3

6 0 00

3

استقرت النساء في ركن من الفناء حول مائدة صغيرة. يرتشفن الشاي وهنّ يتدفأن تحت الشمس. كانت أمّي بينهن، متحفظة، وأختي زَهْرَة بين ذراعيها. انتهى بها الأمر إلى الانضمام إليهن دون أن تشاركهن الحديث. أمّي خجولة، وغالبا ما تحمر وتكاد تختنق من الضيق حينما تنطلق بَدْرَة في حكاياتها الفاحشة. في هذه الظهيرة، كان الحديث متشعبا، ينتقل من الديك إلى الحمار، فقط لمقاومة حرارة الفناء المسيّلة للعرق. كانت عين يزَّة الصهباء سوداء منتفخة؛ لقد عاد زوجها بالأمس ثملا. تصرّفت الأخريات كما لو أنّ شيئا لم يحدث؛ حياءً واحتراما. حافظت يزَّة على كرامتها؛ تواجه نذالة زوجها بعزّة نفس.

قالت ماما لباتول العرّافة:

- منذ فترة، أرى حلما غريبا. يتكرّر دائما: أكون وسط الظلمة، ممدّدة على البطن، وشخص يغرس لي خنجرا في ظهري.

التفتت النساء نحو باتول، يترقبن تفسيرها. مطّت العرافة شفتيها، حكّت شعرها؛ لا ترى شيئا.

- قلتِ بأنه نفس الحلم.

- نعم، نفسه تماما.

سألت بَدرة:

- أنت راقدة على بطنك، في الظلام، وشخص يطعنك بالخنجر في الظهر.

ردّت ماما مؤكّدة:

- هذا هو الضبط.

أضافت بدرة وهي تلعب بعينيها متسلية:

- أنت متأكّدة أنّه خنجر وليس شيئا آخر؟

مرّت بعض الثواني قبل أن تدرك النساء تلميحات بدرة ويغرقن في الضحك. وبما أنّ ماما لم تفهم سبب غرق جاراتها في الضحك، ساعدتها بدرة قليلا:

- يجب أن تقولي لزوجك بأن يخفف من اندفاعاته.

ردّت ماما بعصبية:

- أنت دائما هكذا، ليس في فمك إلا الكلام القبيح. أنا جادة فيما أقول.

- وأنا أيضا، لست أقل جدية منك.

استأنفت النساء ضحكاتهن من جديد، الأفواه مفتوحة على اتساعها في حَمْحمات مرتعدة. حردت منهن ماما بعض اللحظات، منزعجة من قلة حيائهن، ثمّ حينما رأتهن غارقات في قهقهات متواصلة، بدأت تبتسم بدورها، قبل أنْ تنفجر بضحكات متقطعة.

وحدها حدّة لم تضحك. كانت منكمشة على ذاتها، تبدو ضئيلة ولكن جمالها يُسلِب العقل، بعينيها الواسعتين كعيني عروس البحر ووجنتيها الجميلتين على خديها. بدت حزينة ولم تنبس ببنت شفة منذ أن أخذت مكانها وسط الأخريات. فجأة، مدّت ذراعها فوق المائدة وقدّمت راحة يدها لباتول.

- قولي لي ماذا ترين؟

يحمل صوتها حزنا كبيرا.

تردّدت باتول. ولكن أمام هلع نظرة المرأة الشابة، مسكت اليد الصغيرة من طرف الأصابع ولمست بظفرها الخطوط التي ترتسم على الكف الشفاف.

- تملكين يد جنية، يا حدّة.

- قولي لي ماذا ترين يا جارتي العزيزة. أريد أن أعرف، لم أعد قادرة على التحمل.

تأملت باتول طويلا راحة اليد الممدّدة. في صمت.

نطقت حدّة يائسة:

- هل ترين زوجي؟ أين هو؟ ماذا يفعل؟ هل اتخذ زوجة أخرى أم مات؟ أتوسّل إليك، قولي لي ماذا ترين. أنا مستعدّة لمواجهة الحقيقة مهما كانت مرارتها.

تنهدّت باتول؛ ارتخت كتفاها.

- لا أرى زوجك في هذه اليد، يا عزيزتي المسكينة. في أي مكان. لا أحسّ بحضوره ولا بأي أثر له. إما أنه ذهب بعيدا جدا، ونسيك تماما، أو أنه ليس من هذا العالم. شيء مُؤّكد، إنه لن يعود إليك.

