من روحه.
يتواصل المزاح إلى غاية سقوط الليل. أحيانا، يستغل بْليس غياب الرجال ويدخل إلى الفناء مستعرضا عضلاته. بمجرد أن تسمع النساء نحنحاته في الرواق، يتبخرن. يهجم السمسار على الفناء الخالي ويوبّخ الأطفال الذين لا يشمّهم، يختلق مشاكل تافهة وينطلق في وصفنا بأشقياء جحودين وبالحشرات لمجرد خربشة لاحظها على الجدار. يقف مقابل غرفة حدّة، وبخبث قملة عوراء، يهدّد بطردنا جميعا إلى الشارع. حينما يغادر الفناء، تخرج النساء من جحورهن مقهقهات، متسليات أكثر، غير خائفات من عنتريات السمسار. كان بْليس يتظاهر برجولة فائقة ولكنه لم يكن قدّها. أبدا، لم يتجرَّأ على إظهار وجهه الشبيه بوجه الجرذ في حضور رجل من الرجال، وإنْ كان طريح الفراش وسط الساحة. كانت بَدْرَة مقتنعة أن بْليس يطارد حدّة. كانت المرأة الشابة فريسة سهلة، فقيرة وهشة، زادها تأخرها في دفع الكراء هشاشة؛ كان السمسار يضغط بقوة كي يُرضِخها.
كي تجنِّبني أمّي بذاءات بَدْرَة، أذنت لي بالخروج إلى الشارع- إذا كنا نسمّي هذا شارعا. إنه درب مُحفّر، تحيطه من الجانبين أكواخ من الزنك وبيوت حقيرة متعفنة. يوجد منزلان فقط بمادة صلبة: حَوْشنا وشبه إسطبل تتكدّس بداخله عدّة عائلات. في الركن، يشتغل الحلاق، هزيل بلا عمر محدّد، قصير القامة لا يكاد يتجاوز الصندوق الخشبي الخاص بجلوس الزبائن، ضامر إلى حدّ أن الأذْرُع الخشنة ترفض دفع ثمن خدماته. عيادته على الهواء الطلق، تتشكّل من صندوق ذخيرة حربية جلبه من مفرغة عسكرية، من قطعة مرآة التقطها من خزانة مهملة ومن لوحة مهترئة عليها إناء معدني وغُرَيرية متنسّلة للصابون ومقص معوج وتشكيلة من الشفرات غير المستعملة. حينما لا يحلق ذقن الشيوخ الجالسين على الأرض، يقرفص إزاء صندوقه ويغني. صوته مبحوح والكلمات مكسّرة، ولكن شيئا ما في تضرّعه يجعل غناءه مؤثرا. لا أملّ من سماعه.
إلى جانب الحلاق ترتفع كومة من الأشياء الغريبة تنتحل شخصية دكان مواد غذائية. يُدعى الدُكاني "ساق الحطب"؛ جندي خيالة سابق مسرَّح، ترك جزءًا من جسده في حقل ألغام. إنها المرّة التي أرى فيها ساقا من حطب. انتابني إحساس غريب. بدا الدكاني مفتخرا بها؛ يحب إشهارها في أنوف الأطفال الذين ينقبون حول أكياسه.
لم يكن "ساق الحطب" راضيا عن تجارته. تنقصه رائحة البارود وجلبة الثكنات. يحلم بالرجوع إلى صفوف الجيش وخوض المعارك مع العدو. في انتظار أن تنبت ساقه المبتورة من جديد، يبيع المصبرات المهربة وأرغفة السكر والزيت المغشوش. في أوقات فراغه، يمارس مهنة قلع الأسنان –رأيته مرارا يقلع بقايا أسنان أطفال مسوّسة بكَلاّبة صدئة؛ فكان كما لو أنه يقلع قلوبهم.