شهقت حدّة ولكنها تماسكت. تشبّثت عيناها بعيني العرافة.

- ماذا يخبئ لي المستقبل يا جارتي العزيزة؟ ما مصيري، أنا وَلِيَة وحيدة بطفلين صغيرين، بلا عائلة، بلا عائل يتكفل بي؟

قالت بدرة:

- سوف لن نتركك تضيعين.

ردّت حدّة:

- إذا كان زوجي تركني أضيع، لا يمكن لأيّ ظهر أن يحملني. قولي لي يا باتول، كيف يكون مصيري؟ يجب أن أعرف. حينما يكون المرء على دراية بوقوع مصيبة، يتلقى ضرباتها بصبر.

انحنت باتول على يد جارتها، مرّت ظفرها مرارا على الخطوط المتقاطعة.

- أرى كثيرا من الرجال حولك يا حدّة. ولكن قليلا من الفرح. السعادة ليست ديدنك. أرى انفراجات صغيرة، يلتهمها تدحرج السنوات بسرعة. مناطق ظل وشجن، ومع ذلك فأنت صامدة لا تستسلمين.

- كثير من الرجال؟ هل أصير أرملة أو مطلقة مرات عديدة؟

- الرؤية مُضبّبة. يوجد كثير من الناس حولك، وكثير من الضجيج أيضا. يشبه حلما، ولكنه ليس كذلك. إنه... إنه أمر غريب. ربّما أنا أهذي فقط... أشعر بالتعب يسري في جسدي اليوم. أعذريني...

وقفت باتول والتحقت ببيتها بخطى واهنة.

انتهزت أمي ذهاب العرافة لتنسحب بدورها. وحينما دخلنا غرفتنا وبّختني بصوت خفيض خلف الستار:

- ألا تخجل بجلوسك مع النساء؟ كم مرة قلت لك أن الأطفال لا ينبغي أن يسمعوا ما تحكيه الأمهات؟ أخرج إلى الشارع ولا تبتعد كثيرا.

- لا يوجد شيء لي في الشارع.

- ولا يوجد شيء لك بين النساء كذلك.

- سأتعرّض للضرب مرة أخرى.

- ما عليك إلا أن تدافع عن نفسك. أنت لست طفلة. عاجلا أو آجلا، يجب عليك أن تدبّر أمرك بمفردك، ولن تتوصل إلى ذلك بسماعك لثرثرات النساء.

لا أحب الخروج. إنّ الاعتداء الذي تعرّضت له في ميدان اللعب قرب الأحراش ترك في نفسي هلعا شديدا. لا أغامر بالخروج إلا بعد إلقاء نظرة متفحصة للضواحي، عين أمامي، وعين خلفي، على أهبة الركض لأدنى حركة مشبوهة. بداخلي رعب أسود من أطفال الحي وبالأخص ذلك المسمى "دحّو"، طفل قصير القامة، قميء الوجه وماكر كالشيطان. كان يرعبني. بمجرد أن يظهر طرف أنفه في آخر الزقاق إلا وأشعر بجسدي يتفتت إربا إربا؛ كنت سأعبر الجدران كي لا أقع في قبضته. كان طفلا غامضا، مخاتلا كما الصاعقة. يُقرصن الضواحي على رأس عصابة من فتيان ابن آوى أكثر خداعا وشراسة منه. لا أحد يعرف من أين جاء ولا من هي عائلته، ولكن الجميع يتفق على أنه سينتهي على طرف حبل المشنقة أو بطعنة وتد في الرأس.