ثمّ هناك الأرض الخلاء المُمتدّة إلى غاية أحراش مخيفة. غامرت باتجاهها ذات صباح، متسليا بالمعارك الطاحنة التي تقودها مجموعتان من الأطفال، الواحدة يقودها دحّو، متوحش برأس حليق مع خصلة شعر مجعدة تتدفق على جبهته، والأخرى يقودها فتى كبير السن، أغلب الظن أنه متخلف عقليا، يتصوّر نفسه غازٍ حقيقي. كما لو أن الأرض انفتحت تحت قدميّ. في لمح البصر، تقاذفتني زوبعة من الأذرع، وجرِّدت من نعليّ وعباءتي وشاشيتي قبل أن أفهم ما يحدث لي. بل حاول بعضهم أن يجرني خلف الأحراش كي يدنسوا عرضي. أجهل كيف استطعت التخلص من الرهط؛ لقد صُدِمت في عمق أعماقي، ولم أضع قدميّ ثانية في تلك الأقاليم الملعونة.
كان أبي يجدف مثل المحكوم عليه بالأشغال الشاقة، ومع ذلك بقي يدور في حلقة مفرغة. كَثُر المُبكّرون والتوظيف مادة نادرة. بؤساء لا حصر لهم يلفظون أنفاسهم في المزابل، بطونهم لاصقة في ظهورهم، والناجون لا يتردّدون في بقر بعضهم البعض من أجل قطعة خبز زنخة. الأوقات صعبة، والمدينة التي روّجت لنا آمالا كبيرة، اتضحت لنا خدعة فظّة مرعبة. مرة على عشرة، يتمكن أبي من خطف شغل مستعجل لا يدر له حتى ما يكفيه لشراء قطعة صابون ينظف نفسه من غبار وعرق السخرة. في بعض الأماسي، يرجع إلى البيت مترنحا، بوجه جهم وظهر متألم من كثرة الأثقال التي يحملها طوال النهار، فيكون في حالة انهيار قصوى بحيث ينام على البطن. كان مرهقا وبالأخص يائسا. يتشقق عناده تحت ثقل الشك.
مرت أسابيع. يضمر أبي على مرأى العين. أضحى سريع الغضب ويعثر في كل مرة على ذريعة ليفرغ غيظه على أمي. لا يضربها؛ يكتفي بالصراخ والتوبيخ، وأمي الصبورة تطأطئ رأسا آثما ولا تقول شيئا. انفلتت الأمور من بين أيدينا وامتلأت ليالينا غيظا. لم يعد أبي يغمض له جفن. لا يتوقف عن التذمر والضرب بيديه. أسمَعه يذرع الغرفة تائها في العتمة؛ أحيانا يخرج إلى الفناء ويجلس على الأرض، ذقنه بين ركبتيه والذراعان حول ساقيه إلى غاية طلوع النهار.
ذات صباح، أمرني بارتداء عباءة نظيفة وأخذني عند أخيه. كان عمي بداخل صيدليته يرتّب علبه وقواريره على الرفوف.
تردّد أبي قبل أن يدخل إلى المحل. لأبي أنفه زائدة، فبقي يدور طويلا حول الموضوع، مرتبكا، قبل أن يكشف عن سرّ زيارته: إنه بحاجة إلى نقود... مباشرة أدخل عمي يده في الدرج-الصندوق، كما لو أنه كان يتوقع سبب زيارة أخيه، وأخرج ورقة نقدية عريضة. نظر أبي إلى الورقة بسحنة مضطربة. أدرك عمي أن أخاه سوف لن يمدّ يده. استدار المصرف ووضعها له في جيبه. بقي أبي خافض الرقبة، مُتجمدا. وحينَما نطق بكلمة "شكرا" كان صوته أبح، أطرش، لا يكاد يُسمع.
عاد عمي إلى مكانه. بدا كما لو أنه يخفي شيئا في قلبه ولا يتجرأ على إفراغه. لم يتوقف بصره عن كيل بصر أبي، فيما كانت أصابعه البيضاء النظيفة تدق بعصبية على خشب المصرف. بعد أن وزن بعناية الإيجابي والسلبي، استرجع رباطة جأشه وقال:
- يا عيسى، أعرف أن الوضع صعب للغاية. ولكنني متيقن بأن حالتك ستتحسن مع الوقت... لو تتركني أساعدك قليلا؟
قال أبي واعدا:
- سأسدّد الدين إلى آخر سنتيم.
- ليس هذا قصدي يا عيسى. سدّد دينك متى شئت. لو كان الأمر بيدي، لستَ مجبرا على دفه شيء. أنا مستعد لإعطائك أكثر. لا يطرح أي مشكل عندي. أنا أخوك، مستعد لمساعدتك في أي وقت وبأي شيء تريده.
تنحنح وأضاف:
- لا أعرف كيف أشرح لك ما أريد قوله. وجدت دوما عوائق كثيرة للحديث معك. أخاف أن أجرح كبرياءَك في وقت لا أرغب إلا أنْ أكون أخاك. يا عيسى، حان الوقت لتتعلّم السماع. لا عيب في سماع نصائح الغير. الحياة تعلّم مستمر؛ كلما اعتقدنا أننا نعرف، كلما صدمنا بحقيقة جهلنا، ذلك أنّ الأشياء تتغيّر بسرعة ومعها الذهنيات.
- سأتدبّر أمري...
- لا أشك في هذا يا عيسى. ولا لحظة واحدة. غير أنّ الإرادة الحسنة تشترط وسائل إصرارها. الإرادة الحسنة وحدها لا تكفي.
- ماذا تقصد بأقوالك يا ماحي؟
ضغط عمي على أصابعه بعصبية بالغة. بحث عن كلماته، أدارها مرارا في ذهنه، ثمّ، وبعد تنهد قال:
- لك زوجة وطفلان. عبء ثقيل بالنسبة لرجل معدم؛ يقيّد يديك، يلوي جناحيك.
- إنها عائلتي.
- أنا أيضا عائلتك.
- يختلف الأمر.
- الأمر سيان، يا عيسى. ابنك حفيدي. إنه من دمي. اتركه عندي. تعرف جيدا أنه لن يحقق شيئا ذا بال في جرتك. ما هي المهنة التي تريد تلقينها إياه؟ حمّال، ماسح أحذية، بغّال؟ يجب أن ترى الواقع كما هو. برفقتك لن يذهب الطفل بعيدا. إن هذا الطفل بحاجة إلى الدخول إلى المدرسة، إلى تعلّم الكتابة والقراءة، إلى أن يعيش طفولة طبيعية. أعرف أن أولاد العرب لا يُوجَّهون إلى الدراسة، بل مصيرهم مرتبط بالحقول ورعي الغنم. أمّا أنا فأستطيع أن أبعثه إلى المدرسة وأجعل منه رجلا متعلما... أرجوك عيسى، لا تسيء فهم طلبي. فكّر بعقلك ولو دقيقة واحدة. إن هذا الطفل لا مستقبل له معك.
تأمل أبي طويلا أقوال أخيه، خافض العينين وجامد الفكين. حينما رفع رأسه، لم يكن له وجه؛ لقد تغلفت تقاسيمه بقناع شاحب.
قال بيأس مطبق:
- دائما هكذا، لن تفهمني أبدا يا أخي.
- لا تتصرف كالأحمق يا عيسى.
- أسكت... من فضلك، لا تزد كلمة... أنا لا أملك معرفتك، وأتأسف على ذلك. ولكن إن كانت المعرفة تتمثل في إهانة الغير، ليس لي حاجة بها.
حاول عمي أن يقول شيئا؛ أسكته أبي بحركة يد صارمة. أخرج الورقة النقدية من جيبه وحطّها على المصرف.
- لا أريد نقودك أيضا.
وعلى هذا، أمسكني من الذراع بضغينة خلت معها أنه نزع لي كتفي ودفعني إلى الشارع. حاول عمي اللحاق بنا؛ ولكنه لم يتجرأ على متابعتنا وبقي واقفا قرب محله، متأكدا أن الخطأ الذي ارتكبه قبل قليل لن يغتفر له أبدا.