ثمّ هناك "ألمورو" –سجين سابق نجا من سبع عشرة سنة من الأشغال الشاقة. كان طويل القامة، شبه عملاق، بجبهة عريضة وأذرع هرقلية. يحمل الوشوم على كامل جسده وشريطا أسود فوق عينه المفقأة. على وجهه ندبة تمتد من الحاجب الأيمن إلى الذقن، تشق فمه إلى قسمين. كان "ألمورو" هو الرعب في أبشع أشكاله. حينما يعلن عن حضوره في مكان ما، تتوقف الأصوات فجأة وينسحب الناس خلسة مطأطئي الرؤوس. ذات صباح، رأيته عن قرب. كنا مجموعة من الأطفال ملتفين حول "ساق الحطب"، الحانوتي. يحكي لنا الخيّال السابق عن بطولاته الحربية في الريف المغربي –لقد خاض حربا ضد المتمرّد البربري عبد الكريم. كنا نشرب من ينابيع شفتي بطلنا حينما رأينا وجهه يصفر. بدا لنا كما لو أن أزمة قلبية بدأت تعصف به. أخطأنا التقدير: كان "ألمورو" واقفا خلفنا، مخيّما على ساقيه الصلبتين، يداه على وركيه. يحدّق في الحانوتي مقهقها.

- أتريد أن تبعث هؤلاء الأطفال إلى جبهة القتال، يا رأس الحطب؟ لهذا تملأ رؤوسهم بحكايات المهزومين؟ لماذا لا تروي لهم كيف رماك ضباطك إلى الكلاب بقدم ناقصة بعد سنوات من الخدمة الوفية؟

فجأة، فقد "ساق الحطب" القدرة على استعمال الكلام؛ كان فمه يتحرك في الهواء مثل فم سمك خارج الماء.

واصل "ألمورو" بغيظ أكبر:

- تحرق محصول القرى البعيدة، تقتل أغنامهم، تتهجّم على المساكين بضربات البنادق، وبعد ذلك تأتي هنا لتعرض انتصاراتك القذرة في الساحة العمومية. وتسمي هذه حربا؟... أتريد أن أقول لك؟... لست إلا نذلا، وتثير في نفسي قرفا عفنا. بي رغبة دفينة في شَويك على اللوحة التي تستعملها كقدم حتى تخرج عيناك من أذنيك... إن الأبطال أمثالك لا يستحقون نصبا تذكارية، ولا حتى كلمة صغيرة على الحفرة الجماعية التي سيحشرون بداخلها. ما أنت إلا بيّاع قذر، يفكّر بتغطية وجهه بإدخالها في رايات أسياده.

كان الخيّال المسكين يصفر ويرتعد؛ كانت جوزة عنقه تصعد وتهبط بسرعة عجيبة. فجأة بدأت رائحة كريهة تنبعث منه –لقد أفرغ ما ببطنه في سرواله.