لم يكن أبي يمشي، بل كان يتدحرج مثل جلمود صخر على منحدر هضبة. لم أره في نوبة غضب مماثلة. كان على قاب قوسين أو أدنى من الانفجار. ترتعد قسمات وجهه؛ عيناه تبحثان عن كيفية ردم العالم تحت الأرض. لمْ يقل شيئا، وأضاف صمته الدفين إلى هيئته ضغطا أرعد أحشائي وجعلني أخشى وقوع مصيبة.
حينَما ابتعدنا، ألصقني ضد جدار وأغرق بصره المجنون في عينيّ الهلعتين؛ إطلاق مدفعية لم تكن تهزني من الرأس إلى القدمين بتلك الفظاظة. قال بصوت مخنوق:
- هل تعتقد أنّني لا أساوي شيئا؟ هل تعتقد أنني أنجبت طفلا كي أرميه لكلاب مسعورة تنهش لحمه دون أن أفعل شيئا؟ مُخطئ أنتَ على طول الخط إنّ تصوّرت أن هذا صحيح. وعمّك المزيّف مخطئ هو أيضا. والقدر الذي يظن أنه سيهينني مخطئ هو أيضا... أتعرف لماذا؟... ربّما قهرتني الحياة بَعْض الوقت، ولكنني لا أزال على قيد الحياة. وما دمت حيّا، سأفعل المستحيل للخروج من هذه الحفرة العفنة. عندي صحة ثور، وذراعايّ يرفعان جبلا وكرامتي ليست للبيع، مهما كان الثمن.
انْغَرزَت أصابعه في كتفيّ، أوجعتني. لم ينتبه لذلك. كانت عيناه تلمعان في وجهه مثل عيني مَجنون.
- صَحيح أنني لم أكن قادرا على إنقاذ أراضينا، ولكنك تتذكّر جيدا، زرعت القمح وكان المحصول سيكون وافرا لولا تلك المصيبة التي حدثت. وهذا ليس خطئي أنا. عادة ما تنهار الجهود والأدعية أمام جشع العباد. كنت ساذجا. لم أعد كذلك الآن. لا أحد سيطعَنني في الظهر... سأنطلق من الصفر، ولكنني سأنطلق بحذر يقظ. سأشتغل أكثر مما يفعله العبيد، سأواجه نوائب الدهر، وسترى بعينيك شجاعة أبيك وعزيمته التي لا تقهر. سنخرج من هذه الحفرة اللعينة التي تكاد تبتلعنا، سننتقم لأنفسنا، أقسم لك. هل تصدّقني أنت أم لا؟
- نعم أبي.
- حدّق جيدا في عينيّ وقل لي بأنك تصدّقني.
لم يكن لأبي عينان، وإنما جيبان من الدموع والدماء يهددان بإغراقنا نحن الاثنين.
- أنظر إليّ.
أمسكت يده ذقني بعنف وأرغمتني على رفع رأسي.
- أنت لا تصدّقني، أليس كذلك؟
كان حلقي مسدودا ومختنقا. لم أقدر على الكلام ولا على مقاومة نظرته. يده هي التي أبقتني واقفا.
فجأة، ارتطمت يده الأخرى على خدي.
- لا تقول شيئا لأنّك تفكّر بأنني أهذي. أيها الطفل الوقح. ليس من حقك أنْ تشك فيّ، أتسمع؟ ولا أحد يملك حق الشك فيّ. إذا كان عمّك القذر يحتقرني ولا يراني قادرا على إعالة عائلتي، فإنّه ليس أحسن مني على الإطلاق.
إنها المرّة الأولى التي يرفع يده عليّ. لم أفهم، أجهل خطئي والسبب الذي جعله يفرغ شحنة غيظه عليّ. خجلت من أن أكون السبب في إغضابه، كما خفت أن ينكرني، هو الذي يمثل أعز شيء في عينيّ.
رفع أبي يده ثانية ولكنه تركها معلقة. أصابعه ترتعش. عيناه المحتقنتان تشوّهان وجهه. أطلق صرخة بهيمة جريحة، جذبني إلى صدره شاهقا، ضمني إليه بشدّة، ولمدّة طويلة إلى حدّ أحسست أنني سأموت.