ومع ذلك، لم يكن في جنان جاتو إلا الأطفال وأصحاب الأذرع القوية. الناس في أعمهم لمْ يَكونوا سيّئين. لمْ يتمكن البؤس من تلويث روحهم، ولا الشقاء من استئصال بساطتهم المرحة. يعرفون أنّهم في الحضيض الأسفل، ومع ذلك لم يتخلوا عن التشبث بالرعاية الإلهية، مقتنعين أنّه في يوم ما سيتبخّر النحس اللاصق بقفاهم وأنّ الأمل سيولد من جديد من رحم رماده. كانوا ناسا طيّبين، وأحيانا محبّبين ومسلين؛ يحافظون على إيمانهم في كل الأوقات والظروف، وهذا يمنح لهم صبرا عجيبا. كان يوم السوق في جنان جاتو يوم حفل حقيقي، ويساهم كل فرد بما استطاع كي يحافظ على الوهم. كان بائعو الحساء يكافحون بقوة من أجل التخلص من المتسوّلين، حيث تتحوّل المغرفة إلى عصا يهشّون بها الذباب المهاجم. بنصف دورو، يمكن الحصول على مشروب يتكوّن من الحمص والكمون والماء المغلي. كما توجد بعض المطابخ المريبة حيث تلتف حولها عناقيد الجائعين تستنشق دخان الطبخ بملء رئتيها. طبعا، لا يغيب اللصوص عن النداء. يجيئون من كل الأصقاع، يتربصون بشجار أو تغافل يستثمرونه. لا ينجر ناس جنان جاتو خلف التحريض. يدركون أنه ليس بمقدورهم ترويض المتمردين، لذلك يفضلون المهرجين. يتهافت الجميع، كبيرا وصغيرا، على حضور مشاهدهم. ومن بين مفضلي هذا "العرس" يتصدر "القوالون" القائمة. يحدث هؤلاء تجمعات مضطربة حول حلقاتهم. لا يستوعب الناس كل تفاصيل حكاياتهم المفكّكة مثل ملابسهم، ولكن لتلك الحكايات القدرة على إغراء الجمهور وإبقائه لاهثا يترقب المزيد من العجب العجاب. إنهم مسرح المنبوذين، مسرح على الهواء الطلق. منهم تعلّمت مثلا أن مياه البحر كانت عذبة قبل أن تفرغ فيها أرامل البحارة دموعها... بعد القوال يأتي فتّان الأفاعي. كانوا يخيفوننا برمي زواحفهم بين أقدامنا. رأيت بعضهم يبتلع الحنش المرتعد إلى النصف قبل أن يخرجه خلسة من كم عباءته –مشهد مُنفِّر وذو علاقة بالتنويم المغناطيسي في آن؛ مشاهد تطاردني في كوابيس ليلية مخيفة... الأكثر مكرا هم المشعوذون، من جميع الأصناف، بحركاتهم وأصواتهم المجلجلة خلف رفوفهم المكدّسة بسوائل غريبة وتمائم سحرية وجثث الحشرات المجففة المشهورة باحتوائها على مفعول مثير للشهوة الجنسية. يقترحون أدوية لجميع أنواع الأمراض؛ الطرش، تسوّس الأسنان، داء المفاصل، الشلل، الحصر، العقم، الصلع، الأرق، السحر، النحس، البرودة الجنسية؛ والناس يصدقون بسذاجة مذهلة. رأيت شخصا ابتلع شرابا وبعد ثواني معدودة راح يقفز ويصيح بالمعجزة وهو يتمرغ على التراب. شيء مدهش. أحيانا يأتي بعض الدراويش الملتحين، يخطبون على الناس بأصوات صَحلاء وسحن متجهمة. يصعدون على مصاطب مرتجلة ويندفعون في كلام بلاغي مسجوع، يندّدون بانحراف العقول وباقتراب الساعة ويوم الحساب. يتحدثون عن القيامة وغضب البشر، والقدر والنساء الزانيات؛ يشيرون إلى المارين بأصابع اتهام ويوبخونهم بألفاظ مكشوفة أو ينطلقون في عرض نظريات غريبة لا أوّل لها ولا آخر... "كم من عبيد تمردوا ضد السلاطين قبل أن يجدوا أنفسهم في حبل المشنقة؟ صرخ أحدهم وهو يحرك لحيته الكثة. كم من سلطان ظن أنه سيغيّر مجرى التاريخ قبل أن يتعفن في عمق زنزانة معتمة؟ كم من نبي حاول إصلاح عقولنا قبل أن يجعلنا أكثر جنونا من السابق؟" ويأتيه جواب من وسط الحشد المتجمهر: "كم مرّة قلت لك أنّك أبشع من الموت. ضع قلنسوة على وجهك الشبيه بوجه بومة وأرينا كيف ترقص رقصة البطن، عوض صدع رؤوسنا بخزعبلاتك..." ومن بين مراكز تسليتنا يوجد سليمان وهو يتأبّط أرغنا صغيرا متنقلا وعلى كتفه قرد؛ يذرع الساحة وهو يدير مرفع علبته الموسيقية فيما يمدّ قرده قبعة الوصيف باتجاه الفضوليين؛ حينما يتصدّق هؤلاء عليه بقطعة نقدية، يشكرهم بتكشير مضحك... على بعد مسافة قصيرة، من جهة زرائب البهائم، يتجمع تجار الحمير، سماسرة مخيفون، ماكرون، يستطيعون تحويل بغلة إلى حصان أصيل بفضل كلامهم الخلاب المقنع؛ أحب الاستماع إليهم وهم يمدحون فضائل بهائمهم. تكاد تحس بمتعة وأنت تقع في حبائلهم لأنك ستشعر حتما بأنهم يعاملونك معاملة تليق بالباشوات... أحيانا، وفي وسط هذا اللغط، تنزل فرقة "القارقابو"، تتشكل من زنوج معبئين بالتمائم، يرقصون كما السحرة، وهم يفتحون عيونهم اللبنية. نستمع إليهم من بعيد، وهم يقرعون صناجاتهم الحديدية ويضربون على طبولهم في جلبة صامة. لا تظهر فرق القارقابو إلا بمناسبة احتفالات زاوية سيدي بلال، وليّهم الصالح. يقودون عجلا استغفاريا ملفوفا بألوان الزاوية ويطوفون على البيوت لجمع المال اللازم لتحقيق شعيرة الأضحية. إنّ مرورهم على حي جنان جاتو يقلب حتما عادات الناس رأسا على عقب؛ تركض النساء إلى عتبات الأبواب برغم الممنوعات، فيما ينبثق الأطفال من جحورهم كما اليرابيع لينضمّوا إلى القافلة؛ فيصبح الهرج والمرج مدوّخا فعلا.

ومن بين جميع هذه الشخصيات العجيبة، يتفوق سليمان على الجميع. موسيقاه جميلة ولطيفة تسري في العروق سريان الماء، وقرده مازح ظريف. يُحكى أنّ سليمان ولد مسيحيا في عائلة فرنسية مرفهة وعالمة، وأنّه وقع في حبّ بدوية من "تعظميت" قبل أن يعتنق الإسلام. يقال بأنه كان باستطاعته أن يعيش عيشة الملوك لأنّ عائلته لم تتنكر له، ولكنه اختار العيش في حضن عائلته الجديدة ومقاسمة أفراحها وأحزانها. قصته مؤثرة جدا. لم يوجد عربي ولا بربري، ولو من بين أولئك الذين لا يحترمون شيئا، لا يُكنّ له تقديرا خاصا أو يتجرأ على رفع يد آثمة عليه. لقد أحببت هذا الرجل حبا جما. إلى أبعد ما يمكن لذاكرتي أن تتذكر، في أعمق قناعات الشيخ الذي صرته الآن، لو يوجد شخص عكس لي، وبمثل هذا الوضوح الرائع، ما أعتبره أكمل رشد: التمييز –هذه القيمة، اليتيمة في أيامنا هذه، والتي كبّرت بشعبي في وقت لم يكن أحد يراهن على جلده.

وخلال تلك الفترة، نجحت في اكتشاف صديق يكبرني ببضع سنوات. يسمى "هواري". كان نحيفا، بل وضامرا ضمورا مربكا، أشقر اللون، أصهب تقريبا، بحاجبين ممتلئين وأنف على شكل منقار طائر أحدّ من مشذب. لم يكن في حقيقة الأمر صديقا؛ يبدو أنّ حضوري لا يزعجه، وبما أنني كنت بحاجة إلى حضوره، اجتهدت لاستحقاقه. ربما كان "هواري" يتيما –أو ربما هاربا من منزل والديه لأنّني لم أره يوما خرج أو دخل بيتا. كان يقتات خلف ركام هائل من الخردة، في نوع من مَطيَرة مغطاة ببقايا براز. يقضي وقته في صيد العصافير لبيعها.

لا يقول هواري شيئا أبدا. يمكنني أن أحدّثه لساعات طويلة، فلا يعير لي أدنى اهتمام. كان طفلا غريب الأطوار ووحيدا، يلبس سروال المدن و"بيري" فيما كان أطفال الحي لا يزالون يلفون أجسادهم في العباءات ويغطون رؤوسهم بالشواشي. في المساء، يصنع فخاخا بأعواد الزيتون التي يغطسها في صمغ قوي. في الصباح، أرافقه داخل الأحراش وأساعده لإخفاء أفخاخه وسط الأجمات. كلما حطّ طائر فوق الفخ وطفق يضرب بجناحيه هلعا، ننقضّ عليه ونضعه بداخل قفص في انتظار القبض على آخرين. بعد ذلك، نذهب إلى الشوارع لنقترح تحف صيدنا على مربي العصافير المتربصين.

تحصّلت على أولى نقودي مع هواري. هواري لا يغش. عند نهاية جولتنا التي تمتد أياما عديدة، يدعوني إلى متابعته إلى ركن هادئ حيث يفرغ محتوى كيسه. يأخذ قطعة نقدية له ويدفع بأخرى نحوي، وهكذا إلى أن لا يجد شيئا يقتسمه. بعد ذلك، يرافقني إلى غاية الفناء وينسحب. في الغد، أنا الذي كنت ألتحق به في المطيرة. أظن أنه لم يكن يأتي أبدا للبحث عني، لأنّ بمقدوره أن يستغني عن مساعدتي ومساعدة أي شخص آخر.

كنت أشعر براحة مع هواري. واثقا ورائقا. دَحّو الصعلوك نفسه يتركنا في حالنا. لهواري نظرة داكنة، معدنية، غامضة تبعد المزعجين. صَحيح أنه لا يقول شيئا، ولكنه حينما يقطّب حاجبيه، ينزلق الأطفال هاربين بسرعة تجعل ظلهم يتأخر في اللحاق بهم. أظن أنني كنت سعيدا مع هواري. أحببت صَيد العصافير كما تعلّمت أشياء كثيرة حول الفخاخ وفن التمويه.

ذات مساء، انهار كل شيء في وقت كنت أفكّر أنني سأجعل أبي فخورا بي. انتظرت نهاية العشاء كي أخرج كنزي الصغير من مخبئه. ثمّ مددت ثمار جهدي لوالدي بيد ترتعد من الانفعال. سألني بريب:

- ما هذا؟

- لا أعرف الحساب... إنها النقود التي ربحتها ببيع العصافير.

- أي عصافير؟

- عصافير ملوّنة جميلة. أقبض عليها بعيدان مبللة بالصمغ...

بفظاظة، أمسكني أبي من اليد كي يقاطعني. من جديد، لمعت عيناه ببريق جنوني. زيّف ارتجاف صوته حينما قال:

- افتَح أذنيك جيدا يا بني. أنا لست بحاجة إلى نقودك ولا إلى إمام يقرأ شهادة موتي.

تضاعفت قوة ضغطه كلما مطّ الوجع قسمات وجهي.

- أترى؟... إنني أوجعك. أحس بوجعك يسري بعروقي. لا أريد سحق يدك؛ أحاول فقط أن أدخل برأسك الصغير أنني لست شبحا، وأنني من لحم ودم، وأنني لا أزال على قيد الحياة.

شعرت بعظام أصابعي تذوب داخل قبضتي. غيّمت دموعي نظرتي. اختنقْت من الألم، ولكنه من غير المقبول أن أصرخ أو أبكي. بيني وبين أبي، كل شيء مسألة شرف؛ ولا يقاس الشرف إلا بقدرتنا على تجاوز الصعوبات.

سألني وهو يريني المائدة التي تتناثر فوقها بقايا أكل:

- ماذا ترى هنا تحت أنفك؟

- عشاءنا يا أبي.

- ليست وليمة، ولكنك أكلت حتى شبعت، أليْس كذلك؟

- نعم يا أبي.

- منذ أن جئنا إلى هذه الدار، هل حدث لك أن نمت بلا عشاء؟

- لا يا أبي.

- وهذه المائدة التي تأكل عليها، هل كانت لدينا عند وصولنا؟

- لا يا أبي.

- وهذه المدفأة البترولية، هناك في الركن، هل أعطاها لنا شخص ما؟ هل التقطناها في الشارع؟

- لقد اشتريتها لنا يا أبي.

- عند وصولنا كنا نستضيء بـ"الماريبوزا"، أليس كذلك؟ فتيل يرثى لحاله يَعوم وسط بقعة زيت، أتتذكّر؟... وبماذا نستضيء هذه الليلة؟

- بالقنديل البترولي.

- والأفرشة والأغطية والوسائد، والدلو والمكنسة؟

- اشتريتها كلها يا أبي.

- إذن لماذا لا تحاول أن تفهم يا ولدي؟ قلتُ لك في المرة السابقة: حالتي في الحضيض الأسفل ولكنني لم أمت بعد. أنا نادِم أشد الندم لأنني لا أستطيع توريثك أرض أجدادك. ولا يمكنك تصور مدى ندمي وألمي. لا تمر لحظة دون أن ألوم نفسي. ولكنني لا أستسلم. أستميت في الشغل كي أسترجع قليلا مما ضاع. ولكن مسئولية إخراجكم من هذا الجحيم هي مسئوليتي وحدي، وحدي دون غيري. هل تفهمني يا ولدي. لا أريدك أن تشعر بأدنى مسئولية فيما حدث لنا. لا دخل لك في الأمر. لستَ مدينا لي بشيء. لا أسمَح لك بممارسة أي شغل كي تساعدني. أنا لا آكل من هذا الخبز. أسقط وأنهض، إنه الثمن المطلوب دفعه، ولست حاقدا على أحد. لأنني سأصل، أعطيك عهدي. أنسيت بأنني أملك ذراعين أرفَع بهما جبلا؟ لذلك، فباسم أحيائنا وأمواتنا، إذا أردت تخفيف تأنيب ضميري فلا تعد أبدا ما فعلته اليوم أمامي، وتذكّر أن كل قطعة نقدية تدخلها إلى البيت تغرقني بشبر آخر في العار.

رفع ضغطه عني. ذابت يدي ونقودي، الواحدة في الأخرى –كنت عاجزا عن تحريك أصابعي. امتدّ الخدر إلى غاية المرفق.

في الغد، أرجعت أرباحي إلى هواري.

قطّب هواري حاجبيه وهو يراني أدس النقود في جرابه. لم يدم اندهاشه طويلا. عاد إلى الاهتمام بفخاخه كما لو أنّني لم أفعل شيئا.

أربكني ردّ فعل والدي. لماذا أساء الظن بمساهمتي المتواضعة؟ ألست ابنه، لحم لحمه؟ بأي صيغة حمقاء تتحوّل نية حسنة إلى إهانة؟ كنت سأمتلئ فخرا لو قبل نقودي. عوض هذا، قمت بجرحه.

أظن بأنه ابتداء من تلك الليلة بدأت أشك في استقامة نواياي الحسنة. امتلك الشك كياني، احتله كلية.

لم أعد أفهم.

لم أكن واثقا من أي شيء.

طفق أبي يسترجع زمام الأمور بيديه. كان يحاول خاصة أن يؤكّد لي أن عمي مخطئ في حقه. كان يجهد نفسه في الشغل ولا يخفي عنا ذلك. هو الذي كان سابقا يكتم مشاريعه كي يقيها من العين الحاسدة، ها هو يحكي لأمي وبجميع التفاصيل عن المبادرات التي يباشرها كي يوسّع حقول أشغاله ويربح نقودا أكثر –كان يرفع صوته متعمدا كي أسمعه. كان يعدنا بالعجب العجاب، يقوم برن قطعه النقدية مع عودته مباشرة، وعيناه تلمعان، يحدثنا عن منزلنا المستقبلي، منزل حقيقيي، بمصراعين في النوافذ، وباب من الحطب عند المدخل، وربما، من يعرف؟ بستان صغير حيث سيزرع فيه الكسبرة والنعناع والطماطم وعساقل أخرى ستذوب على طرف اللسان أسرع من الحلويات. كانت أمي تستمع إليه، مسرورة برؤية زوجها يشيّد أحلاما مغرية، وإن كانت غير مصدقة بجميع ما يقول. ولكنها تتصنع تصديقه، وحينما يمسك بيدها –الشيء الذي لم أره يفعله سابقا- تذوب أمي ابتهاجا.

كان أبي يجهد نفسه ليل نهار. أراد الخروج من هذا الوضع في أقرب وقت ممكن. في الصباح، يشتغل عند أعشّابي؛ بعد الظهر عند خضار متجول؛ وفي المساء، يشتغل مُدلكا في حمام عمومي. كان يفكر في إنشاء شغل خاص به.

من جهتي، كنت أتسكع في الأزقة، وحدي، تائها.

ذات صباح، فاجأني دَحّو الصعلوك أسرح بعيدا عن بيتنا. كان يحمل حنشا حول ذراعيه؛ حنش أخضر اللون وبشع المنظر. حاصرني في ركن وبدأ يحرك الزاحفة تحت أنفي وهو يدوّر عينيه النهمتين. لا أحتمل رؤية الأحناش؛ يهزني رعب أسود. تسلى دَحّو بالموقف، ساخرا من خوفي؛ وصفني بدجاجة مبللة، بامرأة... كنت على وشك الإغماء حينما نزل عليّ هواري من السماء. مباشرة، أوقف دَحّو تعذيبه الصغير، مستعدا للفرار إن تدخل صديقي لإنقاذي. لم يُسرع هواري لإنقاذي. نظر إلينا لحظة ثمّ واصل سيره كما لو أنّ شيئا لم يكن. لم أصدق ما رأيت. اطمأن دَحّو، فاستأنف تخويفه لي وهو يقهقه بصوت مرتفع؛ ليواصل ضحكه إلى الأبد، لم يعد يثير في نفسي شيئا. لقد تغلّب حزني على خوفي: لم يعد لي صديق.